الأخلاق والسياسة: جدلية الفردي والمؤسساتي
Morality and Politics: The Individual and Institutional Dialectic
الملخّص
حتى لا نقع في العدمية السياسية ونعلن أن السياسة قذرة بنوعها، من الضروري أن نحلّ التناقض المعهود بين الأخلاق والسياسة. الغالب على علم الأخلاق هو مناقشة الأخلاق الفردية. والغالب على من يعتقد إمكانية جمع الأخلاق مع السياسة هو الانطلاق من المسؤولية الفردية ومحاولة تحديدها في السياق المؤسساتي السياسي. تقترح هذه الدراسة منهجية جديدة في حل معضلة الأخلاق السياسية، بحيث تحاجج بأن هناك ما يمكن تسميته بأخلاق المؤسسة. نعم الأخلاق والسياسة ينتميان إلى عالمين مختلفين كما زعم كثير من الفلاسفة، لكن من الممكن الانطلاق من الفردي وتعميمه وتوسيعه لنصل إلى المؤسساتي باستخدام منهجية المنظوماتية (النسقية) في فهم الأخلاق والمؤسسة.
Abstract
Abstract: To avoid falling victim to political nihilism, the often perceived contradiction between morals and politics must be resolved. Individual morality is a persistent discussion in ethics, while those who believe that morals and politics can intersect customarily favour discussion of ways to determine responsibility in an institutional context over individual responsibility. The present paper proposes a new resolution to the problem of political morality. It argues for what can be called institutional morality. It is true that morals and politics belong to two different philosophical realms; however, it is possible to depart from the individual and generalize morality in an institutional setting using the methodology of systemics to understand morals and institutions.
- الأخلاق السياسية
- المنظوماتية (النسقية)
- المنظومة (النسق)
- البنيوية الوظيفية
- العدمية السياسية
- Political Morality
- Systemics
- Systems
- Functional Structuralism
- Political Nihilism
مقدمة: الأخلاق والسياسة - مقاربات فلسفية واجتماعية
يرى الفيلسوف الأسترالي بول فورموسا أن الآراء حول علاقة السياسة بالأخلاق تنقسم إلى ثلاثة مدارس: المدرسة المثالية التي يمثلها إيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724)، وهي تفرض الأخلاق نفسها على السياسة وتسيّرها؛ والمدرسة الواقعية التي يمثلها نيقولااي مكيافيلّي
Machiavelli Niccolo (1527–1469) وكارل شميت Schmitt Carl (1985–1888)، وهي تفرض السياسة نفسها على الأخلاق، وتجعل لها الأولوية؛ والمدرسة التفاوضية التي يمثلها ماكس فيبر Max Weber (1920–1864) وجاك دريدا Derrida Jacques (2004–1930)، بحيث تتحاور السياسة مع الأخلاق في علاقة غير صفرية من أجل الوصول إلى حل يرضي الطرفين. وتنتمي هذه الدراسة إلى المدرسة الثالثة، ونضيف أن الأخلاق تفاوضية دائمًا في جميع أشكالها وح لااتها. إن العالم الذي يرسمه كانط يبدو جميلً لكننا لاا نعتبره واقعيًا، فبالنسبة إلى كانط "إن الأخلاق بذاتها
هي علم العمل [عملية] [...] من حيث اشتمالها على جملة القوانين المطلقة التي ينبغي أن نعمل بمقتضاها [...]. إذًا لاا يمكن أن يقوم خلاف بين السياسة، من حيث هي علم العمل في القانون، وبين الأخلاق من حيث هي علمه النظري". وهو يعتبر الأخلاق عملية أكثر من السياسة بسبب وضوح هدفها، "فالسياسة الصحيحة لاا تستطيع أن تخطو خطوة إلاا بعد أداء التحية أوالً لأخلاق. والسياسة في ذاتها فن صعب، ولكنها ليست كذلك إذا جمعنا بينها وبين الأخلاق، لأن الأخلاق تقطع في المشكلات التي تستعصي على السياسة، فور وقوع النزاع بينهما". وعلى العكس من هذه النظرة إلى علاقة الأخلاق بالسياسة، يرى مكيافيلّي أن الأخلاق تسبح في عالم من الخيال، فهو، أي الباحث، "لاا [يود] إلاا الوصول إلى الحقيقة وليس تخيلها، وأن الأصح هو أن تكتب ما يفيد الآخرين وليس ما نتخيله [...] وشتان بين حياتنا كما نحياها وبين ما ينبغي أن تكون؛ فبعض ما قد يبدو فضائل قد يهلكنا لو طبقناه، والبعض الآخر الذي يبدو من الرذائل قد يسبب سلامة الإنسان وسعادته"، "فعلى الأمير إذًا ألّ يحفظ عهدًا يكون الوفاء به ضد مصلحته، وألاا يستمر في الوفاء بوعد انتهت أسباب لاارتباط به". لكن الباحثينلاا يعطون مكيافيلّي حقه محللً سياسيًّا لمنظومة الحكم. أما بالنسبة إلى
الحاكم الفرد فإنه "[من] المفيد أن يبدو الأمير رحيمًا، وفيًا، حلو الصفات، صادقًا، متدينًا، وأن يكون
كذلك فعلً، وليس للمظهر فقط. ولكن يجب أن يتهيأ عقلك لكي تتحول إلى أضداد هذه الصفات عند الحاجة". يقول مكيافيلّي ما يقوله كارل شميت بكلمات أكثر "فلسفة"، فبالنسبة إلى شميت "المفاهيم الليبرالية تتحرك عادة بين الإيتيقا (الروح) ولااقتصاد (العمل)، وتحاول – انطلاقًا من هذين
(1) Paul Formosa, "'All Politics Must Bend Its Knee Before Right': Kant on the Relation of Morals to Politics," Social Theory and Practice, vol. 34, no. 2 (April 2008), pp. 157–181.
(((إيمانويل كانط، مشروع للسلام الدائم، ترجمة عثمان أمين (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1952)، ص.49 (((المرجع نفسه، ص.109–87 (((نيقولاا ميكيافللي، الأمير، ترجمة أكرم مؤمن (القاهرة: مكتبة ابن سينا، 2004)، ص.81 (((المرجع نفسه، ص.89 (((المرجع نفسه، ص 81–80،.91–90
القطبين – القضاء على السياسي من حيث هو حيز 'العنف الفاتح"'. تعني "الليبرالية" هنا المذهبَ
الفلسفي الأوروبي الذي ظهر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والذي يضع حرية الإنسان فوق كل اعتبار. ونتفق مع روح مقولته في أن الأخلاق قد تُعوق عمل السياسي، لكننا لاا نذهب إلى الزعم بأن الأخلاق يمكن أن تقضي على السياسة. ما نود قوله في هذه الدراسة هو أنه يمكن أن يكون للسياسة، من حيث هي فضاء فعل اجتماعي مختلف عن الفضاء الفردي، أخلاقها الخاصة المتميزة عن الأخلاق الفردية. لاا يبدو أن شميت كان ينهل من معين فيبر الذي يؤكد أنه وجود لمذهب أخلاقي في العالم يمكن أن يتنصل من الواقعة الآتية: علينا من أجل بلوغ الأهداف النبيلة في عدة ح لاات أن نعتمد أحيانًا وسائل غير شريفة، أو وسائل خطيرة على الأقل، أو أن نتقبل ما يترتب عليها من احتم لاات أو نتائج ثانوية. لكن أيضًا من ناحية عملية، العنف هو الوسيلة الحاسمة في السياسة، وفي إمكاننا أن نقيس إلى أي مدى يمكن أن يوصل التوتر من الناحية الأخلاقية بين الوسائل والغاية. فإذا استخدم أحد اللاعبين السياسيين العنف (وهم لااشتراكيون الثوريون في حديث فيبر)، فإنه يصبح من السخرية أن يعمد هؤلااء اللاعبون "باسم الأخلاق إلى إدانة 'سياسة العنف' عند أهل النظام القديم بينما هم في نهاية الأمر يستخدمون الأسلوب الأخلاقي نفسه أيًا كان تبرير موقفهم إذ يعمدون إلى رفض أهداف خصومهم". ففي
السياسة، وفق فهمنا لفيبر، يصبح حديث الأخلاق مجرد تبرير للتصرفات العنفية تجاه الخصوم. إن الأخلاق والسياسة تعتمدان على وسيلتين مختلفتين، فالسياسة تعتمد وسيلة العنف، بينما لا تستطيع الأخلاق تبرير مثل هذا لااستخدام إلاا إذا كانت اللغة الأخلاقية مجرد تبرير. في كتابالمفاوضات (2002)الذي يشمل مقابلات صحفية مع دريدا، يتعامل الفيلسوف مع حالة خاصة هي الموقف العسكري الذي كانت تستعمله الحكومة الفرنسية في تسعينيات القرن الماضي ضد عمليات تفجير اعتبرتها إرهابية، انطلاقًا من أن هذا الموقف أخلاقي؛ لأن الأخلاق تتطلب الحسم. بالنسبة إلى دريدا؛ الأخلاق والسياسة تجتمعان على ثلاث نقاط: ضرورة الفعل، وفعل مسؤول وناتج من تفكير متأنٍ، وفورية الفعل؛ أي عدم انتظار نهاية التفكير. والزعم الخاطئ بالنسبة إليه هو أن الأخلاق لاا تقبل الحسابات بينما السياسة تقوم على الحسابات، ومن ثم فهي في حاجة إلى مزيد من الوقت. وهو يعتبر أن هذا في الظاهر فقط، وما على الإنسان إلاا أن يهمل هذه الفورية، فقد يميز السياسيون نوعيًا بين الأخلاق والسياسة بما يقتضيه اختلاف الموقف والتصرف، إلاا أن التفاوض هو حقيقة الأمر؛
إذ "ليس فرضًا أن يفاوض الإنسان بين شيئين يمكن التفاوض عليهما. لكن من المحتّم أن يفاوض بين شيئين لاا يمكن التفاوض عليهما". وإننا نتفق تمامًا مع دريدا في هذا الموقف الفلسفي، وهذا
لااعتبار العملي؛ إن التفاوض موجود في صلب الأخلاق كما هو في صلب السياسة.
(((كارل شميت، مفهوم السياسي، ترجمة سومر المير محمود (القاهرة: مدارات لأبحاث والنشر، 2017)، ص.126 (((ماكس فيبر، العلم والسياسة بوصفهماحرفة، ترجمة جورج كتورة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011)، ص.370–261
(9) Jacques Derrida, "Ethics and Politics Today," in: Negotiations: Interventions and Interviews, 1971–2001, Elizabeth Rottenberg (trans.) (Stanford: Stanford University Press, 2002), pp. 295–314, 296, 301–304.
وبما أننا نعتمد هنا تسلسلً زمنيًا لسرد آراء الفلاسفة حول علاقة السياسة بالأخلاق، فإن موقف بول
ريكور (2005–1913) من هذا الموضوع في كتابه التاريخ والحقيقة (1955) قد يكون قفزة إلى الوراء، إلى زمن كانط "الجميل". يعود ريكور إلى أرسطو جاعلًالسياسة وسيلة المجتمع في الوصول إلى السعادة تمامًا كما هي الأخلاق. ووفق الكاتبة روبي سوازو، إن ريكور يصل إلى الإقرار بتناقض السياسة مع الأخلاق، لكنه تناقض ممكن الحل تحت راية تحقيق المجتمع لهدف السعادة. وتعتقد الكاتبة أنه من أجل تخفيف وطأة التناقض السياسي، فإن ريكور يؤكد ضرورة تقاطع الأخلاق والسياسة؛ ففي مركز هذا التقاطع تكمن فكرة الرعاية مع الآخرين ومن أجلهم؛ إنها الفكرة التي تحقق هدف السياسة في الوصول إلى سعادة المجتمع. أما عالم لااجتماع الألماني نيكلاس لومان (1998–1927)، فإنه يرى أن الأخلاق مجرد لغة لمنظومة (نسق) قديمة ما قبل المؤسسات. إنه رأي يستحق التوقف عنده لأننا سنستخدم لااحقًا وبكثافة فكرة المنظومة (نسق) التي يستخدمها لومان. لكن بينما يعتقد لومان أن لْاا منظومة إلاا المجتمع بأسره وأن السياسة والقانون والدين مثلً ليست إلاا فضاءات وظيفية، أو منظومات جزئية، فإننا نعتبر أن أي مجتمع مهما كبر أو صغر، وأن أي مؤسسة مهما كانت درجة صرامة تنظيمها، هي منظومات أيضًا. بالنسبة إلى لومان، وفق هانس–أولريش دالمان، "في المجتمعات ما قبل الحديثة، كان انضمام الناس إلى المجتمع محكومًا بالأخلاق. أما اليوم فإن الأخلاق لاا تحيلنا إلى أي منظومة–جزئية مثل المعرفة (العلم)، الإيمان (الدين)، السلطة (السياسة). وتاليًا فإن الأخلاق تنتمي إلى البيئة العامة لكل المنظومات الجزئية في
المجتمع؛ الأخلاق تقع على مسافات متساوية من كل المنظومات الجزئية. إن كود (لغة) الأخلاق وكود (لغة) المنظومات الجزئية ليسا متناغمين"؛ أي إن الأخلاق ليس لها وظيفة ولاا تؤدي خدمة، أما التفكّر،
(10) Paul Ricœur , History and Truth, Charles A. Kelbley (trans.) (Evanston, Illinois: Northwestern University Press, 1965), pp. 249.
يقتبس بول ريكور قول أرسطو: "كل دولة هي مجتمع من نوع ما، وكل مجتمع، ككل أشكال التجمع، يتشكل متطلعًا إلى خير ما؛
فالإنسان يتصرف دائمًا مبتغيًا خيرًا مرغوبًا. إذًا، إذا كانت كل المجتمعات تبتغي خيرًا ما، فالدولة، وهي الأعلى بين كل المجتمعات،
والتي تحتوي كل ما عداها، تبتغي الخير الأعلى والأكمل". ويتابع قائلً: "إن مفهوم الحياة السعيدة يحيلنا إلى السياسة والأخلاق كليهما". ينظر: Ibid.
(11) Ruby Suazo, "Ricœur’s Ethics of Politics and Democracy," Philosophy Today , vol. 58, no. 4 (2014), pp. 697–712.
وفق الكاتبة، يعتقد ريكور أن في السياسة تناقضًا أصيل، فالسياسة لها وجهان محمولاان على محورين متعامدين: "المحور الأفقي يخص رغبة الناس في العيش المشترك وممارسة السلطة المشتركة. والمحور الشاقولي، على الجهة الأخرى، يحيلنا إلى الجانب الهرمي من السياسة والذي يمايز بين الحاكم والمحكوم، والموسوم بالهيمنة والعنف السياسي الساكن في كليهما. هذا هو تناقض السياسة حيث من المفروض أن تكمن السلطة في الناس الذين يرغبون في العيش المشترك، لكن هذه السلطة تكمن حقيقة في أيدي الحاكمين". ينظر: Ibid., p. 700.
(12) Hans–Ulrich Dallmann, "Niklas Luhmann’s Systems Theory as a Challenge for Ethics," Ethical Theory and Moral Practice, vol. 1, no. 1 (1998), pp. 85–102, 89–90.
بالنسبة إلى لومان، وفق دالمان، فإن المنظومات الجزئية التي يمكن تمييزها ضمن المجتمع مثل السياسة أو الدين تقوم على ثلاثة
أعمدة: الوظيفة وهي علاقة المنظومة الجزئية مع المنظومة العامة، الخدمة وهي علاقة المنظومات الجزئية مع بعضها، والتفكّر وهو
العلاقة مع الذات أي فهم المنظومة لذاتها؛ أي هويتها (فهوية المنظومة القانونية مثلً هي التمييز بين ما هو عادل وما هو غير عادل)،
ينظر: Ibid., p. 90.
الذي هو شأن علم الأخلاق Ethics، فهو تفكّر لاا جدوى منه. وأما الأفراد فإنهم يتابعون التواصل أخلاقيًا
(باستخدام كود الأخلاق)؛ لأنهم "دائمو الخطأ"، بعضهم تجاه بعض؛ أي إن الأخلاق، بالنسبة إلى لومان، تنطبق على الأفراد، فهم فقط مَن يقومون بالتواصل الأخلاقي. وفي هذا التواصل، يدخل الفرد نفسه،
وليس المهارة أو السمة الشخصية (أما في بقية المنظومات فإن الأفراد يدخلون بصفتهم سمات وقدرات، مثل القدرة على العمل وكسب المال في لااقتصاد). وباستخدام كلمات لومان، فإن الصرامة الأخلاقية ستؤدي إلى "التحلل الذاتي للسياسة"، ففي تلك الحالة سيكون لدينا سياسيون ذوو أخلاق رفيعة لكن من دون سياسة. وفي هذا الرأي يتفق لومان مع شميت؛ أي إن مجالَي السياسة والأخلاق مختلفان نوعيًا.
وهو أيضًا رأي ريكور، إلاا أن الأخير يعتقد وجود حل لهذا لااختلاف النوعي. ونحن نعتقد أيضًا وجود مثل هذا لااختلاف النوعي الوظيفي، لكننا نؤكد أن المؤسسات، وتاليًا السياسة، يمكن أن تطوّر أخلاقها
الخاصة بنفس الطريقة التي يطوّر بها الأفراد أخلاقهم ضمن المجتمع. لاا بد من الملاحظة هنا أن الممارسين السياسيين أكثر تفاؤالً وأقل حدية من الفلاسفة. فهذا بونوا جيراردن، وهو سياسي سويسري وعامل في المنظمات غير الحكومية، يؤكد عدم تناقض السياسة والأخلاق، ويرى نفسه في "مربع البراغماتية"، حيث تشكل "الأخلاق قيمة مضافة ممكنة للسياسة". وهو يعتبر أن الناس يخطئون حين يعتقدون أن "الأخلاق الفردية تُنقل إلى الفضاء السياسي [...] بأنه لو كان القادة شرفاء، عادلين، ويحترمون الحقيقة، فإن البلدان ستُدار بشرف وعدالة وب لااحترام الذي
تتطلبه الحقيقة والديمقراطية"، لكن "لاا شيء أكثر تضليلً من هذا لااعتقاد"، فالصراع ضد الفساد لن يتحقق ب لااقتصار على الأخلاق الفردية، فهو في حاجة إلى آليات مؤسساتية مثل "القضاء المستقل، وتحديد الغرامات والعقوبات، وحماية كاشف الحقيقة، والتنافس العادل في الأعمال". ويقترح جيراردن ثلاثة محاور لإدخال الأخلاق في السياسة؛ هي: وضع حدود للسلطة، وتحقيق الأهداف الموعودة، ومساءلة السلطة السياسية. وهذه المحاور تتحقق من خلال تغييرات مؤسساتية. إننا نلتقي مع هذه الرؤية في أن التحول ممكن، ويجب أن يكون مؤسساتيًا. وقريبًا من نظرة الممارسين، نجد بعض الفلاسفة الأميركيين الذين بدؤوا منذ ثمانينيّات القرن الماضي
ب لاالتفات إلى طرائق عملية لتطبيق الأخلاق في العمل السياسي العام. وذلك بعد أن أظهرت الدولة الأميركية اهتمامًا مؤسساتيًا ودعمًا ماديًا لهذا الموضوع. يقع كتاب دنيس طومسون، الأخلاق السياسية
والوظائف الحكومية، في وسط هذه النقاشات. ولاا يُعنى الكتاب بمسألة أصل الأخلاق أو المعايير
(13) Niklas Luhmann, "Politicians, Honesty, and the Higher Amorality of Politics," Theory, Culture & Society, vol. 11, no. 12 (1994), pp. 25–36. (14) Benoît Girardin, Ethics in Politics: Why It Matters than Ever and How It Can Make a Difference (Geneva: GlobalEthics.net, 2012), pp. 21, 45.
وهو يميز بين أربعة مواقف عملية حول علاقة السياسة بالأخلاق: الشكية التي تعتبر السياسة غير أخلاقية وترفض تطبيق الأخلاق على السياسة؛ الريبية تعتبر السياسة لااأخلاقية ولاا ترى أي جدوى في الخلط بين لااثنين؛ الأخلاقوية تفرض على السياسة قيمًا
معيارية كأهداف يجب بلوغها؛ والبراغماتية التي تعتبر الأخلاق مفيدة للسياسة، ولاا تعطي حكمًا مطلقًا في الأمر، بل تعتبر حيثيات
الحالة.
(15) Ibid.
الأخلاقية أو كيفية استنباط الأحكام الأخلاقية، وإنما يُعنى بكيفية تطبيق الأخلاق، مع أخذ أبسط
تعريفاتها الفردية في لااعتبار، في المؤسسات الحكومية الأميركية خاصة، والديمقراطية عامة. ويميز الكاتب بين المدارس الأخلاقية التي تعتبر الأخلاق التزامًا بقواعد محددة deontological
وتلك التي تنظر فقط إلى تبعات الأفعال لتحديد قيمتها الأخلاقية consequential. فالأولى تفرض قانونًا أخلاقيًا يصعب التعامل معه، بينما ترى الثانية إمكانية التفاوض على تطبيق الأخلاق وفق الحالة
ووفق النتائج. وفيما يخص العمل في الشأن العام (من برلمان منتَخب ومؤسسات سياسية تنفيذية منتخَبة أو غير منتخَبة)، يرى الكاتب أن هناك مشكلتين أساسيتين تعوقان تطبيق الأخلاق الفردية في العمل السياسي: الأولى هي مشكلة ما يسمى "الأيدي القذرة" Problem Hands Dirty، والثانية هي مشكلة ما يسمى "الأيدي المتعددة" Problem Hands Many. المشكلة الأولى معروفة في الأدبيات الفلسفية لأنها مشكلة ضرورة اتخاذ قرارات لااأخلاقية من أجل غرض أخلاقي، مثل المصلحة العامة التي يُفترَض أن تمثلها الدولة وتسعى إليها. أما المشكلة الثانية فهي من نوع عملي، ولذا هي
أقل ظهورًا في الأدبيات وثيقة الصلة بالديمقراطية (لاانتخاب والتمثيل الشعبي بالتحديد)؛ لأنها مشكلة
تعدد الأيدي المشاركة في تشكيل القرار السياسي وتنفيذه. يحدد الكاتب، بناءً على المشكلتين سابقتي الذكر، أن تطبيق الأخلاق يقوم على أساس تحديد المسؤولية
الفردية في اتخاذ القرارات السياسية وتنفيذها؛ فهناك مسؤولية فردية (الفرد الذي يتخذ القرار مثلً)، وهناك مسؤولية جماعية (كل الأفراد الذين شاركوا في اتخاذ القرارات السياسية وتنفيذها، بمن فيهم الشعب؛ مالك السيادة والموافق على تفويض السياسيين)، ومسؤولية مؤسساتية (المؤسسة لها بنية ووظائف تفرض عليها حسابات وخيارات معينة). وهنا نلاحظ صعوبات تطبيق الأخلاق الفردية على المؤسسات؛ إذ إن تحديد المسؤولية شبه مستحيل؛ فحتى في المؤسسات شديدة الهرمية هناك مسافة تفصل متخذ القرار عن منفذ القرار، وبهذا تفصل المسؤول غير المباشر عن المسؤول المباشر، على التوالي، عن نتائج القرار الذي جرى اتخاذه وتنفيذه. ولذلك فإن الكاتب يضطر إلى استخدام أدوات مثل قياس المصلحة الفردية (لااستفادة من المنصب للإغناء الفردي، استخدام السلطة للمصلحة الفردية)، وقياس مسافة المسؤولية (المسافة التي تفصل الفرد عن اتخاذ القرار أو تنفيذ القرار أو تبعات القرار)، وإلى الفصل بين النية والتبرير (فالنية تكمن في صميم الفعل الأخلاقي الفردي بغض النظر عن التبريرات التي يقدمها الفرد لتفسير الفعل والتي تحوم حول لااضطراريات المؤسساتية). لكن الكاتب يثير مسائل نعتبرها في غاية الأهمية مثل
(1((ينظر:
Dennis Thompson, Political Ethics and Public Office (Cambridge: Harvard University Press, 1987). (17) Ibid. (18) Ibid., pp. 11–39.
والفيلسوف الأشهر الذي له صلة بهذه المشكلة هو مايكل والتزر Walzer Michael ينظر:.
Michael Walzer, "Political Action: The Problem of Dirty Hands," Philosophy & Public Affairs , vol. 2, no. 2 (1973), pp. 160–180. (19) Ibid., pp. 40–65.
الحصانة التي يتمتع بها السياسيون المنتخَبون، والسرية التي تتذرع بها الدولة بوصفها ضرورةً لعملها، وضرورة استخدام العقاب (وحتى العقاب الجنائي) بصفته رادعًا ضروريًا لتطبيق لااخلاق، ومن ثم
صعوبة أن تكون الدولة هي نفسها المشراِّع للعقاب والمنفّذ له (أي إن الدولة لن تعاقب نفسه). فإذا كانت الأخلاق فردية (الدافع فردي والقرار فردي والمسؤولية فردية والعقاب فردي)، فلماذا نفشل المرة تلو الأخرى في فرض الأخلاق الفردية على المؤسسات، وخاصة مؤسسات الدولة؟ ثمة آراء تعتقد لااختلاف النوعي بين السياسة والأخلاق، وآراء تعتقد قدرة الأخلاق على تطويع السياسة، وآراء تعتقد أن الأخلاق تضرّ بالسياسة فتحرِم المجتمع من مؤسسات الدولة وتعرّضه للخطر. وحين وضع
المفكرون لااختلافات النظرية جانبًا والتفتوا إلى الجانب العملي، لم يستطيعوا أن يسحبوا الفردي من
المؤسساتي، فقد وجدوا أن المسؤولية تقع على الفرد، فالعقاب، إذًا، يجب أن يقع على الفرد. في هذه الحالة، لماذا يقبل الفرد بالحدود والإجباريات المؤسساتية، وخاصة السياسية منها التي تحدّ حريته إذا كان اللوم على تصرفات المؤسسة سيقع عليه هو، وإذا كان العقاب الرادع سيقع عليه هو أيضًا؟ هذه هي المعضلة التي تتصدى لحلها هذه الدراسة. سنستخدم فكرة النشوء التطوري لأخلاق من أجل تقديم تصوّر مختلف عن ماهية الأخلاق ووظيفتها في
المجتمع. إن قوام هذا التصوّر هو منع الأذى عن الجماعة الذي قد يسببه بعض تصرفات أعضائها، وذلك
من خلال تعلّم رادع داخلي، أي استبطان المعايير الأخلاقية والخوف من العقاب المجتمعي عند كسر هذه المعايير (باختصار: إنه الضمير). إذا كان الفرد قادرًا من خلال آليات التعلّم على أن يتعلم الأخلاق، فإننا
نزعم أن المؤسسة أيضًا قادرة، من خلال آليات مشابهة، على استبطان قواعد خاصة بمجتمع المؤسسات. المؤسسات مختلفة نوعيًا عن الأفراد، لكنها في الوقت نفسه مكونة من أفراد (إضافة إلى تعريفات محدَّدة
لوظائفهم). وهي تقوم بعملها من خلال هؤلااء الأفراد، ويختلف أداؤها باختلاف الأفراد القائمين على وظائفها. وحتى لو تعلمت المؤسسة من خلال تغيير قواعدها وقوانينها الداخلية، فإن جزءًا كبيرًا من التعلّم
يقوم به الأفراد ويحتفظون به. ولذلك تبقى قضية مسؤولية الأفراد وعقاب الأفراد قائمة، وفي حاجة إلى بحث. لكننا في هذه الدراسة نركز على المؤسسة نفسها باعتبارها كائنًا قائمًا بذاته، وليست كائنًا مكوّنًا
من مجموع أفراده. وإننا نزعم، وسندعم زعمنا بالحجة، أن المؤسسات قادرة على التعلم وقابلة للردع وقادرة على مراقبة تصرفاتها وتعديلها وفقًا لقواعد أخلاقية تستنبطها في أثناء علاقتها مع بقية مؤسسات المجتمع وأفراده. الأخلاق منتَج إجماعي، وإذا تخيلنا مجتمعًا من المؤسسات فإن في الإمكان تخيل نشوء قواعد أخلاقية لذلك المجتمع. وهكذا نحتفظ بملاحظة الفرق النوعي بين المؤسسة (السياسية فيما سبق) والأفراد، لكننا نستخدم هذا الفرق لتعميم مفهوم الأخلاق على المؤسسات. أعتقد أن علينا إعادة صياغة السؤال، أعني أنه لاا يجب أن نتساءل: لماذا تعيش البشرية في أزمة أخلاقية مستمرة، وإنما يجب أن نسأل: لماذا البشر يعتقدون وجود تلك المعضلة؟ لاا بد من أن لوجود تلك المعضلة وظيفة اجتماعية. إن ما نطرحه في هذه الدراسة هو أن الأخلاق ليست مسألة فلسفية وإنما مسألة
(20) Ibid., pp. 66– 95.
اجتماعية؛ أي إننا لن نصل إلى أي نتيجة إذا ناقشنا الأخلاق عقلانيًا، أي في فضاء من المفاهيم المطلقة.
لاا بد لنا من ربطها بالواقع لااجتماعي. لماذا يحتاج المجتمع إلى الأخلاق؟ ولماذا كان من الملائم للمجتمع أن تكون الأخلاق مختلفة عن القانون، وإذًا، متروكة لتطوّع الإنسان؟ ولماذا لم يكن الرادع
شديدًا إلى درجة تجعل خيار اللاأخلاق مكلفًا جدًا أو مستحيلً؟ إذا ترك المجتمع مكانًا للاأخلاق، فهل هناك حاجة إليها كما هناك حاجة لأخلاق؟ بعبارة أخرى، إننا في حاجة إلى تجذير الأخلاق، بعناصرها الثلاثة، في التبادل لااجتماعي، فالأخلاق ظاهرة اجتماعية مستمرة، تنبع من المجتمع وتصب فيه. لاا بد إذًا من ربط المعرفة والتفكير والممارسة الأخلاقية بالفواعل لااجتماعية. ومن ثم سنشرح كيف أن التبادل لااجتماعي بين هذه الفواعل يولّد المعرفة والتفكير والممارسة، ولاا شيء خارجها. لكن موضوعنا هو تشابك الأخلاق بالسياسة؛ إذ إن أي نظرية جديدة نقترحها عن منشأ الأخلاق، ستساعدنا في حل المشكلة المزعومة عن تنافر السياسة والأخلاق. ولاا نرى أن السياسة مجال من مج لاات التبادل لااجتماعي لاا يمكن لأخلاق أن تضبطه، وإنما الآليات لااجتماعية التي أنتجت الأخلاق لم تنجح بعد (من منظور تطوري) في إنتاج أخلاق سياسية. ونجد السبب كامنًا في كون
السياسة مرتبطة بظهور مؤسسات. ونجد الشيء نفسه في لااقتصاد والمجتمع المدني. إن الأخلاق
المعتادة، والتي سنسميها بالأخلاق الفردية، تفشل دائمًا حين تُدخِل في التبادل لااجتماعي فواعل
مؤسساتية. يبدو أن آليات الضبط المجتمعي لاا تؤدي وظيفة مماثلة ضمن الفضاء السياسي المتمايز. ولذلك فإن لومان يرى أن الأخلاق بروتوكولاات لغوية وسلوكية تائهة من عهد قديم، عهد ما قبل تمايز الوظائف بنيويًا في فضاءات مستقلة؛ أي إن السياسي مستقل عن لااجتماعي. وسواء أردنا إنقاذ المؤسسة من الأخلاق الفردية، أو أردنا إنقاذ الأخلاق الفردية من المؤسسة، أو أردنا حقن المؤسسة بأخلاق جديدة، فلا بد من إعادة النظر في فهم المسألة الأخلاقية. وسأقدم فيما يلي مقاربة من شعبتين: الأولى: تجذير الأخلاق في التبادل لااجتماعي وليس في القيم المتعالية. والثانية: فصل الأخلاقي الفردي (والديني) عن السياسي من خلال فرز مستويات أخلاقية متمايزة، بحيث يمكن الحديث عن أخلاق مؤسساتية (داخل المؤسسة، ما بين المؤسسات)، إضافة إلى أخلاق فردية. وتبدأ الدراسة بتقديم تفسير تطوري لنشوء استعدادات أخلاقية بيولوجية عند الإنسان. هذه لااستعدادات، عندما تدخل في حلقة مغلقة من التبادل المعرفي والرمزي (العقاب مثلً كرمز لإمكانية التهميش المجتمعي) بين الفرد والجماعة، تؤدي إلى نشوء المعايير الأخلاقية والروادع لااجتماعية (النسق الأخلاقي) واستبطان الفرد لها فيما يسمى بالضمير (وهو في حقيقته ذاكرة المتعلّم عندما تستخلص النسق الأخلاقي وتحتفظ به وتتذكره، أي تستبطنه). وبعد إنتاج الفرد وأخلاقه وضميره، سنحاول تعميم هذهالسيرورة الديناميكية على المؤسسات باعتبارها مكونات اجتماعية جديدة، لها ذاكرة، وعندها استعداد أخلاقي بنيوي وقادرة على التعلّم واستخلاص النمط الأخلاقي الناشئ عن علاقة المؤسسات
بعضها ببعض، وعن علاقتها بأفراد المجتمع القادرين معًا على إنتاج معرفة أخلاقية وأدوات ردع أخلاقية
تلائم المؤسسات.
أولا: الأخلاق الفردية
1. الاستعداد الأخلاقي الفردي: تفسير بيولوجي تطوري للأخلاق
إن أول خطوة في تجذير الأخلاق في التبادل لااجتماعي ستكون من خلال إثبات وجود استعدادات أخلاقية بيولوجية عند الإنسان، وهذه لااستعدادات ستكون النواة التي سيبني المجتمع حولها الأخلاق الفردية، والتي نسميها "بالسوفتوير" الأخلاقي (برنامج الحاسوب، الخوارزمية) Moral Software. فمن أجل فصل الأخلاق عن المتعالي وتجذيرها في المجتمع، سنعتمد على البيولوجيا التطورية Biology Evolutionary، وخاصة علم النفس التطوري Psychology Evolutionary. وإذا كان لاا بد من وجود "فطرة أخلاقية"، فلا بد من أن تكون ذاتية النشوء، وإلاا فإننا نعود إلى المتعالي والميتافيزيقي. إن النشوء الذاتي Emergence – Auto، وهي فكرة نستقيها من المنهجية المنظوماتية التي سنذكر المزيد عنها لااحقًا، لاا تعتمد على فرد واحد أو على عصر واحد، وإنما تحتاج إلى تكرار التجربة الإنسانية في العديد من الأفراد، وخلال العديد من العصور. إنها نفسها الفكرة الداروينية عن التطور ب لااصطفاء الطبيعي. لااحظ عالما التطور المعرفي أني كولبي Colby Anne ولورنس كولبرغ Kohlberg Lawrence (1987–1927) أن الإنسان، بغض النظر عن ثقافته، يمر من الطفولة وصوالً إلى البلوغ بمراحل من التطور الأخلاقي. وقد وجد هذان العالمان أن هناك ست مراحل، سأربطها هنا بعناوين سهلة الحفظ حتى يسهل الإحالة إليها لااحقًا: المرحلة الأولى (احترام السلطة العليا)، المرحلة الثانية (التبادل المباشر)، المرحلة الثالثة (التبادل غير المباشر)، المرحلة الرابعة (نشوء الضمير)، المرحلة الخامسة (مفهوم المصلحة العامة)، المرحلة السادسة (مفهوم الإنسانية المشتركة).
(21) Jean–Pierre Changeux & Paul Ricœur , What Makes Us Think? A Neuro–scientist and a Philosopher Argue about Ethics, Human Nature, and the Brain (Princeton: Princeton University Press, 2000), pp. 179–211.
(2((إن مصطلح "السوفتوير الأخلاقي" من وضعنا. يميل بعضهم إلى المقارنة بين العقل البشري والحاسوب. فالحاسوب يتألف من مادة صلبة Hardware هي الدارات الإلكترونية، ومن مادة رخوة Software هي البرنامج أو الخوارزمية التي تعطي المادة الصلبة الأوامر والتعليمات لتقود عملها. وعلى الرغم من أننا لاا نعتقد صواب هذه المقارنة عمومًا، فإنها هنا تفي بالغرض المطلوب منها،
وهو التفريق بين المخ (المادة الصلبة) والأفكار (المادة الرخوة)، وهذه الأخيرة قد تكون نتيجة التعلم أو نتيجة استعداد بيولوجي. وفضلنا مصطلح "سوفتوير" على خوارزمية؛ لأن التفكير الأخلاقي يتضمن مجموعة خوارزميات والكثير من لااستعدادات العقلية الجاهزة للتنفيذ.
(23) Dennis Krebs, "The Evolution of Morality," in: David Buss et al. (eds.), The Handbook of Evolutionary Psychology (New Jersey: John Wiley & Sons, 2005), p. 748; Dennis Krebs, The Origins of Morality: An Evolutionary Account (Oxford: Oxford University Press, 2011).
وللاطلاع على العمل الأصلي على مراحل، ينظر:
Anne Colby & Lawrence Kohlberg, The Measurement of Moral Judgment. vol. 1: Theoretical Foundations and Research Validation. vol. 2: Standard Issue Scoring Manual (New York: Cambridge University Press, 1987).
لنتوقف عند معنى التفسير التطوري Interpretation Evolutionary لبعض سلوكيات الإنسان، إنه تفسير مرتبط بمفهوم التطور الجيني Evolution Genetic؛ أي إن الجينات، من أجل بقائها Survival، تتنو ع ردودها على الوسط المحيط ومحفزاته من خلال طفرات جينية، ومن ثم تنتقي بعض هذا التنوّع
عندما يكون ملائمًا لتغيّرات الوسط المحيط. نعلم أن أي صفة في الإنسان ليست تعبيرًا عن جين
واحد، وإنما عن عدد كبير من الجينات، لكن اللغة المستخدَمة هنا هي لغة بقاء الجينات، وكأن الجينات توظف الفرد عميلً لها لينقل نسخها من جيل إلى آخر، وهي في هذا النقل تولّد الطفرات التي ينتخبها الوسط. فيما يخصنا، وهو السلوك، فإن علم النفس التطوري يتتبع السلوكيات التي تدعم بقاء الجينات، ومن أجل التأكد من الأصل العضوي، وليس الثقافي، لهذه السلوكيات؛ فإن علم النفس التطوري يتأكد من وجودها في الذكور والإناث وفي مختلف الثقافات والأزمنة. وأحيانًا يلجأ الباحثون إلى محاكاة السلوكيات Simulations موضع لااهتمام باستخدام الكمبيوتر، وهنا يستخدمون نظرية الألعاب Theory Game التي تحدّد سلوك اللاعبين (استراتيجياتهم) في لعبة تحاكي ظروفًا بشرية معروفة عن طريق حساب المنفعة العظمى للاعبين. عند تكرار اللعبة آلااف المرات، يتبين أي لااستراتيجيات غلب
على تصرفات اللاعبين، فيجعلون هذه لااستراتيجيات فرضية في بحوث إحصائية إضافية. إننا نختزل الفرد، في هذا الموضع فقط من هذه الدراسة، بجيناته. إنه يسعى إلى بقائها بأن يتزاوج ويُنتج
نسخًا منها بنسب متفاوتة، فأولااده يملكون نصف جيناته، وأولااد أولااده يملكون ربع جيناته وهكذا. وتقول الفرضية التي وضعها وليام دونالد هاميلتون Hamilton Donald William (2000–1936) إن اهتمام الفرد بغيره من أبناء جنسه يتناسب مع نسبة جيناته التي يحملها هؤلااء الآخرون؛ أي إن مسألة بقائهم لاا تهمه إلاا بقدر ما يحملون من جيناته، أي بترتيب تنازلي: النفس، ثم الأبناء، فالإخوة، فأولااد الأولااد، فأولااد الإخوة، فأبناء العمومة والخؤولة وهكذا. فإذا استخدمنا تعابير أخلاقية، فإن تعريف المصلحة التي يُعنى الإنسان بها هي مصلحته الجينية. وهذا يعطينا سلوكيات موجهة نحو
الأسرة المباشرة والأسرة الممتدة. وقد جرى التأكد من وجود مثل هذه السلوكيات وبنسب مشابهة للنسب المتوقعة؛ أي إنه يمكننا أن نشرح تكوّن الأسرة والتعاون بين أفرادها. لكن ماذا عن التعاون مع
لاا بقية أفراد المجتمع الذين يحملون جيناتنا؟ وهنا نأتي إلى مراحل التطور الأخلاقي وربطها بالتطور الجيني. المصلحة الجينية التي تحدثنا عنها تتحقق حين تنتج الجينات نسخًا عن نفسها (كلية أو جزئية). وهذه المصلحة لاا تتحقق إلاا باستمرار الفرد حيًا وتجنبه لأذى الجسدي، وبتأمينه للمسكن والمشرب
والملبس، وباستمرار تفاعله مع الوسط بوصفه إنسانًا قادرًا على التفكير والتذكّر والشعور (اللذة مثلً،
2(((ديفيد بوس، علم النفس التطوري، ترجمة مصطفى حجازي (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2009)، ص.170–47
(25) William Donald Hamilton, "The Genetical Evolution of Social Behaviour, I & II," Journal of Theoretical Biology , vol. 7, no. 1 (1964), pp. 1–52.
(2((بوس، ص.234–171
باعتبار أن هناك نظريات تجعل مبدأ الأخلاق في اللذة)، ولااستجابة والتفاعل لااجتماعي وصناعة الأدوات واستخدامها للتأثير في البيئة. وسنجد سريعًا أن هذه المصلحة ليست إلاا البداية لتشكيل منظومات اجتماعية يعيش الإنسان ضمنها وينمو ويحقق بقاءه من خلالها، ويحقق بقاءها أيضًا. إن مفهوم البقاء يشمل كل منظومة حية مهما كانت كبيرة أو صغيرة. كل منظومة تعيش، فإنها ستسعى إلى مزيد من العيش؛ أي إلى البقاء، لأنها لو لم تفعل ذلك لااختفت من الوجود بعد جيل أو جيلين. كل المنظومات عندها آليات لضمان بقائها من الذرّة إلى الخلية إلى الإنسان فالمجتمع، ولذلك كان لاا بد
لنا من نقطة بداية تناسب موضوعنا، فاخترنا نقطة البداية نفسها التي اختارها علم النفس التطوري؛ أي الجينات. في المرحلة الأولى (احترام السلطة) يبدأ التطور الأخلاقي الفردي باحترام "السلطات العليا"؛ (أي الطاعة) تجنبًا للعقاب وتفاديًا لأذى الجسدي. إن تجنب العقاب والأذى، وخاصة الجسدي (وتاليًا
إمكانية تحقق التزاوج)، من خلال الخضوع لأقوى، هو استراتيجية سلوكية نستخدمها جميعًا في بعض الأحيان؛ ففي الطفولة نخضع لآبائنا لأنهم أكبر منا حجمًا، وفي الحي والمدرسة نخضع لفروض
المتنمّر تجنبًا لأذى، والمواطنون يخضعون لقانون الدولة تجنبًا للعقاب بالسجن، والدول الصغيرة
تخضع لفروض الدول العظمى الأقوى عسكريًا. في المرحلة الثانية يبدأ الفرد بتلبية مصالحه الفردية المباشرة (الأنانية) من خلال تبادلاات متساوية مع الآخرين، ونعني بذلك ما يعنيه التعبير الشعبي "الحكُّ المتبادل للظهر". إننا نبدأ بأفعال بسيطة لمصلحة الآخر، فيبادلنا الآخر المثل بالمثل (أي نتعاون)، كأن يعطي الطفل شريكَه لعبة لاا يملك مثلها هذا الشريك، فيعطيه الأخير لعبة لاا يملك الطفل مثلها، وبهذا يضاعف كل طفل مكسبه. بالطبع، هناك احتم لاان آخران لهذا التبادل المتكافئ: الأول هو العين بالعين، أو الأذية بالأذية، وهي استراتيجية قد تحمي الفرد للوهلة الأولى، لكنها عادة ما تنتهي بثأر يستمر لسنوات يخسر فيه الطرفان كل شيء؛ والثاني هو استراتيجية المخادعة، كأن أحصل على لعبة ولاا أقدم لعبة مقابلها. في الحالتين يمكن تصحيح المسار بأن يعبّر الطرف الأناني عن أسفه فيعطيه الطرف المغبون فرصة أخرى، فتعود مياه
التعاون إلى مجاريها. كان من المفروغ منه بالنسبة إلى الباحثين في نظرية الألعاب وفي حسابات البقاء أن تكون الأنانية هي لااستراتيجية الأفضل، ومن ثم الأكثر بقاءً. لكن كانت المفاجأة حين قام باحثون
بتكرار ما يسمى معضلة السجين Dilemma Prisoner، وهي ظرف اجتماعي تكسب فيه الأنانية دائمًا حتى في حساب الرياضيات. إن تكرار اللعبة في المحاكاة لآلااف المرات، مع السماح باحتمال
التعاون، أظهر أن استراتيجية التعاون هي الأبقى. في هذه الحالة، أي التعاون، على الإنسان أن يطور آليات معرفية للتمييز بين المتعاونين وغير المتعاونين (المخادعين مثلً)؛ وعليه أن يزيد تعاونه مع المتعاونين وأن يتفادى التعامل مع غير المتعاونين. وقد
(27) Krebs, pp. 3, 752. (28) Ibid., pp. 6, 755.
أظهرت تجارب كثيرة أن أغلب الناس، بغض النظر عن نسبة ذكائهم، قادرون اجتماعيًا على كشف
المخادعين. ونشير هنا إلى أن لااستراتيجيات الأنانية لاا تنقرض، فهي تبقى في المحاكاة الرياضية ونتعرفها أيضًا في البحث السوسيولوجي. وهذا ينبهنا إلى فكرة سنعود إليها لااحقًا، وهي أن السلوك الأخلاقي ليس الأنسب دائمًا مهما حاولنا الإعلاء من قيمة الأخلاق. إن السلوك غير الأخلاقي (الأناني)
والسلوك اللاأخلاقي (الأناني المؤذي) هما احتم لاان لاا يجب أن نتجاهلهما في دراستنا الأخلاق. ويجب أن تكون نظريتنا مرنة وقادرة على لااعتراف بهذا لااحتمال وتفسيره، وليس رده إلى مجرد مرض نفسي أو خطيئة مزروعة في النفس البشرية. في المرحلة الثالثة (التبادل غير المباشر) يبدأ الفرد بإنشاء علاقات تعاقدية يلتزم فيها بتحقيق توقعات الآخرين منه. إن المرء في هذه المرحلة يرغب في إنشاء علاقات متعددة ومبادلة المنافع، فيُظهر
لااهتمام بالآخرين ويعتني بهم، ويحترم رغباتهم، ويرغب في أن يكون موضع ثقتهم ومحط شكرهم وامتنانهم. إنه يسعى إلى بناء سمعة جيدة طيبة بصفته شريكًا وصديقًا جيدًا موثوقًا به، ولذلك فإن الفرد يوسّع نطاق الشركاء المحتملين للتعاون، لأن أوجه التعاون تتنوع وتتعدد. وقد وجدت
الأبحاث أن استراتيجيات مثل الصداقة تجمع حول الفرد شركاء محتملين للتعاون يملكون تنوعًا
كبيرًا من الخدمات المحتملة، فقد وجد الباحثون أن الفرد يغالي في حساب المنفعة (زيادة) والضرر
(نقصانًا) التي يمكن أن يتلقاها من الأصدقاء حتى يزيد من عدد شركائه، بل يذهب الفرد إلى أبعد من ذلك، فهو يعمل الخير مع الغرباء من أجل أن يحصل على سمعة طيبة تجعله هدفًا لتعاون المتعاونين. والحساب هنا يشبه الكارما البوذية التي تعني الأعمال التي يقوم بها الإنسان، وما ينجر عنها من تبعات أخلاقية أو مبدأ "اعمل الخير وكبّه في البحر": أ يساعد ب، وبيساعد س، وربما في
المستقبل فإن سسيساعد أ (وهذا ما يسمى بالتبادل غير المباشر). إن إحدى وظائف اللغة أن يجعل الفرد عمله الحسن معروفًا وأن يخلق انطباعًا لدى الآخرين أنه متعاون، وجذاب للمتعاونين
الآخرين. إن الفرد يقضي جزءًا لاا يُستهان به من وقته في إدارة سمعته وفي إدارة سمعة الآخرين من
حوله، سلبيًا وإيجابيًا، وقد يقوم بأفعال غيرية فيها الكثير من التضحية من أجل الآخرين، كأن يهتم
بأمورهم وصحتهم ويتتبع أخبارهم ويقفز لمساعدتهم عند الحاجة (ما يسمى بالتضحية والرعاية). ويرى بعض العلماء أن الطريق إلى التضحية والرعاية تجاه الآخرين ليس معقدًا، فهو يشبه طريق التضحية والرعاية تجاه الأسرة. ولهذا فكثيرًا ما نعتبر أصدقاءنا مثل إخوتنا، وكثيرًا ما يخاطب أفراد
الجماعة التي تسعى إلى التقارب بين بعض أفرادها وبعض ب: "أخي" أو "أختي". وتشير البحوث المتعددة إلى أن الإنسان يميز بين داخل الجماعة وخارجها، ويقدم الخدمات إلى من هم داخلها بنسبة أكبر من خدماته لمن هم خارجها، ويتصور أن أفراد الجماعة مشابهون له في ثقافته وقيمه وسلوكه وكأنهم إخوة. وفي المرحلة الرابعة (نشوء الضمير) يوسّع الفرد من دائرة اهتمامه وولاائه وخدماته إلى الجماعات
المختلفة التي ينتمي إليها. إنه يحمل هويتها ويدافع عنها ويخضع لقواعدها ويحمل أفكارها
(29) Ibid., pp. 5, 764–767.
ويحميها من التفكك، إننا نفعل الخير ونطلب من الآخرين فعله، فالتقييم الأخلاقي الذي نعطيه لأفراد والأفعال (هذا جيد وهذا سيئ) ليس إلاا وسيلة لدفع الآخرين نحو مزيد من تلك الأفعال التي نعتبرها جيدة، ونحو التقليل من الأفعال التي نعتبرها سيئة. كما أن المعايير الأخلاقية تعطي إيحاءات بالواجب والإلزام، فهي تتحايل على الآخر المتلقي لها لتقنعه بضرورة تطبيقها. وفي هذا الجو المفعم بالتقييمات، ومن خلال قدرته على استقراء المبادئ العامة من الح لاات الخاصة، يستخلص الإنسان التوقعات الضمنية التي تقوم عليها منظومة التعاون التي تربطه بجماعته (الأسرة والمجتمع)، وهي ما نسميه المعايير الأخلاقية. وإضافة إلى هذه المعايير، فإن الإنسان (على طريقة كلب بافلوف) قادر على تعلّم السلوكيات الأخلاقية من خلال منظومة للثواب والعقاب. إن إثابة لااستراتيجيات السلوكية التعاونية ومعاقبة لااستراتيجيات غير التعاونية تجعل أفراد المجتمع أكثر قابلية للتعاون. وقد قدمت نظريات التعلم كثيرًا من الأدلة التي تدعم المنشأ اللاواعي (الحدسي،
الأوتوماتيكي، الشعوري، اللاعقلاني) للقرارات الأخلاقية، مما يدل على استبطانها. إن التعلم والمنشأ اللاواعي للسلوك الأخلاقي هما من النظريات التي تشرح نشوء الضمير عند الأفراد. أما النظرية الثانية فتعزو نشوء الضمير إلى قدرة الإنسان على التماهي مع الآخرين وعلى النظر إلى الأمور من عدة مناظير. إن قدرة عقل الإنسان على تمثيل الآخر وتخيل سيناريوهات يكون فيها الإنسان مكان الآخر هي نفسها التي تعطيه القدرة على إطلاق الأحكام الأخلاقية وإنتاج المعايير الأخلاقية، أو الضمير (الأنا العليا). إن الخضوع للسلطة والتبادل، المباشر وغير المباشر، يشيران إلى قدرة الإنسان البيولوجية – النفسية على الدخول في تعاقد مع الآخرين، ثم إن كشف المخادعين وإقامة الصداقة وتنمية السمعة الحسنة وتعرف مَن هم داخل الجماعة وتمييزهم وتفضيلهم عمن هم خارجها، يدل على أن الإنسان مصمَّم
للدخول في عقود اجتماعية تعبر عنها اللغة. ليس من الصعب لاانتقال من المرحلة الرابعة إلى ما بعدها، لكن المرحلتين الخامسة والسادسة لاا تستقيمان إلاا في فضاء اجتماعي كبير يتعدى مجتمع الصيادين الذي يتخيله علم النفس التطوري. إنهما تفترضان مجتمعات معقدة فيها عدة أشكال وعدة مستويات من التجمع البشري. إنهما تفترضان الأسرة والأسرة الممتدة والحي والقرية والقبيلة والمدينة والأمة والنادي الرياضي والحزب السياسي ومنظمة المجتمع المدني والمؤسسة لااقتصادية ومؤسسة الدولة والطائفة الدينية والجماعة الأيديولوجية والتجمع المهني والطبقة لااجتماعية والمستوى القيادي والوظيفي، وكل التجمعات التي يمكن أن تقوم على أساس مفاهيم مثل الهوية والعقد لااجتماعي والمصلحة العامة، ولذلك فإننا في حاجة إلى تطوير فكرة المجتمع حتى نستطيع تبرير المرحلتين الأخيرتين. إن الخضوع للسلطة والتبادل المباشر وغير المباشر والرعاية والتضحية والأحكام الأخلاقية والضمير، كلها تفترض تفاعلً مع آخرين، فلماذا نحتاج إذًا إلى وضع السلوك الأخلاقي في الجينات وتاليًا
البيولوجيا وليس في المجتمع؟ أوالً، ذكرنا أن هذه السلوكيات أو لااستراتيجيات السلوكية ليست حتمية؛
(30) Ibid., pp. 764–767.
لكنها موجودة، بأشكال مختلفة، في كل المجتمعات. فإما أن نفرض وجودًا متعاليًا للإنسان (الذات
الإنسانية، العقل، الروح)، أو أن نثبت إمكانية أن تتطور كل المجتمعات وأن تؤدي كل التفاعلات لااجتماعية، مهما كان عصرها وسياقاتها، إلى نفس المؤدّى، وهو الضمير والأخلاق. إن علم النفس التطوري يعطينا هذه الإمكانية انطلاقًا من أسس مادية هي الطبيعة والمجتمع الإنساني عبر العصور والسعي من أجل البقاء. في هذه الحالة، ومع وجود استعداد فردي بيولوجي للسلوك الأخلاقي والتقييم الأخلاقي ولااستقراء المعيار الأخلاقي من خلال التجربة، يمكننا أن نتخيل نشوء عدة ضمائر متشابهة، ونشوء حزم من التقييمات والمعايير الأخلاقية المختصة بجماعة ما. إن التفاعل لااجتماعي قادر هنا على شرح نشوء الأخلاق الخاصة بكل مجتمع، وهذا ما نسميه ب لاانبثاق لااجتماعي Social
. Emergence
إن روعة مفهوم البقاء بصفته مدخلً إلى شرح النشوء، هو أنه يتطور مع تطور المنظومة التي تسعى إلى البقاء. إن الخلية التي تبقى فتتحول بعد عدة قفزات تطورية إلى حيوان، تحمل معها أيضًا مفهوم بقائها؛ فالحيوان الجديد يسعى إلى البقاء، إن آليات بقاء الخلية مختلفة عن آليات بقاء الحيوان، لكن الأخيرة تعميم وتوسيع لأولى. وما نسعى إليه هو إيضاح أن بقاء الجينات الذي دفع الإنسان إلى تطوير سلوكيات أخلاقية سيتوسع ليعطينا المنظومة الأخلاقية للمجتمع، التي هي آلية من آليات بقاء هذا المجتمع. إن بقاء الجينات سيتوسع ليعطينا بقاء الفرد، ثم بقاء الأسرة، ثم بقاء الأسرة الممتدة، ثم بقاء الجماعة الصغيرة، ثم بقاء المجتمع الأكبر، وهكذا. وعندما نتكلم لااحقًا عن تطور المعايير الأخلاقية المجتمعية بناءً على لااستعدادات الأخلاقية الفردية فليس من الضروري التأكيد على أن المجتمع هنا
يسعى إلى بقائه أيضًا.
2. حلقة تغذية راجعة إلى التعلم الفردي
لااستعداد الأخلاقي، كما رأينا، لاا يعني سلوكًا حتميًا معروفًا لكل نوع من الحوافز الخارجية، فالمخ
البشري هو علبة من الأدوات للاستجابة لحوافز الوسط الخارجي ضمن حدود البيئة العامة والمعرفة المتراكمة ولااستعدادات والغرائز. والشكل (1) يعطينا صورة جيدة عن كيفية استجابة المخ (أو الفرد بوصفه منظومة) لمحفز يستدعي حسابًا (معالجة) أخلاقيًا. ولفظة "أخلاقية" هنا تعني، كما أشرنا سالفًا،
إنتاج تقييم مسمى أخلاقي (بناءعلى معايير أخلاقية)، وإنتاج سلوك يلتزم بالتقييم أو يعرِف أن هناك
ثمنًا يجب دفعه ودروسًا يجب تعلمها. إن النقطة الأساسية هنا هي تأكيد وجود حلقة تغذية راجعة
سيجري من خلالها إنتاج السلوك والتعلم.
(3((ينظر:
Gianfranco Minati, "Ethics as Emergent Property of The Behavior of Living Systems," Encyclopedia of Life Support Systems (EOLSS) , vol. 1 (Oxford: EOLSS Publishers, 2002).
(3((ينظر:
Peter J. Richerson & Robert Boyd, Not By Genes Alone: How Culture Transformed Human Evolution (Chicago: University of Chicago Press, 2005).
الشكل (1) الفرد بوصفه منظومة: إنتاج الفعل الأخلاقي عند الفرد
إن الحافز الخارجي يدفع الفرد إلى إنتاج قرار بالفعل، ومن ثم إنتاج الفعل المؤثر في المحيط. وكما نرى من الشكل التوضيحي فإن الحافز الخارجي يحفز الذاكرة ومجموعة من الآليات الداخلية التي تدخل مخرجاتها في الحساب (المعالجة الذهنية). وقد ميزنا من هذه الآليات ما يلي: أ. النيات والدوافع: الحافز الواحد قد يثير مجموعة من الدوافع المرتبطة بأحداث سابقة ذات صلة. ب. السيناريوهات: أحداث مشابهة سابقة مع ردود الأفعال المتصلة بها والنتائج التي تمخضت عنها، أفعال ممكنة ونتائج محتملة، استراتيجيات مختلفة ممكنة. ج. تقديرات: روادع محتملة، عقوبات محتملة، مَن المستهدف؟ مَن المراقب؟ د. تقييم داخلي: تقييم أخلاقي (جيد، سيئ)، تقييم نفعي (نافع، ضار)، تقييم شعوري (محبّب،
بغيض)، تقييم عملي (ممكن، غير ممكن). ه. الضمير: معايير أخلاقية مستبطنة، التزام عقدي مستبطن، أنا عليا، إحساس بالآخرين. إن "السوفتوير" الأخلاقي الذي يمتلكه كل فرد بدرجات متفاوتة، هو مجموع التقييمات والتقديرات الداخلية والمقولاات الضميرية. هذا "السوفتوير" يساعد الفرد على إنتاج ردود أفعال أخلاقية على الحوافز الخارجية. لكن عملية إنتاج الفعل الأخلاقي (المخرَج) من العلبة السوداء التي نسميها "الفرد"
بعد خضوعه للحافز الخارجي (المدخَل)، ليست بهذه البساطة السببية؛ أي هل يصنع "السوفتوير" المخرَج السلوكي الأخلاقي من خلال تطبيق خوارزميته على المدخَل. وهل يوجد "السوفتوير"
الأخلاقي في كل فرد بنفس القوة؟ وهل يعطينا المدخَلُ نفسُه، وبشكل حتمي، المخرجَ المتوقعَ نفسَه
في كل مرة؟ هل "السوفتوير" الفردي هو نفسه ذلك لااستعداد الأخلاقي البيولوجي؟ ألسنا هنا نعيد إنتاج الفطرة نفسها، لكن بأسلوب ملتوٍ، التي زعمنا أننا نحاول الهروب منها؟
للخروج من هذا المأزق والإجابة عن هذه الأسئلة، لاا بد لنا من منهج تحليل مختلف بعض الشيء؛ منهج يسمح بالخلق الذاتي (للخروج من الماورائيات)، والتطور (عبر المجتمعات وعبر الزمن)، و لاانتقال من الفردي إلى الجماعي (الوصول إلى عموميات مثل المعايير الأخلاقية). هذا المنهج هو المنظوماتية Systematics Or Systems. هناك عدد من التسميات المتداولة مثل البنيوية الوظيفية Structuralism Functional التي يمثلها عالم لااجتماع الألماني نيكلاس لومان، ونظرية الفعل لااجتماعي Theory Action Social التي يمثلها عالم لااجتماع الأميركي تالكوت بارسونز Parsons Talcott (1979–1902)، والنظرية العامة للمنظومات Theory Systems General التي يمثلها عالم البيولوجيا النمساوي كارل فون برت لاانفي (1972–1901)، والتفكير المنظوماتي Thinking System الذي يمثله المهندس و لااقتصادي الأميركي جاي فوريستر (2016–1918). تقوم المنظوماتية على فكرتَي التمايز و لاانتظام Organization And Distinction، ويمكن النظر إلى كل ظاهرة اجتماعية على أنها نتاج لعلبة سوداء من الديناميكيات التي تأخذ من الوسط المحيط مدخ لً (الحافز)، وتعطي للوسط المحيط مخرَجًا (في حالتنا: سلوك أخلاقي)، هو ردة
فعل على الحافز تعبّر عن المنظومة وتزيد من فرص بقائها. كل لااهتمام ينصب على دراسة تلك
العلبة السوداء التي تحوّل المدخل إلى مخرج. التمايز عن الوسط هو وجود تلك العلبة السوداء،
و لاانتظام هو الديناميكيات (العلاقات والقواعد) داخل تلك العلبة التي لاا تعطي مخرجات عشوائية، وإنما ردود أفعال محسوبة، تزيد من فرص بقاء المنظومة. إن هذا لاانتظام هو ما نسميه ب لاانبثاق Emergence، أو الخلق الذاتي Creation – Auto. وهو الجديد الذي تقدمه المنظومة والذي لاا يمكن أولَ وهلة تكهن أنه من مكوناتها، وهو وفق التعبير (الكليشيه) "أكبر من مجموع أجزائها". لاا تشمل هذه الرؤية المجتمعات البشرية بل تشمل الكون بأسره. الكون مؤلّف من منظومات متداخلة ومتشابكة يمكن تصنيفها في مستويات (بردايمات من التنظيم والعلاقات): الفيزيائي، فالكيميائي، فالعضوي، فالبيولوجي، ف لااجتماعي، فالنفسي الواعي، فالمجتمعي البشري. وفيما يخص المجتمع البشري، نرى توجهًا واضحًا، غير خطّي، في التطور من مجتمع القرية
الزراعية إلى الإمبراطورية. وضمن المجتمعات نرى تمايزًا عبر التخصص في الأدوار و لااختلاف في
توزيع السلطة والثروة وفي أنماط الإنتاج، فنرى الأسرة والمدينة والأمة والطبقة والمؤسسة والدولة، وهكذا. كما نرى منظومات جزئية أكثر تجريدًا، فنميز المنظومة السياسية، والمنظومة لااجتماعية، والمنظومة الفكرية، والمنظومة الأخلاقية وهكذا (منظومات وظيفية وفق تعريف لومان). وكل مجموعة بشرية مترابطة هي منظومة، وكل مؤسسة واضحة المعالم هي منظومة. وإضافة إلى هذه
(3((ينظر:
Niklas Luhmann, Social Systems , John Bednarz & Dirk Baeker (trans.) (Stanford: Stanford University Press, 1995); Talcott Parsons, The Social System (New Orleans: Quid Pro Books, 2012); Karl Ludwig von Bertalanffy, General System Theory: Foundations, Development, Applications (New York: George Braziller, 1968); Jay W. Forrester, Principles of Systems (Arcadia, CA: Pegasus Communications, 1968).
الرؤية للكون، تعطينا المنظوماتية أدوات وصف وتحليل موحدة لكل المنظومات. يمكننا إذًا أن
نصِف الفرد بأنه منظومة، وكذلك أن نصِف أي جماعة بشرية متلاحمة بأنها منظومة؛ أي إنهم أفراد متمايزون من بقية المجتمع، تربطهم علاقات كثيفة (قواعد وبروتوكولاات وسلوكيات) يتبادلون من خلالها رساميل (مادية ورمزية). من أجل شرح ظهور "السوفتوير" الأخلاقي الفردي، نحتاج إلى فكرة أساسية في المنظوماتية وهي حلقة التغذية الراجعة Loop Feedback. هذه الحلقة تسمح بتلقي معلومات مستمرة من الوسط الخارجي وتغيير المعطيات الداخلية في ضوئها، من أجل سلوك أفضل من أجل البقاء، فلا يوجد هدف أو غاية غير البقاء. أما عملية التغيير الداخلي المستمرة فإنها ستستقر على حالة روتينية (نقطة استقرار Point Stability) تعطينا السلوك الأمثل الذي يحقق البقاء. وتعمل هذه التغذية الراجعة على مستويين: فردي وجماعي؛ الأول سينتج "سوفتوير" سلوكيًا أخلاقيًا مستقرًا، والثاني سينتج معايير أخلاقية جماعية
مستقرة أيضًا، أي المنظومة الأخلاقية للجماعة. سنشرح التأثير الفردي هنا، ونؤجل التأثير الجماعي إلى القسم التالي. من ناحية منظوماتية، نكون قد انتقلنا من الفرد بوصفه منظومة إلى الفرد بوصفه عنصرًا
مكولِّنًا في منظومة اجتماعية أكبر (الشك 2). سنمثل تأثير المجتمع في الفرد الواحد في علبة التغذية
الراجعة المعنونة "جماعة، مؤسسات". وتاليًا، سنتحدث عن "السوفتوير" الفردي بصفته انبثاقًا على
مستوى منظومة الفرد، وسنتحدث لااحقًا عن المعايير الأخلاقية بصفتها انبثاقًا على مستوى منظومة المجتمع. الشكل (2) الفرد في منظومة المجتمع – حلقة الضبط السلوكي
يجيّش الفرد طاقته ويضع لااستراتيجيات الملائمة لتحقيق الفعل الذي جرى إقراره. يصبح الفعل
حقيقة ويدخل في الوسط المحيط بحيث يصبح رموزًا أو نصًا يحمل رسائل، ويمكن تفسيره وتأويله.
قد يكون للفعل نتائج محسوسة، وقد يكون له نتائج شعورية عند الآخرين. وضعنا هذه الرسائل والتأويلات والمشاعر كلها في علبة الشهادة (الجميع سيدلي بشهادات). إن ما يهمنا هو التغذية الراجعة (الأخلاقية) التي ينتجها المجتمع، والتي من خلالها يجري ضبط أفعال الفرد المستقبلية في استجابته للحوافز المشابهة. سيقوم المجتمع (ممثلً بأفراد وجماعات ومؤسسات)، بعد اكتشاف الفعل ونتائجه، بإشهار الفعل وكشف ذلك الإشهار، وبتحويل أنظاره إلى الفاعل ووضعه تحت ضوء المراقبة (الجميع سيتحدث، الجميع سيراقب). سيسائل المجتمعُ الفاعلَ ويستمع إلى كل الشهود والمعنيين (الشهادة). كل جماعة خضعت لتأثيرات الفعل ستشترك في الشهادة؛ لأن بقاء تلك الجماعة سيكون موضوعًا على المحك؛ إن الفعل مع تأثيراته يشكل تحديًا وجوديًا للجماعة، فلا بد من التعامل معه ولااستجابة له. عندها
ستطرح كل جماعة تقييمها الأخلاقي للفعل ونتائجه من وجهة نظر معاييرها الأخلاقية الخاصة (سنعتبر هذه المعايير متبلورة، وسنتحدث لااحقًا عن تطورها) ومصالحها التي تعبر عن حاجاتها في سعيها إلى بقائها. هذا الحوار (أو الصراع) نسميه "التفاوض الأخلاقي" الذي تدخل فيه حسابات سلطوية. عندما يستقر الرأي، بعد التفاوض، على تقييم أخلاقي مجتمعي معين، ستستعرض الجهة التي أطلقت التقييم (الجهة المعلِّمة) أدواتها الردعية (على الفرد الفاعل وعلى الجميع ليتعلموا)، ثم ستنتقي الجهة التي أطلقت التقييم العقاب لااجتماعي الملائم الذي يتماشى مع حجم الدرس الذي يجب تعلّمه من خلال تفعيل أدواتها العقابية. ثم سيكون هناك استخلاص علني للدروس المستفادة (ربما على شكل مواعظ أو تأكيد لمعايير أخلاقية معروفة) ودعوة لإحداث تغييرات داخلية لكل الآليات التي دخلت في المعالجة الأخلاقية السلوكية، وهذا ما نسميه "التعلّم الأخلاقي الفردي". سيحدّث المجتمع نفسه (أو يكرس) وظائف المراقبة والردع والعقاب والتعليم/ التعلم المجتمعي. إن التعليم/ التعلم هو الوسيلة الوحيدة لااستبطان المعايير الأخلاقية ومنع تكرار الأفعال المؤذية. سنتحدث هنا عن منظومة الفرد. إن كل الآليات التي جرى تفعيلها لااتخاذ القرار الأخلاقي الفردي قابلة للتعلّم، أي قابلة لأن تتغير في اتجاه يلائم التقييمات الأخلاقية المجتمعية الصادرة. وبالتأكيد، إن الذاكرة ستسجل الحادثة والنتائج وما يرافقها من حيثيات خارجية وداخلية. الأهم هنا هو تحديث الذاكرة الأخلاقية الفردية بما يتلاءم مع التقييمات الأخلاقية المجتمعية. وسيقوم عقل الفرد (الواعي واللاواعي) بتوليد حيثيات داخلية (مشاعر كالتأنيب الداخلي، تقييمات جديدة، تقديرات جديدة، وتحديث للضمير الفردي) هدفها لااستجابة لحوافز مستقبلية مشابهة بطريقة تنتِج تقييمات أخلاقية مجتمعية إيجابية. ويستمر هذا التعلّم الأخلاقي الداخلي مدى الحياة، لكنه يتبلور ويستقر مع نضوج شخصية الفرد ليعطينا الضمير والقدرة على المعالجة الأخلاقية. إن الضمير هو لاانبثاق الداخلي الناتج من التعلّم. إنه في البداية استعداد بيولوجي لااستقراء القانون الأخلاقي للمجتمع من خلال العديد من التجارب، لكن تبلوره هو لااستقراء الفعلي لهذه القوانين واستبطانها في الذاكرة الفردية.
للتلخيص والإجمال، إن الآليات المنتجة للفعل الأخلاقي هي التالية: أ. داخليًا؛ على مستوى الفرد: الضمير (استبطان المعيار الأخلاقي، توليد الردع/ العقاب الداخلي،
توليد لاالتزام)، وتوليد التقييم الأخلاقي الداخلي، والقدرة على التعلّم من التغذية الراجعة المجتمعية. ب. خارجيًا؛ على مستوى المجتمع: لااكتشاف (الكشف عن الأفعال اللاأخلاقية)، والإشهار،
والشهادة، والمراقبة، والتفاوض، والمعيار، والتقييم، والردع، والعقاب، والتعليم. عند استخدام كل هذه الآليات يجري إغلاق الحلقة الأخلاقية، وتتحقق الفائدة المجتمعية المرجوة منها. تؤدّي هذه المعالجة الأخلاقية الفردية، على الرغم من الآليات المجتمعية، إلى اختيار الفرد سلوكيات لااأخلاقية (أو حتى مسيئة للوسط المحيط)، حتى التفكير التطوري لاا يستطيع إلغاء هذا لااحتمال، لاا بل قد يدعمه. إن الأنانية خيار موجود دائمًا، وقد يكون خيارًا مجديًا في تحقيق مصلحة الفرد إلى
درجة أن الفرد قد يتحمل عقاب الجماعة (في حال كُش فَ الفعل اللاأخلاقي) من أجله. ذكرنا سابقًا المحاكاة الكمبيوترية وسيلةً لتحديد السلوكيات الأخلاقية المفيدة للبقاء، وذكرنا أن السلوكيات الناجعة تظهِر وجودًا مستقرًا على مدى عدة أجيال متعاقبة من تكرار التجربة في مواجهة السلوك الأناني؛ أي إن
هذا لااستمرار لاا يعني غياب السلوك الأناني، بل الأخير كذلك هو سلوك يحقق استقرارًا عبر الأجيال
أيضًا. وبناءً على هذه الملاحظة، لاا بد لنا من اعتبار السلوك الأناني مفيدًا تطوريًا في السعي من أجل
البقاء على كل المستويات التي ميزنا بينها. ويمكن القول إن السلوك اللاأخلاقي ضروري في أحيان كثيرة. قد يجد الفرد نفسه في تناقض حاد مع أحد معايير الجماعة التي ينتمي إليها فيخالفه (قد نكذب داخل الأسرة وخارجها)، وقد يلجأ الإنسان إلى تغيير مرجعيته الأخلاقية عند نقل انتمائه وهويته من جماعة إلى أخرى (التحرر الأخلاقي كما يسمونه)، وقد يلجأ إلى الثورة على معايير جماعته بالتعاون مع آخرين من أجل تغييرها (لاانزياح الأخلاقي.) لاا بل إن المعايير الأخلاقية المجتمعية نفسها تخضع لسيرورة تغيّر عبر الزمن (تنتقل أخلاق القرية الزراعية إلى أخلاق المدينة مثلً). ولاا بد أنه في أثناء
مراحل هذه السيرورة يتواتر خرق الأفراد للمعايير السائرة إلى الزوال. إن ضرورة اللاأخلاقي تقودنا إلى ملاحظة رخاوة الردع والعقاب والتعليم الأخلاقي، مقارنة بصرامة الردع والعقاب والتعليم القانوني. ويسمح المجتمع باختراق متكرر لبعض المعايير الأخلاقية، لكنه لاا يسمح باختراق القانون ولو لمرة واحدة. إن الموارد البشرية والمادية التي يصرفها المجتمع في التصدي للخروق القانونية أكبر كثيرًا من تلك الموارد التي يصرفها للتصدي للخروق الأخلاقية. ففي
حين يستخدم المجتمع الشرطة والقضاء والسجن لمعالجة الخروق القانونية، فإنه قد لاا يستخدم أكثر من النميمة وتشويه السمعة لمعالجة كثير من الخروق الأخلاقية.
3. انبثاق المعايير الأخلاقية - التعلّم الجمعي
الآن وقد امتلكنا الحلقة الأخلاقية واستخدمناها لتوليد الجزء الداخلي، وهو "السوفتوير" الأخلاقي، سنعود لنستخدمها على نطاق المجتمع كله من أجل توليد الجزء الخارجي، وهو المعيار الأخلاقي.
وهنا ستصادفنا المعضلة التي تصارعها السوسيولوجيا منذ ظهورها علمًا مستقلً عن الفلسفة قائمًا على
جمع معلومات ميدانية: هل يمكن لاانطلاق من الفرد والوصول، بآلية ما، إلى الجماعة؟ كيف يمكن لاانتقال من المتحويِّل الفردي، الميكرو Micro، إلى المتحويِّل الجماعي، الماكرو Macro؟ سنجد
حل هذه المعضلة، على الأقل في حالتنا، في منهجية المنظوماتية. في الفيزياء الإحصائية Physics Statistical يمكن، مثلً، لاانطلاق من حركة الإلكترونات داخل الناقل الخاضع لفضاء كهرومغناطيسي (كهراطيسي) والوصول إلى فكرة التيار الكهربائي المحكوم بقانون أوم Ohm عن طريق التكامل الرياضي Integration، وهو نوع من أنواع عمليات الجمع. لكن، في حال عدم وجود فضاء كهراطيسي، فإن عملية الجمع تساوي الصفر، باعتبار أن حركة الإلكترونات عشوائية. ويلاحظ المراقب العارِف أن الحساب نفسه ممكن أيضًا في حالة جزئيات الماء داخل خرطوم، ويعطي نتيجة مشابهة. فإذا فكرنا بطريقة منظوماتية؛ أي ركزنا على المشتركات بين كل الديناميكيات بغض النظر عن عناصرها المكونة، نجد أن حركة أي مكونات لها "سيولة" Fluidity (إلكترونات، جزيئات ماء) تخضع لنفس القوانين الرياضية، ويمكن الحديث عنها رياضيًا باستخدام
نفس المفاهيم والحسابات، وهذا ما نسميه بالنمذجة Modeling؛ أي العبارة الرياضية التي تصِف الديناميكية، فقانون نيوتن، مثلً، هو عبارة رياضية (نموذج) تشرح حركة كل الأجسام المتحركة الكبيرة في فضاء من الجاذبية. ويمكن أن نقول إن أي حركة ميكانيكية في فضاء ناظم تكون قابلة للجمع؛ ومن ثم قابلة للتعميم من الفردي إلى الجماعي. يجب أن يستجيب المكون الميكروي للفضاء الناظم من خلال قانون أو قاعدة استجابة، حتى تصبح عملية الجمع ممكنة وذات معنى ماكروي، لكننا لاا نعرف أحيانًا ما الفضاء الناظم الذي تعمل العناصر تحته، إلاا أننا نعرف قواعد حركة العناصر الميكروية؛ ولذا نتوقع أن نستقرئ قانون الحركة الماكروية من مراقبة العناصر وهي تعمل تحت سلطة القواعد. نسمي كل عنصر خاضع للقواعد فاعل Agent، ونسمي مثل هذا التحليل بالتحليل المعتمد على الفاعل Analysis Based – Agent. المثل الأكثر شهرة هو العصافير التي تطير في السماء وفق تشكيلات مبهرة، فمن خلال المحاكاة الكمبيوترية، وجد الباحثون أن كل عصفور يخضع لقواعد بسيطة من نوع "انظر إلى العصافير الثلاثة حولك ولاا تقترب كثيرًا ولاا تبتعد كثيرًا". إن الحركة الفردية الميكروية وفق قواعد بسيطة تؤدي إلى حركة جماعية ماكروية
(التشكيل) يمكن التعبير عنها بمتحولاات ناتجة من جمع متحولاات ميكروية (المسافة بين عصفورين متجاورين). الحركة الجماعية تسمى " لاانبثاق"؛ أي الشيء الجديد الماكروي الذي لاا يمكن التكهن به ببساطة من دراسة الفواعل الميكروية. إذا أردنا تطبيق مثل هذا المنهج في التحليل على بعض الظواهر لااجتماعية، فإننا في حاجة إلى تحديد الفواعل الميكروية؛ إما تحديد القواعد التي يخضع لها كل فاعل ميكروي ("السوفتوير" الفردي)،
(3((كهراطيسي: منحوتة من مصطلحين: كهربائي ومغناطيسي. يسير التيار الكهربائي في الدارات الكهربائية بفعل فضاءين ناظمين يؤثران في الإلكترونات داخل النواقل: كهربائي ومغناطيسي. وهما موجودان دائمًا معًا، ولذلك يصلح الحديث
عنهما بوصفهما فضاء واحدًا "كهراطيسي".
وإما تحديد الفضاء الناظم لحركة الفواعل كلها؛ وتحديد عملية الجمع التي ستنقلنا إلى الجماعي الماكروي، أي لاانبثاق. وفي حالة السلوك الأخلاقي فإن الفواعل هي الأفراد، وبالتحديد حلقات التغذية الراجعة في كل فرد، التي تنتج سلوكه تحت تأثير مجموعة من الحوافز؛ والقواعد هي المعالجة (الحسابات) التي تضمن إنتاج سلوكيات أخلاقية؛ وعملية الجمع هي انبثاق لاانضباط السلوكي الجمعي؛ أي إن أفراد الجماعة، إحصائيًا، يُظهرون نفس السلوكيات تحت تأثير نفس الحوافز. القواعد هنا متضمَّنة في التقييمات والتقديرات والضمير من جهة الفرد، وفي التقييم والردع والعقاب من جهة المجتمع حين يطبقها على الفرد. أما لاانبثاق الخارجي فهو المعايير الأخلاقية العامة وأدوات الردع والعقاب العامة، أي لااستقراء الأخلاقي الناتج من استخلاص الدروس من مئات آلااف الح لاات الفردية؛ أي إن المجتمع يستخلص القواعد العامة التي يستبطنها كل فرد بطريقته على شكل ضمير فردي، والتي يجري تطبيقها على الأفراد عند كل حادثة. في الحال هذه، يبدو أننا ضحية تفكير حلقي Thinking Circular، حيث المسبِب يعطينا النتيجة، ثم تعود النتيجة لتعطينا المسبِب؛ أي إن القواعد (الداخلية أي التقييمات والتقديرات والضمير؛ والخارجية أي التقييم والردع والعقاب) تعطينا السلوك الأخلاقي الفردي. ثم نزعم أن لاانبثاق الخارجي، أو لاانضباط الأخلاقي الجمعي، يعطينا المعايير الأخلاقية وأدوات الردع والعقاب العامة، التي تعطينا التقييمات والتقديرات والضمير الفردي المنبثق داخليًا. إن هذا لاانطباع صحيح، لكنه ليس منطقًا حلقيًا، إنه انعدام السببية بسبب وجود حلقات التغذية
الراجعة، حيث الناتج يصبح مدخ لً والمدخَل يصبح ناتجًا. إن الجماعي هو استقراء الفردي المتكرر، والفردي هو تطبيق أو استنتاج من الجماعي. هذه الحلقات تتوازن عند نقطة استقرار عامة روتينية تتمثل بالمعيار الأخلاقي للجماعة. الجدول (3) المعالجة الأخلاقية: مقارنة الداخلي بالخارجي، واستخلاص المجتمعي الجزء الداخلي – الفردي
الجزء الخارجي – الجمعي
الجزء المجتمعي
| الجزء الداخلي – الفردي | الجزء الخارجي – الجمعي | الجزء المجتمعي |
|---|---|---|
| محاولة الإخفاء، تقدير احتمال لاانكشاف، تجربة لااااإنكشاف | لااكتشاف: المجتمع دائمًا يمسح الساحة لمحاولة الكشف عن اأاإلأنانيين | آليات الكشف عن المخادعين الأخلاقيين (مؤشرات) |
| تقدير احتمال الفضيحة، تإجربة الفضيحة | الإشهار: من خلال الفضيحة، الغيبة، ااالنميمة، كلام الناس | آلية الفضيحة |
| تقدير احتمال التأنيب، لااستماع إلى ألسنة الآخرين | الشهادة: الكل يدلون بدلاائهم عمّا رأوه وما يعتقدون أنهم رأوه | آلية الجمهرة |
| تقدير احتمال الخضوع لأنظار الآخرين، تجربة المراقبة | المراقبة: تركيز الأضواء والأنظار على الشخص المخالف للمعايير | آلية النظر المركَز |
التفاوض: النقاشات والمداولاات
| السيناريوهات المحتملة، الخيارات، حساب الربح والخسارة | التفاوض: النقاشات والمداولاات والصراعات بين الجماعات الأخلاقية المتعددة. صراع المصالح والبقاء الثقافي. استحضار آليات التفاوض المجتمعي | آليات التفاوض المجتمعية (التحكيم، الغوغاء) |
|---|---|---|
| لااستماع للضمير والمعيار المستبطَن | المعيار: استحضار المعايير المختلفة التي يمكن تطبيقها في الحالة موضوع النقاش | صناعة المعايير، من خلال االأمثال |
| التبرير، تقييمات ممكنة، الوصول إلى تقييم أخلاقي مستقر | التقييم: الوصول إلى إجماع على التقييم الأخلاقي للفعل المقترَف، ظروف مخفدِّفة أو مشةِّد | تقييمات أخلاقية معدّة مسبقًا (أخلاقي، غير أخلاقي، مؤذٍ للحس العام، ضد التقاليد) |
| الروادع السابقة المحتملة، مشاهدة استعراض الروادع | الردع: استعراض أدوات الردع من ترهيب وتهويل وعقوبات ممكنة واستحضار ح لاات سابقة، تفعيل مااؤسسات الردع (الدينية مثلً) | صناعة آليات الردع وتكريسها (التهديد بالنبذ، كلام الناس، الكرامة، الشرف، السمعة) |
| العقوبات السابقة المحتملة، التجربة الشعورية المرتبطة بالعقاب | العقاب: لااتفاق على عقاب معين من خلال لااستعانة بخبرات سابقة واأعراف مجتمعية | وضع عقوبات متعارَف عليها مثل النبذ لااجتماعي |
| القبول بالدروس المستخلَصة جمعيًا، استخلاص دروس فردية | استخلاص الدروس: ربط بين الفعل والمعيار والعقاب. محاولة تعميم هذه العلاقة على مجموعة من الح لاات | تعميم العلاقات بين أفعال، معايير، عقوبات (الأعراف) |
| تكريس هذه الدروس في المعايير المستنبَطة، التعلّم | التعليم: تفعيل آليات التعليم من وعظ وعقاب نفسي | آلية الوعظ والإهانة والضغط النفسي |
كما أن الأفراد لديهم ذاكرة تحفظ ما جرى تعلّمه من التجارب السابقة (محور حلقة الأخلاق هو التعليم/ التعلم)، فإن المجتمع لديه ذاكرة جمعية تحفظ ما جرى استخلاصه من التجارب المتعددة وتعليمه لأفراد عبر تلك التجارب. وكما أن الأفراد لديهم آليات معالجة للوصول إلى قرار، فإن المجتمع أيضًا لديه آليات معالجة للتقييم والعقاب (التفاوض). في الجدول (3) نقابل الآليات الداخلية بالآليات الخارجية التي تتدخل في إغلاق الحلقة الأخلاقية. وباعتبار أن الفرد منظومة والجماعة منظومة أيضًا فإنه لاا بد من أن يكون هناك تشابه في الآليات المستخدَمة، أو أن يكون هناك تعديل للآليات الفردية لتستطيع العمل على المستوى الجمعي. وقد وضعنا في العمود الثالث الجزءَ المَخفي في الشكل (2)،
وهو الجزء المتعلق بالتعلُّم المجتمعي. كما أن الفرد يخصص أجزاءً من الدماغ للضمير والمعالجة
والذاكرة، فإن المجتمع يخصص أيضًا آليات تشبه الضمير والمعالجة والذاكرة، وبعض هذه الآليات قد
يرقى في تخصصه إلى درجة المؤسسة مثل التحكيم، ومجلس العشيرة، والشرف، والدين، والأعراف. فمثلًالمجتمع لديه مؤشرات لكشف الأنانيين فيما يخص معاييره الأخلاقية الخاصة (السمعة، والتقى، والكرم، والجواسيس، والقسَم)، والقصاصون (والمغتابون) يتذكرون الأحداث وحيثياتها، والجمهور
المتفرج والناقل للفضيحة يؤدي دور الكاشف والمراقب، والأمثال والأشعار والكتب المقدسة والقصص قد تعطينا المعايير الأخلاقية، ورجال الدين أو الوجهاء أو الغوغاء قد يحتكرون الضمير، والأعراف تعطينا عقوبات مسبقة الصنع، وآليات مثل الشرف والكرامة تؤدي دور الردع، والضغط المجتمعي والوعظ الأخلاقي يؤدي دور التعليم. فالمجتمع كله يتعلّم من خلال تطوير آلياته الأخلاقية السابقة الذكر. إن لااستعداد لإنتاج المعيار الأخلاقي فرديًا وجمعيًا يطرح احتم لاات كثيرة جدًا لهذه المعايير، فكيف
يصل المجتمع إلى معايير موحدة ومتفَق عليها (ونعني هنا الجماعة الأخلاقية)؟ إن الجماعة مثل أي منظومة تسعى إلى البقاء، والمنظومة الأخلاقية تفعل ذلك، ولاا تكون موجودة إذا لم يجرِ تطويرها وإعادة إنتاجها عبر المئات من الأجيال. إن تكريس التقييم الأخلاقي في معيار أخلاقي معين هو عمل اجتماعي وسيرورة تطورية تظهر وتتبلور عبر مئات الأجيال، وإن ضمان نشوء الضمير ونشوء مادة فكرية (ذاكرة، سيناريوهات اجتماعية) لهذا الضمير هو من عمل المجتمع كله، وهو عمل يقوم به عبر الأجيال. إن انتقاء المعايير وتوحيدها وتوحيد مادة الضمير هي انبثاق لاا يوجد إلاا من خلال التفاعل لااجتماعي، إنه جزء من الثقافة التي ينتجها المجتمع (ومن ثم فالأخلاق نسبية بطبيعتها). الحلقة الأخلاقية تعتبر الفرد وحدة للفاعلية؛ أي إن الفعل ينتُج من الفرد، لكن إغلاق الحلقة بالتغذية
الراجعة هو فعل جمعي، ولهذا الفعل الجمعي شعبتان: شعبة مختصة بعملية التعليم/ التعلم وهي موجهة نحو الفرد، وشعبة مختصة بعملية إنتاج المعايير الأخلاقية والآليات الأخلاقية الأخرى. داخليًا،
انبثاق الضمير يخص منظومة الفرد (ميكروي) ويستعمل التعليم مُدخاَلً من المجتمع. أم خارجيًا،
فانبثاق الأخلاق (المعايير والآليات) يخص منظومة المجتمع ويكون باستقراء القوانين العامة (المعايير الأخلاقية) من الح لاات الفردية عبر عدة أجيال. إن اشتراك أفراد المجتمع بالمعايير الأخلاقية يعمل كفضاء ناظم للسلوكيات الفردية، هذا الفضاء الناظم يفعّل "السوفتويرات" الفردية ويحقق لاانضباط
الأخلاقي لأفراد المجتمع، وهذا لاانضباط هو عملية الجمع التي تحدثنا عنها في بداية القِسم، إنه المتحو.ِّل الماكروي الذي يبحث عنه علم لااجتماع يهتم نيكلاس لومان بمج لاات الفعل لااجتماعي التي تظهر فيها فضاءات ناظمة بحيث تصبح عملية الجمع ممكنة، ولذلك فهو يميز المج لاات السياسية ولااقتصادية والقانونية، ويعتبر أن المنظومة تقتصر على هذه المج لاات، حيث الفواعل، مثل المؤسسات في كل مجال، تعمل تحت تأثير الفضاء الناظم الخاص بها، ولذلك فإن مدرسته تسمى بالبنيوية الوظيفية. لكنه لاا يعتبر الأخلاق منظومة قائمة بذاتها لأنه لم يجد لها وظيفة بنيوية في المجتمع الحديث. واكتفى بأن قال إن الأخلاق بقايا منظومة قديمة حين كان الدين هو الناظم لعمل المجتمع، لكن من الخطأ، في اعتقادنا، ربط الأخلاق بالدين وتنحيتها متى ما جرت تنحية الدين. الأخلاق مُنتَج اجتماعي كان موجودًا ولاا يزال موجودًا. ونحن
نؤكد أن الأخلاق فضاء ناظم للفواعل الأفراد لاا يمكن، على الأقل حتى اليوم، طيه تحت الفضاءات المؤسساتية الوظيفية الأخرى. لاا ومن البديهي أن وجود المعيار الأخلاقي المعمَّم في المجتمع والمستبطَن في الأفراد يعني بالضرورة
لاالتزام، أو لاانضباط، الأخلاقي. لاا بد أن ينتِج المجتمع، كجزء من فضائه الناظم سلطة على الأفراد تجعلهم يفعّلون ضمائرهم "وسوفتويراتهم" الأخلاقية الفردية، ويلتزمون بإنتاج سلوكيات (أفعال)
أخلاقية. فما هي هذه السلطة؟ وجدنا أن الضمير يستبطِن المعيار والردع والعقاب بما يزيد من قدرة الفرد على التعلّم الأخلاقي، وفي الحصيلة على إنتاج الفعل الأخلاقي. إن وظيفة الضمير هي أن يجعل الإنسان يضع أوزانًا ضئيلة جدًا لأفعال الأنانية وأوزانًا عالية جدًا لأفعال الأخلاقية عند قيامه بالحساب الأخلاقي. وعندما يقوم الفرد بتقديراته الداخلية، فإن احتمال اختيار الفعل اللاأخلاقي يصبح ضئيلً جدًا. لاا نناقش هنا آليات التفضيل، لكننا نقبل بوجودها، وهي ربما تقوم على مقارنة بين الخيارات وفق منطق المنفعة أو اللذة أو الألم. والجميع يعرف أن الضمير يحتوي على هذه العناصر الثلاثة، فهو يؤثر في الخيارات باستخدام مشاعر اللذة الداخلية أو الألم الداخلي حين يسترجع ذكريات أفعال مماثلة في الماضي وتأثيراتها في الفرد. يعتقد بعضهم أن السلطة تنبع من استخدام العنف أو التهديد به، وفي الحالتين فإن الخضوع للسلطة يحكمه استحضار الشعور الذي جرى حفظه في الذاكرة وما يرافقه من تقييمات وتقديرات. إن المعيار الأخلاقي المستبطَن ترافقه سلطة مستبطَنة. وخارجيًا نرى آليات مماثلة في حلقة التغذية الراجعة الأخلاقية، فآليات الكشف والشهادة والإشهار
والمراقبة وانتظار نتيجة التفاوض وتلقي التقييم ومشاهدة استعراض أدوات الردع وتلقي العقاب والإخضاع
للتعليم، كلها تُنتِج تجارب شعورية تندرج تحت إطار اللذة والألم وحساب المنفعة على المستويين الفردي ولااجتماعي. كل هذه الآليات لإنتاج الخضوع لمعايير المجتمع، ولذا فهي آليات سلطة. آليات الردع والعقاب، مثلً، تستعرِض العنف والتهديد بالعنف، المادي والمعنوي، على نحو مباشر، وآلية التعليم تستهدف تفعيل "السوفتوير" الأخلاقي الفردي على نحو مباشر أيضًا. يمكننا إذًا أن نقول إن الفضاء الناظم يشتمل على السلطة التي تفرض لاانضباط السلوكي الأخلاقي على الأفراد. وكما يؤثر الفضاء الكهراطيسي في الشحنة الكهربائية بقوة دفع متناسبة مع الشحنة، فإن الفضاء الأخلاقي الناظم يؤثر في الشحنة الأخلاقية ("السوفتوير" الأخلاقي) الفردية بقوة تتناسب أيضًا مع تلك الشحنة.
4. أمور عالقة: التعميم والمستويات العليا
أوضحنا سابقًا أن كل مستويات كولبرغ تفترض التبادل لااجتماعي، وأكدنا أن الحلقة الأخلاقية لاا تغلَق إلاا بالدور لااجتماعي الخارجي، واعتبرنا أن المعايير الأخلاقية هي انبثاق مجتمعي، ولذلك فقد كان من الأفضل تأجيل الحديث عن المرحلتين الخامسة والسادسة من مستويات كولبرغ في التطور الأخلاقي الفردي، لأنهما تخصّان دور الفرد في الجماعات التعاقدية الأوسع. في المرحلة الخامسة (مفهوم المصلحة العامة) يتطور عند الفرد مفهوم المصلحة العامة؛ أي مصلحة أكبر عدد من الجماعة، أو مصلحة مجردة في قضايا تُعتبر وجودية. بالطبع فإن الضمير، بوصفه "أنا
عليا"، هو تعبير عن مصلحة الجماعة، لكن هذه المرحلة تتخطى الضمير إلى المعالجة الأخلاقية الواعية التي تشمل في نتائجها المجتمع برمته. يضحّي الفرد هنا بمصالحه الفردية من أجل أفكار
مجردة مثل حرية الوطن، احترام الدستور، أو الدين بوصفه شرعة أخلاقية للمجتمع، وهو قادر على القيام بأفعال أخلاقية تجاه أفراد لاا يعرفهم ولاا تربطه بهم إلاا روابط الهوية المفترضة. إن هذه المرحلة تعاقدية واعية، باعتبار أن الفرد يعي انتماءه إلى الجماعة ويلتزم طواعية بقواعدها ويحضّ الآخرين على لاالتزام بها أيضًا. في المرحلة السادسة (مفهوم الإنسانية المشتركة) يتخطى الفرد المصالح الفردية والهوياتية ليصل إلى الحس الإنساني المشترك مع جميع بني البشر، ويؤمن الفرد هنا بوجود أخلاق كونية تنطبق على الجميع (وربما في كل مكان وزمان). والإشارة هنا بالطبع إلى شرعة حقوق الإنسان التي ترى أفرادًا بدالً من جماعات، وتنظر إلى الفرد نظرةً غاية في ذاتها، وترى أن هناك مصلحة مشتركة للبشرية جمعاء تجب العناية بها. ربما كان مفهوم المصلحة العامة أوسع من الضمير الفردي، إلاا أنني أرى أن هاتين المرحلتين تعبّران
عن انحياز إلى الأخلاق الليبرالية الغربية باعتبارها أخلاقًا كونية. الفرد الذي يعيش في قرية ولاا يعرف أبعد منها سيطوّر مع الزمن والتجربة إحساسًا بالمصلحة العامة. لاا بل إن الجماعة، مهما كبرت أو
صغرت، ستولّد فكرة المصلحة العامة بصفتها انبثاقًا من أجل الحفاظ على ثقافتها. لاا يحتاج الفرد أن يكون جزءًا من أمة، ولاا يحتاج إلى أن يعيش تحت سلطة الدولة – الأمة ودستورها وقانونها حتى يشعر
بالمصلحة العامة. إننا نتحدث هنا عن آليات مؤسساتية لصناعة أخلاق وطنية وتعليمها وتكريسها، تقوم على احترام الدستور والقانون وتقديس لاانتماء إلى الأمة. في هذه الحالة، يصبح عدم تبجيل العلَم الوطني فعل لًااأخلاقيًا، وخرق قانون السير فعل لًااأخلاقيًا، وعدم لاالتحاق بالخدمة العسكرية
الإلزامية فعل لًااأخلاقيًا. إنه مستوى آخر من الأخلاق، حديث، يبجّل الدولة ويعتمد عليها في إغلاق
الحلقة الأخلاقية. أما المستوى السادس فأراه أيديولوجيًا بحتًا، يجعل الفردانية الليبرالية الغربية مستوى أعلى، لاا بل
كونيًا، من الأخلاق؛ مستوى يتخطى الفردي والجمعي والقومي إلى الكوني. باعتبار أننا ربطنا انبثاق
الأخلاق بوجود منظومة، وباعتبار أن الأخلاق الكونية مرتبطة بمنظومة الدولة – الأمة، فإن أي منظومة أخلاقية عالمية لاا بد من أنها ستعبّر عن منظومة سياسة – اجتماعية عالمية. الأمم المتحدة والمنظمات
الدولية، باعتبار أنها حارسة المنظومة السياسية الدولية، لاا تعدو مجرد اختراعات غربية تحاول إنتاج منظومة عالمية تحت سيطرة الغرب. نذكر هنا أن أول مستويات الأخلاق هو طاعة السلطة العليا، وربما يستطيع الغرب بقيادة الولاايات المتحدة الأميركية أن يفرِض نفسه يومًا قوة شاملة وفضاءً ناظمًا
لمجتمع عالمي، فيُنتِج منظومة أخلاقية عالمية، إلاا أننا لاا نرى ذلك متحققًا إلى الآن.
(35) Krebs, p. 768. (36) Ibid.
ثانيًا: من الفرد إلى المؤسسة أخلاقيًا
1. التعميم من الفردي إلى المؤسساتي
رأينا كيف أن الحلقة الأخلاقية تفترض أن الأفراد هم وحدات الفاعلية، فالفعل ينتج من الفرد، وهو فعل موجّه نحو أفراد، وآثاره تشمل أفرادًا، وعملية التعليم/ التعلم تستهدف الفرد. ورأينا كيف ينشأ الفضاء
الناظم الأخلاقي وكيف يقوم بتفعيل "السوفتويرات" الفردية وضبط السلوكيات الفردية ضمن المجتمع. فما هي وحدات الفاعلية الأعلى من الفرد؟ إن كل جماعة تؤطر الفرد وتفرض عليه فضاءً ناظمًا هي
منظومة. وتتصرف المنظومة تجاه الوسط المحيطة بصفتها وحدة، إنها علبة سوداء، تتلقى مدخلَات، تعالجها باستخدام جهود الأفراد، وهي أدوار ووظائف، وتنتج مخرَجات تؤثر في الوسط المحيط بكل
أنواع منظوماته، أفرادًا أو مجموعات أو مؤسسات. بما أننا سنتحدث عن الأخلاق والسياسة، فإننا سنتحدث بالتحديد عن المؤسسات السياسية. والمؤسسة هي منظومة تقوم على أدوار معرَّفة وسلطات واضحة، يخضع الأفراد فيها لمخطط تنظيمي
(غالبًا هرمي)، وفضاء ناظم (بروتوكولاات وسلطة)، ويقومون بأدوار محدَّدة في المخطط التنظيمي
(لكل دور وظيفة وسلطة)، ويجري التبادل بين الأدوار بشكل مسبق التصميم (ديناميكية التفاعل). وتراقب المؤسسة أفرادها وأفعالهم لتضمن تطابقها مع الأدوار والبروتوكولاات والسلطات المنوطة بالأدوار. وللمؤسسة مدخلَات واضحة ومخرَجات واضحة، وكل المدخلات والديناميكية موجَهة نحو
إنتاج المخرجات، وتستطيع المؤسسة، أكثر من أي منظومة أخرى، أن تتصرف بصفتها وحدة. ماذا لو كانت وحدات الفاعلية هي مؤسسات؟ هل يمكن أن نتخيل نشوء فضاء ناظم أخلاقي أعلى يقوم بضبط عمل هذه المؤسسات؟ هل يمكن أن توجد حلقات تغذية راجعة تقوم أوالً على مستوى المؤسسة الواحدة بعملية تعليم/ تعلم تعطينا ضميرًا خاصًا بالمؤسسة، وثانيًا على مستوى
شبكة المؤسسات، تقوم بعملية جمعية تعطينا المعايير الأخلاقية للشبكة وآلياتها الأخلاقية؟ إن نشوء المؤسسات في المجتمعات حديث جدًا (من عمر الدولة)، وهو يعود إلى نحو خمسة آلااف سنة في حالة الهلال الخصيب ومصر، وإلى نحو ألفين أو ثلاثة آلااف سنة في ح لاات الهند والصين وبقية حوض المتوسط. أما الدولة الحديثة التي نعتبرها حالة متقدمة من عقلنة العمل المؤسساتي فلا يتجاوز عمرها القرنين. لاا يجب أن نعتبر أن العملية التطورية قد وصلت إلى نتائج مبهرة بعد، لكنها بالتأكيد قد بدأت منذ ظهرت المؤسسات. إن المحاولاات الحديثة للتساؤل عن دور الأخلاق في السياسة ما هو إلاا مظهر من مظاهر العملية التطورية، ويمكننا أن ندفع هذه العملية بأن نتخيل سيناريوهات ممكنة لتوليد ضبط سلوكي لعمل المؤسسات، ويمكن أن نفعل ذلك مستهدين بما فهمناه من تطور الضمير والمعالجة الأخلاقية على مستوى الفرد، وتطوّر المعايير والآليات الأخلاقية على مستوى المجتمع.
2. حلقة تغذية راجعة مؤسساتية
نحتاج إلى مجموعة من الآليات الفكرية التي تؤدي إلى إنتاج سلوكيات أخلاقية. ودائمًا، وكما في كل
منظومة، هذا يبدأ بحلقة تغذية راجعة تعمل على مستويين:
أ. على مستوى الفاعل الواحد، أي المؤسسة، فإننا في حاجة إلى مجموعة من لااستعدادات الداخلية: القدرة على التعلّم من التغذية الراجعة التي ستولد الضمير (استبطان المعيار، الردع/ العقاب الداخلي، لاالتزام)، والقدرة على توليد التقييم الأخلاقي، والقدرة على المعالجة الأخلاقية. ب. وعلى مستوى شبكة الفواعل، أي مجتمع المؤسسات، فإننا في حاجة إلى القدرة على استقراء المعيار (الفضاء الناظم الأخلاقي)، والقدرة على التفاوض (أي المعالجة الأخلاقية)، والقدرة على توليد الآليات الأخلاقية وتفعيلها (لااكتشاف، الإشهار، الشهادة، المراقبة، التقييم، الردع، العقاب، التعليم). إن النموذج الحسابي Model Computational الذي اعتمدناه لعمل المنظومة الفردية والمجتمعية هو جزء من نموذج أكبر يمكن تسميته بالنموذج العصبي أو الترابطي Model Connective، وهو ينظر إلى المجتمع كما ينظر إلى الدماغ، أي يتكون من مجموعة من الروابط، ويجري التعلّم عن طريق إعادة توزين هذه الروابط؛ أي إن التعلم يجري من خلال تغيير بنية الروابط وتضمين المعرفة في هذه الروابط. فمثلًالضمير الفردي هو تغيير بنيوي في الفرد الواحد، والمعيار الأخلاقي هو تغيير بنيوي في شبكة الروابط لأنه يغير طبيعة الروابط بين الأفراد؛ أي إن المعيار الأخلاقي ليس مجرد عملية ذهنية لغوية تستقرئ المفهوم الأعلى من التجارب الفردية، بل هو تعبير لغوي عن حالة الروابط في المجتمع كله. فإذا اعتمدنا هذه النظرة في أي شبكة من الروابط بين فواعل اجتماعية، فإن التعلم سيكون عبر تغيير بنية الروابط. فمثلً إيجاد لجنة في أي مؤسسة لمراقبة تفاعل المؤسسة مع غيرها من المؤسسات
وضبطه وفق معايير معينة هو تغيير بنيوي في الفاعل الواحد، وإيجاد مؤسسة تُصدِر المعايير وتراقب تطبيقها هو تغيير بنيوي في الروابط بين المؤسسات. ولاا ننسى أن محور أي تطور هو السعي من أجل البقاء؛ أي تطوير السلوكيات الأنسب من أجل زيادة فرص الفواعل لااجتماعية (مفردة ومجتمعة) في البقاء. سنحاول تخيّل سيناريو واحد للتغيير البنيوي الأخلاقي في المؤسسات؛ يمكن تخيل عدة
سيناريوهات وفق المفاهيم التي يجري تعميمها من الفردي إلى المؤسساتي. على مستوى المؤسسة، يمكن أن نتخيل استعدادًا أخلاقيًا مؤسساتيًا؛ أي مجموعة من القدرات داخل
المؤسسة التي تعطينا الآليات الفكرية المطلوبة. محور التفكير هنا هو القدرة على التعلّم واستبطان المنظومة الأخلاقية، أي إن التعميم سيكون على محور التعلّم ولااستبطان. إننا نحتاج إلى الآليات التالية (لااحظ أننا نستخدم نفس المفاهيم التي استخدمناها في حلقة التغذية الراجعة الفردية، لأنها المفاهيم المتعلقة بالتعلّم ولااستبطان): أ. جمع المعلومات: تطوير القدرة على السبر وجمع البيانات عن عمل المؤسسة داخليًا وخارجيًا،
بما في ذلك الأفعال وآثارها والتقييمات الأخلاقية الفردية التي يطلقها الأفراد على عملهم داخل المؤسسة وخارجها.
3(((وفق النموذج العصبي الترابطي، فإن لكل رابط (وصلة بين عصبونين مثل) وزنًا يعبّر عن أهمية هذا الرابط. وحتى يصل
الدماغ من فكرة ألف إلى فكرة باء متصلة بها منطقيًا فإنه يتبع الروابط ذات الأوزان الأعلى. كلما زاد تعرّض الفرد لربط بين فكرتين
(أي أصبحتا منطقيتين بالنسبة إليه) ازدادت أوزان الروابط بينهما. التعلّم يصبح إذن عملية توزيع أوزان (توزين) بين الروابط الدماغية.
ب. قياس الضرر/ الفائدة: تطوير بنية مؤسساتية خاصة بمعالجة البيانات، مثل لجنة أو قسم. ويقيس هذا القسم ضرر/ فائدة إبقاء المؤسسة للسلوكيات المختلفة التي تمارسها ضمن شبكة علاقاتها الكبرى (الوسط المحيط). ج. التقييم الأخلاقي، المعالجة الأخلاقية: تطوير بنية مؤسساتية خاصة بالتقييم الأخلاقي، مثل لجنة أو قسم. ويدرس هذا القسم آليات ممكنة للمعالجة الأخلاقية: ما المعايير المتوافرة؟ ما المنطق الأخلاقي المتوافر؟ ما عمليات التفكير المستخدَمة لإطلاق التقييمات الأخلاقية في المؤسسات؟ د. المعيار الأخلاقي: ربط هذه الآليات الدنيا بالجهاز التشريعي الأعلى للمؤسسة من أجل وضع معايير أخلاقية عامة لسلوك المؤسسة مع الوسط الخارجي، وتوفير الموارد المالية والبشرية لتطبيق هذه المعايير. ه. الاستجابة للوسط الخارجي: تطوير آلية علاقات عامة حساسة للتقييمات الخارجية والضبط الأخلاقي الذي يمارسه المجتمع وشبكة المؤسسات يمكنها أن تدعو وتفعّل آليات التأقلم والتغيير الداخلي. و. التعلّم: تدريب الأفراد على المعايير الأخلاقية والمعالجة الأخلاقية التي تعتمدها المؤسسة، وتضمين التقييم الأخلاقي في التقارير التي يرفعها الأفراد والأقسام إلى المستويات الأعلى ضمن المؤسسة. على مستوى شبكة المؤسسات (التغذية الراجعة وانبثاق الفضاء الناظم)، يمكننا أن نتخيل أيضًا مجموعة من القدرات والفعاليات التي تعطينا الآليات الفكرية المطلوبة. محور التفكير هنا، أو محور التعميم، هو السلطة القادرة على إغلاق الحلقة الأخلاقية من خلال المعيار، والتقييم والردع والعقاب. إننا نحتاج إلى الآليات التالية: أ. سلطة تشريعية قادرة على إنتاج معايير أخلاقية لتعامل المؤسسات بعضها مع بعض. ب. سلطة رقابية قادرة على جمع المعلومات وتكريس المعايير المتخَذة، وذلك من خلال آليات لااكتشاف، الإشهار، الشهادة، المراقبة؛ مثلًالصحافة أو مؤسسات المجتمع المدني. ج. سلطة قضائية قادرة على إنتاج التقييم الأخلاقي واقتراح العقوبات المناسبة التي تحقق التعلّم على المستويين الفردي والجماعي (وحدة الفاعلية هنا هي المؤسسة). د. سلطة ردعية قادرة على التذكير بنتائج الفعل اللاأخلاقي وتبعاته. ه. سلطة عقابية قادرة على إنتاج حيثيات داخلية (داخل المؤسسة) مؤلمة تكرّس التعلّم. و. جهاز تعليمي وعظي قادر على توليد التعليم الأخلاقي، ضمن شبكة المؤسسات، والتذكير بالمعايير والتدريب على المعالجة الأخلاقية.
ولاا نعني بالسلطة هنا الدولة بالضرورة، وإنما آلية مجتمعية مؤهلة ومخولة لااستقراء المعايير وفرض التعلّم وتفعيل "السوفتويرات" الفردية. إن السلطة هي الفضاء الناظم، وهذا الفضاء، يجب أن يفرض، وفق تعبير لومان، كود (لغة) تواصل، أي لغة أخلاقية تتداولها الفواعل بحيث تستطيع أن تمرر المعلومات ذات الطبيعة الأخلاقية بين وحدات الفاعلية وأن تعالجها وتنتج السلوكيات الأخلاقية. وهنا نلاحظ أن الآليات المتخيَّلة المشار إليها لاا تعني وجود بنى خاصة تقوم بهذه الوظائف. نعم، هناك تغيير بنيوي
يضمن التعلّم، لكن هذا التغيير موزَّع في عدة أقسام من المنظومة (المؤسسة أو شبكة المؤسسات)، فالدماغ مثلً ليس لديه مركز خاص واحد اسمه الضمير، وإنما عدة مراكز تكوّن مجتمعة الضمير. كيف يكون العقاب المؤسساتي؟ كما رأينا فإن العقاب (ألم داخلي) أساسي في عملية التعلّم الفردية، وبما أننا نعمم بناءً على عملية التعلم ولااستبطان فيجب أن نتخيل عقابًا مؤسساتيًا قادرًا على إنتاج
التعلم داخل المؤسسة. لكن هل تحس المؤسسة بألم داخلي يمكن أن تحتفظ به في ذاكرة الضمير المؤسساتي وأن تعيد تذكّره عند القيام بمعالجة أخلاقية؟ إن الألم آلية للبقاء، وهي ذاكرة يولّدها العقل عندما يتعرض الجسد لخطر قد يؤثر في بقائه. إذًا يجب أن يكون ألم المؤسسة مرتبطًا ببقائها، ويجب أن يشمل العقاب رؤوس أموال مادية ومعنوية ضرورية لبقاء المؤسسة، مثل المال، الأرباح، الممتلكات، لاامتيازات، علاقات السوق، السمعة الحسنة. نجد مثلً أن المؤسسات المالية التي تخالف المعايير التي تضعها الحكومات يمكن أن تتعرض لغرامات مالية، أو قد تتعرض للفضيحة من خلال وسائل الإعلام، أو قد تتعرض للمراقبة الحادة من الأجهزة الحكومية أو المجتمعية؛ وهذا كله يؤثر في أرباحها وسمعتها وكل ما تحتاجه من أجل البقاء. وهنا لاا بد من العودة إلى قضية تحديد مسؤولية الأفراد ضمن المؤسسة، فالمؤسسة مصمَّمة لكي تبقى
بالرغم من تغيّر الأفراد الذين يقومون عليها، لكن العلاقة بين الفرد العامل والمؤسسة التي يعمل ضمنها
وثيقة إلى درجة أن أداء المؤسسة يختلف باختلاف الأفراد العاملين فيها، ولذلك نعتقد أن معاقبة الأفراد ضمن المؤسسة أمر يطرح نفسه بقوة في قضية العقاب المؤسساتي. وقد يكون الألم المؤسساتي في أحد أشكاله ألمًا فرديًا يحفّز على التعلّم، لكن مثل هذه العقوبات لن تكون مجدية إذا تغيّر الأفراد
بسرعة؛ ما يؤدي إلى نسيان الدروس المستفادة أو إلى الإفلات من العقاب الفردي. ويجب أن يكون هذا العقاب متوافقًا مع طبيعة المسؤولية والنتائج المتمخضة التي تكلمنا عنها في المقدمة. يمكننا أن نجري التعميم من الفرد إلى المؤسسة، في محاور أخرى، فمثلً رأينا أن الرخاوة ميزة لأخلاق تميزها من القانون (يمكن للفاعل أن يقع في نفس الخطأ الأخلاقي عدة مرات). ورأينا كذلك أن الرخاوة تؤدي إلى انطباع وجود أزمة أخلاقية دائمة، وأعتقد أن هذا ما يحصل على أرض الواقع، فالجدال الأخلاقي حول عمل المؤسسات المالية والسياسية على وجه الخصوص مستمر ولاا يتوقف. كل يوم نكتشف فضيحة مالية أو سياسية جديدة، وكل يوم يستقيل سياسيون ومديرو شركات كبرى بسبب سوء إدارتهم الذي نفهمه فشلً أخلاقيًا للمؤسسة. وتزداد الرخاوة في حالة المؤسسات السياسية
بسبب ما ذكرناه من حصانة السياسيين المنتخَبين وتقاعس الدولة عن إلحاق الألم بنفسها، باعتبار أنها هي نفسها الأداة التي تحكم والأداة التي تعاقب، وهي هنا تعاقب (أو لاا تعاقب) ذاتها.
خاتمة
تخيّلنا أخلاقًا مؤسساتية لاا تخضع للمعايير الفردية، تخيّلنا حلقات تعلّم مؤسساتية تستطيع من خلال
التجارب أن تستنبط معايير أخلاقية تأخذ في لااعتبار بقاء الأفراد والجماعات والمؤسسات. راقبنا المؤسسة وقيّمنا أفعالها وفق المعايير الأخلاقية الجديدة، وعاقبناها عقابًا مؤلمًا يحفّزها على التعلّم ويردعها عن
تكرار الفعل اللاأخلاقي. فهل نستطيع أن نحل معضلة الأيدي القذرة أو معضلة الأيدي المتعددة؟ هل يمكن لسياسي أو لمؤسسة سياسية أن يدّعيا أنهما كانا يعملان من أجل الصالح العام حين اتخذا ذلك القرار الذي أدى إلى أذية بعض الأفراد أو بعض الجماعات؟ وفق منهجيتنا، فإن أي قرار يؤدي إلى أذية (مادية أو معنوية) لأحد مكونات المجتمع (أفراد أو جماعات أو مؤسسات) فإنه يعوق بقاء المجتمع بأسره، فلا بد من تفعيل إحدى (أو عدد من) حلقات التغذية الراجعة (الفردية أو المؤسساتية مثلً)، ولاا بد من تفعيل سيرورة التعلم المناسبة لتلك الحلقة (الحلقات.) لاا يمكن أن يتذرع السياسي بالمصلحة العامة معطيًا أولوية لمستوى أعلى من مستويات المجتمع (الجماعة كلها أو الدولة) على
المستويات الأدنى (مثل الفرد أو الجماعة الصغيرة أو المؤسسة الأصغر). إن البقاء متشابك، ولاا يمكن أن نهدد مستوى أدنى من التنظيم لااجتماعي دون أن نهدد مستوى أعلى، والعكس صحيح. إن منهجيتنا لاا تعطينا وسيلة لتحديد الأولويات، لكنها تفترض وجود تفاوض مجتمعي عند تفعيل أي حلقة تغذية راجعة. ولاا تعطينا منهجيتنا حلوالً عامة وشاملة، وإنما تساعدنا في صياغة القضايا الأخلاقية، ومن ثم إيجاد حلول لها: هل هي قضية فرد (تعسّف في استخدام السلطة مثلً) أم قضية مؤسسة (أخطاء في
العمل مثلً)؟ هل تفعلت حلقة التعلّم المناسبة (من يقوم بالتفاوض ولصالح مَن، ومن يقوم بالإشهار
والمراقبة والآليات الأخرى)؟ هل نمتلك كل القدرات والآليات الملائمة لعمل تلك الحلقة (سلطات، قدرات تشريعية، قدرات قضائية، قدرات تنفيذية)؟ هل لدينا المعايير الأخلاقية المناسبة (معايير المهنة مثلً)؟ هل جرى إغلاق الحلقة بالعقاب والتعلّم (مَن تعرض للعقاب؟ ما الدروس المستخلصة؟ من
تعلّم من تلك الدروس؟) إن هذه الأسئلة أفضل من لاانطلاق من قوائم المعايير الأخلاقية العامة المتراكمة عبر العصور والمتناقضة فيما بينها. هل تعدد الأيدي التي اتخذت القرار السياسي ونفذته يُضعف الحجة الأخلاقية؟ إن خطر الأخلاق
الفردية، والبحث الحثيث عن الفرد المسؤول أو عن الأفراد المسؤولين، يكمن في إضعافها للحجة الأخلاقية فيما يخص المؤسسات السياسية. لكن عندما نستبدل بالأيدي المتعددة المؤسسة، وعندما نتعامل مع المؤسسة بصفتها فاعلًاجتماعيًا يعمل ضمن فضاء أخلاقي خاص به، فإن قوة
الحجة الأخلاقية تصبح بقوة حلقة التعلّم المرتبطة بالمؤسسة المعنية. في حالة انعدام مثل هذه الحلقة، فإن التبرير بتعدد الأيدي سيفوز وسيقضي على الحجة الأخلاقية. إن المؤسسة فاعل قادر على التعلّم، وتحمّل العقاب، وبناء ضمير يردعه عن الأفعال اللاأخلاقية. إن ما قدمناه في هذه الورقة ليس حلً شافيًا وافيًا للمعضلة الأخلاقية في عمل المؤسسات، وإنما هو
تأسيس لتفكير جديد في معالجة هذه المعضلة. في البداية قصرنا التحليل على المستوى الفردي وحوّلنا
المسألة الأخلاقية إلى مشكلة اجتماعية أساسها الضبط لااجتماعي من خلال التعلّم. وقد وصلنا إلى هذه النتيجة من خلال مقاربة تطورية ومنظوماتية لأخلاق (استعداد أخلاقي بيولوجي وحلقة تغذية راجعة للتعلّم). وعندما نجحنا في إعطاء فهم جديد لنشوء الأخلاق الفردية، حاولنا تعميم النتائج على المؤسسات؛ فأخذنا الحجة نفسها واستبدلناها بالفرد بصفته وحدة تحليل وفعل المؤسسة بصفته وحدة تحليل وفعل. وقد وجدنا أن عملية التعميم هذه قد تؤدي إلى عدة سيناريوهات ممكنة، فما حققته الطبيعة على مستوى الفرد عبر الزمن التطوري الطويل يمكن تحقيقه بأشكال متعددة على مستوى المؤسسة. وباعتبار أن الدولة المؤسساتية ظاهرة جديدة نسبيًا بالمقارنة مع الزمن التطوري، فإنه من المبكر الحكم
على احتمال نجاح أي من السيناريوهات المتخيلة. من الصعب تصميم تغيير شامل وناجح في المجتمع، فالعملية التطورية تتبع طريقة التجريب والخطأ والتصحيح Heuristics. ونحن لاا نزال في نقطة البداية، ولذلك فإن وجود النقاش حول إشكالية الأخلاق في المؤسسة وضخ الأخلاق فيها هو خطوة أساسية في عملية التطور. إن التطور المجتمعي، كما هو التطور الطبيعي، يجري من خلال طفرات (أي تغيرّات
طفيفة)، وهذه الطفرات تأتي من مبادرات إنسانية ناتجة من التفكير والنقاش ثم التجريب.
References
المراجع
العربية
بوس، ديفيد. علم النفس التطوري. ترجمة مصطفى حجازي. بيروت: المركز الثقافي العربي،.2009 شميت، كارل. مفهوم السياسي. ترجمة سومر المير محمود. القاهرة: مدارات لأبحاث والنشر،.2017 فيبر، ماكس. العلم والسياسة بوصفهما حرفة. ترجمة جورج كتورة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،
كانط، إيمانويل. مشروع للسلام الدائم. ترجمة عثمان أمين. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية،.1952 مكيافيللي، نيقولااي. الأمير. ترجمة أكرم مؤمن. القاهرة: مكتبة ابن سينا،.2004
الأجنبية
Buss, David et al. (eds.). The Handbook of Evolutionary Psychology. New Jersey: John Wiley & Sons, 2005. Changeux, Jean–Pierre & Paul Ricœur. What Makes Us Think? A Neuro–scientist and a Philosopher Argue about Ethics, Human Nature, and the Brain. Princeton: Princeton University Press, 2000. Dallmann, Hans–Ulrich. "Niklas Luhmann’s Systems Theory as a Challenge for Ethics." Ethical Theory and Moral Practice. vol. 1, no. 1 (1998). Derrida, Jacques. Negotiations: Interventions and Interviews, 1971–2001. Elizabeth Rottenberg (trans.). Stanford: Stanford University Press, 2002.
Formosa, Paul. "'All Politics Must Bend Its Knee Before Right': Kant on the Relation of
Girardin, Benoît. Ethics in Politics: Why It Matters than Ever and How It Can Make a
Hamilton, William Donald. "The genetical evolution of social behaviour, I & II,"
Luhmann, Niklas. "Politicians, Honesty, and the Higher Amorality of Politics." Theory,
Ricœur, Paul. History and Truth. Charles A. Kelbley (trans.). Evanston, Illinois:
Suazo, Ruby. "Ricœur’s Ethics of Politics and Democracy." Philosophy Today. vol. 58,
Walzer, Michael. "Political Action: The Problem of Dirty Hands." Philosophy & Public
Morals to Politics." Social Theory and Practice. vol. 34, no. 2 (April 2008).
Difference. Geneva: GlobalEthics.net, 2012.
Journal of Theoretical Biology. vol. 7, no. 1 (1964).
Culture & Society. vol 11, no. 12 (1994).
Northwestern University Press, 1965.
no. 4 (2014).
Affairs. vol. 2, no. 2 (1973).