Return to Article Details The Ethical Implications of Tolerance in Thomas Scanlon’s Philosophy

الرهانات الأخلاقية للتسامح في فلسفة توماس سكانلون

The Ethical Implications of Tolerance in Thomas Scanlon’s Philosophy

مايكل مدحت *

Michael Medhat *

الملخّص

هذه الدراسة استكشاف نقدي للرهانات الأخلاقية التي تثيرها فكرة "التسامح"، كما يقدمها الفيلسوف الأميركي توماس مايكل سكانلون في سياق فلسفته الأخلاقية، وفقًا للنظرية التعاقدية. لذلك تحاول من الناحية المنهجية: أولًا، توضيح الاختلافات الأساسية بين المذهب التعاقدي وبين مذهب المنفعة ومذهب أخلاق الفضيلة، بوصفها المذاهب الثلاثة الرئيسة المحددة للفكر الأخلاقي في الثقافة الغربية. وتنتقل بعد ذلك لتوضيح الأسس التي تقوم عليها النظرية التعاقدية عند سكانلون، وما تقتضيه من تأملات جديدة حول دوافعنا الأخلاقية، والطريقة التي ننظم بها سلوكنا الأخلاقي والمبررات الكامنة وراء ذلك، وأيضًا الأهداف التي نسعى لها، والطريقة التي يمكننا بها الوقوف على أسس معقولة مشتركة لعملية التداول الأخلاقي. وفي الخطوة الثالثة، تقدم الدراسة تحليلًا للفظ "التسامح" وما يثيره من إشكاليات أخلاقية تتعلق بمعناه وبإمكانية تبريره أخلاقيًا وحدوده وإمكانية التداول الأخلاقي المشترك حوله على أسس عقلانية، وأيضًا المفارقات المرتبطة به. وأخيرًا تختتم الدراسة بتقييم نقدي لرؤية سكانلون الأخلاقية، ومقاربته لفكرة التسامح، في ضوء المعايير المنهجية للنظرية التعاقدية.

Abstract

Abstract: This study is a critical exploration of the ethical implications raised by the notion of "tolerance" as presented by the American Philosopher Thomas Scanlon in the context of his moral philosophy according to contractualist theory. The paper thus explains the difference between Contractualism and the three principal theories of morality in Western culture: Utilitarianism, Kantian ethics, and Virtue ethics. It then defines the moral foundations of human conduct on our which Scanlonʼs Contractualism is based and how it dictates our perception of the motives behind our moral behaviour and the way we can reasonably justify and deliberate in the realm of morality. The paper then analyses the concept of "tolerance" and its paradoxes, before concluding with a critical assessment of Scanlonʼs Contractualism and the way he approaches tolerance within this methodology.

الكلمات المفتاحية:
  • توماس سكانلون
  • المذهب التعاقدي
  • التسامح
  • مذهب المنفعة
  • الأخلاق الكانطية
  • أخلاق الفضيلة
  • التبرير الأخلاقي
  • مفارقات التسامح
Keywords:
  • Thomas Scanlon
  • Contractualism
  • Tolerance
  • Utilitarianism
  • Kantian Ethics
  • Virtue Ethics
  • Moral Justification
  • Paradoxes of Tolerance

الفيلسوف الأميركي توماس مايكل سكانلون في سياق فلسفته الأخلاقية، وفقًا للنظرية التعاقدية.

لذلك تحاول من الناحية المنهجية: أوالً، توضيح لااختلافات الأساسية بين المذهب التعاقدي

وبين مذهب المنفعة ومذهب أخلاق الفضيلة، بوصفها المذاهب الثلاثة الرئيسة المحددة للفكر

الأخلاقي في الثقافة الغربية. وتنتقل بعد ذلك لتوضيح الأسس التي تقوم عليها النظرية التعاقدية

عند سكانلون، وما تقتضيه من تأملات جديدة حول دوافعنا الأخلاقية، والطريقة التي ننظم بها

سلوكنا الأخلاقي والمبررات الكامنة وراء ذلك، وأيضًا الأهداف التي نسعى لها، والطريقة التي

يمكننا بها الوقوف على أسس معقولة مشتركة لعملية التداول الأخ قااي. وفي الخطوة الثالثة،

تقدم الدراسة تحليلً للفظ "التسامح" وما  يثيره من إشكاليات أخلاقية تتعلق بمعناه وبإمكانية

تبريره أخلاقيًا وحدوده وإمكانية التداول الأخ قااي المشترك حوله على أسس عقلانية، وأيضًا

المفارقات المرتبطة به. وأخيرًا تختتم الدراسة بتقييم نقدي لرؤية سكانلون الأخلاقية، ومقاربته

لفكرة التسامح، في ضوء المعايير المنهجية للنظرية التعاقدية.

الكانطية، أخلاق الفضيلة، التبرير الأخلاقي، مفارقات التسامح.

مقدمة

يعدّ الفيلسوف الأميركي توماس مايكل سكانلون Scanlon Michael Thomas أحد أشهر المشتغلين بحقل الفلسفة الأخلاقية والسياسية في الحقبة المعاصرة، وأكثرهم تأثيرًا، منذ

صدور عمله الرئيس: ما  يدين به بعضنا لبعض What We Owe to Each Other (1998)، حيث قدم في هذا الكتاب رؤية جديدة لأسس الأخلاق وطبيعتها، وطبيعة عمليات التبرير والتداول واتخاذ القرار الأخلاقي، بصورة تكشف عن فهم جديد لتعقد الظاهرة الأخلاقية وتجلياتها في مجال القيم والعلاقات الإنسانية "الشخصية"، وذلك بأسلوب يجمع بين الدقة والرصانة الأكاديمية من جهة، والتبسيط وبراعة التصوير وتقديم الأمثلة العملية من جهة أخرى. وقد تطورت هذه الرؤية لديه عبر أعمال مثل: صعوبة

التسامح The Difficulty of Tolerance (2003)، وأبعاد أخلاقية Moral Dimensions (2008)،

وصوالً إلى كتابه: لماذا اللامساواة ذات أهمية؟ Why Does Inequality Matter).2017(لاا ينتمي سكانلون إلى طراز الفلاسفة ذوي الرؤية الموسوعية، الذين تأتي مقارباتهم الأخلاقية في سياق شامل يتناول مختلف جوانب الوجود الإنساني، على غرار إيمانويل كانط Kant Immanuel –1724(1804)، الذي يقدم رؤيته الأخلاقية في سياق يشمل معالجته لكل من نظرية المعرفة والميتافيزيقا والدين والسياسة وفلسفة الفن، بل ينتمي إلى فئة الفلاسفة التحليليين الذين يقدمون رؤية تفصيلية دقيقة لما يعالجونه من ظواهر، بصور تبعث فيها الحياة وتجعل من صعوبة تتبع تفاصيلها أمرًا محببًا

إلى النفس، بعد إدراك ما تحمله من مغزى عميق. ويبدو أن الهدف من فلسفته برمتها أن تكون بمنزلة "بحث في طبيعة الأخلاق"، وفقًا للمذهب التعاقدي Contractualism، الذي مفاده أن "الفعل يكون صائبًا ومقبوالً أخلاقيًا إذا كان ضروريًا ومبررًا بموجب

مبادئ لاا يمكن أي إنسان، يملك الدوافع المناسبة، أن يرفضها بصورة معقولة، بصفتها أساسًا للاتفاق

العام الحر المبني على المعرفة". والأخلاق التعاقدية بهذا المعنى هي نوع من التداول الأخلاقي Deliberation Moral، يقول سكانلون موضحًا ذلك: "وفقًا للمذهب التعاقدي كما أفهمه، فإن الدافع

لاا الأخلاقي الأساسي هو رغبة المرء في أن ينظم سلوكه وفقًا لمعايير يستطيع الآخرون رفضها بصورة معقولة، ما  داموا أيضًا في حالة من السعي وراء مجموعة مشتركة من المبادئ العملية". والأخلاق، وفقًا لهذا الرأي، هي ما يمكن أن نسميه "نظامًا من التداول المشترك". وليس التبرير الأخلاقي سوى

محاولة لااكتشاف مجموعة من المبادئ التي نتوقع أن يقوم كل منا بتطبيقها وتوظيفها أساسًا للتداول،

وبقبولها أساسًا للنقد. وهنا تتجلى المنزلة المحورية لقيمة التسامح في فلسفة سكانلون؛ فالتسامح كما يرى هو الذي يمكّننا من القيام بعملية التداول الأخلاقي في مناخ من الحرية والعدالة والأمان، يكفل لأفراد التمتع بحقوقهم

(1) Thomas M. Scanlon, "The Significance of Choice," in: Michael Walzer et al., The Tanner Lectures on Human Values , Sterling M. McMurrin (ed.), vol. 8 (Salt Lake City: University of Utah Press, 1988), p. 151. (2) Ibid., p. 166.

الأخلاقية والسياسية، كما أنه يمكّننا أيضًا من امتلاك المعيار الأخلاقي الذي يمكن أن نقيّم به مبادئنا

وأفعالنا الأخلاقية، ومؤسساتنا السياسية، والقانونية، ولااقتصادية. والإشكالية الرئيسة للتسامح بهذا المعنى تدور حول التكلفة التي يجب أن نتحملها لكي نتمتع بحقوق معينة ومنظمة، وعلى وجه التحديد، المخاطر التي يجب أن يواجهها المجتمع لأنه منفتح دائمًا على إمكانية تغييره وتعديله،

بوساطة أفراد (أو جماعات) يتبنون مجموعة من القيم تختلف عن قيمنا، ومن حقهم مثلنا تمامًا أن

يؤدّوا دورًا في تحديد الطريقة التي يتطور بها هذا المجتمع.

أولا: نظرية سكانلون التعاقدية في سياق الفكر الأخلاقي المعاصر

تتحدد معالم الصيغة التي يقدمها سكانلون من المذهب التعاقدي وفقًا للرؤية التي مؤداها أن جوهر الأخلاق هو عملية التداول الأخلاقي التي تهدف إلى إيجاد تبرير للمبادئ العملية التي ننظم سلوكنا وفقًا لها. وقد عهدت الفلسفة الأخلاقية المعاصرة إلى ثلاثة مذاهب كبرى، للقيام بهذا النوع من التداول الأخلاقي:

1. المذهب التعاقدي ومذهب أخلاق الفضيلة

الأول هو مذهب أخلاق الفضيلة Ethics Virtue الذي أخذ صيغته الواضحة مع أرسطو، وتطور مع التراث المسيحي في العصور الوسطى، وأعيد تقديمه مرة أخرى في الحقبة المعاصرة بوساطة عدد كبير من الفلاسفة، لعل أبرزهم مارثا نوسباوم Martha C. Nussbaum في كتاب هشاشة الخير

The Fragility of Goodness، وألسدير ماكنتاير Macintyre Alasdair في كتاب بعد الفضيلة After

Virtue: A Study in Moral Theory. وجوهر هذا المذهب هو أن "المشكلة الأولى في فلسفة الأخلاق هي طبيعة الخير الأقصى"، والذي رأى أرسطو Aristotle (322–384 ق.م.) قديمًا أنه يكمن

في العقل. ومن ثم فإن "نشاط العقل هو الخير الأقصى". وتقوم سعادة الإنسان بهذا المعنى على ربط الفضائل العقلية بالفضائل الأخلاقية، ويعتمد تحقيق هذا الغرض على "بصيرة الشخصية الحكيمة" التي تتميز بنوع من الحس الممتاز بما يجب أن يفعله الإنسان. إن الأخلاق هنا تقوم على مفهومين: الأول هو "الفضيلة"، والثاني هو "الشخصية"؛ ولهذا يجادل ماكنتاير في بعد الفضيلة، انطلاقًا من فلسفة أرسطو، بأن "سلطة الفضائل الأخلاقية والقواعد الأخلاقية تكمن في حقيقة أن التعود على هذه الفضائل، والتصرف وفقًا لهذه القواعد، يزودان الإنسان بالقدرة على لاانتقال من حالة النقص إلى حالة الكمال، أو لاانتقال بالطبيعة البشرية من حالتها غير المهذبة إلى الحالة التي يمكن أن يصبح عليها الإنسان إذا أصبح واعيًا بغاياته". ولاانتقاد الرئيس الذي يوجهه سكانلون إلى هذه الوجهة من النظر، هو أنها تجعل من القضية الأخلاقية ميتافيزيقية في جوهرها، في حين أنها "عملية". إن مذهب أخلاق الفضيلة يحاول القيام بنوع من

(((وولتر ستيس، تاريخ الفلسفة اليونانية، ترجمة مجاهد عبد  المنعم مجاهد (القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1984)، ص.257

(4) Alasdair Macintyre, After Virtue , 3 rd ed. (Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 2007), p. 53.

التحديد الميتافيزيقي لفكرة الخير الأقصى، ثم يقوم بتبرير أفعالنا الأخلاقية من خلال اتفاقها مع هذا المفهوم. وهكذا فإن السبب الذي يجعل البشر يقبلون تبريرًا ما هو مدى اتفاقه أو اختلافه مع طبيعة

الخير. لكن سكانلون يرى أن النقاش الميتافيزيقي حول الخطأ والصواب الأخلاقيين يكون ضروريًا

فقط، عندما نريد أن نوضح السبب وراء الأهمية العملية لأحكامنا الأخلاقية، ومن ثم فإن أحكامنا الأخلاقية لاا تنبع من لااهتمامات الميتافيزيقية، بل من لااهتمامات العملية.

2. المذهب التعاقدي ومذهب المنفعة

والمذهب الثاني الأوسع انتشارًا والأقوى تأثيرًا في الثقافة الغربية هو مذهب المنفعة Utilitarianism.

ويقوم على فكرة أن هناك مستوى جوهريًا من عملية التداول الأخلاقي، نجد عنده أن ازدهار الإنسان

ورفاهيته وسعادته هي الهدف من الأخلاق، كما أن المقارنة بين نتائج الأفعال، من حيث مقدار تأثيرها في سعادة الإنسان، هي الأساس الوحيد لتقييم معقولية قبولنا للمبادئ الأخلاقية أو رفضنا لها، أو كما يقول جون ستيورات مل Mill Stuart John (1873–1806): "إن لااعتقاد الذي يقبل أن أساس الأخلاق هو المنفعة، أو مبدأ السعادة العظمى، يذهب إلى أن الأفعال تكون صائبة بما يتناسب مع تحقيقها للسعادة، وتكون خاطئة إذا كانت تنتج نقيض السعادة. وبالسعادة أقصد اللذة، وغياب الألم؛ وبالتعاسة أقصد الألم، والحرمان من اللذة". وبذلك تكون القاعدة المعيارية، التي نحتكم إليها لتقرير الصواب والخطأ الأخلاقيَّيْن، هي تحقيق أكبر قدر ممكن من السعادة لأكبر عدد من البشر. بهذه الطريقة، يكون لدينا سبب واحد عام وشامل يمكن أن نلجأ إليه لرفض فعل أخلاقي بعينه: وهو أنه لاا يحقق رفاهية الإنسان وخيره، أو لاا يحقق للبشر أكبر قدر ممكن من السعادة. لكن سكانلون يرى أن لدينا سببًا قويًّا للاعتراض على مثل هذه المبادئ الأخلاقية؛ لأنها تتحيز بصورة عشوائية لبعض

المزاعم في مقابل مزاعم أخرى مماثلة لدى آخرين، ولأنها غير عادلة. يقول سكانلون: "يبدو لي أن أحد مواطن قوة المذهب التعاقدي تتبدى في أنه، في مقابل مذهب المنفعة ووجهات النظر الأخرى التي تجعل من رفاهية وخير الإنسان بمنزلة الفكرة الأخلاقية الجوهرية الوحيدة، يستطيع أن يأخذ في لااعتبار وجهات نظر أخرى مختلفة ومهمة، وذلك في سياق إطار أخلاقي موحد، من دون أن يختزلها جميعًا لفكرة مفردة بعينها". إن وجهة النظر التعاقدية لاا تعطي الجماعية الأخلاقية أو التكتل الأخلاقي الأفضلية؛ لأن ما يقوله المذهب التعاقدي هو أنه، في حال وضعَ الأشخاص المستفيدون من فعل بعينه أنفسَهم مكان

الشخص الذي لن يحقق أي استفادة من هذا الفعل، فسوف يدركون أنه لاا يوجد أي أساس حقيقي لتبرير استفادتهم دون الآخرين. فلو افترضنا على سبيل المثال وجود يانصيب معين نختار فيه البعض للمشاركة عشوائيًا مع ترك مجموعة غير مشاركة بلا مبرر، نستطيع لااعتراض على أخلاقية هذا الفعل

لأنه غير عادل، على الرغم من استفادة الأغلبية منه، ولأنه لاا يوجد سبب يجعلك تستفيد من الفعل

(5) John Stuart Mill, Utilitarianism (Kitchener, Ontario: Batoche Books, 2001), p. 10. (6) Thomas M. Scanlon, What We Owe to Each Other , 3 rd ed. (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2000), p. 216.

ولاا أحصل أنا على لااستفادة نفسها، حتى لو كنت ضمن الأقلية. إن المذهب التعاقدي في هذه الحالة يقول: هناك سبب معقول لرفض أخلاقية هذا الفعل؛ لأنه غير عادل أو متعسف.

3. المذهب التعاقدي والأخلاق الكانطية

أما المذهب الثالث فهو الأخلاق الكانطية، وقد عرض كانط لدراسة المشكلة الخلقية في كتابين متواليين، الأول هو أسس ميتافيزيقا الأخلاق (1785)، والثاني هو نقد العقل العملي (1788). في الأول منهما، يناقش كانط صيغة الأمر المطلق، ومعناه أن الأخلاق لاا بد من أن تأخذ صيغة الإلزام، كما أنها مطلقة لاا تتقيد بحدود العرق أو اللغة أو الدين. وهو لاا يعبأ هنا بمذهب المنفعة العامة، كما  لا يعبأ بأي نظرية تجعل لأخلاق هدفًا خارجها، بل يروم "ميتافيزيقا لأخلاق معزولة عزلة تامة، غير مختلطة بلاهوت أو فيزياء أو أي شيء خارق". أما  الكتاب الثاني، فيناقش فيه كانط سؤال: كيف يكون في الإمكان قيام أخلاق، أعني نظامًا من القوانين الحرة المتمايزة من قوانين الطبيعة، إلى جانب

نظام الطبيعة؟ ويخلص كانط إلى أن هذا القانون الأخلاقي لم يأت من خلال التجارب الشخصية، أو ما أسماه أرسطو في مذهبه "البصيرة"، بل إنه فطري فينا، "والخير الوحيد في العالم هو إرادة الخير، وهي الإرادة التي تتبع القانون الأخلاقي، بغض النظر عما يعود علينا من كسب أو خسارة. إذ ليس المهم هو السعادة وإنما هو الواجب". يقول كانط: "لهذا السبب، مرة أخرى، ليست الأخلاق هي المذهب الذي يعلمنا كيف نجعل أنفسنا سعداء، ولكنها المذهب الذي يعلمنا كيف نجعل أنفسنا جديرين بالسعادة"، وقد نسعى لسعادة الآخرين، ولكن بالنسبة إلى أنفسنا يجب أن نسعى للكمال. وصيغة القاعدة الأخلاقية بهذا المعنى لاا بد من أن تتسم بالكلية، ولذلك يحدد كانط الصيغ الثلاث للواجب الأخلاقي، حتى نقف على الأوامر المطلقة التي لاا بد لإرادتنا من أن تراعيها في أفعالها، على النحو التالي: أوالً، "اعمل دائمًا بحيث يكون في استطاعتك أن تجعل من قاعدة فعلك قانونًا

كليًا للطبيعة"، وثانيًا، "اعمل دائمًا بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي أشخاص الآخرين

باعتبارهم غاية لاا مجرد وسيلة". وثالثًا، "اعمل بحيث تكون إرادتك – باعتبارك كائنًا عاقلً – هي الإرادة المشرعة الكلية"، والقاعدة الأخيرة هي بمنزلة جمع بين القاعدتين السابقتين "لأنها تنص على ضرورة خضوع الإنسان للقانون الأخلاقي باعتباره هو مشرعه".

(((برتراند راسل، تاريخ الفلسفة الغربية: الكتاب الثالث، الفلسفة الحديثة، ترجمة محمد فتحي الشنيطي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1977)، ص 323 (((ول ديورانت، قصة الفلسفة، ترجمة فتح  الله محمد المشعشع، ط 7 (بيروت: مكتبة المعارف، 1988)، ص.350

(9) Immanuel Kant, Critique of Practical Reason , Mary Gregor (trans.) (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2015), p. 104. (10) Immanuel Kant, Groundwork of the Metaphysics of Morals , Mary Gregor (trans.), 11 th ed. (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2006), p. 31. (11) Ibid., p. 38. (12) Ibid., p. 39.

1(((زكريا إبراهيم، كانط أو الفلسفة النقدية، سلسلة عبقريات فلسفية 1، ط 2 (القاهرة: مكتبة مصر، 1972)، ص.145

وتتلاقى هذه الصيغة لأخلاق الكانطية مع تعاقدية سكانلون في نقطتين: الأولى، أنها نظرية غير متحيزة أخلاقيًا، بل تحاول فهم المحتوى الأخلاقي من خلال تأمل المبادئ الموضوعية التي يمكن البشرَ

أن يتفقوا عليها بصورة تمثل قانونًا كليًا؛ والثانية، أنها تسعى وراء لااتفاق الحر لتفسير مبدأي الحرية

والمساواة، وهو ما يتضح في القاعدة الكانطية الثانية. لكن تعاقدية سكانلون ليست مجرد صيغة أخرى لأخلاق الكانطية، بل تختلف عنها موضوعيًا

فيما يتعلق بالإلزام الأخلاقي. إن الأخلاق الكانطية تصل إلى الإلزام الأخلاقي وتكتسب معياريتها من النظر في الشروط الأنطولوجية للموجود العاقل ذاته، لذلك يكمن تبرير القواعد الأخلاقية في عقلانية Rationality الفاعل الأخلاقي، والإنسان يستطيع أن يحدد إذا ما كان سلوكه أخلاقيًا أو غير أخلاقي

في ضوء العقل العملي فقط، من دون النظر إلى الرغبات أو المشاعر أو حتى النتائج، إذ ليس للمنفعة ولاا للرغبة صفة خلُقية، بل إن "الإرادة الصالحة لاا تبدو بوضوح إلاا متى كانت في صراع مع النزعات الطبيعية فاستمسكت بالواجب"، كما  نرى مثلً في محبة أعدائنا. ويترتب على ذلك أن الإرادة مستقلة ومتجانسة ومسؤولة عما تتخذه من قرارات، ولاا تأخذ في اعتبارها أي عوامل أخرى. في حين أن تعاقدية سكانلون تكتسب المعيارية الأخلاقية وتصل إلى الإلزام الأخلاقي من متطلبات التبرير التي نقدمها للآخرين، بأن نفسر لهم كيفية تضمّن الأوجه الأخرى من حياتنا وعلاقاتنا بالآخرين لهذه

الفكرة، وتاليًا نوضح لهم أي نوع من لااهتمامات – مثل عواقب الأفعال، أو المشاعر، أو الرغبات –

هي عوامل يمكن أخذها في لااعتبار والتعامل معها بوصفها مصادر للإلزام الأخلاقي، ما دامت معقولة Reasonable، ويترتب على ذلك أن الإرادة غير متجانسة وليست مستقلة، لأنها تراعي عوامل أخرى تقع خارج نطاقها. ويمكننا الآن، وفقًا لما أسلفناه، أن ننتقل لااستخلاص السمات المحددة للمذهب التعاقدي عند سكانلون، أو ما يمكن أن نسميه معادلة المذهب التعاقدي.

ثانيًا: محددات وتساؤلات: معادلة المذهب التعاقدي لدى سكانلون

وفقًا للنسخة التي يتبناها سكانلون من المذهب التعاقدي، فإن الأفق الذي تدور فيه تأملاتنا الأخلاقية هو الأسئلة الثلاثة التالية: ما الذي نعنيه عندما نقول: إن فعلً ما صائب أو خاطئ أخلاقيًا؟ وما المبرر

الذي نقدمه للقيام بهذا الفعل؟ ولماذا نمنح مسألة الصواب والخطأ برمتها هذه الأولوية على بقية لاا القيم؟ والإجابة التي يقدمها سكانلون مفادُها أن العلاقة التي تتعدى الذات وتؤثر في الآخر بد لها من قاعدة أو "تعاقد" لتنظيمها، والأسئلة الثلاثة السابقة تتمحور حول كيفية الوصول إلى هذا التعاقد من خلال عملية اتخاذ القرار الأخلاقي Making Decision Moral واختيارنا للمبادئ الأخلاقية المحددة لأفعالنا، أهو اختيار يعبر عن مجرد تفضيل، مثل تفضيلنا لتناول نكهة معينة من المُثلجات، أم أنه اختيار

1(((يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2012)، ص.259

مكافئ مثلً لما قام به هتلر من سياسات وحشية تجاه اليهود في معسكرات أوشفيتز وداخاو؟ ولماذا نرى أنه ليس من حقنا أن نعترض على لااختيار من النوع الأول، وأن تدخلنا في اختيار شخص ما لنكهة المُثلجات التي يحبها يُعدّ خرقًا لخصوصيته وانتهاكًا لحريته الشخصية، بينما نرى أنه من واجبنا في الحالة الثانية أن نتدخل بكل قوة على المستويين الأخلاقي والسياسي لمنع هذا الفعل وضمان عدم تكراره مرة أخرى؟ والإجابة التي يقدمها سكانلون هي أن اختيارنا لفعلٍ ما يكون خاطئًا من الناحية الأخلاقية، إذا، وفقط إذا، كان المبدأ الذي يسمح بالقيام بهذا الفعل من الممكن أن يعترض عليه، بصورة معقولة، أيّ إنسان يملك الدوافع الملائمة، ويسعى لتنظيم سلوكه وفقًا لمجموعة مشتركة من المبادئ العملية. وباختصار: لاا يمكن أي شخص أن يعترض على فعل أقوم به باعتباره لااأخلاقيًا، ما لم يكن لديه أسباب معقولة. ومن الواضح غياب هذه الأسباب في الحالة الأولى، وحضورها بقوة في الحالة الثانية. ولذلك تأتي صيغة المعادلة التعاقدية لدى سكانلون على النحو التالي: "وفقًا للمذهب التعاقدي، لكي نقرر إذا ما كان من الخطأ القيام بالفعل X في الظروف C، ينبغي أن نأخذ في اعتبارنا المبادئ الممكنة التي تتحكم في الطريقة التي يمكن الإنسانَ أن يتصرف وفقًا لها في هذه المواقف، وأن نسأل إذا ما كان أي مبدأ يسمح للإنسان بالقيام بالفعل X في هذه الظروف يمكن، لهذا السبب، رفضه بصورة معقولة". ووفقًا لهذه المعادلة، يكون المبدأ الأخلاقي عبارة عن "استنتاج عام بشأن حالة مجموعات متنوعة من أسباب الفعل". لذلك يمكن المبادئَ الأخلاقيةَ أن تستبعد مجموعة من الأفعال، من خلال استبعاد الأسباب التي تقوم عليها مشروعية هذه الأفعال، كما أنها تترك أيضًا مساحة واسعة للتفسير والحكم الأخلاقيين. والمذهب التعاقدي على هذا النحو يُعَدّ "نظرية معيارية تقوم بالتركيز على امتحان قواعد ومعايير صواب الأفعال وخطئها، ولاا تثقل كاهلها بصورة مباشرة ب لااعتبارات الميتافيزيقية واللغوية". والسؤال المحوري الذي يثيره سكانلون حول هذه الصيغة للمعادلة التعاقدية هو: لماذا نتحدث عن لاا مبادئ لاا يستطيع أحد أن يرفض معقوليتها بدالً من مبادئ يستطيع أحد أن يرفض عقلانيتها؟ أو بعبارة أخرى لماذا نستبدل العقلانية Rationality بالمعقولية Reasonableness؟ والإجابة ببساطة، هي أن فكرة العقلانية لاا تصلح لعملية التبرير الأخلاقي، أو تبرير رفضنا لمبدأ أخلاقي ما؛ لأنها:

(15) Scanlon, What We Owe , p. 195. (16) Ibid., p. 199. (17) Kenneth R. Weisshaar, "Scanlon’s Contractualism and Its Critics," PhD Dissertation, City University of New York, New York, 2018, p. 3.

• ذات طابع اختزالي ولاا تنظر إلاا إلى المكون العاقل فقط في الموجود البشري، ولاا تأخذ في اعتبارها العوامل الأخرى المؤثرة في عملية التبرير الأخلاقي، مثل الرغبات والمعتقدات والنتائج المرتبطة بالفعل. • لاا يمكن الوصول إلى معنى موحد "للعقلانية" ذاتها، أو كما يقول ماكنتاير: أي عقلانية؟ • لأن هناك مواقف كثيرة نجد فيها أنفسنا مضطرين إلى لااختيار من بين مجموعة من المبادئ، يكون كل منها مفيدًا للبعض، ولكن على حساب البعض الآخر، وفي هذه المواقف، لن نجد إجابة محددة للسؤال حول إذا ما كان في استطاعتنا رفض هذه المبادئ بصورة عقلانية. أما المعقولية، والتي يراها سكانلون أساسًا لعملية التفكير الأخلاقي بأسرها، فإنها تفترض مسبقًا: • توافر بنية من المعلومات. • نطاقًا متنوعًا من الأسباب المرتبطة بعملية التداول الأخلاقي. • الغرض من الوصول إلى مبادئ لاا يستطيع الآخرون رفضها بصورة معقولة، وإذا ما وضعنا هذا الغرض في اعتبارنا، ف "سوف يكون من غير المعقول أن نتجاهل اهتمامات الآخرين في تحديد المبادئ التي يجب قبولها". ولتوضيح التمييز السابق بين العقلانية والمعقولية، يقدم لنا سكانلون المثال التالي: لنفترض أننا نتفاوض حول "الحق في المياه" في بلادنا، وأن هناك بالفعل شخصًا يملك قطعة من الأرض توجد فيها

أغلب المياه، وهذا الشخص ليس في حاجة إلى أي مساعدة أو تعاون منا، ويستطيع أن يفعل ما يروق له، واختياراته سوف تحدد بصفة كبيرة نتيجة هذه المفاوضات. ولنفترض أيضًا أن هذا الشخص ليس بخيلً، وأنه من المرجح أن يزود الآخرين بالمياه من الآبار الخاصة به إذا كانوا في حاجة ملحّة إلى ذلك، ولكنه لاا يريد أن يناقش مشروعية امتلاكه للمياه ذاتها. في هذا الموقف، لن يكون من غير المعقول أن يقول أحدنا إن كل إنسان يملك الحق، على الأقل، في الحد الأدنى من موارد المياه، وله أن يرفض أي نوع من التوزيع لاا يضمن ذلك الحق. وإذا لجأنا في المثال السابق إلى العقلانية وحدها، فلن يكون في استطاعتنا القيام بأي فعل من شأنه أن يثير غضب مالك الأرض، ويؤدي بنا إلى نتائج أسوأ يتحملها الجميع. ولكننا إذا لجأنا إلى المعقولية، فسوف نضع في اعتبارنا الدوافع والمشاعر والنتائج الخاصة بجميع المشتركين في عملية التفاوض، وسنجد أنه من غير المعقول أن يرفض مالك الأرض طلبنا بالتأسيس لمبدأ يضمن لنا الحد الأدنى من الحق في المياه. ولكن هل يزودنا المذهب التعاقدي وفقًا للصيغة السابقة بمبادئ أخلاقية نظرية مجردة، على غرار المذهب الكانطي؟ وهل تصلح مبادئه لتقديم تأملات أخلاقية عينية، تفيد في معالجة مواقف بعينها؟

(18) Scanlon, What We Owe , p. 192.

يجيب سكانلون عن ذلك بأن المذاهب القائمة على العقلانية تكشف عن قصورها عند اختيار مبدأ من مبادئ متعددة، يعمل كل منها في مصلحة البعض ويحقق منفعته، وفي الوقت نفسه يعمل ضد آخرين وضد مصلحتهم، لأنه في هذه الح لاات لن يكون في استطاعتنا الوصول إلى إجابات محددة بصورة مجردة. إن قواعد الأمر المطلق الكانطية تضعنا، كما يرى سكانلون، أمام معضلة "الجمود الأخلاقي"؛ لأنها يجب أن تكون مجردة عن الح لاات العينية، ولاا تخضع إلاا لمقتضيات الأمر المطلق (المجرد)، ولاا تتعامل مع مواقف افتراضية بعينها. ولننظر مثلً إلى القاعدة الثانية لأمر المطلق (معاملة البشر بوصفهم غايات وليس مجرد وسائل)، والتي يفترض كانط أنها تعبر عن مبدأ أساسي لأخلاق، يكمن وراء جميع واجباتنا الأخلاقية، وسوف نجد أنها قد تفصح عن قدر من الخطأ. فمن الصحيح أننا يجب أن لاا نستغل رفاقنا من البشر ونعاملهم على أنهم وسائل، لكن هذا لاا يعني أن القاعدة تنطبق على جميع المواقف العينية، فمثلً يرى سكانلون أنه ليس من الملائم أن أتهم شخصًا غريبًا بأنه قام باستغلالي، حينما رآني معرّضًا لخطر الغرق، وكان في استطاعته

إنقاذي بسهولة باستدعاء خدمة الإنقاذ، ولكنه بدالً من ذلك استدار مبتعدًا وواصل نزهته على الشاطئ. "ربما يكون قد أساء إلي، ولكنه لم يقم باستغلالي بأي معنى من المعاني الطبيعية لهذه الكلمة". كما أننا، في المواقف التي نضطر فيها إلى المفاضلة بين شخصين، سوف نكون مضطرين إلى التعامل مع أحدهما بوصفه وسيلة والآخر بوصفه غاية. والمثال الذي يقدمه جان بول سارتر Paul Jean Sartre (1905–1980)، في الوجودية مذهب إنساني، يوضح لنا هذه المعضلة الأخلاقية، حيث يناقش حالة شاب مطالب ب لااختيار بين أحد موقفين: إما أن يختار لاالتحاقَ بالقوات الفرنسية والدفاع عن وطنه مع معرفته بأنه لاا يوجد من يرعى أمه في غيابه، أو بقاءَه إلى جوار والدته وتخليه عن لاالتحاق

بالقوات الفرنسية لكي يثأر لأخيه الذي قُتل على يد الألمان. ولو طبقنا أخلاقيات كانط على حالة هذا الشاب، لقلنا معه "إني إذا بقيت إلى جوار أمي فإني أعاملها وقتئذ كغاية لاا وسيلة، لكني في الوقت نفسه أعامل الذين يقاتلون من قومي كوسيلة لاا غاية. أما إذا انضممت إلى القوات الفرنسية الحرة، فإني أعامل مواطنيّ على أنهم غاية لاا وسيلة، وأعامل أمي في نفس الوقت على أنها وسيلة". إن

القاعدة الكانطية في هذه الحالة تضعنا في موقف غامض وغير محدد، وهذا الغموض عينه هو ما يريد سكانلون تجاوزه عن طريق صياغة المعادلة التعاقدية، وفقًا لمبدأ الرفض المعقول بصورة تتيح لنا ممارسة التأمل الأخلاقي بصورة أكثر عينية، وفي سياق مواقف بعينها، وتراعي جميع الأبعاد (العقلانية والوجدانية والنتائجية)، ليكون في استطاعتنا الوصول إلى مبادئ لاا يمكن رفض معقوليتها، وذات طابع عملي يأخذ في لااعتبار لااهتمامات والظروف لجميع المشتركين في عملية التداول الأخلاقي.

(19) Thomas M. Scanlon, Moral Dimensions: Permissibility, Peaning, Blame (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2008), p. 90.

2(((جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عبد  المنعم الحفني (القاهرة: الدار المصرية للطبع والنشر والتوزيع، 1964)، ص.29

إن الهدف من الأخلاق، وفقًا لسكانلون، ليس تراكم الأفعال الخيرة لتحقيق غاية أبعد، مثل تحقيق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من البشر كما يرى مذهب المنفعة، ولاا أن نحيا وفقًا لقوانين العقل (الأمر المطلق) والقانون الأخلاقي الكامن في أعماقنا كما يرى كانط، بل إن الهدف من الأخلاق وفقًا لنظريته هو أن نصل إلى مجموعة من القواعد المشتركة التي "لاا يوجد أي مبرر عقلاني لرفضها"، من أجل خلق عالم مشترك أكثر إنسانية نشعر فيه بالواجب تجاه رفاقنا من البشر. ولااستكشاف ما يترتب على هذه النظرة إلى طبيعة الأخلاق، وما يرتبط بها من تحديد لعمليات التداول والتبرير واتخاذ القرار الأخلاقي، وما يثار حولها من تساؤلاات، سوف ننتقل لإلقاء نظرة أكثر قربًا على الرهانات التي تتضمنها فكرة التسامح وما يترتب عليها من معضلات أخلاقية.

ثالثًا: مفردة التسامح

تتوفر مفردة التسامح، بوصفها تعبيرًا عن موقف أخلاقي Attitude Moral لدى سكانلون، على ثلاثة

مكونات: 1". شعور أخلاقي قوي بالرفض تجاه شخص ما و/ أو ممارساته، 2. رغبة في منع الأمور التي لاا نوافق عليها أو التدخل فيها، 3. حكم قائم على أسس أخلاقية، بأننا يجب أن لاا نتصرف أو نسلك وفقًا لهذه الرغبة في التدخل أو المنع". ومن الضروري هنا أن يكون السبب في لاامتناع عن التدخل في ممارسات الآخرين "أخلاقيًا"، وليس

بالأحرى تعبيرًا عن عدم امتلاك القدرة على التدخل، أو لمجرد أن هناك أسبابًا سياسية تحول دون

تدخلنا. إن التسامح بهذا المعنى يتطلب منا قبول غيرنا من البشر والسماح بممارساتهم حتى عندما نختلف معها بشدة، ولذلك يرى سكانلون أن التسامح يعبر عن: "موقف وسط بين القبول الصادق والمعارضة المطلقة". وهذه الحالة الوسيطة للتسامح هي ما  يجعل منه موقفًا ملغزًا؛ فهناك ح لاات، مثل "القتل"، وعلى الرغم من وجود حدود لما يمكن القيام به لمنعها، فإننا يجب ألّ نقيد أنفسنا باسم التسامح، لأنها، مثلً، تعبير عن قيم من يرتكبها. وفي ح لاات أخرى يكون من الأفضل أن نتحكم في شعورنا بكراهية فعل أو شخص معين، بل التخلص من هذا الشعور تمامًا، فمثلً إذا كانت ممارساتنا مدفوعة بالتحيز العرقي، فإن العلاج الأمثل في هذه الحالة لاا يكمن في مجرد التسامح مع من نبغضهم، بل في التخلص من هذه المشاعر كلية ولاامتناع عن كراهية الآخرين لمجرد انتمائهم انتماءات مغايرة. على هذا، نحن أمام موقفين: موقفنا تجاه أمور يجب عدم التسامح معها مطلقًا، وموقفنا تجاه أمور يجب أن لاا نتقبلها ونتسامح معها فقط، بل يجب أن نتخلص من المشاعر التي تجعلنا نبغضها من الأساس.

(21) Angela M. Smith, "The Trouble with Tolerance," in: R. Jay Wallace, Rahul Kumar & Samuel Freeman (eds.), Reason and Recognition: Essays on the Philosophy of T. M. Scanlon (Oxford: Oxford University Press, 2011), p. 181. (22) Thomas M. Scanlon, The Difficulty of Tolerance: Essays in Political Philosophy (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2003), p. 187.

وإذا اقتصر الأمر على هاتين الفئتين من الأفعال، فلن تكون هناك مشكلات متعلقة بالتسامح، وسيكون في استطاعتنا تصنيف جميع مواقفنا الأخلاقية على نحوٍ مثالي، بحيث نرى بوضوح أن هناك أمورًا

لاا ينبغي التسامح معها، وأمورًا أخرى لاا بد من أن نزيل من أنفسنا الشعور بكراهيتها. لكن ضرورة

لاا التسامح وأهميته تأتيان من أن مواقفنا وممارساتنا الأخلاقية تندرج في جانبها الأعظم تلقائيًا في

إطار هذا التصنيف المثالي، وفي هذه الحالة يصبح التسامح – بوصفه موقفًا وسيطًا – بمنزلة ثاني أفضل اختيار أو طريقة للتعامل مع المواقف التي سيكون من الأفضل ألاا نتعامل معها، ولكنها لاا تقبل الإقصاء ولاا نستطيع تجاوزها. ولذلك "حتى لو كان التسامح هو ثاني أفضل اختيار، فإن تبنّي الموقف

المتسامح Attitude Tolerant على نطاق واسع سيكون بمنزلة تفوق كبير على سفك الدماء على أساس طائفي، والذي نسمع عنه كل يوم في مختلف أرجاء كوكبنا. إن وقف هذا العنف لن يكون أمرًا

هينًا أو قليل الشأن". ولذلك نجد أن التسامح في المجتمع الديمقراطي هو: "الممارسة التي نلجأ

إليها لحل الصراعات الناتجة من لااختلاف في المعتقدات". وعلى الرغم من ذلك، لاا تزال هناك ح لاات يسميها سكانلون ح لاات "التسامح الخالص" of Cases Tolerance Pure، وهي "الح لاات التي لاا يكون فيها التسامح مجرد حيلة للتعامل مع نقائص الطبيعة البشرية. إنها الح لاات التي يكون فيها الصراع ولااختلاف المستمران أمرًا متوقعًا، ويكونان أيضًا، على

عكس التحيز العرقي، متوافقين مع لااحترام الكامل لمن نختلف معهم. وفي حين لاا يتطلب منا احترام بعضنا بعضًا أن نتخلى عن اختلافنا، فإنه يرسم حدودًا لمعالم الطريقة التي يدار بها هذا الصراع". وتعتمد مقاربة سكانلون على تحليل هذه الح لاات من التسامح الخالص، بوصفها نماذج تتيح لنا فهمًا أفضل لفكرة التسامح وما يكتنفها من صعوبات، ليوضح لنا السبب في اعتبار التسامح موقفًا

يصعب الحفاظ عليه وممارسته. وللقيام بذلك يتناول سكانلون نموذج التسامح الديني Religious Tolerance، الذي يرى بصورة شخصية أنه من الح لاات التي يكون فيها التسامح أمرًا صعبًا، كما أنه

يقدم لنا "نموذجًا يعبر عن معظم أنماط تفكيرنا بشأن الأنواع الأخرى من التسامح".

1. نموذج التسامح الديني

لاا تنبع مشكلة التسامح الديني بالنسبة إلى سكانلون من الأشخاص غير المهتمين بالدين، بل من الأشخاص المتدينين أصحاب الدوغمائيات. يقول سكانلون: "بالنسبة إلي، وباعتباري شخصًا لاا يُعد

الدين بالنسبة إليه ذا أهمية شخصية، يبدو من السهل بعامةٍ أن أعتنق التسامح الديني. على الأقل عندما يُفهم التسامح في ضوء المبدأ المزدوج المُتضَمن في التعديل الأول في دستور الولاايات المتحدة

(23) Ibid., p. 187. (24) James Bohman, "Reflexive Toleration in a Deliberative Society," in: Catriona McKinnon & Dario Castiglione (eds.), The Culture of Toleration in Diverse Societies: Reasonable Tolerance (Manchester: Manchester University Press, 2003), p. 111. (25) Scanlon, The Difficulty of Tolerance , p. 188. (26) Ibid.

الأميركية: لن يقوم الكونغرس بتشريع أي قانون يتعلق بإنشاء ديانة، أو حظر الممارسة الحرة للدين". إن هذا المبدأ بالنسبة إلى سكانلون مُلِئ بالفوائد ويخلو من الأضرار ولاا  يحمل أي تكلفة، ولذلك

نجده يقول: "لماذا يمكن أن أرغب في التدخل في الممارسات الدينية للآخرين، شريطة ألاا يكون في استطاعتهم فرض هذه الممارسات عليّ؟". فإذا كان للتسامح الديني ثمن، فإن الآخرين هم من

يدفعون هذا الثمن وليس أنا. إن تصوير الموقف على هذا النحو يجعله يبدو كما لو كان موقفًا يخلو من أي تعارض؛ ومن ثم لاا يستدعي وجود قيمة التسامح ذاتها. ترى لماذا، على سبيل المثال، يمكن أن نرغب في توجيه غيرنا من البشر نحو ممارسة ديانة ما، أو في جعل إحدى الديانات "عقيدة رسيمة" لنا جميعًا؟ بالنسبة إلى من يريدون هذه الأمور، يتضمن التسامح الديني قدرًا هائلً من التضحيات: فإذا كنت

أعتقد أنه من المهم جدًّا أن يمارس الجميع العبادة بطريقة صحيحة، "فكيف عساي أن أقبل التسامح إلاا بوصفه هدنة صعبة الشروط، تُقبل فقط بديلً من سفك الدماء المستمر، وحتى على الرغم من ذلك فإنها ضرورة نشعر نحوها بالندم؟ يبدو لي أن التسامح الخالص أمر خارج عن حدود قدراتنا". هذا هو مبرر وجهة النظر التي ترى أن "الدرس الواضح من حروب الدين، هو أن الديانات المختلفة في حاجة ملحة إلى تسامح بعضها مع بعض". وفي هذه الحالة، يكون التسامح مجرد اختيار نلجأ إليه مضطرين، لعجزنا عن حسم الصراع بين الديانات المختلفة. ويرفض سكانلون هذه الوجهة من النظر ويراها خاطئة، ويرى أن للتسامح "تكاليف ومخاطر بالنسبة إلينا جميعًا، ولكنه على الرغم من ذلك يعبر عن موقف يوجد من الأسباب ما يجعلنا جميعًا نقدره ونعي قيمته". والجزء الأول من إجابة سكانلون عن التساؤلاات السابقة حول التسامح الديني ذو طبيعة سياسية وقانونية؛ فهو يرى أن التسامح يقتضي منا ألاا نحرم الأشخاص الذين يقعون على الجانب الخاطئ من الخلاف من حقوقهم السياسية والقانونية التي يفترض إتاحتها للجميع، مثل التعليم، والسلامة العامة، والرعاية الصحية، وحماية النظام القانوني، ووسائل الترفيه العامة، وحرية التعبير عن الرأي أيضًا. وعلاوة على ذلك، يتطلب الأمر من الدولة ألاا تمارس نوعًا من التفضيل لمجموعة على أخرى في توزيع المنافع والفوائد. أما الجزء الثاني من الإجابة، فيرى فيه سكانلون ضرورة أن "نقبل الأشخاص المختلفين عنا بوصفهم مكافئين لنا ومتساوين معنا تمامًا". وهذا النوع من المساواة التي تتطلبها

فكرة التسامح يتجاوز الحقوق القانونية والسياسية. ويمكن صياغة الأمر على النحو التالي: "كل أعضاء

(27) Ibid. (28) Ibid. (29) Ibid. (30) Will Kymlicka, "Two Models of Pluralism and Tolerance," in: David Heyd (ed.), Tolerance: An Elusive Virtue (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1996), p. 82. (31) Scanlon, The Difficulty of Tolerance , p. 188. (32) Ibid., p. 190.

المجتمع يستحقون درجة متساوية من لااهتمام في عملية تحديد ماهية مجتمعنا، كما أنهم يستحقون، مثلنا تمامًا، المشاركة في تحديد الصورة التي سيصبح عليها مجتمعنا في المستقبل". يرى سكانلون هذه الفكرة غامضة، ويصعب قبولها. من الصعب قبولها لأن الأشخاص المختلفين عنا، والذين يتبنون قيمًا مغايرة لقيمنا، لهم الحق في تحديد شكل المجتمع وما سيصبح عليه في المستقبل،

وسيكون ذلك بالطبع على خلاف ما نريد. كما أنها غامضة أيضًا، لأنه ليس ثمة وسيلة يمكننا من خلالها أن نعرف معنى الحقوق "المتكافئة" أو "المتساوية"، أو حتى ما يمكن أن تتضمنه؛ لأن هناك فرقًا كبيرًا بين السياسات الرسمية Politics Formal التي تتمثل في الحقوق القانونية والسياسية التي يمكن

تحديدها بالسياسات العامة للتصويت وتولي المناصب ولااقتراع السياسي، وبين عالم السياسات غير الرسمية Politics Informal أو الحياة لااجتماعية. والتنافس بين الجماعات الدينية بالمعنى السابق يعدّ مثاالً واضحًا على هذا النوع من السياسات غير الرسمية. إن البشر في هذه الحالة لاا يريدون فقط تقرير بعض السياسات، بل يريدون أيضًا لمعاييرهم وطريقتهم في الحياة أن تنتصر في مجال السياسات غير الرسمية أو الحياة العامة، ويريدون أن يتم لااعتراف بهم بوصفهم ممثلين لهذه المعايير. يفسر لنا التحليل السابق الكثير من النقاط الغامضة في حياتنا لااجتماعية، مثل إقرار السياسات الديمقراطية في معظم دساتير العالم تقريبًا، مع غيابها في الوقت نفسه عن مجتمعاتنا. والتفسير الذي

يقدمه لنا سكانلون لذلك هو أن فكرة الديمقراطية في هذه الحالة توجد فقط على مستوى السياسات الرسمية، ولكنها تغيب عن عالم السياسات غير الرسمية. على هذا الأساس، يرى سكانلون أن المجتمع المتسامح هو "المجتمع الديمقراطي في سياساته غير الرسمية. إن الديمقراطية بالطبع هي شأن يتعلق بالقوانين والمؤسسات والممارسات السياسية الرسمية، ولكنها أيضًا تتعلق بالموقف من الحياة ورؤيتها ومختلف مج لااتها غير الرسمية. والتسامح

من هذا النوع ليس من السهل تقبله، بل إنه أمر مخيف ومحفوف بالمخاطر، ومُلئ بالصعوبات، حتى

فيما يتعلق بموقف الفرد، فضلً عن موقف المجتمع ككل". ومن أمثلة هذه الصعوبات محاولاات منع "حرية التعبير عن الرأي"، و"فرض الممارسات الأخلاقية بالقوة"؛ إذ نجد أنفسنا في مواجهة من يريدون تطوير مجتمعنا، بحيث يصبح على صورة لاا نريدها ولاا نوافق عليها. ويرفض سكانلون ما يسمى لااستجابة الليبرالية Response Liberal لهذه المواقف، والتي تتمثل في "إنكار مشروعية أي محاولة لحماية المجتمع من أنواع معينة من التغيير". والسبب في ذلك هو أننا جميعًا نملك اهتمامًا جوهريًّا وأصيلً بالكيفية التي تتطور بها العادات والممارسات

لااجتماعية. يقول سكانلون موضحًا ذلك: "ربما  لا أهتم بما يقرؤه الآخرون أو يستمعون إليه، ولكنني

(33) Ibid. (34) Ibid., p. 190. (35) Ibid., p. 191.

أريد لمجتمعي أن يكون مجتمعًا يوجد فيه، على الأقل، عدد كبير من الأشخاص الذين يعرفون

ويقدرون نوعية الأدب والموسيقى نفسها التي أعرفها وأقدرها، بحيث تكون هذه الموسيقي متاحة بصفة عامة، ويشترك معي الآخرون في الإحساس بقيمتها". ووفقًا لهذه الرؤية، يمكننا أن نرى كيفية تعاظم المخاطر المرتبطة بالتسامح الديني، فإذا كنا على استعداد لترك الآخرين يقومون بالممارسات الدينية التي يختارونها، فسوف يكون علينا أن نفكر في سيطرة الدين على الخطاب العام. يقول سكانلون معبرًا عن موقفه من ذلك قائلً: "إذا كنت على

استعداد لترك الآخرين يقومون بالممارسات الدينية التي يختارونها بشرط أن يتركوني حرًّا من لااستمتاع

بأي منها، فإنني سأكون تعيسًا جدًا إذا نتج من ذلك، مع مرور الزمن، تحول مجتمعي إلى مجتمع

متدين، يؤدي بالدين دورًا كبيرًا في الخطاب العام". إن ما  يخشاه سكانلون في هذه الحالة ليس

فرض الدين بالقوة، وحسب، وهو أمر يمكن الجدال حوله في مجال السياسات الرسمية، بل سيطرة الدين لااجتماعية على الشأن الأخلاقي للحياة العامة.

2. قيمة التسامح

تكمن قيمة التسامح Tolerance of Value The، كما يرى سكانلون، في المزايا التي يتيحها لنا الموقف المتسامح؛ فعلى الرغم من لااختلاف، يحافظ الموقف المتسامح على رؤيتنا لرفاقنا من المواطنين بوصفهم أعضاء كاملين في المجتمع مثلنا تمامًا، يستحقون التمتع بحماية القانون، وأن يحيوا

كما يختارون. وإضافة إلى ذلك، فإنه "لاا طريقتي في الحياة، ولاا طريقتهم تمثل طريقة المجتمع في الحياة بصورة فريدة من نوعها. بل إنهما بالأحرى ليستا سوى طريقتين من بين عدد كبير من الطرائق المتنوعة التي يمكن أن يتضمنها مجتمعنا، والتي يتمتع كل منها بالحق في أن يُعبَّر في الحياة بوصفها

أحد الأنماط التي يمكن أن يتبناها الآخرون في العيش". أما الموقف غير المتسامح فإنه ينكر ذلك؛ إذ يزعم المتعصبون أن للقيم التي يعتنقونها في الحياة مكانة خاصة. وبالنسبة إلى من يعيشون وفقًا لقيم مختلفة: "على سبيل المثال الأتراك في ألمانيا أو المسلمون في الهند [...] فإنهم ليسوا أعضاء كاملي الأهلية في المجتمع، كما يزعم الشخص المتعصب أن له الحق في قمع هذه الأنماط المختلفة في الحياة باسم حماية المجتمع وقيمه". والسبب الأول لتفضيل الموقف المتسامح، وفقًا للتحليل السابق، هو أنه يتيح لنا علاقة أكثر قبوالً وأكثر جاذبية بين الجماعات المتعارضة في المجتمع؛ لأن أي مجتمع، مهما كان متجانسًا، لاا بد من

أن يضم أناسًا مختلفين بشأن الطريقة التي يعيشون بها، وبشأن الصورة التي يرغبون فيها لمجتمعهم.

ويرى سكانلون بعامةٍ أنه في أي مجتمعلاا بد من وجود خلافات على مدار الزمن، وهي خلافات جادة

(36) Ibid. (37) Ibid. (38) Ibid., p. 192. (39) Ibid.

وقوية بشأن طبيعة المجتمع ذاته، وأهدافه وأساليب الحياة فيه. وما يقدمه التسامح في هذا السياق هو "الإقرار بوجود نوع من العضوية العامة المشتركة Membership Common في المجتمع على مستوى أكثر عمقًا من هذه الخلافات، وهو إقرار بأن للآخرين حقًا مماثلً في تعريف المجتمع مثلنا تمامًا".

ومن دون هذا الإقرار، فإننا لسنا سوى جماعات متنازعة على نطاق للسيطرة. ومما يزيد من حدة هذا النزاع أننا، لأسباب شخصية وتاريخية، نرى هذا الفضاء المُتنازع عليه بوصفه من حقنا نحن فقط. والسبب الثاني لتفضيل الموقف المتسامح هو لااختلاف الذي يضفيه التسامح على علاقتنا بالمقربين منا. والمثال الذي يناقشه سكانلون هو علاقة المرء بأطفاله: "إن أبنائي هم أعضاء كاملون في مجتمعنا مثلي تمامًا. وما يتعلمه المرء من كونه أبًا هو أنه، على الرغم من ذلك، لاا يوجد ما يضمن أنهم سوف

يرغبون في المجتمع نفسه الذي أرغب فيه". واللاتسامح في هذه الحالة معناه أن حقهم في الحياة، كما يختارون، مشروط باتفاقهم معي على "الطريقة الصحيحة للحياة". وإذا كنت أعتقد أن من يختلفون معي في الرأي لاا يجب أن يتمتعوا مثلي بالحق في صياغة أعراف المجتمع الذي أعيش فيه، فإن هذا ينسحب على أبنائي أيضًا. إن الحجتين السابقتين تدعمان الموقف المتسامح انطلاقًا من حقيقة أن "رفض التسامح يمكن أن يؤدي إلى نوع من اغتراب الإنسان عن رفاقه من المواطنين". ويلخص لنا سكانلون موقفه موضحًا أنه يؤمن بالتسامح على الرغم من مخاطره، وأنه على وعي بأن

الموقف المتسامح بهذه الصورة يصعب التمسك به؛ لأنه "موقف لاا يمكن أن نعطيه محتوى، إلاا من خلال التحديد الدقيق لحقوق المواطنين، باعتبارهم مشاركين في السياسات الرسمية وغير الرسمية. وأي نظام من هذا النوع من شأنه أن يكون تقليديًا وغير محدد، ولاا بد من أن يتعرض لهجوم متكرر.

وللمحافظة على هذا النظام وتفسيره، نحن في حاجة إلى موقف متسامح أوسع نطاقًا وأكثر ملاءمة، وهو موقف يصعب الحفاظ عليه في حد ذاته". إن التسامح بهذا المعنى محفوف بالمخاطر ومليء بالصعوبات والمفارقات. وستكون مقاربتنا النقدية لبنية قيمة التسامح ولهذه المخاطر والصعوبات هي موضوع خطوتنا المنهجية التالية.

رابعًا: رؤية نقدية لمقاربة سكانلون لمفردة التسامح

1. تقييم نقدي لصيغة المعادلة التعاقدية (محدودية المذهب التعاقدي)

يقيم سكانلون صياغته للمعادلة التعاقدية، كما سبق أن رأينا، على أساس من معيار الرفض المعقول؛ وهو ما يكشف عن محدودية المذهب الأخلاقي لديه، على الرغم من الطابع الكلي لمقاربته. هذه المحدودية يكشف عنها سؤال: هل يمكن أن نقدم رفضًا معقوالً لأحد المبادئ استنادًا إلى أسباب

(40) Ibid., p. 193. (41) Ibid. (42) Ibid., p. 194. (43) Ibid., p. 201.

"غير شخصية"؟ فهل يمكن، مثلً، وفقًا لهذا المبدأ، أن نعترض على محاولة تدمير غابات الأمازون المطيرة، انطلاقًا من كونها ذات قيمة وينبغي الحفاظ عليها؟ الرد الذي يقدمه سكانلون هو أن المذهب التعاقدي يصف مجاالً واحدًا وحسب من الأفكار الأخلاقية: وهو الجانب المتعلق بالمتطلبات التي يدين بها بعضُنا لبعض. وعلى هذا الأساس، فإن مبررات رفضنا لمبدأ أخلاقي ما "تمثل فئة من القيم، أو من القواعد الأخلاقية بالمعنى العام، تتطابق مع صيغة محددة لما يدين به بعضنا لبعض". وهي ليست مبررات غير شخصية Impersonal. ففي أي وقت نقوم فيه بتطبيق المعادلة التعاقدية، يكون الأمر متعلقًا بأشخاص محددين ولاا يكون متعلقًا أبدًا بفكرة مجردة، ولذلك فالأسباب والمبررات التي نضعها في اعتبارنا لاا تكون أبدًا "غير شخصية". وليس معنى ذلك أن سكانلون يرى أن هذا هو النوع الوحيد من التأمل الأخلاقي المتاح أمامنا، بل معناه أن المذهب التعاقدي لاا يهتم إلاا بما يدين به بعضنا لبعض، أي ما ندين به لغيرنا من البشر، وأن تعاقدية سكانلون "محدودة وعينية للغاية"، بصورة تمنع تضمنها لأي مبدأ مجرد لأخلاق باستثناء المعادلة التعاقدية وما تتضمنه من تطبيقات. يتضح لنا مظهر آخر لهذه المحدودية، عندما ندرك أن المذهب التعاقدي لدى سكانلون يتضمن نوعًا من التحيز النوعي Speciesism، ولاا يترك للتداول الأخلاقي حول البيئة، أو الحقوق الأخلاقية للحيوان، مساحة. وبهذه الطريقة يظل فضاء التبرير الأخلاقي "غير الشخصي"، وفقًا لسكانلون، مسكوتًا عنه. وحتى إذا افترضنا مع سكانلون أن المذهب التعاقدي لاا يعالج سوى نطاق محدد من التأملات الأخلاقية، وأن ثمة منظورات أخلاقية متنوعة تتقاسم فيما بينها عالم القيمة الأخلاقية، فهل يمكن أن تتكامل هذه المنظورات؟

2. مفارقات نقدية في تاريخ التسامح

أ. جون لوك

لم تخل فكرة التسامح على مدار تاريخها الحديث من العديد من المفارقات، ولعل أبرزها وأكثرها وضوحًا موقف الفيلسوف الإنكليزي جون لوك Locke John (1704–1632) في عمله الكلاسيكي

رسالة في التسامح A Letter Concerning Toleration (1689)، الذي قدم فيه رؤيته للتسامح الديني مؤداها أنه يجب عدم فرض الدين بالقوة، لأن: 1. خلاص النفوس ليس من شأن الحاكم المدني، والله لم يفوض إليه ذلك، 2. خلاص النفوس أمر نفسي داخلي، فإنه لاا يتعلق بسلطة خارجية سياسية. والدين ينشد إقناعًا داخليًا، أما السلطة الحاكمة فهي سلطة خارجية، 3. وحتى إذا تدخلت الدولة

لإجبار الإنسان على ديانة معينة، فإنها لن تضمن له دخول الجنة. ولكن لوك في نهاية رسالته رأى أن هناك ثلاث ح لاات يمكن أن يكون الحاكم المدني فيها غير متسامح

(44) Scanlon, What We Owe , p. 222.

وهي: 1. الآراء المضادة للمجتمع الإنساني، 2. من ينتزعون حقًا لطائفتهم ويغلفونه بكلمات خادعة مثل "الحق في الدفاع عن الإيمان ضد الهراطقة"، وهو ما يعني أن أي شخص يخالف إيمانهم مهرطق، 3. من ينكر وجود الله. وكان مبرر لوك في الحالة الثالثة هو أن "الوعد والعهد والقسم، من حيث هي روابط المجتمع البشري، ليس لها قيمة بالنسبة إلى الملحد. فإنكار الله، حتى لو كان بالفكر فقط، يفكك جميع الأشياء". وهو ما يضعنا أمام قرار أخلاقي صعب عند التفكير في "الحق في لااعتقاد"، و"الحق في التعبير عن الرأي". وهي أمور رأينا لدى سكانلون أنها تمثل شروطًا مسبقة للتسامح.

ب. فولتير

وتتمثل المفارقة التي يجسدها فرانسوا ماري آروويه François–Marie Arouet (فولتير Voltaire) (1778–1694) في أن من يؤمنون بالتسامح ليسوا في حاجة إليه، ومن يمارسون التعصب هم في حاجة ملحّة إلى التسامح. فمن يقبلون التسامح من أصحاب المقاربات الأخلاقية المعقولة، والمتحررين من الموقف الدوغمائي مثل فولتير أو سكانلون، هم الأكثر استعدادًا لقبوله والدفاع عنه وتجاوز صعوباته، في حين أن أعداء التسامح غالبًا ما يكون إخفاق تداولااتهم الأخلاقية وما يخوضونه من

صراعات اجتماعية ناجمًا عن غياب التسامح. ويمكننا أن نرى ذلك بوضوح في المقابلة بين موقف

كل من فولتير، والكاثوليك والبروتستانت في فرنسا في القرن الثامن عشر من قضية جان ك لااس. ففولتير (صاحب الموقف اللادوغمائي من الدين) لاا توجد لديه صعوبة في لاالتزام بالتسامح والدفاع عنه على الرغم من عدم حاجته إلى ذلك، ونجده يقوم بالدفاع عن ك لااس وتبرئته حتى بعد وفاته. وفي المقابل كان أصحاب الموقف الدوغمائي من الكاثوليك والبروتستانت رافضين للتسامح – على الرغم من أنه يمثل ضرورة أخلاقية لإنهاء الصراعات الدينية بين المذهبين – ومصرين على تحميل ك لااس ثمن تعصب العصور الوسطى، ومعاملته كما لو كان يملك مواطنة منقوصة أو معيبة، لاا لشيء إلاا لاانتمائه المذهبي.

ج. فرويد

يضعنا تحليل سيغموند فرويد Freud Sigmund (1939–1856) للبنية الغريزية للإنسان أمام مفارقة وصعوبة أخرى، تتمثل في أن التسامح يأتي على النقيض من التكوين الغريزي للإنسان، وهو ما يتطلب قدرًا من العقلانية في مواجهة الغريزة، وتغليب للثقافة على الطبيعة، لكي يكون في استطاعتنا تبني

4(((جون لوك، رسالة في التسامح، ترجمة منى أبو  سنة، تقديم ومراجعة مراد وهبة، المشروع القومي للترجمة 28 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1997)، ص.57 (4((جان ك لااس Calas Jean (1762–1698) هو تاجر فرنسي من مدينة تولوز، ينتمي إلى طائفة الهيغونوت البروتستانتية، وقد

اتهم بقتل ابنه بعد أن أُشيع أن هذا لاابن  كان يرغب في اعتناق المذهب الكاثوليكي، وقد أجريت له محاكمة صورية معيبة تعرض خلالها للتعذيب البشع، وظل مصرًا على براءته حتى مات وألقيت جثته في النار. وقد خاض فولتير بعد وفاة ك لااس معركة شجاعة

لإثبات براءته، وقد كان نجاح فولتير في ذلك بمنزلة رمزٍ لإدانة التعصب الديني، وانتصارٍ لقيمة التسامح.

الموقف المتسامح في سلوكنا الأخلاقي. وهذه الرؤية نجدها في كتاب قلق في الحضارة، حيث يذهب فرويد إلى أن غرائز الإنسان بنوعيها، الأيروس أو غرائز الحياة والثاناتوس أو غرائز العنف والتدمير، تتحكم فيهما الحضارة. لأن "الحب يحارب من جهة أولى مصالح الحضارة، وهذه بدورها تتهدد، من جهة ثانية، بتقييدات مؤلمة"، وهو ما  يتحول إلى توسيع لدائرة الثقافة وتضييق لدائرة الحياة الجنسية بغرض استغلال الطاقة الغريزية للإنسان في بناء الحضارة. فالحضارة الإنسانية قوامها أيروس وأنانية، أو ضرورة وعمل لاازمان لإتاحة الإمكانية لعدد كبير من البشر أن يبقوا في ظل حياة مشتركة. أما بالنسبة إلى غريزة العدوان، فيرى فرويد أن الإنسان ينزع إلى "تلبية حاجته العدوانية على حساب قريبه، وإلى استغلال عمله دون تعويض، وإلى استعماله جنسيًا دون مشيئته، وإلى وضع اليد على

أملاكه وإذلااله، وإلى إنزال الآلاام به واضطهاده وقتله. الإنسان ذئب للإنسان". وهذا المكون الغريزي بداخلنا هو العامل الرئيس للخلل في علاقتنا بقريبنا، وهو الذي يفرض على الحضارة جهودًا وأعباء فائقة. ولذلك يرى فرويد أن "على الحضارة أن تجند كل ما في متناولها كي تحد من العدوانية البشرية، وكي تقلص تظاهراتها عن طريق استجابات نفسية ذات طابع خلقي". مثل تبني الموقف المتسامح. ويخلص فرويد بذلك إلى أن الحضارة قد نشأت في الأساس من أجل سعادة الإنسان أو تلبية غرائزه، ولكنّ استمرارَ هذه الحضارة وبقاءَها يعتمدان على كبت هذه الغرائز بنوعيها، ومن ثم تصبح

لااستجابات النفسية ذات الطابع الأخلاقي، مثل التسامح، ذات طابع ضد–غريزي؛ ما يقتضي منا أن نقوم بتغليب العقل على الغريزة، ومتطلبات الثقافة على متطلبات الطبيعة، من أجل لااحتفاظ بالموقف الأخلاقي المتسامح.

3. صعوبات التسامح لدى سكانلون

أ. التسامح والاستعلاء الأخلاقي

في تعريفه للتسامح يشير سكانلون إلى "السماح" Permission للآخرين بالتعبير عن آرائهم وممارساتهم، وهو ما يفترض مسبقًا نوعًا من السلطة المشروعة لمن يَسمح على "من يُسمح لهم". والتعريف على

هذا النحو يتضمن نوعًا من لااستعلاء الأخلاقي، في حين أن سكانلون نفسه، كما سبق أن رأينا، يرى

ضرورة أن نقبل الأشخاص المختلفين عنا بوصفهم مكافئين لنا ومتساوين معنا تمامًا. وربما كان من

الأفضل لسكانلون أن يقارب التسامح بوصفه "فضيلة" يمكن التداول الأخلاقي حولها بصورة تنطوي على المساواة بين أعضاء المجتمع، أو استبدال مفردة التسامح ذاتها بأخرى بديلة مثل مفردة "التعايش السلمي". لكن صعوبة ذلك تكمن في أنه، على الرغم من أن نظرتنا إلى التسامح على أنه فضيلة تسمح لنا بمقاربة

4(((سيجموند فرويد، قلق في الحضارة، ترجمة جورج طرابيشي، ط  4 (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1996)، ص.60 (4((المرجع نفسه، ص.72 (4((المرجع نفسه، ص.73

لااختلاف لااجتماعي من دون استعلاء، فإنها تفترض صورة مثالية جدًا لمقاربة لااختلاف لااجتماعي؛ لأن وجود الطبقات ولااختلافات لااجتماعية وحقيقة اللامساواة بين البشر تجعلنا أقرب إلى التسامح بوصفه "موقفًا"، حيث يرى البعض أنفسهم أكثر تفوقًا ويعاملون الآخرين بنوع من الإقصاء، والوصاية الأخلاقية، ولااستعلاء.

ب. سهولة الوعي باللاتسامح لدى الآخرين، وصعوبة رؤيته في أنفسنا

يشير سكانلون نفسه إلى أنه من السهل جدًا رؤية التعصب في سلوك الآخرين، ومع هذا فمن الصعب جدًا رؤيته في أنفسنا. ولنتأمل مثلً موقف سكانلون نفسه من الجدل المثار في الولاايات المتحدة في مطلع القرن الحادي والعشرين من تدريس التطور وعلم الخَلْق في المدارس العامة ومن مقترحات تعديل الدستور الأميركي، إذا تطلب الأمر، للسماح بالصلاة في المدارس العامة. فسكانلون يذهب إلى أنه يجب ألاا يجري تقديم المذاهب الدينية والنظريات العلمية باعتبارها بدائل، ويرى أن ذلك لاا يعدّ نوعًا من التعصب. ولكنه في الوقت نفسه يقر بأنه يشعر بنوع الحماسة المتحيزة وبنوع من التفوق على الأشخاص المختلفين معه في الرأي في هذه الح لاات. ويرى أن التسامح في بعض هذه الح لاات قد يكون مكلفًا، يقول سكانلون: "في حالة تدريس العلم، هناك تكلفة، تمامًا مثل حالة الصلاة في

المدارس. ولكنني أيضًا أميل إلى تأييد نزع شعار 'في الرب نثق' عن عملتنا، وإلى تأييد عدم مواصلة ممارسة الصلاة في الأحداث العامة". والغرض من طرح هذه الأمثلة هو توضيح أن مقابلتنا للتعصب بتعصب مضاد تكشف عن صعوبة ملاحظة ما  يكمن في قرارة أنفسنا من موقف مُلئ بالمفارقات فيماِ يتعلق بقيمة التسامح. وفي حالة

سكانلون، نجد أن المبرر الأخلاقي وراء ذلك هو أن رؤيته السابقة، كما يقول سكانلون: "تروق لي هذه التغيرات لأنها تجعل من الدولة أكثر علمانية، ومن ثم أكثر توافقًا مع رؤيتي للمجتمع". وتتوافق هذه الرؤية أيضًا مع حيادية الدولة تجاه الدين وفقًا لمبادئ الدستور الأميركي. أما معارضو هذه الرؤية، فإنهم يرون أن هذين السببين غير محايدين، وأن رؤية سكانلون لاا تستبعد، وحسب، محاباة الدين، ولكنها أيضًا تتحيز إلى الرؤية العلمانية في مقابله، وهو اعتراض لاا يرى سكانلون أنه يخلو من الصحة.

ج. معضلة الدفاع عن التسامح

وإذا انتقلنا إلى معالجة سؤال: هل من حق الدولة فرض مذهب ما بالقوة؟ وليكن هذا المذهب هو التسامح ذاته، سنجد أن الدفاع عن التسامح يمثل صعوبة أخرى، فإما أن نقبل فرض هذا المذهب (التسامح) بالقوة، وإذًا يصبح من المقبول فرض أي مذهب بالقوة، أو نرفض ذلك فيصبح التسامح مجرد قيمة جوفاء يتبناها البعض بصورة اختيارية في مجال السياسات غير الرسمية، ولكنها لاا تجد أي

(50) Scanlon, The Difficulty of Tolerance , p. 196. (51) Ibid.

تطبيق في السياسات الرسمية للدولة. تثير هذه الإشكالية ثلاثة تساؤلاات حول فلسفة سكانلون الأخلاقية في مقاربتها لفكرة التسامح. الأول: هل من التعصب أن نفرض التسامح في مجال السلوك أو الفعل، وأن نمنع المتعصبين من التصرف وفقًا لمعتقداتهم؟ والإجابة التي نجدها في فلسفة سكانلون هي: قطعًا لاا، لأن حماية المضطهدين تتضمن إقرار هذا الحق، كما أن المطلب الذي يجب التسامح معه لاا ينبغي أن يكون مطلبًا يكفل للمرء أن ينفذ

كل ما يؤمن به بالضرورة (فمثلً قد يكون لديّ مطلب أن أفرض وصايتي الأخلاقية على الآخرين، لأنني

أزعم امتلاك نوع من الأفضلية الأخلاقية التي تكفلها لي معتقداتي). والثاني: هل من التعصب أن نتبنى التسامح، بوصفه مذهبًا رسميًا، فنقول مثلً إن الشعار الملائم للعملة

الأميركية هو "في التسامح نثق"؟ وهل من التعصب أن نقوم بتعليم التسامح في مدارس الدولة ونروّجه

في الحملات الدعائية التي تمولها الدولة؟ والإجابة هنا أيضًا: قطعًا لاا. فطبيعة التسامح التي سبق لنا تحليلها تعني أن الدفاع عن التسامح لاا يحرم أحدًا من حقوقه المشروعة في المجتمع، بل إن هذا الموقف يضمن للجميع حقوقًا متكافئة. والثالث، وهو الأهم: هل يتعارض التسامح مع حرمان المتعصبين من حرية التعبير عن الرأي؟ يبدو هنا أننا نحرم مجموعة ما من حقٍ نمنحه للآخرين. وهذا في حد ذاته نوع من التعصب. وموقف سكانلون هنا يشبه إلى حد بعيد موقف كارل بوبر من التناقض الكامن في بنية قيمة التسامح ذاتها، بحيث يرى أن المتعصبين يتنازلون عن مكانتهم الأخلاقية لأنهم يزعمون اللامساواة والتفوق على الآخرين. فإذا رأت مجموعة ما، على سبيل المثال، أنني يجب أن أغادر وطني أو أُمحَى من الوجود، تُرَى كيف يمكنني

أن أتسامح مع هذا الأمر باعتباره مجرد وجهة نظر واحدة ضمن عديد من وجهات النظر المتساوية والمتكافئة التي يجب احترامها، سواء في المجال الرسمي أو غير الرسمي من السياسات؟ وخلاصة القول: إن من ينكرون قيمة التسامح ولاا يؤمنون بها لاا يستحقون التمتع بما تكفله من مزايا.

د. التسامح والحجة الشخصية

في سياق تحليله لآراء فولتير، يشير سكانلون إلى العلاقة بين التسامح وما نعبر عنه من آراء وأفكار من ناحية، والعلاقة بين التسامح والأشخاص الذين يعتنقون هذه الآراء والأفكار من ناحية أخرى. ولكي يكون للتسامح معنى، لاا بد من لاالتفات إلى هذا التمييز بين موقف المرء من الآراء والأفكار التي يعتنقها معارضوه، وموقف المرء من هؤلااء المعارضين أنفسهم؛ لأن الخلط بينهما يوقعنا فيما يسمّى

مغالطة الحجة الشخصية hominem ad Argumentum، وتعني "أن يعمد المغالط إلى الطعن في شخص القائل بدالً من تفنيد قوله". ونقع في هذه المغالطة، حينما  نقوم بمهاجمة شخص من يعارضنا، بدالً من مهاجمة حجته وتفنيدها. وفي المجال السياسي، تتمثل هذه الإشكالية في ضرورة التمييز بين رؤية معارضينا وما تحمله من أفكار أيًّا كانت طبيعتها، وبين حقهم (بوصفهم مواطنين،

(5((عادل مصطفى، المغالطات المنطقية: طبيعتنا الثانية وخبزنا اليومي (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2007)، ص.69

وليس مجرد متبنين لهذه الوجهات من النظر) في لااستماع إليهم والتعبير عن رأيهم. ويعبر فولتير عن ذلك – وفقًا لسكانلون – في عبارته الشهيرة: "قد أختلف مع ما  تقوله، ولكني سوف أدافع حتى الموت عن حقك في قوله". والمغزى من عبارة فولتير بحسب سكانلون هو أن هناك موقفًا تجاه الآخرين يعدّ بمنزلة مطلب ضروري للتسامح، وأن هذا الموقف يجب أن يُفهم في

ضوء أشكال من الحماية وأنواع محددة من الحقوق.

ه. قيمة واحدة وأطر مفاهيمية متنوعة

على الرغم من أن هناك احتياجًا ضروريًّا إلى نوع من الحقوق اللازمة للحفاظ على الموقف المتسامح،

لاا فإن قيمة التسامح يمكن أن تتطابق مع إطار مفاهيمي Frame Conceptual واحد من الحقوق، أو بعبارة أخرى: التسامح لاا يتماهى مع مجموعة واحدة وحسب من الحقوق، بل يمكن أن يتماهى مع مجموعات متنوعة، قد يصل تنوعها إلى درجة التناقض. فعلى سبيل المثال، يشير فرانسيس فوكوياما  Fukuyama Francis في تحليله للخطاب الحقوقي في الولاايات المتحدة إلى التعارض بين الإطار المفاهيمي للخطاب الحقوقي اليميني ونظيره اليساري؛ ففي الأول منهما يُنظر إلى البشر في

ضوء إطار مفاهيمي يرى أنهم غير متساوين بطبيعتهم، وأن مشكلة المجتمع الأميركي هي أنه يسعى للوصول إلى المساواة ولااعتراف المتكافئ بين أناس غير متساوين بطبيعتهم، أما الثاني فيرى أن البشر متساوون بطبيعتهم، ومشكلة المجتمع الأميركي الديمقراطي الليبرالي هي أنه لاا يعترف بهذه المساواة بل يرى أنها ناجمة عن الطبيعة البشرية ذاتها. وينعكس ذلك بصفة مباشرة على الحقوق التي يطالب بها اليساريون والتي تصل إلى حد التناقض. يقول فوكوياما: "إن معظم الديمقراطيات الليبرالية قد شهدت خلال الجيل الماضي انتشارًا عظيمًا لحقوق جديدة. فالكثير من الديمقراطيات لم يعد يكتفي

بمجرد حماية الحياة والحرية والملكية، وإنما لجأ أيضًا إلى تعريف الحق في الحياة الخاصة، والسفر، والعمل، والراحة، ولااختيار الجنسي، والطفولة [...] إلى آخره. وبديهي أن الكثير من هذه الحقوق غامضة في مضمونها لااجتماعي، ويتناقض بعضها مع بعض". ولننظر مثلً إلى الموقف المتسامح تجاه بعض من هذه الحقوق المتناقضة، فهل نتبنى الموقف المتسامح مع الحق في الحياة والحفاظ عليها، أو مع الحق في الإجهاض؟ هل نقيم رؤيتنا على التسامح على أساس من لااعتقاد بالمساواة بين البشر، أو على أساس من لااعتقاد بأنهم بطبيعتهم غير متساوين؟

و. معضلة الاختيار بين قيمة التسامح وقيمة الحقيقة

يضعنا التسامح أمام معضلة أخرى، هي أن مزاعم معارضينا، والتي يمكن أن تمثل تهديدًا لنا وللجماعة

((5(لم يذكر فولتير هذه العبارة في متن أحد نصوصه المكتوبة، ولكنها تنسب إليه من خلال سيرته الذاتية التي قامت بتأليفها

الكاتبة الإنكليزية بياتريس إيفلين هول Hall Evelyn Beatrice بعنوان أصدقاء فولتير، عام.1906

(54) Scanlon, The Difficulty of Tolerance , p. 197.

(5((فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ وخاتم البشر، ترجمة حسين أحمد أمين (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1993)، ص.258

التي ننتمي إليها، قد تثير بداخلنا رغبة في الرد والمواجهة، وقد تصل بنا هذه الرغبة إلى الدفاع عن قيمنا ونمط حياتنا ورؤيتنا للعالم، وتحدي القواعد السائدة للتسامح بصورة تتعارض مع قيمة الحقيقة ذاتها. فمثلً في الجامعات الأميركية في السبعينيات، ظهرت موجة كبيرة من المظاهرات التي تطالب بإلغاء أي خطاب صادر عن الباحثين في مجال معامل الذكاء، والذين دارت تجاربهم وأبحاثهم العلمية حول معدلاات الذكاء واختلافها بين الأشخاص الذين ينتمون إلى أعراق مختلفة، من أمثال ريتشارد هيرنشتاين Herrnstein Richard (1994–1930)، وويليام شوكلي Shockley William (1989–1910). وكان المبرر وراء ذلك هو زعمهم أن السماح لهؤلااء الباحثين بالحديث والتعبير عن الرأي ساعد في انتشار أفكارهم، وتاليًا ساعد في الترويج لسياسات تعليمية ضارة بالنسبة إلى أطفال الأقليات. يبدو الأمر

في ظاهره غير عقلاني، وقد أدّى بالفعل إلى نتائج متناقضة، بحيث اهتم جمهور كبير (غير معنيٍّ

بالمشكلة) بآراء هؤلااء الباحثين. وكان رد الفعل دراميًا والتغطية الإعلامية واسعة النطاق؛ لأن القضية

كانت بمنزلة تحدٍّ للحق في التعبير عن الرأي وأيضًا للحريات المدنية، "وسواء كان هذا التحدي لحقيقة ربما تكون ذات أساس علمي، وللقواعد السائدة للتسامح، يحمل أي معنى من الناحية النظرية أو لاا، فإنه كان يحمل قدرًا كبيرًا من المعقولية باعتباره استراتيجية سياسية". وكان المجتمع الأميركي في

هذا الموقف مضطرًا إلى المفاضلة بين قيمة التسامح وقيمة الحقيقة.

ز. التسامح والجمود السياسي

يؤدي التسامح، وفقًا للصورة التي يقدمها سكانلون، إلى نوع من الجمود السياسي Political Gridlock؛ فإذا تخيلنا أن هناك أقلية عرقية ما تطالب بنوع من الحماية من خطاب الكراهية، فسنجد أنه بمجرد حصولها على الحماية اللازمة، سوف يصبح من الصعب جدًا بالنسبة إلى أعضاء هذه الجماعة ألاا يدعموا هذا المطلب. ولكن هذا يؤدي إلى نوع من الجمود السياسي؛ وهو نوع من الجمود تصبح فيه فكرة التسامح قوة دافعة هائلة لكلا الجانبين. فمن ناحية الجماعة التي تتعرض لخطاب الكراهية وتحتاج إلى الحماية، يتمثل الجمود في رغبة قوية لحماية الجماعة التي "يُحتمل" إقصاؤها. ومن ناحية الجماعة التي تتبنى ما يسمّى خطاب الكراهية بصفته نوعًا من حرية التعبير عن الرأي، يتمثل الجمود في محاولة الدفاع عن نظام للتسامح معمول به بالفعل. وباختصار، فإن مطالبة الجماعة المضطهدة بتعديل قيمة التسامح وتطويرها سوف تؤدي إلى تبني هذا التطوير والتمسك به إذا تحقق؛ وهو ما يعد نوعًا من الجمود السياسي. وستجد الجماعة المعارضة المعبرة عن خطاب الكراهية ملاذًا آمنًا لها في الدفاع عن صورة التسامح القديمة التي تعبر عن مصالحها، وتقدم مبررًا مشروعًا لتعبيرها عن آرائها، وهو ما يُعد نوعًا آخر من الجمود السياسي. يعلق سكانلون على الموقف الإشكالي السابق قائلً: "حقًا لاا يوجد لديَّ حل لهذه المشكلة. وجزء

(56) Scanlon, The Difficulty of Tolerance , p. 199.

من وجهة نظري هو أن طبيعة التسامح تجعل هذه المشكلة أمرًا لاا يمكن تجنبه"، وهو ما  يدلنا على

أمرين: الأول هو وجود علاقة خفية بين طبيعة قيمة التسامح من الناحية النظرية، وتحولها على مستوى الممارسة العملية إلى نوع من الجمود السياسي في الح لاات التي يجري فيها لاانتقال من نظام قديم معمول به للتسامح، إلى نظام جديد يمثل انتصارًا لأقليات والجماعات المُعرّضة لخطاب الكراهية.

والثاني هو أن صيغة المعادلة التعاقدية لدى سكانلون تعاني نوعًا من القصور في قدرتها على تجاوز

الطبيعة الإشكالية لهذه العلاقة.

ح. معضلة التسامح والانفتاح العقلي

لكن المعضلة الكبرى في مقاربة سكانلون لمفردة التسامح، وفقًا لصيغة المعادلة التعاقدية، هي أن قيمة التسامح في هذه الحالة تقوم بديلً من " لاانفتاح العقلي Open–Mindedness "، وكأننا في صياغتنا لمعايير السلوك وأسلوب الحياة الأمثل للمجتمع، ورؤيتنا لأنفسنا وللعالم الإنساني، أمام اختيار بين يوجد نمط محدد  لاا التسامح الأخلاقي – وفقًا لمفردات المذهب التعاقدي لسكانلون – والذي يرى أنه لمعايير السلوك وأنه ليس ثمة أسلوب نموذجي للحياة أو لرؤيتنا لأنفسنا من ناحية، وبين لاانفتاح لاا العقلي الذي يتمثل في التوق الدائم إلى طرح الأسئلة والرغبة في التعلم والعزم الذي يلين للحكم على أنفسنا وعلى الآخرين بطريقة نقدية من ناحية أخرى. يكفل لااختيار الأول لنا مجتمعًا متسامحًا،

ولكنه مجتمع يصعب الدفاع عنه في مواجهة أعدائه. ويقدم لااختيار الثاني لنا مجتمعًا قويًا متماسكًا

دائم التطور، ولكن غياب مفردة التسامح عنه يجعله قاصرًا ومحدودًا في رؤيته الأخلاقية. والنموذج التاريخي الذي يمكننا تأمله، لفهم المعضلة السابقة على نحو أفضل، هو الموقف الإغريقي القديم الذي يتسم باللاتسامح ولاانفتاح العقلي، كما  عبر عنه هوميروس في الإلياذة والأوديسة. في هاتين الملحمتين، لاا نجد تعبيرًا عن التسامح، ولكن عن " لاانفتاح العقلي" والقرار الحكيم المبني على

المعرفة؛ وهو ما أدى لااحقًا إلى نشأة الديمقراطية الأثينية. بهذا المعنى "كان لاانفتاح العقلي أو لااختيار الحكيم وليس التسامح، هو ما أدّى بالأثينيين إلى خلق الديمقراطية وتحديد موقفهم بصورة صارمة من تراث الأساطير القديمة. وحتى بعد ازدهار الديمقراطية، احتفظ الإغريق بالعبيد وأخضعوا النساء ومارسوا الحرب، وبهذا قدم لنا التراث الإغريقي فكرة أن التأمل السليم والسلوك الصائب يتطلبان شجاعة النقد وامتحان الذات والثقة في وصف أنماط سلوكية بعينها بأنها لاا يمكن التسامح معها أو قبولها". صحيح أن التناغم بين مكونات المجتمع المدني يفترض التسامح، لكن تنمية القدرة على تفهم وجهات النظر المعارضة وتقديرها يجب ألّ تصل إلى درجة التسامح مع جميع وجهات النظر. وهي معضلة سبق أن رأيناها في الحوار حول إمكانية التسامح مع وجهات النظر المتعصبة. ومن الصحيح أن

(57) Ibid., p. 200. (58) Emily Katz Anhalt, "The Limits of Tolerance and Ancient Greek Mythology," Yale University Press London, accessed on 7/8/2023, at: https://cutt.us/l3VdD

هناك طرائق متنوعة، يمكن الإنسانَ من خلالها أن يوجد ويسلك في العالم وينظم حياته مع رفاقه من البشر، والعديد من هذه الطرائق المختلفة يمكن أن تتعايش معًا بسلام، حتى في الح لاات التي يرى فيها ممارسو هذه الطرائق في التفكير والحياة أن طريقتهم هي الأفضل. لكن هذا يشترط صيغة من التسامح لديها مقومات للوجود والبقاء، وأدوات للتفهم والتمييز، وجرأة للدفاع عنها.

خاتمة

إن التسامح بالصورة التي رأيناها بمنزلة وردة رقيقة، يمكن أن تنسحق بسهولة تحت وطأة القسوة والقوى اللاعقلانية للتعصب؛ ولذلك فإنه في حاجة إلى جرأة التعرف إلى حدوده والدفاع عنها. ولاا شك أن المتعصبين يسلكون في حياتهم بصورة أكثر سهولة، لأن الكراهية والتعصب لاا يتطلبان أي مواهب عقلية. أما التسامح، فعلى العكس من ذلك، يتطلب فهمًا، وتعاطفًا، وقرارًا سليمًا. إن عالمنا اليوم،

كما يرى راسل، في حاجة إلى المعقولية والتسامح النابعين من السعي لتفهم أولئك المختلفين عنا؛ ولذلك "يجب أن نأمل في سيادة وجهة نظر أكثر عقلانية، لأنه فقط من خلال إحياء الروح الليبرالية الرفيقة، والتسامح، يمكن عالمَنا أن يبقى على قيد الحياة". إن فكرة التسامح تنهض قائمة بذاتها، ولكنها لاا تستطيع السير والتقدم من دون مساعدتنا. تتجلى واضحة أمام أعيننا، ولكنها تراوغنا وتفلت منا في سياقات الممارسة. تبدو أمامنا متسقة ومُجسدة

لمعقولية القيم الإنسانية، ولكنها مليئة بالصعوبات والمفارقات. تعبر عن أكثر متطلبات الحياة الإنسانية ضرورة، وفي الوقت نفسه أعظم ما يمكن الدفاع عنه صعوبة. إنها الحدود الآمنة التي نضعها لما يكمن في أعماقنا من نبل أخلاقي، لكي نضمن له الوجود والبقاء.

References

المراجع

العربية

إبراهيم، زكريا. كانط أو الفلسفة النقدية. سلسلة عبقريات فلسفية 1. ط 2. القاهرة: مكتبة مصر،.1972 ديورانت، ول. قصة الفلسفة. ترجمة فتح  الله محمد المشعشع. ط 7. بيروت: مكتبة المعارف،.1988 راسل، برتراند. تاريخ الفلسفة الغربية: الكتاب الثالث، الفلسفة الحديثة. ترجمة محمد فتحي الشنيطي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1977 سارتر، جان بول. الوجودية مذهب إنساني. ترجمة عبد  المنعم الحفني. القاهرة: الدار المصرية للطبع والنشر والتوزيع،.1964 ستيس، وولتر. تاريخ الفلسفة اليونانية. ترجمة مجاهد عبد  المنعم مجاهد. القاهرة: دار الثقافة للنشر

(59) Bertrand Russell, "Philosophy and Politics," in: Robert E. Egner & Lester E. Denonn (eds.), The Basic Writings of Bertrand Russell (Oxfordshire, UK: Routledge, 2009), p. 442.

والتوزيع،.1984

والنشر،.1996

للترجمة والنشر،.1993 كرم، يوسف. تاريخ الفلسفة الحديثة. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة،.2012

للترجمة 28. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.1997

الأجنبية

فرويد، سيجموند. قلق في الحضارة. ترجمة جورج طرابيشي. ط  4. بيروت: دار الطليعة للطباعة

فوكوياما، فرانسيس. نهاية التاريخ وخاتم البشر. ترجمة حسين أحمد أمين. القاهرة: مركز الأهرام

لوك، جون. رسالة في التسامح. ترجمة منى أبو  سنة. تقديم ومراجعة مراد وهبة. المشروع القومي

مصطفى، عادل. المغالطات المنطقية: طبيعتنا الثانية وخبزنا اليومي. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،

Bohman, James. The Culture of Toleration in Diverse Societies: Reasonable Tolerance. Catriona McKinnon & Dario Castiglione (eds.). Manchester: Manchester University Press, 2003. Heyd, David (ed.). Tolerance: An Elusive Virtue. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1996. Kant, Immanuel.  Groundwork of the Metaphysics of Morals. Mary Gregor (trans.). 11 th  ed. Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2006. ________. Critique of Practical Reason. Mary Gregor (trans.). Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2015. Macintyre, Alasdair. After Virtue. 3 rd ed. Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 2007. Mill, John Stuart. Utilitarianism. Kitchener, Ontario: Batoche Books, 2001. Russell, Bertrand. The Basic Writings of Bertrand Russell. Robert E. Egner & Lester E Denonn (eds.). Oxfordshire, UK: Routledge, 2009. Smith, Angela M. Reason and Recognition: Essays on The Philosophy of T. M. Scanlon. R. Jay Wallace, Rahul Kumar & Samuel Freeman (eds.). Oxford/ New York: Oxford University Press, 2011. Scanlon, Thomas M. What We Owe to Each Other. 3 rd ed. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2000. ______. The Difficulty of Tolerance: Essays in Political Philosophy. Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2003. ________. Moral Dimensions: Permissibility, Meaning, Blame. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2008.

Walzer, Michael et al.  The Tanner Lectures on Human Values. Sterling M. McMurrin

Weisshaar, Kenneth R. "Scanlon’s Contractualism and Its Critics." PhD Dissertation.

(ed.). Salt Lake City: University of Utah Press, 1988.

City University of New York, New York, 2018.