قضايا أخلاقية في أزمنة صعبة (صيغة معدّلة)
Moral Issues in Hard Times (A Modified Formulation)
الملخّص
موضوع المقالة هو المعضلات الأخلاقية التي تواجه الإنسانية، نتيجة للأعمال الوحشية التي تُرتكب خلال الحرب على غزة، والوسائل التي تستخدم لتحييد الحكم الأخلاقي على ما يُرتكب من جرائم ومعالجتها على حدة، على الرغم من التجييش والاستقطاب السياسي وحتى الهويّاتي المرافق للحرب. لا تنطلق المقالة، إذ تقوم بذلك، من أن الأخلاق تقتصر على مبادئ فوقية تشتق منها الأحكام بالقياس والمحاكمة العقلية، بل إنها قبل ذلك تعود إلى طبائع يفترض وجودها في البشر (التمسك بالحياة، النفور من التسبب في الألم الجسدي للبشر، التطلع إلى الاعتراف ... إلخ). وهذه ليست في حد ذاتها مبادئ أخلاقية، بل تشكّل أساسًا طبيعيًا لنشوء الأخلاق (وهي في الوقت نفسه يمكن أن تشكّل نواةً لقيم إنسانية كونية). ويجوز الحكم أخلاقيًّا على أفعال الدول انطلاقًا من أحكام الفرد الأخلاقية وبناءً على المعايير الأخلاقية التي أرستها الدول في مواثيق ومعاهدات، ولا يجوز أن تُحيَّد الأخلاق زمن الحروب. وتجادل المقالة بأنه إذا كانت إسرائيل وأصدقاؤها يبررون جرائمها بأنها دفاعٌ عن النفس، فإن ذلك محض كذب، لأن إسرائيل دولة احتلال، وليس للاحتلال حق الدفاع عن النفس، بل إن حق الدفاع عن النفس (وهو حق مشروط) متمثل في مقاومة الاحتلال. وأما وصف المقاومة الفلسطينية في غزة بأنها "شر مطلق فليس حكمًا أخلاقيًّا بقدر ما هو استراتيجية هادفة إلى حظر محاولات فهم خلفية عمليات المقاومة. كما تُجري المقالة نقاشًا مع يورغن هابرماس وشيلا بن حبيب حول مواقفهما من الحرب على غزة، وتنقد انحيازهما إلى إسرائيل، وتكشف المغالطات التي وقعا فيها.
Abstract
Abstract: The topic of the article is the ethical dilemmas facing humanity as a result of the heinous acts committed during the war on Gaza, and the means
- الأخلاق
- الفلسطينيون
- الحرب
- إسرائيل
- الشر المطلق
- الهولوكوست
- هابرماس
- Ethics
- Palestinians
- War
- Israel
- Absolute Evil
- Holocaust
- Habermas
used to neutralize ethical judgment on the crimes and address them individually, despite the polarization and the identity politics associated with the war. The article does not start, as it does so, from the premise that ethics are limited to transcendent principles from which judgments are derived by comparison and rational judgment, but that ethics traces back to qualities presumed to exist in humans (such as the instinct to preserve life, aversion to causing physical pain to others, the aspiration for acknowledgment, etc.). These are not ethical principles in themselves but rather form a natural basis for the emergence of ethics (which can simultaneously constitute the nucleus of universal human values). Ethics cannot be sidelined during times of war, arguing that armies are forced to do so. Humans lose much of their humanity when they lose their ethics. The article argues that if Israel and its allies justify their crimes as self–defense, it is a pure lie because Israel is an occupying state, and occupation does not have the right to self–defense. The right to self–defense (a conditional right) lies in resisting occupation. As for describing Palestinian resistance in Gaza as "absolute evil," it is not an ethical judgment as much as it is a strategy aimed at preventing any attempt to understand the background of resistance operations. The article engages in an ethical discussion with Jürgen Habermas and Seyla Benhabib about their positions on the war on Gaza, criticizing their bias towards Israel and exposing the fallacies they have fallen into.
مقدمة
فيما عدا الصراعات السياسية والأيديولوجية، يثير توحش الحرب والقتل بالجملة تأملات وجودية. وعلى الرغم من احتجاب النقاش الأخلاقي حرجًا بين وحشية الحرب التي ترفع تحقيق الهدف فوق الخير والشر، فتبيح حتى قصف المستشفيات والمدارس، وتستبيح كل شيء، من جهة، وتشُّبُث الناجين بأشلاء الحياة العارية بين جثث موتاهم بعد فقدان كل شيء، من جهة أخرى، فإن هدف هذه المقالة – وهي غير موجهة إلى مجرمي الحرب ولا إلى ضحاياهم الذين تكفيهم همومهم – هو تمييز القضايا الأخلاقية التي أثارتها، وتثيرها، الحرب الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ومعالجتها على حدة. نقوم بذلك تحديدًا، بسبب طمس حدود الأخلاق، أي ما يميّزها، في غمرة التجييش والاستقطاب السياسي وحتى الهويّاتي في زمن الحرب. إنها المعضلات الأخلاقية التي تواجه الإنسانية، نتيجة للأعمال الوحشية التي تُرتكب خلال العدوان، والوسائل التي استخدمها لتحييد الحكم الأخلاقي على ما يُرتكب من جرائم. وللتذكير فقط، يمكن أن يلتزم أفراد أو أطراف في الحرب بمعايير أخلاقية، ويمكن أن يضربوا بهذه المعايير عرض الحائط، ولكن لا تكون القيم الأخلاقية محركًا للفعل البشري أصلًا، لا في الحروب ولا في غيرها، إلا في حالتين: 1. إذا أثّرت هذه القيم في البنية الشعورية الانفعالية للإنسان، بحيث تحمله على الفعل أو الامتناع عن فعل، أو الشعور بالذنب إذا فعل العكس. أقول إذا أثرت القيم الأخلاقية التي يؤمن بها أو نشأ عليها في البنية الشعورية الانفعالية، ولا أقول إذا التقت بإدراكه لمصالحه (بما في ذلك مخاوفه،
وأمنه، أو رغبته في تحسين صورته)؛ ففي الحالة الأخيرة، يصعب التحديد إذا كانت المصالح أم القيم هي الدافع. 2. إذا صيغت القيم الأخلاقية في معايير يمكن التنشئة عليها (أو أصبحت أعرافًا أو قوانينَ) ويحترمها الفرد لذاتها، أي التزامًا بها، أو إحساسًا بالواجب، لا خوفًا من العقاب. وهذه المعايير مطلقة بمعنى أن الالتزام بها واجب في مقابل الخيارات الأخرى، ولكنها قد تخضع لعملية مفاضلة فيما بينها؛ مثلًا بين الامتناع عن الكذب أو السرقة من جهة، وضرورة إنقاذ حياة شخص من جهة أخرى. والعدالة من هذا المنظور هي موازنة ومفاضلة بين المبادئ الأخلاقية من منطلق أخلاقي في سياقات تاريخية مختلفة وظروف اجتماعية تدفع إلى هذه الموازنة والمفاضلة مع بقاء المنظور الأخلاقي القيمي قائمًا. أما ما يسمّى الضمير الإنساني الفردي (ولا يوجد ضمير جماعي إلا في الاستعارة)؛ فهو جمع بين استدخال Internalization1 المعايير الأخلاقية وتذويتها في البنية الشعورية للإنسان. فليس إلحاح الضمير على الإنسان وشعوره بالواجب الأخلاقي مسألةً إدراكية عقلانية ناجمة عن الالتزام بمعايير عرفية أو قوانين يرى أنها صحيحة فحسب؛ فالدافع (أو الوازع) الضميري يجمع بين الحالتين المذكورتين. وعمومًا تتعلق دوافع البشر للقيام بفعل ما بمحفزات مثل: دفع الأذى الجسدي أو النفسي، وفقدان القدرة على التحمّل، أو الشهوة وحب التملّك، ورفض الإذلال والدفاع عن الكرامة، أو الرغبة في التحرر من قيودٍ ما، أو الرغبة في تحصيل الاعتراف والتقدير من الآخرين، أو حب السيطرة، أو العادة والتقليد، والمتعة والحسد والغيرة والحب والكره، وغير ذلك. وغالبًا ما تعزز القيم الأخلاقية الفردية و/ أو السائدة اجتماعيًا أعم لًا من النوع المدفوع بهذه الدوافع وتشجّع عليها، أو تقيّدها وتضبطها، أو تردعها، أو تبررها بعد وقوعها. لكن هذه الدوافع في حد ذاتها ليست دوافعَ أخلاقية. ينطبق هذا على الأفعال المدفوعة بها أيضًا، من البحث عن المتعة وممارسة العادة والالتزام بالتقاليد حتى دفاع الإنسان عن نفسه ضد العنف الجسدي، وضد الإذلال، وضد ما يقيّد حريته، سواء أكان منع حركته في المكان أم حريته في التعبير. ولكن الوسائل المستخدمة قابلة للمحاكمة الأخلاقية، كما قد تتحول الغايات ذاتها إلى قيم ومعايير. فسعي الفرد لتحصيل السعادة مثلًا يجري بوسائل يمكن أن تحاكم أخلاقيًا، وليس السعي لتحصيل السعادة في حد ذاته قيمة أخلاقية. ولكن صياغة نشدان السعادة في سياق حضاري تاريخي محدد، بوصفه حق الإنسان، بما هو إنسان، في السعي لتحقيق سعادته من دون الإضرار بالآخرين، يجعلها قيمة أخلاقية في هذا السياق. ويصُّحُ الأمر بالنسبة إلى قيم الحياة والكرامة الإنسانية والحرية. فالحرية من تقييد الجسد وتحديد حركته، أو تقييد التعبير قد تدفع الإنسان إلى الفعل، إذا لم تتغلب عليها غريزة الحياة أو الخوف أو غيرهما؛ ولكنها تتحول إلى قيمة أخلاقية
إذا تحولت إلى اعتراف بحق الإنسان في الحرية، وأصبحت تدفع الإنسان إلى الفعل بوصفها قيمة أخلاقية. وسوف أوضح أنها قابلة لأن تكون قيمًا كونية بسبب وجود استعدادات طبيعية لدى البشر. وغالبًا ما تتقاطع القيم مع المشاعر الأساسية لدى الإنسان. خذ مثلًا قيمة الكرامة؛ إنها تتقاطع مع المشاعر القوية ضد الإذلال إلى درجة الانتفاض على من يمارسه، والشعور بعدم الرضا والمعاناة الداخلية مِنْ تقُّبُله دون اعتراض عند من لم تُرَوَّض نفسه على قبوله؛ والأهم أنها قد تؤدي إلى الشعور بالذنب عند ممارسة الإذلال ضد الآخرين، إذا كانت قيمة أخلاقية فعلًا لا مجرد مشاعر ذاتية بالكبرياء. ثمة حوافز بشرية طبيعية أساسية متمثلة بالغرائز، لا تنطبق عليها صفة الأخلاقية. فهي تقع ما قبل الخير والشر. لكن يُعَدّ الاندفاع لتلبيتها من دون اعتبارات أخرى مناقضًا للأخلاق، إلى درجة أن الاجتماع البشري يتعامل معها بدرجات بوصفها شرًا، أو شرًا محتملًا. ومنها الشهوة الجنسية، وحب التملك والحسد والغيرة الناجمة عنها، والانفعالات الغضبية التي تغذي السعي للانتقام وغيرها. وإذا كانت الأخلاق تقوم على التمييز بين الخير والشر في الفعل البشري، وفي الحكم على سلوك الأفراد والجماعات، سواء أكان التمييز نابعًا من قيم الفضيلة أم من الحكم على النتائج، فإنها ممكنة فقط في سياق الاجتماع الإنساني. وقد نشأ تيار فكري كامل من جان جاك روسو Jean–Jacques Rousseau (1778–1712) وحتى سيغموند فرويد Sigmund Freud (1939–1856)، يرى أن الحياة الأخلاقية ممكنة لأن الاجتماع الإنساني يقوم على ترويض الغرائز (وسبقته إلى ذلك الديانات التوحيدية من منظور معاكس). وينعكس ذلك في تعامل المجتمعات والأفراد معها، فتنجم عنه معايير وأعراف اجتماعية، وتركيبات نفسية فردية مختلفة. وتختلف مقاربة المجتمعات لهذه الحوافز الطبيعية الأساسية، وفقًا لمتغيرات يكاد حصرها يكون مستحيلًا. ويتطور مع اختلاف هذا التعامل تصورنا للأخلاق عبر التاريخ. ليست المعطيات الطبيعية أخلاقية ولا غير أخلاقية. ولكن، من ناحية أخرى، ثمة، في رأيي المتواضع2، فضلًا عن الغرائز التي يروّضها الاجتماع البشري، معطيات إنسانية طبيعية، لا تحتمل تسمية قيم بالطبع، ولكنها تشكّل استعدادات طبيعية لنشوء الأخلاق. فمن ناحية، لا تنشأ الأخلاق عن قانون أخلاقي مفترض قبْليًا، كما عند إيمانويل كانط Immanuel Kant (1804–1724). ومن ناحية أخرى، ليس جميع ما يُفطر عليه الإنسان مجرد غرائز يجب ترويضها، أو قمعها، من أجل تمكين الاجتماع البشري من التحقق. وكما توجد نوازع إنسانية طبيعية تتعارض مع الاجتماع البشري، توجد أخرى تدفع إليه. لا يعني وجود هذه الاستعدادات أن الإنسان طيب بطبيعته، فطبيعته ليست طيبة ولا خبيثة؛ ولا الناس أخيار أو أشرار بما هم بشر. هذه أحكام متولدة من الاجتماع البشري، ولا علاقة لها بالطبيعة، بما في ذلك طبيعة الإنسان. ما أقصده هو طبائع أفترض وجودها في البشر، وتشكل أساسًا طبيعيًا لنشوء الأخلاق؛ كما تشكّل نواةً لقيم إنسانية كونية. وأهمها من هذا المنظور:
1. التمسك بالحياة، الذي يقود إلى الدفاع عن الذات (التي قد تتوسع لتشمل الجماعة)، مثلما قد يقود التمسك بالحياة (غريزة البقاء) إلى تبرير القتل دفاعًا عن حياة الفرد أو الجماعة. ليست الحياة في حد ذاتها قيمة أخلاقية، بل هي معطى، وكذلك "حب الحياة". ولا تغدو قيمة أخلاقية، إلا لأن رفض القتل أصبح قيمة أخلاقية. القيمة الأخلاقية في هذه الحالة ليست الحياة ذاتها، بل الحق (بما في ذلك حق الآخرين) في الحياة. إن دفاع الإنسان عن حياته أمرٌ طبيعي مدفوع بغريزة البقاء لا بالأخلاق. ويفترض أنه حق في نظر الآخرين. 2. النفور من التسبّب في الألم للجسد البشري، وقد يكون هذا إسقاطًا من نفور الإنسان من شعوره بالألم على فعل التسبب بالألم الجسدي للبشر الآخرين، كما قد يكون نفورًا غريزيًا عند الإنسان الطبيعي من مرأى إيذاء الجسد الإنساني. وربما يقمع هذا النفور الغريزي خلال ممارسته للعنف، ويعيش مع نتائج هذه الممارسة. ويبنى الاعتراف بحق الإنسان في ألا يتعرض للعنف الجسدي والتضامن مع ضحايا التعذيب، مثلًا، على هذا النفور الطبيعي. وتتجاوزه الجماعات والمجتمعات وتتغلب عليه برفع حق الدفاع عن النفس فوقه، وبالمنظومات العقابية، وشيطنة الآخر وتنمية مشاعر الاحتقار أو الحقد تجاهه؛ بحيث تقمع مشاعر النفور من العنف، أو تجعل تحمّلها ممكنًا. فإذا تبلدت مشاعر الإنسان تجاه هذا العنف بسبب ممارسته و/ أو التعرض المتكرر لمشاهدِه، لا تعود قيم التعاطف والتضامن محركًا في حد ذاتها، لأن ارتباطها بالبنية الشعورية للإنسان يصبح ضعيفًا. 3. الولادة في جماعة قرابة والنشأة والعيش فيها. فالإنسان لا يعيش وحده. وتصاحب ذلك مشاعر الانتماء والحب والعاطفة تجاه الجماعة القريبة (وهو دافع مختلف في رأيي عن الحب المدفوع بالغريزة الجنسية، وإن تداخل الدافعان في كثير من الحالات). ويمكن أن تتسع جماعة التضامن والتعاطف، مثلما يمكن أن يتسع العداء ليشمل أشخاصًا لا يعرفهم الفرد شخصيًا. فمع نشوء الفرد المدرِك لفرديته المتجاوزة للانتماء إلى جماعة معطاة، تتشكل جماعات متخيلة تقوم على الانتماء ذاته لا على القرابة بالدم. ويصبح هذا الانتماء، مثل نفيه والرغبة في التحرر منه (أو استبداله) أساسًا لقيم جديدة مثل الولاء والإخلاص والصراع بينها وبين قيم أخرى. كما تصبح جماعة الانتماء أيضًا إطارًا لفاعلية القيم التي تحولت إلى معايير ضمن الجماعة. ففاعليتها تكون أقوى داخل "نحن" أو في العلاقة مع من يشبه"نا". وبعضها يتحول إلى معايير تنطبق على العلاقات بين البشر داخل جماعة انتماء ما. وقد تنقلب إلى عكسها فتتيح ما لا يجوز داخل جماعة الانتماء حينما يتعلق الأمر بمن لا يشبه"نا". 4. التطلع إلى الاعتراف والإعجاب. من الصعب تحديد كون هذه السمة غريزة أم لا، ولكنها، على كل حال مرتبطة بنمو الذات Self في الإنسان. الاعتراف والإعجاب يحملان الذات على الشعور بالرضا. وهذا محرّك أساسي للسلوك الأخلاقي وفعل الخير، وللقيام بما يرضي أولئك الذين يمكن أن يتوقع أفعالهم أو ردود فعلهم تجاهه.
5. وينجم أيضًا عن نشوء الذات وإدراكها الإحساسُ بالكرامة، والشعور بالضيق من الإهانة والإذلال. يرتبط هذا أيضًا بوعي الإنسان لهويته الذاتية، وهي تشمل الانتماء إلى جماعة، ليصبح المس بها مًّسًا بكرامته. وهذا أيضًا لا يصبح قيمة أخلاقية إلا إذا تحوّل إلى اعتراف بالحق بالكرامة. وفي رأيي، يمكن تبرير ما يسميه بعض الفلاسفة نواة أخلاقية أساسية، وأخلاق الحد الأدنى3، ويمكن أن تتحول إلى قيم كونية بوجود مثل هذه الاستعدادات لدى البشر السابقة على التفضيلات الأخلاقية التي يمكن الاختلاف عليها والعيش مع هذه الاختلافات. وحتى بعد نشوء الأخلاق الاجتماعية وهيمنة معايير وقيم أخلاقية معينة، تظل هذه الاستعدادات الطبيعية في حالة تفاعل معها ومع ظروف التنشئة، والظروف الاجتماعية لتتشكل أخلاق فردية من هذه التفاعلات. ويكمن التصرف الأخلاقي في بعض الحالات بتحدي القيم السائدة وتطلع صاحب البنية الأخلاقية المتينة إلى الرضا الذاتي الناجم عن الأصالة (أي انسجام سلوك الإنسان التعبيري والعملي مع قيمه)4؛ وهي أرقى درجات الهوية الفردية. يمكن الحكم على أفعال البشر أخلاقيًا وإن لم تكن دوافعهم لفعلها أخلاقية؛ إذ يجوز إطلاق أحكام أخلاقية على أفعال ارتُكِبت بدافع المصلحة أو الربح أو الدفاع عن النفس، سواء أكانت معايير الحكم أخلاقية فردية أم من منطلق القيم الأخلاقية السائدة في المجتمع. وهذه الأحكام الأخلاقية، أيّا كانت معاييرها، هي شرط من شروط تشكّل العلاقات الاجتماعية. والافتراض أن ما تقوم به الدول (سلطات ومؤسسات) ليس مدفوعًا بالأخلاق غالبًا، بل بالسيطرة وتصورات مختلفة المصالح، معروف ومنتشر وقَّلَما يثير الشك. ومع ذلك، لا يحكم الناس على سياسات الدول وأفعالها بمعايير تحقيق المصالح (مع الاختلاف في تعريفها) ودفع الأذى فحسب، بل بمعايير أخلاقية أيضًا. ومن دون ذلك، لا تقوم مدنية ولا حضارة. ومن نافلة القول إن هذه الأحكام الأخلاقية على الدول لا تكفي لإقناعها بتغيير سياساتها، لأنها ليست مدفوعة أصلًا بالأخلاق. ما يقنع الدول هو الرد عليها بلغة المصالح (الاستراتيجية والاقتصادية) ذاتها وقد يتطلب ذلك التبيين العملي لإضرار السياسات غير الأخلاقية بمصالحها، وذلك بتفعيل العوامل التي تؤدي إلى إفشالها. أما تبيين التناقض بين الأقوال والأفعال، وبين الجرائم والقيم الأخلاقية التي تزعم الدول تبنيها، فتسهم في التأثير في من تحركهم القيم الأخلاقية، ولم يتحركوا لجهلهم بالمعطيات والحقائق، وتعبئة أوساط من الرأي العام، ولا سيما في دول توجد فيها معارضات حقيقية. تتطور الأخلاق مع نمو الوعي الذاتي من خلال الاجتماع البشري وعلاقات التبادل وتطور الثقافة بوجود معطيات بشرية طبيعية من النوع المشروح آنفًا بإيجاز. ولكن هذه المعطيات الطبيعية ليست
قائمة في حالة المؤسسات الاجتماعية والدول، فكيف تتطور قيم أخلاقية تحكم سلوكها؟ تتطور أخلاق ومعايير جماعية داخل الجماعات والدول بوصف الأخيرة أطرًا مرجعية ل "نحن"، وقادرة على سن القوانين وتنمية مشاعر الانتماء. ولكن الدول والمؤسسات، بوصفها "أفرادًا" أو ذوات فاعلة ضمن منظومة، لا تطور "أخلاقها" الخاصة بها، وليست لديها استعدادات طبيعية، ولا دوافع غريزية، ولا وعي ذاتي فردي. ولكن بافتراض وجود ذاكرة مؤسسية وتراكم للتجربة وضرورات ناجمة عن توازنات القوى، تنشأ آليات تحوّل بعض الاستنتاجات من تجاربها، مثل علاقات التبادل بينها (التجارة وغيرها) والخصومات والحروب وغيرها، إلى معايير متوافق عليها لتنظيم العلاقات فيما بينها. ومن يصوغ هذه المعايير هم بشر، ولذلك فهي تصاغ بلغة الأخلاق والقوانين الوضعية. وجميعها غير ملزِمة في غياب من ينفذها. والأهم من ذلك هو التوصل إلى صياغة معايير تتوافق عليها هذه الدول متعلقة ليس فقط بحقوق الدول وواجباتها، بل أيضًا بحقوق الإنسان بما هو إنسان، وهو أمر يتعلق بمواطني هذه الدول وسكانها، وأضيفت إليها مواثيق بشأن الحقوق الاجتماعية وغيرها. وجميعها مرهونة باحترام الدولة لها في نطاق سيادتها. وقد صيغت هذه أيضًا بلغة أخلاقية وتكاد تلخص الاستنتاجات من التفاعل بين القيم الأخلاقية والدول والنظم السياسية في العصر الحديث. وأصبح خرق هذه الحقوق يُعدّ ظلمًا، واحترامُها عدلًا، وذلك من دون الاضطرار إلى الخوض في النقاش الفلسفي بشأن العدالة في كل حالة. وفي منظومة دولية حديثة تعترف بالدول ذات الحدود الترابية والشعوب المتطلعة إلى أن تصبح أممًا في دول، أصبح احتلال أراضي الآخرين بالقوة، وفرض الاحتلال على شعب آخر يُعدّ ظلمًا باتفاق دول العالم؛ لأنه يمنع الممارسة الجماعية لما بات يسمى حق تقرير المصير5. ويتطلب الحفاظ على الاحتلال استخدام القوة، وذلك بوساطة تحديد حرية الناس وإذلالهم، والقتل والتعذيب، والعقوبات الجماعية. فمقاومة الاحتلال حق؛ ليس فقط لأن الاحتلال يمنع ممارسة حق تقرير المصير، بل لأن المقاومة دفاع عن النفس ضد هذه الأفعال. لهذه الأسباب مجتمعة أصبح النقاش الأخلاقي الدائر بشأن الصراعات الدولية، بما في ذلك الاحتلال، غير متعلق بالفضيلة، بل بانطباق المعايير المتفق عليها على الأفعال التي ترتكبها الدول، والعجز عن تنفيذها بسبب تصرف الدول الكبرى بموجب التحيزات المختلفة والاصطفافات والمصالح الاستراتيجية وغيرها من المصالح، وليس بموجب المعايير. وقبل "اكتشاف" نفاق المنظومة الدولية المتمثل بازدواجية المعايير للعدو والصديق مجددًا عند كل منعطف، وليس فقط في زمن الحرب على غزة، من المفيد أن ننظر إلى اتساع الجمهور العالمي الذي يصر على محاكمة ما يجري من منظور أخلاقي لا من منظور الأيديولوجيات، ولا من منظور الاصطفافات الدولية. وهو السر في أن الجمهور
الفاعل بالاحتجاج في الميادين الذي يدافع عن حياة الأميركيين الأفارقة، وعن شعب الروهينغا Ruáingga ضد الإبادة الجماعية، وعن حقوق اللاجئين، وعن مستقبل البشرية ضد التلوث البيئي هو غالبًا من يعارض الاحتلال الإسرائيلي ويتضامن مع الشعب الفلسطيني المعرض لجرائم الإبادة في غزة، بصرف النظر عن الاختلاف مع أيديولوجية حركة المقاومة الإسلامية "حماس". لن تسَّيَر الدول، بحكم تعريفها وواقعها، في يوم من الأيام بموجب هذه المقاربة الأخلاقية الكونية. ولكن وجودها ضروري للتذكير بوجود معايير يفترض أن تنطبق على البشرية جمعاء، للتضامن الإنساني، والضغط على الدول لتعديل سياساتها. وتنطلق المقالة من أن الحكم الأخلاقي على المؤسسات، بما في ذلك الدول، جائز6. ويمكن تبرير ذلك؛ أولًا، بأنها مؤلفة من بشر أفراد ذوي عقول وإرادات، ويمكنهم التمييز بين الخير والشر؛ كما أن موضوع فعلها، أو على الأقل المتأثرين به، هم بشر، أفراد وجماعات؛ وثانيًا، لأن غاياتها وأساليبها ونتائج فعلها قابلة للحكم الأخلاقي الفردي المنطلق من قيم، وأيضًا من معايير أخلاقية متفق عليها. وقد ثُِّبِت الاتفاق عليها في اتفاقيات ومعاهدات، فباتت تشكّل العنصر الرئيس المكون لما يُسمّى القانون الدولي. حين يرتكب الإنسان فعل قتل أو سطو أو احتيال داخل الدولة، فإنه يرتكب بفعله ذاته عملًا غير أخلاقي وليس بمجرد خرقه للقانون؛ أما الدول، فحين تخرق القانون الدولي بالحرب العدوانية والإبادة الجماعية وغيرها، فإنها ترتكب فعلًا غير أخلاقي بعملها هذا، وكذلك بخرقها لعهود وقعت عليها والتزمت بها. وهذا ما لا ينطبق على المواطن الفرد الذي لم يوقّع على القانون الذي يجَّرَم على خرقه، بل يفترَض أن يلتزم أخلاقيًا بالقيمة التي يجسدها هذا القانون، أو يفعل ذلك لإدراكه العواقب ومعرفته بالعقاب. وفي حالة الدولة، لا توجد محاسبة أو عقاب على خرق القانون، إلا إذا وُجِدت دولة أو مجموعة دول قادرة على معاقبتها، ولديها مصلحة في ذلك. وهذه الحقيقة تزيد من أهمية الحكم الأخلاقي على سلوكها، إذ يصبح هذا الحكم من أهم عناصر العمل السياسي في مواجهة ارتكاباتها. من ناحية أخرى، دفعت جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة المرتكبة بعد نهاية الحرب الباردة (في رواندا والبلقان) إلى تأسيس المحكمة الجنائية الدولية التي وقع على نظامها الأساسي المعلن في 17 تموز/ يوليو 1998 مئة وثلاث وعشرون دولة. ومنطلقها تحميل مرتكبي هذه الجرائم المسؤولية الفردية عن أعمالهم، حتى لو كانوا قادة دول أو جيوش أو ضباطًا، بمعنى أن الطابع الرسمي لسلوكهم لا يعفيهم من المسؤولية الأخلاقية الفردية. ولكن منذ تأسيس المحكمة لم تتمكن من معاقبة مسؤولين أو ضباط من قوى عظمى، وأي أفراد شاركوا في ارتكاب جرائم حرب، أو جرائم ضد الإنسانية، أو جرائم إبادة جماعية، في الحالات التي خرجت فيها دولهم منتصرة من الحرب، وظلت كذلك. لقد تخصصت المحكمة عمليًا في معاقبة المهزومين، فحيث تتدخل الدول، تدخل اعتبارات لا علاقة لها بالأخلاق.
ليست الحقيقة ضحية الحرب الأولى كما يقال، بل تسقط الاعتبارات الأخلاقية قبلها عند خوض الحرب، ويسَّوَغ السقوط بانفصال منطق الدولة وأسبابها Raison d’Etat عن الأخلاق بحجة المصالح، أو بحجة اضطرار الدولة إلى القيام بأعمال غير أخلاقية في خدمة غايات تعدها مستحقة لذلك، مثل الحرب نفسها. وهذه ما دامت تسمح بخرق القيمة الأولى، أي الحق في الحياة، بتشجيعها على قتل أفراد العدو، ولا يسري فيها على العدو ما يسري على الصديق، فماذا يكون مصير القيم الأخرى الأقل شأنًا؟ حين تنطلق حملات الدعاية والكذب الأولى، تكون الأخلاق قد وُضِعت جانبًا، وطُلِب منها أن تلتزم الصمت، وُأخرِست الأصوات التي تتكلم باسمها، فالخيط الرفيع الفاصل بين الحياة والموت لا يتحمل إلحاحها. وهنا تحديدًا، تصبح إثارتها مسألة مصيرية بالنسبة إلى الضحايا. ويتجاوز واجب إثارتها النقاش بشأن "عدالة" الحرب: أهي حرب عادلة (التي يقصد بها في عصرنا حروب التحرير والدفاع عن النفس أو الحروب التي تندلع بعد استنفاد السبل غير العنيفة)7، أم حرب عدوانية غير عادلة؟ البشر كيانات أخلاقية بفعل الاستعدادات الطبيعية المذكورة، وبفعل الوعي والإدراك والاجتماع البشري، وربما تكون الاصطفافات في زمن الحرب من أعظم التحديات التي تتعرض لها كيانيتهم الأخلاقية.
أولا: عن الأخلاق والهوية في هذا السياق
تتشكل المعايير الأخلاقية ويُعَبَّر عنها في الحياة اليومية في إطار الانتماء إلى جماعة مرجعية، تفرض أعرافها وتقاليدها، ولا ينفصل موقع الفرد ومكانته فيها عن التوقعات منه وتوقعاته من ذاته، فتتطابق الأخلاق الخاصة مع الأخلاق العمومية، بحيث يصعب التمييز بينهما في إطار الجماعات الوشائجية، مثل العائلة الممتدة والقبيلة والحارة التقليدية التي تحكمها علاقات الجيرة. وتختلف القواعد الأخلاقية والأعراف الملزمة، خارج الجماعة عن داخلها. وكلما توسعت الجماعة، تمايزت الأخلاقيات الفردية من العمومية. والحديث ليس عن توسع مساحة الدولة، أو حتى الإمبراطورية وعدد رعاياها؛ إذ يمكن أن يحصل ذلك من دون انتماء إليها ومع استمرار الانتماء إلى الجماعات الوشائجية الصغيرة. ولكن المقصود هو توسع جماعة الانتماء سواء أتطابقت مع الدولة أم لا. وهذا هو الحال في علاقة الفرد المدرك لفرديته بالجماعة الوطنية أو القومية أو المواطنة في الدولة، أو جماعات الهوية (حيث الانتماء انعكاسي ومفَّكَر فيه) التي تشكّل في الحداثة بديلًا من الجماعة الوشائجية على مستويات معينة. وقد لا تشكّل بديلًا على مستويات تضامنية تعاضدية أخرى. ولا يقلّل التفرد، وإدراك الفرد لفرديته من خلال التمايز بين الأخلاق الفردية الخاصة والأخلاق العمومية، وازدياد احتمال اتخاذ القرارات الأخلاقية فرديًا، من أهمية الجماعة المرجعية، حتى لو أصبحت جماعة هوية متخيلة مثل القومية والأمة. وفي حالة نشوب العداوة والخصومة، ولا سيما الحرب، تزداد "وشائجية" الجماعية المتخيلة؛ أي، بكلمات أخرى، قبليّتها، أو طابعها العصبوي. وتزداد الفجوة بين
الأخلاقيات داخلها وخارجها، وتصل إلى حد التناقض. وهو واقع سياسي وصفه بحماس كارل شميت Carl Schmitt (1985–1888) (فلم يضف شيئًا) ونَّظَر له وبرّره (فأسقط أشياء) في مختلف كتاباته التي تُعدّ السياسة فن التمييز بين العدو والصديق. فالتعامل الأخلاقي مع الأفراد داخل الجماعة المتخيلة لا ينطبق على الأفراد المنتمين إلى "جماعة" العدو. وفي هذا السياق تحديدًا، تبرز أهمية أمرين: الأول، وجود أولئك الأفراد (وتلك التنظيمات) الذين يحافظون على القيم الإنسانية التي تُسمّى كونية، في مقابل تشدّق حكام دولهم بها، ومثقفي السلطة فيها، وتجاهلهم أفع لًا تدوسها، أو يبررونها. فخلافًا للحكام، يفترض أن هؤلاء يدركون أن الأخلاق كونية، ليس لأنها إنسانية في مضمونها فحسب، أي ليس فقط بانطلاقها من الإنسان بما هو إنسان تفترضه بنمذجة تصورها للإنسان8، بل في سريان أحكامهم الأخلاقية كونيًا أيضًا بوصفها عابرة للجماعات، وتنطبق على البشر في وجودهم العيني عمومًا؛ والثاني، التعامل بجدية مع الأعراف التي تنظم العلاقات بين الشعوب والدول، حتى في زمن الحرب، ووجود مؤسسات تدعو إلى تطبيقها، وتوثق الانتهاكات في حالة غياب دول كبرى قادرة على فرضها. هنا تبرز أيضًا أهمية التشديد على عدم كفاية الإيمان بقيم إنسانية كونية، فالأهم هو الالتزام بها. تبيّن خلال العدوان على غزة نفاق الدول الغربية، أي مؤسساتها الحاكمة، في موقفها الداعم للحرب واستمرارها، حتى بعد أن اتضح حجم الجرائم الكبرى (باستثناءات مثل حكومات إسبانيا وإيرلندا وبلجيكا)، وفي السياسات التحريرية للمؤسسات الإعلامية الكبرى؛ إذ صمتت إزاء القصف الشامل على الأحياء المكتظة بالسكان، وتجويعهم وقطع الماء والكهرباء عنهم، وقصف المستشفيات والمدارس. وأصبح ذلك داعيًا للتشكيك في حقوق الإنسان عمومًا، وفي القيم الكونية وغيرها؛ وهو ما تشجعه بعض التيارات الأيديولوجية. والحقيقة أن الأمر ليس جديدًا، فلقد خبرناه في فيتنام وكمبوديا ولاوس، وإبان الأزمات الأفريقية (ما جرى من مذابح وجرائم إبادة جماعية في رواندا، وما يجري حاليًا في السودان) وخلال الحرب على العراق، وخلال قصف الموصل والرقة. صحيح أن الولايات المتحدة الأميركية تدعم إسرائيل من دون تحفظ وكذلك العديد من الدول الأوروبية، فإن فلسطين لوضوح قضيتها تشكل حلبة متميزة لفعل النفاق، ولكن ذلك ليس بالضرورة بسبب الفلسطينيين، بل غالبًا ما يكون سببه الموقف المسبق المنحاز إلى إسرائيل وخصوصية علاقة الدول الغربية بها. كما أن النفاق لا يقتصر على الغرب، بل تمارسه دولٌ عربية وإسلامية. ولكن المهم أننا، حين نحكم على هذا كله، إنما نلجأ إلى معايير أخلاقية كونية متمثلة في الصياغات العالمية لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية بشأن الاحتلال وغيره، فكيف نلجأ إليها لكشف النفاق وننكرها في الوقت ذاته؟ لا تكمن المهمة في إنكارها وفضح زيفها، بل في فضح التشدق بها، والتنكر لها، وعدم الالتزام بها أو بالقانون الدولي، وتفريغه من مضمونه في منظومة دولية تخضع فيها القيم المصوغة في معاهدات وتفسيراتها للمصالح وعلاقات القوة.
ليست حقوق الإنسان المتفق عليها في المواثيق تعبيرًا عن قيم غربية، بل عن قيم إنسانية. وهي موضوع صراع في الغرب كما في الشرق؛ وهي، وإن حققت تقدمًا أكبر في الغرب، ما زال سريانها مقتصرًا على السكان ضمن حدود الدولة السيادية. وهذا موضوع يحتاج إلى معالجة أخرى. ولكن من دون الخوض فيه يمكن أن يُسأل: وهل يتمتع المحتجون على زيف حقوق الإنسان هم أنفسهم بالكونية في الموقف من الظلم، بما فيه جرائم الإبادة، الذي تتعرض له الشعوب الأخرى، بما في ذلك شعوب في المنطقة العربية؟ ربما يكمن خلف ادعاء زيف حقوق الإنسان والقيم الكونية تبريرٌ واع أو غير واع لحمل أيديولوجيات لا تحترم حقوق الإنسان. صحيح أن الدول الغربية منافقة بشأن سريان القيم الكونية لحقوق الإنسان خارج نطاقها الحضاري، ولكن الشعوب، العربية وغير العربية، المسلمة وغير المسلمة، تحررت من الكولونيالية الغربية على الرغم من ذلك، ونشأت حركات معادية للاستعمار في الدول الاستعمارية ذاتها. وقد تحررت جنوب أفريقيا من العنصرية بفضل النضال والتضامن الدولي أيضًا. وتكمن المهمة في كشف عناصر الضعف والقوة في النضال الفلسطيني، لتجنب الأولى وتعزيز الثانية. وهذا ليس موضوع المقالة. في حالة فلسطين، لم يكفِ الكفاح المسلح وحده للتحرر من الاحتلال في الماضي، ولا يكفي حاليًا. ويحتاج الشعب الفلسطيني إلى تضامن عربي ودولي، فكيف يُدعى إليه من دون الإيمان بوجوده؟ إنه تناقض من مجموعة تناقضات لا تقطع حبال المكْلَمة المتواصلة على وسائل التواصل الاجتماعي، مثلما لا يزعجها الجمع بين إعلان الانتصار والإلحاح على وقف إطلاق النار في الوقت ذاته، في حين يلحّ الطرف المهزوم (وفق هذا المنطق) على مواصلة الحرب. لا يؤدي إنكار وجود قيم كونية، والادعاء أنها كذبة كبرى، إلا إلى العدمية الأخلاقية التي تصب الماء على طواحين التطرف العدمي الذي خبرته المجتمعات العربية ودفعت ثمنه باهظًا في حالة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" تحديدًا. ليس امتحان القيم الأخلاقية الغربية في سلوك الدول الغربية تجاه شعوب العالم الثالث، بل في داخل الدول الغربية ذاتها، أمّا فضح نفاقها على المستوى الدولي فأفضل من يقوم به هم المتمسكون بهذه القيم داخل هذه المجتمعات ذاتها. وأكثر ما يسهم في فضحها هو صوغ من يناضل ضد الظلم – الذي تتواطأ معه هذه الدول – مطالبَه، وخطابَه السياسي، بموجب القيم الكونية وحقوق الإنسان فعلًا، لا نفاقًا في الخطاب الموجه نحو الخارج فقط. ويُطرَح ههنا التساؤل: أتنجم دوافع من يحتجون على الحرب بألم وحرقة أخلاقيين عن بنية أخلاقية إنسانية لا تتحمل شعوريًا ما يقترف من جرائم في حق الشعب الفلسطيني، وترفض السكوت عليه، أم تنجم عن الهوية القومية أو الدينية التي تجمعهم بالضحايا؟ الدافعان شرعيان، ويمكن أن يصاغا بلغة العدالة، لأن الشعب الفلسطيني يتعرض للظلم وقضيته عادلة. وهؤلاء الذين يتظاهرون في دول أوروبا وأميركا، مطالِبين بوقف إطلاق النار، ربما تحرك بعضهم الأخلاق الكونية الناجمة عن شعور بالانتماء المشترك إلى هوية واحدة، لا قومية ولا دينية، بل إنسانية تجعلهم قادرين على تخيل أنفسهم في مكان الضحايا. وهذا أرقى أنواع الانتماء المشترك. فالإنسانية بوصفها جماعة مرجعية كبرى يفترض أن تسود فيها القيم الكونية.
وقدم الشباب اليهود الأميركيون خدمة كبيرة في تضامنهم مع الشعب في غزة ورفض الممارسات الإسرائيلية، إما من منطلق القيم الكونية، وإما من منطلق فهمهم للقيم اليهودية بالتوفيق بينها وبين القيم الإنسانية، أو حتى من منطلق الهوية اليهودية المشتركة مع إسرائيل. وفي هذه الحالة، تكون الهوية المشتركة دافعًا لرفض احتكار إسرائيل الحديث باسمها وتشويهها بجرائمها وممارساتها في حق الشعب الفلسطيني. وهو منطلق هوياتي، ولكنه مناقض للعصبية الهوياتية؛ إذ يذكر هويته لا للتباهي بها، بل لكي يرفض نصرة من يدعي تمثيل الهوية إذا كان ظالمًا.
ثانيًا: حق الدفاع عن النفس
لقد حاولت الولايات المتحدة ممثلة برئيسها والأعداد الكبيرة من الصحافيين والمثقفين – ومنهم المثقفون والصحافيون الإسرائيليون الذين تجيّشوا في كتائب وألوية إعلامية – أن تختزل جميع القضايا الأخلاقيّة المترتبة على شن الحرب على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ثم تحيّدها باستخدام عبارة واحدة، هي "حق إسرائيل في الدفاع عن النفس" بعدما تعرّضت له فجر السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مشدّدةً على جرائم ارتُكبت ضد المدنيين الإسرائيليين الآمنين في ذلك اليوم. واعتُبرت هذه الحرب مشروعة، بل ضرورية، لأنها تُشَن دفاعًا عن النفس. سبق أن قررت محكمة العدل الدولية أنه ليس للدولة التي تحتل أراضي الآخرين حق في الدفاع عن النفس، فهي تدافع عن احتلالها لا عن "نفسها"، إذا وافقنا على عد "النفس" المدافَع عنها، في هذه الحالة، هي الدولة في حدودها المعترف بها دوليًا. ومن ناحية أخرى، ثمة مواثيق دولية تبرر الحق في مقاومة الاحتلال. ومن ناحية منطقية، فإن حق الدفاع عن النفس منسوب إلى الشعب الرازح تحت الاحتلال، ويسمى حق المقاومة. والدفاع عن النفس، على كل حال، ليس قيمة أخلاقية، بل ضرورة طبيعية، ويسبِغ عليها لفظ "حق" طابعًا معياريًا قانونيًا وأخلاقيًا، مفاده الاعتراف بحق أي شعب في مقاومة الاحتلال. ولأن الاحتلال يشتمل على ممارسات مثل العنف التعسفي ومنع الحرية والإذلال، ولأن الحديث عن مجتمع يدافع عن وجوده، وثقافته وهويته، تتجاوز المقاومة في نظر حركات التحرير مجرد حق في الدفاع عن النفس إلى الواجب الأخلاقي أيضًا. ويتمثل هذا الواجب على مستوى الخطاب على الأقل في الدفاع عن مجموعة قيم مثل الكرامة ورفض الظلم والحق في الانتماء، أو الهوية. مع أن هذا قد لا يكون دافع الناس إلى النضال ضد الاحتلال، فقد يكون الشعور بالظلم، أو التضامن الأهلي على أساس الهوية ضد المحتل الأجنبي، أو المشاعر الوطنية. وفي الحقيقة، لا يوجد حق أخلاقي أو قانوني غير مشروط بالدفاع عن النفس، فثمة شروط متعلقة بالنسبة والتناسب بين الفعل ورد الفعل، وأخرى متعلقة بالوسائل. فليست جميع الوسائل مشروعة. وبعد أن تبينت الطريقة التي تمارس بها إسرائيل "الحق" في الدفاع عن النفس، أصبح تكرار بعض الدول هذه العبارة في تبرير العدوان حتى في الشهر الثاني من الحرب، بعد قتل آلاف المدنيين الأبرياء، ولا سيما الأعداد المهولة من الأطفال، يتجاوز النفاق إلى الانحطاط الأخلاقي. وحتى لو أتبعت مقولة
حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها بحثّها على احترام القانون الدولي و"تجنب قتل المدنيين"، فإن دعمها لم يكن مشروطًا بذلك، وظلت هذه الملاحظة ملحقًا مجرّدًا من المعنى والأهمية، خاليًا من أي أثر في الواقع. قلما استخدمت إسرائيل ذريعة الدفاع عن النفس في سياق تبريرها الحرب، بل استخدمها حلفاؤها. وانتقلت مباشرة إلى تبرير الهجوم الشامل على قطاع غزة بإضافة هدف القضاء على الإرهاب؛ ما يتطلّب القضاء على حركة حماس، أو على الأقل كيانها العسكري وإدارتها لقطاع غزّة. وحالما وُضع هذا الهدف وصار محل اتفاق مع الولايات المتحدة، وتبعتهما الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي من دون تفكير طويل أو تمحيص، أصبح كل شيء تقريبًا مباحًا. وتُنسى الوسائل القذرة والجرائم المرتكبة في هذا النوع من الحروب، فلا يحاسَب عليها أحد في حالة "النجاح في تأدية المهمة"، وتبدأ المحاسبة في حالة الفشل، أو إذا دفعت الدول التي ترتكبها ثمنًا باهظًا نسبيّا خلال الحرب. وقبل أن يتضح ذلك، يرتفع صوت القوى المدفوعة بدوافع أخلاقية داخل المجتمعات. حين أصرّ رئيس الحكومة الإسرائيلية على تكرار أن حماس هي "داعش غزة"، كان يمهد لاستباحة غزة بحجة محاربة داعش غزة. فقلة قليلة من الناس اكترثت بالجرائم التي ارتُكِبت أثناء قصف الموصل والرقّة بعد أن تشكّل إجماع دولي على القضاء على داعش. وكان الاهتمام الدولي منصبًا حينئذ على النجاح في احتلالها وتطهيرها من قوى تنظيم الدولة المسلحة فقط، بغض النظر عن الثمن الذي يدفعه سكانها، ومن دون أخذ معاناة المدنيين وعدد الذين قتلوا بالقصف الأميركي، وعانوا الأمرين من احتلال داعش ثُمّ من تحريرهم من داعش، في الاعتبار. يؤكد هذا أن الجرائم التي ارتكبها هذا التنظيم الإجرامي ضد المدنيين المحليين، العراقيين والسوريين، لم تكن لتثير اهتمام دول التحالف، بل إن ما أثارها هو ما اقترفه ضد المواطنين الأجانب وتهديده ل "الاستقرار" في المنطقة. سبق أن قمت بدحض هذه المطابقة المغرضة بين حماس وداعش في سياقات مختلفة. فحركة حماس ليست تنظيمًا متعدد الجنسيات يُحارب على أراضي الآخرين، بل هي حركة فلسطينية تنشط على أرض محتلة ضد الاحتلال، فضلًا عن أنّها، خلافًا لتنظيمات مسلحة عديدة فلسطينية وغير فلسطينية، لم تقم بعمليّات عسكرية خارج وطنها، ولم تتسبب في الأذى للمدنيين في دول أخرى. وهي، وإن اختلفتَ معها، حركة سياسية لا تمارس عنفًا عبثيًا عدميًا، بل تمارسه، وإن اعترضتَ عليه، في مقاومة الاحتلال. وثمة فوارق أخرى لا تدخل في موضوع هذه المقالة. وإضافة إلى المحاولة لإشاعة مطابقة مغرضة بين حماس وداعش وتجهيز الرأي العام لاستباحة كل شيء باسم القضاء على هذا التنظيم، استُخدمت أيضًا عدّة مرّات مصطلحات تشبّه الحركات الفلسطينية بالنازية. وقد فعلت إسرائيل ذلك مرّات منذ عشية حرب حزيران/ يونيو 1967؛ إذ شُِّبِه جمال عبد الناصر بأدولف هتلر، وكذلك ياسر عرفات، واستخدمت حكومة إسرائيل عدّة مرّات "الهولوكوست"، لا من أجل ابتزاز التعاطف الدولي، وفي الوقت ذاته مساعدة أوروبا على التخلص من عقدة الذنب بإسقاطها على العرب والفلسطينيين فحسب في مقابل دعمها لإسرائيل، وإنما أيضًا لاحتكار دور الضحية،
وديمومة تقمّص هذا الدور ليصبح صفة ملازمة لها وهي تحتل أراضي الآخرين بالقوة، وفي سياقات هي فيها الجّلد لا الضحية. هذه بعض الآليات المستخدمة في تحييد القضايا الأخلاقية التي تثيرها الحرب على غزة وحجب الحس الأخلاقي.
ثالثًا: مسألة الشر المطلق
منذ البداية، برز في تبرير العدوان على غزّة رفضُ إسرائيل وإعلامها والإعلام الغربي المؤيد لها مناقشة أي خلفيّة لعملية كتائب القسام التابعة لحركة حماس ضد إسرائيل يوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، بوصفها تبريرًا للعملية. ولذلك، تكرر الادعاء أنّ سبب قيام كتائب عز الدين القسام بهذه العملية هو كون هذه الكتائب شرًا مطلقًا، تمامًا كما كان بنيامين نتنياهو في الماضي يكرر "أن سبب الإرهاب هو الإرهابيون". لم يكن هذا ادعاءً فلسفيًا، بل جزءًا من حملة دعاية. ولا جدوى من شرح الفرق بينه وبين الشر المطلق في الفلسفة الأخلاقية. لا نتفق هنا مع تحذير فريدريك نيتشه من مصطلح الشر لأنه غير موجود في الواقع، ومصدره عنده الغيرة والحسد والضغينة التي يكنها الضعيف للقوي، والتي تجسدت في حلول الأخلاق المسيحية محل اليونانية والرومانية بفعل اختلاطها باليهودية. كما لا نتفق مع مقولة إن فكرة الشر وجدت لشيطنة التفوق عمومًا. ولكن لا شك في أن الشر قد يستحضر لأجل شيطنة الآخر، كما في استخدام الشر المطلق في الدعاية السياسية. ومصطلح الشر المطلق، على كل حال، نادر الاستخدام في فلسفة الأخلاق، إلا إذا كان المقصود بذلك كون الأحكام الأخلاقية مطلقة بمعنى أنها نتاج الاختيار الإرادي الحر بين خيارين "إمّا وإمّا..."، فليس مردّ الإطلاق هنا أن الخيار بين شر مطلق وخير مطلق، بل في كون الخيارات الأخلاقية في طبيعتها خيارات إرادة حرة بين الصحيح أخلاقيًا والخطأ، أو الحسن والرديء، وفق الألفاظ المستخدمة، وكونها لا تحتمل التسويات بين الخيارين؛ أما التسويات فتأتي لاحقًا من خارج ملكة الحكم الأخلاقي، ومن "ضرورات" عملية وغيرها. وواضح أيضًا أن المقصود ليس الشر الراديكالي Das Radikale Böse، الذي تطرّق إليه كانط، ومصدره عنده ميل الإنسان إلى تفضيل حب الذات (المصلحة الذاتية، والغرور وغيرها) على القانون الأخلاقي الذي يقوم على التقيد بالخيارات الصحيحة التزامًا بالواجب وحده، لا بالمصلحة ولا بناءً على النظر في النتائج. هذا هو الدافع للشر عنده، وقد تعرض لنقد شديد، لا مجال هنا لتفصيله. أما فعل الشر لأنه شر فلا يصدر، وفقًا لكانط، إلا عن الشيطان. وهو بكلمات أخرى، لم يستخدمها، الشر المطلق. إنه شر متخَّيَل لا يشكل دافعًا للبشر لارتكاب أعمال السوء. وغاية أبواق الدعاية الإسرائيلية من استخدامه نعت حركة حماس بوصفها شرًا مطلقًا، أي شيطنتها. وهذا يعني شًّرًا أنطولوجيًا قائمًا بذاته، لا أول له ولا آخر، لا بداية له ولا نهاية، والأهم من ذلك أنّ أعمالها لا أسباب لها، ولا يمكن شرحها، إلا بكون الفاعل نفسه يجسد الشر؛ ولا علاج له سوى محاربته والقضاء عليه. ومن هذا المنظور، فإنّ أي
محاولة لشرح أسباب العملية التي نفذتها كتائب القسام أو خلفياتها تُعدّ تبريرًا لأفعالها. فأي تفسير أو شرح للخلفيات والسياقات هو تبرير. ويتهم من يقدم عليه بالتواطؤ مع الإرهاب. وبما أن الإرهاب موجّه ضد يهود في هذه الحالة، فإن من يبرره يصبح أيضًا معاديًا للساميّة، وكأنه موجه إلى اليهود عمومًا لكونهم يهودًا. إن مقولات مثل "الشر المطلق" على ظواهر اجتماعية سياسية هي مقولات مناقضة للعقلانية التي تشمل التفسير والفهم. فهي تحول دون تفسير أسباب لجوء الناس العاديين إلى استخدام العنف سواء أكان ذلك لغايات أخلاقية أم غير أخلاقية. مثلما تمنع فهم ظروف تدهور أخلاق الجنود الإسرائيليين وسلوكهم الهمجي المتمثل في ارتكاب أعمال القتل الجماعي والتنكيل بالمدنيين الفلسطينيين وإذلالهم، وعلاقة ذلك بالتنشئة في ظل ثقافة الاحتلال والعنصرية. ليست هذه الادعاءات عن الشر المطلق مجرد تحريض أو انفعال عاطفي، بل منظومة دعاية سياسية (بروباغندا) لها بنيتها "المنطقية" المعدة سلفًا، والتي تشمل مقدمات ونتائج. وهي قائمة على افتراضات خاطئة ومغالطات. فمثلًا، القول إن العنف الفلسطيني ناجم عن العداء لليهود (وهو حالة مرضية لا شفاء منها وفق غالبية أدبيات الصهيونية الكلاسيكية التي تتعامل مع اللاسامية بوصفها شرًا مطلقًا) هو تجٍّنّ لا أساس له، وحتى الضحايا من المدنيين، إذا استُهدِفوا فعلًا، لا يستهدَفون لأنهم يهود، بل في خضم الصراع مع دولة محتلة، وواقع احتلالها وممارساته. وهذا، على كل حال، ليس تبريرًا لاستهداف المدنيين، بل هو نفيٌ لتهمة استهداف اليهود لكونهم يهودًا. لا تُقاوَم دولة الاحتلال لأنها يهودية، بل لأنها دولة احتلال. ونقل تهمة اللاساميّة إلى الشعب الذي يعيش في ظل الاحتلال طمسٌ لخصوصية اللاساميّة الدينية والعرقية والاجتماعية التي واجهها اليهود تاريخيًا بوصفهم أقليات دينية في أوروبا. وعلى كل حال، ليست هذه أوّل عملية تقوم بها حركة حماس ويكون مدنيون إسرائيليون من بين ضحاياها؛ إذ سبق أن قامت، هي وغيرها من حركات المقاومة، بعدة عمليات انتحارية في مدن إسرائيلية، اشتهرت تسميتها ب "العمليات الاستشهاديّة"، ولا سيما خلال الانتفاضة الثانية. وقاد ذلك إلى رد فعل إسرائيلي عنيف شمل عقوبات جماعية، وكان منها قتل مدنيين فلسطينيين. لكن ذلك الرد الإسرائيلي لا يشبه رد الفعل الجاري، لا في درجة الانفعال ولا في الاستسلام لشهوة الانتقام بالاقتصاص من الفلسطينيين عمومًا. إنّ ما أثار الدولة العسكرية العاتية التي تتصور نفسها "إسبارطة"، إلى هذا الحد، ليس عدد المدنيين الذين قتلوا أو تأذوا، بل الصدمة والمفاجأة من ثلاثة أمور: الأول، نقل طرف عربي (فلسطيني) الحرب إلى داخل أراضي 1948، وهذا ما لم يحصل منذ عام 1948. والثاني، المفاجأة من جرأة المقاتلين الفلسطينيين وقدراتهم. ومن هذه الناحية، فإنّ دخول المعسكرات وقتل الجنود أبلغ أثرًا وأكثر تسببًا في الصدمة من قتل المدنيين في بيوتهم. والثالث، الخشية من انكشاف مكامن الضعف، وإصابة هيبة الردع الإسرائيلية بانتكاسة نتيجة لهذا الهجوم. وقد اختلطت الصدمة التي أفقدت الدولة توازنها بهذه الخشية المحسوبة. فاندفعت إلى الحرب الشاملة على الفلسطينيين في قطاع غزة، والتي استحقت الاشتباه فيها دوليًا بوصفها عمليات إبادة جماعية. من هذا المنطلق، يصبح أي بحث في خلفيات هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، كحصار قطاع غزّة الخانق مدّة عقدين تقريبًا، وتوسّع الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة على نحوٍ غير مسبوق في
العامين الأخيرين، وازدياد وتائر اقتحامات الأقصى ومحاولات فرض تقاسمه مع المسلمين، والتضييق على الأسرى الفلسطينيين في السجون، ومراجعة مكتسباتهم التي ناضلوا طوايلًا من أجلها في ظل حكومة يمينية متطرفة، مرفوضًا تمامًا، بل مشتبهًا في كونه مؤيدًا للإرهاب، وكأن التاريخ بدأ في ذلك اليوم الذي أصبح يسمى في إسرائيل "السبت الأسود"؛ وذلك لأن مناقشة الخلفيات تُدخل نوعًا من العقلانية في التعامل مع ما جرى في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر وبعضَ النسبية في مقابل المطلقات؛ ما قد يخفّف من الرغبة الجارفة في استعادة التوازن وهيبة الردع بواسطة الثأر القبَلي الشامل من الشعب الفلسطيني، مع الفارق وهو أن القبيلة الإسرائيلية مسلحة بآخر مكتشفات التكنولوجيا العسكرية الأميركية من معدات الحرب في الجو والبحر والبر. ومن هنا يجري التشديد على الشر المُطلق، مع أنّ الحديث عن بشر عاشوا معظم حياتهم في ظل حصار لا يشبه أي حصار آخر، ومن عاش أطول من ذلك يكون قد عاش الجزء الأول من حياته في ظل احتلال مباشر في ظروف من القهر والحرمان. والغالبية الساحقة من الغزيين هم أصلًا لاجئون من المناطق التي توجد فيها حاليّا البلدات والقرى الإسرائيلية التي دخلتها كتاب القسام أو قصفتها. ما من شر مطلق ولا خير مطلق هنا، وحتى الحق في مقاومة الاحتلال الذي يتخيله بعضهم مسألة مطلقة، ليس خيرًا مطلقًا، كما سنبين لاحقًا. لقد شكّلت الإبادة الجماعية التي ارتكبها النازيون في حق اليهود خلفيةً تاريخية للنقاش الفلسفي حول الشر في النصف الثاني من القرن العشرين، واستُخدم مصطلح الشر المطلق في وصفها، بمعنى أن الشر الذي لا يُختلَف على تشخيصه بوصفه شرًا من أي زاوية نظر ممكنة. ولكن حنة أرندت التي عالجت الموضوع في كتابها أيخمان في القدس، تبنت مقاربة معاكسة لفكرة الشر الراديكالي، وذلك في مفهوم "تفاهة/ عادية الشر" The Banality of Evil. فقد شخصت مصدره في الناس العاديين الذين ينعدم لديهم الحس الأخلاقي وهم ينفذون مهماتهم الوظيفية ويعيشون حياتهم "العادية"، ويقومون بدورهم في عملية الإبادة، ليس نتيجة لحب الذات وتغليبه على القانون الأخلاقي، بل نتيجة لتحولهم إلى أدوات في خدمة سيطرة نظام شمولي9.
رابعًا: ليس قتل المدنيين الفلسطينيين عارضًا جانبيًا للحرب
يتأسف قادة الدول على قتل المدنيين نتيجة للعمليات الحربية، حتى لو سيقت لذلك مبررات مثل حصول خطأ، أو "أضرار جانبية" ناجمة عن قصف أو مواجهات. أما إسرائيل، فلا تعتذر ولا تقدم تبريرات من شأنها تحييد الحكم الأخلاقي على قتلها المدنيين بادعاء حصول أخطاء، بل تعلن أنها تقصف المباني والأحياء السكنية وحتى المستشفيات، بغض النظر عن وجود مدنيين. فلا اعتبار عندها لوجودهم فيها. وهي لا تكتفي بما فعلت، بل تعِد بالمزيد.
عرف تاريخ الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، حاله حال كل استعمار استيطاني، استهدافًا مقصودًا للمدنيين لأغراض متعلقة بالحلول مكانهم في العمل وفي ملكية الأرض. وقد استخدمت الحركات الصهيونية التفجيرات في الأسواق وأماكن تجمعات المدنيين، واتبعت أسلوب العنف الشامل ضد سكان قرى بأكملها خرج منها مسلحون قاموا بعملياتِ مقاومةٍ ضد المستوطنات الصهيونية. وتواصل هذا النمط من أعمال الانتقام والثأر شبه القبلي إلى أن أقدمت "الهغَناه" والتنظيمات الصهيونية الإرهابية على جريمة التهجير الكبرى عام 1948، وذلك بارتكاب مجازر منظمة ضد قرى بكاملها10. التهجير هو عقيدة وسياسة في حالة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني؛ فمن دونه، لا يمكن أن يصبح اليهود أكثرية في دولة يهودية. وبعد قيام إسرائيل، واصلت هذا النهج من الانتقام من سكان القرى الفلسطينية رًّدًا على أعمال الفدائيين المتسللين عبر الحدود. وأخيرًا، جاء الاحتلال المباشر للضفة الغربية وقطاع غزة منذ عام.1967 خلافًا لادعاءات إسرائيل، ليس قتل المدنيين ناجمًا عن اتخاذ المقاومة الفلسطينية من السكان دروعًا بشرية بمجرد الإقامة بينهم. وحتى لو كان هذا صحيحًا، فإنه لا يبرر القصف الشامل لتجنب المواجهة المباشرة على الأرض التي تتطلب تضحيات ليس الجيش الإسرائيلي مستعدًا لتقديمها. ولكنه ليس صحيحًا، فإسرائيل تستهدف المدنيين مباشرة وعن قصد، وذلك لأسباب مختلفة، منها: 1. تلقين المدنيين درسًا بحيث "لا يكررون مثل هذه الأفعال"، وكأنهم يتحملون مسؤولية فردية وجماعية عنها، وذلك بمنطق التعالي الاستعماري والتعامل مع السكان الأصليين كأنهم أطفال أو بالغون يجب إعادة تربيتهم، بلغة القوة. وهي اللغة الوحيدة التي يفهمونها من منظور المستعمِر. 2. التسبب في معاناة متواصلة تفوق قدرة البشر على الاحتمال لدفع السكان نحو توجيه نقمتهم إلى حركات المقاومة، بحيث ينقلبون حتى على فكرة المقاومة باعتبار تكاليفها تفوق ما يمكن تحمله و/ أو لدفعهم إلى الهجرة. هذا منطق القصف بلا رحمة وقطع الماء والكهرباء والغذاء والوقود (مثلما كان هذا منطق الحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام.)2007 3. العنصرية. ولا يجوز الاستخفاف بهذا العامل أخذًا في الاعتبار الثقافة العنصرية وكراهية العرب السائدَتين في المجتمع الإسرائيلي، وفي الجيش الذي يُلَقَّن جنوده كراهيةَ العرب تلقينًا. والعنصرية موقف و"نظرية" في الوقت ذاته. البعد الأول فيها مدان أخلاقيًا، والبعد الثاني علم زائف Pseudo–science يقود إلى حماقات بسبب سوء التشخيص وسوء التقدير لضحايا التمييز العنصري. وقد مهدت لذلك تصريحات علنية لقادة إسرائيليين، لا يسمح "العالم المتحضر" لغيرهم بالتصريح بها من دون أن يُعَدَّ مارقًا والتعامل معه على هذا الأساس، كما في قول الرئيس الإسرائيلي للإعلام إنه لا أبرياء في غزة وإن الشعب نفسه مذنب لأنه لم ينتفض على حركة حماس11، وقول وزير
الأمن الإسرائيلي مخاطبًا ضباطه: لا كهرباء، لا ماء، لا دواء، فهؤلاء حيوانات بشرية ويجب أن يعاملوا على هذا الأساس12. لم يصدر استنكار رسمي لهذه التصريحات عن حلفاء إسرائيل في الولايات المتحدة وأوروبا، فضلًا عن حلفاء جدد نسبيًا لا يقلون عنصرية عن حكام إسرائيل، مثل الحكومة الهندية الحالية. ويقوم حلفاء إسرائيل بعملية تمويه وإشاحة عبر شجب تصريحات وزيرين إسرائيليين متطرفين؛ الأمر الذي يحرر قادة الدول الحليفة من إدانة السياسات الرسمية الإسرائيلية، ويجعل القادة الفعليين للحرب وصناع القرار الفعليين يبدون معتدلين في مقابل الوزيرين المتطرفين. ويصعق من يتابع الإعلام الإسرائيلي، ولا سيما المرئي، من طريقة معالجة المثقفين والإعلاميين والمسؤولين السابقين والمسؤولين المداومين في الاستوديوهات في حالة انعقاد دائم، كأنهم في غرفة حرب وحلبة مزايدة في تشجيع جيشهم على ارتكاب الجرائم وتوزيع تُهم العداء للساميّة على كل من تسول له نفسه أن يعترض.
خامسًا: أخلاقية حق المقاومة وأخلاقية الأفعال التي قد تُرتكب باسم هذا الحق
تعترف الأمم المتحدة بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال باستخدام جميع الوسائل المتاحة وفق مبادئ الأمم المتحدة وميثاقها13، أي إن "جميع الوسائل" هي عبارة مقيدة ومشروطة بالميثاق، أما المعاهدات فتقيّدها بقوانين الحرب وأعرافها. ولكن، ليس هذا الاعتراف ما يجعل مقاومة الاحتلال أخلاقية، بل
هو الحق في مقاومة الظلم والسعي للتحرر من قيود غير شرعية. والحديث هنا عن حٍّقٍ جماعي لأّن الظلم في حالة الاحتلال يمارس على شعب بأسره. والفرق بينه وبين الظلم الذي تمارسه سلطات دولة على شعبها ليس فرقًا أخلاقيًا، بل هو متعلقٌ بالقوانين والأعراف الدولية التي تعترف بحق تقرير المصير للشعوب. وهذا ما تضيفه القرارات والمعاهدات، فمن منظورها يتميز النضال ضد الاحتلال الأجنبي من النضال ضد ظلم نظام الحكم داخل دولة وطنية؛ فالأول مجمع عليه إلى درجة أن الشعوب ذاتها باتت تميز بينه وبين الصراعات الخلافية داخل الدولة الوطنية من أجل العدالة الاجتماعية أو الديمقراطية أو غيرها. وبغضّ النظر عن التبريرات التي يسوقها المحتل، فإن الاحتلال يُفرض بالقوّة. ولأنّ السكان الخاضعين له ليست لديهم حقوق مواطنة من أي نوع، فإنّ التعرّض لتعسّف سلطات الاحتلال الحاكمة هو القاعدة وليس الاستثناء. كما أنّ عدم الانصياع للاحتلال يؤدي إلى مضاعفة العنف الموجّه لإخضاعهم. العنف قائم أصلًا في التعسّف، وقائمٌ بالضرورة في فرض الاحتلال على من يعارضه. من حق الشعب الواقع تحت الاحتلال ممارسة العنف في مقاومة الاحتلال، ولا سيما بعد وصول الوسائل الأخرى إلى طريق مسدود. فهذا نوع من الدفاع عن النفس (مقاومة) وسعي لممارسة حق تقرير المصير (تحُّرُر). وثمة اعتبارات أخلاقية وأخرى عقلانية، بالمعنى الأداتي للعقلانية (كما في النقاش حول ضرورة الكفاح المسلح وفائدته)، تؤخذ في الحسبان عند تبني ممارسة العنف، أو الامتناع عن ممارسته. لكن لا يتولّد هذا العنف، في أغلب الأحيان، عن دراسة لشروط لزوم العنف من عدمها، بل قد ينطلق عفوًّيًا ويتنظم لاحقًا. ولهذا يجب أن نفصل بين تفجّر العنف في مقاومة الاحتلال والتخطيط العقلاني للعنف المسلح. وما دمنا قد سلّمنا بحق الشعب في مقاومة الاحتلال، فهل يستنتَج من ذلك عدم جواز الحكم على أخلاقية أفعال مقاومة الاحتلال؟ جوابي: بل هو جائز، وربما ضروري. إنّ جواز مقاومة الاحتلال بالقوّة، بغض النظر عن الخلاف الاستراتيجي العقلاني حولها (وهو خلاف مشروع دائمًا، ولا يتناول الحق، بل النجاعة)، لا يعني فقدان القدرة على التمييز بين الخير والشر في أفعال المقاومة ذاتها، ولا سيما حين يتعلق الأمر بالتسبب في الضرر الجسدي للأبرياء. تبدو هذه أحيانًا تفاصيل لا وقت للخوض فيها، ولا سيما إذا تحقق إنجاز سياسي نتيجة لهذه الأفعال مثل ردع الدولة المحتلة أو إجبارها على التفاوض، أو اضطرارها إلى إعادة النظر في الاحتلال برمته، أو إذا كان رد فعل الاحتلال فظيعًا وشاملًا إلى درجة تهميش أي نقاش حول تجاوزات ارتكبها المناضلون ضده. لا يحصل ذلك دائمًا، وغالبًا ما يكون الضرر أكبر من الفائدة السياسية، حين توحّد مثل هذه العمليات الرأي العام خلف تشديد قبضة الاحتلال، ويدفع السكان الخاضعون للاحتلال ثمنًا أكبر (وهي مسألة سياسية وأخلاقية في الوقت ذاته). ولكننا نتحدث هنا أيضًا عن أخلاقيات النضال التحرري. إن استهداف المدنيين بالقتل أو التنكيل، كلها أعمال غير أخلاقية، لو وقعت، لا يبررها حق المقاومة. غير أن إدانة هذا النوع من الأعمال في إطار خطاب سياسي لا يعترف بالحق في المقاومة ليس لها
معنى، لأنها تعارض استهداف قوات الاحتلال أيضًا. أما من منظور الحق في مقاومة الاحتلال، فإن عمليات المقاومة تستحق الإشادة من منظور نضالي. أما أعمال استهداف المدنيين والتنكيل بهم، فهي أعمال غير أخلاقية، إضافة إلى أنها تلحق الضرر بالمقاومة. وقد وقعت أعمال، بعضها فيه تسجيلات مرئية واضحة، وقام ببعضها "جمهور" لا ينتمي إلى حركة المقاومة. ولكن إسرائيل، في خضم عرض نفسها للعالم بوصفها الضحية بامتياز وشيطنة حركة المقاومة، قامت أيضًا بالفبركة والكذب، وتبين أن الجيش الإسرائيلي، في لجة الارتباك ورد الفعل الفوضوي، قتل العديد من الرهائن الإسرائيليين والمشاركين الهاربين من الاحتفال، بالقصف من المروحيات. هنا يصبح من واجب حركة المقاومة أن توضح ما حصل، وهذا لا يمس بها، بل يزيدها صدقيةً. ولكننا نرى من يبرر هذه الأفعال من منطلقات ثأرية. والأهم هو وجود خشيةٍ لدى الشعوب التي رزحت تحت الاحتلال، أو الشعوب التي عاشت هزائم لفترات طويلة، من أن تمسّ الإدانة أو الاعتراف بالأخطاء بنقاء النضال وعدالة القضية وطهارة المقاومة وغير ذلك من الأوهام. لكن الضرر الحقيقي ينجم، في الحقيقة، عن خلط العادل بغير العادل، والبطولي بالإجرامي، والكذب بالحقيقة. هذا الذي يضر فعلًا بالقضية العادلة. ويحتاج الأمر إلى جرأة أخلاقية للمجاهرة بالموقف في هذا الشأن في أوساط شعب يعيش في ظل الحصار والعقوبات الجماعية، ويعاني الآن الإبادة الجماعية. علاوة على نشر القيم التحررية في المجتمع، يتجلى أحد الفروق بين حركة تحرر وطني وحركة مقاومة غير تحررية، بالمعنى الاجتماعي والسياسي، في أن الحركة التحررية تمثل في غاياتها وأساليبها قيمًا تحررية لأنها حركة سياسية منضبطة قادرة على الانضباط والالتزام بمعايير تشبه معايير الحكم.
سادسًا: قصف المستشفيات والمدارس
بعد قصف المستشفى الأهلي (المعمداني) في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، سارعت إسرائيل إلى إنكار مسؤوليتها عنه والزعم أنّ سبب "الانفجار" (هكذا أصبحت تسميه وسائل الإعلام الغربية الرئيسة لاحقًا) هو فشل إطلاق صاروخ من جانب حركة الجهاد الإسلامي، أو سقوطه المبكر، من دون بذل أي جهد فعلي لإثبات ذلك، وباستغلال حقيقة أنّ الإدارة الأميركية، ممَّثَلةً بالرئيس نفسه، كانت مستعدة لترديد أي كذب رسمي إسرائيلي. ولكن الحكومة الإسرائيلية لم تعد تستخدم هذا النوع من الكذب، بل أصبحت تعترف بقصف المستشفيات وتبرره بوجود أنفاق تحتها تستخدمها القيادة، أو يلجأ إليها مقاتلو كتائب القسام. ولا تكلف إسرائيل نفسها إقناع أحد بما تروجه، وتكتفي بإطلاق الشائعات، أو ابتزاز اعترافات من أسرى معتقلين معرضين للتعذيب في وسائل الإعلام الإسرائيلية. وهذا في ذاته جريمة، ولم تتردد وسائل الإعلام الإسرائيلية يومًا في الاتساق معها. واستُخدم الكذب نفسه أيضًا بشأن مدارس تابعة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا". وبعد مرور الشهر الأول على الحرب، لم تعد إسرائيل تكلف نفسها عناء الكذب، وأصبحت تقصف المستشفيات والمدارس من دون تعليل، وكأن قصفها جزء من روتين
الحرب. ووفق أرقام البنك الدولي في تقرير صادر في منتصف كانون الأول/ ديسمبر 2023 بقي في غزة عند كتابة هذه السطور 8 من 36 مستشفى كانت فاعلة في غزة عشية العدوان، وقصفت وتضررت 400 مدرسة14. وسِّجِلت سابقة خطيرة هي الصمت الرسمي لدول "العالم المتحضر" على هذه الجريمة. لقد سبق نظام بشار الأسد في سورية إسرائيل إلى مثل هذه الجرائم، ولكن موبقاته هذه قوبلت باستنكار معروف وعقوبات وعزلة دولية. ولكن إسرائيل ظلت محصنة من أي عقوبات، بل ظلت الدول الديمقراطية تحسبها على العالم المتحضر، فهي لا تدان، بل تُنصَح وتُدعَى للحفاظ على حياة المدنيين قدر الإمكان، ولا تعاقب، بل تكافأ. وهذا فرق جوهري. ولو اكتفى حلفاء إسرائيل بعدم الإدانة وعدم فرض عقوبات على إسرائيل، لكان ذلك نصف بلاء، ولكنهم لا يكتفون بذلك، بل يغدقون عليها الدعم، وحتى الامتيازات التي لا تمنح لغيرها. لقد أصبح قصف المستشفيات والمدارس من ضمن "عاديات" الحرب الهمجية، ولا يلقى انتقادًا من غير أوساط في الرأي العام وبعض المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني. ولكنّ الدول الحليفة لإسرائيل، ولا سيما الولايات المتحدة ودولًا أوروبية، ومؤخرًا انضمّت إليها الهند، لا تدين مثل هذا العمل، وتُكرّر المبررات الإسرائيلية من دون فحصها. وقد وجهت حركة حماس (في مؤتمر صحافي عقدته في بيروت في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023) نداءً إلى الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة كي يرسل طواقم للتحقّق من وجود أنفاق تحت المستشفيات. والغريب أنّ أحدًا لم يستجب لهذه الدعوة، فلو استجابوا ورفضت إسرائيل طلبهم لتبين فورًا كذبها في هذا الشأن. قصف المستشفيات، بوصفها الأماكن التي يعالَج فيه الجرحى والمرضى بأنواعهم، هو جريمة حرب، يُضاف إلى ذلك في حالة غزة لجوءُ آلاف المدنيين للاحتماء فيها لأنهم كانوا يستبعدون قصفها؛ إذ لا تقصف المستشفيات في الحروب. ويفترض أن يكون قصف المستشفيات والمدارس شرًا من أي زاوية نظر (سواء أسميناه شرًا مطلقًا أم لا)، ولذلك يشعر الإنسان بالغرابة والحرج لمجرّد مناقشته وطرحه، فمن الصعب الإقناع بالبديهيات الأخلاقية، "وليس يصح في الأذهان شيء... إذا احتاج النهار إلى دليل". ولكن ما أعتبره بديهيّا أيضًا، ويبدو أنّ مزاعم إسرائيل بشأن الأنفاق تحوّله إلى موضوع نقاش، هو عدم جواز قصف مستشفى حتى في حالة وجود مقاتلين محتمين فيه، أي لا يجوز قصف آلاف المدنيين العاجزين عن الدفاع عن أنفسهم، ومنهم مرضى على أسرّتهم وأرواح بعضهم معلقة على جهاز (تقطع إسرائيل الكهرباء عنه بلا وازع من ضمير)، بغض النظر عن الحجج. لذلك أيضًا لا تهاجم الدولُ المختطفين وخاطفيهم في المرافق المأهولة خشية قتل المدنيين. وهذا منطق الخطف أصلًا حتى في الجرائم الجنائية. فما بالك بمستشفى لا خاطف فيه ولا مخطوف! وكان الأكثر إثارة للاستغراب توقيع مئة طبيب إسرائيلي (في عمل مناقض لكل ما تحمله كلمة "طبيب" من معاني الرحمة وحفظ الأرواح) عريضةً يطالبون فيها بقصف مستشفى الشفاء، للحجج السابقة ذاتها.
هنا توجد معضلة أخلاقية حقيقية متمثلة بصمت "العالم" إزاء هذا الخرق الشنيع للقيم الأخلاقية والأعراف، بحيث يشكّل الصمت نفسه انتكاسة للأعراف المقبولة دوليًا ومراجعةً لحصيلة تجارب بشرية مريرة وطويلة، ويَطرح سؤ لًا مثيرًا للذعر: إلى أين يتجه هذا العالم؟
سابعًا: نقاش مع هابرماس حول الأحكام الأخلاقية والمصطلحات القانونية
لا يستحق بيان هابرماس15 ضد منتقدي إسرائيل أي مناقشة علمية حوارية، فالحديث عن بيان سياسي مقتضب يتركز أساسًا على تبرير تحديد حرية نقاد إسرائيل في ألمانيا في التعبير، ورفض تسمية ما تقوم به إسرائيل في قطاع غزة إبادة جماعية، لأسباب متعلقة بألمانيا ذاتها وتاريخها، وأيضًا لسببٍ يبدو له بديهيًا، وهو أن الحرب الإسرائيلية على غزة، التي سماها "الانتقام بهجوم مضاد"، لا يجوز أن تكون مَحلّ خلاف. وبدلًا من توجيه النقد إلى الحرب الفعلية الجارية في الواقع، فضّل هابرماس التشديد على حرب افتراضية تجري بموجب "مبادئ توجيهية للحرب" كما سماها، وهي "تجنب سقوط ضحايا من المدنيين"، وأن يكون الهدف "إحلال السلام في المستقبل". ولا أعتقد أن هابرماس يمتلك الغرور الكافي لكي يحسب إسرائيل منصاعة لمبادئه التوجيهية، لكنه وضعها على كل حال بوصفها شروطًا بلاغية لأغراض الصياغة، بحيث يبدو دعمه الحرب التي تخوضها إسرائيل مشروطًا، مع أنه غير مشروط. فليس للفرد الذي يدعم حربًا أن يضع شروطًا على الدولة التي لا تستشيره في كيفية دعم الحرب. إن دعم المثقف الفرد العلني للحرب هو دعم غير مشروط بطبيعته. وتابع قوله: "وعلى الرغم من القلق على مصير السكان الفلسطينيين، فإن معايير الحكم تزيغ عن الطريق تمامًا عندما تُعزى نيّاتُ الإبادة الجماعية Genocide إلى التصرفات الإسرائيلية". يجوز لك أن تقلق على مصير السكان الفلسطينيين، ولكن لا يجوز أن تسمي ذلك إبادة جماعية. أما هو نفسه، فلا يعبّر عن أي تعاطف أو تضامن معهم. همّه منصب على أن لا يسمّى ما يتعرضون له إبادة جماعية، فالأمر يتعلق بحسن استخدام المصطلحات. ولا يُسعفنا السيد هابرماس بإصدار حُكْمٍ بنفسه على ما يسبب "القلق على مصير السكان الفلسطينيين". وإذا لم يكن قتل عشرات الآلاف، غالبيتهم من النساء والأطفال على وقع التهديد بمعاقبة سكان غزة الذين لا يعدّون مدنيين والتلويح بتهجيرهم والتسبب في نزوح الملايين فعلًا، إبادة جماعية، فما هو؟ يمتنع الفيلسوف الألماني عن التحديد، بل حتى عن الإدانة.
يذكّر ذلك بقلب بريطانيا العظمى حججها التي قدمت لمحكمة العدل الدولية في لاهاي لتعريف ما يجري للروهينغا في ميانمار بوصفه إبادة جماعية حين تعلق الأمر بالإبادة الجماعية في فلسطين وفق الدعوى التي رفعتها جمهورية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل في لاهاي. لقد قلبت تمامًا توسيعها التعريف إلى تضييقه16. ليس لهابرماس رصيد يُذكر، ولا مكانة فعلية، في التضامن مع الشعوب خارج أوروبا. ويتركز اهتمامه العمومي في عقلنة الخطاب السياسي في أوروبا والمصالحة بين العقلانية التنويرية والعدالة الاجتماعية والليبرالية السياسية. وموقفه من الحرب الأميركية على العراق عام 2003 نَّمَ عن سذاجة سياسية تليق ببروفسور ألماني، مثلما كان كارل ماركس يقول؛ إذ صَّدَق أن هدفها تصدير الديمقراطية، كما جَّسَد ميل الحس الأخلاقي إلى التضاؤل والاختباء خلف النقاشات الأكاديمية بشأن المصطلحات، حينما يتعلق الأمر بما يجري خارج "نحن" العالم الغربي، إذا صحت التسمية. وسوف نعود إلى مصطلح الإبادة الجماعية الذي أشغل الكثير من الأكاديميين في هذه المرحلة، وكأن تحديد التسمية هو الذي يحدد الموقف الأخلاقي من المسمى. يفترض أن يكون قتل المدنيين الجماعي، بما في ذلك استهداف المدارس والمستشفيات بالقصف العشوائي من الجو، مدانًا أخلاقيًا بغِّضِ النظر عن تسميته الاصطلاحية، وانطباق مصطلح إبادة جماعية عليه ليس شرطًا لعِّدِه جريمةً نكراءَ وموبقةً في منتهى الخسة والوضاعة، بل هو شرط لعدّه جريمة ضمن القانون الدولي. فالإبادة الجماعية أصبحت مصطلحًا في القانون الدولي تعِّرِفه بوضوح معاهدة دولية. وتفصّل هذه المعاهدة أركان هذه الجريمة، وتركّز على النيات والغايات. وثمة خلاف على انطباق هذا التعريف على ما ترتكبه إسرائيل من جرائم في غزة، ويكاد يكون الخلاف سياسيًا، أما من زاوية النظر الأخلاقية فلا خلاف على كونها جرائم. يضيف هابرماس أن "تصرفات إسرائيل" (من دون أن يحدد هذه التصرفات) "لا تُبِرِّر بأي حال من الأحوال ردود الفعل المعادية للساميّة، وخصوصًا في ألمانيا". فلا يشغله ما يجري للسكان الفلسطينيين، ولا تصرفات إسرائيل، بل ردود الفعل المعادية للساميّة في بلده. ولا تعنيه أغلبية ردود الفعل الناقدة لإسرائيل وغير المعادية للساميّة. وهو لا يكلف نفسه عناءَ ذكرِها. وتتجلّى ردود الفعل اللاساميّة، التي تمكّن، ومعه زملاؤُه، مِن رصدها، في الخشية من تعُّرُض "اليهود واليهوديات في ألمانيا مرةً أخرى لتهديدات تُهِدِّد حياتهم وأجسادهم، وتُجبِرهم على الخوف من العنف الجسدي في الشوارع". وهو يعتبر هذا الخوف "أمرًا لا يُطاق وغيرَ مقبولٍ إطلاقًا". لا يذكر هابرماس أي مثال عن أي خطر حقيقي تَعرّض له اليهود واليهوديات في ألمانيا في سياق الاحتجاج على هذه الحرب، بل يُشير إلى القلق والخوف الذي يعيشونه من تهديدات لا ندري إن كانت حقيقية. ويمكن أن تكون حقيقية على كل حال17.
يصف هابرماس الاعتراف ب "الحياة اليهودية وحق إسرائيل في الوجود" بأنهما "عنصرَان أساسيان في الروح الديمقراطية لجمهورية ألمانيا الاتحادية". وهو يُسبِق ذلك بمبدأ احترام الكرامة الإنسانية الذي لا يَجِد له تطبيقًا على الفلسطينيين في غزة. وينهي بيانه التضامني بأنه "يجب على جميع أولئك الذين يقيمون في بلادنا والذين بثوا فيها المشاعر، والقناعات المعادية للساميّة باعتماد شتى أنواع الذرائع، ويرون الآن فرصة ملائمة للتعبير عنها من دون عائق، أن يلتزموا بتلك الحقوق ويمتثلون لها"؛ ويقصد بذلك "الحقوق الأساسية في الحرية، والسلامة الجسدية، وكذلك الحماية من التشهير العنصري" التي يعتبرها حقوقًا "غير قابلة للتجزئة وتسري على الجميع بالتساوي". ولا يسعنا بالطبع إلا الاتفاق معه. ولكن لم يكن استخدامه عبارة "أولئك الذين يقيمون في بلادنا" بدلًا من المواطنين أو الألمان صدفةً، فهو يقصد بها الإشارة إلى المهاجرين العرب والمسلمين إلى ألمانيا، والذين لديهم أسبابهم، كما يعتقد هو، لاعتناق أفكار معادية للساميّة. هؤلاء أصبحوا بالنسبة إلى هذا المفكر مصدرَ بث العداء للساميّة في ألمانيا. البروفسور الألماني يجد لنفسه معركة ضد غير الألمان المعادين للساميّة، وبهذا تغلق الحلقة. كيف يمكنه تبرير ذلك؟ الأمر محيّر؛ إذ لم أسمع عن رواج موقف يتّهم إسرائيل بارتكاب هذه المجازر لكونها يهودية، أو لكون جنودها يهودًا. لن تجد موقفًا كهذا يتبناه عدد معتبر من العرب والفلسطينيين أو المحتجين على العدوان في أنحاء العالم كافة. إنه يلج إلى حلبة السجال المستعر في الفضاء العام الغربي لكي يجري عملية إزاحة إلى حلبة أخرى وهمية هي حلبة الصراع مع اللاساميّة. وهذا أيضًا هو حال السياسيين والمثقفين والإعلاميين الذين تظاهروا في فرنسا ضد اللاساميّة في الوقت الذي ترتكب فيه إسرائيل المجازر في غزة. والحقيقة أنهم لا يتظاهرون ضد أي شيء محدد، بل احتجاجًا ضد من يتكلم على ما يجري في غزة، ويحاولون فتح معركة أخرى لتمويه المجازر التي ترتكبها إسرائيل، ولإعادة رسم حدود حرية التعبير لتنتهي حيث يبدأ نقد إسرائيل. هكذا أفهم هذا السلوك. منذ ذلك اليوم الذي نفذت فيه كتائب عز الدين القسام عمليتها وانطلاق الحملة الإعلامية الكبرى المؤيدة لإسرائيل في الغرب، واجه الفلسطينيون والمتضامنون معهم مضايقات وصلت إلى حد الفصل من العمل، وكاد أن يُمنع رفع علم فلسطين وارتداء الكوفية. وفي 14 تشرين الأول/ أكتوبر، قتل رجل أبيض طفلًا فلسطينيّا في الولايات المتحدة، وتعرضت والدته أيضًا لطعنات جارها الأميركي18؛ وذلك لأنهما فلسطينيان بحسب اعتراف الجاني. ويوم 26 تشرين الثاني/ نوفمبر، أطلق رجل أبيض النار على ثلاثة طلاب فلسطينيين في السنة الأولى الجامعية لهم في فيرمونت. ألا يرى هابرماس أن الاستمرار الحقيقي للاساميّة والعنصرية العرقية في أوروبا يتجلى في العداء لهؤلاء الناس الذين لا يرتاح كما يبدو كثيرًا لوجودهم؟ ألا يرى فعلًا أن الكثير من المعادين
المحتملين Potential للساميّة في الغرب، في أوساط اليمين واليمين المتطرف، هم حاليًا أشد المؤيدين لإسرائيل؟ يعيدني البحث عن إجابة إلى ما أعتقد أنه تَحوّل جذري في أفكاره منذ أن شهدت أوروبا هجرة واسعة، لا سيما لجماعات ذات أصول مسلمة، وتزعزع كونية أفكار التنوير عنده، والتي بات يراها مُتجِّذِرةً فيما يعتبره حضارة ذات جذور يهودية – مسيحية في أوروبا. سوف أتجنب هذا النقاش المتشعب هنا، مع اقتناعي بأن هذا الجمع بالعارضة بين اليهودية والمسيحية بوصفهما مميزين للحضارة الأوروبية هو محاولة سطحية لتجاوز اللاساميّة الأوروبية والهولوكوست. حضارة أوروبا ليست يهودية – مسيحية، بل مسيحية إضافة إلى مكونات كثيرة أخرى غير الدين، وجذور التنوير ليست في الحضارة المسيحية بما هي مسيحية، وحدها، بل أيضًا في نقدها، وفي التقاليد العقلانية غير المسيحية وفي الثورة العلمية التي لا علاقة لها بنوع العقيدة الدينية، وفي نشوء الدولة المركزية والملكية المطلقة، وفي اكتشاف طرق التجارة البحرية والتفاعل مع الحضارات الأخرى. لم ينشأ التنوير من المسيحية، سواء أكانت كاثوليكية أم بروتستانتية، ولا علاقة ضرورية بين الأمرين. وسبق أن قدّرت أن أفكار "ما بعد العلمانية" عند هابرماس المتأخر متعلقة بتفهمه خطاب أولئك الذين يدافعون عن طابع أوروبا المسيحي، في مقابل الهجرة الواسعة من البلدان المسلمة، وبالقلق من أن يؤثر انعدام التجانس الثقافي في هيمنة الأفكار الديمقراطية الليبرالية في أوروبا. وربما هو محقّ في أمر واحد هو أن موجات الهجرة أثّرت في هيمنة الديمقراطية الليبرالية، ولكن ليس من خلال الأكثرية الساحقة من المهاجرين، فقلة منهم فقط غير منسجمة مع هذه الهيمنة، وإنما من خلال رد الفعل اليميني المتطرف على الهجرة. أمّا بالنسبة إلى الموضوع الفلسطيني، فلا يبدي هابرماس وزملاؤه أي حساسية تجاهه. وما كان هذا بالأمر الذي يهمنا كثيرًا لو عبروا عنه بالتزام الصمت إزاء الجريمة الجاري ارتكابها في غزة. ولكنهم قرروا أن يصدروا هذا البيان المعيب والمنافق أخلاقيًا، والذي لا يهمه من كل ما ترتكبه إسرائيل في قطاع غزة سوى احتمال وقوع ردود فعل لاساميّة في ألمانيا أو غيرها. ولا أطمح هنا إلى أن أذكّره بواجبه الأخلاقي تجاه الشعب الفلسطيني، فالواجب الأخلاقي يُفرض ذاتيًا. لكنه تطوّع للإعلان عن موقفه من باب النفاق الأخلاقي حين أصرّ على رفض إطلاق وصف "إبادة جماعية" على القصف الممنهج والشامل الذي تعرّضت له الحياة الفلسطينية في قطاع غزة، بما في ذلك الأبراج السكنية ومخيمات اللاجئين والمدارس والمستشفيات، وقد سُبِق ذلك بالدعوات إلى تهجير السكان، والنيات الثأرية الانتقامية المُعَبَّر عنها في تصريحات قادة إسرائيليين؛ وهذا كله في ظل الأجواء العنصرية الهستيرية السائدة في الإعلام الإسرائيلي، التي يتسرّب بعضٌ منها إلى الإعلام الغربي عند ظهور مسؤولين إسرائيليين. صدق هابرماس في أمر واحد فقط، وهو اعتبار حرب إسرائيل "هجومًا انتقاميًا"، فقد استخدم هذا التعبير. انضمت إلى النقاش، وكيف لا! أستاذة فلسفة أخرى هي شيلا بن حبيب19. وخصمها الرئيس فيه هو حركة حماس. مواقف هذه المفكرة والناشطة النسوية عمومًا مناهضة للاحتلال، وهي تسلّم بأن
غزة عبارة عن معسكر اعتقال كبير، ولكن حماس بأيديولوجيتها الداعية إلى القضاء على إسرائيل تتحمل المسؤولية عن الحصار وفقًا لنصها الطويل قياسًا على عريضة هابرماس وزملائه. لقد ارتكبت حماس جرائم حرب يوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، وهنا تكرر بن حبيب كل ما يقال في الإعلام الإسرائيلي والغربي حول ما جرى في ذلك اليوم، ولكنها تضيف أن إسرائيل "أيضًا" ترتكب جرائم. وتشدد على أن حماس لا يجوز أن تخرج منتصرة من هذه الحرب، لأن ذلك يحول دون صعود قيادات فلسطينية معتدلة. وهي لا ترى دور إسرائيل في إفشال القيادات "المعتدلة" ونزع الشرعية عنها، ولا تدرك أهمية الكفاح المسلح في منح الشرعية للقوة التي تمارسه تحت الاحتلال. على كل حال، هي تطلب عدم اعتبار إسرائيل دولة استعمار استيطاني، وتدعو إلى تجنب استخدام المصطلح لأن القوميتَين الإسرائيلية والفلسطينية هما عبارة عن "صور مرآة عن بعضهما"! نعرف أن الصهيونية في نظر ذاتها حركة قومية، بل حركة تحرر وطني، لكن لا يمكن فهم مشروعها في فلسطين، وسائله وبنيته، من دون عده استعمارًا استيطانيّا، وذلك ليس فقط لأنه كذلك من زاوية نظر الفلسطينيين. تكاد لغة بن حبيب تنتمي إلى اليسار الصهيوني المحتشد كله خلف الحرب حاليّا. فالموضوع عندها هو حركتان قوميتان تتصارعان على الأرض نفسها، وما يحول دون تفاهمهما هم المتطرفون من الطرفين. ولذلك تستسهل السيدة بن حبيب إدانة بتسلئيل سموطريتش Bezalel Smotrich وإيتمار بن غفير Itamar Ben–Gvir. ولكنهما لا يقودان الحرب حاليًا؛ إذ يقودها الجنرالات العلمانيون الذين ربما يحترمون نسبيًا حقوق المرأة في الجيش وكذلك حقوق المثليين. ولذلك أيضًا لا يجوز في نظرها أن تنتصر حماس في هذه الحرب، وبعبارة أخرى يجب أن تهزم. ولكن ماذا بعد أن تبيّن أن ثمن هزيمة حماس هو تدمير قطاع غزة والقيام بعملية إبادة للشعب الفلسطيني؟ الموقف الأخلاقي غير واضح، ويزداد غموضًا بعد أن تتهم بن حبيب الحركة بوضع قواعدها وأنفاقها بين المدنيين وتحت المستشفيات، وتحويل الفلسطينيين إلى "أضرار جانبية" للقصف الإسرائيلي لهذه المرافق؛ ما يعني أنها المسؤولة عن قصف المستشفيات. ولكن أين ذهب الموقف الأخلاقي؟ ضاع في خضم التحليل العقلاني (مع أخطائها الكثيرة حتى في معرفة الوقائع) وفي مقاربة الاحتلال وضحاياه بوصفهما طرفين، والانجراف خلف العداء للإسلاميين إلى درجة رفض الحق في مقاومة الاحتلال، إذا كانوا هم من يمارسونه. والأهم من هذا كله أن من تريده أن يهزم حماس ليس قوى التنوير والاعتدال التي سوف تقيم العدل والإنصاف والسلام الدائم بين الشعبين، بل الاحتلال ذاته، الذي لم يستخلص مما جرى ضرورة التوصل إلى سلام عادل، بل تقتصر استنتاجاته على أن أخطاء عسكرية واستخبارية حصلت وأن السيطرة على الشعب الفلسطيني يجب أن تكون أكثر إحكامًا بعد الحرب. لقد سقط هؤلاء المفكرون في الامتحان الأخلاقي حين برروا حربًا شاملة تشنها دولة محتلة على الشعب الخاضع لسلطتها، ولم يضعوا حدودًا واضحة لما يمكن أن تقوم به دولة الاحتلال ضد المدنيين العزّل، حتى لو افترضوا أن الشعب رهينة في أيدي حركة إرهابية، وليس رهينة الحصار والاحتلال.
ثامنًا: بشأن الهولوكوست
النقطة الثانية في نقاشي مع هابرماس هي قضية الهولوكوست والعداء للساميّة. ولا شك في وجود علاقة فعلية بين المحرقة ضد يهود أوروبا واللاساميّة، وإن كانت اللاساميّة لا تُفِسِّر الأمر برمّته، فلا مجال لتفسير ظاهرة بحجم المحرقة من دون أخذ عوامل مثل نشوء الدولة الشمولية، والعقلانية الأداتية الحديثة غير المعنية بالغايات، وتوافر آليات تحييد الحكم الأخلاقي لدى البيروقراطية التي تعدّ طاعة التعليمات وتنفيذ الخطط والواجب الوظيفي قيمًا في حد ذاتها تهمش الحكم الأخلاقي على الأشياء ما دام ليس ضمن الوظيفة، وظهور أشباه العلوم Pseudo–sciences الناجمة عن تطبيق نظريات بيولوجية على المجتمع. ولا شك في أن استهداف اليهود بالمحرقة النازية له علاقة مباشرة باللاساميّة، سواء أكانت اللاساميّة الدينية والمتواصلة منذ القرون الوسطى، أم اللاساميّة القومية التي تعتبر اليهود عنصرًا غير اندماجي، يحول دون التجانس القومي بحسب بعض القوميين الأوروبيين (وليس كلهم، فبعضهم كانوا أنفسهم يهودًا)، وأخيرًا اللاساميّة الاجتماعية التي استخدمت التحريض ضد اليهود أداةً لحرف الصراع الطبقي من الصراع ضد الرأسمالية إلى الصراع ضد التجار اليهود والمرابين وغيرهم. وقد امتزجت جميعها في الأيديولوجية اللاساميّة العرقية للحزب النازي. ولا أعتقد أن غالبية الشعوب في أوروبا آمنت به، وإن كان بعض الأوساط في معظم البلدان الأوروبية التي احتلتها ألمانيا النازية، ولا سيما في فرنسا وبعض دول أوروبا الشرقية وغيرها، تواطأت مع عملية تجميع اليهود تمهيدًا لإبادتهم. ما علاقة قضية فلسطين بالأمر؟ لا توجد أي علاقة للفلسطينيين والعرب والمسلمين بهذه الجريمة التي ارتُكبَت في أوروبا وخلفياتها الفكرية والأيديولوجية. ويُعتبر الشعبُ الفلسطيني مُتضِّرِرًا منها، وإن كان ضحية ثانوية لها بالنسبة إلى الأوروبيين؛ فقبل الهولوكوست لم تحظَ الصهيونية بنجاح في إقناع اليهود بالهجرة إلى فلسطين، وأسهمت الجريمة الكبرى التي ارتُكبَت ضد يهود أوروبا في زيادة معدلات الهجرة، وأيضًا في تعاطف الدول الأوروبية مع المشروع الصهيوني، وإن كانت المصالح الغربية في منطقتنا قد اضطلعت بدور أكبر في توليد هذا التعاطف. على كلّ حال، الفلسطينيون هم بالنسبة إلى الأوروبيين أضرار جانبية Collateral Damage في سياق حل المسألة اليهودية في أوروبا بإقامة دولة يهودية خارجها، في فلسطين تحديدًا. برز الاستخدام المكثف للهولوكوست، المحرقة النازية في حق يهود أوروبا، أداةً في تحويل إسرائيل لدورها من الجاني إلى الضحية عشية حرب 1967، ولن أخوض هنا في سبب عدم استخدامها في الفترة 1967–1948 بالكثافة نفسها، وتنُّصُل مؤسسي إسرائيل من صورة يهود المنفى الذين "سيقوا للذبح كالخراف" وفق تعبيرهم. ولكن إسرائيل حاولت منذ البداية، أي منذ عام 1948، أن تكون المتحدث باسم ضحايا المحرقة النازية (الهولوكوست) في التفاوض مع ألمانيا للحصول على تعويضات ماليّة تُدفع لإسرائيل وللمقيمين فيها من الذين نجوا من المحرقة. بيد أن استخدامها المكثّف في الإعلام في وصف الساسة العرب، أو قيادات حركة التحرّر الوطني الفلسطيني، كان نوعًا من الدعاية أو التهريج الإعلامي هدفه تصعيب تفهم الموقف العربي على الساسة الغربيين الأوروبيين والأميركيين، أو دعمه، لأنّ هذا يضع موقفهم من النازية في موضع التشكيك. ويوجد إجماع في الغرب على معاداة النازية
والاشمئزاز مما قامت به من جرائم إبادة في حق اليهود وتبريرها بنظريات عرقيّة، ولم يتوقّف الإنتاج الأدبي والثقافي حول هذا الموضوع حتى يومنا هذا. إنها مسألة محسومة في الثقافة الغربية. وتحاول إسرائيل الاستفادة منها لدعم موقفها بصفتها دولة استعمار استيطاني في منطقةٍ لم تشهد اضطهادًا لليهود شبيهًا بالمحرقة النازية، ولا قريبًا من التشبه بها. إنّ التعامل الإسرائيلي الأداتي في استخدام الهولوكوست هو بالطبع إساءة لضحايا النازية، وتقليل من شأن المحرقة ذاتها، لا يقترب من درجة إنكار المحرقة، ولكنّه من النوع نفسه. لم يكن اليهود الذين جمعوا في معسكرات أو سيقوا إلى أفران الغاز في ألمانيا النازية، وجمعوا من مختلف أرجاء أوروبا، صهيونيين. ولم تحظ الحركة الصهيونية بتعاطف يهود أوروبا بمجملهم ولم تتجاوز أقلّية صغيرة بينهم حتى ذلك الوقت. وغالبية الناجين من المحرقة لم يأتوا إلى إسرائيل، بل غادروا إلى الولايات المتحدة حين أتيحت لهم فرصة الهجرة. ليس لإسرائيل الحق في الحديث باسمهم، فضلًا عن استخدامهم سياسيًا في العلاقات بين الدول. وبالتأكيد، لا يحق لها استخدامهم في تبرير اضطهاد شعب آخر، وتقمّص دور الضحية في هذا السياق. لا توجد أي معضلة أخلاقية لدى الفلسطينيين في هذه الحالة، وما تقوم به إسرائيل باستخدام الهولوكوست هو فعل لاأخلاقي. ولكن تبدأ المشكلة الأخلاقية فلسطينيًا بالتقليل من شأن الهولوكوست. فهذا استخفاف لا مبرر له بحياة بشر مضطهدين بسبب دينهم (عرقهم بالمفاهيم النازية)؛ ولا حاجة للفلسطيني إلى التقليل من شأن الهولوكوست لمناقضة الصهيونية. فالمحرقة النازية لم تحصل في بلادنا، ويُفترض أن أوروبا وحدها تتحمّل وزرها. وعلى العكس، علينا أن نُذِكِّر أوروبا بذلك، وبالعمل غير الأخلاقي الذي تقوم به إسرائيل باستغلال عقدة الذنب الأوروبية، ثم إعانتها على التحرّر منها بواسطة إلقائها على العرب والفلسطينيين. يوجد تواطؤ غير أخلاقي إسرائيلي – أوروبي يستفيد منه الطرفان، الأوّل، بتقمّص دور الضحية، والثاني، بالتخلّص من عقدة الذنب بالتعاطف مع من يتقمّص دور الضحية خارج أوروبا، وإلقاء الذنب على الفلسطينيين أو العرب. في حين أنّ التخلص من عقدة الذنب يفترض أن يكون في محاربة العنصرية في أوروبا ذاتها؛ فالاستمرار الحقيقي لمعاداة الساميّة هو في استمرار العنصرية تجاه الآخرين في أوروبا. وليس لألمانيا أو فرنسا أو غيرهما ما تحاضر فيه على العرب بشأن معاداة الساميّة، فهذه لم تكن مشكلة عربية في يوم من الأيام. ولكي أكون صادقًا مع نفسي والقارئ، لا شك في أن أوساطًا عربية محدودة استقبلت بعض هذه الأفكار الأوروبية في مراحل مختلفة من تطور الفكر القومي، إبان الصراع مع الاستعمار الفرنسي والبريطاني، وبعد هزيمة حرب عام 1967 التي جذّرت الفكرة بوجود مؤامرة يهودية في العالم وقوة شيطانية تتيح هذا الانتصار على ثلاثة جيوش عربية، وتفسّر هذا الدعم الأميركي غير المشروط وغير المفهوم عقلانيّا بالسيطرة اليهودية على العالم. كما أن بعض الحركات الإسلامية أحيَت تعابير مُعادية لليهود من تراث مراحل قديمة، وتحديدًا من مراحل في عصر النبوة جرَت فيها حروب فعليّة مع قبائل يهودية في الجزيرة العربية، من نوع التعميمات التي كانت تستخدم ضد الأعداء في العصور السابقة.
ولكن الحضارة العربية الإسلامية عمومًا لم تعرف على الإطلاق ظواهر شبيهة بما جرى في أوروبا ضد اليهود منذ العصر الوسيط، وليس فقط في المرحلة النازية. وحتى في سياق مقاومة الاحتلال، والصراع مع استعمار صهيوني مارسه يهود إسرائيليون، لم تُحشَد للمعركة مصطلحات معادية للساميّة، وطرحت الحركة الوطنية الفلسطينية عمومًا حلولًا ديمقراطية للقضية الفلسطينية حتى حين كانت ترفع شعار تحرير كل فلسطين. واستخدمت حماس بعض هذه التعبيرات، التي قلت إنها تعود إلى مرحلة حروب الإسلام الأول مع قبائل يهودية، في ميثاقها الأول، لكنها تخلّت عنها لاحقًا في الميثاق المعدّل لحركة حماس. وتعج التوراة اليهودية بأمثلة أكثر حدة ضد الشعوب التي عدّتها القبائل اليهودية عدوًا لها، ودعت التوراة إلى إبادتها تمامًا، ومورست بموجبها عمليات إبادة عُدّت أمرًا إلهيًا، وما زال رجال دين يهود وقادة أحزاب إسرائيلية يستخدمون هذا الإرث التوراتي المستمد من إبادة الشعوب التي سكنت أرض كنعان، ولا سيما العماليق، في وصف ما يجب فعله للفلسطينيين20. على كل حال، فإن كل هذا كلام نظري هدفه تجنب خداع الذات عند مناقشة الآخرين، ولكي نقف على قاعدة أخلاقية صلبة عند مناقشتهم. ولا علاقة للأمر بالحرب التي تشن حاليًا على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة من خلال سلسلة من جرائم حرب وأعمال إبادة جماعية، ولا علاقة للواجب الأخلاقي في معارضة هذه الحرب والمطالبة بوقف إطلاق النار بالعداء للساميّة، لا من قريب ولا من بعيد. وحدهم نقّاد هذه الحرب اليهود يتطرقون إلى هوية المعتدي اليهودية بسبب الهوية المشتركة التي تجمعهم به، ويرفضون أن يتحدث باسمهم بسببها. وهم يشيرون إلى يهودية إسرائيل، لأنهم يرفضون أن تُمِثِّل في عدوانها هذا اليهود واليهودية، ويتبرؤون من هذا العدوان وجرائمه. لا يسري هذا على نقد العدوان فقط، بل أيضًا على مقاومة الاحتلال. فمقاومة الاحتلال غير متعلّقة بقومية دولة الاحتلال أو إثنيتها أو دينها، مع إدراكنا أن الاستعمار الاستيطاني عمومًا، سواء في جنوب أفريقيا أم في الجزائر أم في الأميركتين، قام به مستعمِرون يعتنقون ديانة مختلفة عن ديانة السكان الأصليين، وقد أسهم ذلك في تكثيف عنصرية المستوطِن وموقفه من لاآدمية السكان المحليين. ولا عجب أن الشعوب المقهورة استخدمت الدين في التعبئة لمقاومة الاستعمار الاستيطاني، في البداية على الأقل. ولكن حركة التحرر الوطني الفلسطيني الحديثة المتمثلة في منظمة التحرير الفلسطينية تأسست بصفتها حركة وطنية علمانية تجمع متدينين وغير متدينين من طوائف مختلفة. وليس لصعود حماس منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي علاقة بالموقف من اليهود، بل بصيرورات حصلت في العالم العربي في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، وبفشل عملية السلام التي انخرطت فيها منظمة التحرير، وأخيرًا، بتبني حماس المقاومة المسلحة في وقت تنازل فيه التيار الرئيس في الحركة الوطنية الفلسطينية عن الكفاح المسلح. ولا شك في أن نشاط الحركات الإسلامية المسلحة أسهم أيضًا في إفشال ما يسمى عملية السلام، ولكن السبب الرئيس هو عدم استعداد إسرائيل لقبول حل عادل ودائم لقضية فلسطين، يقوم على مبادئ العدالة، ولو النسبية.
تاسعًا: بشأن الكيل بمكيالين والسؤال عما جرى للقيم الكونية
قاد سلوك الولايات المتحدة والدول الأوروبية تجاه الجرائم الإسرائيلية وتبني موقف إسرائيل بحذافيره حتى بداية الشهر الثاني من الحرب، وتبلّد المشاعر تجاه الضحايا الفلسطينيين، بعض الشباب المصدومين بحٍّقٍ من أهوال الحرب في قطاع غزة إلى التشكيك في القيم الكونية والتساؤل عن مصير العدالة والمساواة والحرية التي "يتغنى" بها بعض هذه الدول، التي راوحت مواقفها من دعم إسرائيل الكامل وغير المشروط إلى إبداء بعض الملاحظات غير الملزمة، أو إسداء النصح بتعبير الخطاب الرسمي الأميركي. الخيبة مفهومة، ولكن الجوقة أحيانًا يقودها محرّضون على القيم الإنسانية الكونية عمومًا ممن لم يؤمنوا بها في الماضي قبل العدوان، ولا يرون في الحرب سوى برهان على "نظرياتهم" بوجود صراع ديني أو حضاري مع الغرب، ولا يؤمنون أصلًا بقيم الحرية والعدالة والمساواة بين البشر، وجاهزون لتبرير دوس الأنظمة التي تروقهم عليها وإدانة ممارسات تلك التي لا تروقهم. ولذلك يستحق الموضوع المعالجة. أين ذهبت قيم المساواة والحرية والعدالة؟ لم تذهب إلى أي مكان. إنها الأدوات التي ما زال المناهضون للاحتلال يستندون إليها في قضية فلسطين، وغزة، وفي إدانة إسرائيل، وعند الخوض في قضايا عادلة أخرى. فهم لا يعللون موقفهم الداعم لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي فقط بالوطنية وحب فلسطين وشعبها والانتماء إلى الأمة العربية؛ هذه دوافع قائمة، ولا يجوز أن ننكرها، ولكن الموقف يصاغ أخلاقيًا. ومن تدفعه إلى التضامن عقيدته الدينية يحاول أن يصوغ موقفه بالعناصر الأخلاقية في عقيدته، ومنها العدل، أو يصوغها من منطلق التوفيق بين العقيدة والقيم الإنسانية الكونية، وإلا فلن تكون ثمة لغة مشتركة مع الآخرين. وبالتأكيد، لا يعَّلَل الموقف من العدوان والجرائم التي يرتكبها الاحتلال بالكره المطلق ل "حضارة الغرب" (ما هي؟ وكيف تعرف بالضبط؟)، ولا بالموقف من "قتلة الأنبياء"، ولا بالولاء والبراء، ولا بالصراع ضد "الكفار"، ولا بحق الغزو أو حق الفتح. ومن يفعل ذلك لا يفيد قضية فلسطين، مثلما لم يفد ذلك قضية الشعب السوري أو العراقي أو غيرهما، بل يضر بها. وبخصوص من يتشدقون بالقيم الكونية (يصدعون رؤوسنا بها بالتعبير المبتذل)، ولا يمارسونها على مستوى العلاقات بين الشعوب، فهل الأمر جديد أو مفاجئ؟ ألم يتواصل الاستعمار بعد عصر التنوير وإصدار الثورة الفرنسية إعلان حقوق الإنسان والمواطن؟ لقد كان من بين الدول التي مارست الاستعمار، وتعاملت مع أبناء الشعوب الأخرى كأنهم ليسوا بشرًا، دولٌ ديمقراطية تتشدق سلطاتها بالحرية والمساواة مع حرمان أجزاء كبيرة من شعوبها ذاتها منها. ولم يطل الوقت حتى فرضت هذه القيم في السياسة الداخلية، فعممت حق الاقتراع والحقوق الاجتماعية والحريات. وما زال النضال فيها يتواصل على جبهات عدة. لقد ناضل الأميركيون من أصل أفريقي من أجل العدالة والمساواة والحرية، لأنهم حرموا منها في دولة جعلت هذه القيم جوهر دستورها. وقد انطلق النضال من الفجوة التي تفصل القيم عن الواقع، واستغل هذا التوتر الأخلاقي لصالح ممارسة هذه القيم. وتظل الممارسة نسبية وتشكل موضوعًا للنقد.
أما في العلاقات الدولية، فلم يفرض القانون نفسه يومًا، ولا القيم الكونية. وظلت قيم الحرية والمساواة مواضيع للنضال لتحقيق العدالة في إطار الدولة الوطنية. وعلى المستوى العالمي، توصلت الإنسانية إلى بعض المواثيق والمعاهدات الدولية التي جسدت هذه القيم، ولا سيما في ميثاق الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبح في وسع الشعوب المقهورة والضعيفة المطالبة بتطبيقها، ولكن ذلك لم يحصل إلا في حالتين: الأولى، توافق تطبيقها مع مصالح دولة قوية أو أكثر (دولة المتروبول في حالة الاستعمار)، والثانية، تبني الرأي العام داخل الدول القوية (ولا سيما دولة المتروبول) المطالِبَ لأسباب، من بينها أسباب أخلاقية، وتنظيم الاحتجاج إلى درجة التأثير في سياسة الدولة. والحالتان متغيرتان بفعل عوامل عديدة من ضمنها النضال نفسه. وعمومًا، فإن صياغة المطالب بلغة القيم الكونية المعبر عنها في المواثيق والمعاهدات الموقعة ترسي قاعدة مشتركة للحديث والحوار، بما في ذلك الحديث عن المصالح. أما النضال فتحكمه قواعد أخرى كثيرة غير قواعد المحاجّة الأخلاقية، بحيث يكون ممكنًا التأثير في المصالح وتوازنات القوى وغيرها. وماذا بالنسبة إلى مقولة "الكيل بمكيالين"، و"ازدواجية المعايير"، كما في المقارنات التي راجت مؤخرًا بين أوكرانيا وفلسطين، وروسيا وإسرائيل؟ تصح هذه المقولة الأخلاقية المعبرة عن إحباط وخيبات في محاسبة الدول المؤثرة في اتخاذ مواقف مختلفة، بل متعاكسة تجاه حالات متشابهة، ولا سيما عند الحديث عن احتلال أراضي الغير بالقوة، كما في حالتي احتلال العراق للكويت، واحتلال روسيا لأراضٍ في أوكرانيا، اللتين أثارتا هذه المقولة بحدة، ولا سيما في مقارنة مواقف الولايات المتحدة في هاتين الحالتين ومواقفها تجاه الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، والمقصود هو الضفة الغربية وقطاع غزة؛ الأرض التي تعترف الدول الغربية عمومًا بأنها احتلت بالقوة ويسري عليها قرار مجلس الأمن رقم.242 لا بد من توجيه هذا النقد الأخلاقي. وإذا تجاوزنا الخطاب الأخلاقي الموجه إلى الرأي العام إلى قرارات حكومات الدول المؤثرة بشأن حالات الاحتلال وغيرها، فإن ما يحركها في الحقيقة هو مكيال واحد، وهو المصالح والاعتبارات الاستراتيجية. فلا ازدواجية معايير هنا. لكن نقد الموقف بالحكم عليه أخلاقيًا، وهو ما يجب فعله، هو الذي يظهره بوصفه يكيل بمكيالين. ولا ينقص دول عربية ومسلمة تكيل بمكيالين عند نقدها التدخل في شؤونها أو شؤون حلفائها الداخلية، في حين تقوم هي بالتدخل مباشرة في دول أخرى إلى درجة دعم الميليشيات المسلحة، أو تدعو إلى رفع الحصار عن غزة وتحاصرها في الوقت ذاته، أو تحيي مظاهرات التضامن مع غزة في الغرب وتمنعها في بلادها. وثمة أمثلة عديدة أخرى21 لممارسة الكيل بمكيالين عربيًا نوفّرها على القارئ، فقد وصل المعنى ومفاده أن الكيل بمكيالين ليس احتكارًا غربيًا. ومن ناحية أخرى، فإن من تقدم بدعوى إلى محكمة العدل الدولية بشبهة قيام إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية هي دولة جنوب
أفريقيا، وهي ليست دولة عربية ولا مسلمة، وتقدمت دول من أميركا اللاتينية بشكاوى إلى المحكمة الجنائية الدولية. وهي أيضًا ليست دولًا مسلمة.
ختامًا
إن القضية الفلسطينية قضية عادلة، وكذلك الحق في مقاومة الاحتلال؛ ويمكن، بل يجب، الدفاع عنها أخلاقيًا أيضًا. وما انتشار ظاهرة الشباب المؤيد للقضية والمتضامن مع سكان قطاع غزة ضد همجية العدوان الإسرائيلي إلا دليلٌ على ذلك، فالحديث هو عن جيل أخلاقي ينفر من الأيديولوجيات الشمولية والعصبيات على أنواعها، ويحركّه التعاطف مع ضحايا الظلم، مثلما تحركه قضايا البيئة والتمييز العنصري وغيرها من القضايا التي يعدّها عادلة. ويخطئ خطأ جسيمًا من يعتقد لأسباب غير مفهومة ومتعلقة بخندقه الأيديولوجي الضيق أن هذا الاحتجاج هو ظاهرة تشرذم وفرقة في العالم الغربي ومظهر ضعف يثبت تشخيصه لهزيمة القيم الإنسانية، ويستغل هذا التضامن للتباهي بمواقف غير أخلاقية لا علاقة لها بالعدالة. ومن ناحية أخرى، فإن التخندق في مواقف تحدد سريان القيم الإنسانية الكونية ضمن ثقافة محددة، والاستخفاف بالأحكام الأخلاقية في السياسة، واللامبالاة الأخلاقية تجاه ما تقوم به الدول خارج الحدود، هي مقدمات الاستعداد لارتكاب الشرور والفظائع، أو التساوق مع ارتكاب الدولة لها.
References
المراجع
العربية
الأتاسي، أحمد نظير. "الأخلاق والسياسة: جدلية الفردي والمؤسساتي". تبين. مج 12، العدد 46 (خريف.)2023
اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب. جنيف: 1949:. في https://bit.ly/3udHs7l
الاتفاقية الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية. لاهايفي::1907/10/18.
https://shorturl.at/myPST
الأمم المتحدة. الجمعية العامة. إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة. اعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 1514 (د 15–) المؤرخ في:1960/12/14. في
https://bit.ly/3QUi7YJ
_____. قرار رقم 2649 (الدورة 25) بتاريخ 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، إدانة إنكار حق تقرير المصير خصوصًا لشعوب جنوب أفريقيا وفلسطين. 1970/11/30:. في https://bit.ly/40GLTDS _____. قرار رقم 3236 (الدورة 29) بتاريخ 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1974، قضية فلسطين.
1974/11/22:. في https://bit.ly/3Qul6pw
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019
مركز سيتا. 2018/9/15:. في https://bit.ly/3QVIr51
الأجنبية
باومان، زيغمونت. الحداثة والهولوكوست. ترجمة حجاج أبو جبر ودينا رمضان. الدوحة/ بيروت: بغورة، الزواوي. "خطاب الحداثة الأخلاقية عند تشارلز لارمور". تبين. مج 12، العدد 46 (خريف الشافعي، ضحى وضاح. "شرعية المقاومة المسلحة الفلسطينية وقانونيتها الدولية". دراسات وأبحاث.
Bishara, Azmi. Palestine: Matters of Truth and Justice. London: Hurst, 2022.
Deitelhoff, Nicole et al. "Grundsätze der Solidarität. Eine Stellungnahme." Normative
Orders. 13/11/2023. at: https://shorturl.at/wHJLW
"Impacts of the Conflict in the Middle East on the Palestinian Economy." The World
Bank. December 2023. at: https://shorturl.at/eAFKU
Taylor, Charles. The Ethics of Authenticity. Boston: Harvard University Press, 2018