Return to Article Details On Conspiracy Theory

حول نظرية المؤامرة

On Conspiracy Theory

رجا بهلول

Raja Bahlul

الملخّص

تتناول هذه الدراسة بالتحليل نظرية المؤامرة، والمقصود بها مقاربة فكرية في تفسير الأحداث والظواهر، يزعم أصحابها أن الأسباب المؤدية إلى حصول كثير من الأحداث والظواهر ليست الأسباب التي تعلن عنها الجهات الرسمية والتي تتناقلها وسائل الإعلام، بل إن هناك جهات خفية تقوم سرًا بتدبير الأمور من أجل خدمة مصالح قد تكون معروفة أو غير معروفة في العلن. وتستقصي الدراسة العلاقة بن النظرية والبينات، وتقارن بين نظرية المؤامرة ونظريات أخرى وبالأخص النظريات العلمية. وتنتهي إلى نتيجتين: أولاهما أنه لا يجوز رفض نظرية ما لمجرد أنها نظرية مؤامرة، وثانيتهما أن أغلب نظريات المؤامرة لا تستحق أن تؤخذ على محمل الجد، بسبب بعض التبعات المترتبة على طريقتها في التعامل مع البينات المضادة.

Abstract

Abstract: This paper is a study of Conspiracy Theory, the theory according to which the causes which explain the occurrence of many events and phenomena are not the officially advertised causes which the public media present us with; rather, the events and phenomena in question should be viewed as the work of agents and agencies that operate in secret in the service of projects that may or not be publicly known. The paper discusses the relation between theory and evidence and compares conspiracy theories to others, especially scientific theories. Two conclusions emerge. Firstly, a theory should not be rejected merely on the ground that it is a conspiracy theory. Secondly, most conspiracy theories do not deserve to be taken seriously because of the consequences which follow from their method of dealing with counter evidence.

الكلمات المفتاحية:
  • نظرية المؤامرة
  • التفسير
  • التحليل
  • النظريات العلمية
  • الثقافة السياسية
  • وسائل الإعلام
Keywords:
  • Conspiracy Theory
  • Interpretation
  • Analysis
  • Scientific Theories
  • Political Culture
  • Media

مقدمة

تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على مقاربة فكرية، تستخدم في تفسير أحداث وظواهر اجتماعية واقتصادية وسياسية ذات بعد عالمي أحيانًا، وإقليمي أو محض محلي أحيانًا أخرى. نقصد الإشارة هنا إلى ما بات يُعرف بنظرية المؤامرة. تنتشر هذه المقاربة على نطاق واسع بين عامة الناس والكثير من المتعلمين في العالم العربي، بل في مختلف بقاع العالم المتقدم وغير المتقدم. يقدم بعض الكتاب على ذلك مث لًا: هجمات 11 سبتمبر 2001 (الولايات المتحدة الأميركية)، التي اعتقد 49 في المئة من سكان نيويورك ضلوع الحكومة الأميركية فيها، في حين اعتقد 22 في المئة من الكنديين أنه لم يكن لجماعة أسامة بن لادن (2011–1957)، أي علاقة بها، واعتقد 78 في المئة من العرب أنه لم يشارك فيها أي شخص عربي1. في العادة، يزعم المنادون بنظرية المؤامرة أن الأسباب المؤدية إلى حصول ظاهرة ما ليست الأسباب المعلن عنها، والتي تتناقلها وسائل الإعلام المعروفة مثل وكالات الأنباء الوطنية والعالمية، بل إن هناك جهات خفية تقوم بتدبير الأمور من أجل خدمة مصالح معينة قد تكون معروفة وقد لا تكون. فمثلًا يُفَّسَر وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–) بأنه مؤامرة قامت بها الصين، أو المخابرات الأميركية، أو شركات الأدوية أو عدد من هذه الجهات بتعاون فيما بينها. ويفسر آخرون الحرب الروسية – الأوكرانية بالإشارة إلى مؤامرة حاكتها القوى الغربية سرًا، قصد إضعاف روسيا وعزلها عن العالم. وسمعنا من يقول إن الزلازل التي هزت تركيا عام 2023 كان سببها قنابل نووية فجّرتها الولايات المتحدة أو إسرائيل لإِضْعاف تركيا والسيطرة على موارد الطاقة فيها. وعلى صعيد أكثر محلية، هناك من يقول إن ما  يحصل في فلسطين من حوادث إطلاق نار على المستوطنين اليهود ليست أعم لًا يقوم بها فلسطينيون، بل إنها من صنع جهات إسرائيلية وترتيبها، بقصد توفير حجة للمزيد من التنكيل بالفلسطينيين ومصادرة أراضيهم. من الظاهر أن تناول نظرية المؤامرة بالدرس أمر مستجد. يقول براين كيلي إنه حينما كتب عن هذه النظرية في عام 1999 لم يكن هناك سوى بضع دراسات تناولت الموضوع2. أما الآن بعد أكثر من عشرين عامًا، أصبح الأمر مختلفًا جدًا؛ إذ نجد عشرات الكتب والمقالات حول هذه النظرية، وطبيعتها والأسباب التي تفسر انتشارها. نشير هنا باختصار شديد إلى بعض الأسباب التي يجري استخدامها في تفسير انتشار هذه الظاهرة، لأن هذا ليس موضوعنا الأساس في هذه الدراسة. أكثر ما  يسترعي الانتباه من بين التفسيرات المتداولة (وربما  يعود هذا إلى طرافته) تفسير يقول إن انتشار نظرية المؤامرة هو جزء من ظاهرة ما بعد الحداثة Postmodernism، التي ترحب

  1. Cass Sunstein & Adrian Vermeule, "Symposium on Conspiracy Theories: Causes and Cures," The Journal of Political Philosophy , vol. 17, no. 2 (2009), p. 202.
  2. ينظر الهامش 1 في: Brian Keeley, "Of Conspiracy Theories," in: David Coady (ed.), Conspiracy Theories: The Philosophical Debate (London: Routledge, 2006), p. 45.

بتعدد السرديات والروايات خصوصًا ما غَرُب منها، وتقلل من أهمية الاحتكام إلى العلم والبحث العلمي، معتبرة أن هذا الأخير لا  يعدو كونه إحدى السرديات الكثيرة3. ولكن في حين يمكن هذا التفسير أن يفسر شعبية نظريات المؤامرة في الغرب حيث ينتشر الفكر ما بعد الحداثي، فإنه لا  يمكن أن يفسر انتشارها في البلدان الفقيرة والنامية، حيث ليس هناك وجود أو أثر يذكر لما بعد الحداثة. هناك أيضًا تفسيرات اجتماعية ذات صدقية أكبر تتعلق بالاغتراب وبالتهميش المتعدد الجوانب4 الذي تعانيه أعداد هائلة من الناس، ليس فقط في البلدان الفقيرة أو الخاضعة للهيمنة الغربية (فهذا واضح) بل في البلدان الغربية نفسها. ففي البلدان الغربية مثلًا، بات الكثير من البيض يشعرون بالتهديد وانحسار القوة نتيجة تغير التركيبة السكانية والفقر المتزايد. وهكذا تضاءلت ثقتهم بالحكومات، ونما اليمين المتطرف بسردياته التآمرية بسرعة بينهم، كما شاهدنا في حالة الملايين من مناصري الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب Donald Trump، إبان فترة رئاسته (2021–2017) والحملة الانتخابية التي تلتها. يُضاف إلى التهميش الاقتصادي تهميش ثقافي، نابع من سيطرة وسائل الإعلام الحكومية والمؤسسات العلمية والرأسمالية والإعلامية التابعة لأصحاب رأس المال؛ وهو الأمر الذي كثيرًا ما  يؤدي بأصحاب نظريات المؤامرة إلى التشكيك في مصادر المعلومات التي يعتمد عليها معظم الناس في تكوين صورة عما  يجري من حولهم من أحداث. هناك أيضًا تفسيرات باثولوجية تعزو التفكير التآمري إلى عوامل نفسية تتعلق بالشعور بالاضطهاد5، وهو بالطبع ظاهرة قديمة قدم الإنسان نفسه. وهناك أخيرًا تفسيرات تنظر إلى ظاهرة انتشار نظريات المؤامرة كنوع من الترفيه الاجتماعي6 الذي يشارك عدد كبير من الناس في صنعه ثم نشره في عصر التواصل الاجتماعي. تمتزج هنا نظريات المؤامرة مع صناعة السينما والتلفزيون، بحيث تتبارى الشركات في إنتاج الأفلام الخيالية (ربما كان فيلم "المصفوفة" The Matrix7 من أكثرها شهرة)، وشبه الوثائقية حول اغتيال فلان أو هذه العملية العسكرية أو تلك، وغير ذلك. ومما  يدعم مقولة الترفيه والمشاركة الاجتماعية في صنع نظريات المؤامرة أنه ما تكاد نظرية من هذا النوع تخرج إلى العلن حتى

  1. Jonathan Friedman, "The Implosion of Modernity," in: Michael Shapiro & Hayward Alker (eds.), Challenging Boundaries: Global Flows, Territorial Identities (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1996), p. 250.
  2. Marina Abalakina–Paap et al. (eds.), "Beliefs in Conspiracies," Political Psychology , vol. 20, no. 3 (1999), p. 644.
  3. Richard Hofstadter, The Paranoid Style in American Politics (New York: Knopf, 1965), pp. 13, 23–29; Timothy Melley, Empire of Conspiracy: The Culture of Paranoia in Postwar America (Ithaca: Cornell University Press, 2000), p. 7.
  4. Matthew Gray, Conspiracy Theories in the Arab World: Sources and Politics (London: Routledge, 2010), pp. 27–29.
  5. فيلم أميركي من نوع الأكشن والخيال العلمي، أُنِتج سنةِ 1999، وهو من إخراج الأخوين واشوفسكي Wachowski. تدور أحداث الفيلم في عالم افتراضي يغلبه التعقيد، حيث تُسيطر الآلات على زمام الأمور ويسعى البشر لمحاربتها بكل الطرائق الممكنة، تتداخل في حبكة الفيلم جوانب متعلقة بالواقع المعيش وقضايا الهوية والبحث عن الحقيقة والتحرر. ويعتبر من أشهر الأفلام عبر التاريخ، وفاز بالعديد من جوائز الأوسكار، صدر منه إلى حد الآن أربعة أجزاء.

تعاد صياغتها على وسائل التواصل الاجتماعي بطرائق مختلفة بقدر اختلاف من يتناقلونها، فكأنها لحن أو معزوفة موسيقية يستمتع الناس جميعًا بعزفها، كل بطريقته الخاصة. نكتفي بهذه التفسيرات الموجزة، نوردها فقط لأن أول ما  يتبادر إلى ذهن القارئ عند التفكير في موضوع نظرية المؤامرة هو أسباب شيوع هذا النمط من التفكير8. والآن، وقد انتهينا من هذا، نقول إن وجود تفسيرات متعلقة بالأصل والمنشأ والمسببات لا  يعني بالضرورة بطلان النظريات موضوع الحديث. فزعم بطلان النظريات من هذا المنطلق لا  يستقيم منطقيًا، لأنه لا توجد علاقة حتمية بين بطلان رأي معين وصدوره عن شخص معين أو جماعة معينة في هذا الظرف وبتلك الصفات. نجد هنا مغالطة منطقية تُعرف باسم The Genetic Fallacy (مغالطة الأصل) يُحَذَّر منها طلاب المنطق والتفكير الناقد على الدوام. ويمكن أيضًا الإشارة هنا إلى التمييز المقبول عمومًا والذي سبق لهانز رايخنباخ (1953–1891) صياغته في كتابه التجربة والتنبؤ (1938) بين سياق الاكتشاف أي التمييز بين الظروف النفسية Context of Justification وسياق التبرير Context of Discovery والاجتماعية والحياتية المحيطة بالتوصل إلى نظرية ما، ومسألة تسويغ تلك النظرية (إثباتها أو إبطالها)9. ذلك أن الاعتبارات التي تجري الإشارة إليها في سياق الاكتشاف لا تحدد الإجابة عن الأسئلة التي تُطرح في سياق التبرير. لذلك لا مفر لنا من الاشتباك مع النظريات نفسها، ومنها نظريات المؤامرة، لنعرف إن كانت تلك النظريات قابلة للتصديق. في هذه الدراسة، سنركز على الجوانب المنهجية والإبستيمولوجية والمنطقية البحتة في نظريات المؤامرة وفي علاقتها بالواقع التجريبي، من دون أن يعني ذلك التنكر للقيمة المضافة التي تقدمها الدراسات النفسية والاجتماعية والتاريخية. وفي القسم الثاني، نعرف المفهوم العام للنظرية، أي نظرية، بوصفها فرضية أو مجموعة من الفرضيات التي تهدف إلى تفسير ظاهرة معينة. ونناقش أيضًا إن كان هذا التعريف ينطبق على نظريات المؤامرة، وإن كانت جميع نظريات المؤامرة دومًا كاذبة. وفي القسم الثالث، نناقش العلاقة بين الفرضيات والشواهد التجريبية وغير التجريبية المؤيدة والمخالفة. نتحرى هنا تبعات الأطروحة التي قال بها بيير دوهيم (1916–1861) ومن بعده ويلارد كواين (2000–1908) من أن الفرضية لا تذهب إلى ساحة التجربة منفردة، بل بصحبة عدد قل أو كثر من الفرضيات والنظريات المساندة. نسوق هنا بعض الأمثلة المستقاة من حقل النظريات العلمية ونظريات المؤامرة أيضًا. ينتهي بنا القول إن النظريات (بما فيها نظريات المؤامرة) تتساوى من حيث عدم توفرها على إمكانية الحسم بالصدق والكذب بصفة قطعية. وفي القسم الرابع،

  1. دراسة النظريات من وجهة نظر اجتماعية ونفسية بحثًا عن أسباب النشأة والانتشار لا  يحصل فقط في حالة العلوم والنظريات غريبة الأطوار، بل أيضًا في حالة العلوم والنظريات التقليدية المعروفة. يُنظر مثلًا مساهمات برنامج سوسيولوجيا العلم، ومساهمات بعض المفكرات النسويات: Latour Bruno, Science in Action: How to Follow Scientists and Engineers Through Society (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1987); David Bloor, Knowledge and Social Imagery. 2 nd ed. (Chicago: University of Chicago Press, 1991); Luce Irigaray, "The 'Mechanics' of Fluids," in: Luce Irigaray, This Sex Which Is Not One , Catherine Porter & Carolyn Burke (trans.) (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1991).
  2. Hans Reichenbach, Experience and Prediction (Chicago: The University of Chicago Press, 1938), pp. 6–7.

نناقش الموقف الذي يجدر بنا اتخاذه تجاه نظريات المؤامرة. نحاجّ هنا بأن هناك بعض الاعتبارات التي تقتضي التشكك في صدقية نظريات المؤامرة في المجمل، ولكننا نقول مع ذلك إنه علينا أن نتعامل مع نظريات المؤامرة حالة بحالة.

أولا: مفهوم نظرية المؤامرة

لمفهوم نظرية المؤامرة سمعة لا  يحسد عليها، فبمجرد أن نصف أي نظرية بأنها نظرية مؤامرة، نكون قد أصدرنا حكمًا بأنها ناجمة عن تفكير غير منطقي وغير علمي، وأنها تلقى رواجًا بين أناس يتصفون بالجهل أو بدرجة متواضعة من العلم والتعليم. لذا، وبدافع تحقيق بعض الهدوء الفكري قبل الشروع في المناقشة علينا أن نقول ما الذي نعنيه بكلمة "نظرية" وما الذي نعنيه بعبارة "نظرية مؤامرة"10. لنبدأ بمفهوم "نظرية". يقول ديفيد كودي: "ينبغي لنا أن نفهم النظريات على أساس أنها تفسيرات مفترضة، وأن إطلاق تسمية 'نظرية' على أي تفسير مفترض لا  يقول لنا شيئًا عن المكانة الإبستيمولوجية التي يحظى بها ذلك التفسير. تاليًا يمكن أن يكون التفسير المفترض صادقًا بصورة يقينية كما  يمكن أن يكون كاذبًا بصورة يقينية، ويمكن أن يقع في أي مكان بين هذين الطرفين القصيين"11. إذًا، بموجب هذا الرأي، لا تعدو النظريات كونها تفسيرات مفترضة نستوعب من خلالها أحداثًا وظواهر قد لا تكون في البداية مفهومة لدينا. وقد يقول قائل إن هذه مقاربة فضفاضة تشتمل على تفسيرات تتراوح ما بين نظرية النسبية العامة أو الميكانيكا الكوانتية من جهة وأي تفسير محدود التطبيق لحدث معين مثل هزيمة حرب حزيران/  يونيو 1967، أو ظاهرة معينة مثل انتشار وباء كورونا. ولكن محدودية الأفق التفسيري، التي تتسم بها نظريات المؤامرة عمومًا، أمر نسبي، وشاهدُ ذلك نظرية كلوديوس بطليموس Claudius Ptolemy (170–100 م) أو نيكولاس كوبرنيكوس Nicolaus Copernicus (1543–1473) المتعلقة بنظامنا الشمسي الذي لا  يتجاوز حجمه مقدار حبة رمل مقارنةً بالكون الشاسع الذي تدرسه نظرية النسبية العامة. ولا  يمكن أيضًا أن يعاب على نظريات المؤامرة غياب القوانين العامة التي نراها في النظريات العلمية المعتادة، ذلك أن نظريات المؤامرة عادة ما تستخدم (وتستفيد من) التعميمات والقوانين التي تتوصل إليها علوم الاجتماع والنفس والاقتصاد وغيرها. فهي تحتوي على قوانين، حتى وإن كانت قوانينَ مستعارة (غير أصلية). وحالها في ذلك ليس أسوأ من حال نظريات الجيولوجيا وعلوم الطقس والتاريخ، التي تختص بكوكب الأرض وسكانه من البشر فقط، والتي تستعير القوانين من الكيمياء والفيزياء لتفسير ظواهر أرضية محدودة.

  1. أشكر الدكتور عزمي بشارة الذي لفت نظري في محادثة شفوية إلى ضرورة التوقف عند مفهوم "نظرية" وذلك من خلال طرحه سؤال: هل تستحق نظريات المؤامرة تسمية "نظريات"؟
  2. David Coady, An Introduction to the Philosophical Debate about Conspiracy Theories (London: Routledge, 2006), p. 2. المصدر: "Diffraction and interference, " electron6 , accessed on 12/12/2023, at: http://tinyurl.com/mrxsxw4d

مهما كان الأمر، لقد بات مصطلح "نظرية المؤامرة" مصطلحًا شائعًا لا  يمكن تنحيته جانبًا. وإذا كان يضير العلماء استخدام المصطلح في سياق الحديث عن نمط معين في التفكير، فينبغي لنا أن نتذكر أن مصطلح "نظرية" قد استُخدم ويُستخدم في الحديث عن نظريات علمية ونظريات غير علمية، ونظريات فلسفية ونظريات لاهوتية، ونظريات محدودة التطبيق ونظريات تحاول تفسير العالم بأسره، فضلًا بالطبع عن التفسيرات التآمرية موضوع جدالنا الحالي. بالعودة إلى الاقتباس الذي أوردناه في بداية هذا القسم، هناك أمران ينبغي الالتفات إليهما: يتعلق أولهما بمفهوم القدرة التفسيرية (ما تقوم به النظرية من تفسير)، في حين يتعلق الثاني بالتمييز بين القدرة التفسيرية وصواب التفسير أو خطئه. يمكن توضيح هذين الأمرين بالإشارة إلى نظريتين مشهورتين حول طبيعة الضوء. للنظريتين قدرات تفسيرية مشهود بها، ولكن المكانة الإبستيمولوجية لهاتين النظريتين موضع جدل. تقول الأولى (النظرية الجسيمية للضوء The Corpuscular Theory of Light) إن الضوء يتكون من جسيمات. تفسر هذه النظرية ما نلاحظه عند تمرير الضوء من خلال شق ضيق للغاية في حائط، بحيث يقع الضوء على سطح فوتوغرافي حساس، راسمًا تراكمًا من النقاط البيضاء كما لو أن مدفعًا رشاشًا أطلق وابلًا من الرصاص في اتجاه الشق. الشكل (1) تجربة تؤيد نظرية جسيمية الضوء

أما النظرية الثانية (النظرية الموجية للضوء The Wave Theory of Light) فتقول إن الضوء عبارة عن أمواج. تفسر هذه النظرية ما نلاحظه عند تمرير الضوء عبر شقين متقاربين في حائط، حيث يقع الضوء على سطح فوتوغرافي حساس راسمًا مجموعة من الخطوط البيضاء تتخللها "خطوط" سوداء حيث لا  يقع ضوء. شتان ما بين هاتين النتيجتين. ففي الشكل (1) تتركز المناطق المضيئة في مكان واحد (مقابل الشق)، في حين نرى أن المناطق المضيئة في الشكل (2) تتوزع على نحو مختلف.

الشكل (2) تجربة الشق المزدوج مع ضوء أحادي اللون

لكلتا هاتين النظريتين قدرات تفسيرية محددة، فكلتاهما تفسر ما تفسره وتعجز عما تعجر عن تفسيره. ولكنهما متعارضتان؛ ذلك أنه ليس هناك ما  يمكنه أن يكون موجة وجسيمًا في الوقت نفسه. وإذًا، لا بد من أن يكون الكذب نصيب إحداهما أو الاثنتين معًا. وهذا يقودنا إلى الأمر الثاني المشار إليه في الاقتباس، وهو أن النظرية نفسها لا تحدد قيمتها الإبستيمولوجية من حيث الصدق والكذب. وهذا ما يُوجب علينا التمييز بين القدرة التفسيرية التي تتمتع بها نظرية معينة وصدق تلك النظرية أو كذبها. ام ام رملأ اريسفت مدقتو لاإّاا ةيرظن نم (لاصًااأ اهدوجو ةلع وه) وأ ةقداص تايرظن كانه سيل نكلو، كاذبة بطبيعتها. ينطبق هذا تحديدًا على نظريتي الضوء المشار إليهما. ولهذا السبب نجد أن النظرية الكوانتية المعاصرة لا تزال عرضة لتفسيرات متباينة ناجمة في التحليل الأخير عن التنافر بين نظريات وفرضيات لا نجد أنفسنا قادرين على رفض أي منها أو قبولها على نحوٍ حاسم. لا  يختلف الأمر جذريًا في حالة نظريات المؤامرة؛ فهي محاولات لتفسير ظواهر تستشكل علينا فنبحث لها عن تفسير. ومن أبرز الأمثلة التوضيحية، المستقاة من خبرتنا العربية، مثالان يسوقهما صادق جلال العظم (2016–1934) في محاضرة عنوانها "الاستشراق والمؤامرة" " Orientalism and Conspiracy " نشرت عام 201112. يستشكل المثال الأول ظاهرة معينة ويطلب تفسيرًا لها: "ظاهرة" أن "الولايات المتحدة تبدو عاجزة عن رسم سياسات خارجية تتواءم مع مصالحها الحيوية في المنطقة [العربية] ومع الحد الأدنى من توقعات أصدقائها العرب وحلفائها الاستراتيجيين"، ونراها، بدلًا من ذلك وعامًا بعد عام، تقوم بفعل ما من شأنه أن يضر بتلك المصالح. يجري تفسير هذا الأمر بالإشارة إلى مؤامرة

  1. Sadiq Jalal al–Azm, "Orientalism and Conspiracy," in: Arndt Graf, Schirin Fathi & Ludwig Paul (eds.), Politics and Conspiracy Theory in the Islamic World (London: I.B. Tauris, 2011), pp. 3–28.

يهودية – صهيونية، نجحت في تشويه رؤية واشنطن لمصالحها الحقيقية في المنطقة13. أما المثال الثاني، المتعلق بهجمات 11 سبتمبر 2001، فيحاول تبرئة العرب عن طريق الحط من قدرهم، من خلال سؤال إنشائي يقول: "ومتى كان العرب قادرين على مثل هذا النوع من التخطيط الاستراتيجي، وهذه التحضيرات الطويلة الأمد، والتكتيكات الرائعة والتنسيق المحكم والتنفيذ الدقيق؟"14. هنا بالطبع تلميح إلى فرضية مؤامرة، مفادها أن جهات سرية نفذت الهجمات، ثم ألقت التهمة على العرب، مستغلة سمعتهم السيئة في الغرب. نجد هنا "فرضيات" تفسيرية تؤيدها بعض البيانات وتخالفها أخرى؛ ولذلك نعود فنقول إن النظرية في حد ذاتها لا تقول لنا شيئًا عن مكانتها الإبستيمولوجية. ظاهريا إذًا، لا تختلف نظريات المؤامرة عن غيرها من النظريات التفسيرية. ولكن من الجليّ أن هناك حكمًا إبستيمولوجيًا سلبيًا يتضمنه مصطلح "نظرية المؤامرة". وهذا، في نظر البعض، ليس من العدل في شيء. لذا نرى ديفيد كودي يسعى لتنحية الحكم السلبي جانبًا بتوكيد حقيقة أن نظرية المؤامرة "لا تعدو كونها تفسيرًا تآمريًا"، وأن التفسير التآمري "تفسير يفترض وجود عدد من الفاعلين Agents الذين يعملون سرًا من أجل تحقيق أغراض كثيرًا ما تكون شريرة"15. لا  ينمّ هذا التعريف عن أي انحياز عظيم ضد نظريات المؤامرة، ما عدا وصف الدوافع بالشريرة "على الأغلب" (ولكن ليس بالضرورة)، الأمر الذي في وسعنا تجاهله تمامًا، كما نفعل عادة عندما لا تعجبنا التوصيفات المعيارية. المهم أنه ليس هناك حكم مسبق على صدق أو كذب نظرية تفيد بوجود أناس يعملون سرًا من أجل تحقيق غايات غير معلَنة. ينطبق هذا أيضًا على تعريف نظرية المؤامرة الذي نجده عند بريان كيلي الذي يقول "إن اسم 'نظرية المؤامرة' يُطلق على أي تفسير يتم اقتراحه لحدث أو أكثر بالإشارة إلى فعالية سببية أو نشاط يقوم به عدد قليل نسبيًا من الفعلة الذين يتصرفون بطريقة سرية"16 (على خلاف كودي، لا  يصف كيلي هدف المؤامرة بالشرير). بعد طرح هذا التعريف بقليل، يمضي المؤلف إلى التمييز بين ما  يسميه "نظريات مؤامرة غير مبررة" Unwarranted Conspiracy Theories، و"نظريات مؤامرة مبررة" Warranted17Conspiracy Theories (بالطبع، تُلحق صفة "مبررة وغير مبررة" بالنظريات وليس بالمؤامرات). يفرق المؤلف بين النوعين بالإشارة إلى بعض الصفات التي تختص بها نظريات المؤامرة، من قبيل: أنها تخالف

  1. Ibid., p. 16.
  2. Ibid., p. 20. من اللافت للنظر كم هو بالغ التغيير الذي ألم بنظرة العرب إلى أنفسهم عند مقارنة هذا المثال عن نظرية المؤامرة بمثال آخر يذكره ريتشارد باركر الذي كان يعمل مستشارًا سياسيًا في السفارة الأميركية في القاهرة حينما نشبت الحرب العربية – الإسرائيلية (1967). يذكر باركر أن أحد المسؤولين الرئاسيين في مصر قال له إنه "من المستحيل أن تكون إسرائيل قد فعلت بنا كل ما فعلت بنا أمس لوحدها. لا بد أنها قد تلقت دعمًا من دول أخرى، وليس هناك من في وسعه تقديم مثل هذا الدعم سوى أنتم [الأميركيين] والبريطانيين. إذًا لا بد أنكم شاركتم في الهجوم". ينظر: Richard Parker, "The June War: Whose Conspiracy?" Journal of Palestine Studies , vol. 21, no. 4 (1992), p. 6.
  3. Coady, Introduction , p. 2.
  4. Keeley, p. 51.
  5. Ibid.

الرواية/ النظرية "الرسمية"، وأنها تنسب نيات شريرة إلى الفعلة، وأنها تجمع بين أحداث لا تبدو مترابطة18. ولكن المؤلف لا  يلبث أن يتراجع عن هذا الرأي، معتبرًا أن نظريات المؤامرة التي ارتبطت بفضيحة ووترغيت Watergate Affair19 في عهد الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون Richard Nixon (1994–1913)، وبقضية إيران – كونترا Iran–Contra Affair20 في عهد الرئيس رونالد ريغان Ronald Reagan (2004–1911)، كانت نظريات مؤامرة مبررة، على الرغم من أنها تستوفي شروط النظريات غير المبررة21. في نهاية المطاف، يُقر المؤلف بعدم وجود معيار للتمييز بصورة قبلية a priori (أي سابقة للتجربة) بين نظريات المؤامرة التي يمكن إقامة الدليل عليها وتلك التي لا  يمكن التدليل عليها22. ولكن الأمر أسوأ من ذلك بالنسبة إلى من يسعون لإلصاق صفة "غير مبررة" بجميع نظريات المؤامرة، بلا قيد أو شرط. ففي ضوء فشل الشروط التي يوردها كيلي، في التمييز بين نظريات مؤامرة مبررة ونظريات مؤامرة غير مبررة، يقترح أحد نقاده أنه من الأفضل النظر إلى شروط كيلي باعتبارها شروطًا إضافية تميز نظريات المؤامرة من النظريات التي لا توصم بهذه الصفة23. ولكننا إذا قمنا بذلك وأبقينا (كما هو متوقع) على اعترافنا بأن نظريات مثل ووترغيت وإيران – كونترا مبررة، فهذا يعني أنه لا  يمكن التمييز بين نظريات المؤامرة عمومًا وغيرها من النظريات العادية، من خلال القول إن نظريات المؤامرة تتسم بأنها غير مبررة فهي ليست دومًا كذلك. ولهذا تبعات مهمة، منها أنه لا  يحق لنا أن نجعل من مصطلح "نظرية مؤامرة" مرادفًا ل "نظرية غير عقلانية لا تستحق الاهتمام". من المؤكد أن بعض نظريات المؤامرة يتطلب منا هذا الموقف، ولكن هذا قد لا  يكون شأن كثير من نظريات المؤامرة. ثمّ إنه ليس من المفهوم: لماذا يعاب على نظرية ما محض كونها نظرية مؤامرة، مع أَّنَ تاريخ البشرية يزخر بالمؤامرات؟ يدفع هذا الأمر أحد الكتاب إلى القول إن من ينفي نظريات المؤامرة نفيًا مطلقًا ينبغي له أن ينكر جزءًا

  1. Ibid., pp. 51–52.
  2. ترجع تداعيات هذه الفضيحة إلى عام 1972 حينما تجسست مجموعة من رجال الأمن على مقر اللجنة القومية للحزب الديمقراطي في مبنى ووترغيت بواشنطن، كان تجسسهم عن طريق تركيب أجهزة تسجيل صوتي في المكتب الرئيسي للحزب. بعد التحقيقات والضغط الإعلامي، تبين أن هناك صلة بين هؤلاء الجواسيس والإدارة الرئاسية، وخصوصًا معاونين للرئيس نيكسون. توالت الأحداث والكشف عن عمليات تزوير وتلاعب بالأدلة والشهادات. وتسببت هذه الفضيحة في استقالة نيكسون لتجنب مهانة إقالته. ينظر: "فجرت فضيحة ووترغيت.. قصاصة شريط لاصق أطاحت بالرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون"، الجزيرة نت، 2022/6/16، شوهد في 2023/11/4، في: https://cutt.us/r8ZAP
  3. نشر خبر هذه الفضيحة أول مرة في صحيفة الشراعاللبنانية، وذلك في تشرين الثاني/ نوفمبر 1986. وتدور الفضيحة حول محاولة توريد أسلحة ودعم مالي سري للمتمردين المعروفين باسم "كونترا" في نيكاراغوا، الذين كانوا يحاربون الحكومة الاشتراكية فيها. جرى تمويل هذه النشاطات عن طريق بيع أسلحة لإيران على الرغم من وجود حظر على البيع لها. أدت الفضيحة إلى توجيه انتقادات حادة إلى الإدارة الأميركية؛ حيث اعتبر البعض أنها تجاوزت القوانين وأخفت نشاطاتها عن الكونغرس. جرت تحقيقات واسعة في القضية، وأدت إلى محاكمة عدد من المسؤولين الحكوميين. ينظر: "فضيحة إيران–كونترا: تسلسل زمني"، بي بي سي عربي، 2017/5/31، شوهد في 2023/11/4، في: https://cutt.us/6sDA4
  4. في وسع القارئ العربي أن يضيف المزيد من الأمثلة على "نظريات مؤامرة" قام عليها الدليل: فبركة بيانات ومعلومات عن امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل قبيل الغزو، والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وقبل ذلك اتفاقية سايكس – بيكو (1916) لتقاسم المنطقة العربية بين فرنسا وبريطانيا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.
  5. Keeley, p. 53.
  6. David Coady, "Conspiracy Theories and Official Stories," in: Coady (ed.), p. 218.

عظيمًا من تاريخ البشر المتفق عليه؛ ذلك أن جزءًا مهمًا منه هو تاريخ المؤامرات24. فما الذي يمنع نظرية مؤامرة ما أن تكون صادقة، بل أكثر من ذلك أن تكون مدعمة بأدلة قوية؟ إذا صح ما تقدم من أن نظريات المؤامرة لا تختلف عن غيرها من النظريات التي تسعى لتفسير الظواهر، وأنه لا  يضيرها في شيء كونها نظريات مؤامرة، فهذا يعني أنه يمكن دراسة هذه النظريات من خلال طرح أسئلة مشابهه لتلك التي تطرح في مجال دراسة النظريات عمومًا: من أين تتلقى النظريات الدعم؟ كيف يجري إثبات نظرية ما أو إبطالها؟ كيف نحكم على نظرية ما بأنها أقوى أو أفضل من غيرها؟ هل يمكن إثبات أي نظرية إثباتًا كاملًا أو دحضها؟ في القسم التالي من الدراسة، نناقش هذه المسائل في ضوء نموذج قابلية التكذيب Falsifiability الذي يقترن باسم كارل بوبر (1994–1902) وهذا من حسن الطالع؛ لأن بعض الباحثين (مثل ألان سوكال، وجان بريكمونت) يعتقدون أن أفكار بوبر لا تزال تحظى بشعبية أكثر من غيرها في أوساط العلماء الممارسين25، على خلاف فلاسفة العلم الذين تغيرت أفكار كثير منهم بعد صدور كتاب توماس كون (1996–1922) عن بنية الثورات العلمية عام 196226. سنرى هنا أن وضع نظريات المؤامرة، فيما  يتعلق بالتكذيب والتصديق، لا  يختلف كثيرًا عن وضع النظريات الأخرى العلمية منها وغير العلمية. وسوف نرى أن إمكانية التشبث بالنظرية في وجه الاعتراضات أمر وارد في جميع الحالات؛ مما  يؤيد القول الذي يُنسب إلى ماكس بلانك (1947–1858)، من أن النظريات لا تموت، بل إن المنادين بها ينقرضون27.

ثانيًا: النظريات وقابلية التكذيب

في النصف الأول من القرن العشرين، ساد أو على الأقل انتشر، على نطاق واسع، مذهب الوضعية المنطقية Logical Positivism الذي قال أصحابه إن معنى الأقوال يكمن في طريقة التحقق من صدقها تجريبيًا، وإن النظريات العلمية تختلف عن النظريات غير العلمية (الميتافيزيقية مثلًا) في أن الأولى على خلاف الثانية تسمح بالتحقق التجريبي. واجه هذا المعتقد صعوبات، ليس أقلها أن مبدأ التحقق المشهور Principle of Verification نفسه غير قابل للتحقق التجريبي، وأن عدد التجارب أو الخبرات التي تحتكم إليها أي نظرية علمية غير محدود، وليس هناك أي ضمانة لما قد ينجم عنها الآن أو في المستقبل غير المنظور. ولم يلبث أن خرج بعض من تتلمذوا على أيدي أعلام الوضعية المنطقية من تحت عباءة هذا المذهب. ينطبق هذا على اثنين من أشهر التلامذة: بوبر الذي كتب أطروحته للدكتوراه تحت إشراف فيلسوف الوضعية المنطقية موريس شليك Morris Schlick (1936–1882) وكان عضوًا في حلقة فيينا Vienna Circle، وكواين الذي تتلمذ على يد رودولف كارناب Rudolf Carnap (1970–1891). كلاهما ابتعد عن المذهب، ولكن كواين ذهب إلى مسافة أبعد بكثير مما ذهب إليه بوبر.

  1. Charles Pigden, "Complots of Mischief," in: Coady (ed.), p. 161.
  2. Alan Sokal & Jean Bricmont, Fashionable Nonsense: Postmodern Intellectuals Abuse of Science (New York: Picador, 1998), p. 68.
  3. Thomas Khun, Structure of Scientific Revolution (Chicago: Chicago University Press, [1962] 2012) (2(ينظر:(
  4. Max Planck, Scientific Autobiography (London: Williams & Norgate, 1950), pp. 33, 97. المصدر: من إعداد الباحث.

وفق رأي بوبر، من أجل أن تحظى نظرية باحترامنا، بوصفها نظرية علمية، ليس من المطلوب منها أن تكون قابلة للإثبات النهائي كما أوحت بذلك أقوال الوضعيين المناطقة، فهذا أصلًا غير ممكن. جل ما  يمكن أن تطمح إليه النظرية سعيدة الحظ هو أن تلقى نجاحًا بعد نجاح في مختبر التجربة، من دون أمل في الوصول إلى نقطة نهاية تتمثل في إثبات نهائي. ولكن مع ذلك هناك ما  يمكن طلبه من النظرية حتى يمكن وصفها بالعلمية: ينبغي أن تكون قابلة للتكذيب Falsifiable، أي يجب أن تفرز تلك النظرية توقعات تجريبية من المتخيل أن لا تتحقق بحيث يغدو من الممكن تكذيب النظرية28. نتوقف هنا عند حقيقة أن هناك فرقًا منطقيًا بين التجربة ذات النتيجة الإيجابية والتجربة ذات النتيجة السلبية. توفر الأولى دعمًا للنظرية كما هو متوقع، ولكن الشكل المنطقي للحجة الداعمة غير مشروع، وإذًا ليس في وسع التجربة ذات النتيجة الإيجابية أن تقدم "برهانًا" على صدق النظرية. أما التجربة ذات النتيجة السلبية فأمرها مختلف. هنا يتخذ الشكل المنطقي للحجة صورة أخرى ويوصف بأنه مشروع. وهكذا قد نظن أن التجربة ذات النتيجة السلبية تشكل نقضًا حاسمًا للنظرية (الشكل.)3 الشكل)3(البنية المنطقية للتجربة العلمية الرموز المستخدمة إذا... فإن: → ملاحظة: O فرضية: H ليس: ~ أو: v و: & فرضيات مساعدة أو افتراضات مسبقة: A1, A2, A3… التجربة ذات النتيجة الإيجابية

1. H → O 2. O 3. Therefore H

التجربة ذات النتيجة السلبية

1. H → O 2. ~O 3. Therefore ~H

التجربة ذات النتيجة السلبية بحسب أطروحة دوهيم – كواين

1. [H & (A1& A2& A3…)] → O 2. ~O 3. Therefore ~H v (~A1 v ~A2, ~A3…)

  1. Karl Popper, Logic of Scientific Discovery (London: Routledge, 2002 [1959]), pp. 17–18, 57–74.

نشر بوبر كتاب منطق الكشف العلمي الذيناقش بعض هذه الأمور عام 1935 بالألمانية، ثم ظهر في عام 1959 بالإنكليزية. في هذه الفترة، وتحديدًا في عام 1951، نشر كواين مقالة بعنوان: "عقيدتان في المذهب التجريبي"29، كانت بمنزلة المسمار الأخير في نعش الوضعية المنطقية، وفيها تجاوز كواين موقف بوبر الذي بقي مرتبطًا بعض الشيء بلغة الإثبات والإبطال التجريبي للنظريات العلمية. قال كواين ما مفاده إن إبطال النظريات على نحوٍ حاسم ليس أمرًا ممكنًا، تمامًا كما أن إثباتها على نحوٍ حاسم ليس أمرًا ممكنًا هو الآخر. نصل إلى هذه النتيجة، عبر فكرة بسيطة تقول إنه عندما نُخضع نظرية أو فرضية للتجربة فإننا في واقع الأمر نُخضع معها عددًا غير محدد من الفرضيات والنظريات والافتراضات المسبقة، بما فيها نظرياتنا العلمية الأخرى، بل المنطق والرياضيات أيضًا. وإذًا يكون شكل التجربة ذات النتيجة السالبة كما في الجزء الأخير من الشكل (3)، وليس الجزء الثاني كما اعتقد بوبر وأنصاره. وهذا يعني أنه في حالة التجربة ذات النتيجة السلبية لدينا خيار: فإما أن نرفض النظرية H) (موضع الاختبار أو أن نرفض أي عدد من الفرضيات أو النظريات أو الافتراضات المسبقة المرافقة A1, A2, A3…) (. ويذهب كواين إلى حد القول إنه ليس في وسع أي إقرار Statement أن يحمل معناه الخاص به (على خلاف ما قال به الوضعيون المنطقيون) بل إن العلم برمته هو وحدة المعنى. يقول كواين: "لا تواجه الإقرارات حول العالم الخارجي محكمة الخبرة الحسية فرادى، بل في شكل جسم ضخم [...] وحين ننظر إلى العلم في مجمله، نجد أنه يرتهن على نحوٍ مزدوج للغة والخبرة؛ لكن هذه الازدواجية ليست قابلة لأن تُقفى بصفة معتبرة إلى إقرارات العلم واحدًا واحدًا [...] غير أن ما أجادل به الآن هو أنه حتى في حال اعتبار الإقرار وحدة فإننا نطحن غلّتنا أكثر مما  يجب. ذلك أن وحدة المغزى الإمبريقي هي العلم برمته"30. وهكذا ينجم عن أطروحة كواين31 أنه إذا فشلت نظرية في الاختبار، فإن في وسعنا التمسك بها من خلال القيام بتغييرات في أماكن مختلفة من "العلم برمته" (في نظرياتنا وحقائقنا المفترضة)، عن طريق "إعادة توزيع القيم الصدقية" Redistribution of Truth Values على الإقرارات التي يتألف منها العلم32. من هذا المنطلق، يمكن فهم مطلب بعض العلماء إجراء تعديلات في علم المنطق من أجل التغلب على بعض المصاعب المتعلقة بتفسيرنا لنظرية الميكانيكا الكوانتية33.

  1. ينظر 2:(W.V.O. Quine, "Two Dogmas of Empiricism," in: From a Logical Point of View , 2 nd ed. (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1980 [1953]).
  2. Ibid., p. 42.
  3. تعرف هذه الأطروحة الآن أكثر باسم "أطروحة دوهيم – كواين" مع أن دوهيم سبق كواين إلى القول باستحالة اختبار نظريات بمعزل عن فرضيات مساعدة وافتراضات مسبقة. ينظر: Pierre Duhem, The Aim and Structure of Physical Theory (Princeton: Princeton University Press, 1982).
  4. Quine, p. 42.
  5. Ibid., p. 43 إذا كان هناك أكثر من طريقة واحدة لإعادة توزيع قيم الصدق من أجل إنقاذ نظرية ما، فسيكون هناك عدة نظريات تفسر الظاهرة نفسها أو النطاق من الظواهر نفسه. هذا ما  يدعى التفريط في التحدد (أي تحدد النظريات) Underdetermination of Theory. (by data)

والأمثلة التي توضح هذه المزاعم كثيرة نقدم اثنين منها. أجريت تجربة مايكلسون – مورليُ The Michelson Morely Experiment عام 1887 بغرض التحقق من وجود الأثير، الذي كان يفترض أنه الوسط الذي تسافر فيه أمواج الضوء كما تسافر الموجات المائية في الماء أو الأمواج الصوتية في الهواء. توقع العلماء أن يلحظوا تغيرًا في سرعة الضوء عندما  يجري قياس السرعة في زمنين مختلفين: وقت سفر الأرض في اتجاه مماثل لسير الأثير ووقت سفرها في اتجاه يتقاطع مع خط سير الأثير، كحال الشخص الذي يسبح في النهر بسرعتين، مرة عندما  يسبح مع التيار ومرة عندما  يحاول أن يقطع النهر من ضفة إلى أخرى. فشل العلماء في تسجيل أي اختلاف في سرعة الضوء في كلا الوضعين. قالوا: لو كان الأثير موجودًا H) (لاختلفت سرعة الضوء في الاتجاهين O) (. ولكن بما أنها لم تختلف O) ~(، نستنتج أن الأثير غير موجود H) ~(هذه هي البنية المنطقية للحجة ذات النتيجة السالبة (الشكل.)2 ولكن هل كان هذا كافيًا لرفض نظرية وجود الأثير؟ كلا. قيل حينها إن ما علينا التخلي عنه ليس فرضية وجود الأثير، بل افتراضنا المسبق أن الأرض لا تجر الأثير معها أثناء دورانها حول الشمس تمامًا كما تفعل في حالة الغلاف الجوي. بعبارة أخرى، ما جرى اختباره في تجربة مايكلسون – مورلي لم يكن فقط فرضية وجود الأثير بل أيضًا فرضية أن الأرض لا تجر الأثير معها أثناء حركتها حول الشمس. وإذًا تضعنا نتيجة التجربة السالبة بين خيارين، فإما أن نرفض القول بوجود الأثير وإما أن نرفض القول بأن الأرض لا تجر الأثير معها. وهذا أبعد ما  يكون عن القول بأن التجربة ذات النتيجة السالبة تبرهن على نحوٍ حاسم على بطلان النظرية موضوع الاختبار. وكمثل آخر: في وسعنا النظر في الصعوبات التي واجهت نظرية الفلوجستون الحرارية Phlogiston Theory التي قال أنصارها إن الاحتراق لا  يعدو كونه تحريرًا للعنصر الناري (الفلوجستون) في الأجسام القابلة للاحتراق. تتمثل إحدى الصعوبات في حقيقة أنّ بعض المعادن يزيد وزن ما  يتبقى منها بعد الاحتراق، مع أنه من المفترض أن يقل الوزن بسبب خسارتها لعنصر الفلوجستون نتيجة الاحتراق. أضف إلى ذلك توقف عملية الاحتراق في الأماكن المغلقة، على الرغم من وجود الحرارة ووجود الفلوجستون في المادة القابلة للاحتراق. قال البعض دفاعًا عن النظرية إن الفلوجستون ذو كتلة سالبة، وقال آخرون إنّ المادة المتبقية بعد الاحتراق تعيد امتصاص بعض الأجزاء من الهواء المحيط. والبعض ذهب إلى القول إنه ينبغي التفكير في الفلوجستون بصفته مبدأ وليس عنصرًا، مهما كان معنى هذا الكلام. مرة أخرى نجد أن المجال مفتوح للتشبث بالنظرية، من خلال تكذيب افتراضاتنا المسبقة، أو إعادة ترتيب حقائقنا وتفسير معتقداتنا. هكذا الحال في نظريات المؤامرة أيضًا؛ الأمر الذي يفسر ما عُرف عنها منذ أمد طويل، وهي أنها غير قابلة للدحض. سنكتفي هنا بتقديم مثال واحد بسبب ضيق المجال، وبسبب حاجتنا إلى الدخول في التفاصيل. وقد اخترنا نظرية مؤامرة متعلقة بحرب حزيران/  يونيو 1967، ذلك أنها تقدم مث لًا تتوافر حوله كثير من التفاصيل، إضافة إلى كونه معروفًا للجميع ويسهل التفكير فيه بما  يخدم أغراضنا. لنتذكر قبل الشروع في تفحص هذه النظرية ما سبق إيراده من أن وصف

نظرية ما بصفة "المؤامرة" لا  يعني نفي إمكانية الصدق عنها. ولنتذكر أيضًا أن هدفنا ليس إعادة كتابة تاريخ هزيمة حزيران/  يونيو، بل مناقشة فلسفية لمفهوم نظرية المؤامرة. النظرية المعنية هي إحدى النظريات حول حرب عام 1967، والتي صاغها محمد حسنين هيكل (2016–1923). يعرض دبلوماسي أميركي سابق، اسمه ريتشارد باركر (1893–1810)، الذي كان يشغل منصب مستشار سياسي في السفارة الأميركية في القاهرة عام 1967، نظرية هيكل على الوجه التالي: جريًا على عادة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA – التي تحدد السياسة الأميركية الخارجية وفق هيكل – في محاربة النظم الثورية والتقدمية التي تقف في وجه الهيمنة الأميركية على المنطقة، رسمت الوكالة خطة للنيل من نظام جمال عبد الناصر (1970–1918) في مصر، وذلك عن طريق جره إلى حرب مع إسرائيل. أشيع وقتها على نطاق واسع أن إسرائيل حشدت قوات كبيرة استعدادًا للهجوم على سورية التي كانت قد ارتبطت مع مصر بحلف دفاعي عام 1966، وبذلك أجبرت مصر سياسيًا على إرسال قواتها المسلحة إلى شبه جزيرة سيناء. ثم قامت الولايات المتحدة بعملية تضليل إعلامي كبيرة، وأوهمت مصر والعالم بأنها ستكبح جماح إسرائيل. قادت هذه التطمينات الأميركية، التي اشتركت فيها الأمم المتحدة أيضًا، عبد الناصر إلى اتخاذ قرار بعدم المبادرة إلى شن بالحرب. وحينما هاجمت إسرائيل القوات المصرية في 5 حزيران/  يونيو 1967، قامت واشنطن بتزويد إسرائيل بالمعلومات الاستخبارية عن طريق سفينة التجسس المشهورة Liberty كما تولّت حماية الأجواء الإسرائيلية، فاسحة بذلك المجال لسلاح الجو الإسرائيلي للتفرغ لمهاجمة القوات المصرية34. فضلًا عن هذه النظرية، يقدم باركر ثلاث نظريات إضافية تنسب واحدة منها التآمر إلى الاتحاد السوفياتي وأخرى تنسب التآمر إلى سورية وثالثة إلى سورية والاتحاد السوفياتي. ويقول باركر إن "كل هذه الفرضيات Hypotheses ممكنة"35. لا لزوم لتقديم التفسير اللاتآمري الذي يفضله باركر، ولكن لا بد لنا من ذكر البينات المضادة التي يزعم باركر أنها تبطل نظرية هيكل: 1. يورد باركر أقولًا مطولة على لسان الرئيس الأميركي آنذاك، ليندون بينز جونسون Lyndon B. Johnson (1973–1908)، يعبر فيها عن رغبته في علاقات صداقة مع مصر، ويدعو إلى إعادة القوات إلى المواقع التي كانت تتمركز فيها قبل توتر الموقف، ويعبر عن رغبته في حل المسائل سلميًا. ثم يقول باركر إن مصر رحبت بهذه التصريحات، ووعدت بأن لا تكون هي البادئة بإطلاق النار. وينسب باركر هنا شيئًا من سوء النية إلى مصر قائلًا إن هذا الموقف المصري المُرحب بالحلول السلمية جاء عقب إغلاق مضائق تيران، الأمر الذي اُعتبر وقتها إعلانًا للحرب36. ما الذي يمكن قوله في معرض الدفاع عن نظرية هيكل؟ يمكن القول إن التصريحات الأميركية لا  يعتد بها لأنها

  1. Parker, pp. 9–10.
  2. Ibid., p. 21.
  3. Ibid., p. 10.

كانت جزءًا من الحملة التضليلية الهادفة إلى وضع مصر في حالة استرخاء عسكري. وأما إغلاق المضائق فهو لا  يدل على نية مسبقة لشن حرب، بل هو ما كان يجب فعله من أجل إظهار جدية الموقف المصري تجاه تهديد إسرائيل لحليف تربطها به معاهدة دفاعية. 2. البينة المضادة الثانية التي يوردها باركر تتمثل في عدم وجود تعزيزات عسكرية إسرائيلية على الحدود السورية. يدعم هذا قول الجنرال المصري محمد فوزي لدى عودته من سورية: إن السوريين لا  يبدون كمن هو على وشك التعرض لهجوم. بالتزامن مع ذلك كان هناك شكاوى من مسؤولين سوريين رسميين لجهات أممية عن احتمال تعرض سورية لهجوم إسرائيلي وشيك37. دفاعًا عن نظرية هيكل هنا، يمكن القول إن غياب التعزيزات الإسرائيلية لا  يلقي بالضرورة ظلالًا من الشك على النظرية. الأمر المهم في النهاية هو الأثر الذي أحدثه الوضع السوري والحملات الإعلامية والتقارير الاستخباراتية على عبد الناصر الذي كان يُدفع به تدريجيًا إلى الوقوع في الشرك الأميركي. وربما لم تكن سورية خالية الطرف كليًا من المسؤولية عن الَّشرَك الذي دُفعت مصر إليه. فقد كانت سورية وقتها تشهد صراعات داخلية، وربما لم يكن ليضير حزب البعث العربي الاشتراكي المعارض حينذاك أن تخسر سورية مواجهةً مع إسرائيل لكي يتبين إفلاس نظام الحكم القائم، وليتسنى لحزب البعث تسلم مقاليد الحكم كما حصل فعلًا بعد نهاية الحرب38. 3. هناك أخيرًا حادثة سفينة التجسس Liberty التي هاجمتها إسرائيل جوًا وبحرًا طوال يومين. لا  يورد باركر هذا الاعتراض الممكن، ولكنّ مؤلفًا آخر هو ماثيو غري يوليه كثيرًا من الاهتمام39. كيف يُقال إن هذه السفينة كانت تتجسس لصالح إسرائيل، في حين أن إسرائيل هاجمتها؟ هل يعقل أن تهاجم دولة حليفًا لها؟ هناك أكثر من رد يمكن أن يتوافق مع نظرية هيكل. يمكن القول (وهنا نذهب في اتجاه نظرية مؤامرة فرعية) إنه كان لإسرائيل مخططات مختلفة جزئيًا عن المخططات الأميركية، وإن تلك المخططات اقتضت إبعاد السفينة عن مسرح العمليات. قيل وقتها إن إسرائيل لم تكن تريد أن تعرف الولايات المتحدة عن نيات إسرائيل مهاجمة سورية في اليوم التالي. كما  يمكن القول إن الهجوم الإسرائيلي على السفينة لم يكن مقصودًا وإنه حدث نتيجة خطأ بشري، الأمر الذي يحدث كثيرًا في الحروب حين يتعرض الحلفاء ل "نيران صديقة". لنرَ الآن، بلغة المنطق التي استُخدِمت فيما سبق، كيفية تعامل نظرية هيكل مع "بعض" هذه المعطيات التي يزعم خصوم النظرية أنها تتناقض معها. لنأخذ المعطى المتعلق بتصريحات المسؤولين الأميركيين والأمميين. تقوم حجة الخصوم على افتراضٍ مفاده أن المسؤولين الأميركيين المعنيين لم يكونوا ليقولوا ما قالوه، لو أن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا تنويان جر مصر إلى الحرب. ولكن لن يسمح أي مناصر لنظرية هيكل على درجة متواضعة من الذكاء، لهذا المعطى، أن يتحول إلى ما سميناه تجربة ذات نتيجة سلبية. سيقول إن ما جرى اختباره فعليًا هو نظرية هيكل H) (إضافة إلى فرضية تقول إن

  1. Ibid., p. 13
  2. Gray, p. 60.
  3. Ibid.

المسؤولين الأميركيين يقولون الصدق عندما  يتحدثون عن السياسية الخارجية A1) (. من هنا سوف نرفض A1)(ونتمسك ب H)(. قد يرد الخصوم بأن هذا لا  ينطبق على المسؤولين الأمميين، ولكن في المقابل يمكن القول إن هذا يفترض أنه ليس في وسع هؤلاء أن يقعوا ضحية للتضليل الأميركي كما حصل لمصر نفسها. إذًا، نرفض هذا الافتراض وتبقى نظرية هيكل قائمةً. أما المعطى المتعلق بسفينة التجسس، فهو أيضًا يقوم على افتراض واحد على الأقل، يمكن أن يرفضه أنصار نظرية هيكل. هناك مثلًا افتراض A1) (بأن الإسرائيليين لم يكن لديهم خطط إضافية اقتضت مهاجمة السفينة، أو أنه لم يكن في وسعهم اقتراف أخطاء بشرية أثناء الحرب A2) (، أو أن إسرائيل لم يكن لديها نية لكي توهم العالم أنها تخوض حربًا من دون مساعدة الولايات المتحدة A3) (. يمكن رفض أي من هذه الافتراضات، مع الإبقاء على صدق النظرية. ما نقوم به هنا، وبعبارة كواين المشهورة، هو أننا نعيد توزيع قيم الصدق على معتقداتنا وفرضياتنا وأفكارنا المسبقة بطريقة تحافظ على النظرية التي نود التمسك بها. يمكن تخيل معالجات مشابهة لبينات مضادة أخرى يسوقها باركر وغيره. ما  يخلص إليه كواين في تحليله للعلاقة بين النظريات وعالم البينات هو التالي (لاحظ أن نظرية هيكل تقع في مكان ما بين "أكثر الأمور عرضية" و"أعظم قوانين الفيزياء الذرية أو الرياضيات البحتة"): "إن مجموع ما  يدعي معرفتنا أو معتقداتنا بدءًا من أكثر الأمور عرضية في الجغرافيا والتاريخ وارتقاء إلى أعظم قوانين الفيزياء الذرية أو الرياضيات البحتة، هو من صنع الإنسان وإنشائه، وهو لا  يمس الخبرة Experience إلا عند الأطراف. أو نقول، مع تغيير الصورة، إن العلم كله مثل حقل قوة حدوده الخبرة، وإن أي ارتطام بالخبرة عند محيطها الخارجي يسبب القيام بتعديلات في داخل الحقل. ويجب عندئذ إعادة توزيع قيم الصدق على بعض قضايانا. كما أن إعادة تقييم بعض القضايا يلزم عنه إعادة تقييم قضايا أخرى بسبب الروابط المنطقية المتبادلة بين هذه القضايا"40.

ثالثًا: ماذا نصنع بنظريات المؤامرة إذًا؟

ماذا نصنع بنظريات المؤامرة إذًا؟ يميل بعض الكتاب إلى القول إنه علينا رفض جميع النظريات من هذا النوع بلا تردد، في حين يميل آخرون إلى القول إنه علينا فحص النظريات حالة بحالة، واتخاذ موقف حذر حيال كل نظرية تُعرض علينا، إلى حين دراستها موضوعيًا وتحديد إن كانت قابلة للأخذ على محمل الجد في ضوء ما  يتوافر من الأدلة. ومثلًا على الموقف الذي يبدو أنه يرفض من حيث المبدأ التعامل مع نظريات المؤامرة، نورد هنا ما قاله جلال العظم جوابًا عن سؤال: "ماذا نصنع بنظريات المؤامرة؟". ينصحنا الكاتب باستخدام "تكتيك" معين يقول إنه يستخدمه شخصيًا في مواجهه أصحاب نظرية المؤامرة:

  1. Quine, p. 42.

"كما هو معروف فإن النظريات والتفسيرات التآمرية بطبيعتها [...] غير قابلة للدحض. لذا فإن الطريقة المفضلة لدي لمحاربة هذه النظريات تتمثل في صياغة نظرية في مُنتهى السخف والعبثية [...]، ثم أطلب من مؤيدي نظرية المؤامرة دحضها. على سبيل المثال، أتصنع الدراية المتفوقة في الموضوع، ثم أزعم بثقة ودونما حجة أن الانتفاضة الفلسطينية هي نتيجة مؤامرة سرية وتحالف بين قادة فلسطينيين وإسرائيليين، بهدف تدمير مقاومة الشعب الفلسطيني، تنفيذًا لخطة صهيونية استعمارية استشراقية"41. نستشف من هذا القول أن جلال العظم ينتمي إلى رهط بوبر، إذا كان فعلًا يريد أن يجعل من قابلية الدحض شرطًا لأخذ النظريات على محمل الجد. له أن يفعل ذلك بالتأكيد، على أن يسوي خلافاته مع جيل أو جيلين من الفلاسفة الذين جاؤوا من بعد بوبر وخالفوه في ذلك. ولكن المسألة الأهم في نظرنا هي أن مثل هذا الرد لا  يشكل اشتباكًا حقيقيًا مع نظرية المؤامرة. قد يعجز صاحب نظرية المؤامرة عن دحض نظرية العظم، مثلما  يعجز هذا الأخير عن دحض نظرية المؤامرة. ولكن ما الذي نجنيه من وراء سجالات كهذه؟ نجد أنفسنا إزاء نظريتين كلتاهما غير قابلة للدحض. ولكن هذا لا  يعني أن كلتيهما على الدرجة نفسها من اللامعقولية. لو كان الأمر هكذا، لاستوت نظريات العظم العبثية التي يواجه خصومه بها مع نظريات أينشتاين في النسبية العامة، ونظريات أفلاطون أو كارل ماركس، فجميعها غير قابلة للدحض. لسنا مضطرين إلى اتباع منهج العظم، فهناك عدد من الكتاب الذين نجحوا في الاشتباك مع نظريات المؤامرة وانتهى بهم الأمر إلى التشكيك في صدقيتها على وجه العموم من دون القول ببطلان كل نظرية مؤامرة قيل بها. يدرك هؤلاء الكتاب أن نظريات المؤامرة غير قابلة للدحض الحاسم، ولكنهم لا  يعيبون عليها هذا بقدر ما  يعيبون عليها طريقة تعاملها مع البينات المضادة (كما سوف نبين في الحال)، والنتائج التي تترتب على تلك الطريقة في التعامل مع البينات. يقول أحد الكتاب، بشأن الأمر الأول، إنه على حد علمه "لا نظرية ما عدا نظريات المؤامرة تقوم باستيعاب البينات التي يبدو أنها تناقضها وتحولها إلى بينات مؤيدة لها"42. مثلًا، إذا ذُكر في معرض نقد نظرية هيكل أن مهاجمة إسرائيل للسفينة الأميركية تدل على أن وجود الأميركيين في ذلك الموقع لم يكن منسقًا كما تتطلب نظرية هيكل، قيل لنا إن وجودها كان منسقًا ولكن كان لإسرائيل مخططات إضافية غير محاربة مصر أرادت أن تخفيها عن الولايات المتحدة، وقد هاجمت السفينة لكي تمنعها من التجسس على إسرائيل نفسها بعد أن أنهت عملية التجسس على مصر. بهذه الطريقة تتحول المعلومة التي كنا نظن أنها تتناقض مع النظرية إلى جزء من نسيج النظرية نفسها. هناك ثمن يترتب على استيعاب البينات المناقضة بهذه الطريقة، وهو أن النظرية تزداد تعقيدًا. فإضافة إلى مؤامرة كل من إسرائيل والولايات المتحدة على مصر، نجد الآن أنفسنا إزاء مؤامرة إسرائيلية فرعية لا تريد إسرائيل أن تعرف واشنطن بها، إضافة إلى مؤامرة تتمثل في تجسس الولايات المتحدة على

  1. Al–Azm, p. 23.
  2. Keeley, p. 53.

إسرائيل، من خلال جمع معلومات عنها من دون موافقتها. لا بأس إن ذكرتنا هذه التعقيدات الداخلية بما قام به أنصار نظرية بطليموس، أي نظرية مركزية الأرض في النظام الشمسي، حينما أضافوا أفلاكًا فرعية لدوران الأجسام السماوية حول الأرض، وذلك من أجل تفسير عدم الانتظام الملحوظ في حركة تلك الأجسام في السماء. ليس التعقيد الحاصل نتيجة إضافة مؤامرات فرعية هو الثمن الوحيد المترتب على طريقة استيعاب البينات المضادة، بل إن هناك ثمنًا آخر، يتمثل في توسيع نطاق المؤامرة. قيل مثلًا إن جائحة كورونا نجمت عن قيام شركات الأدوية بإنتاج فيروس كورونا ونشره على نطاق واسع بهدف جني الأرباح الطائلة، من جراء تطوير المطاعيم وبيعها. فإذا سألنا أنصار نظرية المؤامرة: أكان يعقل أن لا  يكتشف (ثم يكشف) هذا الأمر آلاف الأطباء الذين يعملون أو يتعاملون مع شركات الأدوية في جوانب الرعاية الصحية كافة؟ قال أصحاب نظرية المؤامرة إن المهنة الطبية لم تكن بمنأى عن هذه المؤامرة، والتي لم يكن لها لتنجح لولا مشاركة الأطباء. هنا نشهد توسعًا في نطاق المؤامرة، بحيث لا  يشمل نطاقها شركات الأدوية فحسب، بل المهنة الطبية أيضًا. وقد يذهب بنا الأمر إلى أبعد من هذا بكثير، كما حدث بالفعل في الولايات المتحدة، حين انقسمت وسائل الإعلام بين وسائل حاربت أنصار نظرية "مؤامرة كورونا" من دعاة مقاطعة حملات التطعيم، في حين ناصرتهم وسائل إعلام أخرى. تشكك عدد كبير من الناس في ذلك الوقت في صدقية وسائل الإعلام الرسمي والخاص. ولا شك في أن أنصار نظرية مؤامرة كورونا من المتشككين في أخبار الإعلام الرسمي والخاص وتحليلاته قد نظروا إلى وسائل الإعلام بصفتها شريكة في المؤامرة. من الواضح إذًا أن في وسع النمط التآمري في التفكير أن يطلب منا الشك في المؤسسات العامة والخاصة التي ترفدنا بالمعلومات، مثل الصحف ومؤسسات الأبحاث والجماعات العلمية المنظمة مثل الجامعات، والجمعيات العلمية. ينجم عن هذا ارتيابية عامة تنطلق من التوسيع التدريجي في نطاق المؤامرة تحت ضغط البينات المناقضة. وهذا ما دعا بعض الكتاب إلى رفض نظريات المؤامرة في المجمل. يقول أحدهم: "لا تكمن مشكلة نظريات المؤامرة غير المبررة في عدم قابليتها للدحض، بل في تزايد درجة الريبية التي تتطلبها هذه النظريات حين يمر الوقت ولا تُطرح أمامنا أدلة إيجابية على صدق النظريات. مثل هذه النظريات تجعلنا نشك في المؤسسات المختلفة التي عَهدنا إليها بالحصول على البينات والمعطيات التي يمكن الوثوق بها [...]. هذه الارتيابية الشاملة التي تتضمنها نظريات المؤامرة المتطورة، والتي تطال الناس والمؤسسات العامة، هي ما يُسوغ لنا في نهاية المطاف تصنيف تلك النظريات بأنها نظريات غير مبررة"43. يؤدي الضغط الناجم عن سوء التعامل مع البينات المناقضة إلى تعقيد نظريات المؤامرات وإلى توسعها، بحيث تتحول إلى نوع من الارتيابية الشاملة. ولكنّ هناك عيبًا آخر يتمثل في غياب البينات

  1. Ibid., pp. 7–56.

الجديدة المؤيدة لنظريات المؤامرة في أغلب الأحيان. وليس هذا الحال في جميع نظريات المؤامرة؛ ذلك أن بعضها يُفرز توقعات تجريبية يجري التحقق من صحتها الآن أو في فترة لاحقة. مثل ذلك ما  يقوله أحد الكتاب عن المؤامرة التي عُرفت بفضيحة ووترغيت Watergate Scandal حينما حاولت إدارة الرئيس نيكسون التستر على عملية سطو لمقر الحزب الديمقراطي في العاصمة واشنطن، بغرض التجسس والتخريب. يقول ذلك الكاتب إن الصحافيَين المحققَين كارل بيرنشتاين Carl Bernstein وبوب وودوارد Bob Woodward اللذين تولّيَا التحقيق في تورط إدارة نيكسون في عملية التستر، قَّدَما نظرية مؤامرة قادت إلى "توقعات معقولة حول تواطؤ عدد من الشخصيات في المؤامرة، وتنبّأت ببعض الأمور حول ما قام به المتآمرون، والتي تبين صدقها في أحيان كثيرة لاحقًا"44. ولكن في أحيان كثيرة أخرى، وبل ربما في أغلب الأحيان، لا تفرز نظريات المؤامرة أي تنبؤات تجريبية جديدة، بل تكتفي باستيعاب البينات المُعلن عنها والمعروفة للجميع (مثل وجود الفيروس وانتشاره، وحملات التطعيم وما إلى ذلك في حالة مؤامرة كورونا). وقد تضيف إليها بعض المعلومات التي لم تُستوعَب في النظرية الرسمية، أو التي لا  يذكرها المحققون الرسميون (وكيف لهم وهم جزء من المؤامرة؟). على سبيل المثال، وبالإشارة إلى "مؤامرات" أخرى، قد يجري التقاط (استيعاب) بعض البينات "الشاردة" Errant Data45 التي لا تفسرها النظريات الرسمية، كحقيقة أنه لم يكن هناك يهود في برجي مركز التجارة العالمي وقت هجمات أحداث 11 سبتمبر 2001، أو أنه لم يكن هناك عملاء فدراليون من مكتب التحقيقات الفدرالي FBI في المبنى الذي جرى تفجيره في مدينة أوكلاهوما عام 1995، ويجري اعتبار هذه بينات تشير إلى صدق النظريات التي تقول بتورط اليهود أو الحكومة الأميركية في هذه المؤامرات46. مثل هذا التكتيك لا  يجدي نفعًا؛ ذلك أن التقاط نظرية معينة لبعض الحقائق التي لا تفسرها النظريات المنافسة لا  يكفي لحسم الموضوع. فكما قال أحد الكتاب: ليس هناك نظرية في وسعها أن تفسر كل شي، ولا مفر من أن تفلت الكثير من الحقائق من براثن أي نظرية47. فمثلًا، كيف تفسر نظرية المؤامرة عدم وجود ألمان أو روس أو غانيين في مبنى التجارة العالمي؟ إذًا، لا بد من وجود سند تجريبي للنظرية يتعدى الحقائق المعروفة، كأن تتنبأ النظرية بحقيقة غير معروفة يجري اكتشافها أو التحقق منها لاحقًا، كما  يحصل في حالات النظريات العلمية.

  1. Steve Clarke, "Conspiracy Theories and Conspiracy Theorizing," in: Coady (ed.), p. 81.
  2. يقصد بالبينات الشاردة حقائق تقع خارج نطاق التفسيرات التي تقدمها نظرية معينة. قد تكون البينات الشاردة قاتلة بالنسبة إلى نظرية ما كما كان الحال في "بينة" عدم انتظام حركة الكواكب في النظام البطليموسي، وقد لا  يكون فيها نفع أو ضرر، كما هي الحال في حركة نبات عباد الشمس بالنسبة إلى النظرية الماركسية.
  3. Keeley, pp. 52–53. من ناحية أخرى، قد تكون نظريات المؤامرة معذورة بعض الشيء في ندرة بيناتها؛ ذلك لأن الموضوع الذي تسعى نظرية المؤامرة لفضحه هو بموجب التعريف سري، وأصحابه يبذلون كل جهد لإخفاء الأدلة التي تكشف عن ذلك السر. وكما قال أحد الكتاب، يشبه الوضع هنا وضع علماء يبحثون عن جسيمات دقيقة لا ترى بالعين المجردة إضافة إلى كونها تبذل قصارى جهدها لإخفاء نفسها عنا. ينظر: Ibid., p. 54. قد تتنبأ نظرية مؤامرة بوجود اتصالات مسجلة بين فلان وفلان، فيسارع المتآمرون إلى محو التسجيلات قبل أن يشرع أحد في التحقيق.
  4. Ibid.

أعاد فيلسوف العلم إمري لاكاتوش (1974–1922) في سبعينيات القرن العشرين تعريف مفهوم "نظرية علمية"، بطريقة قد تساعدنا في القيام بمفاضلة بين نظريات المؤامرة وغيرها من النظريات. يرتبط تعريف لاكاتوش بما قلناه للتو عن إمكانية أو عدم امكانية التنبؤ بحقائق غير معروفة يجري اكتشافها لاحقًا. يقول لاكاتوش إن نظرية ما تكون "مقبولة أو علمية، فقط في حالة حيازتها محتوى تجريبيًا مُؤَِّيِدًا [جرى التحقق منه] يزيد على المحتوى التجريبي للنظريات السابقة [...] أو المنافسة [...]، أي فقط في حالة أن النظرية تقودنا إلى اكتشاف حقائق جديدة"48. إذًا، إن لم تفسر نظرية المؤامرة حقائق أكثر من النظرية العادية، أي إذا لم تتفوق في محتواها على النظريات المنافسة، فليس هناك ما  يبرر القبول بها أو تفضيلها على غيرها. قد لا نعدل كثيرًا في حق نظريات المؤامرة عندما نقارنها بالنظريات العلمية. فهي أولًا ليست نظريات في مجال العلوم الطبيعية، بل في مجال العلوم الاجتماعية التي طالما قيل إنها غير تنبئية Predictive في الأساس بقدر ما هي تفسيرية Interpretive. من هذه الناحية تحتل نظريات المؤامرة مقعدًا مريحًا بين النظريات الاجتماعية، ذلك أن التفسير هو إحدى ميزاتها، إن لم يكن ميزتها الرئيسة. ولكنها أيضًا مختلفة بعض الشيء، ذلك أنها تحتوي على عنصر تجريبي قوي. فهي بمحض تعريفها تتعلق بأحداث قابلة للمشاهدة وذات تبعات قابلة للملاحظة، يعرفها تجريبيًا بعض الناس مباشرة، تحديدًا المتآمرون أنفسهم. لذلك يجب أن لا  يكون من الصعب علينا أن نجد مؤشرات توحي أو تدل على وجود المؤامرة. وكلما كانت المؤامرة "كبيرة" كحالة مؤامرة كورونا، فإنا نتوقع أن يخرج علينا بعض من لديهم دلائل قوية على وجودها. مثلًا من الممكن أن يشق بعض المتآمرين الصف ويخرجوا من المؤامرة حاملين معهم ما  يكفي من الأدلة للبرهنة على وجودها. ومن المتوقع أيضًا أن تكشف وسائل الإعلام شيئًا ما؛ فوسائل الإعلام كثيرة وهي في حالة تنافس دائم على السبق الإعلامي. أما أن نقول إن المتآمرين حاذقون إلى درجة يصعب تصديقها، أو أن نقول إن وسائل الإعلام والمحققين الرسميين والخاصين هم جميعًا شركاء في المؤامرة، فهذا النوع من الردود ممكن، ولكنه لا  يحقق نتيجة أكثر من المحافظة على حياة النظرية. لهذه الأسباب، يمكن القول إن نظريات المؤامرة عمومًا لا تتسم بدرجة عالية من الصدقية، وإن بعض الاعتبارات تتطلب منا أن نقف منها موقف الحذر والتردد. ولا  يعني هذا في ذاته تكذيب نظريات المؤامرة كافة، بل تفحصها واختبارها لمعرفة إن كانت تفسر كل ما  ينبغي تفسيره، ثم إن كانت تتفوق على النظريات الأخرى من خلال التوقعات التجريبية التي تصدر عنها والتي يمكن التحقق منها. عندئذ يمكننا أن نفاضل بينها فنختار النظرية "المثمرة" أكثر؛ أي النظرية التي تقود إلى نجاحات أكبر في التعامل مع المعطيات التجريبية.

  1. Imre Lakatos, The Methodology of Scientific Research Programmes (Philosophical Papers Volume I), John Worrall & Gregory Currie (eds.) (Cambridge: Cambridge University Press, 1978), p. 31.

خاتمة

هناك انطباع سائد مفاده أن تفسير الأحداث بالإشارة إلى مقاربة تآمرية هو أمر دارج في الثقافة السياسية العربية أكثر من غيرها. يتذكر كاتب هذه السطور أنه قرأ قبل ما  يزيد على عشرين عامًا "رسالة إلى المحرر" بقلم صحافي مشهور، ينصح فيها الرئيس الأميركي الجديد وقتها قائلًا ما مفاده أنه يجب على الرئيس أن يدرك أنّ الناس في الشرق الأوسط لا  يفهمون أي شي إّلا إذا جرى تقديمه لهم بصيغة نظرية مؤامرة49. قد نقول إن هذه نظرة استشراقية يجب رفضها، وإن الناس في مختلف أرجاء العالم المتقدم منه وغير المتقدم ينهمكون في نسج نظريات المؤامرة على الدوام. وقد نقول إن ميل العرب إلى تصديق نظريات المؤامرة أمر مفهوم لأنهم في العصر الحديث قد وقعوا ضحية مؤامرات حقيقية أكثر من غيرهم، ليس فقط بصفتهم شعوبًا، بل أيضًا بصفتهم أفرادًا تحكمهم أنظمة مستبدة، تجيد صنعة تلفيق التهم والتآمر على المعارضين. مهما كان التفسير، يجدر بنا أن نكون معنيين بشأن نظرية المؤامرة. وفي الوقت الذي لا نريد أن نغمض أعيننا عن حقيقة أن التآمر شيء حقيقي على مختلف صعُد الحياة، فإنه مع ذلك علينا أن لا نستسهل تقديم تفسير تآمري لكل أمر نطلب له تفسيرًا؛ ذلك أن من شأن هذا أن يُفسد تفكيرنا وأن يبعدنا عن الحقائق ويعلمنا الكسل الفكري.

References

المراجع

Abalakina–Paap, Marina et al. (eds.). "Beliefs in Conspiracies." Political Psychology.

vol. 20, no. 3 (1999).

Bloor, David. Knowledge and Social Imagery. 2 nd ed. Chicago: University of Chicago

Press, 1991.

Bruno, Latour. Science in Action: How to Follow Scientists and Engineers Through

Society. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1987.

Coady, David (ed.). Conspiracy Theories: The Philosophical Debate. London:

Routledge, 2006.

_______. An Introduction to the Philosophical Debate about Conspiracy Theories.

London: Routledge, 2006.

Duhem, Pierre. The Aim and Structure of Physical Theory. Princeton: Princeton

University Press, 1982.

Graf, Arndt, Schirin Fathi & Ludwig Paul (eds.). Politics and Conspiracy Theory in the

Islamic World. London: I.B. Tauris, 2011.

Gray, Matthew. Conspiracy Theories in the Arab World: Sources and Politics. London:

Routledge, 2010.

Hofstadter, Richard. The Paranoid Style in American Politics. New York: Knopf, 1965.

  1. للأسف الشديد لم يتمكن الكاتب من العثور على هذا النص رغم بذل جهود كبيرة في البحث.

Irigaray, Luce. This Sex Which Is Not One. Catherine Porter & Carolyn Burke (trans.).

Ithaca, NY: Cornell University Press, 1991.

Khun, Thomas. Structure of Scientific Revolution. Chicago: Chicago University Press,

Lakatos, Imre. The Methodology of Scientific Research Programmes (Philosophical

Papers Volume I). John Worrall & Gregory Currie (eds.). Cambridge: Cambridge

University Press, 1978.

Melley, Timothy. Empire of Conspiracy: The Culture of Paranoia in Postwar America.

Ithaca: Cornell University Press, 2000.

Parker, Richard. "The June War: Whose Conspiracy?" Journal of Palestine Studies.

vol. 21, no. 4 (1992).

Planck, Max. Scientific Autobiography. London: Williams & Norgate, 1950.

Popper, Karl. Logic of Scientific Discovery. London: Routledge, 2002 [1959].

Quine, W.V.O. From A Logical Point of View. 2 nd ed. New York: Harper Torch, 1961.

Reichenbach, Hans. Experience and Prediction. Chicago: The University of Chicago

Press, 1938.

Shapiro, Michael & Hayward Alker (eds.). Challenging Boundaries: Global Flows,

Territorial Identities. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1996.

Sokal, Alan & Jean Bricmont. Fashionable Nonsense: Postmodern Intellectuals Abuse

of Science. New York: Picador, 1998.

Sunstein, Cass & Adrian Vermeule. "Symposium on Conspiracy Theories: Causes and

Cures." The Journal of Political Philosophy. vol. 17, no. 2 (2009).