Return to Article Details Book Review: The Question of the State: Philosophy, Theory, and Context by Azmi Bishara

مراجعة كتاب مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات لعزمي بشارة

Book Review: The Question of the State: Philosophy, Theory, and Context by Azmi Bishara

رشيد الحاج صالح

Rasheed AlHaj Saleh

الملخّص

عنوان الكتاب: مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات. المؤلف: عزمي بشارة. الناشر وسنة النشر: بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023. عدد الصفحات: 456.

Abstract

Book Title: The Question of the State: Philosophy, Theory, and Context Author: Azmi Bishara Publisher / Date: Beirut/Doha, Arab Center for Research and Policy Studies, 2023 Number of Pages: 456

الكلمات المفتاحية:
  • الدولة
  • الفلسفة
  • النظرية
  • السياق
Keywords:
  • State
  • Philosophy
  • Theory
  • Context

Rasheed AlHaj Saleh | * رشيد الحاج صالح

عنوان الكتاب: المؤلف:

عزمي بشارة. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات.

الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

Editorial Manager of Tabayyun. rasheed.hajsaleh@dohainstitute.org

مقدمة

بعد مسيرة فكرية امتدت عشرات السنوات ومقاربة موضوعات سياسية وفلسفية من قبيل المجتمع المدني والهوية وقضايا القومية والطائفية والعلمانية والانتقال الديمقراطي، يعود عزمي بشارة في كتابه الجديد مسألة الدولة: أطروحات في الفلسفة والنظرية والسياقاتإلى موضوع لا  يكاد ينتهي النقاش والتحليل حوله، ونقصد به مفهوم الدولة ونظرياتها. إن الأسئلة حول الدولة وبنيتها ونشأتها ووظائفها، والتمييز بينها وبين النظام السياسي، وعلاقتها بالمجتمع المدني، واختلاف الدولة الحديثة عن "الدول" ما قبل الحديثة، وتداخل قضايا السيادة والشرعية والمواطنة والأمة والقومية مع الدولة، والتمايز بين السيادة والسلطة، ومشكلة ظهور الدولة الفاشلة وتداعيات ذلك، تُعد كلها إشكاليات ملحّة اليوم؛ سواء في مستوى الفلسفة السياسية والنظرية السياسية، أو في الفكر السياسي العربي المعاصر. وإذا كان المؤلف يعرف أنّ هناك كتبًا كثيرة

كتبت حول الدولة، وأنه موضوع يكاد يكون من النوع الذي قيل فيه كل شيء، فإنه يبدو أن هذا هو السبب الذي دفعه إلى تأليف الكتاب، لأننا

(((يشير المؤلف في المقدمة إلى أن كتابه هذا مكمل لمشروعه

الفكري. فهو مكمل لكتاب المجتمع المدني: دراسة نقدية (1996) لأن الدولة شرط المجتمع المدني؛ ومكمل لسلسلة

كُتب الدين والعلمانية في سياق تاريخي (2015–2013) لأن العلمانية كانت تريد إنشاء دولة حديثة ولم تكن تستهدف الدين

بالدرجة الأولى؛ ومكمل لكتاب فيالمسألة العربية: مقدمة لبيان

ديمقراطي عربي (2007) لأنّ ما  يناقَش في سياق جزئي هو

العلاقة بين الدولة والقومية والأمة؛ ومكمل لكتاب الانتقال

الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (2020)،

أيضًا، لأن رسوخ الدول يعد شرطًا لذلك الانتقال؛ ينظر: عزمي

بشارة، مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص.10–9

نجده يعيد النظر في كثير من مسلّمات الدولة، ويصوّب عددًا من نظرياتها، وينقد ما  يجده فيها من اختزالات، ويقدم "رؤية مختلفة"، بغية صياغة "مفهوم للدولة من منظور إنساني" (ص. 9)، آخذًا في الاعتبار النقد الذي وُِّجِه إلى مفهوم الدولة من منظور الفلسفة الأخلاقية والسياسة وعلوم السياسة والاجتماع والقانون، وذلك بعد أن راجع أدبيات نظريات الدولة وناقش فلسفاتها وحلل السرديات المختلفة حول نشأتها. وإذا خصصنا حديثنا عن الفكر العربي المعاصر، أمكن أن نقول إن الكتاب أتى ليسد نقصًا واضحًا في التنظير الفكري العربي لمسألة الدولة ونظرياتها، وذلك بسبب بقاء هذا الموضوع معلقًا بين الفلسفة والرؤى الأيديولوجية والنظرة التاريخية العصبية، بحيث إن الدراسات العربية السابقة لم تُوَفَّق في تقديم مسألة الدولة بوصفها مشكلة كبرى، ولن تكون المنطقة بخير إن لم تجد حًّلا لها.

أولا: الأهمية الراهنة لدراسة الدولة

تعود أهمية الكتاب إلى أنه جاء في وقت تعيش فيه بعض الدول تغيرات عديدة، فقد ظهرت في بعض

(((من بين المباحث في هذا السياق: عبد الله العروي، مفهوم

الدولة، ط  10 (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2014)؛ نزيه

الأيوبي، تضخم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق

الأوسط، ترجمة أمجد حسين، مراجعة فالح عبد الجبار (بيروت:

المنظمة العربية للترجمة، 2010)؛ برهان غليون، المحنة العربية:

الدولة ضد الأمة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1993)؛ وتوجد كتب جماعية ناقشت مشكلة الدولة في السياق العربي

من بينها: عبد الإله بلقزيز [وآخرون]، أزمة الدولة في الوطن

العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2011)؛ أمجد

بعلبكي [وآخرون]، جدليات الاندماج الاجتماعي وبناء الدولة

والأمة في الوطن العربي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي

للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، إضافةً إلى كتب عديدة تناولت موضوع الدولة، لا مجال هنا لذكرها كلها.

المناطق دول أصبح يطلق عليها "دول فاشلة"، وهناك دول أخذت سيادتها تتأكّل، مع ما رافق ذلك من تداعيات داخلية (تسلط الجماعات المحلية على الدولة وفقدانها لاحتكار العنف)، وتداعيات خارجية (تجاسر دول أخرى على سيادتها). ويبدو أن هناك وضعًا دولًّيًا جديدًا أخذ

يترسخ شيئًا فشيئًا، وجعل من بقاء الدولة لا  يعود إلى تمثيلها لسكانها ومكوناتها، بل إلى رغبة النظام الدولي في التعامل معها لغايات تتعلق به، كما أن قائمة الدول التي لم تتمكن من التحول إلى دول حديثة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، ما زالت تراوح مكانها، وهذا أمرٌ أشد

خطرًا مما  يبدو ظاهريًا. ولذلك يصف الكتاب مسألة الدولة بأنها "قضية مصيرية" (ص. 26). فالتعثر الديمقراطي العربي مرتبط بالدولة، وضمور المواطنة مرتبط بالدولة، ورفض الأنظمة الحاكمة تمييز نفسها من الدولة أدى إلى تأخر نشوء دول حديثة في البلدان العربية (ص. 26). وحتى النقاشات الفلسفية والسياسية الغربية حول مفهوم الدولة ووظائفها يحتاج إلى نقاش متجدد نظرًا إلى تطور الدولة نفسها وتوسع

وظائفها وظهور معادلات جديدة في العلاقات الدولية من حين إلى آخر. يستهل بشارة الفصل الأول من الكتاب بالتركيز على عدة تمايزات داخل مفهوم الدولة، ولا  يرى أهمية لتحليل الدولة من دون ذلك. أول هذه التمايزات، التمايز بين أشكال الحكم ما قبل الحديثة، ولا سيما السلطات الحاكمة القديمة والإمبراطوريات من جهة، والدولة الحديثة من جهة أخرى. ففي الكيانات السلطوية ما قبل الحديثة (ما قبل الدولة الأوروبية الحديثة) كان الناس مجرد رعايا ليس لهم حقوق سياسية، ولم

تكن للسلطة "واجبات مقننة تجاه رعاياها" لأن السلطة كانت بالنسبة إليهم "خارجية" (ص. 21)، ولم يكن هناك أي إحساس بالدولة لأنها "كيان غير مرئي يشمل السلطة والشعب" تنظمه معادلة الحقوق والواجبات (ص  21 أما في). الدولة الحديثة، فقد ظهرت تمايزات عديدة لعل من أهمها التمايز بين كيان الدولة المستقل (المؤسسات) والحاكم، بحيث يمكننا القول إنه إذا سقط نظام حكم في دولة ما وأدى ذلك إلى سقوط الدولة نفسها وتفتتها، فإننا نكون إزاء "دولة غير مكتملة التطور لناحية ملاءمتها لمفهوم الدولة الحديثة المعاصر" (ص. 21). ومن الواضح أن أهمية هذا التمايز لدى المؤلف ترجع إلى أمرين: الأول أن الدول الحديثة لا تستقر حالها إلا بهذا التمايز، والثاني أن الانتقال الديمقراطي لا  يتم إلا إذا حدث تمايز بين الدولة والسلطة الحاكمة (ص. 24). أما التمايز الثاني الذي يؤكد بشارة على أهميته، فهو العلاقة بين الدولة وسكانها، بحيث إن الدولة الحديثة لم تعد تتعامل مع الشعب الذي يقطنها على أسس قبائلية أو طائفية أو عصبية أو إثنية، أو أي نوع من أنواع الجماعات. أصبح المعيار الوحيد هو المواطنة، بحيث "إذا كانت المواطنة بحقوقها وواجباتها مترتبة على عضوية في جماعة ضمن جماعات قائمة فيها، فسنكون أمام دولة غير مكتملة التطور" (ص. 21) ومثلما  يركز الكتاب على أهمية أن تكمل الدول أركانها الحديثة، وهي أن يكون لها إقليم وسكان، وتحتكر سلطة التشريع والعنف والضرائب، وأن يتمتع سكانها بصفة المواطنة، وأن يكون هناك تمايز بين نظام الحكم والدولة، فإنه يحذر في الوقت ذاته من "خطورة غياب الدولة، خطورة وهم الاستغناء عنها في هذا العصر، ونتائج هذا الغياب المروعة لناحية الفوضى التي تظهر آفات

المجتمع، والتي تخيب توقعات الذين يميلون إلى رومانسية أمثلة المجتمع في مقابل الدولة" (ص. 24). لا  يؤدي غياب الدولة إلا إلى لجوء الناس إلى العصبيات والطائفية طلبًا للأمان،

هذا إذا لم يصل الوضع إلى حد الحرب الأهلية، وعودة صراعات البشر حول الأرزاق والبقاء من جديد (ص. 24) ولا  يقل خطر "الدولة الفاشلة" عن خطر "غياب الدولة" (ص. 24)، وإن كانت الأخطار تتشابه بينهما إلى حد بعيد. ويتعرف بشارة إلى الدولة الفاشلة بثلاث سمات: الأولى هي غياب احتكار العنف ووجود قوى أخرى تمارسه خارج شرعية الدولة. والثانية هي وجود قوى فاعلة لا تعترف بشكل واضح بشرعية الدولة، بل قد تدين بالولاء لدول أخرى، وتأخذ أوامرها منها، وهي كثيرًا

ما تجسد ذلك في أفعال داخل الفضاء العام. والثالثة هي تقاسم المناصب الإدارية والوظائف الأساسية في الدولة على أساس الولاء للحاكم، ومن يمثله، وليس على أساس الكفاءة والمساواة في المواطنة (ص  25 الزبائنية)؛ أي صعود والمحاسبية على حساب السلوك "الدولتي" البيروقراطي، ما  يطيح العقلانية التي نشأت عليها الدول في الأساس (ص. 24) وما  يقلق بشارة من الدولة الفاشلة أنها تشكّل عائقًا حقيقيًا في طريق اكتمال الوصول إلى دولة

بالمعنى الحديث. فهي تقف في وجه أي احتمال "لتجذر مؤسسات الدولة وثقافة المصلحة العمومية والخدمة العمومية"، لأنها تعاني "الخلط بين شرعية الدولة والولاء للسلطة، وتشوش الصورة عن مصدر السلطة، وظهور تفوق الولاء للبنى الاجتماعية على الولاء للدولة" (ص. 27). ولذلك، نجد أن الكتاب يأخذ منحى تحذيريًا

وإنذارًا بأن مشكلة الدول قد تتفاقم في منطقة الشرق الأوسط وتأخذ أبعادًا تدميرية، وذلك بعد "تسلق" جماعات محلية على الدولة (إثنية وطائفية) وانتهاكها لسيادتها. فالكتاب يأتي على خلاف بعض الدراسات التي تكتفي بالقول إن الدولة في المنطقة تعاني صعوبات، ولا تبحث إّلا في إصلاح تلك الصعوبات، ولا تنتبه إلى أنه إذا لم يَجرِ العبور من كيانات تسلطية إلى دول حديثة فإن الثمن سيكون كارثيًا. وتعود أهمية دراسة الدولة، أيضًا، إلى أن "الدولة لم تَزُل"، كما توقعت أو تمنّت بعض التنظيرات، بل "ازدادت وظائفها" (ص. 33). وعلى عكس بعض التوجهات التي قلّلت من مكانة الدولة وأدوارها؛ بسبب العولمة، أو ظهور اتحادات كبيرة كالاتحاد الأوربي، أو الشيوعية التي نَّظرَت

لوضع مستقبلي لا دولة فيه، أو حتى الاتجاه النقدي للدولة الحداثية الذي يلح على "فشلها" الأخلاقي وعدم قدرتها على الوفاء الكامل لمطالب المساواة والعدالة، فإن بشارة يؤكد أن دور الدولة ازداد كثيرًا، ولا سيما في ظل الأزمات

التي عاشها العالم في القرن العشرين، سواء كانت أزمات خارجية عالمية تتعلق بالحروب والجوائح والأزمات الاقتصادية والتغيرات المناخية، أو على مستوى الداخل وقضايا مكافحة الفقر ورعاية

(((توجد دراسات نقدية كثيرة تنقد الدولة العربية وترى أنها لم تحقق بعد معايير الدولة الحديثة، ولكنها تبقى في حدود التنظير

لإصلاح هذه الدولة لا أكثر، ولا تنظّر لها على أنها ستبقى تواجه

خطر الانهيار والتذرر، وتأكّل السيادة، والدخول في حروب

داخلية، فضلًا عن صعود جماعات ما قبل الدولة. وفي الحقيقة، لا  يمكن توجيه لومٍ شديد إلى هذه الكتب لأن أغلبها صدر قبل

ثورات الربيع العربي، الذي فتح بدوره العيون على الخوف من هشاشة بعض الدول العربية، وتستثنى من ذلك بعض الكتب.

ينظر مثلًا: تجاذب السلطة وتهتّك الدولة في العالم العربي،

ترجمة عماد شيحة، عزيز العظمة [وآخرون] (محررون) (لندن: دار الساقي،.)2022

العلوم وتحقيق العدالة والمساوة. وهذا لا  يعني، بطبيعة الحال، أن الدول الحديثة تنجح دائمًا في مواجهة التحديات التي تواجهها، بل يعني أن التعويل على دور الدولة أصبح بدايلًا لا غنى عنه، فوظائف الدولة اليوم تزداد حتى في مجال التحكم في الاقتصاد، وهو المجال الذي رجّح كثيرون أن تتخلى عنه الدولة، بل طالبوا بذلك (ص. 47) ويركز بشارة على سبب آخر لبقاء الدولة متمثل في حاجة النظام الدولي لكيان يتعامل معه، يكون له سيادة ووجود فعلي، وهذا ينطبق على كثير من الدول غير الديمقراطية (ص. 47)، ولا سيما أن مثل هذه الدول تتمتع بسيادة وإن كانت شكلية في بعض الحالات، ولكن هذا يكفي لأن القانون الدولي مصمم على التعامل مع دول تمتلك سيادة بغض النظر عن مضمون هذه السيادة أو قوتها.

ثانيًا: نقاش نق يد حول نظريات الدولة ونشأتها

يخصص الكتاب الفصل الثاني لمناقشة وتحليل نظريات الدولة، ولكنه سرعان ما  يسجل ملاحظة أساسية في أثناء مقاربة هذه النظريات. فهي نظريات غير مكتملة في تنظيرها للدولة، وتتناول الدولة في سياق تداخلها مع الاقتصاد أو القانون أو الليبرالية أو النخبة الحاكمة أو المجتمع المدني؛ ولذلك استنتج بشارة أنها ليست نظريات في الدولة. ومن هذه النظريات "نظرية الاختيار العمومي" التي ركزت على سلوك كبار موظفي الدولة الاقتصادي/ النفعي من حيث إنهم كثيرًا

ما  يحاولون استرضاء الناخبين على حساب الصالح العام للدولة، وهو أمرٌ يجعل من أزمات

الدولة تعود إلى أن هذه النقطة بالذات (ص. 72)،

وكذلك المقاربة القانونية التي لا تتعامل مع الدولة إلا على أن لها شخصية قانونية دستورية مستقلة في المجال الدولي، وذات سيادة على إقليمها وسكانها لا  ينازعها عليها أحد، وهذا يؤدي إلى حصر تحليل الدولة بوصفها كيانًا يحتكر التشريع والقضاء (ص. 73)، إضافةً إلى المقاربات الوظيفية التي تعرّف الدولة من منطلق وظيفتها التي تؤديها

متجاهلة بقية الجوانب الأخرى (ص. 74)، وكذلك المقاربة السوسيولوجية النخبوية التي جعلت من الحكم بيد النخبة فقط، رافضة تسليم الحكم للشعب لأن الحكم يخص المؤسسات ونخبها القيادية التي تفرزها، بل ذهبت إلى أن الشعب حتى عندما  ينتخب فإنه ينتخب من يُطلب منه أن

ينتخبهم. أمّا المقاربة الجيوستراتيجية، فتعطي

مكانة كبيرة لموقع الدولة الاستراتيجي ودورها في النظام الدولي، وهي مقاربة ترى أن مكانة الدولة تعود إلى احتكارها للعنف، وتعامل النظام الدولي معها على هذا الأساس، عبر دخولها النظام الدولي ودورها في عالم الصراعات المعقد، حتى إن هناك دولًا فنيت وفق تلك المعادلات، في حين استمرت دول هامشية وازدادت مكانتها على الساحة الدولة (ص. 76). أما مشكلة المقاربة الليبرالية، فتنظر إلى الدولة في سياق التعددية والديمقراطية والتسويات الاجتماعية والمصالح (ص. 81)؛ ولذلك يعلق بشارة على هذه المقاربة بالقول: "لا توجد نظرية ليبرالية في الدولة مجردة من النظام السياسي، بل توجد نظرية في الحكم

(((يميل فرانسيس فوكوياما إلى مثل تلك المقاربات التي تركز بدورها على وضع الدولة في العلاقات والصراعات الدولية بوصفه أهم منظور للدولة اليوم، ولا سيما تركيزه على وضع

ما بعد نهاية الحرب الباردة، وتأكّل سيادة "الدول الضعيفة"

بالنسبة إلى الشرعية الدولية. ينظر: فرانسيس فوكوياما، بناء

الدولة: النظام العالمي ومشكلة الحكم والإدارة في القرن الحادي والعشرين، ترجمة مجاب الإمام (الرياض: العبيكان للنشر، 2007)، ص.200–165

في ظل اقتصاد السوق الرأسمالي. وهي مقاربة معيارية تتضمن رؤية للدولة بوصفها شرًا لا بد

منه" (ص. 81). وأخيرًا هناك المقاربة الماركسية

التي تجادل بأن الدولة "خاضعة لمصالح الطبقة الرأسمالية"، وأن وظائف الدولة الإنسانية والاجتماعية الجديدة ليس لها من تفسير سوى أنها محاولة لكي تبقي على النظام الرأسمالي بحيث "يعيد إنتاج نفسه" بشكل دائم (ص. 83). وتعود مشكلة المقاربة الماركسية إلى أنها، على الرغم من أن الدولة عندها قمعية، "ليس لديها وسائل مقترحة ضمن مشروعها الفكري لِلَجم عسف أنظمة الحكم في الدولة ما دامت قائمة، ولا لضبط أدواتها القمعية والرقابية (ص. 84) ثمة ملاحظات كثيرة يسجلها الكتاب على نظريات الدولة؛ فنظريات العقد الاجتماعي، من خلال عودته إلى توماس هوبز Thomas Hobbes (1588–1679) وجون لوك John Locke (1704–1632) وجان جاك روسو Jean–Jacques Rousseau (1778–1712) وغيرهم، لا تؤسس بالضرورة للدولة الليبرالية، بل قد تؤسس للحكم المطلق، وذلك تبعًا لتصوراتها حول الحالة الطبيعية السابقة للعقد الاجتماعي (ص. 169). وهناك شكوك لدى بشارة في أن الحالة الطبيعية لدى هؤلاء ليست هي التي تحدد طبيعة نظام الحكم المراد الوصول إليه، بل إن تصوراتهم لنظام الحكم هي التي حددت طبيعة الحالة الطبيعية للبشر  (ص. 169). أما الماركسية فقد أربكت مقاربتها للدولة عندما ارتبكت الخطأ نفسه في حصر تحليلها للدين في البحث في وظيفته وليس في منشَئه وبنيته، وكررته عندما حللت الدولة من حيث وظيفتها (حماية مصالح طبقة) وليس من حيث نشأتها (ص. 168)

ينتهي المؤلف بعد تحليل تلك المقاربات، وغيرها، إلى استنتاجٍ مفادُه أنها مقاربات، على العموم، تشكو من "تهميش موضوع الدولة لمصلحة دراسة المجتمع" (ص). 85 أما الاستنتاج الآخر الذي يسجله في هذا السياق، فهو أن تعريف الدولة وتحليلها يجب أن يأخذا في الاعتبار تمييز المفهوم من المفاهيم القريبة منه، وكذلك النظر إلى الفرق بين فكرة الدولة وممارستها. ولذلك، يفضّل المؤلف أن يشمل البحث في الدولة "نشوءها التاريخي وتمايزاتها الداخلية، واختلافاتها عن أشكال السلطة التي كانت قائمة في المجتمعات، وأيضًا نشوء فكرة الدولة ونظرياتها الأولى بوصفها ظواهر تاريخية" ص (19 لامًاااك لاصًااف باتكلا درفي، مث نمو.) للتأريخ لنشأة الدولة (الفصل الثالث)، ليجد أن هناك صراعات طويلة بين عدد من التفسيرات المختلفة. ويبدأ المؤلف لملمة سرديات النشأة بعدة ملاحظات أولية: الأولى هي أن افتراض الحالة الطبيعية الفردية لوجود إنسان يعيش وحده ويتأمل في الحياة ليبدأ بتنظيمها أمرٌ غير

مجدٍ كثيرًا، لأن التفكير في نشوء الدولة لا  يبدأ

إلا بوجود جماعات لا أفراد (ص. 94). والثانية هي أن الدولة القديمة لم تنشأ من تعميم نموذج على بقية العالم كما حصل مع الدولة الحديثة التي أتت كتعميم لنموذج الدولة الأوروبية الحديثة. إن الدول ما قبل الحديثة نشأت في عدة أماكن؛ وهذا يعني أنه "لا توجد حضارة ذات طبيعة قابلة لتوليد الدول، ولم يكن ثمة دولة أصل تفرعت منها جميع الدول" (ص. 94). والثالثة هي أن الدول القديمة لم تنشأ وفق نظريات العقد الاجتماعي لأن العلاقة بين الحاكمين والمحكومين (وهي العلاقة الأساسية في الدولة القديمة عند بشارة) لم تكن علاقة "تعاقد" واضحة، ذلك أن غالبية

الدول القديمة نشأت إما نتيجة العنف والحروب، أو الدفاع عن النفس، أو لأسباب جغرافية، أو الاستقرار والزراعة، أو إنتاج فائض من الغذاء، وغيرها (ص. 95). أما الرابعة، فهي أن هناك أقوامًا

وشعوبًا قاومت كثيرًا الدول وفضّلت العيش وفق

علاقات القرابة، ولذلك بقيت تعيش على أطراف الدول وكثيرًا ما تجنبتها، ولكن التاريخ أظهر لنا

أيضًا أقوامًا كَبُرَت قوّتهم وأسقطوا دولًا لها شأن

وتاريخ، في بعض الحالات (ص. 100) ويصنف الكتاب النظريات المتعلقة بنشوء الدولة، ويجدها في سرديتين: الأولى تفسر نشوء الدولة من أعلى إلى أسفل؛ أي تربطها بوجود نخب سياسية وعسكرية وسّعَت من صلاحياتها

وسلطتها فأنشأت كيانًا يشرّع لطرق العيش

ويحتكر العنف. والثانية تفسر نشوء الدولة من الأسفل إلى الأعلى؛ أي بوصفها تعبيرًا عن إرادة

شعب يريد أن تكون له دولة مستقلة تدافع عن مصالحه ويكون لها شأن بين الدول، وتنتمي إلى هذه السردية الثانية النظريات التي ترجع نشوء الدولة إلى القوميات (ص. 110). غير أن بشارة لا  يركن إلى تلك التفسيرات، لأن كًّلا منها يفسر جانبًا ويهمل جوانب أخرى. فلا  يكفي أن

تحتكر الدولة العنف، وهناك كيانات احتكرت العنف ولم تكن دولًا. كما أن الربط بين نشوء الدولة والقومية أمر يعود إلى الدول الحديثة، وما تمديد تلك الرابطة لتفسير نشوء الدول ما قبل الحديثة إلا نوعٌ من التفسير بأثر رجعي، حتى إن الكتاب يعكس العلاقة بين القومية والدولة انطلاقًا من حالات قامت الدولة فيها بقومنة نفسها، وساهمت في "نشوء القومية التي يفترض أنها تعبر عنها" (ص. 110)، وذلك من خلال مناهج المدارس وطرح سرديات متخيلة لتاريخ قومي، والمؤسسات الثقافية والطقوس.

ويبدو أن توقف الكتاب مطولًا عند نشأة الدولة القديمة هو استباق لنقاش سيظهر لاحقًا حول الفرق بين الدولة ما قبل الحديثة والدولة الحديثة. وعلى الرغم من أن هناك مشتركًا أساسيًا يركز عليه

الكتاب بين الدولتين وهو وجود "حكام يشرِعون ومحكومينيُشرَع لهم، يخضعون لهم ولتشريعاتهم،

وسلطة متغلبة تسك النقود وتجني الضرائب إلى حين، ورعية" (ص. 111)، فإنه بعد هذا الحد تفترق الدولة الحديثة عما قبل الحديثة. والفروق كثيرة، ويركز المؤلف على ثلاثة منها؛ الأول هو أن الدولة الحديثة لم تعد تحتكر العنف مثل الدولة القديمة فحسب، بل إنها أصبحت تستخدمه بطريق مشرعنة ومقوننة، بحيث أصبح هناك ما  يسمى "الشرعية القانونية" التي تعني أن الدولة أصبحت تُحكم عبر قوانين ودستور ومؤسسات، وليست مضطرة إلى استخدام العنف على الدوام، بحيث أخذ الحكام يمارسون صلاحياتهم؛ لا على نحو تعسفي، بل بوصفهم يمثلون مؤسسات ذات سيادة (ص. 113). والثاني هو أن العلاقة بين سكان الدولة والحكام أخذت تتأسس على معادلات الحقوق والواجبات وأصبح للمواطنين دور في الحكم، وهذا "لم يكن قائمًا في السابق" (ص. 114). أما الثالث، فهو تبلور "المجال السياسي" الذي لم يكن موجودًا في الدولة ما قبل الحديثة، ويقصد المؤلف به ظهور مجال قائم بذاته بحيث أصبحت السياسة والقضاء والإدارة والحكم والحروب أمورًا يجري تداولها عن طريق مؤسسات تشريعية وقضائية سيادية وجهاز بيروقراطي، بعكس الدولة ما قبل الحديثة، حيث كانت الأمور متروكة للتشريعات الدينية والأعراف القبلية وتعسف الحاكم (ص. 115). في الدولة الحديثة دخل "الصالح العام" أو "الخير العام" للمجتمع بوصفه محددًا أساسيًا بدايلًا من

الاعتبارات الدينية والفئوية والتراتبية التي كانت

تعلي من مصالح فئات محددة، أو تخضع لمزاج الملوك، أو لاعتبارات أخلاقية (ص. 139) ولا  يفوت الكتاب مناقشة قضايا عديدة تداخلت مع الدولة الحديثة ورافقتها، من توسع لسلطة الدولة في وجه الكنسية والصراعات المعروفة بين الملوك والكنيسة، والجهود التي بذلها القانونيون والمستشارون والبيروقراطيون الصاعدون في التأسيس البيروقراطي للدولة (كانت الكنيسة قبل ذلك تحتكر البيروقراطية لأنها وحدها لديها فئات متعلمة)، مع تقليله من أهمية دور صعود البرجوازية في نشوء الدولة الحديثة لاعتقاده أن البرجوازية نشأت في كنف الدولة الحديثة وليس العكس (ص. 117)

ثالثًا: الليبراليون والجماعاتيون والجدل حول الدولة

يتوقف الكتاب، على نحو مطول، عند الجدل المتعلق بالدولة، لأنّ لديه شكوكًا في أن الخلافات بين الفريقين ليست جوهرية، ومن النوع الذي يقف عند حد طريقة تحليل كل منهما لوظائف الدولة نفسها. أهم جانب من ذلك الجدل كان حول حيادية الدولة. يذهب الجماعاتيون (تشارلز مارغريف

تايلور Charles Margrave Taylor، وألسدير

ماكنتاير Alasdair MacIntyre، ومايكل ساندال Michael Sandel، وغيرهم)، إلى أن الدولة لا بد من أن تستهدف الخير العام للمجتمع، فما لم يتوافر مثل هذا الخير المشترك بين الأفراد والدولة، لن يضحي الأفراد في سبيلها ولن يؤمنوا بها (ص. 174)، وذلك لضمان أَّلا تتحول الدولة إلى مجرد مستمع ل "مخاطر التحديث الرأسمالي الصناعي" (ص  174 وتراجع)

القيم الأخلاقية الجماعية. يساعد تبنّي الخير المشترك العام على تكوين جماعات واتحادات ملتزمة ولديها تركيز على الحياة العامة، تحل محل الجماعات العضوية التي أخذت في التلاشي. أما الليبراليون، فيرفضون أن تفرض الدولة "تصورًا ما للحياة الخيرة على الأفراد"

(ص. 173)، لأن الدولة عندهم يجب أن تكون حيادية، وأن تترك للأفراد على نحو الخصوص حرية أن يعتقدوا ويفعلوا ما  يشاؤون في حدود القانون، وهو ما  يرفضه الجماعاتيون متهمين الليبراليين بأنهم يعاملون الفرد كأنه مجرد من أي انتماءات للجماعة، بل إنه ليس مدنيًا

ولا اجتماعيًا (ص. 172). غير أن المؤلف يرفض

مثل ذلك الجدال لأن الليبرالية لا ترى أن الدولة "حيادية" بالمعنى الدقيق لكلمة حيادية، ولأنها تؤمن، في النهاية، منذ أيام لوك ب "طبيعة الأفراد الاجتماعية" (ص. 173)؛ فحتى خيارات الفرد في النهاية متأثرة بالمجتمع الذي يعيش فيه. إن الدولة الليبرالية ليست محايدة أخلاقيًا على

أقل تقدير لأنها "تؤمن بالمساواة في قيمة الأفراد الأخلاقية، وبالمساواة أمام القانون، وبالحريات الفردية، وهذه مقاربة أخلاقية" (ص. 173)، مع تحفّظ المؤلف عن تحول الجماعاتية "إلى تبرير لتبني الدولة تصورًا معينًا للخير المشترك،

يقوم على ثقافة محددة، وهذا أمر آخر قد يكون خطرًا" (ص. 175) وللخروج من النقاش الليبرالي الجماعاتي "المصطنع"، ينطلق بشارة من "الأنا"، أي من تفضيل ليبرالي، ولكن الأنا عنده ليست مجردة من الغايات والخلفيات والثقافات والانتماءات، لأن كل أنا عنده "جزء من علاقات اجتماعية وأدوار اجتماعية وثقافية" (ص  177 الحرية)، كما أن ليست حرية فلسفية على الطريقة الكانطية، بل هي

"حالة اجتماعية من الحريات والحقوق المدنية في مواجهة التعسف الاستبدادي" (ص. 176)، مثلما أنها "ليست غاية قائمة بحد ذاتها وحسب، بل هي أيضًا شرط لتحقيق الغايات" (ص. 177)

رابعًا: حول التعددية والسيادة

بعد مناقشة الكتاب في الفصل الخامس لمفهوم الدولة عند فريدريش هيغل Friedrich Hegel (1770–1831) وكارل ماركس Karl Marx (1883–1818)، وتركيز الأول على الدولة بوصفها تجسيدًا للأخلاق العمومية، ونقد ماركس لاحتواء الدولة للمجتمع عند هيغل وسعيه إلى إحلال الدولة في المجتمع، ثم توقف المؤلف عند مسألة أن الأنظمة الاشتراكية أخضعت المجتمع للدولة بدلًا من أن تخضع الدولة للمجتمع، نجده يقدّم في الفصلين السادس والسابع، تحليلًا معمقًا ومطولًا لمسألة السيادة، والفرق بينها وبين السلطة، وعلاقتها بالقانون، وكون السيادة تعود إلى الشعب، وأنها مرتبطة بالدولة الحديثة. يتناول الكتاب الخلاف بين التعدديين والقائلين بالسيادة في تصورهم للدولة ودورها في المجتمع؛ فبينما  يرى التعدديون أن على الدولة أن تكون محايدة اجتماعيًا، وأن تقوم بمهمة التوفيق بين

مختلف المصالح، فإنّ نظرية السيادة تمنح الدولة سلطات واسعة (ص. 220). فالتعدديون يريدون دولة تعددية توزع السلطات الإدارية على الإدارات الذاتية، ويفضلون منح أكبر قدر من مكونات المجتمع (النقابات، والروابط، والاتحادات، والعمال... إلخ) دورًا في إدارة الدولة، ويعتبرون احتكار الدولة وحدها للسلطات خطرًا على مهمة

الدولة بوصفها هي التي تدير مختلف المصالح. ولذلك، يرفضون رفضًا قاطعًا وجود "مصدر واحد للسلطة" (ص. 220)، على عكس أنصار

السيادة الذين يرفضون إعطاء الكيانات الوسيطة بين الفرد والمجتمع دورًا كبيرًا لأنها ستتحول إلى

مجتمعات جزئية داخل المجتمع كلّه. ويستمر أنصار التعددية المعاصرة (ومنهم روبيرت دال Robert Dahl (2014–1915) في المحاجة بأن توزيع مصادر السلطة والقوة بين مراكز متعددة تتنافس فيما بينها يعد أساسًا مهمّا

للنظام الديمقراطي (ص. 232)، ومن دون ذلك قد تبقى الديمقراطيات تعاني احتكار الدولة للسلطات ويبقى المجتمع غير بعيد عن أخطار التفرد بالحكم (ص. 232)، وذلك على عكس رأي كارل شميت Carl Schmitt (1985–1888)، ومن قبله جان بودان، اللذين أكدا أن السيادة يجب أَّلا تتجزأ، وحاملها أيضًا يجب أَّلا يتجزأ (ص. 242)، وأنها تمنح الدولة قوة تحتاج إليها خاصة في زمن الحروب. وهنا يُبِيِّن بشارة أن آراء شميت وإن

كانت لا تقود إلى الدولة الشمولية، فإنها "تقود بالتأكيد إلى التنظير للدولة الشمولية" (ص. 248) غير أن المؤلف يحذر من دور الجماعات في الدولة التي لم تنجز التحول الديمقراطي، لأن طموحات تلك الجماعات "ذات الشخصية الاعتبارية المعترف بها، يتجاوز حماية الفرد من الدولة، إلى قمع فردية الأفراد وعلاقتهم المباشرة مع الدولة (أي مواطنتهم)، والطموح إلى تقاسم الدولة فيما بينها، وبما  يعطلها عن القيام بواجباتها ويسمح بالتعامل معها وكأنها غنيمة، وقد يصل هذا المسار إلى درجة كسر احتكار الدولة العنف" (ص. 235). ولا حل لهذا الوضع الهدام للجماعات في الدول غير الديمقراطية إلا بتحولها إلى "كيانات قانونية" تتعامل مع المجتمع وفق معادلات الحقوق والواجبات وليس وفق علاقات التبعية والقرابة والدين (ص. 235)

خامسًا: حول تعريف الدولة وعلاقتها بالمجتمع المدني

كعادته في بعض كتب سابقة، لا  يحبذ بشارة التعريفات أو المقاربات المختصرة للمفاهيم لأنها تختزلها في جانب من جوانبها، مثلما ربط ماكس فيبر Max Weber (1920–1864) مثلًا بين الدولة واحتكار العنف (ص. 333)، ولا تُجدي حتى إضافة بيار بورديو العنف الرمزي، لأن بنية الدول الحديثة تعقّدت كثيرًا، ولم تعد تقتصر وظيفتها على مجال أو مجالين، بل أخذت تمتد إلى المجلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأمنية، وحتى البيئية أيضًا. ولا  يجد أي جدوى من اشتقاق التعريف من "تأملات فلسفية" أو تحليلات لغوية للمفهوم (ص. 333)، لأن على التعريف أن يأخذ في الاعتبار آخر التحولات التي تعيشها الدولة والوظائف المستحدثة، وحتى تعقّد مجال العلاقات الدولية. ولذلك، نجد الفصل الثامن يتوسع في تعريف الدولة بتركيزه عليها من حيث هي: • مؤسسات حاكمة لإقليم ترابي وشعب يجمعهم نظام قانوني. • سلطة تشريعية تسن قوانين تسري على الجميع. • سلطة تحتكر العنف وفق قانون.

(((نذكر، على سبيل المثال، مقاربته المركّبة للطائفية، وفهمها بوصفها ظاهرة تدخل في نسيجها عناصر عديدة: التاريخ والتخيل والبنى التقليدية والصراعات السياسة والمصالح

الاجتماعية ودور النخب. ينظر: عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية،

الطوائف المتخيلة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2018

• السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية التي تمارس دورها ضمن الإقليم ويكون

الشعب شريكًا في هذا كله. • وجود جهاز بيروقراطي متخصص يدير مختلف المؤسسات الأمنية والتربوية والمالية، والصحية، والسجل المدني، وغير ذلك. • المواطنة على أساس الحقوق والواجبات المحددة في القانون الذي يخضعون له. • الاعتراف بهذا الكيان والتعامل معه سياسيًا

وتجاريًا على هذا الأساس (ص. 335)–334 طبعًا، يعرف المؤلف أن هناك دولًا لا تتوافر فيها تلك المعايير فهل هي دول؟ أم أنها ليست كذلك؟ يبدو أن بشارة يريد التمسك بالدول الموجودة على أرض الواقع، أًّيًا كان وضعها، ولكنه يعتبرها

دولًا ناقصة الأركان، وعليها أن تستكمل جوانب النقص فيها حتى تكون دولًا مستقرة وثابتة. فهناك دول لا تحتكر العنف، ودول لا تقوم بوظائفها الاجتماعية على النحو الذي يتوقعه الناس منها، ودول منقوصة السيادة. هذه كيانات ناقصة عليها أن تستكمل شروط الدولة. وبالرغم من ذلك، تبقى الأمور معقدة في الدول غير الديمقراطية، لا سيما حول مسألة السيادة والتمييز بين الدولة ونظام الحكم (الفصلان التاسع والعاشر). هناك دول تهتم بتقديم الحقوق الاجتماعية لتتغول على الحقوق السياسية للناس (ص. 368)، وهناك دول تفسح المجال لجماعات معينة للتجاسر على الدولة لتخويف جماعات أخرى، ودول تختصر حقوق مواطنيها في منح الجنسية فحسب (ص. 368)، لينتهي المؤلف إلى أنه إذا كان غياب شرعية النظام الحاكم قد لا  يودي

بالدولة دائمًا، فإن غياب شريعة الدولة يشكل

للدولة "معضلة على المدى البعيد" (ص. 365) ويستكمل المؤلف نقاشه حول تعريفة الدولة بتناول العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني (الفصل الحادي عشر)، وذلك لكي يزيل بعض الملابسات المتداولة حول تلك العلاقة. فالمجتمع المدني عنده "نتاج صيرورة نشوء الدولة الحديثة ذاتها وتمايزاتها الداخلية" (ص. 413)، ولا معنى للحديث عن مجتمع مدني من دون دولة. وتعود المشكلة في العديد من الدول العربية إلى أنها تفضل التعامل مع الجماعات العضوية وليس المجتمع المدني، لأن تلك الجماعات مستعدة لتقاسم المصالح معها على حساب المجتمع المدني، وعلى حساب المواطنة. ولذلك، تحاصر تلك الدول "الفضاء العمومي"، وهو الفضاء الذي يتفاعل فيه المواطنون ويفكرون فيه في المصالح العامة، لأنها تخشى "الفضاء العمومي خارج الدولة، ولا تعزز المواطنة لتصبح انتماءً ومصلحة

ومسؤولية في آن (ص. 417). وما أخطار سياسات الهوية المتبعة في المنطقة سوى نتيجة من نتائج عدم تحول الدول إلى دولة حديثة.

سادسًا: سبع قضايا منهجية

خصصنا هذا القسم من مراجعة كتاب مسألة الدولة لإبراز ست قضايا منهجية نعتقد أن الكتاب أخذها في الاعتبار في سياق بحثه المتعلق بالدولة، وعاد إليها من حين إلى آخر في ثنايا الكتاب. وهي قضايا يبدو أنها تشكل ملامح عامة لمنهج المؤلف في كتابه الذي نراجعه: 1. إن تاريخ النظريات وسياق نشأتها يعد جزءًا لا  يتجزأ من النظريات نفسها

عندما نحاول أن نفهمها أو نوظفها في

النقاشات الفلسفية. فنظريات الدولة عند هيغل وشميت، وحتى أرسطو، كانت نظريات متفاعلة مع عصر معين وظروف محددة، وهذا التفاعل يشكّل جزءًا أساسيًا

منها، ولا  يجوز مقاربتها خارج سياقاتها، وهو ما  يؤكد أهمية الفهم القائم على العلاقة الحيوية بين النظرية والواقع والسياق. 2. لم يعد من المقبول اليوم أن تكتفي أي دراسة فلسفية للدولة بالتأمل الفلسفي وحده، بل لا بد من وجود أفق مفتوح تتفاعل فيه الفلسفة مع العلوم الاجتماعية وعلمَي السياسة والقانون، وكذلك فلسفة

الأخلاق. ولذلك، وجد بشارة أنه لا  يمكن مثلًا الفصل بين الفلسفة السياسية والنظرية السياسية، ولا  يرى أن موضوع الدولة موضوع علمي صرف، لأن الأفكار الفلسفية والأحكام المسبقة والأيديولوجيا تجتاح الموضوع، وهو ما  يجعل للبحث في الدولة خصوصية تميزه من بقية الموضوعات، لا سيما أن تحليل الدولة كثيرًا ما  يتداخل

مع قضايا؛ مثل علاقة الدولة بالمجتمع المدني، والمواطنة، والسيادة، والاقتصاد. كل ذلك زاد المؤلفَ قناعةً بأن على الفلسفة أن تزيد من انفتاحها، بقدر ما تستطيع، على العلوم التي لها علاقة بموضوع الدولة، وأَّلا تلجأ تلك العلوم بدورها إلى تقليد الفلسفة ومحاولة تحديد مبدأ واحد لمقاربة موضوع الدولة، ذلك أن "من شأن الإصرار على مقاربة نظرية واحدة لفهم منشأ الدولة، وبنيتها، ووظائفها، أن يقوم إلى تغليب عنصر الأيديولوجيا الكامن في النظريات الاجتماعية" (ص. 69)

3. إن موضوع الدولة عند المؤلف هو موضوع عابر للتخصصات، مثل غالبية الموضوعات التي يتناولها. وقد أشار المؤلف أكثر من مرة إلى أهمية أن يشرك عدة علوم ومناهج في دراسته لموضوع الدولة. ويعني تداخل الاختصاصات عنده "تكامل المقاربات/ المناهج لغرض تفسير ظاهرة ما وفهمها [...] تبعًا لتعقيدها

وتعدد جوانبها المختلفة وتراكيبها في نفس الوقت". 4. من الأفضل دراسة أي موضوع عبر اللجوء إلى عدة مناهج، لأن ذلك يمنح الباحث ميزة مقاربة موضوعه من زوايا مختلفة، مثلما  يمنحه القدرة على رؤية موضوعه في حركيته وتدفقه في مجرى الواقع. وقد استخدم المؤلف المناهج التاريخية والوظيفية والبنيوية مجتمعة، وهذا ما أتاح له تقليب موضوعه سواء كان ذلك من جهة نشوء الدولة أو وظيفتها أو بنيتها. 5. يلجأ المؤلف، كعادته، إلى القيام بعدة "تمايزات" و"تمفصلات" داخل المفهوم لكي يتمكن من رصد تطور المفهوم وتحوّل

معانيه المختلفة من عصر إلى آخر، وكذلك لتبيّن مسار الأدوار التي يقوم بها المفهوم

(((يبيّن باروت أن عبور بشارة للتخصصات وتركيبها في

مقارباته أصبح يشكل "منهجية" أساسية عنده للانتقال من "التفسيرات البسيطة" المتداولة للظواهر إلى "التفسيرات المعقدة"؛ أي التي تأخذ في الاعتبار تداخل عدة عوامل في تكوين الظاهرة والتأثير فيها. ينظر: محمد جمال باروت، "العودة

إلى الأسئلة: عزمي بشارة في مشروعه الفكري الجديد"، عمران، مج 1، العدد 4 (ربيع 2013)، ص.220 (((عزمي بشارة، "في أولوية الفهم على المنهج"، تبين، مج  8، العدد 30 (خريف 2019)، ص.13

في سياقات متعددة. وفي كتابه هذا، يلجأ إلى عدة تمايزات أبرزها التمايز بين الدولة ما قبل الحديثة والدولة الحديثة، وبين شرعية الدولة وشرعية الحاكم، وبين الدولة والنظام الحاكم، وبين الفرد في الدولة ما قبل الحديثة (الرعية) والفرد في الدولة الحديثة (المواطن)، وهي تمايزات تقاومها السلطات غير الديمقراطية عبر "المطابقة القسرية" بينهما، ما  يعني أن التمايز (والتمايز عنده تمفصل وليس انفص لًا) بين حالات عديدة ومتغيرة للمفهوم تحوّل إلى أداة

منهجية ساعدت الباحث على اكتشاف عدد من المطابقات المزيفة بين حالات مختلفة. يشرح المؤلف أهمية ذلك بقوله: "ليس التمايز بالضرورة عملية انفصال، بل قد يكون تمفصلًا، عملية تركيب؛ إذ يعني تمايزًا داخلًّيًا داخل الوحدة نفسها. والتمايز

المقصود هو نشوء أو تولد، وحدات أكثر تركيبًا من العناصر التي تمايزت داخل

الوحدة نفسها" (ص. 383)

(((يُذكر أنّ عددًا من الدارسين لفكر بشارة أشاروا إلى أن فكرة

"التمايز" أصبحت إحدى أدواته الأساسية في تحليل المفاهيم التي يتناولها ومقاربتها. ومن بين هؤلاء سهيل الحبيب الذي بين أن "مرجعية مفهوم التمايز عند بشارة في كليته، لا باعتباره مفهومًا توصيفيًا لوضع قائم فقط، ولكن باعتباره كذلك، وهذا

الأهم، مفهومًا تحليليًا وتفسيريًا للصيرورة التي أفرزت هذا

الوضع المتحرك بطبيعته". ينظر: سهيل الحبيب، العلمانية من

سالب الدين إلى موجب الدولة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 110؛ ويبيّن حيدر

سعيد أهمية التمييزات التي يوجدها بشارة لفهم الالتباسات في موضوع الطائفية، ولا سيما التمييز بين الطائفة والطائفة المتخيلة، وكذلك التمييز بين العصبية الخلدونية والتعصب، وأن الطائفية تنتمي إلى التعصب وليس إلى العصبية. ينظر: حيدر سعيد، "دراسة الطائفية ما بعد كتاب 'الطائفة، الطائفية، الطوائف

المتخيلة': الآفاق الممكنة"، عمران، مج  7، العدد 27 (شتاء 2019)، ص.181

6. يُخرج المؤلف موضوع الدولة بطريقة لا تقدّم الموضوع على أنه من النوع الذي يمكن أن يقال عنه كل شيء خلال مرة واحدة على طريقة الفلسفات الكلاسيكية. إن موضوع الدولة سيبقى مفتوحًا لأن التوتر بين الدولة نفسها والواقع سيبقى ما بقيت الدولة. ومثلما أن بنية الدولة ووظائفها تغيرت من عصر إلى آخر، قد نشهد كذلك مثل تلك التغيرات في المستقبل. ومن هنا، تأتي أهمية المنهج الذي يدرس الموضوع في حركيته، كما ذكرنا سابقًا. ومن الواضح أن هناك علاقة جدلية يقيمها الكتاب بين الواقع المتغير والمفهوم؛ أي بين واقع الدولة ومفهومها. ولعل هذا ما دفعه إلى رفض تعريفات الدولة المتعارف عليها. 7. بالنسبة إلى الدولة وما  يرتبط بها من مشكلات في المجال العربي، نرى بطريقة واضحة أن الكتاب لا  يعوّل على مقاربتها

من منظور الدول القديمة، ولا سيما الدولة

المراجع

مراجعة فالح عبد الجبار. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2010

العدد 4 (ربيع.)2013

السياسات،.2018 _______. "في أولوية الفهم على المنهج". تبُّيُن. مج  8، العدد 30 (خريف.)2019

(محررون). لندن: دار الساقي،.2022

بالمفهوم الخلدوني أو العصبي. إن الدولة الحديثة شيء والكيانات القديمة الشبيه بالدولة شيء مختلف تمامًا، ولم يعد

من المجدي اليوم تناول الدول من منظور قديم، حتى بالنسبة إلى الدول التي لم تستكمل شروط الدولة الحديثة. إن مقاربة أوضاع الدول العربية من منظور تاريخي عصبي يجعل من مشكلة تلك الدول مشكلة تاريخية تتعلق بالتراث السياسي والديني وصراعات الملك العضوض ودور الجماعات العضوية وما إلى ذلك، في حين أن مشكلة الدولة العربية اليوم هي مشكلة سياسية قبل أي شيء آخر. إن المقاربة الأهم هي من منظور الدولة الحديثة وكيفية استكمال شروطها.

(((نذكر في هذا السياق كتاب الجابري المعروف: فكر

ابن خلدونحيث بين المؤلف في آخر صفحة من هذا الكتاب أنه يجد "في تحليلات ابن خلدون ما  يلقي بعض الضوء على جوانب من تاريخنا الحديث وواقعنا الراهن [...] وحياتنا

الجارية". ينظر: محمد عابد الجابري: فكر ابن خلدون: العصبية

والدولة – معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، ط 6 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994)، ص.279

References

الأيوبي، نزيه. تضخم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط. ترجمة أمجد حسين.

باروت، محمد جمال. "العودة إلى الأسئلة: عزمي بشارة في مشروعه الفكري الجديد". عمران. مج  1،

بشارة، عزمي. الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

تجاذب السلطة وتهتّك الدولة في العالم العربي. ترجمة عماد شيحة. عزيز العظمة [وآخرون]

بعلبكي، [وآخرون]. جدليات الاندماج الاجتماعي وبناء الدولة والأمة في الوطن العربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 بلقزيز. عبد الإله [وآخرون]. أزمة الدولة في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

الجابري، محمد عابد. فكر ابن خلدون: العصبية والدولة – معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي. ط 6. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1994 الحبيب، سهيل. العلمانية من سالب الدين إلى موجب الدولة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 سعيد، حيدر. "دراسة الطائفية ما بعد كتاب 'الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة': الآفاق الممكنة". عمران. مج  7، العدد 27 (شتاء.)2019 العروي، عبد الله. مفهوم الدولة. ط 10. بيروت: المركز الثقافي العربي،.2014 غليون، برهان. المحنة العربية: الدولة ضد الأمة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1993 فوكوياما، فرانسيس. بناء الدولة: النظام العالمي ومشكلة الحكم والإدارة في القرن الواحد والعشرين. ترجمة مجاب الإمام. الرياض: العبيكان للنشر،.2007