Return to Article Details Deliberative Democracy According to Habermas: Between the Demand for Consensus and the Reality of Civil Disobedience

الديمقراطية التداولية عند هابرماس: بين مطلب الإجماع وواقع العصيان المدني

Deliberative Democracy According to Habermas: Between the Demand for Consensus and the Reality of Civil Disobedience

بلقاسم كريسعان

Belgacem Krissaane

الملخّص

برزت، ضمن الجدل الدائر بشأن الديمقراطية التداولية، على نحو خاص، أطروحات يورغن هابرماس؛ لكونها قدحت النظر في هذا الشكل الجديد للممارسة الديمقراطية فحسب، وكذلك من حيث الصعوبات التي تحفّ بها والنقاش الذي أثارته في الفكر الفلسفي السياسي المعاصر. تدفع أهمية التصور الهابرماسي ومحوريته إلى تدقيق النظر في الحجة التي قام عليها، ومفهوم التداول الذي يتأسس عليه برهان تظهر وجاهته باستجلاء الصعوبات التي يثيرها. من المهم النظر في محتوى هذا التصور وفي حدوده، لبناء تقييم موضوعي له: فهل قدّم هابرماس تصورًا للديمقراطية التداولية يمكنه أن يمثل بديلًا موثوقًا لتجاوز النموذج التمثيلي؟ أم أن المقاربة التداولية للممارسة الديمقراطية في صيغتها الهابرماسية تطرح صعوبات أكثر من الحلول التي تقترحها؟ ولماذا انتهى المسار الذي يراهن على الإجماع إلى صياغة تبرير فلسفي للعصيان المدني؟ لمحاولة الإجابة عن هذه الأسئلة سنسعى في مرحلةٍ أولى إلى تبيّن ملامح هذا التصور بإيجاز ومن ثم استكشاف الصعوبات التي تحفّ به، والتي تنتج من بنائه الحجاجي من جهة وفاعليته العملية من جهة أخرى في محاولة لبناء تقييم موضوعي له.

Abstract

Professor of Philosophy attached to the University of Gabes, Tunisia. krissaane@gmail.com

الكلمات المفتاحية:
  • ديمقراطية تداولية
  • تواصل
  • عصيان مدني
  • هابرماس
Keywords:
  • Deliberative Democracy
  • Communication
  • Civil Disobedience
  • Habermas

مقدمة

يتميز التفكير الفلسفي السياسي المعاصر بمحورية الاشتغال على إشكالية الديمقراطية. فقد ساهمت عوامل عديدة في مركزية هذه المسألة، بعضها يعود إلى واقع أزمة التمثيل النيابي التي تعرفها الديمقراطيات الراسخة، وخيبة الأمل التي ولّدتها التجارب الديمقراطية الناشئة. لكنّ العامل الأهم، الذي يعنينا في هذا السياق، هو ما عُرف منذ بداية القرن باسم أزمة الديمقراطية التمثيلية من حيث عدم تطابق الشكل التمثيلي مع مضمون المثل الأعلى الديمقراطي، أي حكم الشعب وما يتصل به من قيم ذات طبيعة جوهرية، كما هو شأن الحرية والعدالة والمساواة. سيطر هذا التأويل للديمقراطية في أغلب الديمقراطيات الغربية باعتباره الشكل الأمثل لتحقيق مقاصد المثل الأعلى المرتبط بالديمقراطية في المجتمعات الحديثة. لكن كشفت الوقائع، في مرحلة تالية، الصعوبات الهيكلية المرتبطة بهذا الشكل التمثيلي، والتي حوّلته في أحيان عديدة إلى أداة للسيطرة والإخضاع، بدلًا من أن يكون وسيلة الإنسان الحديث للتحرر. ودفع هذا الوضع إلى البحث في طبيعة الممارسة التمثيلية؛ أكانت هذه الصعوبات الهيكلية تبرر مشروعية التمسك بها أسلوبًا لتجسيد المثل الأعلى الديمقراطي أم كانت عائقًا ينبغي تجاوزه إلى أشكال أخرى قادرة على تحقيقه؟ وقد تجدد النقاش المعاصر بشأن الشكل التمثيلي للديمقراطية بظهور ما يمكن اعتباره الحجة القصوى للديمقراطية الحديثة المتمثلة في أطروحات جوزيف شومبيتر Joseph Schumpeter1(950–18881) الذي قدّم نقدًا جذرًّيًا للتصورات الفلسفية الحديثة، التي ربطت بين المثل الأعلى الديمقراطي والحكم التمثيلي، مثبتًا من خلاله استحالة الجمع بينهما. وقامت هذه التصورات على مسلّمة أنّ انتخاب ممثلين للشعب على نحو منتظم ودوري هو ما يعبّر عن إرادة هذا الشعب السياسية ورؤيته للخير المشترك. ويرفض شومبيتر هذا التصور، وتقوم أطروحته على إثبات أنّ تعارض الرغبات والتفضيلات الفردية بين المواطنين، والنزاع الذي يمكن أن ينشأ بينهم، يمنع فعلًّيًا الاتفاق بينهم أو التفاهم فضلًا عن الإجماع بشأن تصور موحد للخير المشترك. هذا الواقع القائم الذي يعتبره غير قابل للتجاوز، يمنع تأسيس الممارسة السياسية الفعلية على تصور مثالي وغير ممكن فعلًّيًا. وينتهي شومبيتر إلى ضرورة الفصل بين الممارسة السياسية أي الحكم التمثيلي والمثل الأعلى الديمقراطي: لا يمكن أن تكون الإرادة العامة في أساس الحكم التمثيلي، بل هي نتيجة له باعتباره واقعًا قائمًا وليس مثلًا أعلى ذا عمق أخلاقي. لا يتعلق الأمر عنده برفض الديمقراطية بل برفض ربطها بمثل

  1. ينظر: جوزيف شومبيتر، الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية، ترجمة حيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،

أعلى يجعلها أداة لتحقيق ما هي غير قادرة عليه بحكم واقع الصراع الاجتماعي. وبدلًا من ذلك يرى ضرورة النظر إلى الديمقراطية كما هي وإلى ما هو قابل للتطبيق منها؛ أي بما هي آلية لإدارة الصراع الاجتماعي. والأهم من ذلك ضمان سلمية هذا الصراع من خلال تنظيم تداول السلطة بين القوى الاجتماعية المتنافسة عبر انتخابات دورية، تبني المجتمع السياسي الفعلي وتسمح لكل فرد وكل فئة اجتماعية بتحقيق أهدافها ومصالحها. ولقيَ التحدي الذي رفعه شومبيتر صدى واسعًا في التصورات الفلسفية السياسية المعاصرة، وهو يؤكد ما انتهى إليه عالم الاجتماع ماكس فيبر Max Weber2 (920–18941)، لمّا أثبت أن مشروع الحداثة يفضي ضرورة إلى سيطرة العقلانية الأداتية، مما يفقد القيم والمثل العليا دلالتها وقدرتها على الفعل في الواقع الاجتماعي، بفعل سيطرة منطق النجاعة والمردودية على الفعل الإنساني. وينتهي فيبر وشومبيتر، من خلال منظومة حجاجيه مختلفة، إلى واقع عدم إمكانية الجمع بين المثل الأعلى الديمقراطي والممارسة السياسية في المجتمع الحديث. رغم جذريّة هذه المواقف، لم يمنع ذلك تطور تفكير فلسفي يبحث إمكانية استعادة هذا المثل الأعلى ضمن الممارسة السياسية السائدة في المجتمعات المعاصرة، بظهور تصورات مختلفة تسعى إلى جسر الهوة بين مضمون المثل الأعلى الديمقراطي والممارسة السياسية الفعلية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك النظريات التي تدعو إلى الديمقراطية التشاركية أو التعاونية. وبرز بخاصة مفهوم الديمقراطية التداولية3 في كتابات الفيلسوف المعاصر يورغن هابرماس Jürgen Habermas. وما يجلب الانتباه في أطروحاته هو تحوّلها إلى حاضنة للعديد من المساهمات النظرية التي عالجت المستطاع التحرري للممارسة الديمقراطية، مفهومة بأنّها ممارسة تداولية. دفع هذا الوضع الذي يميز الفكر الفلسفي المعاصر باحثين مثل برنار مانين ولويك بلنديو إلى اعتبار النقاشات الحالية في الفكر الفلسفي السياسي بمنزلة "منعطف تداولي لمفهوم الديمقراطية"4. تقوم أطروحة هابرماس على إثبات أنّ الديمقراطية التداولية يمكنها إعادة التلاؤم بين الممارسة السياسية والمثل الأعلى الديمقراطي، لكنها تطرح العديد من الأسئلة سواء من جهة وجاهة الحجة التي قامت عليها أو من جهة قدرتها على التحقق فعلًّيًا: ما مدى قدرة التأويل الذي قدّمه للممارسة التداولية سياسًّيًا على تحقيق رهان إعادة التلاؤم بين مقاصد الممارسة الديمقراطية والمثل الأعلى الديمقراطي الحديث؟ وأيمكنه فعلًا أن يقدّم بديلًا موثوقًا لتجاوز أزمة الشكل التمثيلي للديمقراطية أم أنه يطرح صعوبات إضافية؟ وكيف يمكن أن نفهم جمعه في نظريته عن الديمقراطية بين مطلب الإجماع والتشريع الفلسفي والسياسي للعصيان المدني؟

  1. ماكس فيبر، العلم والسياسة بوصفهما حرفة، ترجمة جورج كتورة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011)، ص.83–82
  2. Bernard Manin, "L’idée de démocratie délibérative dans la science politique contemporaine," Politix , vol. 15, no. 57
  3. (2002) p. 43.
  4. ينظر :(Loïc Blondiaux & Bernard Manin, Le tournant délibératif de la démocratie (Paris: Presses de Sciences Po., 2021). ينبغي التمييز بين التداولية التي تشير إلى Pragmatics، والتداولية التي تشير إلى Deliberation. والتعريب السائد للمفهومين هو التداولية. الأول Pragmatics عرّبه طه عبد الرحمن بالتداولية، ويعَّرَب أحيانًا بالمقامية والوظيفية والسياقية، ويشير إلى منهج لساني حديث يهتم بدراسة علاقة العلامات بمؤوّليها ومفسريها، بمعنى دراسة اللغة في علاقتها بالسياق المرجعي لعملية التخاطب، وبالأفراد الذين تجري بينهم تلك العملية التواصلية. ينظر: طه عبد الرحمن، فقه الفلسفة 1: – الفلسفة والترجمة (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2004)، ص 200–165. أما الثاني فهو تعريب ل  Deliberation. وفي البداية عرّبه جميل صليبا (976–19021) في معجمه الفلسفي ب "الروية". ينظر: جميل صليبا، المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية، ج  2 (بيروت: دار الكتاب اللبناني؛ مكتبة المدرسة، 9821)، ص 629. في حين عرّبه نور الدين علوش ب "التشاور". ينظر: نور الدين علواش، الفلسفة الأمريكية المعاصرة (بيروت: دار الرافدين؛ كندا: دار أوبيس Opus، 2016)، ص 40؛ وعرّبه عبد العزيز ركح ب "التداولية"، ويشير إلى التصور الذي يجعل الإجماع المبني على النقاش الحجاجي بين المواطنين أساس الشرعية الديمقراطية، وليس التجميع العددي للأصوات. ينظر: عبد العزيز ركح، الشرعية الديمقراطية: من التعاقد إلى التواصل، هابرماس في مواجهة رولز، الفصل الثالث (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2019

من الممكن تبيّن عناصر النقاش السائد أو "خصومة الديمقراطية التداولية" من خلال الوقوف على تفاصيل صعوبات التأويل الذي قدّمه هابرماس والنتائج المترتبة عليه. ولتحقيق هذه الغاية، يجب في مرحلة أولى تحديد الإطار النظري الذي فَّكَر من خلاله في الممارسة السياسية. ويسمح هذا التحديد في مرحلة ثانية بتبيّن المضمون الفعلي للديمقراطية التداولية عند هابرماس، أي محاولته الجمع من جديد، وعلى أساس مفهوم التداول Deliberation5، بين الممارسة السياسية في المجتمعات المعاصرة المركّبة والمثل الأعلى الديمقراطي الضامن للحرية. يسمح هذا التقصي في مرحلة ثالثة بتبين المسار الذي قاد هذا التصور من السعي إلى تلمّس آفاق جديدة للمثل الأعلى الديمقراطي عبر التداول إلى البرهنة فلسفًّيًا على شرعية العصيان المدني. والنتائج غير المتوقّعة للتأويل التداولي للديمقراطية عند هابرماس تعيد طرح مفارقة الديمقراطية، من جهة كونها أفقًا للممارسة السياسية وليست نموذجًا فوق الواقع على هيئة المثل الأفلاطونية.

أولا: الإطار النظري للتصور التداولي للديمقراطية عند هابرماس

يرتبط التفكير في الديمقراطية عند هابرماس بالإطار النظري الذي فكّر من خلاله في مسألة العقلانية اليوم، والذي يتميز بجمعه في الوقت نفسه بين تحليل الوقائع الاجتماعية الحديثة والمعاصرة وفق منهجية علم الاجتماع، والتأمّل الفلسفي الذي يفكر في تبعات هذا التحليل. لم يعد من الممكن للناظر في مسألة الديمقراطية، في تصور هابرماس، أن ينطلق من مقدمات نظرية عامة أو تصور فلسفي شمولي كما كان شأن التفكير الفلسفي الكلاسيكي، بفعل نهاية عصر الميتافيزيقا مع الفلسفة الهيغليّة. فبدلًا من هذا التأمل النظري ينبغي إنجاز تحليل سوسيولوجي للواقع الاجتماعي الحديث والمعاصر، للوقوف على بنائه الدقيق وآليات اشتغاله ورصد مواطن الأزمة وتفسيرها موضوعًّيًا. غير أنّ هذا التمشي ليس إلا مقدمة ضرورية لتفكير فلسفي نقدي يكشف أبعاد الأزمة ويقدّم الحلول الممكنة لتجاوزها. إنّ الفلسفة، وإن شاركت علم الاجتماع في التقصي الموضوعي، فإنها لا تقف عند قراءة الواقع، لكونها أيضًا قوة نقدية يمكنها رصد الحلول ومناقشة مشروعيتها. صاغ هابرماس ضمن هذا التمشي المنهجي العام تفسيرًا للحداثة يبني على نظرية ماكس فيبر الاجتماعية ويطوّرها. ويقوم هذا التفسير على إثبات التماهي بين الحداثة والعقلنة واعتبار الأولى مسار عقلنة

مستمرة وجذرية لكل مناحي الحياة. لكن، لئن اعتبر ماكس فيبر أن هذه العقلنة تنحصر في الفاعلية العقلانية الغائية (أو العقلانية الأداتية) فإن هابرماس يعتبر أنّ هذا المسار كان في بدايته ثنائيًا يجمع إلا أنه حاد عن طريقه وانتهى إلى سيطرة العقلانية الأداتية على كل مظاهر الحياة الحديثة. وتنحصر مهمة الفلسفة في تقدير هابرماس في إعادة تفعيل العقل التواصلي لاستكمال مشروع الحداثة وتحقيق مضمونه التحرري. سعى هابرماس إلى إنجاز مشروع إعادة تفعيل العقل التواصلي ضمن نظرية نقدية للمجتمع، تجمع بين التقصّي المعتمد على العلوم الإنسانية، خاصة علم الاجتماع، والتفكير الفلسفي النقدي الذي يستكشف الحلول الممكن تحقيقها في العالم المعاصر. وحاول ضمن هذا المشروع إعادة بناء مفهوم العقلانية، ثم إعادة تفسير الواقع الاجتماعي لكشف الآليات التي اخترق بها العقل الأداتي مجال العقلانية التواصلية وسيطر عليها. لكنّ النظرية النقدية للمجتمع لا تقف عند مستوى التفسير لكونها تحدد السبيل الممكن للتحرر من هذه السيطرة التي سجنت الإنسان المعاصر فيما أسماه فيبر "القفص الفولاذي" للتعبير عن السيطرة المطلقة للعقلانية الأداتية، والتي أفقدت الإنسان المعاصر الحرية والمعنى. تفعيل العقلانية التواصلية، يمكنه في تقدير هابرماس استعادة المعنى والحرية لا فقط على مستوى تصورنا للعقل والمعنى والحقيقة بل، أيضًا وخاصة، على مستوى الممارسة؛ وذلك عبر إعادة بناء الممارسة السياسية على أساس تواصلي. وترجم هابرماس هذا التفعيل من خلال إدراج مفهوم السياسة التداولية تلك التي تقوم أساسًا على التواصل والنقاش. تبلورت تصورات هابرماس عن السياسة التداولية في مفهوم الديمقراطية التداولية، بما هي تحقيق لمقتضيات العقلانية التواصلية والفعل التواصلي في مجال الممارسة السياسية. ومحور هذه التصورات هو مفهوم الفعل التواصلي الذي يفيد التواصل اللغوي بين الفاعلين الذي ييسّر التنسيق التلقائي للأفعال بين هؤلاء الفاعلين الاجتماعيين ورهانه التفاهم المتبادل. ويتميز هذا الفعل من الفعل الاستراتيجي المتمحور حول ذاته، والذي رهانه تحقيق غايات الفرد الخاصة، حيث تسعى الذات (الأنا) إلى تحقيق مصالحها بصرف النظر عن الآخر. والتمييز بين نوعَي الفعل هو في أساس نظرية الفعل التواصلي التي كان رهانها بناء الحجة الفلسفية على ثنائية العقلانية الحديثة. يتطلب الفعل التواصلي، الذي يستند إلى معيار العقلانية التواصلية، تفاهمًا أو اتفاقًا يؤدي إلى إنشاء إجماع مبَّرَر عقلانيًا يقبله الفاعلون بحرية: "إنّما أتحدث عن الأفعال التواصلية، إذا لم يجر تنسيق خطط فعل الجهات الفاعلة المشاركة من خلال حسابات النجاح المتمحورة حول الذات، بل من خلال أعمال التفاهم المتبادل. ففي الفعل التواصلي، لا يوجّه المشاركون في المقام الأول نحو النجاح الخاص؛ إنّهم يتابعون أهدافهم الفردية بشرط أن يتمكنوا من الاتفاق المتبادل على خطط عملهم على أساس التعريفات المشتركة للمواقف"6. ويعتمد التواصل على التزام ضمني ومتبادل بين

  1. Jürgen Habermas, Théorie de l’agir communicationnel , J–M Ferry & J.–L. Schlegel (trad.), vol. 1 (Paris: Fayard, 1987), p. 295.

المتكلم والمستمع، يتعهد فيه المتكلم صراحة بأن يبرر صحة ما يدافع عنه، أو يتقدم به في التواصل، ويتوقع أن يتخذ المستمع موقفًا نقديًا من جانبه، فإمّا أن يقبل ما يتقدم به المتكلم وإمّا أن يرفضه. ويقبل المستمع، من خلال الاعتراف بادعاء الصلاحية، العرض من المتكلم. وإنّ التفاهم البينذاتي، نتيجة لذلك، موقف يختاره بحرّية شركاءُ التواصل من أجل تنسيق خططهم للفعل ولا يمكن أن يكون مفروضًا على عملية التفاعل الاجتماعي من خارجها. والخاصية المميزة لهذا التفاهم البينذاتي هي أنه مبرر، وهو إذًا مؤسس عقلانيًا. يفيد هذا الأساس العقلاني أن التفاهم التواصلي ليس اتفاقًا أو صفقة، بل موافقة يحفزها قبول أو رفض ادعاءات الصلاحية التي يقدّمها المشاركون في التواصل لتبرير ما يتقدم به كل مشارك بشأن موضوع التفاعل7. وذهب هابرماس إلى حد ربط العقلاني بالتواصلي في معنى أنّ ما يمكن أن يقال عنه إنه عقلاني، هو ما يكون نتيجة تواصل بينذاتي لا معيار له إلا معيار الحجة الأفضل. تتأسس أطروحة هابرماس بشأن الديمقراطية التداولية على النظر إلى المسألة الأخلاقية والسياسية بمقتضيات العقلانية التواصلية نفسها. فوفق معايير هذه العقلانية، تكتسب معرفة معينة صفة العقلانية من كونها نتاج نقاش يحتكم إلى الحجة الأفضل التي تفرض نفسها على كل ذي عقل. وبالمثل، فإنّ شرعية المعايير الأخلاقية والقوانين التي تنظم العيش المشترك والسياسات العمومية التي تهم المصلحة العامة ومنظومة السلطة السياسية في مجموعها، تتأسس على نقاش عقلاني وسليم في الإجراءات التداولية التي أفضت إليه. تقوم الديمقراطية التداولية على التسليم بأن النقاش العام الحر بين المواطنين المتساوين هو أساس الشرعية السياسية. ما يمكن ملاحظته أنّ الديمقراطية التداولية تحوّلت في الفكر السياسي المعاصر من مفهوم إلى بردايم يضم العديد من النماذج النظرية للجمع بين الشرعية والتداول: "إنه بردايم النظرية الديمقراطية [الذي] يجعل من المداولات العامة والحرة بين المواطنين أساسًا للشرعية السياسية"8. والمعطى المهمّ المتصل بالديمقراطية التداولية يحيل إلى سؤال الشرعية: "إن نظرية الشرعية الديمقراطية التي تنبثق من هذا التحليل هي التي يُطلب فيها من المواطنين إجراء تقييم جماعي ونقدي لمؤسسات مجتمعهم ومعاييره، من خلال إجراءات النقاش. وتضمن هذه الإجراءات أن تكون عملية التقييم عادلة وأن تكون المداولات عقلانية"9. يحيل المفهوم عند هابرماس إلى واقع أنّ القرارات المتعلقة بالمسائل السياسية التي تهمّ المجتمع، لا ينبغي أن تنتج من عملية آلية لتجميع التفضيلات الفردية الثابتة والسابقة للعملية السياسية، بل ينبغي أن تكون نتيجة لعملية واسعة من المداولات بين المواطنين الأحرار المتساوين والعقلانيين. يمكن

  1. Ibid., p. 296.
  2. Charles Girard & Alice Le Goff, La démocratie deliberative, anthologie de textes fondamentaux (Paris: Hermann, 2010), p. 12.
  3. Simone Chambers, "Discourse and Democratic Practices," in: Stephen White (ed.), The Cambridge Companion to Habermas (New York: Cambridge University Press, 1995), p. 240.."The Idealized Presuppositions of Communication"

القول إن هابرماس يعمم مبدأ النقاش الذي جعله في أساس صلاحية المعايير الأخلاقية في إيتيقا النقاش. ولكنه بدلًا من استعمال مفهوم النقاش Discourse، يعتمد مفهوم التداول Deliberation. ومن الممكن تفسير ذلك بالرجوع إلى الإشكاليات المنهجية والبنيوية التي حالت دون مواصلته إعادة بناء مشروع إيتيقا النقاش وتخلّيه عنه10، واهتمامه بمشروع السياسة التداولية. في هذا السياق يمكن فهم اعتماده على مفهوم التداول الذي يُعتبر مفهومًا كلاسيكيًا، تأكيدًا لانفصاله النهائي عن مشروع إيتيقا النقاش الذي ظل كارل أتو آبل Karl–Otto Apel (2017–1922) يشتغل به. ومن أهم خصائص هذا الفهم للديمقراطية أنه في أساسه تصور إجرائي Procedural11، لكون مركز اهتمامه هو الإجراءات التي يتحقق ضمنها التداول العمومي بصرف النظر عن مضمون موضوع هذا التداول. لذلك فإن القول: "إن ما يميز الديمقراطية التداولية هو تأسيسها للشرعية القانونية والسياسية على التداول العمومي"، يفيد أنّ ما هو أساسي هو سلامة الإجراءات التي يتحقق ضمنها التداول، وأنّ مركز الشرعية هو هذه الإجراءات ذاتها. وعلى خلاف التداول التلقائي وغير الملزم، أو تبادل الآراء، أو النقاش الحر أو غيرها من أشكال الحوار، يحيل التداول في مفهوم الديمقراطية التداولية إلى ممارسة غائية يختار الفاعلون الاجتماعيون الاحتكام إليها إرادًّيًا ووفق ضوابط محددة، ولغرض التوصل إلى إجماع عقلاني يكون في أساس شرعية القرارات التي تنتج منها. لذلك يتطلب التداول المستهدف استيفاء مجموعة من الشروط للحصول على عملية تداولية سليمة يمكنها أن تكون أساسًا للشرعية. وكما كان الشأن في مشروع إيتيقا النقاش، يخضع التداول المستهدف إلى ضوابط النقاش الأخلاقي نفسها؛ أي ما يسميه هابرماس "المفترضات المثالية المسبقة للتواصل"

وتحيل المفترضات المثالية المسبقة للتواصل Idéalisations عند هابرماس إلى "الوضع المثالي للكلام". ويتعلق الأمر بأكثر المفاهيم إشكالية في البردايم التواصلي والأكثر مناقشة بسبب دﻻلته ومنزلته غير الواضحة ضمن البناء الهابرماسي عامة. وبصرف النظر عن الجدل الذي نتج منه، من الممكن تحديده معيارًا للتواصل وذلك لكونه معيارًا لتحديد عقلانية الإجماع. إن الإجماع الذي يُعتد به عند هابرماس، أي ذلك الذي يكون مبَّرَرًا عقلانيًا، ومشروعًا من جهة العمل، هو ذلك الذي يستجيب لشروط المفترضات التداولية المسبقة للنقاش أو التواصل. تؤطر هذه المفترضات مفهوم التداول بما هو ممارسة حوارية تضمن لكل مشارك الحق نفسه لاستخدام أفعال الكلام وتقديم الحجج12، من أجل البحث عن اتفاق عقلاني مع المحاور على

  1. Christian Bouchindhomme, Le vocabulaire de Habermas (Paris: Ellipses, 2002), p. 46.
  2. Bernard Manin, "Volonté générale ou délibération," Le Débat , vol. 1, no. 33 (1985), p. 19.
  3. Jürgen Habermas, L’éthique de la discussion et la question de la vérité (Paris: Grasset, 2003), p. 103.
  4. 1في إيتيقا النقاش، يسرد أربعة على الأقل: "لا يمكن أي شخص الانخراط بجدية في حجة إذا لم يفترض وضع الكلام المثالي الذي يضمن من حيث المبدأ العلنية والمساواة في المشاركة وصدق المشاركين والمواقف غير المقيدة". ينظر: Jürgen Habermas, De l’éthique de la discussion , M. Hunyadi (trans.) (Paris: Cerf, 1992), p. 122.

أساس الحجاج، أي على أساس صلاحية ادعاءات الصحة التي يقدمها في النقاش13، وتفيد هذه المفترضات أنّ المشاركة في التداول ينبغي أن تكون موجّهة نحو التفاهم والبحث التعاوني عن الإجماع. ولتحقيق ذلك ينبغي استبعاد جميع القيود وأشكال التسلط أو الترهيب أو التهديد. وتفيد ضرورة إشراك الجميع في المناقشات التي يجب أن تكون علنية، وشاملة وتضمن صدق جميع المشاركين، بمعنى تطلّعهم إلى التوصل إلى إجماع عبر عرض الحجج التي تبرر مواقفهم على التداول العام. وبهذا، فإنّ الإنصاف والشمولية والحرية هي شروط مسبقة لنجاح أيّ عملية تداولية. ومن المفترض أن تفضي المسارات التداولية إلى إنشاء الإرادة الجماعية والاتفاق على قواعد ومعايير للعيش المشترك، على نحو يسمح للجميع بالالتقاء على هذا المشترك الجماعي في الوقت نفسه الذي يضمن كل فرد حريته. غير أن ذلك يستوجب، إضافةً إلى تحقق المفترضات التداولية المسبقة للتواصل، وجود نظام قانوني يرسّخ ويضمن حرية التواصل، إلى جانب الحريات المدنية الأساسية، لذلك: "يعود الأمر إلى الحقوق السياسية الأساسية في إضفاء الطابع المؤسسي على الاستخدام العام للحريات التواصلية في شكل حقوق ذاتية"14. وتمنح هذه الحريات الفرد الحق في المشاركة الحرة في التداول، وحقه في تقديم الحجج التي تثبت صلاحية ما يتقدم به وحقه في الاعتراض على الحجج المقدمة في التداول15. وإن الأثر المرتجى من التداول يتجاوز مجرد التوصل إلى الاتفاق العقلاني لكونه يشمل تمثّل الفرد لذاته ولتفضيلاته وآرائه. والمسارات التداولية تمنح الفرد مناسبة لعرض تصوراته ومواقفه على النقاش العام، ما يمكّنه من امتحان صلاحيتها ومعقوليتها، على نحوٍ يساهم بقدر كبير في مراجعتها وتدقيقها أو تغييرها. وفي هذا السياق، تعتبر مايف كوك أنّ من أبرز الحجج التي تدعم التصور التداولي للديمقراطية، تلك التي تحيل إلى "قوّتها" التربوية، إذ من المفترض أن يؤدي التداول إلى مراجعة الفرد لتفضيلاته ومواقفه في ضوء الحجاج النقدي: "أفهم التبادل غير المقيد للحجج، بأنّه يتضمن تفكيرًا عمليًا. ومن المحتمل أن يؤدي دائمًا إلى تغيير التفضيلات، على الرغم من أن المداولات العامة تهدف إلى الاتفاق العقلاني"16.

ثانيًا: الفصل بين التداول والقرار

كان هابرماس، وكذلك جون رولز John Rawls (2002–1921) من الذين نشروا مفهوم الديمقراطية التداولية في الفكر الفلسفي السياسي المعاصر، معتمدين في ذلك على مفهوم التداول Deliberation الذي يعود في جذوره إلى فلسفة أرسطو، وكان من الأوائل الذين استعملوا المفهوم ضمن نظريته السياسية والأخلاقية. لكن الفهم المعاصر، وإن كان قريبًا من الدلالة الأرسطية، يقوم على دلالتين

  1. 1حسن مصدق، النظرية النقدية التواصلية (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2005)، ص.145
  2. Jürgen Habermas, Droit et démocratie , Christian Bouchindhomme & Rainer Rochlitz (trad.) (Paris: Gallimard, 1997), p. 148.
  3. ينظر: Manin.
  4. Maeve Cooke, "Five Arguments for Deliberative Democracy," in: Maurizio Passerin d’Entrèves (ed.), Democracy as Public Deliberation (Manchester: Manchester University Press, 2002), p. 54.

مختلفتين للتداول أشار ألبان بوفييه إلى ضرورة التمييز بينهما: "التداول كنقاش حجاجي يؤدي إلى قرار من طرف المتداولين (وهو معنى شامل وكلاسيكي)، مقابل التداول كنقاش بسيط من دون أن يؤدي إلى قرار (معنى مقيّد مقارنة بالمعنى السابق")17. وعلى هذا الأساس، يمكن اعتبار القرار كخط فاصل بين مفهومين مختلفين للتداول. ويشير المعنى الكلاسيكي العائد إلى أرسطو، إلى تحليل الاختيار التفضيلي، أي فعل تفضيل شيء على آخر، والذي يسبقه التداول بالضرورة، بمعنى الموازنة بين عدة بدائل، والحسم في النهاية باختيار أحدها18. والفضاء النموذجي لهذا التداول هو المجلس السياسي. ويتميز الاستخدام الكلاسيكي للمفهوم بعدم فصله بين عملية التداول وعملية صنع القرار؛ فأولئك الذين يتداولون هم أيضًا أولئك الذين يتخذون القرارات. وإلى جانب هذا المعنى الكلاسيكي، يميز بوفييه المعنى الثاني الذي يعتبره "مقيدًا مقارنة بالمعنى الأول"، ويشير إلى دلالة تفصل التداول عن القرار: "نرى المزيد من استخدام مفهوم الديمقراطية التداولية لتسمية مناقشات حجاجية لا تؤدي بالضرورة إلى قرار من جانب المتداولين. تحدّث العديد من الكتاب الذين جاؤوا بعد هابرماس مثل جيمس بوهمان James Bohman وجوشوا كوهين Joshua Cohen عن الديمقراطية التداولية أو السياسة التداولية في هذا المعنى"19. وما يحيل إليه بوفييه بوجه خاص هو أن المفهوم الهابرماسي للديمقراطية التداولية يشير إلى هذا المعنى الثاني "الأكثر تقييدًا"، ويعتبره أيضًا مفهومًا مرنًا "مقارنة بالمعنى السابق"20. يفصل هابرماس في مفهومه للديمقراطية التداولية بين مسار العملية التداولية وعملية صنع القرار. وينبع هذا الفصل في جزء كبير منه من تصوره لمكانة الديمقراطية والسياسة ودوريهما، لا سيما فيما يتعلق بالقانون، في المجتمعات المركبة كما هو حال المجتمعات المعاصرة. ويلاحظ إيف سانتومى Yves Sintomer أنّ العلاقة بين القانون والسياسة عند هابرماس تتمثل في أنهما نمطان يجسدان العقل العملي، لكنه يشير إلى "نقطة حاسمة"21 في تصور هابرماس، لكونه يقر أولوية السياسة على القانون: "يدعم هابرماس تقسيم السلطة إلى مؤسسات تحتفظ بمقتضاه الهيئة التشريعية بسلطة سنّ القواعد، ويقتصر دور النظام القانوني على تقنينها، في حين يقتصر دور السلطة التنفيذية على تنفيذها بدقة"22.

  1. Alban Bouvier, "La dynamique des relations de confiance et d’autorité au sein de la démocratie dite 'participative' et 'deliberative'," Revue européenne des sciences sociales , vol. 45, no. 136 (2007), p. 192.
  2. التعريف الذي يقدمه مانين يسير في الاتجاه نفسه: "إن التقليد الفلسفي وفقًا لاستخدام يعود إلى الأرسطية، يصف، بمصطلح المداولات، عمومًا عملية تكوين الإرادة، هذه اللحظة التي تسبق الاختيار والذي يتساءل فيه الفرد عن الحلول المختلفة قبل أن يقرر أحدها". ينظر: Manin, p. 78.
  3. Bouvier, p. 192.
  4. Ibid.
  5. Yves Sintomer, La démocratie impossible? Politique et modernité chez Weber et Habermas (Paris: La Découverte, 1999), p. 299.
  6. Ibid., p. 300.

وفي المجتمع الحديث، وخاصة المجتمعات المركّبة المعاصرة، تنبع شرعية النظام القانوني مباشرة من "سلطة تواصلية تتجسد في المؤسسات الديمقراطية"23. تتحقق الديمقراطية التداولية عند هابرماس في الواقع عبر مسار تداولي، وعلى وجه الدقة فهي "ذات مسارين"24 مختلفين: الأول يشير إلى فضاء المجالس النيابية المنتخبة (وهو في تقدير هابرماس المسار الرسمي للتداول أو المسار المؤسسي)، والثاني الفضاء العام أو المجتمع المدني المكوّن من مجموعات فكرية وثقافية مختلفة وجمعيات ونقابات (وهو في تقديره المسار غير الرسمي الذي ينتظم خارج المؤسسات الرسمية لدولة القانون). يؤدي هذا التمييز إلى نتائج حاسمة في علاقة التداول بالقرار: ففي المسار الرسمي تقترن التداولات بالقرار، وهو ما يعني أن نتائج التداول تؤدي إلى الحسم في المسألة المطروحة للتداول، وتتحول إلى قرار ملزم للسلطة. وفي المقابل، لا يؤدي التداول في المجال غير الرسمي إلى الحسم النهائي والقرار، ونتائجه إذًا غير ملزمة للسلطة. وفي هذه المجالات غير الرسمية يتحقق التداول بحسب مقتضيات النقاش الحجاجي في أي مسألة يريد المشاركون التداول في شأنها، ويفضي إلى تفاهم بمعنى الإجماع على نتيجة محددة، لكنه يظل إجماعًا بينهم وليس ملزمًا للسلطة، وهكذا لا يتحول إلى قرار. هذا التمييز أساسي في مفهوم هابرماس للسياسة التداولية، وهو في أصل الصعوبات التي تحفّ به. وسبب هذا التمييز المهم هو الخصائص المميزة لكل فضاء. ففي الفضاء العام الرسمي المنظم، والمنتظم ديمقراطيًا، والمحدد اجتماعيًا، والذي يهدف إلى التعامل مع المشكلات في سياق الحجاج المنطقي حول مواضيع محددة، يمكن اتخاذ قرار بشأن القضايا المطروحة على جدول الأعمال25. وفي المقابل، لا يمكن أن يفضي التداول إلى قرار ملزم للسلطة داخل الفضاء العام غير الرسمي لكونه مكوّنًا من فضاءات عامة متعددة ذات حدود "متحركة"، وتتطور على نحو تلقائي تقريبًا، وضمن تواصل غير مقيّد بتنظيم رسمي. ومصدر الصعوبة هو طبيعة هذا الفضاء العام، فهو ظاهرة اجتماعية وليس مؤسسة أو منظمة26؛ وذلك أن "هيكله الفوضوي "27 يمنع ربط التداول بالقرار. وبصرف النظر عن الفضاء الذي تنجز فيه التداولات فإنها: أ) يجب أن يكون الحجاج العقلاني مرتكزها الأساسي؛ ب) وأن تكون شاملة وعامة؛ ج) وخالية من القيود الخارجية؛ د) وخالية من جميع القيود الداخلية. إضافةً إلى ما سبق، يشترط هابرماس مسلّمات محددة أخرى خاصة بالتداولات السياسية المنظمة ديمقراطيًا: فيجب أن تؤدي هذه التداولات إلى: ه) اتخاذ قرارات بالأغلبية؛ و) ومناقشة جميع المواضيع التي تتبع اللوائح المعتمدة من أجل تحقيق المصلحة المتساوية للجميع؛ ز) والمواضيع المتعلقة بتفسير الحاجيات وتغيير المواقف والتفضيلات من جانب السياسيين28.

  1. Ibid.
  2. Habermas, Droit et démocratie , p. 330.
  3. Ibid.
  4. Ibid., p. 386.
  5. Ibid., p. 387.
  6. Ibid., pp. 330–331.

ثالثًا: حدود التداول

التمييز بين التداولات الرسمية والتداولات غير الرسمية، وإقرار أن "النظام السياسي وحده هو القادر على الفعل"29، يفصلان القسم الأكبر من المسارات التداولية الممكنة فعلًّيًا عن سلطة القرار. والنتيجة المباشرة لذلك هي إعادة إنتاج الديمقراطية التمثيلية من حيث أراد هابرماس تجاوزها. هذا المعطى المتأصل في الفهم التداولي للديمقراطية عند هابرماس، هو ما أوضحه جاك شوفالييه من خلال الإحالة إلى المفارقة التي يقوم عليها، ف "من حيث تكوينه ذاته، يصطدم النموذج التداولي بالازدواجية: فمن ناحية هو لا يشكك في منطق الحكومة التمثيلية، بل ينوي البناء عليها، فيعزز شرعيتها؛ ومن ناحية استناده إلى مبدأ مختلف للشرعية، ينزع إلى تقويض أسس الحكومة التمثيلية. وهذا التناقض مصدر للمفارقات والتناقضات"30. إنّ هابرماس بفصله بين المسارات التداولية الرسمية عن غير الرسمية يثبت هذه الازدواجية، ومن وراء ذلك يثبت أنّ التصور التداولي الذي رسمه أكّد، على نحو غير مباشر، مشروعية الديمقراطية التمثيلية من خلال قسره سلطة القرار على التداول الرسمي، أي ذلك الذي يجري داخل المؤسسات المنتخبة كما هو حال البرلمانات. وفي المقابل، إن انتشار التداولات غير الرسمية في فضاء المجتمع المدني والذي يحتكم إلى محددات التداولات الرسمية نفسها، يظل مطلوبًا في حد ذاته، من دون أن يكون أساس القرار. يمكن التداولات التي تحدث في المجتمع المدني أن تنشِئ رأيًا عاًّمًا وموقفًا واسع الانتشار، ولكنه يظل فاقدًا لسلطة القرار. تبدو أطروحة هابرماس في هذا السياق إشكالية لكونها بقدر ما تدفع إلى التداول العام بشأن مختلف المسائل التي تهم الشأن العام، تعيد إنتاج الشكل التمثيلي للديمقراطية التي راهنت على تجاوزه. وفي هذا السياق، يبدو أن التداول مطلوب لذاته، لكون استقرار النظام السياسي يتطلب في تصور هابرماس حصر سلطة القرار في المسارات الرسمية دون غيرها. يسوّغ هابرماس هذا الفصل بمطلب تحصين التداول ضد الفوضى وأشكال التفكك، وعلى هذا الأساس رفض التصور التداولي الجذري الذي صاغه جوشوا كوهين31: "في الحقيقة، لم يتخلص كوهين بعد من فكرة خضوع المجتمع ككل للتنظيم التداولي، [...] على العكس تمامًا، الإجراء [...] الذي بموجبه تكتسب القرارات شرعيتها هو في رأيي، البنية المركزية لنظام سياسي متمايز، مؤسس على مبادئ دولة القانون"32. إن ما ينتقده هابرماس في التعريف الذي يقدّمه كوهين هو تصوره التداول بوصفه نموذجًا لجميع المؤسسات الاجتماعية، أما بالنسبة إلى هابرماس، فإن هذا النموذج

  1. Ibid., p. 325.
  2. Jacques Chevallier, "La démocratie délibérative: Mythe et réalité," in: Alain Gras & Pierre Mussom, Politiques, communication et technologies (Paris: Presses Universitaires de France, 2006), pp. 75–87.
  3. يتصور كوهين أن المسارات التداولية التي حدد هابرماس إجراءات إنجازها عبر المفترضات المسبقة للنقاش يجب أن تشمل كل المؤسسات الاجتماعية، بل يجب توسيع مجالها قدر الإمكان حيث يثبت "أن الإجراء التداولي المثالي يوفر نموذجًا للمؤسسات، وهو نموذج يجب عليها إعادة إنتاجه قدر الإمكان". ينظر: Joshua Cohen, "Deliberation and Democratic Legitimacy," in: James Bohman & William Rehg, Deliberative Democracy (Cambridge: MIT Press, 1997), p. 79.
  4. Habermas, Droit et démocratie , p. 330.

ليس عملًّيًا، لكون العمليات التداولية لا يمكنها التسلل إلى المنظومات الاجتماعية الفرعية ذاتية التنظيم. ولذلك من الصعب اعتبار الديمقراطية التداولية عند هابرماس تصورًا راديكالًّيًا للديمقراطية، فرغم قيامه على النقاش الحجاجي المفتوح لكل المواطنين الذين يمكنهم التداول في شتى المسائل بلا قيد، فإنه يقصي القسم الأكبر من هذا التداول من دائرة القرار. ونتيجة لذلك، يظل التداول غير الرسمي على الهامش، مقارنة بذلك الذي ينجز داخل الهيئات الرسمية، ومهما كان مطابقًا لإجراءات النقاش الحجاجي فإنه يظل غير قادر على التحوّل إلى قرار.

رابعًا: من مطلب الإجماع إلى شرعنة العصيان المدني

يؤدي الفصل بين مسارَي التداول المنوط به تحصين الممارسة السياسية ضد الفوضى إلى نتائج غير متوقعة؛ لكونها في تعارضٍ مع المقدمات التي تأسست عليها الديمقراطية التداولية عند هابرماس. وأولى هذه النتائج هو التطابق الفعلي بين الممارسة التداولية والديمقراطية التمثيلية، من حيث إن المؤسسات المنتخبة أو المجالس النيابية وحدها القادرة على ربط التداول بالقرار. وثانية هذه النتائج أن هذا الفصل يؤدي إلى الإقرار بشرعية العصيان المدني Civil Disobedience، وهو ما انتهى هابرماس إلى إثباته. فإن وجود مسارين للتداول يؤدي إلى وضعيات تتعارض فيها أشكال الإجماع الناشئ في المسار الرسمي مع أشكال الإجماع الناشئ في المسارات غير الرسمية. ومن المفترض، بحسب نظام الحجج الذي بناه هابرماس، أن يكون التداول في المسار الرسمي صدى أو انعكاسًا للتداول السائد في المسارات غير الرسمية، والتي تتشكل عبر شبكة واسعة من التداولات، وتفضي إلى تشكيل رأي عام أو أشكال من الإجماع تنحصر في فئات اجتماعية معينة أو أقليات ثقافية أو أخلاقية. لكنّ الوقائع تبين كذلك أنّ مسار التداول البرلماني يمكن أن يفضي إلى إجماع يتعارض مع شكل الإجماع غير الرسمي؛ لكون مصادر الإجماع في كلا الحالين مختلفة. وعند المقارنة بين مسارَي التداول، من الواضح أن هابرماس يضفي أهمية أكبر على مسارات التداول غير الرسمية. فلئن حصر شرعية القرار في التداول الرسمي، فإنه ينظر إليه باعتباره تداولًا مفتوحًا على أطرافه بل انعكاسًا لها لكونها أساسه ومجال فعله، ولكون عقلانية القرار تنبع في نهاية المطاف من هذه التداولات غير الرسمية، ف "إذا كنّا نعتمد على هذه الترجمة السوسيولوجية لتفسير الديمقراطية التي قدّمتها نظرية النقاش، فإنّ القرارات الملزمة، لكي تكون مشروعة، يجب أن تنظّمها التدفقات التواصلية التي تبدأ من الأطراف وتخترق أقفال الإجراءات الخاصة بالديمقراطية ودولة القانون قبل الدخول إلى النظام البرلماني أو المحاكم"33. وعلى هذا الأساس يقيّم هابرماس في "القانون والديمقراطية" تقييمًا إيجابيًا لدور المجتمع المدني. ورغم إمكانية تعرّض "الفضاء العام" ل "التشوهات البنيوية للتواصل"34، ولآثار القمع والإقصاء" و"العنف البنيوي"، يظل مج لًا مثاليًا للمسارات التداولية: "يتميز الفضاء العام بوجود وسيلة اتصال غير مقيدة، حيث يمكن تصور القضايا الجديدة بطريقة أشد

  1. Ibid., p. 383.
  2. Ibid., p. 333.

أهمية، حيث يمكن تصور المناقشات التي أ جريت للاتفاق على الهوية الجماعية بطريقة أوسع وأكثرُ تعبيرًا، وحيث يمكن التعبير عن الهويات الجماعية وتفسيرات الحاجيات بحرية أكبر من الفضاءات العامة المنظمة إجرائًّيًا"35. ويشير الفضاء العام إلى الفضاء الاجتماعي غير الرسمي الراسخ اجتماعيًا في جمعيات المجتمع المدني، فهو يوفر مساحة لإدراك القضايا التي تؤثر في المجتمع كله، وإمكانية ترجمتها إلى قضايا عامة. بهذا المعنى، فإن الفضاء العام، هو بمنزلة رجع صدى يلتقط المشكلات التي تتطلب معالجة من النظام السياسي. يكشف تأكيد هابرماس على أهمية التداولات غير الرسمية وتثمينه لدورها في الممارسة السياسية، عن قدرتها على تجسيد مقاصد الديمقراطية التداولية؛ لذلك لا يكتفي بإثبات مشروعية التداولات غير الرسمية ومعقوليتها، بل يساوي بينها وبين التداولات الرسمية، وعند تعارضها ينتصر للتداول غير الرسمي بإقراره مشروعية الحق في العصيان المدني ودستوريته. اعتمد هابرماس المصطلح الذي صاغه الأميركي هنري ديفيد ثورو Henry David Thoreau في مقالته "العصيان المدني"، التي نُشرت عام 8491، وذلك للإشارة إلى معنى آخر عن "الجانب الآخر الحتمي للنظام السياسي القائم على الخضوع الطوعي"36. يتعلق الأمر بفعل سياسي شرعي يستقي شرعيته من طبيعته السياسية ذاتها، أي بما هو رد فعلٍ مشروع على انفصال التداولات الرسمية عن عمقها الفعلي، أي التداولات غير الرسمية. وعلى هذا الأساس، يمكن تحديد العصيان المدني عند هابرماس، بما هو نتيجة ضرورية لاحتمال تعارض مسارَي التداول. والعصيان المدني المقصود غير عنيف، ومؤقت، وهو من حيث التحديد فعل سياسي وليس عملًا أخلاقيًا، حتى وإن كان من الممكن تحفيزه أخلاقيًا، بل حتى وإنْ كان قرار الانخراط فيه شخصيًا. إنه سياسي لما لا يقلّ عن ثلاثة أسباب: أوّلها أنّه ليس مدفوعًا بمصلحة خاصة أو طائفية، وثانيها أَّنَ موضوعه حقوق أساسية ومبادئ دستورية، وثالثها أَّنَ العصيان المدني ممارسة عمومية بدوافع عمومية. إنّ العصيان المدني ليس حدثًا هامشيًا، ولكنه ممارسة لا غنى عنها وتصحيح دائم: "من الضروري قبول العصيان المدني كجزء من الثقافة السياسية لمجتمع ديمقراطي متطور"37. بل يراه هابرماس فعلًا شرعيًا ومكِّوِنًا من مكونات الممارسة التداولية ذاتها: "العصيان المدني يجب أن يتماشى مع مبادئ الدستور الحالي، وليس المبادئ الدستورية العامة؛ والتي يمكن أن تشير إلى نظام سياسي دستوري آخر"38. هذا الارتباط بين العصيان المدني والدستور مهم لأنه يشير إلى الفرق بين العصيان المدني والحق في المقاومة، والتي لا يقبل هابرماس شرعيتها في حكم القانون الراسخ ديمقراطيًا39.

  1. Ibid., p. 334.
  2. Estelle Ferrarese, "Le conflit politique selon Habermas," Multitudes , vol. 2, no. 41 (2010), p. 198.
  3. Jürgen Habermas, Écrits politiques , Christian Bouchindhomme (trad.) (Paris: Fayard, 2005), p. 101.
  4. Sintomer, p. 327.
  5. يلاحظ سينتومر أن الحق في المقاومة يمثل الاختلاف الرئيس بين تحليل جون رولز وتحليل هابرماس حول نطاق العصيان المدني وحدوده. بينما يقصر هابرماس الشرعية على عصيان مدني محدود ومسؤول بالإشارة إلى المعيارية الدستورية، ولا يزال رولز، وفقًا لسينتومر، أثناء مناقشة العصيان المدني بالأساس، يثير أيضًا المقاومة و"العمل العسكري". ينظر: Ibid., p. 329.

إقرار هابرماس بمشروعية العصيان المدني يمكن النظر إليه باعتباره مث لًا للنتائج غير المتوقعة لنظرية رهانها بناء الحجة الفلسفية للإجماع. لكنّ هابرماس ينظر إليه باعتباره أحد أشكال التواصل بين السلطة (المسار الرسمي للتداول) والمجتمع المدني (المسار غير الرسمي للتداول)، عند تعطّل التواصل السليم المفترض فيه تفاعل السلطة مع المجتمع المدني. وبهذا المعنى: "يشكّل العصيان المدني طريقة أخرى للتواصل السياسي بين المجتمع المدني والسلطة في غياب أساليب التواصل العادية، ولذلك يلحّ التعريف على شرط الإعلام المسبق به، وحيث هو وسيلة تواصل غير عادية يركّز هابرماس على طابعه الرمزي واللاعنيف"40. ورغم التبرير الذي قدّمه والتأويل الذي ذهب إليه إلى الحد الذي اعتبر فيه أنّ هذا العصيان غير العنيف هو مظهر من مظاهر النقاش، فإنه يبين أنّ ربط المشروعية بالتداول والفصل ضمنه بين مسارين مختلفين وحصر سلطة القرار في التداول الرسمي، فإنّ ذلك يفضي إلى وضع إشكالي عند تعارض كلا المسارين. يعود بنا الإقرار بمشروعية التداول الرسمي وفصله عن عمقه غير الرسمي إلى الشكل الأكثر تجريدًا للديمقراطية التمثيلية، في حين أن الإقرار بمشروعية التداول غير الرسمي عند تعارضه مع النظام السياسي يفضي ضرورة إلى تبني هذه المشروعية وحقها في إنفاذ قرارها على نحو غير عنيف، مثلما هو الشأن في فهمه للعصيان المدني. وفي النتيجة، ليس في إقراره بمشروعية العصيان المدني في المجتمع الديمقراطي الذي ترعاه دولة القانون انتصار للحركات الاجتماعية التي تعتمل داخل هذا المجتمع ذاته، وإنما هو نتيجة للفصل الذي أقامه بين مسارَي التداول. وقد أثبت عبد العزيز ركح في تحليله لموقفَي هابرماس ورولز من العصيان المدني غموض طرحهما الذي، رغم الاختلاف النظري، يفضي في الواقع إلى إقرار ما أسماه "اللاعصيان المدني": غير أن مظهر هذا الموقف المساند العصيان المدني لدى كل منهما يخفي حقائق تنمّ، بالأحرى، عن تخوّف شديد منه وعدم رغبة في السعي الفعلي والواقعي إليه، وما الدفاع الظاهر عنه في الحقيقة إلا من حيث هو معتبر كصمام أمان أو شرط نظري للتوازن الفرضي الذي يجب أن يطبع الديمقراطية المعاصرة، ولكن من دون أن يكون إمكان اللجوء إليه محتمل41.

خاتمة

يطرح التصور الهابرماسي لممارسة سياسية قائمة على التداول في شكل ديمقراطية تداولية العديد من الصعوبات سواء في النظام الحجاجي لمشروع هابرماس الفلسفي أو اعتُبِر ضمن سياق الجدل الدائر حول ملامح البديل الممكن للديمقراطية التمثيلية. وغالبًا ما يوَّجَه النقد إلى هذا التصور من جهة صعوبة تجسيده في الواقع السياسي الفعلي بالنظر إلى مثالية مفهوم الإجماع الذي يقوم عليه، في مقابل واقع الصراع الذي يميز الوجود الاجتماعي للإنسان، وهو مضمونُ أكثرِ النقد الموجّه إلى هذا التصور كما هو شأن نقد فرنسوا ليوتار Jean–François Lyotard (998–1924.)1 لقد سعى

  1. ركح، ص.187
  2. المرجع نفسه، ص.232

هابرماس إلى الدفاع عن تصوره بإزاء هذا النقد من خلال فصله بين التداول الرسمي والتداول غير الرسمي، وحصر ربط التداول بالقرار في التداولات الرسمية. وراهن من خلال هذا الفصل على تمييز المسارات التداولية من دعوات الفوضويين، وتبيّن من خلال التحليل أنه يُفقد الديمقراطية التداولية ما به سعت إلى التميز من الممارسة التمثيلية. غير أن الفصل الهابرماسي بين التداول والقرار ضمن الممارسة التداولية يفضي بالضرورة إلى شرعنة العصيان المدني، وإقرار حق المسارات التداولية غير الرسمية في النفاذ إلى موقع القرار، بفعل مشروعية الإطار الحجاجي الذي قامت عليه. غير أن هذه النتيجة غير المتوقعة لا تعود بالديمقراطية التداولية إلى التماهي مع الديمقراطية التمثيلية فحسب، بل تؤدي إلى تقويض الرهان السياسي الذي يقوم عليه التداول، من حيث إنه لا يستبعد إمكانية الاختلاف الذي يمكن أن يتحول إلى صراع، وهي بذلك لا تتعارض مع رهانها السياسي فقط، بل تؤدي إلى عكس ما سعت إلى تحقيقه أي التفاهم والانسجام المجتمعي وتأكيد النظام الاجتماعي. تكشف النتيجتان كلاهما حدود التصور التداولي للديمقراطية كما صاغه هابرماس، سواء على مستوى تماسك البناء النظري أو من جهة تحققه في الواقع السياسي الفعلي. غير أن هذه الحدود لا ينبغي أن تحول دون تبيّن صعوبة الرهان الفلسفي السياسي الذي سعت إلى تحقيقه والمتمثل في عقلنة الممارسة السياسية المعاصرة. فما سعى التصور التداولي إلى إنجازه هو تحرير الممارسة السياسية من سلطة الأهواء وسيطرة المصالح الفئوية. وتفيد عقلنة الممارسة السياسية أساسًا أنّ قواعد العيش المشترك وتحديد الخير المشترك يجب أن تتأسس على تداول عقلاني ونقاش حجاجي، لا غلبة فيه للمصالح أو الأهواء، بل للحجة التي تفرض نفسها على كل ذي عقل. وما تسعى الممارسة التداولية إلى إعادة تأكيده هو المسلّمة البسيطة التي أثبتت المعرفة العلمية صحتها، وهي واقع أن الاحتكام إلى العقل يمكنه أن يقود إلى الصواب والحق، وبالمثل يمكن أن يقود الاحتكام للعقل إلى إعادة بناء النظام الاجتماعي على أساس الإنصاف. ورغم الصعوبات النظرية والعملية التي يطرحها، تكمن وجاهة التصور التداولي للديمقراطية في تحصين العيش المشترك في الوقت نفسه ضد هيمنة البيروقراطية والعقل الأداتي، وضد سطوة الآراء والأهواء الفردية على نحو خاص. فإذا كان الرهان الأول وجد حًّلا تقنًّيًا من خلال إعادة بناء مفهوم الديمقراطية، فإن الرهان الثاني يبدو أشد تعقيدًا وبعيد المنال، وربما لهذا السبب يطرح العديد من الصعوبات.

References

المراجع

العربية

ركح، عبد العزيز. الشرعية الديمقراطية: من التعاقد إلى التواصل، هابرماس في مواجهة رولز. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019

صليبا، جميل. المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية. بيروت: دار الكتاب اللبناني؛ مكتبة المدرسة،.1982

عبد الرحمن، طه. فقه الفلسفة 1: – الفلسفة والترجمة. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، علواش، نور الدين. الفلسفة الأمريكية المعاصرة. بيروت: دار الرافدين؛ كندا: دار أوبيس Opus، فيبر، ماكس. العلم والسياسة بوصفهما حرفة. ترجمة جورج كتورة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، مصدق، حسن. النظرية النقدية التواصلية. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2005

الأجنبية