Return to Article Details Truth or Hope: Philosophy, Literature, and the Value of Irony in Richard Rorty's Neo-Pragmatism

الحقيقة أو الأمل: الفلسفة والأدب وقيمة التهكم في براغماتية ريتشارد رورتي الجديدة

Truth or Hope: Philosophy, Literature, and the Value of Irony in Richard Rorty’s Neo–Pragmatism

توفيق فائزي

Taoufik Faizi

الملخّص

تتناول الدراسة بالبحث النموذج الذي جعله ريتشارد رورتي بديلًا من الفلسفة وهو العمل. ذلك النموذج الذي يتحول به فهمنا للفلسفة، ويجعلنا نلتفت إلى ما للأدب عامة، والرواية خاصة من الأثر البالغ في تحقيقه. مشكلة البحث هي: هل تعتبر وظيفة الفلسفة حقًّا تمثيلُ الواقع وإدراك الحقيقة؟ كيف يمكن أن تُسهم الفلسفة بوصفها عملًا بمعية الأعمال الأدبية في إحداث الأثر البالغ لتحسين الوضع الإنساني؟ ونضع فرضية أن رورتي لم يتسن له تحصيل آرائه عن الفلسفة والأدب ووضع قيمة جديدة هي قيمة التهكم حتى برَّأ نموذج العمل من ضده أي نموذج النظر. إن الفلسفة البديلة والأدب، خاصة الرواية، بتجسيدها قيمة التهكم تُحقق إمكانية التبرّؤ من النزعتين التنظيرية والتأسيسية ليكون الإخلاص للأمل وللتقدم الأخلاقي والاجتماعي.

Abstract

Abstract: This paper deals with Praxis as the central paradigm in Richard Rorty’s philosophy. Considering philosophy as praxis transforms the way we understand philosophy and draws our attention to literature that is more practical. Is truth the purpose of philosophy? How can philosophy as praxis and literary works contribute to the improvement of human condition? The study asserts that Richard Rorty was not able to justify his views on philosophy and literature, and develop a new value, irony, until he extricated the practical paradigm from its antithesis (the theoretical paradigm). By embodying the value of irony, philosophy and literature can fulfil their potential to disavow the theoretical and foundational paradigm, to become devoted to hope and to moral and social progress.

الكلمات المفتاحية:
  • الفلسفة
  • نموذج النظر
  • نموذج العمل
  • الأمل
  • التهكم
  • الأدب
Keywords:
  • Philosophy
  • Theoretical Paradigm
  • Practical Paradigm
  • Hope
  • Irony
  • Literature

توفيق فائزي * | Taoufik Faizi

Truth or Hope: Philosophy, Literature,

and the Value of Irony in Richard Rorty’s

Neo–Pragmatism

تمثيل الواقع وإدراك الحقيقة؟ كيف يمكن أن تُسهم الفلسفة بوصفها عمالًا بمعية الأعمال الأدبية في إحداث الأثر البالغ لتحسين الوضع الإنساني؟ ونضع فرضية أن رورتي لم يتسن له تحصيل آرائه عن الفلسفة والأدب ووضع قيمة جديدة هي قيمة التهكم حتى بَّرَأ نموذج

العمل من ضده، أي نموذج النظر. إن الفلسفة البديلة والأدب، خاصة الرواية، بتجسيدهما قيمة التهكم يح ققان إمكانية التبرّؤ من النزعتين التنظيرية والتأسيسية ليصبحا مكرّسَين للأمل

وللتقدم الأخلااقي والاجتماعي.

مقدمة

لشدة رسوخ نموذج Paradigm النظر في الفلسفة وفي أعمالها يضع المشتغلون بها، عادة، أفقًا يرجون بلوغه، وهو الكشف عن الحقائق. كأنما للحقائق وجودٌ مستقٌّلٌ عن الأذهان، والسعي يكون نحوها، وينتهي السعي ببلوغها؛ ولكن متى ينتهي السير، وتُدرك الغاية؟ أما العبارات الفلسفية فتُتخذ وسيطًا شفافًا للكشف. يشهد تاريخ الفلسفة تباعد هذه الغاية فكأنها سرابٌ يحسَبه

الظمآن ماء، حتى إذا بلغه لم يجده شيئًا، حتى إن هذا الأمر صار مُرهقًا للفلسفة في زمنٍ تعبّأ فيه

العلم للقيام بالوظيفة التي كانت تعتقد أنها وظيفتُها. ولكن ماذا عن العلم نفسه؟ لا نستغرب من قول مارتن هيدغر Martin Heidegger (976–18891) إن ماهية العلم التقنيةُ. نفهم من هذا القول أن العلم يستعمل العالم بدلًا من أن يكشف عما في باطنه. قد يكون الملاذ هو أن تلتمس الفلسفة وظيفةً بديلة

وأن تنتبه أكثر إلى ما تختص بها أعمالها. نحتاج إلى إعادة وصفها، ونلتفت إلى وصفٍ للفيلسوف يُظهره صانعًا ومبدعًا لمفاهيم، واستعارات بديلة. بتغيير النموذج الذي يُرشدنا في الفهم قد ننتبه أكثر

إلى القوة الكامنة في الأعمال الفلسفية. وهذا ما نلتمسه في فلسفة ريتشارد روتي (2007–1931)؛ إذ استبدل نموذج العمل مكان نموذج النظر، وهو واصلٌ لما ابتدأته الفلسفة البراغماتية، ونتجَ من ذلك آثارٌ بالغة نرجو أن تُغِّيّر من سلوك اشتغالنا

بالتفلسف. ونود أن نُجِلِّي في هذا البحث بعض الطرق التي سلكها رورتي لإقامة النموذج الجديد ةقباس ةيفسلف لا معأ لامًااعتسم.، ةسايسلاو، ملعلاو ةفاقثلاو ةغلل انماهفأ ةُلاحتسا كلذ نم جتن دقو والأدب والرواية. إنّ التبرؤ من نموذج النظر جعل وظائف مكونات الثقافة ومراتبها تتبدل. فلا تحتل الفلسفة أعلى المراتب في الثقافة، وليست وظيفتها تأسيس غيرها، ولا يُرجى من الفلسفة تمثلُ

الحقيقة. وننتبه مع النموذج الجديد ومع القيم التي يبشر بها رورتي إلى عَرضَيَّة Contingency

الأقوال الفلسفية كغيرها من الأقوال البشرية. فالأقوال لا تكف عن الحوار مع الأقوال، كما هو شأن هذا الحديث الذي يحدث الآن. إننا نيأس من أن يحظى قولٌ بامتياز بلوغ الحقيقة ويكون الحجة النهائية على غيره. وتجتمع في من يُبِشِّر بهم رورتي من المثقفين أو بالأحرى المُبدعين قيمةٌ يسميها

التّهكم Irony والمتهكم هو الذي بلغ أن يفطن إلى أن ما يقوم به عملٌ ذو أثر عابر، وهو الذي تخلّص من وهم تعالي أحاديثه على الزمن معترفًا بأنها زائلة عارضة كغيرها. إَّل أنه يسعى لأن تُوقع أحاديثُه آثارًا نافعة تغيّر من وضع الجماعات البشرية وتتقدم بها إلى الأحسن. ومنه تكاثرت بدائل الحقيقة

لديه كإبداع الذات Self–creation أو الأمل. ليس الأملُ المرجُّوُ أملًا يوتوبيًا، وليس يكون بإحداث

أنظار شمولية تغطي بظلالها مجالات الأفراد الخاصة فتنمحي خصوصياتُهم وتُنتهك حرماتهم. إن

(((نتردد في نقل لفظ Contingency، يمكن نقله بالعرَضية وذلك ما اختاره فتحي المسكيني، أو بالعارضية وذلك ما اختاره محمد

جديدي، أو بالطوارئ وذلك ما اختاره حيدر حاج إسماعيل، أو يُمكن نقله بالإمكان، وهو مفهوم منطقي يدل على الجهة وهو مقابل

الضرورة والاستحالة، أو بالعُروض أو بالاحتمال وهي معان كامنة في المفهوم يستلزمها، ونميل إلى نقله بالعَرضية، مع استحضار

بقية المعاني، واستعمال بقية الألفاظ بحسب ما يستدعيه السياق. وتعني العرَضَّيّة أن لغتنا ووعينا وجماعتنا صنيعة الزمن والاتفاق

Time and Chance. ينظر: Richard Rorty, Contingence, Ironie et Solidarité , Pierre–Emmanuel Dauzat (trans.) (Paris: Armand Colin, 1993), p. 46.

الأمل الموصوف أحيانًا بالليبرالي لدى رورتي يستدعي حفظ التمييز بين المجالين: العام والخاص. إّلا أنه أمل يرجو من الأعمال المنجزة في المجال الخاص، تلك التي لاذت بالحرية واحتمت بها أن تُسهم في التغيير الثقافي والتقدم إلى أحسن. من هنا لن تحتكر الأحاديث الفلسفية الحظوة في تحسين الأوضاع الإنسانية. ويلتمس رورتي نوعًا آخر من الأحاديث وموطنًا آخر للأمل والرجاء، إنها

الأحاديث الأدبية، الروائية منها بالخصوص. يتعذر إحصاء الكتب والدراسات التي تناولت بالبحث فلسفة رورتي، والكثير منها بحث المكانة التي أولاها رورتي للأعمال الأدبية الروائية وهذا أمر لا تخطئه العين في كتاباته، ولا تخلو تلك الدراسات من بيان صلة ذلك بتصوره الفلسفي البراغماتي. وإنما نرجو من هذه الدراسة أن تبيّن

أكثر الصلة الوثيقة بين آرائه عن الأعمال الأدبية الروائية وبين رأيه البديل من الفلسفة، ذلك الرأي الذي تحَّصّل من تغييرٍ جذري مَّسَ نموذج تصورنا للفلسفة ووظيفتها، وهذا ما نعتقد أنه أمر يستحق

التنبيه إليه. يستخلص هذا البحث أهم الآثار الناتجة من استعمال النموذج الجديد لفهم الثقافة ووظائف مكوناتها ومكانة الأعمال الأدبية داخلها. أما بشأن الأعمال الفلسفية والأعمال الأدبية الروائية المُستشهَد بها فإنها تُستدعى لبيان الكيفية التي يتحقق بها النموذج البديل، أي العمل،

والكيفية التي تُجَسَّد بها القيمة الجديدة المُبَشَّر بها، أي قيمة التهكم. وليس الاستشهاد بالأعمال

الروائية في هذا البحث أمرًا اعتباطيّا، ذلك أن كلّ واحد من هذه الأعمال يُستحضر ليكون شاهدًا

على إحدى القيم البديلة. وعليه، فقد استُحضرت أعمال تشارلز ديكنز Charles Dickens (870–18121) للشهادة على

ما يمكن أن تحدثه الأعمال الأدبية الروائية من الآثار البليغة في التغيير الاجتماعي، ذلك التغيير الذي لم تستطعه حتى الأعمال الفلسفية أحيانًا، وبذلك تكون أكثر تجسيدًا لنموذج العمل. ويُستحضر

عمل مارسيل بروست Marcel Proust 922–1871(1) البحث عن الزمن المفقود À la recherche du temps perdu نموذجًا لكيفية إبداع ذواتنا وللفطنة بَعرضَيَّة وجودنا في منازلنا الخاصة،

(((من الكتب التي تناولت بالبحث فلسفة ريتشارد رورتي كتاب: صلاح إسماعيل، البراجماتية الجديدة: فلسفة ريتشارد رورتي (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2013)، وفيه تتبع أطوار تشكل فلسفة ريتشارد رورتي ورصد ما تختص به براغماتيته مقارنة

بالفلسفات البراغماتية السابقة؛ وكتاب: محمد جديدي، الحداثة وما بعد الحداثة في فلسفة ريتشارد رورتي (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2008)، وفيه إشارات إلى مكانة الأدب لدى رورتي وصلة ذلك بفلسفته البديلة، وكان ذلك خادمًا لغاية الكتاب وهي

فحص دلالتي الحداثة وما بعد الحداثة وتمييز موقع فلسفة ريتشارد رورتي منهما. والدراسات التي تناولت فلسفة رورتي في صلتها بالأدب عامة أو الرواية خاصة كثيرة بالإنكليزية، يمكن العودة إلى:

Serge Grigoriev, "Rorty and Literature," in: Alan Malachowski (ed.), A Companion to Rorty (Hobok: Wiley Blackwel, 2020); Marek Kwiek, "Rorty and Literature, or about the Priority of the 'Wisdom of the Novel' to the 'Wisdom of Philosophy'," in: Marek Kwiek, Rorty’s Elective Affinities: The New Pragmatism and Postmodern Thought (Poznan: Adam Mickiewicz University, 1996); Marek Kwiek, "After Philosophy: The Novelist as Cultural Hero of Modernity? On Richard Rorty’s New Pragmatism," Theoria: A Journal of Social and Political Theory , vol. 45, no. 92 (December 1998), pp. 77–96; Michael Fischer, "Redefining Philosophy as Literature: Richard Rorty’s ’Defense’ of Literary Culture," Soundings: An Interdisciplinary Journal , vol. 67, no. 3 (1984), pp. 312–324.

(((نفترض أن قارئ هذه الدراسة مّط لع على بعض أعمال تشارلز ديكنز، وعلى دراية بأحداث وشخصيات عمل مارسيل بروست

في البحث عن الزمن الضائع، وبمجريات وشخصيات رواية جورج أورويل 1984.

أما رواية 1984 لجورج أورويل (950–19031)، فتُستدعى لفحص بعض ممكنات وجودنا العام،

خاصة إمكانية تحول المتهكم ذاته إلى حاكم قاس. يقتصر هذا البحث على سياقٍ ثقافي خاص، وعلى ممكنات تنتمي إلى تاريخٍ خاص، والكثير من الأحكام في هذا البحث نسبية لازمة غير متعدية، كما أن الأعمال المُستشهَد بها هي أعمال أحدثت آثارًا داخل سياقات ثقافية واجتماعية خاصة، وإنما نسعى

فقط للتمهيد مستقبلًا لإعادة استعمال أدوات رورتي المفهومية في سياق ثقافي مغاير كي نفحص جدواها، وحدود فاعليتها، فتُعَدَّل الأحكامُ، وتُراجع الأوصافُ، وتُغَّير الأمثلة، وتُلتمَس أعمالٌ بديلة

للاستشهاد بها. نتساءل، إذًا: كيف استبدل رورتي نموذج العمل بنموذج النظر لفهم وظيفة الفلسفة؟ ما الذي ترتب على الاستبدال من الآثار في تصور الثقافة ووظيفتها، ومكانة الفلسفة والأدب داخلها؟ كيف تُجِسِّد

الأعمال الفلسفية والأدبية الروائية قيم النموذج البديل عامة، وقيمة التهكم خاصة؟ من أجل الجواب عن هذه الأسئلة أخذ هذا البحث شكله، وهو قسمان: القسم الأول، وهو عن إقامة نموذج جديد للفلسفة هو نموذج العمل عبر إعادة وصِف تاريخها، وما يترتب من بروز بديلٍ فلسفي وقيمة جديدة هي قيمة التهكم. والقسم الثاني، وهو عن موقع الأدب والفلسفة داخل الثقافة، واحتلال الأدب عامة والرواية خاصة مكانة داخلها. وهو بيانٌ للكيفية التي يحقق بها الأدب عامة والعمل الروائي خاصة النجاعة العملية بتحسين الوضع البشري، ولكيفية تجسيد الأعمال الروائية لقيمة التهكم.

أولا: نقد الفلسفة بوصفها نظرًا وتأسيسًا

1. إنشاء وصف جديد لتاريخ الفلسفة أو عن استعارة النظر

يحتاج ابتداعُ وظيفة جديدةٍ للفلسفة إلى تغيير جذري لنحوِ الكلام عنها، وللعادات الأسلوبيّة التي

تُلزمنا بالقول المعتاد، وإلى سلوك طريقٍ غير مسلوكة. وهو ليس بالأمر الهيّن؛ ذلك أن إرثًا ثقيلًا يُلزمنا

بسلوك المأنوس من الطرق. ونجد أن رورتي قد نبه إلى أن أحد أجناس التأريخ الفلسفي يُتخذ وسيلة لفهم جديد للفلسفة ووظائفها عبر تأويل جديد يشمل تاريخ الفلسفة برمته. فمثلًا، لا ينفصل تأريخ فريدريش هيغل Friedrich Hegel (831–17701) للفلسفة عن وضعه الفلسفي حيث يؤول التاريخ باستعمال جديد لمفاهيم الروح Geist والمطلق، واستعمال منهجٍ مُبتدَع. ثمّ إنّ تاريخ الفلسفة

مع هيدغر يُفهم بوصفه تاريخًا لنسيان الكينونة Sein، وكذلك تأريخ رورتي للفلسفة، وخصوصًا في

كتابه: الفلسفة ومرآة الطبيعة. ويختار رورتي هذا الجنس من التأريخ ليصل ماضي الفلسفة بحاضرها، رصدًا لما يُوِحِّد هذا التاريخ. ويعيد المؤرخ/ الفيلسوف وصف الفلسفة Redescription لتتميز لديه

(((وقد احتفظ رورتي بلفظه الألماني وهو: Geistesgeschichte أي تاريخ الروح، واختار استعمال هذا النوع من التأريخ معتمدًا

متن العظماء من الفلاسفة، إلا أنه لا يخفي انجذابه لنوع آخر هو Intellectual History؛ وهو تاريخ يُدخل ضمن اللائحة المعتبرة

أسماءَ غير المشاهير من الفلاسفة أو غيرهم. ينظر:

Richard Richard, Truth and Progress, Philosophical Papers , vol. 3 (Cambridge: Cambridge University Press, 1998), p. 272.

الطريق الجديدة التي سيسلكها. ولا يكون أثر الفلسفة الجديدة بليغًا حتى يصل المُراجِع إلى أكثر المبادئ رسوخًا أو إلى بديهيات الفلسفة القديمة، وإلى الضمائر الخبيئة. ماذا لو كانت المفاهيم والرؤى الفلسفية تصدُر عن استعارة تملك من القوة والأثر أكثر مما تملك الحقيقة؟ تلك هي استعارة النظر، وما يتصل بها من الصور المستقاة من معجمها. استعارة النظر هي التي ستهَبُ كتاب رورتي

معناه وخيطه الناظم، وستُهدي رورتي طريقةً خاَّصَةً في التأريخ للأفكار الفلسفية. بعد أن نُوِحِّد

وندعي وجود استعارة تحكم فهم الفلاسفة الذين هم محلّ المراجعة، يَلزمنا أن نُفِرِّق بالبحث عن

الفروق مثلًا بين أرسطو ورينيه ديكارت René Descartes (650–15961)، رغم صدور أفكارهما عن الاستعارة نفسها. يخلو الطريق للفلسفة الجديدة بعد التخلّص من جميع العلائق والصلات الدقيقة التي تجمع المذاهب الفلسفية الصادرة عن نموذج النظر، تلك الصلات التي تجعلها رغم التنوع، واحدةً لصدورها عن استعارة عميقة. نبحث عما ترتب من اعتماد الاستعارة من الشّخوص التدريجي لمقتضياتها عبر الزمن حتى نصل إلى مآلاتها الأخيرة بتحُّوّل الفلسفة إلى نظرية في المعرفة، تلك النظرية التي تجعل غايتَها

الكبرى تأسيس المعرفة، ولن تكون الفلسفة التحليلية التي جعلها رورتي محَّلَ نقدٍ واسع إلا تنويعًا من تنويعات الكانطية. استعارة كبرى، إذًا، هي الحاكمة في تاريخ الفلسفة؛ إذ اعتُبر النظر وظيفةَ الفلسفة، وفي إمكاننا رصدُ آثار هذه الاستعارة فيما يختبئ وراء أكثر المفاهيم شهرة وتداولًا كمفهوم الصورة المثالية Eidos عند أفلاطون في صور المرآة والنور لديه ولدى غيره كأفلوطين Plotinus (270–205)، وفي الاستعارة التمثيلية التي أّسست لمفهوم العقل الفعّال عند أرسطو. إن الغاية من التفلسف عند القدماء النظرُ.

فالغاية النهائية هي أن نستمتع بالنظر إلى ما يستحق أن يُنظر إليه أكثر من سواه: الأمور الإلهية السماوية. يستحيل نظرُ العقل الذي صار عينًا داخلية عند القدماء إلى ما يَنظر إليه، فكمال النظر أن يستحيل

الناظر بعقله إلى ما ينظر إليه، أي أن يصير العقل والمعقول أمرًا واحدًا.

(5) Richard Rorty, "'Analytic' Philosophy is one more Variant of Kantian Philosophy," in: Philosophy and Mirror of Nature (Oxford: Princeton University Press 2009), p. 8;

"والفلسفة التحليلية هي نوع إضافي من الفلسفة الكَانْتية، وهو النوع الذي يتميز بصورة رئيسية باعتباره التمثيل لغويًا وليس عقليًا."

ينظر: ريتشارد رورتي، الفلسفة ومرآة الطبيعة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص.57 (((ينظر مثلًا:

Vuilleumier Pierre, "Platon et le schème du miroir," Revue de Philosophie Ancienne, vol. 16, no. 2 (1988), pp. 3–47; Hadot Pierre, "Le mythe de Narcisse et son interprétation par Plotin," Nouvelle revue de psychanalyse , no. 13 (1976), pp. 81–108.

(((نجد لأرسطو مماثلة مشهورة وردت في كتاب النفسحين تناول بالقول العقل الفعّال. ونجد حلول هذه المماثلة في نص

للفارابي ورد في رسالته عن العقل، ينظر: أبو نصر الفارابي، رسالة في العقل، تحقيق موريس بويج (بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 9381)، ص.26–25 (((ابن سينا، كتاب النجاة، تحقيق ماجد فخري (بيروت: دار الآفاق الجديدة، 9851)، ص 328. ونود باستحضار نصوص من الفلسفة الإسلامية إغناء الوصف الذي وصف به رورتي الطور الذي تحكمه استعارة النظر.

ولكي يصل رورتي الحاضر بالماضي، ولكي يُضفي طابعًا وحدويًا على تاريخ الفلسفة، اعتبر، مستندًا في

ذلك إلى هيدغر، أن لبنية الُّصُور Imagery في فلسفة ديكارت مقدماتها لدى اليونان. هذا ما نجده منصوصًا عليه في قوله: "إن طريقة هيدغر في روايته لتاريخ الفلسفة تسمح لنا أن نرى بدايات الصور الديكارتية عند اليونانيين، وتحولات هذه الصور خلال القرون الثلاثة الأخيرة". أي إن فلسفة ديكارت نتيجة لاستعمال جديدٍ للاستعارة القديمة. لا ينبغي الاستهانة بما حدث من إبداع فهمٍ جديد، وتحويلٍ لدلالات الألفاظ. ويُفِصِّل رورتي في بعضها، كما هو الشأن في الحس الذي صار جزءًا لا يتجزأ من التفكير Cogitare ليتجاوز

ديكارت التفريق الأرسطي بين العقل بوصفه ما يصلنا بالكليات والبدن الحي المختص بالحس والحركة. توجد فروق أساسية بين عقل ديكارت وعقل أفلاطون أو عقل أرسطو. لقد صارت الصور التي كانت مفارقة مع أفلاطون محايثة للذهن مع ديكارت، يفحصها ويتجاوز غموضها متجهًا نحو تمثلات واضحة ومميزة؛ حيث استبدل عالم الصور والأفكار الداخلية بالموجود الحق خارج النفس. نتج من هذا الاستعمال الجديد ميلاد فكرة الذهن Mind الحديثة، حيث وُصِف بأنه كيانٌ متميز هو محلّ صيرورات متنوعة، سعى البعض كجون لوك John Locke (704–16321) لوصفها. بعد ابتكار فكرة الذهن وُلدت نظرية المعرفة وصار السعي حثيثًا لتأسيسها، بل صارت هذه وظيفة الفلسفة. لم تتخلص الفلسفة حديثًا من إسار استعارة النظر الكبرى ما دام العقل قد اعتُبر عينًا داخلية ذا فضيلة خاصة. لقد اكتسب وظيفة جديدة، إذ كُلف بفحص ما يُعرض عليه من الواقع وقد استحال إلى

تمثلات. توَّلّد الوهم بإمكانية بلوغ معرفة نهائية بصورة الواقع الحقيقية، وهذا يتأسس على افتراضٍ أساسي وهو إمكانية بلوغ الذهن هذه الصورة، ونقلها في صورة معرفية. وليست نظرية المعرفة عند إيمانويل كانط Immanuel Kant (804–17421) إّلا تعبيرًا خاًّصًا عن هذا الطموح. هناك أنا تُفَِّكر،

وتملك قدرات قبلية خاصة، تجعل الواقع متصَّرَفًا فيه، إذ يُجَرَّد من عرَضَّيّته لنبلغ أن نعرفه معرفة

كاملة بحسب الطاقة الإنسانية، إذ نبقي على افتراض وجود ما لا يمكن أن يعرفه الإنسان. الوهم، في نظر رورتي، هو وجود هذه الأنا، وهو وجود هذا العالم الداخلي من الملكات والحدوس والمفاهيم والمقولات والمبادئ القبلية، ووجودُ قَّوَة داخلية تتصرف فيما يأتينا من الخارج من معطيات الحس.

ومما يُضفي الوحدة على المشاريع بعد كانط هو أنها سعت لتأسيس معرفة نهائية بالواقع، وسعت

الكانطية الجديدة Neo–kantianism للبحث عن أسس الثقافة، ومع الفلسفة التحليلية تغير وسيط التحليل ليصير هو اللغة بدل الأفكار Idées.

(9) Rorty, Philosophy and Mirror , p. 12.

(1((رورتي، ص.62

(11) Rorty, Philosophy and Mirror , p. 51. (12) Ibid., p. 159. (13) Ibid., p. 4.

(1((ينظر الأبحاث التي جمعها ريتشارد رورتي وقدم لها، وهي معالم دالة على الانعطاف اللغوي Linguistic Turn:

Richard Rorty (ed.), The Linuigstic Turn: Essays in Philosophical Method (Chicago: The University of Chicago Press,

لو حوّلنا فلسفة رورتي إلى أمرٍ لكان في تقديرنا: جِّرِب أمرًا جديدًا، أو لنلتمس استعارة بديلة، لنثُر

على ما تعارفه الفلاسفة. لن يُجدي نفعًا الْتِماسُ تأسيسٍ للمعرفة أو طلبُ الحقيقة النهائيّة بشأن الواقع

وبشأن ذواتنا. هذا ما يجعل من فلسفة رورتي فلسفة ضد التأسيس Antifoundationalist وضد الماهوية Antiessentialist وضد التمثلية Antirepresentationalist. تفترض صورة التأسيس كيانًا مؤِّسِسًا هو الأنا أو العقل... إلخ، وأمرًا يؤَّسّس وهو معرفة هذه الأنا بما هو خارجها وهو الواقع.

تفترض هذه الصورة أن هذا الواقع مما يمكن معرفته معرفة نهائية لوجود أسُسٍ داخله تؤسسه هو كذلك. تفترض الماهوية أنّ في الواقع حقائق وماهيات، وأن وظيفة العقل الكشف عنها. تفترض النزعةُ التمثلية أن العقل أو اللغة تتمثل الواقعَ، ووظيفتُه أو وظيفتها نقُل صورته الحقيقية، وتنتهي المعرفة الإنسانية بإدراكها في الأخير. ولا يشُّذ الجانب العملي الأخلاقي عن النزعة التأسيسية، حيث تُرى إمكانيُة اكتشاف قوانين أخلاقية كِّلَِّيَة تؤسس للفعل الإنساني.

2. العمل بوصفه نموذجًا

كأنما انطلق رورتي من نموذج بديلٍ لتصور الفلسفة ووظيفتها، وهذا ما نحاول بيانه. إنه نموذج العمل بمعنى خاص. وفي هذا يقول: "يأمل البراغماتيون أن يجعلوا من المستحيل على المتشكك أن يثير السؤال الآتي: هل معرفتنا بالأشياء مطابقة لما هي الأشياء حقًا؟ إنهم يستبدلون بهذا السؤال سؤ لًا عمليًا: هل طرقنا في وصف الأشياء ووصلها بأشياء أخرى بحيث نجعلها تلبي حاجياتنا بشكل أفضل،

مفيدة قدر الإمكان؟ أم يمكننا أن نفعل أفضل؟ هل يمكن أن نجعل مستقبلنا أفضل من حاضرنا؟". ليس العمل المقصود هنا مسبوقًا بتمثلات مطابقة للعالم، وإن كان من تمثلات فهي قواعد للفعل. إنه عمل ينازل العالم ويكابد صعابه للتغلب عليها Coping with it. كيف تكُّفُ الفلسفة، إذًا، عن توِّخِي الحقيقة لتصير عملًا أو خلقًا وإبداعًا أو فعلًا مؤثرًا يُحدث تغييرًا بالغًا في الواقع الإنساني؟

لا يكون ذلك حتى يتغَّيَر النموذج ويُعَّدَ الفيلسوف صانعًا وُمبدعًا يَفطن إلى محدودية صنعته وإبداعه،

وتلك قيمة التهكم. لنتخَّلّص من ادعاء الفلسفة أنها نظرٌ كاشف عن الحقيقة النهائية، تلك الحقيقة

التي لم يستطِع حتى العلُم بلوغَها، وتتعلق بالعالم في ذاته، أو النفس في ذاتها. الفلسفة البديلة عملٌ مبدَعٌ، وتعتبر الحقيقة إنشاء. ويستدعي هذا الأمر في نظر رورتي أّلا نعتبر العبارات الفلسفية واصفة

(1((يرى رورتي في المقابل أن الموضوعات هي ما نحكم عليه بأنه مما يفيدنا الكلام عنه لغاية مواجهة الإثارات التي تتعرض لها أجسامنا، ينظر:

Richard Rorty, Objectivity Relativism and Truth (Cambridge: Cambridge University Press, 1991), p. 107.

(1((يماثل جون ديوي وهو حُجة الفلسفة البراغماتية، بين التطور الأخلاقي وتطور اللغة، ملتمسًا بذلك أخلاقًا غير تأسيسية، ينظر:

Richard Rorty, Philosophy and Social Hope (London: Penguin Books, 1999), p. 74;

ويُنظر أيضًا: علي حاكم صالح، "هل يمكن قيام الأخلاق من دون أساس؟ نظرات في أخلاقيات ما بعد الحداثة"، تبيّن، مج  12،

العدد 46 (خريف 2023)، ص.108–103

(17) Rorty, Philosophy and Social Hope , p. 72. (18) Rorty, Philosophy and Mirror , p. 11.

لحقيقة عالمٍ منفصل عنا، بل نعتبرها صنيعة بشرية أو يصلُح أن نعدها أدوات، ونفطن إلى سعة تأثيرها باستحضار المعجم Vocabulary الذي تنتمي إليه في كُلَّيّته. وليست الفلسفة وحدها من يضع

المعاجم الاستعمالية، وليست تُصنع هذه المعاجم من فردٍ من الناس دائمًا. يُمِثِّل رورتي لهذا بمعجم الحياة السياسية الأثينية المقابل لمعجم توماس جيفرسون

Thomas Jefferson (826–17431)، ومعجم بولس Paul الأخلاقي مقابلًا لمعجم سيغموند فرويد Sigmund Freud (939–18561)، ولغة إسحاق نيوتن Isaac Newton (727–16431) مقابل للغة أرسطو، وأسلوب وليام بليك William Blake (827–17571) مقابلًا لأسلوب جون درايدن John Dryden (700–1631.)1 أن تكون الفلسفة عملًا فهذا يجعلها منتسبة إلى جملة الأعمال

والصنائع البشرية التي أحدثت تغييرًا بالغًا في العيش الإنساني. إنها عمل على خلق فهم جديد، ولغةَ

مختلفة يبتدئ الناس في استعمالها فتُوِجِّه سلوكهم وجهةً جديدة. وفي هذا المعنى يقول: "أنا راض

برؤية أساتذة الفلسفة كأنهم يمارسون سياسة ثقافية. إحدى الطرق التي يقومون بها بذلك هي اقتراح تغييرات في استخدام الكلمات، ومداولة كلمات جديدة أملًا في التخلص من المآزق وجعل الحوار مثمرًا أكثر. أنا على استعداد تام للتخلي عن هدف جعل الأمور حقيقية، ونستبدل بذلك إغناء خزان

الأوصاف الذاتية والثقافية. إن الهدف من الفلسفة، من وجهة النظر هذه، ليس أن نكتشف ما تشبهه الأشياء 'حقيقة' أًّيًا ما كانت، بل مساعدتنا على أن نصير يافعين وجعلنا أكثر سعادة وأكثر حرية وأكثر مرونة. إن نضج مفاهيمنا، والثراء المتنامي لمخزوننا المفهومي يشكلان تقدمًا ثقافيًا". ولنمثل لذلك بما أحدثته الفلسفة السياسية الحديثة من آثار في الواقع الثقافي؛ إذ صارت فعلًا تؤسس لواقع مدني جديد. لقد أحدث فلاسفة العقد الاجتماعي لغةً جديدة أسست لواقع جديد هو واقع دولة حقوق الإنسان الحديثة، وصرنا نتحدث هذه اللغة، ونتصور وفق آرائها، ونسلك في ظِل مثالاتها. لم تكن تلك اللغة واصفةً لواقعٍ مدني، بل منشئة للواقع. ولا ينفك تجديد اللغات عن تجديد العيش الإنساني، ومنحه دفعًا نحو ما هو أفضل. وحتى مجال الأخلاق موضوعٌ لخلقٍ فلسفي، فكأنما الفيلسوف يبدعُ قيمًا جديدة بمفاهيمه، وحتى من أنكر القيم الأخلاقية كنيتشه إنما طلب قيمًا

بديلة، أو قيمة مركزية وهي أن يُبدع أحدنا نفسه. إن أفضل ما نُبقي عليه من هذه المعاجم القيمية

الفلسفية: المعجم الأرسطي أو المعجم الكانطي، أو المعجم النيتشوي، هو تلك الروح التي تسكنها: روحُ الإبداع الذي يسعى لتصور أفضل عالم ممكن إنساني للحياة الأخلاقية.

3. نوعان من الفلسفة

بناء على ما سبق، يتميزُ نوعان من الفلسفة لدى رورتي؛ فلسفةٌ جعلت غايتَها الحقيقة وجعلت المعيار

هو المطابقة، والغاية هي الكشف. فوحده الفيلسوف، كما هو شأن الفيلسوفين اليونانيين أفلاطون

(19) Rorty, Contingence , p. 33. (20) Ibid., p. 29. (21) Richard Rorty, Philosophy as Cultural Politics (Cambridge: Cambridge University Press, 2007), p. 124.

وأرسطو مثلًا، قادرٌ على النّظر الشامل المستوعب لصورة العالم أو الكل، صورةٌ تفترض أنّ العالم

مسكون بالماهيات وأن له صورة باطنية يلتمسها العقل، وليست النهاية سوى أن يصير جزءًا من تلك

الصورة المعقولة. لن ينقطع هذا الطموح إّلا أنّ الحداثة الفلسفية ستجعلُ أمر الكشف فعلًا من تلقاء الذات بما تملكه من قوة خاصة وعُدة من المفاهيم والحدوس والمبادئ القبلية لمعرفة نهائية بالعالم،

كما هو الشأن لدى كانط. هذا عن النوع الأول. أما النوع الثاني فهو فلسفة فطنت إلى أن الأمر راجعٌ

في النهاية إلى خلق لغات جديدة وابتكار مفاهيم يتحقق بها الفعلُ الفلسفي أو تتجدد باستعمالها

مسالكُ الفعل الاجتماعي، وتتقدم نحو الأفضل من الأوضاع الاجتماعية مع التخلصِ من وهمِ وجودِ ما هو خارج هذه الّلغات مما يمكن أن تتمثله. أّلا تكون الحقيقة غايَة الفلسفة، هذا ما جعل رورتي يُبرئ نموذج العمل من ضده، ولذلك كانت البدائل عنده حاملةً عناوين متعددة: الإبداع الذاتي، أو

الأمل أو الديمقراطية أو التخفيف من القساوة. الأفهام الفلسفية أدواتٌ مبتكرة وحتى النوع الأول من الفلسفة أداة مفهومية مبتكَرة جديدة بديلًا من القصص الأسطوري، ترى أن الأفضل أن نفترض للعالم صورة داخلية نسعى في النهاية لمطابقتها، وأن نفترض أن للإنسان القدرة على أن يعرف حقيقة ذاته. إنّ النوع الأول من الفلسفة لا يشذ عن القاعدة التي يضعها النوع الثاني منها، فهو ينتسب إلى تاريخ طويل من الاستعمالات ومن ألعاب اللغة. نموذج النظر نموذج راجع هو ذاته إلى عملٍ، فالأمر راجع في الحقيقة إلى إنجاز أمرٍ كان وسيكون له ما سيكون من الأثر، إنه العمل على خلق عينٍ جديدة غير العين المشهودة. لقد تأسست الفلسفة حينما اختُلقت عين جديدة ترى ما لا تراه عين البصر. بصرٌ جديد يجعلك تُدرك ما لا تدركه

بعين الحس؛ إذ تدرك وراء الصور صورًا مضاءة بغير النور الذي يضيء العالم المنظور. تلك هي

الصور التي جعل لها أفلاطون عالمًا غير هذا العالم: عالم الصور المثالية، أو جعلها أرسطو محايثة

للعالم المنظور. في إمكاننا إذًا، أن نُرجع نموذج النظر ذاته إلى خلقٍفلسفي نتج منه أعمال فلسفية يمكن إرجاعها إلى أمر يختزن قوة إنشاء الواقع، ويمكن صياغة الأمر الكامن في فلسفة أفلاطون أو فلسفة أرسطو هكذا: اعمل وفق الفهم الذي أنشأناه بالكلمات على أن تكون حياتك حياة تأملية نظرية فتسعد بالنظر. وهما بذلك قد أنشآ عيشًا غير العيش المدني وهو عيش التأمل والنظر. إذا اعتبرنا هذا النوع من الفلسفة عملًا من الأعمال الإنسانية الكبرى، عملًا كان له ما كان من التأثير في تاريخ جزء من الإنسانية، فما الداعي إلى أن نتجاوزه إلى غيره؟ إنها مسألة النجاعة. لم يعد ناجعًا

أن نعتبر الحقيقة غاية الفلسفة، وأن تحتفظ بطموحها القديم، وهو الكشف عن هيكل العالم واستبطان الذات للبلوغ إلى وصف نهائي لها لا بديل منه. لا جدوى من ذلك فهذا النوع من الفلسفة ابتكر ألعابًا

لغوية، ووقع في أفخاخ ما ابتكره منها، مصِّدِقًا بوجود الماهيات والعقل، وصار يبني صروحًا من

(2((يجعل رورتي من أعمال فلسفية كأعمال هيدغر ونيتشه ودريدا أعم لًا إبداعية يسعى عبرها الفيلسوف لخلق ذاته أكثر من أنْ

تكون أعم لًا الغاية منها التغيير في المجال السياسي العام.

(23) Rorty, Philosophy and Social Hope , p. 24.

الأنساق الفلسفية التي سَجنت فيها نفسها، وكان على ثلة من المتأخرين أن يشتغلوا بعلاج هذا النوع

من الفلسفة من أدوائه، أي من استعمالاته السيئة للكلمات. وأن تُعالَج الفلسفة من أدوائها يستدعي تغيير النموذج الذي تتصور بها نفسها، وأنْ تتخلص من الاستعارات والصور التي نسيت أنها مجرد استعارات وصورٍ تحَّوّلت إلى عبارات فقدت قَّوَتها

وتأثيرها للفت الانتباه. لن يكون ذلك إّلا باعتبار الفلسفة عملًا وابتكارًا لاستعارات جديدة ليس

لها وظيفة إخبارية، بل إنشائية. هذا الذي يجعلنا نتساءل عن الأعمال التي اعتبرها رورتي نموذجية في تجسيد قيم الفلسفة الجديدة، تلك التي وصلت إلى كمال الفطنة بأن الفلسفة خلقٌ وليست نظرًا

كاشفًا، أو تلك التي تجسد ما صار مفهومًا مبتكرًا لديه وهو مفهوم التهكم.

4. الفلسفة وقيمة التهكم

يجتمع الكثير مم يرجوه رورتي من وظيفة الفيلسوف الجديدة في لفظ "المتهكم". إن المتهكم من الفلاسفة هو الذي تخلص من وهم التأسيس والماهوية والنزعة التمثلية، هو الفيلسوف الذي انتبه إلى حدوث الأقوال والمعاجم الاستعملية، وهو الذي شَّذَ عن جمعة الفلاسفة بإحداث معجم استعملي جديد. فخرج عن المعتاد من الفهم والقول، مع كامل الفطنة بأنّ ما وضعه عابر وزائل. إن كان عمل رورتي هو الذي يُرجى أن يجتمع فيه الكثير من مواصفات الفيلسوف المتهكم، فإن الكثير

من تلك المواصفات ملتَمسةٌ في غيره من أعمل فلاسفة، أو أدباء، أو سياسيين، أو علمء، أو غيرهم. ويضع في لائحة الفلاسفة المتهكمين الذين نعتهم بأصحاب نظرات تهكمية Theorists Ironist هيغل الشاب، وفريديريك نيتشه Friedrich Nietzsche (900–18441)، ومارتن هيدغر، وجاك دريدا Jacques Derrida (2004–1930). يجد رورتي في هيغل الشاب مُمِثِّلًا للفطنة بالحدوث، ليس من

جانب ما سيؤول إليه الأمر عنده من اعتباره التاريخ ذا ماهية وصورة، ولا من جانب اعتباره التاريخ ذا غاية ونهاية، بل من جانب اعتبار الفلسفة زمنًا بلغ إلى أن يعي بنفسه. وتلك إحدى خاصيات الفلسفة

البديلة؛ إذ تعترف بأنها ابنة زمانها ولا تَّدّعي إمكانية تعاليها على زمنها الخاص. ولو أن هيغل أعملَ هذا الأمر في فلسفته، لاعترف بأن أقواله يُصيبها ما يُصيب جميع الأقوال الإنسانية من الحدوث. ولو

أنه فطن إلى أن وعيه بزمنه ليس وعيًا مطلقًا، لاستحق أن يكون فيلسوفًا متهكمًا، إلا أنه استثنى أقواله

واعتبرر الوعي قد اكتمل مع فلسفته متخلصًا من إسار الحُدوث. يلتمس رورتي أن يفطن كل فيلسوف

إلى أن أقواله استعملات خاصة عارِضة، ولا تنحو نحو غاية نهائية. من هنا يكون هيدغر فيلسوفًا متهكمًا من جانب كونه هو الآخر قد ابتكر استعارات حَّيَة بديلة من الاستعارات القديمة الميتة، ومن

جانب كونه مِثل هيغل، أدرك زمنية المعاجم الاستعملية، بل يم كن اعتبار معظم أقواله قصة مروية عن

(2((وهذا ما فرغت له الوضعية المنطقية وفلسفة اللغة العرفية، ولنعد مثل: ا إلى

Rudolf Carnap, Manifeste du Cercle de Vienne et autres écrits , Barbara Cassin (trans.) (Paris: Presses Universitaires de France, 1985); Ryle Gilbert, Concept of Mind (Abingdon: Routledge, 2009). (25) Rorty, Contingence , p. 112.

((2(كثيرًا ما يردد رورتي عبارة هيغل: الفلسفة زمانها وقد أدركه الفكر.

تبدل ألحان ألفاظ الميتافيزيقا عبرر الزمن؛ إذ تتبع ما أصاب هذه الألفاظ من تبُّدُل أحوالها كم هو شأن مارسيل بروست إذ تتبع ما أصاب أسمء أعلامٍ كغيرمونت Guermantes من تبُّدّل إيحاءاتها عبرر زمنه

الخاص. فمن الأفضل اعتبار أعملِ هؤلاء، ويحسن أّلا نغفل أعمل دريدا، أعملًا إبداعية يخلق بها الفيلسوف ذاته خلقًا آخر عبرر الاستعارات التي أبدعها ومعاجم استعملية جديدة. هذا عن تجُّسُد قيمة التهكم في أعمال فلسفية، ولكن هل تحتفظ الفلسفة بحظوتها في إعمال تلك

القيمة وحدها؟ ألسنا بتمييز قيمة التهكم ننتبه إلى جنسٍ آخر من القول ذي طبيعة خاصة هو لهذه القيمة أكثر وفاء؟

ثانيًا: الفلسفة والأدب وقيمة التهكم

1. منزلة الفلسفة والأدب داخل الثقافة

لا يجعل رورتي للأقاويل الفلسفية مقامًا أعلى من مقام الأقاويل العلمية أو السياسية أو الأدبية داخل

الثقافة. لقد كان للفلسفة وهم علِّوِ مقامها إضافة إلى غيرها. ولنتأمل أسطورة الكهف Allegory of

the Cave لأفلاطون، وفيها يُشار إلى أن الفيلسوف وحده من يستطيع أن يطّلع على ما لم يطّلع عليه

غيرُه. هو وحده من يملك فضيلة النظر إلى الكُِّلِ مُدركًا مصدر الحقيقة والنور، ثم يعود أدراجه إلى

المدينة في جوف العالم ليخبر بالحقيقة، وهو بذلك ناظر وليس متهكمًا. ومع نصّ أرسطو على تمُّيّز

القول الفلسفي وهو القول الكاشف Logos Apophnaticos وهو القول الذي يُصَّدّق أو يُكَذَّب،

بديلًا من الأقاويل المدنية الخطابية والشعرية، ترَّسَخ الوهم بأن الفلسفة تحتل مكانة خاصة تعلو بها

على غيرها، وتستحق بها ميزةَ تأسيسِها غيرَها، حتى في عصر العلم حيث التمس الفلاسفة الاحتفاظ

بوظيفة تأسيس القول العلمي. لا ميزة للعلم تخِّوِله إخبارَنا عن طبيعة الأشياء أو إصدار الحكم النهائي

بشأن حقيقة العالم. للعلم كغيره لغاتُه وتواضعاته التي تجعله يصف موضوعات هي محل أوصاف أخرى. هو أكثر من غيره نجاعةً، ولكن ليست العلة أنّ لغته تلامس بواطن الأشياء، وهل للأشياء بواطن؟ ينبهنا رورتي إلى أن العلم نفسه عملٌ، وقيم التضامن أفضل وأنجع ما فيه. لم يتأَّتَ لرورتي أن يُغِيِّر منزلة الفلسفة أو منزلة العلم أو غيرهما ويعيد الترتيب إّل بعد العمل على

تغيير فهمنا للإنسان وثقافاته. فما معنى الثقافة؟ ليست تُدرك بوصفها ما يَبلغ به الإنسان أن يُطابق به

حقيقة نفسه وحقيقة العالم خارجه، وليست الفلسفة داخلها هي المرَّشَحة لتبِّلِغنا هذه الغاية. ما الثقافة

ينظر ((2:(

Richard Rorty, "De la théorie ironiste aux allusions privées: Derrida," in: Rorty, Contingence.

((2(استعمل فلاسفة الإسلام عبارة القول الجازم لنقل العبارة، ونفضل نقلها بالقول الكاشف أو المُظهِر، لصلة ذلك بأصل دلالة

. Apophanticos

((2(هذا ما نصّ عليه أرسطو في بداية كتاب العبارة، ينظر:

Aristote, "De l’interprétation," in: Organon I et II , J. Tricot (trans.) (Paris: Vrin, 2004), p. 17. (30) Rorty, Philosophy as Cultural Politics , p. 103.

براغماتيًا إلا أدوات يَستعملها الإنسان لتحسين عيشه، وعلى قدر نجاعتها تتحسن ظروف عيشه

فوق الأرض ويُحكم بأنها صادقة، وليست الفلسفة سوى عمل من أعمال الثقافة، ولم تجربها جميع الثقافات البشرية. إن تاريخ الإنسانية جزء من تاريخ الحياة، وتاريخ الحياة هو تاريخ الإخفاق والنجاح في تحسين العيش. ومدح الليبرالية أو الديمقراطية آت لدى رورتي مما يبدو من نجاحهما في تحسين وضع أمم بعينها كبعض الأمم الأوروبية والأمة الأميركية على الخصوص، ولكنه لا يلتمس لها أساسًا. يصل التاريخُ الثقافي التاريخَ الطبيعي، ومن هنا يعتبرُ جون ديوي John Dewey 1–859(

9521) الثورات العلمية والسياسية والفنية واصلة لثورات طبيعية كنجاح الأميبات Amoebae في التأقلم مع ارتفاع حرارة الماء، وكاستجابة النحل لتحدي محيطها بالرقص. فهل تكون الفلسفة دون غيرها من مكونات الثقافة مستحَّقّة لفضيلة تحسين عيش الإنسان فوق الأرض؟ وهل هي الوحيدة التي تستحق ذلك؟ لن تكون الفلسفة وحدها مُحِقِّقة لهذه الغاية، وليست تحققها إن احتفظت بوهم تأسيسها للثقافة. يعتبر رورتي أبطال الثقافة هم المبدعين Poets. ويفتح النموذج البديلُ إمكانيّةً لانهائية من الصنع

والخلق ليس على مثال سابق. استدعى الأمر أن يُعاد الاعتبار لمن وضعتهم الفلسفة في إحدى بداياتها المؤسسة في مقام منحط وهم الشعراء، وهم الُّصَُّنَاع في الحقيقة. وضعهم أفلاطون في الدرك الأسفل من المدينة لكونهم يُحاكون المحسوسات التي هي نفسها محاكاة للمعقولات. وحده الصانع الحقيقي Demiorgos من يستحق المقام الأعلى، وإن كان في طيماوس Timaeus لا يُصنع ما في العالم إلا وفقَ صور مثاليّة سابقة. والصانع المعني في مقامنا هذا هو الذي يصنعُ،

ولكن ليس وفق مثال سابق. وهذا الفهم استوى على سُوقِه في الحداثة وكان للرومانسية أثرٌ عظيم

في ترسيخه. ولذلك نجد في أكثر من مقالة لرورتي، وفي أكثر من موضع، بيانَ الصلة الوثيقة بين تصوره لوظيفة الثقافة وللفلسفة داخلها، وبين تصور الرومانسيين. اعتبرت الرومانسية الإنسان كائنًا يصنع ذاته ليس على مثال سابق، وتخلّصت من اعتباره يملك صورة داخلية حقيقية يسعى لمطابقتها، وجعلت من المثالات الأخلاقية موضوعًا للإبداع، وكان لاستعارة العمق أثرٌ بالغ في

تغييرها الثقافي. ليس الصانع هنا أو المبدع في صناعته يُقصد به الشاعر فقط أو الروائي أو الفنان

((3(ينسب رورتي هذا الرأي إلى ديوي، ينظر: , p. 109 Objectivity Rorty,. ((3(نفضل كلمة "مبدعون" إذ تذكرنا بأصل دلالة Poet فهو في صلة بمعنى الصنع والإبداع وليس معنى الشعر. ((3(يرجو رورتي أن تستحيل الثقافة كلها إلى عمل إبداعي Poeticised Culture تجسده أعمال إبداعية متكاثرة يمكن لها حفظ مجال خاص للأفراد ممَّيَز من المجال العام. وبذلك يتباعد عن مثال النظر، ويتخلص من إرهاق النموذج الآخر الذي يعّد

التقدم الأخلاقي تقدمًا نحو كشف أكبر لحقيقة المبادئ والحقوق والقيم عبر استعمالنا لهذه الألفاظ. ينظر:

Rorty, Objectivity , p. 189.

((3(يحسن استحضار دلالة Poesis التي صدرت منها كلمة Poet وهي الصنع.

. Richard Rorty, "Pragmatism and Romanticism," in: Rorty, Philosophy as Cultural Politics لنرجع مثل:(إلى ا (3((36) Rorty, Philosophy as Poetry , p. 47. (37) Ibid., p. 51; Rorty, Philosophy as Cultural Politics , p. 86.

بصفة عامة؛ إذ يمنح رورتي المبدع هذا المعنى العام: "من يفعل أمورًا لم يُسبق إليها". وبهذا فإن سياسًّيًا مثل جيفرسون أو الآباء المؤسسين أو الأنبياء هم صانعون يبدعون أممًا ومدنًا، وأعمالهم صادقة بما أحدثوه من الآثار البليغة وبما أنشؤوا من الواقع فصار خلقًا آخرَ. كذلك الشعراء

مثل ويليام بتلر ييتس William Butler Yeats (939–18651) والفلاسفة مثل هيغل، والعلماء مثل ابن الهيثم (354 ه/ 965 م 430–ه/ 0401 م) أو غاليليو غاليلي Galileo Galilei 1) 642–1564(أو نيوتن، أو الروائيين ممن سنذكرهم؛ ليست وظيفة قوة الخيال التي يملكونها استحضار صور الأعيان بعد غيابها، بل هي قوة تنشئ الواقع إنشاء.

2. الرواية والتغيير الاجتماعي: مثال تشارلز ديكنز

لقد دارت الدائرة على الأعمال الفلسفية، واستعاض من يسميه رورتي المثقف الأديب Literary Intellectuel عنها، مقبلًا على الأعمال الروائية ملتمسًا فيها إرشادَ عيشه؛ إذ وجد فيها ما لم يجده في الفلسفة من فضيلة تغيير الذات إلى الأفضل ومن اكتساب الاستقلال الذاتي، ومن توسيع عالم الذات، فضلًا عن الأثر البليغ الذي أحدثته بعض الأعمال الروائية في التغيير العام. ولو وازنّا بين أعمال أدبية روائيّة كتلك التي أبدعها تشارلز ديكنز وبين أعمال فلسفية حتى التهكمية منها،

لألفينا الأولى أكثر تأثيرًا في التغيير الاجتماعي والثقافي العام، وفي تحسين الوضع الاجتماعي ونقله

إلى ما هو أفضل. ولذلك نجد أن رورتي يقدم ديكنز على هيدغر، رغم أن عمليهما ينتميان إلى صنف الأعمال الإبداعية؛ ذلك أنّ أعمال ديكنز خاصةً والأعمال الروائية الجيدة عامةً تملك من النجاعة في تحسين الوضع الإنساني ما لا تملكه الأعمال الفلسفية، ونتساءل: ما أسباب ذلك؟ لا تتأسس أعمال ديكنز الروائية على مشروع نظري للتغيير الاجتماعي. فليست تتقدمها نظرية فلسفية، وليس صاحبُها

فيلسوفًا تنقل أعمالُه الأدبَّيَة مفاهيمَه الفلسفية في صورةٍ قصصَّيَة. ولا نجد نًّصًا على مبادئ أخلاقيّة

(38) Rorty, Contingence , p. 33.

(3((ينظر مثلًا المنزلة التي يحتلها شاعر مثل والت ويتمن Walt Whitman (892–18191)، ذاك الذي يُرشد أَّمّته إلى سر فخرها

بنفسها:

Richard Rorty, "American National Pride: Whitman and Dewey," in: Richard Rorty, Achieving our Country: Leftist Thought in Twentieth Century America (Cambridge: Harvard University Press, 1998). (40) Rorty, Philosophy as Cultural Politics , p. 93.

((4(يرى رورتي أن الانتقال من الثقافة الفلسفية إلى الثقافة الأدبية بدأ بعد إيمانويل كانط Immanuel Kant (804–17241)، وفي

زمن هيغل فُقدت الثقة بالفلسفة بوصفها وسيلة للخلاص. ينظر: , pp. 91–92 Philosophy as Cultural Politics Rorty,. (4((ترث الأعمال الأدبية والإثنوغرافية في ثقافة تهكمية مهمة التغيير الاجتماعي بوصفها لما هو خاٌّصٌ ومتفرد بديلًا من نوع

الفلسفة التي تفترض وجود طبيعة إنسانية مشتركة، تنتبه هذه الأعمال إلى آلام الآخرين. في المقابل، تنزوي الفلسفة طالبة الكمال

في المجال الخاص لتصير الأعمال الفلسفية أعم لًا إبداعية غايتها الإبداع الذاتي. ينظر: , p. 138 Contingence Rorty,.

(43) Richard Rorty, Essays on Heidegger and Others, Philosophical Papers (Cambridge: Cambridge University Press, 1991), p. 68.

كليّةٍتايئزج يف اهماكحلأ لا معإو ةدَرَّجمو.اقلخاأ كلذ نم لادًااب دجن لب بأسماءِ أعلامٍ تُجسد

معتقدات ورغبات لأشخاص متخَّيَلين متفردين. فديكنز يحكي قصصًا لأشخاص يتجاهلون آلام

آخرين، ويصف وصفًا دقيقًا تجليّاتِ تلك الآلام وملامحَها المتفردة، ويستعمل أسلوبًا لا مفاهيم

مجردةً فيه. بل يعتني، بدلًا من ذلك، بنقل التفاصيل الصغيرة والجزئيات الدقيقة. فليست غايةُ ديكنز الحقيقة، بل الأمل. وهو قد زرع الأمل بأن حكى قصصَ من لا يُعبأ بهم. يلفت رورتي انتباهنا إلى أن إدانة ديكنز للمظالم لم تكن إدانةً مليئة بالصخب والعنف. ويصف رورتي غضبه بما وصفه به أورويل: غضبٌ فاضلٌ لا لؤمَ فيه Generous Anger؛ إذ اقتصر ديكنز على أن يُشعر بالشر ويشير إليه، وعلى وصف بشاعته باقتدار. فقد وصف باقتدار كيف تشتغل مؤسسات بلاده (المحاكم) في صورة بشعة. وبأعماله خلقَ مشاعر الرحمة والعاطفة الإنسانيتين حتى فيمن كان سبب المظالم. وتماهى الحاكمون بخيالهم مع من يحكمونه. يراهن رورتي على تغيير ثقافي يحقق التضامن بمثل أعمال ديكنز الروائية، عبر أجزاء دقيقة وتأثيرات لطيفة، تُجسدها استعمالات أسلوبية مبتَكرة، تقطع مع وهم البحث عن لغة أصلية Ur–language نتعرفها بمجرد سماع أصواتها. يَلزم التماس إثارات بديلة بتغيير لحن الأقوال. وحينما انتشرت قراءة روايات ديكنز وترَّسَخت طقوسُها، وحينما قرأها الحاكمُ والمحكومُ، الجّلد والضّحيّة، وبفضل اتصال قراءتها عبر الأجيال تحصل

ميلاد إنسان جديد. تبدلت مداركُه واغتنت خصائصُ ما يدركه من الغير، وما يستقبله منه من إشارات ومثيرات جعلته حديد الإدراك، ومرهف الإحساس. صارت مسؤوليته، بعبارة مارثا نسباوم

Martha Nussbaum، غنية وفطنته مرهفة Finely Aware and Richly Responsable. أعمال ديكنز

نموذجية فيما يمكن أن تُحدثه الأعمال الروائية في التغيير الاجتماعي والتقدم الإنساني وزرع الأمل، وهي مثال يبين كيف يكون الأدب عملًا أو أثرًا بليغًا، وليس نظرًا أو وسيطًا نتمثل به الأشياء. أدى في

الأخير إلى تغيير تشريعات بلاده، وجعل المؤسسات الاجتماعية والسياسية أرْفقَ بالإنسان، فاستساغه

(4((نستعمل الأخلاق هنا نقل: ا للفظ Characters.

(45) Rorty, Essays on Heidegger and Others , p. 79. (46) Ibid., p. 80. (47) Ibid., p.79. (48) Rorty, Contingence , p.138.

(4((يقاوم رورتي اعتبار اللغة كيانًا ماهويًا، ويلتفت إلى كونها أفع لًا تنشئ آثارًا في الواقع. هي أفعال وتأثيرات عابرة في تبعٍ

للحاجات الإنسانية. ومن هنا يمكن أن نفهم تعدد اللغات أو بالأحرى الأصوات الإنسانية، بل حتى أصوات الحيوان. ينظر مقالة لدونالد ديفدسون (2003–1917) يعتمدها رورتي اعتمادًا أساسيًا في فهمه للغة:

Davidson Donald, "A Nice Derangement of Epitaphs," in: Ernest LePore (ed.), Truth and Interpretation: Perspectives on the Philosophy of Donald Davidson (Oxford: Basil Blackwell, 1986).

((5(الخصائص الإدراكية Caractères Perceptifs مفهومٌ لياكوب فون إكسكول ورد في كتابه عن عوالم الحيوان وعالم الإنسان،

ينظر:

Jakob von Uexküll, Mondes animaux et monde humain, suivi de Théorie de la signification , Phillipe Muller (trans.), (Paris: Denoël, 1956), p. 23.

من كانوا موضوع هجائه حتى استحال هو نفسه مؤسسة من مؤسسات أمته كما قال أورويل عنه. إن ما سبق جعل رورتي يلتمس في الرواية عامة بديلًا من الفلسفة النظرية التأسيسية تفتح باب الأمل وتُجسّد قيمة التهكم بصورة أقوى.

3. الروائي بوصفه متهكمًا: "مارسيل بروست نموذجًا"

يلفت رورتي نظرنا إلى ما يجعل الرواية بديلًا حقيقيًا من الفلسفة النظرية والتأسيسية. ليس الروائي من

أهل العقل، وليس العقل هو منبع أعماله، بل الخيال؛ إذ معه يمكن أن نتخلص نهائًّيًا من صورة النظر

الاستعارية. ويرى رورتي أن الأعمال الروائية ليس من شأنها أن تُمِثِّل لنا الحقيقة الأخلاقية، وليس لاستعاراتها وظيفة تمثيلية. ويعترض على نسباوم، بشأن المماثلة بين فلسفة أرسطو وروايات هنري جيمس Henry James (916–18431)؛ إذ اعتبرها مقاربة معرفية. ليس الروائي ناظرًا، وليس يقترح

نظرية في الأخلاق أو السياسة. إنه مبدع يبدع ذاته إبداعًا ذاتيًا من خلال أعماله. توهمنا الفلسفة التأسيسية بوجود حقيقة أخلاقية نهائية، ويخلصنا الروائي من هذا الوهم، أي من وهمِ وجود أساس نؤسس عليه أفعالنا، من وهم اكتمال التجربة الإنسانية وبلوغها كمالَها النهائي. وبدل

أن نتساءل عن الأساس الذي سنبني عليه أفعالَنا بصورةٍ نهائية، نتساءل مع الروائي: كيف نُنجز ذواِتنا على أحسن وجه؟ ويستدعي ذاك أن نسأل عمن يوجدون في العالم، وماذا يصنعون؟ وكيف تحُول

أحوالهم؟ وكيف يصانعون الدهر ويتخلصون من مضايق عيشهم؟ تُستعمل الأعمال الروائية لبسط ذواتنا وإغنائها بالتجربة، وذلك عبر التخلص من اعتبار الذات ماهية وجوهرًا، هي بالأحرى شبكة من

المعتقدات أو الآراء Beliefs والرغبات، وعبر استكشاف ذواتٍ أخرى هي عوالم جديدة، وأنسجة عجيبة من المعتقدات المستغربة والرغبات. نستكشف عبر تجربة القراءة أن الإنسانية ليست أمرًا

مجَّرَدًا، بل هي خزّان لامتناهٍمن التجارب التي تُفِصِّل الإنسانية تفصيلًا فتُبرز للعيان أو للخيال أشك لًا

للإنسان طريفة كدون كيخوتي دي لا مانتشا Don Quijote de la Mancha أو بارتلبي Bartleby أو هومبير هومبير Humbert Humbert أو أوبريان. وبذلك ننتبه إلى وجود ما لا يُحصى من كيفيات

الوجود الإنساني. إن معتقداتنا ورغباتنا ما هي إلا ممكنات من المعتقدات والرغبات الإنسانية غير المتناهية. وبهذا تُخِلِّصنا الأعمالُ الروائية من اعتبار معجمنا الأخلاقي المعجم الأخلاقي الوحيد.

(51) George Orwell, Collected Essays: Journalism and Letters , vol. 1 (Harmondsworth: Penguin, 1968), pp. 414–415. (52) Richard Rorty, "Redemption from Egotism: James and Proust as Spiritual Exercises," Telos , vol. 3, no. 3 (2001), p. 258. (53) Ibid.

(5((شخصية طريفة في قصةٍ لهرمان ملفيل Herman Melville، صاحب قولة مشهورة: "أُفِضِّل ألا " I would prefer not to ما كان

يجيب به سيدَه (الموثق) إذا طلب منه عملًا من الأعمال التي استعمله من أجلها وهي نسخ الوثائق. القصة بعنوان:

"Bartleby, the Scrivener: The Story of Wall Street."

(5((صاحب الرغبة الطريفة في رواية لوليتا Lolita لفلاديمير نابوكوف Vladimir Nabokov (977–18991) حيث يشتهي قاصرًا،

والعملُ وصفٌ لحرصه على تزيين شهوته الغالبة.

(56) Rorty, "Redemption," p. 249.

وتجعلنا نفطن إلى خاصية الحدوث والتجدد اللذين يصيبان وجودنا. وتجعلنا نعي لانهائية المقامات البشرية التي تمنح الفعل الإنساني معنى جديدًا دائمًا، لا يتنبأ به. من أجل ما سبق يضع رورتي مارسيل بروست نموذجًا من نماذج الروائِّيِ المتهكم من عَرضَيَّة وجوده

الخاص. عملُ بروست عمل إبداعي وليس كشفًا لحقائقَ مستقلة عن أذهاننا. أبدع بروست نفسه،

وتحول هو نفسه إلى عمل بديع؛ إذ استحال إلى عمله المكتوب الذي نقرؤه الآن وهو في البحث عن الزمن المفقود. كأنّما هناك أمرٌ خفيّ في هذا العمل يدعو إلى أن يَعمل أي فرد من ذاته أمرًا بديعًا.

ويستحضر رورتي التجربة الدينية ليدعم البعد العملي للأعمال الروائية ويستعيض عن نموذج النظر. ومن أجل ذلك يقارن بين عمل جون بنيان رحلة الحاج وعمل بروست. يشعر قارئ العمل الأول أنه عرَج إلى عالمٍ أفضل من عالمه، بينما يرجو قارئُ بروست أن يتحوّل إلى عملٍ فنّي Work of

Art بعد أن يلتفت إلى الوراء، وينسج من فلتات حياته ومما خَّلَفه زمانُ عيشه مما يستحق الذكر، نسجًا بديعًا. وبذلك يمنح معنى لتجربة حياته المليئة بالصخب والعنف، المفعمة بالغضب والمآسي

والأحزان والمفاجآت والانعطافات والإحباطات. لا شك في أن كل فرد من الناس جرب ما لم يجربه غيره، وبقراءة بروست يرجو أحدُنا أن يحِّوِل حكايته إلى عمل مكتوب يستحق أن يُقرأ، وأن يُحِّوّل

ما وسمه به الزمان إلى وسمٍ مكتوب. إنّ الأمة الليبرالية كما يرجوها رورتي هي أمة تُمِكِّن من تكاثر أعمال فلسفية تهكمية، وأعمال إبداعية أيضًا مثل ما أبدعه بروست. إنها الأمة التي وصفها ميلان. حيث يُعترف Paradise of Individuels) بفردوس الأفراد 2023–1929(Milan Kundera كونديرا

لكل فرد بحقه في أن يُعبّر عن رغباته الدفينة والملحة. وأن يُستمع إليه وأن يُشعَر به من دون أن يكون

ذلك ذريعة لأن يفرض معتقداته ورغباته على الآخرين. إنها أمة حرة "حيث لا أحد سيفكر في الإله أو الحقيقة أو طبيعة الأشياء". يوتوبيا كونديرا كرنفالَّية، أي حشد من محتفلين غريبي الأطوار يرنون إلى استكشاف ما ينفرد به كل واحد منهم، ملتمسين للنادر والطريف والحديث، ولا حنين لهم إلى الماضي والقديم. هذا عن الأثر البليغ الذي يمكن أن يُحدثه عمل من أعمال بروست: حٌّثٌ على أن يبدع أحدنا نفسه. وقد يوهم

هذا أن أعم لًا روائية تستهدف خلق الذات تجعل من المبدع متمركزًا حول ذاته. قد نتساءل: أليس

بروست بذلك أنانيًا متمركزًا حول ذاته؟ الجواب هو النفي؛ إذ يتحصل من تجربة بروست في حياته

وعبر عمله الإبداعي أن تتسع عوالم ذاته وعوالم ذوات قرائه. وتم له ذلك بفحصٍ شديد لذاته ولغيره، وهما في خضم التفاعل وتبادل الآثار. وبتوسيع هذا الفحص ليشمل العشرات من المتمركزين حول

((5(رحلة الحاج A pilgrim’s Progress، للكاتب البريطاني جون بنيان Jhon Bunyan (688–16281)، وهي قصة تمثيلية عن الخلاص المسيحي.

(58) Rorty, "Redemption," p. 261. (59) Rorty, Essays on Heidegger and Others , p. 75.

(6((محمد جديدي، "براغماتية ريتشارد رورتي السياسية: بين اليوتوبيا الليبرالية والمنحى الساخري"، تبُّيّن، مج 11، العدد 42

(خريف 2022)، ص.32–31

(61) Rorty, Essays on Heidegger and Others , p. 75.

أنفسهم، تكاثرت الأوصاف وتعددت زوايا النظر، واتصل الفحص والاستقصاء وتعُّقّبُ الآثار عبر

الزمان حتى تبَّيَن ما الذي فعله الزمان بالأشخاص، وتغيرت نظرة الراوي وزال أثر السحر عن عينيه

ففطن إلى أن من كان يَعُدُّهم في مصاف الآلهة بشرٌ مثله، بل إنه تفوق عليهم؛ إذ كانت له السيادة عليهم

باختصارِ أوصافٍ لهم وهم في أوضاع مختلفة عبر الزمان، فتعددت الأعين والأوصاف وتكاثرت، واختفت وحدة المنظور إليه. إنه أثرٌ عظيمٌ من التخلص من التمركز حول الذات بعد أن تلاشى

الجلال وتبخرت العظمة. وما كان لبروست أن يُتاح له إحداث هذا الأثر، وأن يحقق استقلاله عن

غيره لو أنه لم يستعمل أداة الوصف ليصف بها من كان بروست موضوعًا لوصفه. انقلب السحر على الساحر. ما يجعل بروست مستحقًا لنعت "المتهكم"، هو التخلص من وهم وجود ماهيات وحقائق إنسانية تعلو على الزمان، وذلك ما تلتمسه فلسفة رورتي التهكمية. فرواية بروست هي في الحقيقة حول الحدوث. فيتبين أن الأشخاص كائنات عُجنت من مادة الزمان، وأنها صنيعة أحوالٍ مُطيفة عارضة.

ونخرج من قراءتنا لبروست وقد زال الخِدر، وانظروا إلى حدوث لحنٍ جديد لاسم غيرمونت في سمع الراوي. هذا ما تخيله بروست من ممكنات المعتقدات والرغبات التي يُمكن أن نصادفها في عيش منازلنا

الخاصة، ونتساءل: ماذا عن ممكنات المعتقدات والرغبات العامة التي تُنشأ بها الأمم والجماعات؟ ما الذي نرجوه من الأعمال الروائية بهذا الشأن؟ إن ما نرجوه هو أن ينشط الخيال لتخُّيُل ما يمكن أن

يعرض من القساوة في مدننا واجتماعاتنا العامة. ستكون للأعمال الروائية فضائلُ أخرى، وآثارٌ ناجعة

ننتقل إلى الحديث عنها في آخر هذا العمل.

4. الرواية والأمل الليبرالي: جورج أورويل وقساوة المتهكم

يعتمد رورتي تعريف جوديث شكلار Judith Shklar (992–19281) للّيبرالي، فهو الذي يرى أن القساوة هي أسوأ الذنوب التي في إمكاننا اجتراحُها. كيف تساعدنا الأعمال الروائية على التبرؤ

من القساوة؟ لا يعتني رورتي في عمل أورويل 1984 فقط بما امتاز به من إظهار قساوة الأنظمة الشمولية في صورة فنية مبتكرة، بل يعتني أيضًا بإظهاره إمكانية أن يتحول المثقف إلى كائنٍ قاس، بل أن يجتمع في المثقف التهكم والقساوة. من أجل ذلك يلفت رورتي انتباهنا إلى ما ورد في

(62) Rorty, "Redemption," p. 262. (63) Ibid.

((6(الأمر نفسه قام به هيدغر فهو كذلك يحكي قصة ألفاظ معجم الميتافيزيقا، مُصغيًا إلى تغير ألحانها عبر الزمن. ينظر:

Rorty, Contingence , p. 167.

((6(ينعت رورتي المثقف الذي سيقوم بوظيفة الإرشاد إلى القيم الجديدة أحيانًا بالليبرالي البرجوازي ما بعد الحداثي: Postmodern

. Bourgeois Liberal

((6(وهي عالمة سياسة أميركية، وممن جددوا فهم الليبرالية.

(67) Rorty, Contingence , p. 202.

القسم الثالث من الرواية، وإلى أخلاق أوبريان. ويتخذ رورتي عمل أورويل ذريعةً لإعادة وصف آرائه التهكمية ملتمسًا ما يدعمها من إشارات. ويعود إلى آرائه المعروضة في كتابه بعنوان: عرَضَّيّة وتهكم

وتضامن Contingency, Irony, and Solidarity. ليعيد وصفَها بمزاجٍ روائي. من تلك الآراء رأيُه عن

الحقيقة وفكرته عن حدوثها وحدوث الجماعات والأمم، واللغات والذوات. أما بشأن الجماعات والأمم فقد أظهر الكتابُ أنها صنيعة الزمن والاتفاق، وتلك هي العَرضَيَّة. تتشكل جماعات وأمم،

وتتلاشى أخرى. تتشكل أنسجة من آراء أممية تبدو غريبة في البداية كما هو شأن آراء المسيحية،

إّلا أنها ستنشِئ أمة بأكملها. تُنسَج آراءٌ أممية كآراء الليبرالية أو الاشتراكية لتنشئ أممًا أخرى. ولم يكن

متوَّقّعًا أن تُنسج آراءٌ في صور خاصة وأن تنشأ أمم في صور دون أخرى وأن يَظهر حكّام ذوو أخلاقٍ

خاصة يصدرون عن تأويلات خاصة لتلك الآراء. وإنما يضع أورويل إمكانية أن يظهر شخصٌ بأخلاق

خاصة – هو أوبريان – شغله الشاغل هو المعتقدات. وفي هذا يقول: "مضمون مماثلتي [المماثلة بين هربرت جورج ويلز Herbert George Wells (946–18661) الذي لم يفهم العصر الحديث وما آلت إليه الأمور من ظهور الفاشية الفكرية، وبين مثقف روماني في عهد السلالة الأنتونية لم يخطر على باله أن يصير المسيح قدوة] هو أن مركب الأفكار الذي ننسبه إلى المسيحية – على سبيل المثال فكرة أن التراحم أساس الاجتماع السياسي، وأن هناك أمرًا مجحفًا (إن استعملنا قائمة أورويل)

في: 'الاعتقال من دون محاكمة، واستعباد أسرى الحرب، والإعدامات العلنية، والتعذيب لانتزاع الاعتراف، واستخدام الرهائن، وترحيل ساكنات بأكملها'، وأن التمييز على أساس الثراء أو الموهبة

أو القوة أو الجنس أو العِرق مناقض للسياسة العمومية – لم يكن ذات يوم سوى شطحات غير قابلة للتصديق كما هو شأن مركب الأفكار الذي نقرنه بجماعية أوبريان الأوليغارشية". ويرفض رورتي تأويلًا لدارسين اعتبروا أن أورويل إنما يُدافع عن موضوعية الحقيقة في عمله

الروائي، وعن وجود أمر موضوعي لا يُمكن إنكاره، وتأتي بطولة وينستون Winston من مقاومته أمر

أوبريان بالتنكر لما هو بديهي من الحقيقة، وهو أن 2 + 2 = 4. يرى أنصار النظرية التأسيسية للحقيقة

وجود حقيقةٍ بشأن العالم وبشأن ما هو أخلاقي أو سياسي. كأن هؤلاء إنما يعنون بردهم تهكمية رورتي الذي يرى في المقابل أن ما يجعل الأمر حقيقيًا هو ما يعتقده الشخص، ويستطيع تبريره أمام

الآخرين ممن يشتركون معه في المعجم الاستعمالي. يُنكر رورتي، منتصرًا لمذهبه التهكمي، وجودَ

وقائع أخلاقية بديهية أو حقائق في استقلال عن اللغة. ويغير رورتي أيضًا من فهمنا للذات. فكما هو شأن المعتقدات المنشئة للأمم، توجد معتقدات تنشئ فردًا من الناس، وهو ذاته نسيج من معتقدات ورغبات خاصة. ينقل رورتي قولًا لأورويل ينص فيه على أنه لا وجود للغة خاصة بنا. لا وجود

إّلا لما هو اجتماعي في الأفراد، ولقدرتهم على استعمال لغةٍ، وتبادل المعتقدات والرغبات مع الآخرين. فمن هنا حاجتُنا إلى الحوار مع الغير بشأن ما يبدو لنا حقيقيًا، وليس في الواقع حقيقٌّيٌ.

(68) Ibid., p. 253. (69) Ibid. (70) Ibid., p. 238. (71) Ibid., p. 243.

نحتاج دائمًا إلى الغير لتقوية غزل آرائنا، وللحفاظ على انسجامه. ويحتاج النسيج دائمًا إلى الرعاية

والعناية، والآخرون هم من يدعموننا في ذلك، ويؤكدون من نكون. ووينستون نفسه احتاج إلى أوبريان لتأكيد ما صار يراه من آراء. نحن صنيعة هذه الأنسجة من المعتقدات، وصنيعة غيرنا ممن نحتاجهم لتأكيد هويتنا. ومن هنا تأتي قيمة التهكم مما لدينا من معاجم نهائية، والفضول بشأن معاجم غيرنا. إن قيمة التهكم آتية من الفطنة بمن نحن، وبما له الفضل في إنشاء هوياتنا. يرى رورتي أن ما يجعل من عبارة ما حقيقيةً هو أن أحدَنا يراها صادقة ويستطيع تبريرها، وليس لمطابقتها أمرًا خارج الذهن، والحقيقة هي أفضل ما أتيح لنا اعتقادُه، ووينستون يُجسد هذا في عمل أورويل

الروائي. ويتولد عن هذه المفاهيم مفهوم خاص للقساوة، فهي آتية من إذلالنا عبر نقض غزل آرائنا، وهدم اللغة التي أنشأتنا ما دمنا كائنات لغوية. إن القساوة آتية من تمزيق نسيج آرائنا لنسج أخرى مكانها من اختيار الجّلا د. والإذلال آت من حرمان الإنسان من المعجم الاستعمالي الذي نشأ فيه ليصف ما كانه قبلًا. أن أحرَم مثلًا من أن أصف ما كنته باللغة الدينية التي كنت أفهم بها وجودي، أو أن يُحرم الليبرالي

العلماني من المعجم الاستعمالي الذي يُؤِّوّل عيشه، هو حرمانٌ من الأنا يصير به أحدُنا عاجزًا عن غزل

نسيجٍ منسجم من المعتقدات والرغبات، أو عاجزًا عن أن يُبرر رأيًا من آرائه في انسجام مع بقية آرائه. من

هنا يكون اللاعقلاني هو الشخص الذي يقول أقو لًا يعجز عن تبريرها، لا من يقول أقو لًا غير مطابقة للواقع. إذلال أوبريان لوينستون آتٍ من جعله يعترف بأنه صار عاجزًا عن استعمال لغة يستطيع تبريرها وأن يكون أنا. الإذلال في أن يُهدم أحدنا فلا يستطيع أن يرى الآراء التي كان يراها، أو يرغب فيما كان

يرغب فيه قبل أن يُهَّدّم. الإذلال في أن يمَّزّق وينستون فتنقطع الصلة بين وينستون الذي صار يحب الأخ

الأكبر Big Brother بوينستون الذي كان يحب جوليا Julia. يستشرف أورويل المستقبل وما يمكن أن تؤول إليه الأمور أكثر من وصفه لما هو كائن. وعليه فليس الأدب مرآة، بل خَلقًا. لقد التفت الدارسون إلى بطولة وينستون وغفلوا عن شخصية مبتكرة أخرى هي أوبريان، وعن قساوته التي لا مثيل لها؛ إذ يتحول تعذيبه لوينستون غاية في ذاته. يضع أورويل إمكانية أن تصير السلطة بيد المثقف، ويتخيل مآلات ممكنة. لا يقترح المتخيّل بديلًا، بل يشير إلى

إمكانية أن تنحرف الأمور، وتتجه وجهة خاطئة. تخيل أورويل إمكانية أن تجد المواهب الإبداعية والعقلية تلك التي جعلت الفلسفة اليونانية والعلم الحديث والشعر الرومانسي أمرًا ممكنًا؛ أن تجد

استعم لًا لها في وزارة الداخلية. يتخيل أورويل كيف سيصف المثقفون أنفسهم في مستقبل ممكن، ماذا سيُفعل بهم، كيف ستُستعمل مواهبهم في العالم الممكن المرعب الذي تخيله. ويتخيل أورويل

كيف يتحول المتهكم إلى مثقف قاس يستعمل خبرته بمعاجم الأفراد الاستعمالية لإذلالهم وتفكيك

(72) Ibid. (73) Ibid., p. 245. (74) Ibid, p. 236. (75) Ibid, p. 242. (76) Ibid.

ذواتهم، وتلك نهاية الأمل الليبرالي. يتجسد الأمل الليبرالي في حرية الأفراد في إنشاء ذواتهم، الأمل في أن تتكاثر الأعمال الإبداعية التي ينشئ بها الأفراد أنفسهم خلقًا آخر. الأمل المرجو هو أن يتحرر الخيال أيضًا من أجل تخيل تجارب وآراء ورغبات وشخصيات قاسية مستغرَبة ومقامات وأوضاع

تحمل داخلها القساوة ملامح متفردة؛ ذلك أن ما نشترك فيه جميعًا هو إمكانية الانفعال لما يؤذي الآخرين ويؤلمهم وتلك هي الرحمة، وما نأمله من أعمال أدبية روائية هو أن تنشئنا خلقًا آخر أشدّ تبرؤًا من القساوة.

خاتمة

هل كان الغرض من هذه الدراسة أن نُخبر عن نقد ريتشارد رورتي للفلسفة النظرية ولوظيفتها، وُنعِلم بما تختص به فلسفته البديلة، وبمكانة الأدب والرواية داخل الثقافة، وإسهامهما في التغيير الثقافي؟ في ظاهر القول، إنها إخبار بما أنشأه ريتشارد رورتي من فهمٍ جديد لوظيفتَي الفلسفة والأدب، مُبِرِّئًا

إياهما من الوظيفة التمثلية. إن الغاية من الفلسفة والأدب بوصفهما عملين هي الإبداع نفسه، وإذا اكتسبا قيمةَ التهكم تبَّرَآ بصورة أشَّدّ من قيمِ الفلسفة النظرية. يرى رورتي أن الأعمال الأدبية أقدرُ على

فتح أبواب الرجاء، أي رجاء التبُّرّؤ من القساوة، وأنها أنجعُ من غيرها في إنشاءِ معتقدات ورغبات

بديلةٍ وصُنع إنسانٍ أرْحمَ بغيره. هذا عن الظاهر، فماذا عن باطن القول؟ كأنما هناك أمرٌ يأمر: اعمل

على أن تجعل من الفلسفة عملًا تُبدع به أفهامًا واستعاراتٍ جديدة، فتتخلص من المعاجم الاستعمالية

الأخيرة، مُستبدلًا بها مُعجما استعمالًّيًا جديدًا يُخِلِّص من مآزق المشكلات المتعارفة القديمة.

واعمل على أن تتكاثر الأعمال الإبداعية الأدبية، وخصوصًا الرّوائية منها، لنتعرف على قَدْرٍ متزايد

من التجارب الإنسانية المتفردة الممكنة، عسى ذلك يُخِلِّصُنا من وهمِ وجود ماهية إنسانية يمكن

تجريدُها من أحوال الزمان، ولنتبَّرَأ أكثر من القساوة المتوِّلّدة من المعتقدات والرغبات والأحوال

القاسية بتخيل قدْرٍ متزايد مما يُمكن أن يَحدث منها. ولنلتفت إلى ما لهذه الأعمال الحاملة لهذه

المواصفات من الآثار في تحسين الوضع البشري، ولندعم آثارها التي هي في كل الأحوال قائمة في الواقع. هذا عن الأمر المفترض في أحاديث ريتشارد رورتي وفي حديثنا المحاور لها. ولا نريد أن نكَّفّ عن القول حتى نستفهم عن إمكانية إعمال أقاويله في مقام غير الذي تشَّكَلت فيه آراؤه

ورغباته. إن صِدْق عملٍ ما، راجعٌ إلى نجاعته. فهل يصدق إعمال آراء ريتشارد رورتي ومفاهيمه

بشأن الفلسفة والأدب ووظيفتيهما في سياقٍ ثقافي آخر؟ قد يحتاج الأمر إلى أن نلتمس أوصافًا بديلةً

لإعادة وصف ثقافات أخرى لها أحداثُها وأعمالُها وشبكاتُ آرائها ورغباِتها ومعاجمُها الاستعمالية

ومُكوّناتُها المتفرّدة المغايرة لما جَّرَبه ريتشارد رورتي.

(77) Rorty, Philosophy and Social Hope , p. 14.

((7(يقرب رورتي الفلسفة المُبَشَّر بها بالأدب تقريبًا يجعلها نوعًا من الكتابة، واستنادًا إلى دريدا يبين كيف أن الفلسفة الكانطية مثلًا

أسلوب في الكتابة لا يود أن يكون أسلوبًا في الكتابة، ينظر:

Richard Rorty, "Philosophy as kind of Writing: An Essay On Derrida," New Literary History , vol. 10, no. 1 (1978), p. 156.

المراجع

العربية

ابن سينا. كتاب النجاة. تحقيق ماجد فخري. بيروت: دار الآفاق الجديدة،.1985

ناشرون،.2008

مج 11، العدد 42 (خريف.)2022

للترجمة،.2009

تبيّن. مج  21، العدد 46 (خريف.)2023

الأجنبية

References

إسماعيل، صلاح. البراجماتية الجديدة: فلسفة ريتشارد رورتي. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،

جديدي، محمد. الحداثة وما بعد الحداثة في فلسفة ريتشارد رورتي. بيروت: الدار العربية للعلوم

_______. "براغماتية ريتشارد رورتي السياسية: بين اليوتوبيا الليبرالية والمنحى الساخري". تبُّيّن.

رورتي، ريتشارد. الفلسفة ومرآة الطبيعة. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية

صالح، علي حاكم. "هل يمكن قيام الأخلاق من دون أساس؟ نظرات في أخلاقيات ما بعد الحداثة".

الفارابي، أبو نصر. رسالة في العقل. تحقيق موريس بويج. بيروت: المطبعة الكاثوليكية،.1938

Aristote. Organon I et II. J. Tricot (trans.). Paris: Vrin, 2004. Carnap, Rudolf. Manifeste du Cercle de Vienne et autres écrits. Barbara Cassin (trans.). Paris: Presses Universitaires de France, 1985. Fischer, Michael. "Redefining Philosophy as Literature: Richard Rorty’s 'Defense' of Literary Culture." Soundings: An Interdisciplinary Journal. vol. 67, no. 3 (1984). George, Orwell. Collected Essays: Journalism and Letters. Harmondsworth: Penguin,

Gilbert, Ryle. Concept of Mind. Abingdon: Routledge, 2009. Kwiek, Marek. Rorty’s Elective Affinities, The New Pragmatism and Postmodern Thought. Poznan: Adam Mickiewicz University, 1996. _______. "After Philosophy: The Novelist as Cultural Hero of Modernity? On Richard Rorty’s New Pragmatism." Theoria: A Journal of Social and Political Theory. vol. 45, no. 92 (December 1998). LePore, Ernest (ed.). Truth and Interpretation, Perspectives on the Philosophy of Donald Davidson. Oxford: Basil Blackwell, 1986. Malachowski, Alan (ed.). A Companion to Rorty. Hobok: Wiley Blackwel, 2020.

Pierre, Hadot. "Le mythe de Narcisse et son interprétation par Plotin." Nouvelle revue

Pierre, Vuilleumier. "Platon et le schème du miroir." Revue de Philosophie Ancienne.

Rorty, Richard. "Philosophy as Kind of Writing: An Essay On Derrida." New Literary

_______. Essays on Heidegger and Others: Philosophical Papers. Cambridge:

_______. Objectivity Relativism and Truth. Cambridge: Cambridge University Press,

_______ (ed.). The Linuigstic Turn: Essays in Philosophical Method. Chicago: The

_______. Contingence, Ironie et Solidarité. Pierre–Emmanuel Dauzat (trans.). Paris:

_______. Achieving our Country: Leftist Thought in Twentieth Century America.

_______. Truth and Progress: Philosophical Papers. Cambridge: Cambridge University

_______. "Redemption from Egotism: James and Proust as Spiritual Exercises." Telos.

_______. Philosophy as Cultural Politics. Cambridge: Cambridge University Press,

_______. Philosophy and Mirror of Nature. Oxford: Princeton University Press, 2009. Uexküll, Jakob von. Mondes animaux et monde humain, suivi de Théorie de la

de psychanalyse. no. 13 (1976).

vol. 16, no. 2 (1988).

History. vol. 10, no. 1 (1978).

Cambridge University Press, 1991.

University of Chicago Press, 1992.

Armand Colin, 1993.

Cambridge: Harvard University Press, 1998.

Press, 1998. _______. Philosophy and Social Hope. London: Penguin Books, 1999.

vol. 3, no. 3 (2001).

signification. Phillipe Muller (trans.). Paris: Denoël, 1956.