النوستالجيا الأندلسية: مقاربة في حفريات المصطلح وتمظهرات الأنا في مرآة ماضيها
Andalusian Nostalgia: Its Archaeology and Ego in the Mirror of its Past
الملخّص
تمكّن الوجود العربي في شبه الجزيرة الإيبيرية، من صناعة وبناء حضارة إنسانية شاملة، جمعت بين المدنية المادية والقيم السامية، سواء تعلَّق الأمر باحترام الخصوصيات الثقافية، أو السماح بحرية الإبداع والمعتقد. وقد تمخّضَ عن خروجهم من الأندلس صدعٌ كبير في الثقافة العربية، يستدعي المراجعة والتصويب، والتصحيح؛ باعتباره نكسة حضارية فارقة، أعادت الحضارة العربية إلى البدائية وأزمنة الهزيمة. ونشأ عن هذا الانكسار شعور قويّ يُمكن نعته بالنوستالجيا الأندلسية أو ألم الشوق إلى الأندلس. وهو عبارة عن حنين قومي وذاتي إلى البيئة الأندلسية وفضاءاتها، ولم تتمكن الذَّات العربية من التخلص من هذه المشاعر التي تجمعها بأمجاد الماضي وعطائه الحضاري. وتوارثت أجيال على اختلاف أعمارها ومشاربها الفكرية وأيديولوجياتها السياسية وانتماءاتها القومية والمذهبية حب الأندلس، فباتت تتغنى به رغم مرور الأزمنة واختلاف الظروف والملابسات. فتحوّلت الرحلة إلى الأندلس من فضاء للتسوق والسياحة، إلى رثاء للمدن، وبكاء على ماضٍ عتيق، جمع بين العلم والأدب والفن، وبلغت تأثيراته الكون والإنسانية قاطبة، وكانت شهادات مستشرقي الغرب أنفسهم دليلًا مقنعًا على فاعلية هذه الحضارة، بمنجزاتها التي لا تزال قائمةً وشاهدةً على ذلك إلى يومنا هذا.
Abstract
Abstract: The Arab presence in the Iberian Peninsula built a comprehensive human civilization that combined material urbanism with lofty values, pertaining to respecting cultural specificities and allowing freedom of creativity and belief. The Arab departure from Al–Andalus resulted in a significant rupture in Arab culture that necessitates review and adjustment. Considered a pivotal civilizational setback, the Arab civilization subsequently regressed to primitiveness and endured an era of defeat. This setback gave rise to a strong sentiment, often referred to as Andalusian nostalgia or the pain of longing for Al–Andalus. It embodies a national and self–directed longing for the Andalusian environment, from which the Arab identity has been unable to liberate itself. Across generations, regardless of age, intellectual inclinations, political ideologies, national affiliations, or religious denominations, the love for Al–Andalus has been inherited, and it continues to be celebrated despite the passage of time.
- الأندلس
- النوستالجيا
- الحضارة
- الحنين
- العرب
- Andalusia
- Nostalgia
- Civilization
- Longing
- Arab
مكي سعد الله * | Mekki Saadallah
Andalusian Nostalgia: Its Archaeology and Ego
in the Mirror of its Past
جمعت بين المدنية المادية والقيم السامية، سواء تعَّلَق الأمر باحترام الخصوصيات الثقافية، أو
السماح بحرية الإبداع والمعتقد. وقد تمخّضَ عن خروجهم من الأندلس صدعٌ كبير في الثقافة
العربية، يستدعي المراجعة والتصويب، والتصحيح؛ باعتباره نكسة حضارية فارقة، أعادت
الحضارة العربية إلى البدائية وأزمنة الهزيمة. ونشأ عن هذا الانكسار شعور قويّ يُمكن نعته
بالنوستالجيا الأندلسية أو ألم الشوق إلى الأندلس. وهو عبارة عن حنين قومي وذاتي إلى البيئة
الأندلسية وفضاءاتها، ولم تتمكن الَّذَات العربية من التخلص من هذه المشاعر التي تجمعها
بأمجاد الماضي وعطائه الحضاري. وتوارثت أجيال على اختلاف أعمارها ومشاربها الفكرية
وأيديولوجياتها السياسية وانتماءاتها القومية والمذهبية حب الأندلس، فباتت تتغنى به رغم
مرور الأزمنة واختلاف الظروف والملابسات. فتحوّلت الرحلة إلى الأندلس من فضاء للتسوق
والسياحة، إلى رثاء للمدن، وبكاء على ماضٍ عتيق، جمع بين العلم والأدب والفن، وبلغت
تأثيراته الكون والإنسانية قاطبة، وكانت شهادات مستشرقي الغرب أنفسهم دليلًا مقنعًا على فاعلية
هذه الحضارة، بمنجزاتها التي لا تزال قائمةً وشاهدةً على ذلك إلى يومنا هذا.
Professor of Comparative Literature and International Literature, University of Tebessa (Algeria). Saadallah_58@yahoo.fr
The journey to Al–Andalus has transformed from a space for commerce and tourism to mourning for cities and lamenting an ancient past rich in knowledge, literature, and art, whose impact transcended both the universe and humanity as a whole. Testimonies from Western Orientalists themselves serve as evidence of the successes of this civilization, the enduring achievements of which bear witness to its significance to this day.
مقدمة
إنّ الرحلة الحضارية، أو رحلة الَّتَواصل الثقافي، ورحلة المُثاقفة L’acculturation،
ورحلة المغايرة L’altérité هي بمنزلة ضُروبٍ رحَلية سفارية إلى الغرب، بالمفهوم الواسع
الذي يتجاوز أوروبا وقارّتها العجوز، فالغرب الثقافي يتجاوز التاريخ والجغرافيا ليتعلق بالمشترك
المعرفي لإبستيمولوجيا المركزية الغربية. وتمثّل هذه الرحلات بردايمًا للصراع أو الحوار بين
الشرق والغرب و"الإسلام" و"الغرب"، حتى إن اختلفت الرهانات والمؤشرات. ففي الحقيقة، إنّ الأنساق متباينة، والإسلام "دين" و"الغرب" فضاء سوسيوثقافي، وبين الحضارتين العربية الإسلامية والغربية، وخصوصًا في شِّقِها الثقافي المتجسد في الموروثَين اليوناني/ الروماني والتنويري لعصر
النهضة الأوروبية. ولا يتسع المقام ههنا لتقويم الفعل الرحلي من حيث نجاحاته وإخفاقاته في تحقيق المثاقفة الِّنِدية، وتجسيد ثقافة الاختلاف والمغايرة، وتكريس نموذج ثقافي مشترك، ينأى عن الَّتَماهي والذوبان والاستلاب وضياع الهوية. فهذه الرحلات "حضارية" بمعيارية اختلاف الحضارتين من حيث البنية والمرجعية، والمثاقفة باعتبار الأبعاد الكوسموبوليتية والمشترك الإنساني، ذلك أَّنَ
الحضارات تراكمات من جَّرَاءِ منجزٍ متعددِ الأعراق والثقافات، وانصهرت عبر العصور وتطورت
بحكم فطرة الَّتَدافع البشري، فالتاريخ أثبت فكرة انتفاء الَّنَقاء العرقي والحضاري. إنّ تاريخ المجتمعات يكشف عن التفاعل بين الأمم والشعوب، بصرف النظر عن الطرائق والآليات، فالعملية التواصلية هي عملية تهيئة مناخ الانفتاح على "الآخر"، ضمن أخلاقيات المحافظة على الهوية والخصوصية الثقافية والتميز الذاتي، فالكونية لا تنفي "الأنا" الحضارية ولا تقصيها ولا تدفعها للذوبان والانصهار وتفرض عليها نموذجًا حضاريًا مغايرًا ومخالفًا لأصولها ومرجعياتها. انتقل الرحالة العربي إلى إسبانيا وعجز حزنًا عن الإفصاح عن اسمها مضمرًا انكساراته، ومحمّلًا سلفه
الأسباب والنتائج، ومذِّكِرًا بمرويات الخروج ومرارته، فوفق الرواية الشعبية لا يزال المكان الذي ألقى
منه نظرته الأخيرة على غرناطة معروفًا باسم زفرة العربي الأخيرة The Moor’s Last Sigh. يمثّل نموذج المرتحل إلى إسبانيا المثقف النخبوي والعضوي، وليس الرحالة الإشكالي والمكتشف أو السائح والتاجر، فهو صورة للبحث عن الذات في مرآة نفسها، فالغيرية تشكّل انعكاسًا للأنا في مرآة
(((يثبت الباحث الأميركي مارتن بيرنال Martin Bernal (1937–2013) في كتابه أثينا السوداء بجزأيه الأول تلفيق بلاد الإغريق،
والثاني الجذور الأفروآسيوية للحضارة الكلاسيكية، الذي ينفي فيه مقولة نقاء الحضارات وصفائها لإثبات تفوّق الأعراق وخاصة
العرق الأوروبي وتبرير الاستعمار. فالحضارات تتكامل وفق الناموس الطبيعي في الأخذ والعطاء.
وصدى الآخر، أي في ثقافة الاختلاف ومنجزها العلمي والمعرفي، بعد إدراكه قيمة المنجزات التي ساهمت في بناء صرح الحضارة العالمية والإنسانية، إذ "شهدت بلاد الأندلس تطورًا كبيرًا ونهضة
شاملة على كافة المستويات في ظل حكم العرب المسلمين لها، فقد اهتم الأمراء بتنشيط الصناعة والزراعة، وعملوا على تنظيم جيش قوي وأسطول بحري للدفاع عن البلاد. ولا يخفى على أحد أن الحركة العلمية في بلاد الأندلس قد بدأت منذ استقرار المسلمين على أرضها، وكانت أهم ملامح هذه الحركة تشجيع الحكام والأمراء على التعليم، وبناء المدارس والمكتبات [...] قدمت الأندلس نهضة شاملة في العلوم النظرية والعلمية، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تتخبط في ظلام الجهل والتخلف". فقد كانت رحلات فتح الله المراش (873–18361) وجرجي زيدان (914–18611) وزكي مبارك (952–18921) وغيرهم، صورًا ونماذج للقاءات الحضارية بين الشرق والغرب، بصرف النظر عن
المرجعيات المؤسسة لكل رحلة وصاحبها والنظرات والتصورات والرؤى التي يقدمها في مقارباته للغرب، للإجابة عن السؤال القديم/ الحديث، لماذا تقَّدَم الغرب وتأَّخَر المسلمون؟ وبين رثاء الماضي وأمجاده والإحساس بالضعف والهزيمة، انقسمت الذات في تشخيص الأسباب وتعداد المكاسب والتذكير بمجد ضائع شَّكَل منارة للعلم والمعرفة والتسامح والتعايش بين الثقافات والأديان في فترة من فترات التاريخ. نحاول في هذه الدراسة الإجابة عن جملة من التساؤلات والإشكالات المعرفية والنفسية التي طرحتها خطابات هذا الجنس الأدبي الهجين الذي تبنى آليات الرحلة وخصائصها الأجناسية ولكنه خالفها في التصنيف والمحمول الفكري، فهي رحلة للذات في وعيها وتاريخها، وانطلاقة حاضرة لقراءة ومقاربة ماضٍ معروف ومعهود بصوره ومشاهده ومدوّن تاريخيًا ومصَّوَر فنيًا ومجَّسَد في كتابات وحفريات،
ونقوش ومعمار وآثار. فهل النصوص تكشف للمتلقي عن عقدة العيش في الماضي أم هو مجرد هروب وأحلام يقظة لحاضر فاشل ومعَّقَد، فقَد الأمل والطموح في تحقيق السعادة والأمن لمواطنيه، أم هو عجز حضاري مقابل عولمة طاغية في العلم والتقنية وانتقال رؤوس الأموال وتعميم النموذج الواحد في الثقافة والقيم؟ هل خطاب رحلة النوستالجيا إحساس مزَّيَف وهمي، باعتباره انتق لًا لدولة وفضاء سيادي أجنبي
والاعتقاد في امتلاك ثقافته وآثاره ومعالم هويته؟ وهل النصوص عبارة عن رحلات استكشافية في محافظتها على نمطية البناء الهيكلي للنوع الأدبي ورمزية الخطاب الطللي المشحون بعبارات النكبة والحزن؟ وهل هي نوع رحلي يعتمد المحاكاة والتقليد والنسج على المنوال، بإضمار حقيقة أن الأندلس هي إسبانيا التي دخلها بتأشيرة تؤكد أنّ الأندلس ليست غير مُتخَّيَل مستحضر من الذاكرة
والمرجعية؟
(((الطاهر أحمد مكي [وآخرون]، الأندلس: أرض الفردوس المفقود (الجيزة: وكالة الصحافة العربية ناشرون، 2020)، ص.8–7
وهل الحنين معيار للانتماء الحضاري ومكوّن من مكونات الهوية، أم تعبير عن الذات العربية المبدعة
في أزماتها وتصدعاتها وتشظّيها وإخفاقاتها الحضارية المتكررة، فتحوّلت الأندلس إلى وعاء لإسقاط
الهزائم وبناء ثقافة الوهم؟ نسعى في هذه الدراسة لإثارة جملة من الإشكالات المعرفية والفنية والنفسية، تتقدمها جماليات الرحلة الأدبية باعتبارها وعاء لاحتواء التجارب وتبيان المثاقفة والتواصل بين الأنا والآخر ضمن جدلية فضاءات الاحتكاك الثقافي والتأثير والتأثر، ليقترن هذا الجنس بحالة نفسية ميزت الرحلات الأندلسية من نظيراتها من الرحلات السفارية الأخرى، وهي ظاهرة النوستالجيا، ذلك الشوق الجارف والحنين الجامح إلى الأراضي الأندلسية بمختلف مدنها وأريافها والوقوف على معالم ثقافتها وآثارها باعتبارها هوية ثقافية جامعة للأمة العربية على اختلاف أديانها وإثنياتها وأجيالها، فهي في نظرهم تجسيد للعصور الذهبية التي تجسد التفوق العربي في البناء الحضاري، ذلك الصرح الذي تجاوزَ الأطر والحدود العربية ليحلّق في رحاب العالمية والإنسانية بمنجز علمي وفني وقيم إنسانية سامية. لقد اختيرت العيّنة باعتبارها مدّونة بحثية بناءً على مبررات ومسوغات موضوعية وظيفية لتحقيق
أهداف البحث، وذلك بتجاوز الرحلات النمطية المتداولة في الدراسات الأندلسية، حيث حاول البحث مراعاة الاختلاف الفكري وفوارق الأجيال وصراع الأيديولوجيات والمعتقدات الدينية والمعجم اللغوي الإبداعي الذي يكشف عن آليات الخطاب الوجداني الذاتي في تصوير النوستالجيا. ونتبنى في هذا البحث منهج السيميائية الثقافية في تفكيك العلامة الأيقونية المتمثلة في "الأندلس" مصطلحًا ومفهومًا بإعادته إلى مرجعياته المختلفة وتحديد دلالته ومحمولاته الوظيفية في صناعة
الرمزية المعرفية والنفسية خاصة، ومستعينًا بآليات النقد الثقافي وبمبادئه خاصة ما تعلق بتفسير الظواهر المعجمية التي أنتجها معجم الشوق والحنين من ألم وحزن، وأسى وتأسف واغتراب. فاستقراء نفسية الرحالة وتبيان نوازعه الذاتية يكشفان عن الأنساق الثقافية التي توَّلَدت من التمُّثلُات الوجدانية والعاطفية التي تمكنت من الفكر والوعي، ضمن جدلية صراع المتخَّيَل والماضي التاريخ
والواقع المتأزم. فالنصوص الرحلية النوستالجية تأسست وتأصلت في معادلة "الحنين والتاريخ والواقع" فتحوّل السرد إلى خطاب تفاعلي يجمع بين ثنائيات الانتقاء المشهدي من التاريخ والمنجز
الأندلسي الإيجابي، وبين التكيف الواقعي وتقنية "الاسترجاع" Flashback.
أولا: إبستيمولوجيا النوستالجيا
إحساس نفسي انفعالي يتجسد في الانتقال والترحال في روح سيكولوجية إلى فضاء واقعي أو متخيل يُعتقد جمالُه وخيره ومنفعته، وتتعدد الأسباب وتتنوع، ولكنها في الغالب علاجات نفسية لحالة.
وهي تختلف عن النكوص والانعزالية المرضية والهروب من الواقع، إذ إنها تعبير ثقافي ووجداني نحو آفاق أكثر سعادة وطمأنينة، فالأنا المنتقلة إلى الماضي تستشعر الماضي وتعرضه موضحة جوانبه
السعيدة حتى إن ارتبطت وامتزجت بالحزن من انتماءات بعيدة، ولكنها مكبوتة في اللاشعور الواعي الذي يستحضرها ثقافيًا وذهنيًا كلما دعت الضرورة. والنوستالجيا شعور بشري طبيعي وغريزي يتصل بالحياة وصيرورتها، وبالأحداث وتطوراتها وسننها في التدافع، فهي مشاعر واعية إدراكية تتناغم وتتناسق مع فضاء هوياتي يشكل جزءًا من بناء الشخصية
وتفاعلاتها مع محيطها الواقعي المعيش، فقد ثبت في كتب السيرة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم مخاطبًا مكة حين وداعها، في يوم فتح مكة "مَا أطْيبَِكَِمن بلَدٍ، وأحَبَّكِإلَّيَ! ولَوْلاَ أنّ قَوِْمَِي أخْرَجُوِنَي
مِنْكِ؛ مَا سكَنْتُ غَيْرَِك". فمكة هي الموطن بكل الأبعاد وبكل المعايير الاجتماعية والدينية. والنوستالجيا في المعجمية تعود إلى "الأصل المعجمي للفظة نوستالجيا فهي منحدرة من الكلمتين اليونانيتين νόστος التي تعني العودة، و ἄλγος بمعنى الألم والمعاناة، أما مصطلح نوستالجيا فيدل في اشتقاقاته على حالة مزاجية حسب الدلالة الألمانية Gemütsstimmung وقد ارتبطت بمنظومتها الرومانسية، بينما يرى فروي دان أن الرغبة في الماضي والحنين إليه نوع من الخيال والهروب من الواقع". وترجع بعض المرويات السردية والتاريخية أصل فكرة نوستوس nóstos العودة، يعود في معناه ودلالاته إلى جذورها اليونانية، قياسًا على رحلة الشاعر اليوناني الضرير هوميروس Homère
(القرنان 8–9 ق. م.) في ملحمته الأوديسة Odyssey، التي تحكي رحلة الملك أوديسيوس Odysseus الشاقة في العودة إلى موطنه بعد حرب طروادة، والتي واجه خلالها كائنات خرافية وغضب الآلهة، وانتهت بعودته إلى موطنه وقتاله ليثبت هويته من جديد ويستعيد عائلته وعرشه. والحقيقة أنّ المصطلح من المفاهيم المرتحلة التي تتجول بين الحقول المعرفية والميادين الفكرية، رغم بداياته الطبية التي تعود إلى الطبيب السويسري يوهانس هوفر Johannes Hofer1–669(752.)1 فكانت النوستالجيا عبارة عن مرض مركب من مزيج من الحزن والكآبة والغربة والاغتراب، تدفع إلى الرغبة الشديدة في العودة إلى الوطن وبلد الأصل والأصول. وقد تكون النوستالجيا شعورًا عامًا وليس فرديًا، فهو انفعال مُعدٍ يتميز بالعمومية والشمولية، فيلامس
شرائح كبيرة من المجتمع تشترك في الإحساس ذاته "يمكن أن يأخذ طابعًا معديًا، وأحيانًا قاتلًا،
(((رواه الترمذي، حديث.3926
(4) Marie–Claude Lambotte, "Nostalgie," Encyclopædia Universalis , 5/1/2021, accessed on 22/2/2024, at: https://2u.pw/1izr6jw
(((ينظر: هوميروس، الأوديسّة، ترجمة دريني خشبة (تونس: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع،.)2013 (((ناقش هوفر يوهانس سنة 7451 بإشراف أستاذ الطب بجامعة بازل Basel السويسرية، يوهان جاكوب هارد Johann Jakob
Harder (711–16561) أطروحة حول "الحنين إلى الوطن" انطلاقًا من دراسة ميدانية حول وضعية الفلاحين السويسريين الذين انتقلوا للقتال مرتزقة في فرنسا وإيطاليا، فظهرت عليهم آثار نفسية من كآبة وحزن وهيستيريا العودة، فاكتشف مصطلح "النوستالجيا" بدلالته الطبية الصرفة، قبل أن يتطور ويدخل الحقل النفسي بفضل أبحاث الطبيب السويسري يوهان جاكوب شوشزر Johann
1).733–1672(Jakob Scheuchzer
وعلاجه الوحيد المعروف، وهو العودة إلى الوطن، ليبقى تبرير العودة لاحقًا ومستقبلًا، خاصة عند الإعلان عن الخطر الذي يهدد الوطن". ومن الحقل الطبي والسيكولوجي ارتحل المصطلح إلى الأدب والفن "أطلق عليها الرومانسيون اسمًا آخر، (سينسوخت Seinsucht)، اشتقاقيًا لألم الوجود، وللتعبير عن شعور مؤلم لا رجعة فيه مرتبط
بعودة مستحيلة إلى الحياة. المهم أن هذا الشعور نوع أدبي جديد يتمثل في المرثية Élégie التي أثرت في الأدب الرومانسي، ابتداءً من توماس غراي في ليالي يونغ ولامرتين في بحيرة لامارتين وإلى
فيكتور هوغو في حزن أولمبيو ". وقد تساءلت دراسات متعددة عن هوية النوستالجيا باعتبارها حالة وشعورًا وموقفًا ويتجاوز الإحساس البسيط والساذج بالماضي والرغبة في العودة إلى الأصول والجذور، فالظاهرة من منظور إبستيمولوجي تَتلامَس وتتقاطع مع العديد من الحقول المعرفية والنظريات الثقافية والفلسفات النفسية والمقاربات الأنثروبولوجية "من منظور أنثروبولوجي، تثير دراسة الحنين أسئلة معرفية ونظرية مهمة. ما الأشكال المختلفة التي يمكن أن تتخذها؟ أهو شعور (إيجابي أم سلبي) أم ممارسة اجتماعية أم خطاب؟ وكيف يمكن تمييزه عن الطرق الأخرى لفهم الماضي (مثل الذكريات غير الحنينية)؟ هل الحنين إلى الماضي يفترض زمنًا مسبقًا خاصًا به؟ أخيرًا، كيف نفهمها من خلال الوصف الإثنوغرافي". فالنوستالجيا انتقلت من المفاهيم البسيطة المتمثلة في الحنين والشوق للأوطان وأرض الميلاد والنشأة، ففي الطبعة التاسعة من قاموس الأكاديمية الفرنسية Dictionnaire de l’Académie française يتوضح أن المصطلح "مستعار من الكلمة اللاتينية العلمية في القرن الثامن عشر Nostalgia ('الحنين إلى الماضي')، والتي تتألف من الكلمة اليونانية Nostos وتعني 'عودة'، والكلمة Algos وتعني 'ألم'، وهو إحساس من الحزن والمعاناة يشعر به البعيدون عن وطنهم".
(7) Jacques Hochmann, "La nostalgie de l’éphémère," Adolescence , vol. 22, no. 4 (2004), p. 677.
(((هي مرثية طويلة كتبت بمقبرة ريفية Elegy Written in a Country Churchyard سنة 7511، للتعبير عن الحنين العميق نحو أزمنة الماضي السعيد والتوق إلى عالم أفضل، وامتازت بصدق العاطفة وقوتها وهي من التراث الأدبي البريطاني الأكثر شهرة ورواجًا،
واعتبرها الكثير من النقاد بمنزلة إرهاص لظهور الرومانسية البريطانية ونشأتها. (((التأملات الشعرية Les Méditations poétiques ديوان شعري نظمه لامرتين ونشره سنة 8201، ويحتوي على أربع وعشرين قصيدة، وتعتبر قصيدة "البحيرة" Le Lac إحدى أشهر قصائد هذا الديوان، وهي تصور تجربة الشاعر الذاتية مع جولي شارل Julie Charles (817–17841) التي بادلها المشاعر بين سنتي 817–18161 ولكنها توفيت بسبب مرض عضال، وفيها حنين حزين للماضي السعيد وطموح رومانسي إلى السعادة الأبدية. 1(((الأشعة والظلال Les Rayons et les Ombres ديوان شعري نظمه الشاعر الفرنسي فيكتور هوغو سنة 8301، ويعتقد النقاد أَّنَ هذا العمل الإبداعي انتقال جديد في الوظيفة الشعرية من حيث تقريبها من قضايا الإنسان بموضوعاته الإنسانية والحضارية، أما قصيدة "حزن أولمبيو" Tristesse d’Olympio فهي قصيدة غنائية، نظمها الشاعر بعد تجربة عاطفية وهي نوستالجيا جديدة تمثل انتقال الحنين من الشغف إلى الحب الحقيقي. p. 677 Hochmann,.
(11) Olivia Angé & David Berliner, "Pourquoi la nostalgie?" Terrain , 15/9/2015, accessed on 22/2/2024, at: https://2u.pw/XG9YfLV (12) "Nostalgie," Dictionnaire de l’A c adémie française , accessed on 22/2/2024, at: https://2u.pw/bRC39C0
وقد شهدت الجامعات الفرنسية في كليات الطب بباريس العديد من الأطاريح الجامعية التي قاربت موضوع "النوستالجيا" وجدليتها بين الطب النفسي والطب البيولوجي، من خلال أعراضها وانعكاساتها على فئات الجنود والعمال المهاجرين، ومن هذه الأعمال والأبحاث: "دراسة حول النوستالجيا" التي نوقشت في كلية الطب بباريس في 3 آب/ أغسطس 8321 والتي اقترحت تعريفًا لها نُّصُه: "النوستالجيا قلق وضجر عميق يصيب الفرد أو الجماعة لفقدهم أشياء يعتزون بها وبقيت ذكرياتها تهيمن يوميًا
على الذاكرة، وتدفعها بحماسة لاستعادته لتحقيق الإحساس بالسعادة". بينما يذهب بيير مورو في رسالته المناقشة في باريس بتاريخ 21 آب/ أغسطس 8291 إلى أن النوستالجيا هي "مرض الوطن [...] وهي ليست مرضًا وإنما هي سبب في العديد من الأمراض". فالمصطلح تمرّد على الشعور البدائي بالحنين للأوطان ليعبّر عن مفاهيم جديدة وحداثية. ومع سيطرة
المادية التقنية عاد الحنين إلى العلاقات الإنسانية البسيطة، ومع الثورة الصناعية ومنجزات التقانة استجد الحنين للرجوع إلى الطبيعة العذراء ومحاربة التلوث بمختلف تجلياته وتمظهراته. وفي الميدان الإبداعي والفني والأدبي عاد الحنين إلى الرومانسية وحديث الخيال والمخيال وعذوبة التصورات والتمثلات الاجتماعية لفكر الإناسة، ومع التحولات الفكرية وهجرة المصطلحات من مهدها الأصلي ونواتها التكوينية انتقلت النوستالجيا من مجرد "مرض السويسريين" La Maladie des Suisses وحنينهم إلى أوطانهم. فوفق ما اكتشفه الطبيب جوناس هوفر Johannes Hofer (752–16691) "ظهرت كلمة الحنين أول مرة في 22 حزيران/ يونيو 6881 في أطروحة جان هوفر، طالب الطب البالغ من العمر 91 عامًا المتحدّر من مدينة ميلوز
(الفرنسية) وحملت أطروحته عنوان: رسالة طبية حول الحنين إلى الوطن، أو الشوق إلى البيت
Dissertatio Medica De Nostalgia, Oder Heimwehe وناقشها في جامعة بال (السويسرية)،
ليصف حالة مرضية أطلق عليها اسمًا لاتينيًا مشتقًا من اليونانية، ليربط بين مفهومَي العودة
والألم. وأعيد نشر الأطروحة في عام 7451، في كتاب جماعي أشرف عليه ألبريشت فون هالر (طبيب سويسري (777–1708)1) الذي يشغل كرسي الطب والتشريح في جامعة غوتنغن Göttingen (ألمانيا"). وبعد البدايات المصطلحية التي ربطت المفهوم بالحنين المرضي الذي يصيب الجنود خاصّة،ً وقعت القطيعة المعرفية والدلالية ليتحول المصطلح ويأخذ شحنات ثقافية وفكرية جديدة، فأصبحت النوستالجيا دليلًا على فكر العودة إلى النقاء والفطرة في آداب الرومانسيين، ودعوة إلى العودة للعلاقات الاجتماعية الطبيعية قبل الثورة الصناعية في أدبيات علم الاجتماع
(13) Pierre Urbain Briet, Essai sur la nostalgie (Paris: Imprimerie de Didot le Jeune, 1832), p. 10. (14) Pierre Moreaud, Considerations sur la nostalgie (Paris: Imprimerie de Didot le Jeune, 1829), p. 12. (15) Charles Rice-Davis, "La maladie des Suisses: Les origines de la nostalgie," Dix–huitième siècle , vol. 1, no. 47 (2015), p. 39.
التواصلي، وهوية في دعوة أبناء المستعمرات من المعمرين في الرجوع إلى مواطن الميلاد والتنشئة الاجتماعية الأولى (الأقدام السوداء Pieds noirs). وقد نتجت من هذه التحولات انزلاقات وانحرافات معرفية وعقائدية ونفسية سالبة أثرت في البنى الاجتماعية والثقافية. ومن المصطلحات المتقاطعة مع مصطلح النوستالجيا والقريبة منه إلى الحدّ الذي تستعمل مرادفًا له؛ مصطلح "الاغتراب" الذي يُعَُّدُ ظاهرةً وجودية وفلسفية إنسانية، تشترك فيها الحضارات والثقافات باختلاف مشاربها وتياراتها واتجاهاتها ومدارسها، فتتعدد أسبابها ودواعيها بتعقد الحياة وملابسات العصور، ومن ثم تتنوع أشكالها من اغتراب نفسي إلى ضروب أخرى منها الاقتصادي والديني والسياسي. وكلمة "اغتراب" هي "ترجمة للكلمة الإنكليزية Alienation والكلمة الفرنسية Aliénation المشتقتين من الأصل اللاتيني Alienare، والذي يعني نقل ملكية شيء ما إلى آخر، أو يعني الانتزاع أو الإزالة". وهذا الفعل مأخوذ من كلمة لاتينية أخرى Alienus وتعني الانتماء إلى "الآخر"، وهذه الأخرى مشتقة من كلمة Alius بمعنى "الآخر" أو "آخر". وقد استخدمت الكلمة اللاتينية Alienatio قديمًا "للتعبير عن الإحساس الذاتي بالغربة أو الانعزال Detachment سواء عن الذات أو الآخرين". والاغتراب بالمفهوم الوجودي يختلف عن فكرة الاستلاب التي تحمل معاني السلب والنفي وعن الاغتراب المتخيل أو التصوري Aliénation imaginaire الذي غذى روايات القرون الوسطى وعصر النهضة الأوروبية "إن الإنسان يوجد أولًا وقبل كل شيء، ويواجه نفسه، وينخرط في العالم، ثم يعرف نفسه فيما بعد". فالاغتراب يجمل الدلالة المكانية والوجودية بمعنى الشعور بعد الانخراط في عالم أو فضاء أو منظومة بمرجعياتها المعرفية والجغرافية، فيُنتِج عدم القدرة على التكيف والانتماء والتأقلم، ويترجم
هذا الإحساس بتمظهرات وتصدعات سلوكية من أبرزها اللامعيارية والعزلة الاجتماعية واللامعنى واللاهدف وغربة الذات والتمرد والرفض.
(1((مصطلح فرنسي يُستخدم لوصف الفرنسيين الذين كانوا مقيمين في الجزائر الفرنسية قبل استقلالها في عام 962.1 كان هؤلاء
الأشخاص جزءًا من مجتمع متنوع يضم السكان الفرنسيين والأوروبيين الآخرين، وكذلك الجاليات اليهودية والمسيحية التي
هاجرت إلى الجزائر خلال الفترة الاستعمارية الفرنسية. بعد الاستقلال، عاد العديد من "الأقدام السوداء" إلى فرنسا، حيث واجهوا تحديات كبيرة في التكيف والاندماج الاجتماعي والاقتصادي. تُعتبر هذه الجالية جزءًا لا يتجزأ من التاريخ الفرنسي الحديث، حيث
لها تأثير بارز في الثقافة الفرنسية والذاكرة الجماعية. 1(((أمل مبروك، مشكلة الإنسان: دراسة في الفكر الوجودي، ط 2 (القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر، 2004)، ص.81 (1((المرجع نفسه، ص.82 1(((جون ماكوري، الوجوديّة، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مراجعة فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة 58 (الكويت: المجلس
الوطني للثقافة والفنون والآداب، 9821)، ص.78 (2((للتوسع في نتائج الاغتراب، ينظر: سناء حامد زهران، إرشاد الصحة النفسية لتصحيح مشاعر الاغتراب (القاهرة: عالم الكتب للنشر والتوزيع، 2004)، ص.110–109
الفروق جوهرية بين النوستالجيا والاغتراب، إذ الأول شعور استرجاعي، غالبًا ما يرتبط بهوية ثقافية
أو دينية أو حضارية، قد تجتمع في فضاء وطني أو قومي أو إقليمي، ويتجسد في وجدانيات قوية عاطفية تجاه الوطن "لقد فطر الإنسان على الشغف بالمكان، ولا يحكم على سلوك الإنسان إلا من خلال وجوده في مكان بعينه، وإنّ جَُّلَ مفاهيم الإنسان الأخلاقية والنفسية والاجتماعية وحتى
الفكرية، لا يُعبّر عنها إلا تعبيرًا مكانيًا صرفًا"، بينما يبقى الاغتراب بتجلياته المعهودة منحصرًا
في أحاسيس عدم الانسجام بين الأنا الفردي وقيم وثقافات الأنا الجمعي لمجتمع محلي/ داخلي أو أجنبي/ خارجي. والنوستالجيا أيضًا غير "الشغف بالمكان"؛ والذي اصطلح عليه ب "توبوفيليا " Topophilia، المصطلح الذي اخترعه الشاعر الإنكليزي ويستن هيو أودن Wystan Hugh Auden 1–907(9731) عام 9481، لوصف شعور الناس عند العودة إلى مكان محدد ومميز من ماضيهم والذي تعود جذوره المعجمية إلى اليونانية القديمة وهي مركبة من Topos بمعنى "مكان" و philia التي تدل على "حب". وقد طوّر الباحث الفرنسي بيير نورا Pierre Nora العلاقة بين المكان والإنسان
وأطلق عليها مفهوم "أماكن الذاكرة" Les Lieux de la mémoire. فالذاكرة تعيش في كنف ونواة الفضاء بتنوعاته وتناقضاته وجمالياته حتى إن تحوّلت الفكرة إلى وهم والاعتقاد إلى خرافة
والثقافة المصاحبة إلى فانتاستيك وخرافة باعتبار الهوية مملكة الوهم والتخيلات والتمثلات للواقع والعجيب والغريب. وهذا الارتباط ينشأ من مصدر موضوعي تحرّكه إرادة ذاتية نحو انتماء جزئي إلى حيز محدود في
التاريخ والجغرافيا، وتشكل جماليات الأثر والشغف به هاجسًا وبعدًا روحيًا ومعنويًا في نفسية
المرتحل، وقد يحمل معنى المعاناة والألم ولا سيما في حالات الإبعاد والنفي؛ ما يحثّ ويترك تشتتًا في الذات وانفصامًا في الشخصية مع شعور عدم القدرة على التكيف والتأقلم. وذلك باعتبار
النوستالجيا إلغاء للتاريخ ورفضًا لوجوده وحضوره كما يعتقد كانط "إنما الحنين هو أن نتمنى عبثًا إلغاء الزمان الذي يفصل بين الرغبة وبين الظفر بالمرغوب فيه". والارتباط بالمكان هو تعلّق مباشر ومقدس بالذاكرة، تلك السلطة التي جعل لها اليونان إلهة هي الإلهة Mnemosynes، لما تختزنه من معلومات ومشاعر حول الأمكنة وجمالياتها، فهي الحافظة الذهبية للمشاهد والأخبار التي تشكّل الهوية الجماعية أو الجمعية والتي تنبثق منها ضروب لهويات أخرى. وقد "قام كل من عالم الدراسات المصرية يان أسمان وزوجته أليدا أسمان بتطوير نظرية
الذاكرة الجَمعَِّيَة Das Kollektive Gedächtnis إلى الذاكرة الثقافية Das Kulturelle Gedächtnis،
(2((علي ثويني، المكان والعمارة (القاهرة: وكالة الصحافة العربية ناشرون، 2019)، ص.145
(22) Paule Petitier, "Les Lieux de mémoire," Romantisme Revue du Dix–Neuvieme siècle , no. 63 (1989), p. 103, accessed on 22/2/2024, at: https://2u.pw/nzpdcWA (23) Emmanuel Kant, Anthropologie du point de vue pragmatique , Pierre Jalabert (trans.), Œuvres philosophique III (Paris: Gallimard, 1986), pp. I73, 1067.
وإلى الذاكرة التواصلية Das Kommunikative Gedächtnis وتتمايز الذاكرة الجَمعَِّيَة، في رأيهما،
من الذاكرة التواصلية والذاكرة الثقافية بسمات مختلفة". وتعود أسباب الشغف بالمكان ودواعيه إلى عمليات استرجاع لرموز وذكريات ومشاهد وصور قديمة تثير اعتقادًا واقعيًا أو متوهمًا للراحة والاسترخاء النفسي، فهو نوع من التغذية الراجعة التي تؤدي
أدوارًا في تحقيق الهدوء والطمأنينة والأمن. ويغلب على النص السردي مناخ الشوق ورائحة الحنين وعبقه، فجماليات المكان تأخذ دومًا أبعادًا
نفسية بتجليات متنوعة تتجاوب وتتناسق وتتناغم مع الظرف النفسي والحالة السيكولوجية والحالة الانفعالية ومثيرات الدافعية. وقد اختلف العلماء في مقاربة التعلق بالمكان بين مؤيد للرؤية الإيجابية والسلوك الفطري الذي يدفع إلى إدراك الماضي وتمجيده باعتباره مرحلة تاريخية في بناء الهوية، وبين ناقد يرى في ذلك هروبًا من الواقع وانهزامية في المنافسة والإنتاج، فالأمم التي تعيش الواقع برؤية الماضي ووجدانيات
الحنين والنكوص، هي أمم وثقافات عاجزة عن إعادة بناء الزمان وصياغته في أطر وقوالب وهياكل جديدة تمكّنها من الانطلاق والتجديد والنهضة، فجدلية الراهن والماضي تقتضي التكيف والتأقلم والتفاعل والتنسيق بين مقتضيات الماضي ورهانات الحاضر، حفاظًا على التوازن الطبيعي لسنن التدافع الإنساني في صناعة المستقبل.
ثانيًا: الأندلس وتشكيل الهوية المشتركة
لم يشهد التاريخ العربي في تجلياته الفكرية ومنظوماته المعرفية والأيديولوجية مواقف أحدثت الإجماع الكلي والمطلق إَّلا في المسألة الأندلسية، فقد جمعت شمل المذاهب والطوائف والأيديولوجيات والأعراق على أنها الفردوس الضائع والمُلك المهمل والتراث الثمين. وقد وحدت فكرة الضياع الرؤى والتصورات وصنعت هوية موحدة وجامعة بصرف النظر عن صدقيتها وواقعيتها، فقد تكون وهمًا هوياتيًا l’Illusion Identitaire بتعبير جان فرانسوا بايارد Jean François
Bayart، حين رأى أن البنى الأيديولوجية والمعرفية السائدة أو المستعارة من التاريخ والذاكرة تصنع هويات متخيلة، تتمكن في الوعي الفردي والجمعي وتبدأ في تسييره وتوجيهه متجاهلة التفاعل الواقعي والتكيف المنطقي مع المستجدات والمتغيرات عبر التاريخ والجغرافيا. يتجسد الشعور الانتمائي والهوياتي في أشكال وهيئات متوهمة ومتخيلة قد تشكل هويات قاتلة بتعبير أمين معلوف، إذا تحدّت المنطق والواقع وتجاوزت العقلانية التي نبذت الطائفية والمذهبية والأيديولوجيا والتشظي الفكري.
(2((محمد مرقطن، "ذاكرة المكان: أسماء المدن والقرى الفلسطينية ما بين الاستمرارية التاريخية والطمس الصهيوني"،، تبين مج 9، العدد 33 (صيف 2020)، ص.33
وفي الهوية الأندلسية يزداد شعور النوستالجيا حدة ودرجة مع تدهور الحالة النفسية والشعور بالاغتراب والعجز عن التمكّن من التحرر والتخلص، ومن تجاوز نتائج التطورات الاجتماعية والاقتصادية والتكيّف والتفاعل مع التغيرات المحدثة والمستجدة، فتنتقل النوستالجيا من "شعور
بسيط (طبيعي وفطري) إلى موقف من الحياة". يرتحل المصطلح متجولًا بين الميادين الاجتماعية والاقتصادية (مجرد حنين إلى الوطن) إلى حالة نفسية؛ نكوص وتفضيل مرحلة الطفولة والإحساس بالشيخوخة c’est mieux avant la nostalgie comme figure temporelle du vieillissement، ثم إلى موقف فكري وسلوك حضاري هوياتي يبحث فيه المرء عن مناخ وفضاء جديد يكون معادلًا موضوعيًا عن واقع مرفوض، والمستعرض للتاريخ الفكري الإنساني
يعثر على نماذج متنوعة ومتعددة من المشاهد التاريخية التي تجسد الحنين الفكري والحضاري لفترة تاريخية بعينها، فقد عاش الشيوعيون الاغتراب بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وعبّروا عن حنينهم لهويتهم
الأصلية في فضاء المعسكرات الشرقية، وقد عبّر الفرنسيون عن اشتياقهم لعصور الأنوار ومبادئ الثورة
الفرنسية، وصور رواد الأصالة والتراث العربي الإسلامي عن شوقهم ورغبتهم في بناء مجتمعات العدل والعلم كما صوّرتها كتب التاريخ العربي والغربي أيام إشراق الحضارة العربية الإسلامية وازدهارها. ويبقى الحنين إلى عهود التنوير والازدهار الاقتصادي والاجتماعي مجرد شعور فطري إنساني يشكّل علاجًا نفسيًا للأنفس المأزومة والمتشوقة لحالة أو فكرة أو نظرة أو مشهد أو فترة أو فضاء بعينه،
لأن "النوستالجيا ليست مرضًا ولا حدادًا ولا غنوصية فهي رسوخ وامتنان لا غير". وترتبط الهوية أساسًا بالغيرية، فهي مرآتها العاكسة لتطلعاتها ومكوناتها ورهاناتها، ففي فضاء الاختلاف وثقافته
تتجلى "الأنا" وتبرز وتنكشف معلنة عن وجود وكينونة ذاتية وشخصية متمسكة بخصوصياتها الثقافية. فالهوية تساؤل حول "الآخر" في ثنائية الفطرة أولًا، وثانيًا في سنّة التدافع الحضاري الذي يصنع
التنافس ويشكّل البناء والتمايز. مهما كانت قوة المركزية والمرجعية فإنه من خلال الغيرية وفي فضاء المثاقفة الندّية أو الإقصائية تتجسد الهوية وتأخذ بعدها الأنطولوجي، حيث تتلوّن الهوية بمتغيرات الزمان والمكان والتاريخ
والجغرافيا. إلا أن الجذور والمكونات الأساسية والمركزية تبقى متمسكة ووفية لجملة من السمات والمبادئ والخصائص التي تكرّس فردانيتها الواعية في فضاءات التكيف والتأقلم والتفاعل الإنساني
والكوسموبوليتي. ف "لا يتعلق الأمر في هذا المجال الفلسفي الريكوري بالبحث في هوية الأشياء، فذلك يرتبط بمفهوم الجوهر الذي يعني وجود نواة خالصة لا تتغير، يجب معرفتها والتعبير عنها بلغة المفهوم، بل يحرص على الخوض في هوية الأشخاص والتعرف على وجودهم التاريخي ومختلف التغيرات التي تحصل لهم في حياتهم اليومية والإمساك ببعض من ملامحهم العامة واستحضار مفاهيم الفرد والذات والشخص".
(25) Piero Galloro & Antigone Mouchtouris, La nostalgie comme sentiment (Paris: Le Manuscrit, 2016), p. 5. (26) Marie Line Bretin, "La nostalgie: Ni maladie, ni deuil, ni gnose mais ancrage et gratitude," in: Piero Galloro & Antigone Mouchtouris (eds.), La nostalgie comme sentiment (Paris: Le Manuscrit, 2016), p. 154.
(2((علي حرب، نقد النص (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2005)، ص.94
فالمسألة لا تقتصر على هوية فردية معزولة يطرحها الكوجيتو التأسيسي للعالم "أنا هو أنا" و"أنت هو أنت"، بالاعتماد على نفسه وبالانطلاق من الصفر المعرفي متجاهلًا التراكمات الإنسانية في حقل الحضارة ومنكرًا للمنجز المعرفي البشري، فالمشروع الهوياتي يشمل الهوية الجماعية المشتركة
التي تتحدد باللغة والدين والعرق والثقافة والتاريخ والمصير المشترك والأخلاق الإنسانية، التي تستوجب وتدفع إلى معالجة جدلية للعلاقة الحتمية بين الأنا والآخر والبحث عن شروط التواصل بين الخصوصيات والكونية، قصد الوصول إلى إثبات الإنية من منظور الغيرية عن طريق الاعتراف بالمختلف والمتباين، والاندماج ضمن هوية مركبة كوكبية، من دون تماهٍ وانسلاخ وانصهار كلّي وذوبان واستلاب جزئي، منتجًا ذاتًا متشظية مضطربة منفصمة عن واقعها ومكوناتها وبنيتها الثقافية
والاجتماعية.
ثالثًا: الهوية الأندلسية: بين الانتماء الحضاري والوهم الأسطوري
حين تشتاق "الأنا" وتحُّنُ مرتحلةً إلى ماضٍ عتيد وفضاء ثقافي متخَّيَل، باعتباره بديلًا من واقع مهزوم
معرفيًا، فإنها لا تعيش حالة انفصامية أو ازدواجية بمتلازمة سيكولوجية، ولكنها تبعث بإرساليات
دقيقة تُعِبِّر عن الرفض والثورة، والتمرد، والتشظي والتهميش. إن الهوية الأندلسية ليست حنينًا وجدانًّيًا لمرحلة من مراحل التاريخ العربي والإسلامي بقدر ما هي
تساؤلات عن دواعي الاستقالة من المنجز الإنساني وأسبابها، والتخلي عن المشروع الحضاري والعجز عن توفير آليات الاستمرارية في القيادة. ففي ظل هذا الانتماء رسالة لبعث الأمجاد، تستوجب الرهانات تغيير الواقع السلبي الموسوم بالاستهلاك السالب لمنجزات الغيرية، وتدعو إلى تغيير ثقافة العجز المعرفي والشعور الانسحابي من الندّية ورفض سنن التدافع الكونية والوجودية. وتختلف الهوية الأندلسية عن الانتماء، باعتبار الانتماء مكوّنًا من مقومات الهوية وجزئية بسيطة
وسطحية قياسًا على الهوية التي تتميز بالشمولية والثبات في الأصول، والتغيير والتعديل في التفاعل،
والتكيف، والتأقلم الزماني والمكاني. كما أنها تختلف عن الهوية الافتراضية التي ظهرت مع فتوحات العولمة والثورة الرقمية، فهي من المفاهيم الطارئة على الحقول الأكاديمية الإنسانية والاجتماعية، فقد تزامن ظهورها مع نشأة مواقع التواصل الاجتماعي والشبكات التواصلية ورسالتها الوظيفية محدودة لا تتجاوز التواصل والتفاعل ضمن أطر وثقافة محددة.
(2((ينظر: زهير الخويلدي، "الهوية السردية بين الخصوصية والكونية"، موقع سومرينت، 2014/8/18، شوهد في 2023/4/4، في:
https://bit.ly/3nQHfU8
وتتجاوز أيضًا الهوية الإلكترونية أو الرقمية التي هي فكرة طوباوية تهدف إلى جعل العالم فضاء
موحدًا ضمن ثقافة كونية تزيل الحدود والحواجز التقليدية، وتتيح للبشرية التواصل والتنقل في عالم متمرد على التاريخ والجغرافيا. وفي الآن نفسه تعبر الهوية الحضارية مفاهيم الهويات الأدبية والثقافية التي كرستها أدبيات المنظومات الفكرية والتي من نماذجها هويات الجندر (الأنوثة والنسوية) والبطريركية (الأبوية) والذكورة المتخيلة وغيرها من الهويات التي أفرزتها ثقافة العولمة وفكر الحداثة وما بعدها. إن المفارقة في الهوية الأندلسية تكمن في تنوع الأجيال واختلافها زمانيًا وفكريًا؛ وهو ما يستوجب وفق
المعادلة الكلاسيكية والأطروحة القديمة صراعًا بين الأجيال، فإذا كانت نخبة النهضة وأنتيلجنسياها تؤمن إيمانًا قاطعًا وجازمًا بأن الأندلس بمكوناتها الحضارية تمثل النموذج الأمثل للاقتداء، باعتباره
الموروث الناصع لمنجز علمي مادي ومعنوي، ومنه وجب استنباط دروس النهضة والاستنهاض، فإن ما حدث مع التعامل مع موضوع الأندلس، هو مفارقة إشكالية نواتها تكامل بين الأجيال وقناعات مشتركة بين الجيلين في الاستثمار من الموروث الأندلسي، باعتباره أيقونة العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية والبردايم الذي يتطلب الاستنساخ مع تعديلٍ وتقويمٍ وتقييمٍ يتماشى مع متطلبات العصر الحديث. وهذه الهوية الحضارية لا تتشكل في هيئة إدارية أو بطاقة رمزية إثباتية لمعلومات ومؤشرات، بقدر ما هي رغبة وغاية وطموح مستقبلي، يسعى لتحقيق مشروع حضاري تنويري يعيد الأمجاد بمنأى عن الانتماءات القومية والمذهبية والطائفية، مستندًا إلى ركائز ودعائم قوامها مرجعية تاريخية محملة بمنجزات علمية وقيم إنسانية سامية ما زالت الأمم بمختلف أطيافها وجغرافياتها تشيد بها وبشواهدها المادية القائمة والثابتة إلى اليوم. فالرؤى الاستشرافية تتأسس من منطلقات ومؤشرات وتجارب واقية، يجري تطويرها وتطويعها وتكييفها مع المتغيرات الساكرونية والدياكرونية، لتطابق الواقع والمستقبل، وتنأى عن المتخَّيَل
الوهمي السرابي السالب الذي يغتال العقول ويقتل المواهب والإرادات، ويُنهي الأحلام والطموحات
ويخدّر الذاكرة. فقد كانت الأندلس بحضور حضارتها تجربة إنسانية فريدة، رائدة في تقديم الفكر الراقي والأدب الجمالي والعلم النافع والقيم الإنسانية النبيلة، فاستحقت مشروعية التمثيل النموذجي للإقناع والإقلاع لبناء مشروع نهضوي يُكِسِّر النمطية الانهزامية. وفلسفة الكينونة ومتطلباتها تستوجب وجود انتماء حضاري محدد ودقيق، تسعى من خلاله "الأنا" إلى إثبات الوجود وبناء خطاب السلطة الهوياتية المؤسس للأنا في تفاعلاتها وصداماتها وصراعاتها
(2((ينظر: مي غصوب وإيما سناكلير ويب، الرجولة المتخيلة: الهوية الذكورية والثقافة في الشرق الأوسط الحديث (بيروت: دار الساقي،.)2002 (3((ينظر: بندكت أندرسن، الجماعات المتخَّيَلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة ثائر ديب، تقديم عزمي بشارة
(الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2014
وتكاملها مع الغيرية والمثاقفة وثقافة الاختلاف. وكانت الأندلس المُكِوِّن الأساس لجوهر حضارة
متميزة بالعطاء والثراء وبقيم الإسلام الخالدة وتشريعاته الإنسانية السامية والنبيلة. وإذا كانت فكرة النهايات وأطروحاتها قد لامست موضوعات الفكر والثقافة والسياسة، وشكلت قطيعة إبستيمولوجية معها، فإنّ "الأندلس" فضاء وثقافة ومنجز حضاري، لا تزال مستمرة ومؤثرة في النخب شيبها وشبابها، بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم الأيديولوجية والمعرفية وأطيافهم الثقافية ومناهج تعاملهم مع التراث. فرغم زحف الأيديولوجيات والتراكم المعرفي وفلسفة المراجعات ونظريات نقد التراث ومقاربات النهضة الجديدة وأطروحات العولمة وفتوحات الرقمنة، فإن الأندلس لا تزال محركة للعقل، دافعة إلى التأمل، مثيرة للحنين وحافزة للانطلاق. وتجسد النوستالجيا جدلية الغياب والحضور في الذات الواعية جدلية الزمان ومفهومه الأنطولوجي، فالغياب (الأندلس) غياب مؤقت ومؤجل في الوعي الوجداني، ينتظر لحظة الانفلات والنفوذ والتجلي ليتحول إلى واقع، ينبثق من حضور قديم (الحضارة الأندلسية) تمَّيَز بالأصالة والإيجابية
والإنتاجية والتأثير في الفضاء الحضاري والإنساني، مساهمًا في تراكماته ومنجزاته. بينما يمثل الغياب (الأندلس) نزولًا من الفردوس بسبب خطيئة مركبة الأبعاد والمعطيات انطلقت من السياسة مرورًا بالاجتماع والعقيدة لتقف على النهاية العبثية، لتبدأ مسيرة جديدة في نفسية الأحفاد
وذهنيتهم مشبعة بمشاعر الشوق والحزن والأسى والتأسي ورغبة جامحة في استعادة مآثر أمجاد ماضية، لم تتمكن الذات العربية المعاصرة من التخلص من حضوره الهاجسي والتحرر من ربقة تاريخه المجيد وهيمنته.
رابعًا: التاريخ الأندلسي الاسترجاعي
لعل إقرار الباحثين المستشرقين واعترافهم بازدهار العلوم والفنون الأندلسية، كان سببًا جوهريًا في
تمسك الأحفاد بالمجد الضائع، فقد أضحت الأندلس تربة للعلم والترجمة والقيم الإنسانية الراقية، كالتسامح والتعددية الثقافية والدينية، فكانت مناخًا لثقافة الاختلاف. وكتاب تاريخ الأدب العربي
1) الذي صنفه آنخل جنثالث 945(Historia de la Literatura Arabigo–Espanola الإسباني
بالنسيا Angel Gonzalez Palencia (949–18891) لينال به منصب كرسي الأستاذية في اللغة العربية بجامعة مدريد، يزخر بالشواهد الأسطورية على حضارة شاملة بمضامينها وأشكالها وقيمها، فيقول: "بلغ الاهتمام بنقل علوم العرب وآدابهم إلى إسبانيا النصرانية ذروته في عصر ألفونسو العالم، إذ إن الاهتمام بهذا النقل بلغ في ذلك العصر مداه. وقد أعان ألفونسو على ذلك أن الحظ واتاه بالتفاف نفر من النصارى والمسلمين واليهود المتحققين بشتى العلوم حوله، وقد أشرف بنفسه على توجيه أعمال الترجمة والتحرير أو التلخيص التي كان مساعدوه يقومون بها، وأنشأ في مرسية معهدًا للدراسات بمعاونة الرقوطي الفيلسوف المسلم".
(3((آنخل جنثالث بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة حسين مؤنس (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 9551)، ص.573
راوح الحضور الاسترجاعي للتاريخ الأندلسي بين رؤيتين؛ الأولى استشرافية مستقبلية ترى في الماضي نواة للانطلاق، والثانية رثائية باكية بروح انهزامية على مجد ضائع. وهذه الثنائية تجسد تزاوج الهوية والمتخيل الإبداعي ضمن أطر التاريخ وأحداثه لتحقيق ازدواجية المعرفة والجمال الفني. أبانت الرحلة الأندلسية عن العلاقة المركبة بين الإنسان المبدع وتاريخه، لتفرز خطابات متنوعة تحققت معانيها في أنماط وسياقات وأشكال أجناسية ودلالات معرفية جامعة لجدليات التاريخ، من حيث هو وعاء وباعث ودافع ومحفز للاستثمار والإثارة الإبداعية، بعيدًا عن الاسترجاع الكرونولوجي للتاريخ والأحداث بالصيغ التقريرية والسردية المباشرة. والنوستالجيا الأندلسية رؤية حداثية في الإبداع السردي، فهي ليست قطيعة مع التاريخ، ولا امتث لًا للمركزية التاريخية التي نادى بها جرجي زيدان، من خلال تغليب التاريخ على الفن واعتباره محورًا
مركزًّيًا لكل انبثاق وتوهج إبداعي، بقدر ما هي تزاوج وتناغم وتناسق ما بين سلطتين جوهريتين؛ الأولى تمثلها سلطة التاريخ، والثانية تجسدها سلطة المتخيل، بغرض إنجاز مشروع جمالي/ معرفي يجمع بين مؤشرات ومكونات المادة التاريخية وجماليات المتخيل السردي الإبداعي، وذلك بالربط والجمع بين جسور عالمين افتراضيين يرتبط من خلالهما الحاضر بالماضي، ويؤسس لخطاب سردي حداثي جديد يشيد بأمجاد الماضي، مستشرفًا لرهانات المتخيل السردي الإبداعي وجمالياته. لا يتسع البحث لاستعراض جميع رحلات الأندلس واستقرائها، لذلك سيرتكز التحليل والتأويل على عينات تمثيلية تراعي الأبعاد الزمانية والأيديولوجية، وتنفتح على مختلف المرجعيات في المقاربة والرؤية ومنها موطن الأحلام إسبانيا لعماد الدين التكريتي 994–1926(1)، ونور الأندلس لأمين الريحاني (940–1876 1)، ورحلة الأندلس، وحديث الفردوس الموعود لحسين مؤنس 1–911(996 1)، ورحلة الأندلس لمحمد لبيب البتنوني (939–18501) وبالعنوان ذاته لمحمد بن ناصر العبودي (2022–1926)، وهاتف من الأندلس لعلي الجارم 949–1881(1)، ورحلة إلى الفردوس المفقود: رحلة إلى الأندلس لأحمد عبد الرحمن السماوي، وجزائري في الأندلس لسفيان مقنين، والحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية للأمير شكيب أرسلان 1).946–1869(
خامسًا: المدونة
الأندلس منطلقًا وموئلًا ثنائية سكنت فضاء وارتبطت به، ومنها خرجت الرحلة نحو عوالم العرب والعجم، وإليها اشرأبّت الأعناق لطلب العلم والتفقه والسياحة، ولم يختلف ماضيها عن حاضرها
إلا من حيث الصيرورة الزمنية، والبنية الثقافية، ووسائل التواصل والاتصال. فاكتشاف الآخر/ المختلف وتقييم الأنا لمنجزه في مرآة الغيرية، كانت رسالة الرحلة الأندلسية، فشكلت مظهرًا من مظاهر التفاعل الإنساني وشكلًا راقيًا من أشكال التعبير الأدبي والثقافي.
فكانت الأندلس تاريخيًا موئلًا للحضور الأجنبي، ذلك الحضور النخبوي الساعي للتعلم والتطلع
والفضول المعرفي لحلقات العلوم والفقه والفلسفة "تَّمَ الاتصال الحضاري المتألق بين حضارة
الأندلس الإسلامية والغرب الأوروبي النصراني، بعد أن بعثوا الرحلات العلمية في طلب العلوم العقلية والتطبيقية من الرياضيات والفلك والطب، وسعي أمراء ووجهاء أوروبا بحثًا للعلاج لدى أطباء الأندلس، أو الوقوف على مفردات الحضارة العربية الإسلامية وتطوره في الأندلس". فكانت حواضره حافلة بالأمجاد العلمية والأدبية والفنية والتي أثرت المخيال الإبداعي وأغنته، فامتزجت الموشحات مع أغاني الرعاة والشعر البروفنسالي والتروبادور وتعمقت الإرساليات العلمية الأوروبية وكثرت كًّمًا وكيفًا لتعلم الرياضيات والفلسفة، "هناك حقيقة تاريخية لا يختلف فيها اثنان، وهي أن الوجود العربي الإسلامي في الأندلس لعب دورًا حضاريًا أَّثَر على بلاد الغرب تأثيرًا عميقًا، في الأدب والعلوم، وهذا لا يعني أن الحضارة الأندلسية لم تتأثر بالحضارة الإسبانية، بل كان التأثير متبادلًا، وإن كان التراث الأندلسي أكثر وأوضح أثرًا من مثيله الإسباني عمومًا". إن المستعرض لمكتبة الرحلات الأندلسية الحديثة يعثر على زخم لا محدود من هذا الجنس الأدبي، فهي ببليوغرافيا ثرية، وافرة من حيث النوع والحجم، تمتاز بجماليات بنية السفر القائمة على السرد الواصف بتصوير مشهدي، ضمن مقولات وتشكيلات لصور تؤثث غالبًا مناخًا تختلط فيه مشاعر الرثاء والفخر، رثاء حزين يمثل رمزية الفقد والخسارة والضياع، وفخر لمُنجز علمي وأدبي وفني مَّهَد لقيام وبناء حضارة عالمية تقِّدِس القيم الإنسانية من علم ومعرفة وتسامح واحترام للهويات والخصوصيات الثقافية وحرية المعتقد. غير أن هناك رحلات أحدثت استثناء من حيث البنية والسرد وتشكيل الصورة وبناؤها، رحلات محلية في مضامينها باعتبارها مفارقة جدلية تجمع الواقع والمتخيّل، الحقيقي والمتوهم وبين الوجود والسراب، فالرحالة عائد إلى ذاته وهويته، مسترجعًا مكونات شخصيته من تراث وجغرافيا، معتقدًا أن مجموعها بناء للأنا الجديدة بين أبعاد واقعية وطبيعة تنافي هذه التصورات والتمثلات، وتعدّها هوسًا مرضيًا ورهابًا عصابيًا وانفصامًا في بنية الشخصية بأبعادها المادية والمعنوية الثقافية. فالشعور بامتلاك شبه القارة الإيبيرية ثم فقدانها، أصبح كابوسًا مفزعًا وعقدة مركّبة للذات العربية والإسلامية التي لا تفتأ تبحث عن تفسير موضوعي للهزيمة والانكسار، وبعجزها تحولت الرؤية إلى الاستثمار في المتخيل الإبداعي، فظهرت روايات متعددة ومتنوعة تتخذ من الأندلس وتاريخها وطرائفها مادة لإنتاج السردية الأندلسية، منها: ثلاثية غرطانة (9941) لرضوى عاشور (2014–1946)، وروايتا الموريسكي (2011) وربيع قرطبة (2017)، لحسن أوريد، والموريسكي الأخير) 2015(لصبحي موسى، وغارب (2016) لمحمد عبد القهار، وغيرها من سرديات المتخيّل الأندلسي.
(3((نهاد عباس زينل، الإنجازات العلمية للأطباء في الأندلس وأثرها على التطور الحضاري في أوروبا في القرون الوسطى (بيروت: دار الكتب العلمية، 2013)، ص.411 (3((عدنان خلف سرهيد، التأثير الحضاري المتبادل بين الأندلس الإسلامية وإسبانيا النصرانية (القاهرة: دار حميثرا للنشر والترجمة، 2018)، ص.26
سادسًا: سيميائية العتبات
إَّنَ مساءلة الصورة وتأويلها يهدفان إلى استخراج التمثلات الذهنية التي أنتجتها بمختلف مكوناتها وهياكلها ومرجعياتها من دلالة وتعدد للمعنى، ولذة بتعبير رولان بارت Roland Barthes 1–915(9801)، فهي بإطارها وبؤرتها وأبعاد شخصياتها وخطوطها الهندسية وأحجامها، تؤسس لبلاغة أصيلة ضاربة بجذورها في التاريخ الإنساني. فعلى "طول التاريخ البشري ومهما أوغلنا في الماضي، لا نجد إَّلا نوعين من العلامات مستقلين ومتماثلين ثقافيًا، هذان النوعان هما الكلمة والصورة".
فخطاب الصورة خطاب إيحائي وإقناعي جامع لثنائية الدلالة اللغوية والخطاب البصري/ المرئي الأيقوني، منتجًا لأنساق دلالية جامعة بين الاجتماعي والمعرفي والفني. وبناءً عليه، يمكن القول إن
"اللغة البصرية" التي يجري بها توليد مجمل الدلالات داخل الصورة، هي لغة بالغة التركيب والتنوع. فالصورة تستند، من أجل إنتاج معانيها، إلى المعطيات التي يوفرها التمثيل الأيقوني كإنتاج بصري لموجودات طبيعية تامة (وجوه، أجسام، حيوانات، أشياء من الطبيعة، وغيرها). يحتل العنوان دورًا مركزيًا ومحوريًا في تسويق الكتاب تجاريًا ومعرفيًا، باعتباره عتبة مفتاحية ودعوة
للاستكشاف ولإشباع الفضول العلمي، ولذلك أولاه النقاد قديمًا وحديثًا عناية بالغة، من حيث
الدعوة إلى الالتزام بجماليات الصياغة الأسلوبية ودقة الخطاب وضبطه بصفته سلطة ورسالة ومقصدًا وعلامة دلالية "بتمثيله لمقاصد الخطاب وإرادته بوصفه – العنوان – عين الخطاب على العالم، من خلالها يندلق النص إلى العالم، والقارئ إلى النص، وما بين الداخل والخارج تصطدم المقصديات ويحدث فعل القراءة الذي يطارد عبثًا المعنى المرجأ أبدًا للعلامة الكتابية". وعتبات النص مجموعة من العناصر والمؤشرات والمعطيات المتنوعة، تؤدي دور الوسائط بين النص والمتلقي وتقوم بوظيفة الدافعية والحافز في احتضان النص من حيث العلامة الدلالية والتأثير، فالعتبات في النص هي جملة المؤشرات واللواحق المتممات التي تكمل النسيج العام للنص الدال، فهي تشكل خطابًا قائمًا بهويته الخاصة، ولكنها مفاتيح للمتن المركزي بما تمتاز به من ضوابط وقوانين
وظيفية تساعد القارئ والمتلقي وتشجعه على الاطلاع على المضمون، وتثير فيه الفضول المعرفي، فهي "مجموع النصوص التي تحيط بمتن الكتاب من جميع جوانبه: حواش وهوامش وعناوين رئيسة وأخرى فرعية، وفهارس ومقدمات وخاتمة، وغيرها من بيانات النشر المعروفة التي تشكل في الوقت ذاته نظامًا إشاريًا ومعرفيًا لا يقل أهمية عن المتن الذي يخفره أو يحيط به، بل إنّه يلعب دورًا هامًا في
نوعية القراءة وتوجيهها".
(3((سيزا قاسم ونصر حامد أبو زيد، مدخل إلى السيميوطيقا: مقالات مترجمة ودراسات (القاهرة: دار إلياس العصرية، 1986)، ص.252 (3((سعيد بنكراد، السيميائيات: مفاهيمها وتطبيقاتها، ط 3 (اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع، 2012)، ص.133 (3((محمد فكري الجزار، العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 9981)، ص.21 (3((عبد الرزاق بلال، مدخل إلى عتبات النص: دراسة في مقدمات النقد العربي القديم (الدار البيضاء/ بيروت: أفريقيا الشرق، 2000)، ص.16
يساهم النص الموازي في إبراز قيمة المتن، فهو عمدة جوهرية في تأويل النص والخطاب وتفسيرهما وتبيان ما لهما من سلطان وقدرات في تأهيل الإمكانات الذهنية للمتلقي للاستقبال والتلقي الإيجابي. يُقِسِّم جيرار جينيت Gérard Genette (2018–1930) النص المصاحب أو النص الموازي Paratexte
إلى شَّقَين هما: النص المحيط Peritexte والنص الفوقي Epitexte. والنص المحيط هو المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعتبات النصية، وهو عبارة عن "ما يدور في فلك النص من مصاحبات من اسم الكاتب، العنوان، العنوان الفرعي، الإهداء، الاستهلال [...] أي كل ما يتعلق بالمظهر الخارجي للكتاب كالصورة المصاحبة، الغلاف، كلمة الناشر". والمستعرض لرحلات النوستالجيا الأندلسية يعثر على لوحات لعتبات رامزة وهادفة وذات رسالة دلالية عميقة، منتجة ومولّدة لرسائل ثقافية وإرساليات تكشف عن إضاءات ظاهرة ومضمرة تفسر وتبرز وتظهر خلجات نفوس وذوات حزينة، منكسرة ومتشائمة ولائمة وثائرة أحيانًا. فجدلية العلاقة بين النص الموازي ومتنه أوضحت في مكاشفة صريحة عن تجليات حجم الألم الذي تعانيه "الذات المنكسرة" في مرآة "أَّنَها التاريخية"، من خلال كثافة الدلالة الخطابية للعتبة المقروءة والإيحاء الرمزي للصورة المرئية المهيكلة لإطار الرحلة. فإذا كانت المضامين الرحلية واحدة، تتشابه في الطرح والمعالجة وتتجرع كلها خيبات الهزيمة والفقدان والوجع وآلام الانكسار بعد المجد، مع تباين طفيف وسطحي في أطياف الخطاب وآليات السرد وانتقاء اللفظ وصور الوجدان، حيث راوحت الرؤية بين ظاهرتين متكررتين في جميع المتون الرحلية التي تناولت الأندلس بالتحليل والنقد والاستعراض التاريخي والحضاري، فاتجهت الفئة الأولى إلى إبداء الحسرة والأسى والحزن على فقدان الأمجاد، "من نافذة الحافلة كنت أتصيد منظر قصر الحمراء، هذا الذي ألهم خيالات البشر وفتن قلوب الناس وجعل السياح من كل حدب وصوب يشدّون الرحال لهذا المكان، كي يقفوا على آثار نصر كاثوليكي أو بقايا عصر التوهج الإسلامي أو إبداع الإنسان الفني المعماري أو الجمال الآسر الطبيعي"، فالأندلس روح خالدة في نفوس العرب ووجع الخسارة متوارث بين الأجيال "لم يخرج الأندلس من خاطري أبدًا، إذا كنت فيه فأنا بين آثاره ومغانيه، وإذا كنت بعيدًا عنه فأنا مع تاريخه أتأمله وأستوحيه [...] وحيثما حللت في أوطان العرب وجدت الأندلس على كل لسان، من رآه يحلم بما رأى، ومن لم يره يحلم بما يمني النفس برؤيته. والأندلس عندهم جميعًا بلد عربي قائم بأهله ومدائنه وعلمائه وشعرائه ومجده". وفريق
ثانٍ ارتبط تفكيره بتعداد المنجز الحضاري وتبيان فضل الحضارة الأندلسية على الحضارة الغربية، مبينًا ميادين التأثير "فتغير حال البلاد من بداوة مطلقة إلى حضارة متألقة، وتكشفت سماؤها مما كان
(3((عبد الحق بلعابد، عتبات (جيرار جينيت من النص إلى المناص)، تقديم سعيد يقطين (الجزائر: منشورات الاختلاف؛ بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2008)، ص.49 (3((سفيان مقنين، جزائري في الأندلس: رحلة إلى الفردوس الموجود (الجزائر: الجزائر تقرأ، 2018)، ص.43 (4((حسين مؤنس، رحلة الأندلس: حديث الفردوس الموعود (جدة: الدار السعودية للنشر والتوزيع، 9631)، ص.11
يتكاثف فيها من سحب الجهالة عن شموس من العرفان تنير أفلاكها، وتملأ أجواءها بمادة العلوم المختلفة من دينية وطبية وزراعية وفلسفية وطبيعية وكيمياوية، وغير ذلك من أدب جامع، ونظم رائع، مما كان مادة للإفرنج بنوا عليه شيئًا كثيرًا من مدنيتهم الحالية". كانت العتبات فاتحة للتعبير عن مضمرات ثقافية وأحزان وأشجان نفسية، وجسرًا للمسكوت عنه
يحمل كلومًا دفينة لم تندمل وتبرأ منذ قرون، وللعتبة ظلال وآثار وأصداء وانعكاسات دلالية تكتسي
وتغطي شعرية المسكوت عنه، الذي تستدعيه استعارات اللون، والصوت، والصورة والخطاب. إن الغائب والمُغيب هما الأثر التأويلي المُنتج لعمليات التشريح والتفكيك التي مَّسَت عتبات المتون
الرحلية، والتي انقسمت إلى قسمين مركزيين؛ مقروءة ومرئية، وتفرعت أنظمة الدلالة المرئية إلى محورين بارزين جسدتهما الألوان والصور.
1. الألوان
طغت الألوان على عتبات بعض الرحلات، متجاوزة في ذلك المعهود والمتداول والمُشاع من الصور
والمشاهد التي تؤثث أغلفة الكتب، للتعبير عن حالات نفسية مأزومة وأنساق ثقافية مشبعة بهموم النهضة والضياع ومحملة برسائل متنوعة ومركبة تراوح بين آفاق الاستشراف والتطلع إلى مستقبل أفضل وبين بكائيات ورثائيات لانكسارات متتالية كانت نواتها وبنيتها المركزية فقدان الأندلس فردوس العرب المفقود. وللألوان وظائف وفلسفات ودلالات سيكولوجية ثقافية وحضارية "للألوان سلطة شعورية قوية، ترتفع درجاتها حسب المواقف والحالات النفسية، وهي في الغالب عامل فاعل في تكوين المشاهد والمواقف وتحديد الرؤى والتصورات". ونظرًا إلى سلطة اللون وقوة تأثيره في المتلقي، فقد انحصرت في مجموعة بسيطة، محدودة من
حيث العدد، فاكتفى صاحب الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية باللونين الأحمر والأسود، متناصًا في ذلك مع رواية الأحمر والأسود للكاتب الفرنسي ماري هنري بيل Marie Henri Beyle
842–1783(1) والمعروفة بعنوانها الفرعي أخبار وأحداث القرن التاسع عشر e XIX du Chronique siècle التي صنفها سنة.1830 فجاء اللون الأحمر د لا على الانفعال الحي المتصل بالماضي، فالخطاب التصويري والمشهدي يوحي بالتفاعل المباشر والتأثر العميق، بإيحاءات العاطفة المعبرة عن الحب والوجدانية الثائرة والرافضة للاندثار، بينما أضاف اللون الأسود مسحة فنية جمالية من خلال الاختلاط والتمازج والتناغم مع الأحمر، ليشكل معه انفتاحًا على صفحات مجيدة من تاريخ حضارة عريقة.
(4((محمد لبيب البتنوني، رحلة الأندلس (القاهرة: كلمات عربية للترجمة والنشر، 2012)، ص.12
(42) Hermann Ebbinghaus, Précis de psychologie (Paris: Felix Alcan Editeur, 1910), p. 83.
وبنى اللون الأزرق عتبة هاتف من الأندلسلعلي الجارم، فجاءت الهندسة للتعبير بعمق عن صفاء الحضارة الأندلسية وقداستها وروحانيتها، فالأزرق بريق السماء والبحر يحيي النفوس ويُثلج الصدور. وللأزرق تاريخ عريق وكبير في الديانات والفلسفات، فمنه انبثقت الآلهة كأوزيريس Ósiris إله الحياة والموت والانتقال إلى الحياة الآخرة في الديانة المصرية القديمة، وكريشنا Krishna الإله الرئيس في الديانة الهندوسية، وزيوس Zeús إله السماء والرعد والبرق في الأساطير الإغريقية، وغوتاما بوذا Siddhartha Gautama مؤسس البوذية، والمشتري أو كما يدعوه الرومان بجوبتير Jupiter إله السماء والبرق، وغيرهم ممن يكرسون الهيبة والهيمنة والقوة، فاستعارة هذا اللون رمز لتأكيد العراقة والقوة الإنسانية لحضارة بلغت بمنجزاتها الكون كله. في حين اتجهت اختيارات أمين الريحاني (940–1876 1) في رحلته نور الأندلسإلى الألوان الذهبية الفاتحة المنبثقة من الأقواس المتدرجة والتي توحي بالتفاؤل ونهاية النفق المظلم لتبشر بالميلاد المنتظر وعودة الأمل. وللذهبي الفاتح رسالة تتجسد في القيمة والنوعية، والأشعة النورانية المعبّرة
عن الاستشراف وانقشاع الظلمات. فالأندلس حضارة مندثرة من حيث الوجود التاريخي، ولكنها حاضرة بآثارها المادية ومتجذرة في التاريخ الحضاري الإنساني، وهذا ما يجعل منها باعثًا ودافعًا لمستقبل جديد يحيي الأمجاد بواقعية وموضوعية، فجاءت الأشعة الذهبية المخترقة لأقواس النصر والمستقبل لتذلل الفترة وتقرب الطموح والحلم ليكون واقعًا. أما اللون الأسود، فإن تاريخه بقي مرتبطًا، وملتصقًا بالحداد، والحزن والغموض، والظلام الحاجب للنور والرؤية الإيجابية والمستقبل، وقد ارتبط في القرآن الكريم بالصفات السلبية والخسارة، كما في الآية ﴿يَوْمَ تَبْيَُّضُ وجُوهٌ وتَسْوَُّدُ وجُوهٌ﴾ (آل عمران: 061)، والكآبة كما في الآية
﴿وَإِذَا بُِّشِرَ أحَدهُم بِاُأْلُنثَىٰ ظَّلَ وَجْههُ مُسْوًَّدًا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (النحل: 56). ولذلك اختاره حسين
مؤنس (996–1911 1) في كتابه رحلة الأندلسليكون رسالة عن الأسى والحزن الذي سكن الذات العربية بعد ضياع الأندلس، فانتقى صورة بتقنية الاسترجاع التقني Flashback لاستحضار ذاك التاريخ المشعّ واستدعائه.
2. خطاب الصورة
إن فلسفة الصورة وجمالياتها تتجسد في كونها تشكيلًا لثقافة الخطاب المرئي، فالصورة تحولت مع فتوحات العولمة والثورة الرقمية إلى بديل ومعادل موضوعي للخطاب المقروء بمحمولاتها الإقناعية والواقعية، إضافة إلى وظيفتها الإبداعية الساحرة والفاتنة وقابليتها للتأويل والقراءة كأثر مفتوح، يقول جيل دولوز Gilles Deleuze (995–19251) إن الصورة ليست هيكلًا جامدًا محنطًا، بل هي انفتاح دلالي مركب، فالصورة متعددة ولها أقسام وأنواع ونماذج، ومنها "الصورة/ الإدراك، الصورة/ الانفعال، والصورة/ الفعل".
(4((جيل دولوز، سينما الصورة: الحركة، ترجمة جمال شحيد، ج 1 (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2014)، ص.9
ففي الرحلات الأندلسية تمركزت الصورة حول الفضاء الطبيعي والعمراني، فكانت الاختيارات هادفة وموجهة نحو تحقيق دلالات ورسائل محددة، تتمثل في إبراز القيمة الجوهرية والمركزية للمنجز الأندلسي "إن الطبيعة العلاقية والتفاعلية للصورة تخترق صورتنا وجسدنا، وتغدو بذلك جزءًا مكِّوِنًا
لنا بحيث إنها تؤثر فينا من داخلنا، لا لأننا ننساق معها طواعية، ولكن أيضًا لأنها تشتغل كضرورة لمخيلتنا وجسدنا وآلياتهما الباطنة". والصور المكررة لقصر الحمراء في رحلات نور الأندلسلريحاني، أو رحلة الأندلسلمؤنس، ليست نمطيات جاهزة توظف عند استحضار الأندلس لتجميل واجهات الكتب وتقوم بوظيفة الأقنعة من أجل التسويق، بقدر ما هي استجابة لمرجعية ثقافية اختزلتها الصورة لمتخيل ثقافي ثابت في اللاشعور الجمعي، يسعى لإنتاج أنساق ثقافية جديدة غير مرئية، من خلال عمليات التأويل والتلقي والإثارة ف "إن للصورة مداخلها ومخارجها، لها أنماط للوجود وأنماط للتدليل، إنها نص، وككل النصوص تتحد باعتبارها تنظيمًا خاصًا لوحدات دلالية متجلية من خلال أشياء أو سلوكيات أو كائنات في
أوضاع متنوعة. إن التفاعل بين هذه العناصر وأشكال حضورها في الفضاء وفي الزمان يحدد العوالم الدلالية التي تحب لبها الصورة". وتأتي رمزية الحقيبة الظهرية لعتبة رحلة جزائري في الأندلسلسفيان مقنين، علامة سيميائية تتعلق بالشباب وبالزمن الذي توحي فلسفته بالارتباط بين الواقعي والافتراضي والكرونولوجي، فجدلية الدياكرونيك والسانكرونيك تكشف التواصل والامتداد الطبيعي بين الأجيال في منظومة الانتماء "إذا كانت اللغة مفهومًا قابلًا للتحديد، فإن الصورة مفهوم يستعصي على التحديد، لأنه مجال تلتقي فيه
اللغة والجسم والنفسي والعضوي والذهني. إنها تقع في الفاصل والرابط بين المرئي واللامرئي، وبين المعقول والمحسوس". فصورة الغلاف تشكّل علامة/ عتبة تؤدي رسالة ووظيفة للمشاهد والمتلقي، مثيرة لمكوناته الهوياتية ومرجعياته الثقافية والدينية، فاتصالها بالوعي واللاوعي والشعور واللاشعور إثبات للانتماء (رغم اختلاف الأجيال، فالكاتب من مواليد 9831) والقلق الحضاري. وقد استمدت الصورة سلطتها من هيكلتها وموقعها، فهي تقع في مرتفع مُطلّ على قصور الأندلس، مع ضبابية في الرؤية وهي صفة
من صفات فكر ما بعد الحداثة الذي يثير الإشكالات لتحقيق رهانات سامية، فرمزية الصورة تكمن في إيحاءاتها بالامتداد والتواصل بين الأجيال العربية ووحدتها في التصُّوُر الشامل لمكونات الهوية. اختار عماد الدين التكريتي (994–19261) صورة راقصة إسبانية على أنغام موسيقى الفلامنكو لتكون فاتحة غلاف رحلته موطن الأحلام، وهذا النوع الموسيقي شكل شعبي للرقص، متداول بكثرة في
(4((فريد الزاهي، "الصورة وتحليل الخطاب البصري في العالم العربي من اللغة إلى المرئي"، مجلة الخطاب، مج 8، العدد 14 (2013)، ص.218 (4((سعيد بنكراد، سيميائيات الصورة الإشهارية: الإشهار والتمثلات الثقافية (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2006)، ص.32–31 ((4(الزاهي، ص.217
الفضاء الإسباني ومستعمراته قبل أن يتحول إلى تراث عالمي سنة 2010، ليصبح مشتركًا إنسانيًا، إَّل
أنه بقي رمزًا للطرب الأندلسي وخصوصية ثقافية دالة على الهوية الإسبانية. وبصرف النظر عن الأصول الأولى لهذا الضرب من الرقص والموسيقى، فإن أغلب الدراسات تعيده وترجعه إلى مكونات متعددة ومركّبة منها الفلكلور الغجري والثقافات الهندية والعربية والإسبانية. وقد ازدهرت موسيقى الفلامنكو في عهد الحكم العربي للأندلس، وهنا تأتي الدلالة المزدوجة للصورة وقيمتها الفنية، فهي تعبر عن مناخ الحريات والتسامح الذي ساد المجتمع الأندلسي، من دون قمع أو إلغاء وإقصاء لحضور ثقافة الاختلاف والخصوصية الثقافية، كما أنها تجسد من ناحية ثانية فضاء التعدد وامتزاج الثقافات والأعراق. يمثّل المكان بمختلف محمولاته الرمزية والدينية والمعمارية جزءًا مركزيًا من الهوية الثقافية الفردية
والجماعية، فالأمكنة ترتبط بالثورات والمواقف والحركات والبناء الحضاري، فكانت الأندلس بقصورها وحدائقها وأنهارها رموزًا ثقافية ولبناتٍ تشِّكِل الهوية العربية. إنّ استحضار القصور الأندلسية في العتبات رحلة الأندلسلمحمد لبيب البتنوني (939–18501)، إنصاف ووفاء للذّات في صراعها مع ثقافة الاختلاف وإقرارها بالأدوار الحضارية ومساهمتها في البناء الحضاري المشترك الذي تميز بالقيمة والتفوق من حيث النوعية المادية والسمو والنبل في القيم الأخلاقية. وإن استدعاء الآثار التاريخية شواهد على عراقة الحضارة الأندلسية وأصالتها، يختلف عن الظاهرة الفنية التي عرفها الشعر العربي في الجاهلية، من وقوف على الأطلال وما يصاحبه من بكائيات وأحزان على الفراق والضياع، فذكْر الآثار الأندلسية تذكير بمنجز حضاري عظيم ليكون باعثًا واستشرافًا لانطلاقة حضارية مرجوّة.
3. عتبات الخطاب المقروء
تمثّل العتبات النصية أو النصوص الموازية Paratextes فاتحة بلاغية ومعرفية وجمالية وعلامة إشهارية تجارية للعمل الإبداعي، فهي تساهم في استظهار الدلالات وتحديد المفاهيم. ولذلك حظيت بالاهتمام البالغ والعناية الفائقة في النقد المعاصر، فالعنوان مفتاح وجسر إجرائي للولوج إلى عوالم النص وفضاءاته الدلالية. وإن استنطاق العنوان لتوليد الدلالة الجديدة مهمة القارئ المنتج الذي يربط العتبة بمنطوقاتها وملفوظاتها ليكشف عن التناصّ مع البنية والمرجعية، فهي شفرة تستوجب التفكيك والتحليل والتأويل.
(47) Marcus Boni N’Piénikoua Teiga, Le flamenco: Une musique andalouse aux racines indo–africaines (Paris: Editions Complicités, 2021), p. 25.
والمستقرئ والمستعرض لعتبات الرحلات يلاحظ ارتباط الأندلس في التأليف والتصنيف والنظم العربي بمصطلح "الفردوس" فهو الفردوس المفقود والفردوس الضائعوالفردوس الموجود. ففي الضياع تناصّ صريح مع الملحمة الشعرية للشاعر الإنكليزي جون ملتون John Milton 1–608(
674 1) في ملحمته الفردوس المفقود Paradise Lost 667(1)، وحديث الفردوس الموعود لحسين مؤنس، ورحلة إلى الفردوس الموجود. ولكن البعد الروحي والعقائدي للكُتّاب/ الرحالة جعلهم يستعيرون "الفردوس"، تلك المنزلة العالية
في الجنة، ليجعلوا منها بديلًا ومرادفًا ومشابهًا ونظيرًا للأندلس؛ ذلك أن الفردوس يطلق على الجنة
عمومًا، كما هو وارد في النصوص الدينية. وارتبط الأندلس في السرد العربي بالمقدس، فمن الفردوس إلى النور نور الأندلسلأمين الريحاني، وللنور رسائل رموز دينية فمن علاماته الإيمان، والهدى، والإضاءة والهداية. فحضارته سراج ينير دروب المجتمعات البدائية ويكشف لها ظلمات الجهل والتخلف ويدعوها للأخذ بسنن الكون وتدبر آياته للنهوض والنهضة. فتاريخ الأندلس مشكاة تنويرية بما تحمله من مضامين معرفية ومنجزات علمية، جاهزة للتطبيق والإنجاز بتنوعها، فهي حضارة شاملة جمعت بين الزراعة والعمران والطب والأدب والترجمة وغيرها من مختلف العلوم والمعارف. أصبحت الأندلس جزءًا من المعتقد الإسلامي والهوية الإسلامية، فهي مقترنة بكل ما هو قدسي،
ولذلك استعار الأمير شكيب أرسلان، مصطلح الألبسة الفاخرة المخصصة لأهل الجنة ليوسم بها رحلته الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية، فأصبحت الأندلس بحضارتها ومنجزاتها حلة سندسية، لمن حباهم الله بالنصر والتفوق. وتحولت الأندلس مع علي الجارم إلى هاتف هاتف من الأندلسينادي العرب والمسلمين ويستنهض قواهم وإراداتهم لتلبية نداء الحضارة الأندلسية بالإحياء والتدارس لمجاراتها ومحاكاتها. فإن النداء رغبة في إيقاظ الهمم وشحذ للعزائم لاستشراف المستقبل ومحاكاة النموذج الأندلسي في الإبداع والإنتاج، وهو أيضًا دعوة للهوية الجامعة التي تؤمن بالمشترك الموحد. لم يكن خلود الحضارة الأندلسية في الوجدان والوعي العربي والإسلامي فعلًا عنصريًا شوفينيًا ناتجًا
من تعصب عرقي وقومي ومذهبي، بقدر ما كان تعبيرًا وإقرارًا واعترافًا بمنجز علمي راقٍ في مختلف
نواحي الفكر والمعرفة والأخلاق. وقد شهد المنصفون من المستشرقين والمؤرخين الغربيين بأفضال هذه الحضارة ومزاياها. وباستجلاء المنجز الغربي في النهضة والحضارة واستقرائه ومراجعته، نعثر على آثار جليّة هي امتداد لمنجزات العرب في الأندلس في مختلف المعارف من زراعة وصناعة،
وطب وأدب وفن. يقول جورج سارتون: "المسلمون – عباقرة الشرق – أعظم المآثر في القرون الوسطى، فكُتِبَتْ أعظمُ
المؤَّلَفات قيمة، وأكثرها أصالة، وأغزرها ماَّدَة باللغة العربَّيَة، وكانت من منتصف القرن الثامن حتى
نهاية القرن الحادي عشر لغةَ العلم الارتقائية للجنس البشري، حتى لقد كان ينبغي لأِّيِ كائنٍ إذا أراد
أن يُلَِّمَ بثقافة عصره وبأحدث صُوَرِها أن يتعَلَّم اللغة العربية، ولقد فعل ذلك كثيرون من غير المتكَِّلِمين
بها، وأعتقد أننا لسنا في حاجة أن نُبَِّيِنَ منجزات المسلمين العلمَّيَة في الرياضَّيَات، والفيزياء، وعلم
الفلك، والكيمياء، والنبات، والطِّبِ، والجغرافيا". لقد تجاوزت فلسفة النوستالجيا إلى الديار الأندلسية، الزفراتِ الحزينة والعبرات المنهمرة والآلام الدامية والكلوم التاريخية التي خلفتها استراتيجيات الانقسامات الذاتية، وتشرذم "ذات" كانت ضحية مهازل ساذجة أثثتها رغبات شخصية هائجة وطموحات غرائزية ضيقة الرؤية والهدف والغاية. وتعرضت النخبة لانكسارات تاريخية وهي تراجع وتستعرض ماضيها، فجاءت المرآة مشروخة بانعكاساتها السالبة على الذات، ما أنتج صدمة سيكولوجية كبيرة، عميقة عمق الصدمة الحضارية Culture Shock والتي تتجلى خاصة في رهاب وعصاب جماعي يصيب الوعي ويولد الاغتراب الحضاري والهوس الاغترابي. وهذا النوع من الاغتراب شديد التأثير في المثقف لأن منشأه ونواته الهوية الذاتية التي انشطرت وانقسمت وضاعت، فتعذّر عليه معرفة نفسه ضمن منظومة جديدة مغايرة، شكلها ومظهرها عربي/ إسلامي ومنطقها غربي/ مسيحي. وقد ارتبط الشعور النوستالجي الأندلسي ارتباطًا وثيقًا بالزمن النفسي، الناتج من الانهيارات والانكسارات والتشظي، وهذه الزمنية السيكولوجية تعلقت بالعقل وارتبطت به، فتولدت عُصب ذهنية متنوعة. وقد أثبتت الدراسات في الحقول السيكولوجية أن المثقف بنوعيه الإشكالي والعضوي حين يفقد سلطة التأثير والتغيير والتفاعل والتكيّف والتأقلم، يصاب بأنواع من العصاب منها، العصاب الهستيري
Depressive أو عصاب الاكتئاب Phobie Neuvrosis أو العصاب الرهابي Hysterical Neuvrosis
Neuvrosis، وتؤدي هذه الحالات النفسية والعصبية إلى الانعزالية والسوداوية والتماهي مع "الآخر" والذي تصاحبه ثورة على الثوابت والتاريخ والخصوصيات الثقافية ومكونات الهوية الوطنية. تعتبر الرحلات النوستالجية إلى الأندلس عبارة عن بيان Manifeste لجدلية الطب والسيكولوجيا والفن والتاريخ والهوية، فسريالية النوستالجيا جسدتها روح الرحلات من حيث إنها هروب من واقع واستشراف لمستقبل، وطموح ومشروع للتجديد والتجدد. ويتساءل الباحث عن الإضافات التي قدمتها الرحلة الأندلسية إلى حقل الإبداع والجمالية والخيال والتخييل من جهة والدعوة إلى الانطلاق والتحرر من الوهم واليوتوبيا لإنجاز مشروع حضاري ينافس منجزات الغيرية ضمن سنن التدافع الكوني من جهة أخرى. إن الحنين إلى الأندلس يختلف عن دموع أوديسيون وشوقه لبينيلوب في إلياذة هوميروس، وعن نوستالجيا الجندي السويسري الذي غادر وطنه ثم يعود إليه بعد انتهاء الحرب، فالنوستالجيا الأندلسية
(4((أحمد علي الملا، أثر العلماء المسلمين في الحضارة الأوروبية (دمشق: دار الفكر، 9791)، ص.111–110
والشوق لعبقها وعطرها، معراج للعقل نحو تاريخه وصورة للأنا في مرآة ذاتها ومنجزها، فهي ليست رثاء ولا مدحًا وفخرًا من باب "كان أبي". لقد مثّلت الرحلات مشاريع استشرافية رسالتها إعادة الاستخلاف والنيابة والتعويض ضمن مشروع التكامل والتواصل، فهي ليست قطيعة من التاريخ ولا تمجيدًا سرابًّيًا للماضي، بقدر ما هي امتداد طبيعي للهوية والمنجز. فخطابها يستبشر بالنهضة مبتعدًا عن القلق التدميري الذي يصيب الذات بالإحباط والانهزامية وفقدان الثقة بالمستقبل.
خاتمة
سكنت الأندلس الوجدان العربي بمختلف أطيافه وتوجهاته وانتماءاته، واحتلت مكانة رفيعة في وعيه مع اختلافات طفيفة في عمليات التقييم والتقويم وأسباب الخروج، ولكنها تحوّلت إلى هوية جامعة وموحدة، عبّرت عن انتماء حضاري زاخر بالإنجازات العلمية والقيم الإنسانية. وكانت رحلات العرب إلى الأندلس صورة للذات في مرآة تاريخها وماضيها، فعبّرت هذه الذات
عن تشظيها بنوستالجيا حزينة غيّرت خصائص الرحلة باعتبارها جنسًا أدبيًا يرتبط بالتوثيق وتسجيل
الأحداث، لتتحول إلى رثاء للذات وجلد للأنا بعدما فقدت مجدها. لقد انصهرت "الأنا" العربية وهي ترتحل إلى الأندلس في المنجز الحضاري التاريخي الذي امتاز بالرقيّ العلمي والقيم الأخلاقية السامية وتغنّت بفضاءات التسامح واحترام الخصوصيات العقائدية
وثقافة الاختلاف التي سادت المجتمع الأندلسي، مما جعله مقصد العلماء والأدباء والفنانين. وبعد استقراء مجموعة الرحلات واستعراضها يمكن استنباط الملاحظات الآتية:.1 نشأ مصطلح النوستالجيا في الحقل العسكري للجنود السويسريين، ليرتحل إلى الهجرة ومغادرة الأوطان، ويستقر في فضاء الطب النفسي وتمظهراته وتجلياته في سيكولوجية الإبداع الأدبي والإنساني. 2. إن اقتحام النوستالجيا مختلف الحقول المعرفية عامة والعلمية الطبية خاصة، أَّهَلها لتكون علاجًا Thérapie مسكّنًا لآلام الاغتراب والغربة. 3. إنّ الارتماء في حضن المنجز الأندلسي رثاءً وتعدادًا للمنجزات وتذكيرًا بالأمجاد، امتصاص
لحالات الهزيمة والانكسار والتشظي التي آل إليها الوجود العربي حضاريًا وثقافيًا. 4. مثّل الحضور الأندلسي في الأعمال الإبداعية الرحلية العربية حالة من الانصهار والتوافق والوحدة، فقد اجتمعت الأجيال والمذاهب والطوائف والأيديولوجيات في نظرة مشتركة ورؤية شمولية على أنّ هذا الإرث المجيد والرائد ملكية عامة تحتوي الجميع.
5. التذكير بالمنجز الأندلسي دعوة مضمرة وظاهرة للمحاكاة وإعادة التاريخ بالإنجازات والقيم الإنسانية. 6. سيطرت نزعة الحنين ومشاعر الأسى والتأسف على المخيال الإبداعي التخيلي، فغدت الرحلات توثيقًا وتقريرًا ورصدًا للمنجزات؛ ما أفقدها جماليات السرد الرحلي. 7. يمكن تصنيف الرحلات الأندلسية الحديثة في سياقاتها الثقافية ضمن أسئلة النهضة العربية وجدلية التخلف والتقدم، والهزيمة، والانتصار، والصراع الحضاري والعقائدي. 8. على عكس نظرية صراع الأجيال، فإن ثنائية السلف والخلف أثبتت مشروع التكامل والتواصل بينهما، فالرغبة في استعادة أمجاد الماضي والتفوق التاريخي هي الرهانات التي لاجًااؤم ناك يوضهن عورشمل لا مكتسا بابشلا ليج اهلجأ نم عفارو اهعفر.
References
المراجع
العربية
بالنثيا، آنخل جنثالث. تاريخ الفكر الأندلسي. ترجمة حسين مؤنس. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية،
البتنوني، محمد لبيب. رحلة الأندلس. القاهرة: كلمات عربية للترجمة والنشر،.2012 بلال، عبد الرزاق. مدخل إلى عتبات النص: دراسة في مقدمات النقد العربي القديم. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2000 بلعابد، عبد الحق. عتبات (جيرار جينيت من النص إلى المناص). تقديم سعيد يقطين. الجزائر: منشورات الاختلاف؛ بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2008 بنكراد، سعيد. سيميائيات الصورة الإشهارية: الإشهار والتمثلات الثقافية. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،
_____. السيميائيات: مفاهيمها وتطبيقاتها. ط 3. اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع،.2012 ثويني، علي. المكان والعمارة. القاهرة: وكالة الصحافة العربية ناشرون،.2019 الجزار، محمد فكري. العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،
حرب، علي. نقد النص. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2005 الخويلدي، زهير. "الهوية السردية بين الخصوصية والكونية". موقع سومرينت. في:
https://bit.ly/3nQHfU8
الخطاب. مج 8، العدد 14.)2013(
والتوزيع،.2004
في القرون الوسطى. بيروت: دار الكتب العلمية،.2013
دار حميثرا للنشر والترجمة،.2018
دار إلياس العصرية،.1986
الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1982
والطمس الصهيوني"، تبين. مج 9، العدد 33 (صيف.)2020
ناشرون،.2020
الأجنبية
دولوز، جيل. سينما الصورة: الحركة. ترجمة جمال شحيد. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2014 الزاهي، فريد. "الصورة وتحليل الخطاب البصري في العالم العربي من اللغة إلى المرئي". مجلة
زهران، سناء حامد. إرشاد الصحة النفسية لتصحيح مشاعر الاغتراب. القاهرة: عالم الكتب للنشر
زينل، نهاد عباس. الإنجازات العلمية للأطباء في الأندلس وأثرها على التطور الحضاري في أوروبا
سرهيد، عدنان خلف. التأثير الحضاري المتبادل بين الأندلس الإسلامية وإسبانيا النصرانية. القاهرة:
علي الملا، أحمد. أثر العلماء المسلمين في الحضارة الأوروبية. دمشق: دار الفكر،.1979 قاسم، سيزا ونصر حامد أبو زيد. مدخل إلى السيميوطيقا: مقالات مترجمة ودراسات. القاهرة:
ماكوري، جون. الوجوديّة. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. مراجعة فؤاد زكريا. سلسلة عالم المعرفة. 58
مبروك، أمل. مشكلة الإنسان: دراسة في الفكر الوجودي. ط 2. القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر،
مرقطن، محمد. "ذاكرة المكان: أسماء المدن والقرى الفلسطينية ما بين الاستمرارية التاريخية
مقنين، سفيان. جزائري في الأندلس: رحلة إلى الفردوس الموجود. الجزائر: الجزائر تقرأ،.2018 مكي، الطاهر أحمد [وآخرون]. الأندلس: أرض الفردوس المفقود. الجيزة: وكالة الصحافة العربية
مؤنس، حسين. رحلة الأندلس، حديث الفردوس الموعود. جدة: الدار السعودية للنشر والتوزيع،
Angé, Olivia & David Berliner. "Pourquoi la nostalgie?" Terrain. 15/9/2015. at: https://2u.pw/XG9YfLV Ebbinghaus, Hermann. Précis de psychologie. Paris: Felix Alcan Editeur, 1910. Galloro, Piero & Antigone Mouchtouris (eds.). La nostalgie comme sentiment. Paris: Le Manuscrit, 2016.
Hochmann, Jacques. "La nostalgie de l’éphémère." Adolescence. vol. 22, no. 4 (2004). Kant, Emmanuel. Anthropologie du point de vue pragmatique. Pierre Jalabert (trad.).
Moreaud, Pierre. Considérations sur la nostalgie. Paris: Imprimerie de Didot le Jeune,
N’Piénikoua Teiga, Marcus Boni. Le flamenco: Une musique andalouse aux racines
Petitier, Paule. "Les Lieux de mémoire." Romantisme Revue du Dix–Neuvieme siècle.
Rice-Davis, Charles. "La maladie des Suisses: Les origines de la nostalgie." Dix–
Urbain Briet, Pierre. Essai sur la nostalgie. Paris: Imprimerie de Didot le Jeune, 1832.
Œuvres philosophique III. Paris: Gallimard, 1986.
indo–africaines. Paris: Editions Complicités, 2021.
no. 63 (1989). at: https://2u.pw/nzpdcWA
huitième siècle. vol. 1, no. 47 (2015).