Return to Article Details Giambattista Vico and Event Hermeneutics

جيامباتيستا فيكو وتأويلية الحدث

Giambattista Vico and Event Hermeneutics

أحمد الدبوبي

Ahmed Daboubi

الملخّص

في هذا المقال سنحاول تسليط الضوء على مشكلة التأويل وعلاقته بالحدث عند الفيلسوف الإيطالي جيامباتيستا فيكو. وسنكتشف كيفية تكون نبتة هيرمينوطيقية تمثل منطلقا ثابتًا للمخطط المعرفي للفلسفة الإنسانية. من أجل ذلك يوضح فيكو كيف أن "العلم الجديد" الذي تتعاون فيه "الفيلولوجيا" و"الفلسفة" هو المستوى الموضوعي الذي تنعكس فيه بنية وحركة الحدث البشري العفوي، والذي يُعد بالفعل حدثًا تأويليًا في حد ذاته. عمل فيكو على إخراج معالجة تأويلية للحقيقة على جهة "الواقع الفعلي"، بالتعرف على طبيعة التأويل كما يحتملها البناء الشعري بوصفه إمكانية طريفة للإبصار إلى الحقيقة ومنطق احتماليتها. وقد حرصنا في هذا المقال على استبصار معنى التأويل، وقراءة مساهمةُ فيكو باعتبارها علامةً فارقةً على حدوث صيغة هيرمينوطيقية، نتج عنها شكل جديد من المعقولية في فهمه للصيرورة البشرية، ومن ثمة تأسيس هيرمينوطيقا للتاريخ الكوني.

Abstract

Abstract: This article sheds light on the problem of interpretation and its relationship to the event according to the Italian philosopher Giambattista Vico. It explores how a hermeneutic seed forms a constant starting point for the cognitive framework of humanistic philosophy. Vico elucidates how the "new science" in which "philology" and "philosophy" collaborate is the objective level in which the structure and movement of spontaneous human events are reflected. This in itself constitutes an interpretive event. Vico’s work focuses on providing an interpretive discussion of truth concerning the "actual reality" by recognizing the nature of interpretation as a potentially poetic construction, as a playful possibility of insight into truth and the logic of its probability. The article seeks to discern the meaning of interpretation and reads Vico’s contribution as a pivotal sign of the emergence of a hermeneutic form, resulting in a new form of rationality in understanding human history and thus establishing a hermeneutics of cosmic history.

الكلمات المفتاحية:
  • العلم الجديد
  • التأويل
  • الفهم
  • العقل
  • اليقين
  • الحقيقة
Keywords:
  • The New Science
  • Interpretation
  • Understanding
  • Reason
  • Certainty
  • Truth

أحمد الدبوبي * | Ahmed Daboubi

الفيلسوف الإيطالي جيامباتيستا فيكو. وتستكشف كيفية تكون نبتة هيرمينوطيقية تمثل منطلقًا ثابتًا للمخطط المعرفي للفلسفة الإنسانية. من أجل ذلك يوضح فيكو أن "العلم الجديد" الذي

تتعاون فيه "الفيلولوجيا" و"الفلسفة" هو المستوى الموضوعي الذي تنعكس فيه بنية وحركة

الحدث البشري العفوي، والذي يُعد بالفعل حدثًا تأويليًا في حد ذاته. عمل فيكو على إخراج

معالجة تأويلية للحقيقة على جهة "الواقع الفعلي"، بالتعرف على طبيعة التأويل كما يحتملها البناء الشعري بوصفه إمكانية طريفة لإبصار الحقيقة ومنطق احتماليتها. وقد حرصت الدراسة

على استبصار معنى التأويل، وقراءة مساهمة فيكو باعتبارها علامةً فارقةً على حدوث صيغة هيرمينوطيقية، نتج منها شكل جديد من المعقولية في فهمه للصيرورة البشرية، ومن ثمة تأسيس هيرمينوطيقا للتاريخ الكوني.

مقدمة

قد يبدو إسناد المنظور التأويلي إلى الفيلسوف الإيطالي جيامباتيستا فيكو (744–16681)، مفاجئًا للمهتمين بالشأن التأويلي الذين تعودوا معرفة المؤولين المعاصرين للعقل التأويلي بدءًا بفريدريك شلايرماخر Friedrich Schleiermacher (834–17681)، مرورًا بهانز

جورج غادامير Hans–Georg Gadamer (الذي وضع الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية كونية تتناول العلوم الإنسانية وتركز على الطبيعة التاريخية واللغوية لتجربتنا عن العالم)، وصولًا إلى بول ريكور Paul Ricœur (2005–1913) (تأويليةُ الذات التاريخية) وجياني فاتيمو Gianni Vattimo 1–936(2023) (تأويليةُ الفكر الضعيف). وعلى الرغم من اعتقادنا أن فكر فيكو يفتِق د تحديدًا موضوعيًا

لإشكالية التأويل، فإن فكره يشكل في ممارسة العمل حالةً طريفةً في تشكيل التأويل عقيدةً عامة للمعرفة. ولمعرفة فيكو كان لا بد من قراءة كتبه، بالتأمل فيها وتأولها، وهذا أمرٌ لا غنى عنه، وهذه

هي الموضوعية الوحيدة الممكنة: ضرورة الحوار والتفكير الناقد، وهذا هو مقالي، أو ما يسعى إلى أن يكون. وعلى الرغم من التفاتة إميليو بيتي (968–1890 1) وإعلاِنه صراحةً انتماءَه إلى الهيرمينوطيقا الإيطالية

الحديثة (التي اعتبرها من أهم مقتنيات التقليد الفلسفي الإيطالي، بدءًا من فقه اللغة في عصر النهضة،

ولكن أيضًا، وقبلَ كل شيء، بفضلِ فكر فيكو الذي خصص له حيزًا مهمًا في نظريته العامة للتأويل،

واستدعاه من أجل تصحيح مسار التأويل)، وعلى الرغم أيضًا من لفتةِ أحد أهم الفرنسيين الدارسين للتأويلية والعارفين بتاريخ الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة، وهو جورج غوسدورف Georges Gusdorf (1912–2000) في كتابه أصول التأويلية، وبالتحديد في الفصل السابع: "من الشرح إلى التأويل"، واعترافِه بأنه مع فيكو، قد "مهد طريقًا جديدًا للهيرمينوطيقا بما هي بيانٌ للمعنى "، فإن تلك اللفتات لم تتمكن من كسرِ حاجز الصمت الذي يبدو أنه لازمَ فيكو منذ صدور الطبعة الأولى من

كتابه الرئيس العلم الجديد (7251)، لا في الثقافة الغربية فحسب، ولكن أيضًا في الثقافة العربية التي لم تعترف بفيكو إلا من جهة فلسفة التاريخ. أما اليوم، بعد أن ترسخت المسألة التأويلية مطلبًا فلسفيًا في ثقافتنا، فقد صار مطلبنا استخدام تعريف

متواتر ومتجدد حول تاريخ التأويليات، من حيث نشأتها وتطورها، واختلافُ مدارسها وتقاطعاتُها،

ورب تعريف يبعث فينا إرادة التأويلِ والتعرفِ إلى تاريخنا ومستقبل أنفسنا. وبالتبعِ، لا يمكنني إعطاء أهمية للمعارضة التي قد يوجهها إليّ المهتمون في الثقافة العربية بالشأن التأويلي، أولئك الذين

اختاروا السير (دراسةً، أو ترجمةً) في الخطينِ التأويليينِ الألماني والفرنسي، فمن الطبيعي أن يُقاربوا

المسألةَ بعيون مختلفة عن عيني. ويبدو من المنطقي، بالنسبة إلي، أن أقصى جهدهم هو اختزالُ فيكو

(1) Emilio Betti, "I principi di scienza nuova di Giambasttita Vico e la Teoria dell ‘interpretazione storia," in: Lorenzo Mossa et al. (eds.), Nuova vivista di diritto commerciale, diritto dell’economia, dinitto sociale , vol. 10 (Milano: Grifo, 1991), p. 462.

(((ينظر: جورج غوسدورف، أصول التأويلية، ترجمة فتحي إنقزو (الرباط: مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، 2018)، ص.235

إلى مفكر لاهوتي، أو فيلسوِف تاريخ، لأنهم في أي جهد يبذلونه يواجهون حتمًا صعوبتين خطيرتين؛

إذ يواجهون في المقام الأول استحالة شرح: لماذا فيكو؟ وهو في رأيهم، لن يفعل شيئًا سوى تكرارٍ

أو تحديثٍ لمفاهيم التقليد الفلسفي اللاهوتي، مهما بدا ثوريًا. أما في المقام الثاني، فقد أسهم إبقاء

اللغة الإيطالية خارج دائرة التعدد اللغوي لثقافتنا الفلسفية في غربة فيكو عن المشهد التأويلي الحالي. ولأننا نعتقد تنوع التأويلات وتعدد تواريخها، ولغاِتها، وأن فلسفة التأويل هي بمنزلة جدل البداية والنهاية والعود الدائم، فقد بدا لنا أن التأويل هو ضربٌ من "التهيام" يدعونا هنا إلى أن نفهم أن طبيعة الخلاء

الدوراني عبارات غير مفهومة من دون التسليم بوجود أصل كنقطةِ ارتكاز، أو مرجعية ترانسندنتالية ثابتة". أن نفهمهُ بوصفهِ هيامًا لملاقاة الحقيقة مهما بدت قاصيةً ومتوعرةً، وارتح لًا لاستجلاء المعنى

مهما أبعدتنا الحدود (المعرفية والجغرافية والتاريخية والثقافية). لذلك سأعمل على فك غربة فيكو وغرابته، معتبرًا أن الأمر مفيدٌ، فضلًا عن أنه من الواجب بالنسبة إلي أن استمر في طريقي، لأنني آمل أن

يكون لهذه الكتابات تأثير لا ينطفئ في إحياء النقاشات حول فيكو، فمن الضروري دائمًا الرجوع إليه من

أجل الشعور بالفلسفة الحديثة بطريقة إيطالية، مع التفكير فيها عربيًا وعالميًا. حقيقٌ بنا أن ننبه إلى أن فيكو قد أشار صراحةً في واحد من أهم أعماله – ونعني العلم الجديد كاشفًا عن التأثير القوي الذي أحدثه فيه أيضًا – إلى أنه وضع المبدأ المنهجي البرنامجي لافتراع خطة هيرمينوطيقية لدمج المنهجية اللغوية الإنسانية مع أفلاطونية معينة من "العقل" تتشكل في تأويل الحدث: فالأحداث اللغوية، التي يشهد عليها التقليد الواسع في "فقه اللغة"، تصير أحداثًا، ويجري تفسيرُها وفقًا لمعيار المعنى الذي يوفره "العقل" و"تعديلاته". لقد وقف فيكو في العلم الجديد وفي سياق سعيه إلى الظفر بنحو من التشكيل النظري لوحدة الفعل (الواقعية واللغوية) والمعرفة (التلقائية والنقدية) التي تدعمه (أي إعادة إثبات الآثار الضمنية للأحداث واللغة، واستعادة وضوح الحقائق اللغوية من خلال هذا العقل الذي يمنح الحقائق معنى ويجعلها

أحداثًا في التاريخ والفلسفة)، على الصعوبة التي تنخر الفهم التأويلي، من جهةِ كونها تتأسس على سوء فهم للبيانات التاريخية ودعم للمفاهيم الفلسفية الخاطئة، وافترض في المقابل أن حقيقة المعرفة التاريخية تعتمد على الإخلاص للشخصية المعرفية التي تحافظ على "اليقين" التجريبي و"الحقيقي" الميتافيزيقي في الوحدة. إن النتيجة الحاسمة هنا، كما صاغها باحثٌ إيطالي من الذين نذروا جهدًا خاصًا لاستجلاء التأويل

في الفكر الفيكوي، ونعني فرانشسكو بوتوري، هي الآتية: "أن التخريج اللغوي الذي يمثله كتاب العلم الجديد هو مساهمة في تأويل الحدث ". ويعدّ هذا تبريرًا مضاعفًا لا بد من أخذه في الاعتبار،

كما يفترِضُ بوتوري، لكن كيف ذلك؟

(((ينظر: أحمد الدبوبي، "الفن بما هو نموذج خصب لتأويلية كونية"، نقد وتنوير، مج  2، العدد 8 (حزيران/ يونيو 2021)، ص.247

(4) Francesco Botturi, "Hermenéutica del evento. La filosofía de la interpretación de Giambattista Vico," María J. Rebollo & Miguel A. Pastor (trad.), Cuadernos sobre Vico , no. 9–10 (1998), pp. 43–56.

هاهنا تتضح ثلاثة أمور: – أولها: أن التأويلية التي انخرط فيها فيكو منذ سنة 725 1 (سنة ظهور الطبعة الأولى من كتاب العلم الجديد) إنما هي الأرضية التي يجدر بنا أن نبحث فيها عن جدالاِته المتكررة ضد أولئك الذين، بخبراتهم النظرية، فشلوا في صياغة معرفة حقيقية بالأحداث التاريخية. وأن العلم الأصل هو التاريخ، الذي يفوق الرياضيات كثيرًا من حيث الأهمية التي ضاع في اقتفائها رينيه ديكارت René Descartes

(650–15961)؛ ذلك أن المعرفة التاريخية لدى الإنسان هي استرجاعٌ للمعنى. – ثانيًا، أن علماء اللغة "لا يمتلكون معاييرَ نظريةً كافيةً حول أصل اللغاتِ، ومبدأ انتشارِ الأمم "، ولم

يتمكنوا بالتبعِ من رؤية "الحقائق" بأنفسِهم. – ثالثًا، نقده للفلاسفة الاجتماعيين، مثل هوغو غروتيوس Hugo Grotius (645–15831) وتوماس هوبز Thomas Hobbes (679–15881) وأبيقور Epicurus (270–341 ق. م.) ونيكولو مكيافيلي 1) وبيير بايل 677–1632(Baruch Spinoza 1) وباروخ سبينوزا 527–1469(Niccolò Machiavelli Pierre Bayle (706–16471) المذكورين بالفعل في "القانون العالمي" باعتبارهم غير قادرين على فهم العلاقة بين العقل والحقيقة. في مقابل ذلك، يؤكد فيكو الوحدة المنهجية لفلسفة اللغة والفلسفة، فهي وحدها التي تسمح بالتأويل والفهم الصحيح للتاريخ. إن متصفح العلم الجديد ينتبه فورًا إلى أن فيكو قد أكد بإسهاب "النظام

الذي قام فيه بمواءمة أفضل فلسفة، وهي التبعية الأفلاطونية للديانة المسيحية مع فقه اللغة التي أوجدت ضرورة العلم في جزأيه: وهما تاريخان، أحدُهما للغات، والثاني للدين المسيحي: ومن تاريخ الأشياء، يجب التأكد من تاريخ اللغات، في مثل هذا السلوك الذي من شأنه أن يؤلف وديًا مبادئ الأكاديميات وممارسة علماء الجمهوريات". ولا يعني ذلك سوى أن خطة فيكو في بيان العلم الجديد مشروطة باستجلاء تاريخِ اللغة وأحداِثها، وكشف حقائق اللغة التي هي مركوزة في حقائق العقل. ولكن كيف يمكن تأويل الكلمات وتاريخها؟ ومن أين يأتي علم الحقيقة؟ للإجابة عن ذلك، يشرع فيكو في توسيع دائرة الحقيقة والمعنى خارج الأطر الرياضية لليقين والحقيقة، ليجري إدراكها بصفتها دائرة فاضلة؛ أي "منتجة للمعرفة الجديدة". فاليقين والحقيقة لهما مصادر مختلفة لا تَكتَسب معنى كاملًا إلا في إطار علاقتهما المتبادَلة، ومن ثمة يكون تأسيس العلاقة

التأويلية: إن حقيقة "الميتافيزيقي الحقيقي" هي تأويلية للمعنى النظري العملي لليقين الواقعي. لن أقصد في بحثي هذا الغوص في فلسفة التاريخ ولا القانون وتفصيلاته، وإنما سأقف في مرحلة

(5) Giambattista Vico, "Principi di una scienza nuova (SN25)," in: Giambattista Vico, Opere filosofiche, a cura, di P. cristofolini (Firenze: sansoni, 1971), pp. 1, 10, 182. (6) Giambattista Vico, "Vita di Giambattista Vico scritto da sé medesimo," in: Vico, Opere filosofiche , p. 29.

ما على الدائرة الهيرمينوطيقية للفلسفة والفيلولوجيا، وكيفية تكون نبتة هيرمينوطيقية تمثل افتراضًا ثابتًا للمخطط المعرفي للفلسفة الإنسانية. وسأسعى إلى توضيح أن العلم الجديد الذي تتعاون فيه

"الفيلولوجيا" و"الفلسفة" هو عندئذ المستوى الموضوعي الذي تنعكس فيه بنية وحركة الحدث البشري العفوي، والذي يُعدّ بالفعل حدثًا تأويليّا في حد ذاته. وسيتبين لنا في المرحلة الثانية، تشكل البنيةِ المعرفيةِ لإشكالية الهيرمينوطيقا والحقيقة، والتي ستفضي بفيكو إلى إخراج معالجة تأويلية للحقيقة على جهة "الواقع الفعلي"، بالتعرف إلى طبيعة التأويل كما يحتملها البناء الشعري، ذلك أن الشعر هو الشكل الأصلي للتفكير في العالم، بما يوفره من إمكانية طريفة لإبصار الحقيقة من جهة تسمح بمنطق احتماليتها. أما الخيط الهادي الذي نقترحه لهذا القول الذي حرصنا فيه على استبصار معنى التأويل والبحث عن أقصى ممكنات المعنى إلى أبعد الحدود، فهو مساهمةُ فيكو بوصفها علامةً فارقةً على حدوث صيغة

هيرمينوطيقية لظاهرةِ تأويليةِ الحدث، لنخلص إلى كيفية تأسيس فيكو شكلًا جديدًا من المعقولية في فهمه للصيرورة البشرية نتجت منه هيرمينوطيقا للتاريخ الكوني.

أولا: هيرمينوطيقا الحدث: الدائرة الهيرمينوطيقية للفلسفة والفيلولوجيا، أو في الحقيقة واليقين

نحن هنا في حضور مشروع فيكو التأويلي الكامل، كما بسطه في العلم الجديد والذي اعتبره ثورة إبستيمولوجية، رب ثورة تفرض على الإنسان أن ينثنَي على نفسه، حتى يكشفَ عنها ضمن الأشكال التي فرضها على العمران المدني، ومن هنا كان لا بد له من أن "يستمد المبادئ التي تُفسر كيف تنشأ المجتمعاتُ، وكيف تقوم، وهي مبادئُ كونيةٌ وأبديةٌ مثلما ينبغي لمبادئ كل علم أن تكون". يعتبر فيكو التاريخ العلم الأصل – وليس الرياضيات كما ادعى ديكارت وأتباعه – الذي يجعلنا نشهد تقدم الجنس البشري في الأطوار المتلاحقة لنموه، بحيث يميز – انطلاقًا من الأصول القديمة كما وردت في الإلياذة  – بين ثلاث لحظات في الحضارة: عصر الآلهة، وعصر الأبطال، وعصر الرجال.

أما المرحلة الأولى فتتصف بالتأليه واعتبار كل ما في العالم مِلكًا للإله، حيث يعلو رجال الدين ويكون الناس خاضعين للتدبير الإلهي عن طريق الكهنة والنذر. أما عصر الأبطال، فيناسب مجتمعًا

تسيطر عليه طبقة الأشراف – الأبطال هم من لهم قدراتٌ عظيمةٌ – على العامة من الناس. في حين أن عصر الرجال، لا مجال فيه للاستبداد، وفيه يتأسس ما يعرف بدولة القانون لجمهورية، أو لملكية شعبية تقدر حق الأفراد فيتساوى الجميع أمام القانون. ويسند فيكو إلى المصريين اكتشاف هذا القانون لتعاقب العصور.

(((العلم الجديد، في الطبيعة المشتركة لكل الأمم، هو العمل الرئيس لفيكو وعنوانه الأصلي مبادئ العلم الجديد، وهو عمل مر بثلاث طبعات، الأولى سنة 7251، والثانية سنة 7251، والثالثة سنة 7441، سنة وفاة فيكو الذي لم يكن لديه لبضعة أشهر الوقت لرؤية النسخة الكاملة من أعماله المطبوعة.

(8) Giambattista Vico, "SN44, I, 'Degli Elementi'," in: Vico, Opere filosofiche, p. 430.

ولكن يجب أن نسألَ أنفسَنا الآن، م ن أين تأتي القدرة المزعومة على قراءة التاريخ بوساطة "العلم

الجديد"؟ وما الذي يجعل الحقيقة التأويلية التي يتبعها "العلم الجديد" ممكنة؟ إن الإجابة هي: إذا كان تاريخ البشرية هو الكون الأكبر، وصيرورته تحاكي الكون الفردي الأصغر، فإن العودة الأبدية للصيرورة البشرية تناسب تعاقب العهود على الأطوار الثقافية، ومن ثم فإن الحضارة في صيرورتها تعرض البسط الكوني لمعنى الطبيعة البشرية. وبهذا يكون فيكو في بسطه للطبيعة البشرية هذا قد أتى إلى العلم الجديد، إلى التاريخ المثالي للقوانين الأبدية، التي تقوم عليها إنّية الطبيعة البشرية في كل زمان ومكان، إلى تاريخ يمثل الغاية التي ترنو إليها كل الأمم، وتدور عليه أحداثُ تاريخها كافةً في

نشأتها، ونموها، وانحطاطِها، وموتها. يعتقد فيكو أنه بلغ تعريفَ علمِ العلومِ، علم جامع، من أجل إيضاح "أن فكرة هذا الموضوع نفسها تشمل وتتضمن كل علم جدير بهذا الاسم". وبهذا يكون فيكو قد مهد الطريق لتأسيس هيرمينوطيقا جديدة بما هي بيانٌ للمعنى، تُربتها الثقافة وليست الطبيعة. إن غرض فيكو هو تأصيلُ الفلسفةِ على وجهٍ يُخرجها من دلالتِها السائدةِ لدى المحدثين، وبخاصة تلك

التي تجد هالتها العليا لدى ديكارت وسبينوزا، بيد أن وجه التأصيل هنا هو تملك التوجه الفيلولوجي قبلة مسألة "الفهم"، ولكن مع السعي إلى تأسيسه على إشكالية "الواقع". حيث يؤكدُ فيكو وظيفة الفلسفة ورسالتها في خدمة الجنس البشري، ومن أجل تبليغ هذه الرسالة نراه يصنع اتحاد الفلسفة

و"الفيلولوجيا"، أو العقل واللغة، بوصفه طريقةً منهجيةً يمكن إضافتها إلى الواقع التاريخي في تكافُئِه

المزدوج والواقع الثقافي والاجتماعي السياسي. إنه ههنا تتكون نبتةٌ هيرمينوطيقيةٌ تمثِل افتراضًا ثابتًا

للمخطط المعرفي للفلسفة الإنسانية، ذاك الذي في تجاوز رؤية "الدقة والفعل" احتوى ثراء الواقعية: "الحقائق هي في الوقت نفسه المحتوياتُ الظاهرة لغويّا والأشكالُ اللغويةُ الممنوحةُ بمراجعها

الخاصة". وذلك يعني أن طابع الحقيقة إنما هو في تواشج مع بنية اللغة نفسها. وهو تواشجٌ سوف

يجد له فيكو في كتابه العلم الجديد (7441)، في الجزء الثاني، في الباب الرابع تحديدًا، تبريرًا طريفًا؛

إذ يبين أن هذا التواشج بين الحقيقة واللغة هو من جنس التواشج بين "الفلسفة" و"الفيلولوجيا". هل اخترع فيكو هنا تأويلًا فلسفيًا بلا جذور في تاريخ الفلسفة؟ إن خطة فيكو تقوم على تفسير الحقائق اللغوية المنقولة بلغة تظهر وضوحها في ضوء حقيقة اللوغوس "العقل"، وإذًا يؤلف بين الحقائق ومعناها؛ مما يعني جعل الحقائق حقيقيةً بالفعل. إنه دمج المنهجية اللغوية الإنسانية مع أفلاطونية معينة ليتم إدراك "العقل" على أنه تأويلٌ للحدث: الأحداث اللغوية، التي يشهد عليها التقليد الواسع ل "الفيلولوجيا"، تصبح أحداثًا بمجرد أن يجري تفسيرها وفقًا لمعيار المعنى الذي يوفره "العقل" وتعديلاته. وإن طرافة التأويل الفيكوي تقوم على هذا الافتراض: إن "الآباء" في الأصول – كما يقول فيكو مرات عديدةً – كانوا في الوقت نفسه شعراء وثيولوجيين وسياسيين، أي مؤولين للواقع، كتعبير أسطوري عن

(9) Giambattista Vico, "SN44 V, III," in: Vico, Opere filosofiche , p. 540. (10) Grssi Ernesto, Vico e l’umanesimo, Edizione Guerini e Associati (Milano: Collana, 1992), p. 17. (11) Giambattista Vico, "SN44, II," in: Vico, Opere filosofiche, p. 263.

التفويض الإلهي الممنوح بقيمة تنظيمية للعلاقات الاجتماعية. علينا أن نحيلَ هنا على الإيضاحات القيمة التي أثبتها الشارح الإيطالي بوتوري حول تأويلية فيكو كما بسطها فيكو في القسم الثاني من العلم الجديد، فهو يبين أن حكمة فيكو تأسست على "الواقع كعالَم في مواجهة فوضَى ما بعدَ الجنة، حكمة تؤلف معنى شعريّا مع اختراعِ الأساطير البدائية، التي تبني أفق التجربة من حيث العلاقةُ الدينيةُ العموديةُ والعلاقُة القانونيةُ (السياسة الأفقية). هذا هو العمل التأويلي التأسيسي، حيث تتشكل تجربة الواقع الدنيوي الذي يُفهم على أنه حدثٌ، كحدث له معنى". وهو ما يعني أن "الفيلولوجيا" وُلدت

الآن من الرغبة في استعادة المعنى الكامل للأصول كعمل تفكري. هل أفلح فيكو بوساطة ربط الفلسفة بالفيلولوجيا في توضيح معنى التأويل المشار إليه؟ إنه في العلاقة الناتجة من الوحدة المنهجية تتحقق الفلسفة وعلم اللغة كشخصية دائرية تأويلية صحيحة وسليمة. ذلك أن الأمر يتعلق من جهة برغبة إنسانية في دراسة الكلام، ومن جهة أخرى بالعناية التي تدور حول الكلمات وتاريخها؛ حيث يفترض فيكو افتراضًا صارمًا أن "سلطة الإرادة البشرية، التي ينبع منها وعي

اليقين، تتعلق ب 'الضرورة الطبيعية' و'العقل الأبدي'، من حيثُ يأتي علم الحقيقة". فما مغزى تأويل الحقيقة بأنه مستمد أصلًا من "قدرات مختلفة"؟ هنا يثير فيكو مشكلًا طريفًا مفاده أن التصور التقليدي للمعرفة بوصفها مصدرًا موحدًا غير صالح

للإيفاء بهذا التأويل للحقيقة، إذ توجد تفسيرات متبادلة، أو بعبارة طريفة "التعميمُ التأويلي" رب تعميم

تأويلي وجه الطرافة فيه أن يمهد سبيلًا إلى استخراج الوجه الذي يكون معه التأويل مقامًا لتحقق

الوحدة والحفاظ عليها (بين الفلاسفة وعلماء اللغة)، فإذا كان الفلاسفة "مقرنين أسبابهم بسلطة علماء اللغة"، فإن هؤلاء يحرصون على "تأكيد سلطتهم على عقل الفلاسفة". إن الجديد الذي أدخله فيكو في حقل العلم هو إجراء عملية تأويلية مزدوجة، يتم من خلاِلها الفهمُ والإظهارُ لانتماء الدلالات

والحدث. أي يجب التوفيق بين الفيلولوجيا والفلسفة: لذلك يقيم منهجه على الأدلة الفلسفية ثم يُتبِعها بالأدلة اللغوية لتكون أدلةً واقعيةً تؤيد الأدلة التي اهتدى إليها بالتأمل والتفكير. وتنقسم الأدلة

الفلسفية إلى أدلة لاهوتية وأدلة منطقية، ويبدأ بالأُولى فيؤكد ضرورة البدء بفكرة الإله التي لم يفتقر إليها الإنسان الوحشي، فللحد من توحشه خلق فكرة الخوف من إله معين لإنقاذه وتحويل انفعالاِته الحيوانية إلى أفكار بشرية عبرت عنها "الميتافيزيقا الشعبية" عند الشعراء القدامى. إن خطورة هذا التخريج لمعنى التأويل الكائن في الهيكل الثنائي القطب وحركته الدائرية لا يميزان فقط وحدة الفلسفة وفلسفة اللغة، ولكنهما يمثلان الخط الناظم لخصائص أعمال فيكو بأكملها

(12) Francesco Botturi, "hermeneutica dell’evento, la filosofia dell’interpretazione di GB Vico," in: Giambattista Vico, Tempo, linguaggio e azione, le strutture vichiane della "storia ideale eterna" (Milano: Guida Editore, 1996) p. 132. (13) Giambattista Vico, De constantia iurisprudentis, in opere giuridiche, il diritto universale, a cura di P.Cristofolini (Firenze: Sansoni, 1974), pp. 351, 387; Giambattista Vico, "principi di scienza nuova (SN44), III," in: Vico, Opere filosofiche , p. 434. (14) Giambattista, "SN44, III, 'Degli Elementi'," in: Vico, Opere filosofiche , p. 434.

(de ratione; De Antiquissima, autorictas, ratio "verum", "curturm"; Diritto universal,

spienza, volgare") ". في العلم الجديد، يصلُ فيكو إلى وضع أساس العمارة الكاملة لفكره الذي يقوم على المقارنات. فالعلم الذي تتعاون فيه "الفيلولوجيا" و"الفلسفة" هو عندئذ، فحسبُ، المستوى

الموضوعي الذي تنعكس فيه بنية الحدث البشري العفوي وحركته، والذي يعد بالفعل حدثًا تأويليًا

في حد ذاته. هنا يصل فيكو إلى نتيجة مهمة: يصبح إيقاع العفوية والتفكير إيقاعًا أساسيًا. فالإيقاع

المذكور يشير إلى تفوق متبادل للحظة الإبداعية والحرجة، المليئة بالمعنى. إن الأسبقية الزمنية للعفوية في الواقع هي إشارةٌ إلى استدراك المعنى وعدم قابلية أصله للفهم: فمعنى الحدوثِ يُمارس وينتقل قبل كل ترتيب منطقي انعكاسي. ومن ثمة، فأصل المعنى لا يمكن التفكير فيه إلا بوصفه معطى دائمًا وسابقًا لفهمه. وهكذا فإن فيكو يتأول التفوق التأويلي للتفكير بوصفه مظهرًا من مظاهر

حقيقة المعنى، أي فهم "ترتيب" المعنى في نشأته وبنيته، وفي حدوثه التلقائي وفي الضرورة. في هذا السياق يجري تضمين قاعدة الدائرية أيضًا، حيث يجري التعبير عن الطابع الذي لا غنى عنه في العلاقة المزدوجة لتكوين الحقيقة الكاملة للحدث. ولكن ما المقومات التي تشد الحدث التاريخي فتجعله حاملًا للحقيقة والمعنى؟ لكي يكون هذا الحدثُ حدثًا تاريخيًا، فإن الحدوث الغاشم، الذي

يحدث أيضًا في حالة الفوضى لا يكفي، ولا يكون المعنى كافيًا من دون تجسده العرضي في عالم

"الضرورة، أو المنفعة"، في التقاليد الثقافية، والمؤسسات الاجتماعية، والقانونية والسياسية. إن هاجس الكشف عن المعنى هاجسٌ مؤسسٌ للتأويلية وهي تبحث عن هذا الكشف في ثنايا العلاقة

بين الحق واليقين. كيف ذلك؟ حقيقٌ علينا أن ننبه إلى أن فيكو قد استحدث مفهومًا جديدًا لمعنى التأويل، يخرجه من استعماله المحدود الذي ظل سائدًا إلى حد فلاسفة أمثال ديكارت وسبينوزا، وحمله معنى "واقعيًا" يشمل

كل أحداث الواقع. تتجلى فكرة فيكو عن التعميم الهيرمينوطيقي لأشكال المعرفة، وهي أن تفسير الأشكال التاريخية لا يكون ممكنًا من دون الإشارة المزدوجة إلى الحقيقة واليقين، وأن "أسس الحقيقة" تعمل على التفكير في عالم الأمم هذا، في فكرته الأبدية، تمامًا كما تعمل "أسس اليقين" على رؤية هذا العالم من الأمم في الواقع الفعلي كما تأملناها في الفكرة. ذلك يعني أن الحقيقة لا تُعطى إلا بقدر ما "صُنعت" في التاريخ عن طريق اليقين وبقدر ما ترتكز على محدودية الحدوث. لهذا السبب يدّعي العلم الجديد أنه في الوقت نفسه "تاريخ وفلسفة الإنسانية"، أي معرفة التطور والطبيعة في "الإنسانية". علينا أن نأخذ هنا بجد معنى "الإنسانية"، ذلك أن فيكو يفترض أن "الإنسانية هي على وجه التحديد حدوث الإنسان"، ويمكن اعتبار هذه القول بمنزلة الخطة العامة لما يعتزم عليه فيكو من تأول لمعنى الإنسانية في أفق الحدوث، ومن ثمة لمعنى الانتقال المفترض من التاريخ إلى الفلسفة في أبعادها العملية ومحايثتها لما يحدث في الواقع.

(15) Giambattista Vico, "SN44, III, 'Degli Elementi'," in: Vico, Opere filosofiche , p. 438. (16) Giambattista Vico, "SN44, III, 8," in: Vico, Opere filosofiche , p. 439.

ومن أجل الظفر بذلك خصص فيكو الكتاب الأول من العلم الجديد لشرح سلسلة الأسباب المتصلة، بينما يخبرنا الجزء الثاني أن الما–حدث هو تسلسلٌ دائمٌ، أو هو استمرارٌ غير منقطع لأحداث البشرية.

ووفقًا لهذه الأسباب – لأن الأسباب تنتج آثارًا مماثلة، وبهذه الطريقة يمكن العثور على أصالة معينة

والتقدم المستمر لكون الأمم بأسره – يجب أن يؤديَ في الحال إلى فلسفة وتاريخ العادات البشرية. من الطريف أن فيكو قد اختار أن يشرَح هذه الأسباب في الجزأين الأول والثاني. ورب اختيار نجد له تبريرًا في حرص فيكو على الذهاب قدمًا إلى الكشف عن الأهمية المعرفية العالية بأن الشكل النظري

التركيبي الذي يصل إليه العلم الجديد "هو نوعٌ من الفقه، وهو فقه الجنس البشري"، وأن الوظيفة الخطيرة لهذا الفقه هي ارتسام الشكل التأويلي بامتياز، ارتسامًا يتأسس على علاقة متبادلة في تفسير

"الحق" الأبدي والظروف الواقعية الملموسة. يبدو أن مقصد فيكو من هذا الفحص لم يكن أكثر من إعادة إنتاج إلى أقصى حد ممكن للعقل التحليلي ل "عصر الرجال"، للفعل التفسيري الأصلي الذي تأسس به العالم، أي التفسير الأصلي الذي افتتح "الإنسانية". إن الأصل هو نمط الزمان الذي تتأسس عليه "الحكمة"، التي حولت فوضى ما بعد الجنة إلى عالم بشري، هش في الواقع، ولكنه مدعومٌ من "نظام" لا هوتي – شعري – قانوني،

هو الذي يشكل البنية الفوقية التاريخية (العناية الإلهية) لتاريخ الأمم. هنا يبلغ التأويل الفيكوي لظاهرة "الحكمة" ذروته، نعني طرافته التأويلية. ولذلك بالتحديد، نعثر في هذا الموضع من كتابه العلم الجديد على الصيغة الحاسمة التي عين بها فيكو الطبيعة الأشد أصالة للحكمة، ونعني طبيعتها التكرارية. ولكن بأي معنى تنعكس الحكمة أو تتكرر؟ إنها تنعكس وتُكرر منهجيًا، التأويل الأصلي والمؤسس

للعالم البشري. إن علينا الآن أن نفرغَ لإيضاح طبيعة الهيرمينوطيقا وعلاقتها بالحقيقة.

ثانيًا: إشكالية التأويل بين الحقيقة ومنطق الشعر

1. التأويل بما هو فعل الحقيقة

بادر فيكو منذ الكتاب الأول من العلم الجديد الخاص ب "تحديد المبادئ"، بالكشف عن مشروعه المعرفي المتمثل في تحديد النظام الأساسي ومنهج المعرفة التاريخية والتأويلية الجديدة، ويعترف بأنه يُقيمَ الحجة على أن العلم الجديد هو البحث عن بنية التأويل التأسيسي البدائي، وكيف أن الأداة

التجريبية التي يمتلكها العلم الجديد تحت تصرفه هي "الواقع الحقيقي"، وأنها ولدت للتعامل مع مشكلة الحقيقة المعرفية في سياق العلوم والفنون ومختلف الممارسات. وينبغي أن تُؤخذ عبارة "الواقع الحقيقي" هنا من زاوية الأساس والمبدأ لكل معرفة تاريخية وفلسفية. بالنسبة إلى فيكو، لا يُمكن المرء أن يعرف إلا ما خلقه هو بنفسه، وما خلقه بنفسه يعبُر الطبيعة البشرية،

جوهر الروح، موضوع المعرفة السامي، وهذا العلم مثل الهندسة التي تخلق بنفسها عالم المقاييس "وفقًا لعناصرها الخاصة، لكنه من الواقعية بمقدار ما هي عليه القوانين المتعلقة بالقضايا البشرية

(17) Giambattista Vico, "SN44, II," pp. 206–207, 306.

من واقعية تفوق النقاط والخطوط والمساحات". ذلك يعني أن العلم الجديد ليس الهندسة، بل التاريخ – بوصفه موضوعًا حقيقًّيًا لدراسة الفلسفة – وهو أكثر واقعيةً من علم الهندسة؛ لأن التنظيمات

الاجتماعية والأحداث الإنسانية أكثر واقعيةً من النقط والخطوط والأشكال. تعتمد هذه النظرية البسيطة على نظرية فيكو في المعرفة، وتؤكد هذه النظرية البسيطة أننا لا نعرف إلا ما نصنعه نحن بأنفسنا. ومن هنا فإن المطلوب هو إبصار أن معيار "الحقيقة" ليس العلم (سواء كان رسمًا هندسيًا،

أو مشكلًا رياضيًا)، وإنما ينبغي أن يُبحث فيه انطلاقًا من القوانين المتعلقة بالقضايا البشرية، أي في

"الحقيقة الفعلية". بذلك يتبين أن طريقة فهم الحقيقة لا تكون إلا بردها إلى تربتها الحقيقية في التجربة الإنسانية، وليس اختزالها في الرياضيات. لماذا؟ لأن الرياضيات من جهة ما هي إلا رموزٌ تجريديةٌ تنزع عن الحقيقة أساسها الفعلي المتجذر في الأرض. وبذلك يعيد فيكو معنى الحقيقة بوصفها "فعلًا " في التاريخ والواقع. تقوم حكمة فيكو التأويلية على اختزال مقاييس الحقيقة في الفعل البشري. بحسب مثال الفعل الإنساني هذا يبدو تصور فيكو للحقيقة كأنه يؤسس لأنثروبولوجية الحقيقة؛ إذ يبدو أنه لا وجود لحقيقة متعالية على الفعل والتاريخ. من هنا يطرح السؤال الذي يؤرقه، ويمتحن مدى ثوريته في المحافظة على طبيعة تأويلية معينة ل "الحقيقة الفوقية"؟ إن إرادة الخروج من هذه الدائرة تعني في نظر فيكو، الاحتفاظ بأمل الوصول إلى فهم لا ينبثق أبدًا من اقتراح عملية ذاتية، بل من اقتراح تطبيق عملي تدعمه من غير قصد "العنايةُ الإلهية". هذا يعني عنده أن من مهمة التأويل البشري ليست التخلي عن العناية الإلهية، بل هي تطوير بنية تأويل انطلاقًا من أسس السلوك الأخلاقي والسياسي "القانون الطبيعي للأمم". ما المنطلق الأصيل للكشف عن نمط تأسيس معنى الحقيقة بوصفها "فعلًا "؟ هنا ينبهنا فيكو إلى أن علينا أن نميز بين "الفحص الرياضي" عن آراء المحدثين في الحقيقة كما تقرر منذ ديكارت، والتصور الواقعي ل  العلم الجديد في حقيقة الحقيقة. إن العلم الجديد ليس بناَء معارفَ جديدة، بل هو يهدف في حد ذاته إلى التحرر من هيمنة النموذج العلمي السائد آنذاك في تصور الحقيقة

1(((ماكس هوركهايمر، بدايات فلسفة التاريخ البورجوازية، ترجمة محمد علي اليوسفي (بيروت: دار التنوير، 2006)، ص.80 (1((يجدر بنا أن ننبه إلى أن فيكو على الرغم من تعهده بالالتزام بالمنهج العلمي وتفسيره للظواهر بطريقة علمية، من خلال اعتماد الحس والمشاهدة والتجربة، فإنه جعل من فكرة "العناية الإلهية" مرحلة مهمة في تطور الشعوب، فظل قريبًا تمامًا من الأنا

الميتافيزيقي والفكر الديني. وهذا ما أشار إليه إرنستو غراتسي في قراءته التأويلية لفكر فيكو: "كل أفكار فيكو تهدف إلى إظهار التاريخ المدني الأبدي، والذي يتوافق من خلال نظرية الإبداع والخيال والكلمة المجازية مع ترتيب الطبيعة، مما أدى إلى نشوء الأساطير اللاهوتية المختلفة، والمؤسسات المختلفة [...] إن الضرورة التي يولد منها التاريخ تكمن في أصالته الطبيعية السحيقة: محفزة عقلانية، أي وصول جديد إلى الفكر الديني، وهو الطريق الذي تمنع فيه نية فيكو". ينظر:

Ernesto Grassi, Vico E L’humanesimo , A. Verre (trans.) (Milano: Guerini, e Associati, 1992), p. 207.

إن استنتاج غراسي يتطابق تمامًا مع ما ذهب إليه بنديتو كروتشي Benedetto Croce في تشكيكه لا فقط في تماسك فيكو مع اعترافه

الديني، بل في فساد بنائه النظري الكامل. لا يبدو هذا الموقف غريبًا عن كروتشي، ومنهجه التاريخي المعروف، القائم على رفض

كل تفسير ما بعد تاريخي، وتوكيد الهوية بين العقل والتاريخ ورد المعركة إلى معرفة تاريخية ورد الفلسفة إلى لحظة منهجية في التاريخ.

بوصفه بلا أرضية فعلية. ووفق بوتوري، من الواضح أن مبدأ "الواقع الفعلي" الفيكوي، وقد تكوّن

في نص De antiquissima من الحكمة القديمة لإيطاليا (9101)، لا يهدف إلى تفضيل المعرفة الرياضية – كما ذهب إلى ذلك ديكارت – على حساب المعارف الأخرى، ولكن بدءًا من الحالة

المعرفية المسبقة التي هي الرياضيات، التي تحدد الطريقة التركيبية للحقيقة المناسبة للمعرفة البشرية على أنها "كوجيتو" محدودٌ، ودائمًا تشاركيةٌ فقط ل "العقل" اللامتناهي من الله. ولا ينطبق معيار

"الحقيقة" على الرياضيات فحسب، بل هو على رأس بنية معرفية كاملة للمعرفة. إن مقصد فيكو هو التنبيه إلى أن كل معرفة هي معرفةٌ مثاليةٌ حقيقة، لبنية استنتاجية، هي كشفٌ تحليلي أو تكويني توضيحي، وأن الحقيقة verum هي الواقع، أو الحدث factum، أي إنه يظهر من خلال عمل العقل "كإبداع"، حيث يتلقى كل شكل مثالي تفسيرَه الخاص من المعرفة المتعلقة "التي تكشف

جزئيًا عن كمالها اللامتناهي وغير المسبوق في معرفة محددة تاريخيًا". وبهذا تكون المعرفة طريقةً

لإدراك مبدأ تكوين واقع معين. أما الخيط الهادي في فحصنا عن معنى المعرفة وعن نوع الحقيقة التي تفترضها، فنحن نحاول أن نخطه بسؤال كهذا: ما وجه الطرافة الذي يكمنُ في مسألة "الحقيقة الفعلية"، بحيث يمكن فيكو أن يرفعها إلى قيمة تأويلية جوهرية؟ وهو سؤالٌ من شأنه أن يقودنا إلى الخوض في الاستفهام عن التقابل بين فيكو وديكارت من حيث هو تقابلٌ خطير بين فلسفة المنهج وفلسفة الفعل. لئن وَجدت كتب ديكارت وخاصةً كتابيه مقالة الطريقة لحسن قيادة العقل والبحث عن الحقيقة في

العلوم 637(1) وتأملاتٌ ميتافيزيقيةٌ (6441) انتشارًا واسعًا وإعجابًا قل نظيره لدى الأوساط العلمية

والفلسفية في أوروبا، فإن موقف فيكو كان مختلفًا تمامًا؛ إذ كشف في واحدة من أهم الخطب

الافتتاحية Orazioni inaugurali التي ألقاها بمناسبة افتتاح السنة الأكاديمية بجامعة نابولي، في الخطاب الخاص بسنة 7081 الذي نشر سنة 709 1 بعنوان منهج التدريس في زمننا الحاضر "أن ما أُعجب به الآخرون في ديكارت سامٍ، عظيمٌ وجديدٌ" بدا له "قديمًا ومبتذل ". فهو قديمٌ لا جدة

فيه ولا تجديد، ومبتذلٌ بمعنى: تافه، فقد طرافته بسبب كثرة الاستعمال، ولم يضف شيئًا خاصًا به

إلى التراث المشترك، ويمارس نوعًا من الوصاية على ما كتبه أرسطو Aristotle (322–384 ق. م.) من قبل. أما بخصوص المنهج، فمنذ أن أطلق ديكارت على قاعدته المنهجية الأولى "البداهة والوضوح" وجعلها القاعدة الأهم بين قواعد منهجه العقلي، فهو لا يعدو أن يكون منهجًا اختزاليًا،

أشبه بالمخدر، يقول فيكو: "لقد خدر الفلاسفةُ العقولَ بمنهج ديكارت زاعمين أنهم مهتدون، بإدراكهم الواضح والمتميز، وبلا تكاليفَ، أو تعب، إلى كل ما هو مُختزنٌ في المكتبات [...]

(20) Francesco Botturi, La sapienza della storia: Giambattista vico e la filosofia pratica (Napoli: Guida, 1996), (in part. 1,4 "il verum ipsium factium" come epistemologie transcendentale"). (21) Giambattista Vico, "De antiquissima," in: Vico, Opere filosofiche , III, p. 73. (22) Giabattista Vico, De nostri temporis studiorum ratione , A cura di: Polara Giovanni & Rozza Nicoletta (Rome: Edizioni di storia e letteratura, 2022), p. 29.

ولقد صار لديكارت أتباعٌ كثرٌ بفضل هذا الضعف في الطبيعة البشرية التي تبغي أن تعرف كل شيء

في أقصر زمن وأقل جهد". إن السياق الذي قاد فيكو إلى انتقاد ديكارت والديكارتيين وطرح مسألة المنهج والحقيقة هو سياقٌ تأويلي يتعلق بفهم الحقيقة في علاقتها بالواقع، ومن الحقيق بنا التنبيه إليه: إنه سعيه إلى الإفلات من ربقة الميتافيزيقا المجردة؛ لأن المنطق الحديدي للأفكار الواضحة والمتميزة يخدع للوصول إلى جوهر الأشياء، فالطريقة الديكارتية في اكتساب الحقائق المجردة فحسب حالت دون دراسة العالم البشري وفهمه، أي فهم الحياة الاجتماعية والسياسية، وحكمت على نفسها بالفردانية والعزلة. لقد كانت طريقة فيكو براغماتيةً وشاملةً، تستهدف الإنسان في مجمل حياته الدنيوية والدينية، لا المستوى "النبيل" للعقل فحسب. ولما كان على العقل أن يخضع للواقع، فإن وعي فيكو – وهو وعيٌ مستمد

من الفكر اليوناني والروماني – يهدف إلى جعل العلوم الدقيقة للرياضيات والمنطق في العالم البشري خاضعة للحكمة المدنية التي يمكن من خلالها تمييز ما هو مفيدٌ للإنسان. يحذر فيكو من أن "الحقائق البشرية لا يمكن قياسها بمعيار قاعدة عقلية مستقيمة وجامدة"، ولكن

يجب أن تكون مرتبطةً بوحدة القياس المرنة تلك التي كانت تُستخدم قديمًا في جزيرة لزبُوس اليونانية،

والتي تجد قانونها في الأخلاق النيقوماخية Nicomachean Ethics لأرسطو، تلك التي تتكون من قاعدة رئيسة مخصوصة تفيد التكيف بشكل مطيع مع شكل الشيء المراد قياسه، ويجري استدعاؤها في مجال القانون لتمثيل ليونة روح القانون مقارنةً بعدم مرونة حرفها. يهبنا فيكو في كتابه في المعرفة الموغلة في القدم لدى الشعوب الإيطالية المستمدة من اللغة اللاتينية sapientia De antiquissima Italorum (9101) كشفًا عن طبيعة البحث التأويلي من حيث إنه لا يقوم

على تفسير الظواهر تفسيرًا آليًا، حتميًا، أو اختزاِل ها في معادلات رياضية حسابية، أو قياسات منطقيةِ

دقيقة – لأن هناك تحولًا مستمًّرًا للظواهر – وإنما على التفسير الذي يكشف عن الروح التاريخي للظواهر

ويبين وجه تعينها وتحققها في الواقع. ومن هنا جاء حرصه على ضرورة توسيع دائرة الفهم بأن يستوعب أفعال الإنسان ويتألف معها. فوجد فيكو الطريق لتناول موضوعات الفلسفة التي تأسست في الساحة الأوروبية مع ديكارت ونيكولا مالبرانش Nicolas Malebranche (715–16381) وسبينوزا وغاليليو غاليلي Galileo Galilei (642–1564.)1 فعلى الرغم من تفاعله مع الرؤية الميكانيكية والجسدية السائدة للعلم، ينتصر ل "علوم الروح" مقابل "علوم الميكانيكا"؛ لأن هذه الأخيرة لا تسمح بمنظور تاريخي حقيقي، لذلك هو يقترح علمًا باطنيًا للكون من أصل فيثاغوري وهرمسي. ويوجه نقده إلى الكوجيتو

الديكارتي Le cogito cartésien؛ إذ اُّتُِهم هذا المبدأ "الجيني" (للعقل) بأنه انجذابٌ، وأنهُ قادرٌ على

جعل الذات تكتشف وعيها بذاتها. وخلافًا لهذا القانون النفسي البحت استبدل فيكو بالمعيار الجيني غيره، بحيث يمكن المرء أن يعرف فحسب ما هو قادرٌ على القيام به. ذاك أن شرط الوصول إلى الحقيقة

(2((إميل برهييه، تاريخ الفلسفة: القرن الثامن عشر، ترجمة جورج طرابيشي (بيروت: دار الطليعة، 9831)، ص.80

(24) Giabattista Vico, De antiquissima Italorum sapientia, con traduzione italiana a fronte , Sanna Manuella & Diogene Edizione (trans.) (Rome: Collana, 2005), p. 131.

لا يكمن في الدليل المباشر، أو في وضوح الأفكار وتميزها، ولكن في تحويل الحقيقة إلى حقيقة، أي فعل يحدث في الواقع المادي، ويسمح بمنظور تاريخي حقيقي. ورب فهمٍ هو إحدى النتائج الكبرى للتاريخ بصفته علمًا جديدًا يقوم على فكرة الإنسان صانع

التاريخ، وأن المعرفة التاريخية ممكنة؛ وإذًا فالحقيقة ممكنة بالقدر نفسه في العلوم الطبيعية والعلوم الصورية. فالتاريخ أكثر يقينًا عندما يرويه صانع الأحداث نفسها، "وهي أكثر واقعيةً من علم الهندسة:

لأن التنظيمات الاجتماعية والإنسانية أكثر واقعيةً من النقاط والسطوح والأشكال". إن هذا هو الأفق التأويلي الذي اضطلع به العلم الجديد، فتصبح بذلك مسألة "الحقيقة الفعلية" بوصفها أشك لًا مثاليةً مصدرَ مشاركة لا تنضب وتفسير غير محدود. وذلك هو بالتحديد ما جهد فيكو في إنجازه

صراحةً في ضرب من التأويل المثالي. وبهذا المعنى، فإن إعادة إنتاج الحقيقة إلى مدى غير محدود يمكن تسميته قراءةً تأويليةً، كتفسير للمثالية الحقيقية، ولمعناها ضمن شروط معينة للمعرفة البشرية. فكل معرفة تتشكل من خلال عملية تأويل الحقيقة المثالية، فإنها تصنع الحقيقة التي تعرفها. لذلك يبدو أن توفير معالجة أصيلة لمسألة الحقيقة هو ما أصبح محركًا حاسمًا لفيكو منذ 7251 (سنة

صدور الطبعة الأولى من العلم الجديد)، وهو ما أخذ في التوضح على نحوٍ بيّنٍ تمامًا في النسخة

النهائية (744.)1 فكل معرفة تشير إلى الشكل المثالي الذي مثل الروح الفيسينية ذات الوجهين، ذاك الذي يواجه كلًا من الأبدية الميتافيزيقية التي تقوم عليها تلك الروح، والزمنية التجريبية التي تتجلى فيها. وبهذه الطريقة يوجد كل شكل من أشكال المعرفة في حد ذاته، وبدرجات متفاوتة الضوء الميتافيزيقي للحقيقة والتعدد المحدود لبياناتها المنطقية أو التجريبية. وإذا كان "اليقين" يشارك في الحقيقة، فإن هذه المشاركة تكون بدرجات متفاوتة وتُدرج ضرورةً في حالة الطوارئ، من ذلك، يَخرجُ فيكو بنتيجة حاسمة صاغها صياغة طريفة: "إن القوانين العالمية ممكنة حتى في نطاق المعرفة

العرضية، كما في حالة الخطابة، أو السياسة (وكما تكون في حياة الأمم").أما نحن فإن غرضنا هو التكشيف عن الدور الذي أداه العلم الجديد في بلورة الوظيفة الإشكالية للحقيقة لدى فيكو. ونحن نجد أن باحثًا (بوتوري) قد أفلح في ارتسام السياق العام الذي ربط فيه فيكو بين الحقيقة و"الواقع الفعلي"، وذلك بأن افترض أن المحور الأساسي لهيرمينوطيقا فيكو هو هذا السؤال: "على أي أساس تتحدد الحقيقة؟"، وإن جواب فيكو إنما هو هذا: أن أساس الحقيقة تحدده "ميتافيزيقا العقل البشري". إن العقل البشري مفتوح للمغامرة الحرة لصياغة معرفته، ومن ناحية أخرى مقيد بجذوره في الحقيقة غير المتاحة، وإذًا فإن "الواقع الفعلي" هو شفرة عدم المساواة، أو الاختلاف في الحقيقة الذي يوضع فيه العقل البشري والنظام الأساسي المعرفي. ونحن نجد أن فهم معنى الشعر هو ما يوفر إمكانيةً طريفة لإبصار الحقيقة من جهة تسمح بالإلمام بمنطق احتماليتها، وهو ما سنعمل على فحصه كما يظهر في الجزء الثاني من كتاب العلم الجديد لفيكو.

(25) Ibid.

(2((عطيات أبو السعود، فلسفة التاريخ عند فيكو (وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2021)، ص.155

(27) Giambattista Vico, "Scienza nuova, 1744, III," in: Vico, Opere filosofiche , p. 485.

2. التأويل بوصفه منطقًا شعريًا

بعد أن كشف فيكو عن أسس "الحقيقة" ومبادئها كما تبرز إذا تُفحصت من جهة "الواقع الفعلي"، أي في ضوء "اليقين" الذي تتقوم به، نراه ينتقل، التزامًا تأويليًا صريحًا بطبيعة "المعرفة الشعرية" في

الكتاب الثاني من العلم الجديد، من إعادة تأويلٍ ل "الواقع الفعلي" من جهة الأنثروبولوجيا اللغوية، إلى استبصار أن عقيدة "الشخصيات الشعرية" هي "المفتاح الرئيس لهذا العلم". إن الغرض هو معاودة عين التأويلات السابقة للحقيقة، ولكن كما يحتملها "منطق الشعر". كرس فيكو نفسه لتعريف الشعر بأنه مجازاتٌ مستقلة، بصفته شكلًا تعبيريًا يختلف عن اللغة التقليدية

(مجازات الشعر مثل الاستعارة، والكناية وما إلى ذلك). ونجده ينفي أن يكون الشعر أدوات "جماليةً" لتجميل اللغة العقلانية الأساسية، بل هو شكل طبيعي وأصلي للتعبير تمثل استعاراته "طرقًا ضرورية لشرح نفسها لجميع الأمم الشعرية الأولى، للشعر وظيفةٌ كاشفة، فهو يحفظ الحقائق المتخيلة الأولى من الرجال الأوائل". إن ما تغير هنا هو الوجهة الهيرمينوطيقية: إنها لم تعد العقل رأسًا، بل صارت الشعر، ونحن نلاحظ

أن فيكو قد اعتبر ههنا أن الشخصية الشعرية هي "الأنواع الخيالية" بوصفها "مبادئَ"، ثم انتهى إلى الإقرار بوجود عودة الفلسفة وفقه اللغة إلى الأنثروبولوجيا اللغوية، يقول: "على كل الفلاسفة وجميع علماء اللغة البدء في التعامل مع أصول اللغات والحروف". إن "الخيالية" هي نتاج الوظيفة الشعرية للإبداع، التي تظهر شكلًا معينًا من الحقيقة، ويستخدم فيكو مصطلحات ذات قيمة إرشادية من قبيل "نوع رائع"، وما إضافة الصفة إلى الاسم الموجود بالفعل في "المعرفة الموغلة في القدم" De antiquissima إلا للإشارة "كجنس" إلى الفكرة المثالية، من أجل ذلك يظهر العلم الجديد بوصفه دراسةً لجميع الآثار الأنثروبولوجية والمؤسسية لعملية إنتاج "النوع الخيالي"، أي "المظهر" الذي أعيد تأويله على أنه إنتاجٌ شعري ل "حقيقة" ميتافيزيقية – أنثروبولوجية. لكن أنى ذلك؟ نحن نبلغ الآن الموضع الذي صرح فيه فيكو بطبيعة التوجه الذي يرتضيه لطرح مشكل الحقيقة، بعد أن أعرض عن العقل العلمي الرياضي المهيمن على ثقافة التنوير. إن ما يقترحه فيكو هو اتخاذ الشعر نموذجًا لمعالجة مشكل الحقيقة. إن هذا لقولٌ ذو خطورة خاصة: فكما بدأ فيكو برفع الواقع الفعلي

للتاريخ ومن ثمة للفلسفة، ها هو يعمد هنا إلى رفع طريقة احتمال تجربة الشعر، وذلك أنه هو الوحيد الذي يبدو أنه يوفر إمكانيةً طريفة لإبصار الحقيقة من جهة تسمح بالإلمام بمنطق احتماليتها. إن خطة فيكو تتمثل في محاولة التحديق في مقومات الحقيقة لا من ناحية اليقين وإنما من زاوية الاحتمالية، فوجد في الشعر ضالته المنشودة، ذلك أن الشعر يقوم على جهاز "البراعة"، وهذه الأخيرة تعمل وفق منطق الاحتمالية التي للحقيقة. في الواقع، فإن عمل البراعة، أو الحرفة هو نوعٌ تركيبي من خلال

(28) Ibid., p. 112. (29) Ibid., p. 118. (30) Giambattista Vico, "SN44, III, idea dell 'opera'," in: Vico, Opere filosofiche , pp. 2, 394, 495.

توحيد المختلف والبعيد بحكم عناصر التشابه بينهما، إنها ضربٌ من فلسفة القرب "من خلال القدرة

التي يمتلكها الإنسان على "التفكير في القيام بأشياء مماثلة". إن وجه القول في معنى "التماثل" هو تدبر ما له من صلة سابقة بمفهومين قويين هما "الحقيقة" و"الشعر"، وبيان أن "التماثل" المقصود هنا لا ينكشف بقدر ما نفلح في استيضاح الطبيعة الاحتمالية للحقيقة. بهذه الطريقة يعيد فيكو التفكير في شاعرية احتمالية التقليد الأرسطي، ويطعمها بتصور ميتافيزيقي للنوع الأفلاطوني. فالصدق الشعري بالنسبة إلى فيكو ليس مشابهًا للحقيقة التأملية ومن ثمّ

في حالة الاشتقاق والقصور، ولكنه بالأحرى ظهور الحقيقة في علاقات التشابه ومن خلالها. إن قيمة الشعر وعالميته تتأسسان على الإبداع الذي يُبنى، من خلال أشكال التشابه في المعنى الذي

يتألق فيها "النوع" المثالي، أو "الشكل". ومن هنا فإن للخيال قيمةَ "الصورة المثالية"، أي قيمةَ الشكل البدائي (من الله، أو البطل)، والتي تعمل سببًا نموذجيًا للعديد من الحقائق المماثلة. ونظرًا إلى

كونه يتمتع بحس متماثل، فإن هذا النوع "الرائع" يعمل في الواقع نموذجًا للمعنى لمجمل التجارب

التجريبية ذات الصلة، وقاعدةً لجميع أفعال البشر المماثلة. وإن فيكو ليجد في الخيال الشعري أوفرَ

مبدأ لتوحيد معنى الحدث (الأحداث والأفعال)، فهو بذرة روايتِهم وفقًا للحقيقة المثالية لشخصيتهم البدائية ونواة تلك "الحقيقة الواقعية" التي هي الأسطورة. ولكن حقيقٌ بنا أن نسأل هنا لم هذا الانصراف الفيكوي الحاد إلى مسألة الشعر وجعلها بؤرةً خاصة لفهم "الواقع الفعلي"؟ إن هذا موضعٌ لطيف جدّا لا بد من التمهل عنده، لاكتشاف ألق طرافة تأويلية فيكو التي تفترض، لأول مرة في تاريخ التأويلية الحديثة، أن الشعر هو أصل البنية التأويلية ل "الواقع الفعلي". إن غرضنا هنا هو الفحص عن منزلة الشعر من التأويل الفيكوي للواقع الفعلي، فإن بلورة منطق شعري للحقيقة هي التي مكنته من ترتيب السياق الذي تظهر فيه قيمة الشعر في علاقته بالحقيقة. هذا يعني أن الحقيقة لم يستوعبها العقل البشري في الأصل، إلا من خلال بنائها التخيلي وسردها، في صورة الإله والبطل، في سرد الأسطورة وفي تنفيذ الطقوسِ، ولكن أي دور للبناء التخييلي في فهم الحقيقة؟ يظهر "المثال الحقيقي" فحسب في "الفكرة"؛ أي في التشكيل الأسطوري الذي يفسر الإحساس بالتجربة، والذي يتطلب دائمًا تأويلات متجددة. يتطابق منطق فيكو الشعري في نهاية المطاف مع

هيرمينوطيقا التجربة، من خلال تشكيل النماذج الأصيلة التي تشكل معايير المعنى والفعل. من خلال الشعر خلقت الشعوب البدائية والبطولية أفكارًا وعادات وسلوكيات، وفي الحصيلة،

حقيقةً لم تكن موجودةً من قبل. ومن هنا جاءت الأهمية الكبيرة التي أولاها فيكو للحكمة الشعرية،

(31) Giambattista Vico, "De antiquissima, VII, 4," in: Vico, Opere filosofiche , pp. 117, 123.

(3((من المفيد أن ننبه هنا إلى أن فيكو قد استدعى التقليد الأرسطي في فن الشعر ليثبت أن التمثيل ما هو إلا تقليد للصور والأحداث والحالات المختارة من الحياة نفسها. ولكن التقليد التام لا يكون فنيّا إن لم تأت معه إضافة الفنان وإبداعه.

الحكمة الشعرية للقدماء في الواقع لا تخلو من الحقيقة: تتطابق "الشاعرية الحقيقية" و"الميتافيزيقا الحقيقية". لا تختلف محتويات الحكمة الشعرية عن الحكمة العقلانية. لكن هذا لا يعني، كما أكد العقلانيون في القرن السابع عشر، أنها كانت "حكمةً خفيةً"، أي معرفةً معروفةً بالفعل عن وعي في شكل عقلاني، لكنها محجوبةٌ عن قصد بتعبير غامض استعاري، ويجب تجريدها من أجل إعادتها إلى نقائها المفاهيمي. وعلى العكس من ذلك، فإن الصور الرائعة التي يجري التعبير عن حكمة القدماء بها هي تعبيرٌ ضروري عن طريقة شعورهم وتفكيرهم، وهي واحدةٌ معها. لا يفعل فيكو شيئًا سوى تأكيد

القيمة المستقلة للشعر فيما يتعلق بالفكر المنطقي العقلاني، وإذًا فإن الأدوات التي تستخدمها المعرفة الشعرية مختلفةٌ تمامًا عن تلك الخاصة بالمعرفة العقلانية. تعمل هذه الأخيرة من خلال المفاهيم

المجردة، في حين أن الشعر يشكل بدلًا من ذلك المسلمات الرائعة، أو "الأنواع الخيالية"، حيث تعبّر

صورةٌ معينة عن المعنى والخيالُ عن محتوى معرفي ذي طبيعة عامة. وهكذا في ثقافة هوميروس، فإن أخيل هو تمثيل الشجاعة، وأوليسيس هو الحكمة. وعلى الرغم من أن هذه الشخصيات خيالية، فإن الخيال ليس خي لًا، ولكنه واقعٌ يتفوق على الواقع المادي نفسه. فحينما بدأ الرجال يفكرون في

المسلمات الرائعة وليس في المفاهيم، تحدثوا بلغة الشعر وليس النثر. وإذًا فإن اللغة المغناة تسبق اللغة المنطوقة، كما يمكن استنتاجها أيضًا من الناحية اللغوية، من حقيقة أن الشهادات الأدبية الأولى للشعوب القديمة هي قصائد وليست أعم لًا نثرية. ومن هنا، يأتي دحض فيكو للأطروحة التي تدعم الأصل التقليدي والتعسفي للغة. فللغات أصلٌ طبيعي؛ إذ هي الترجمة الصوتية للصور الشعرية التي طورتها الشعوب في العصور القديمة. أما وجه الطرافة الأقصى الذي بلغه فيكو في هذا الموضع، فهو بلا شك إقراره الحاد بأن الاحتمال هو الطريقة التي بها تقَّدَم الحقيقة، فتكون لغتُها هي الطريقة التي تظهر بها الحقيقة. لقد انزاح بمعنى

الحقيقة عن معناه التقليدي، أي من معنى الحساب والضبط والقياس العقلي والمنطقي إلى معنى مبتكر هو معنى الاحتمال الذي يجد أصله في اللغة الشعرية الخيالية. بيد أن اللغة الشعرية الخيالية عند فيكو ليست مشتقةً، أو تقنية رمزية، فهي لغة أصلية وأساسية. ليست اللغة تمثيلية، أو إرشادية، وليست وضعًا لحالة من الأمور، ولكن إظهار الحقيقة. ولكن إذا كان فيكو لا يفهم معنى "الشعر" ههنا فهمًا تقليديًا، أي كما اعتقد شعراء القرنين السادس

عشر والسابع عشر، الذين رأوا فيه وصفًا لحالة وتمثيلًا، فكيف يأخذه إذًا؟ إن الشعر هو الشكل الأصلي للتفكير، وإذًا فإن الفكر التأملي لهذه الهوية الأصلية سيكون بمنزلة "تذكر" للأصل اللغوي

للعالم وإنشاءِ أشكال تاريخية متعددة في إطار انفتاح اللغة على العالم. بهذا المعنى فإن كل العلم الجديد هو استراتيجية مفصلية للتذكر و"استعادة حركة التأويل الأصلي للعالم ". إن ذلك يعني أن التكوين الشعري للعالم له طبيعة تأويلية للتجربة، والتي لها شروطها، فهي من

((3(أبو السعود، ص.55–54 ((3(تجدر الإشارة إلى أن الشعر بالنسبة إلى فيكو هو "أكثر المهن براءة"، وهو في الآن نفسه "أخطر الخيرات" (القولان 1 و 2)، لأنه في اللغة الشعرية ينفتح العالم كما يجري تحديد المصير التأويلي للإنسان.

ناحية، العلاقة الحساسة التخيلية للواقع الإمبريقي، ومن ناحية أخرى العلاقة الميتافيزيقية من العقل إلى الحقيقي، ضد الأشكال المختلفة من النفعية. يجادل فيكو بأن الإنسان ليس في مستطاعه إطلاقًا تدشين عالمه، إذا لم يكن يمتلك القدرة على تجاوز الفورية (المباشرتية) الإمبريقية. هذه القدرة على التعالي المعرفي والخطابي هي على وجه التحديد "ميتافيزيقا العقل"، على أنها احتمالُ أن يمتلكَ العقلُ الذهابَ إلى ما بعد "فيزياء" الانطباعات وردود الفعل الحساسة. لا تعني هذه الخصوصيةُ

الثنائيةَ الميتافيزيقية فيما يتعلق بنطاق الإحساس، بل تعني التعالي داخل العالم المعقول نفسه. وهكذا تخلق "الشعرية" الفيكوية أفلاطونيةً فريدةً من الحساسية، ووفقًا لذلك، يفتح فيكو في صياغتها الخيالية واللغوية في حد ذاتها الفضاء التفكري للمعرفة التصويرية للحقيقي، والفضاء العملي للفعل المطابق للنموذج الأصلي. نحن نفترض أن فيكو قد قصد إلى أكثر من إثارة بعض المفارقات حول مسألة "الشعرية"، إنه نهض بتأويل الفعل الأصلي للعبقرية الشعرية بوصفها انفتاحًا على العالم، وهي أيضًا مؤسسة

"حقيقية للذات"، بالمعنى المضاد لديكارت حيث تصبح الذات مدركةً لذاتها ليس في الفعل الخالد للكوجيتو، ولكن في العملية الإنتاجية لخياله الشعري، حيث تكون لديها الخبرة المحددة لكونها قادرةً على معيار المعنى (المتجسد في الخيال الكوني)، وفقًا لمقياس لا يتوافر للعقل، بل بالأحرى يخضع له العقل. إن ما يدعونا إليه فيكو هو القيام بفعل صارم، أي إنه يدعونا إلى إخضاع الذات للنقد الذاتي. إن هذا التمرين هو ما يهدف إليه كتابه العلم الجديد، سائلًا فيه عن حقيقة الذات لأنها واقعةٌ ضمن ضوء الحقيقة. أن تكون ذاتًا يعني بالنسبة إلى فيكو كن مفاجئًا بأنك قادرٌ

فعليًا على الكمال والقيمة وفقًا لمقاييس غير متوافرة. ولكن كيف تفلح الذات في التأويل، أي في

فهم الحقيقة، وهي بعد ودائمًا في ربقة الحقيقة؟ للإجابة عن ذلك يذكر فيكو بأمر خطير هو: "أن

الذاتية هي خاصية للعبقرية التأويلية، لأنها تخضع (خاضعة) للحقيقة التي هي نفسها من خلال فعلها تُبرز النور وتصنع العالم". يمثل فيكو هذا الخضوع حينما حفظ لنفسِه "عقيدةً إسقاطية للأسطورة"، والتي تُفهم على أنها الطاقة التي يجب أن تفرضها الأسطورة على من أنتجها بحكم عفويتها وقوتها التصورية، يقول: "بسبب خطأ التخيل نفسه، فإن (الشعراء اللاهوتيين) كانوا يخشون بصفة رهيبة من الآلهة التي تظاهروا بها". إن قصد فيكو هو أن فرضية التبعية لا تتوقف عند هذا الحد، بل تنسحب أيضًا على المعنى الأخلاقي، وقبل كل شيء في الشكل الموضوعي للقواعد القانونية، حيث تشكل الأساطير البدائية، التي تركزت في أشكال المسلمات الخيالية الأولى، محتوى "قانون الأمم" البدائي. يقول فيكو: "كانت الخرافات أول قانون الأمم، خطاب ثابت: موجات فاروني varrone من الصيغة الطبيعية، من القدر، حديث الله الأبدي".

(35) Giambattista Vico, "SN44, 'idea dell' opera," in: Vico, Opere filosofiche , III, pp. 394, 495. (36) Giambattista, "SN44, IV, 2," in: Vico, Opere filosofiche, p. 642. (37) Giambattista Vico, "SN 25, II," in: Vico, Opere filosofiche , p. 257.

إن اللافت هو أن فيكو قد انصرف كليًا إلى تبيان أن التجربة الأصلية للدستور التأويلي للعالم من

خلال الأساطير ينظر إليها على الفور مؤلفوها أنفسُهم على أنها كلمةٌ تستعبِدهم وتجعلهم حاملين

لقيمة تنظيمية مطلقة، بحسَب الفكرة الفارونية – الفيكوية للصيغة التلقائية للوحدة المثالية للمعنى

والقيمة. من أجل ذلك يستجلي فيكو نشأة الكلمة التي للإله، كنداء ملزم، ككيان خارجي، بإعطاء التعبير الأسطوري للمصدر المتماثل للقول الأصلي. هل يتعلق الأمر بنحو من تطبيق كلام الله على القانون الأخلاقي للإنسانية؟ هذا المنحى قد ذهب فيه الشارح الإيطالي بوتوري. لكنه منحى لا يؤدي إلا إلى تحويل العلم الجديد إلى "مفارقات" ليبدوَ القانون الأخلاقي للإنسانية وعيًا "بقوة الحقيقة"

التي تدعم العقل البشري وتنظمه.

خاتمة

ليس غرضنا في هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر لاستقصاء آثار فيكو إلا تقليب النظر في تشكلات الفكر التأويلي الغربي، استنادًا إلى مقاربة تنهض على قراءة مختلفة لتاريخ التأويلية من جهة، وتنوع التأويلات بتنوع النصوص وتواريخها من جهة أخرى، والتنبيه إلى مخاطر التفكير والكتابة التأويلية وفقًا لسردية محددة وتاريخ معين. نحن نقصد بذلك أن نخرج إشكالية فيكو بوصفها ظاهرةً نبتت نبتًا "مبكرًا" في أرضية الفلسفة التأويلية الحديثة، مبكرًا بمعنى ما جادت به عبقريته بشكل جديد من

المعقولية خالف النظام اللاهوتي شأن بوسييه، أو نظام العلوم الصحيحة، الرياضيات والطبيعيات على إثر ديكارت ونيوتن، واستحدث منهجًا جديدًا هو "الفيلولوجيا"، أو "الدلالات" فهذه الأخيرة تساهم

كثيرًا في فهم نمط حياة الشعوب وأسلوب تفكيرها؛ ففهم حياة الشعوب ونمط تفكيرها يستوجب فهم

لغتها مع تتبع تطورها عبر العصور. يظهر ألق طرافة فيكو بحسب شهادة أحد كبار العارفين بأصول التأويلية وهو غوسدورف الذي يقول: "قبل ديلتاي، صاغ فيكو الأطروحة التي مفادها أن موطن الإنسان ليس الطبيعة، وإنما الثقافة. فالإبستيمولوجيا التي تقدم بها لا تكتفي بالمواجهة بين الذات والموضوع، حيث يتحدد الأول على قياس الثاني بحسب معيار مقولات العقل. إن عملية المعرفة تفترض المطابقة الأساسية بين الذات والموضوع، مادامتِ الثقافة قد تشكلت عبر أجيال بشرية، في مواجهتها للكون من أجل أن تتخذ منه مقامًا لها". على الرغم من أهمية هذه الشهادة من غوسدورف – وهو من أبرز رؤوس الأشهاد اليوم على معرفة أصول التأويلية الحديثة والمعاصرة – فإنها لا تستوفي طرافة تأويلية فيكو وإسهاماتها الحقيقية، فهي في حاجة إلى شهادات أخرى مطابقة للأصل، أي أكثر تعبيرًا عن روح النص الفيكوي وفتوحاته

التأويلية التي أودعها مؤلفه العلم الجديد. وهي المهمة التي تكفل بها شارحٌ إيطالي معاصر، وهو

بوتوري، في تخريج خاص لمعنى التأويل لدى فيكو. ونحن نفترض أنها تمدنا، على نحو غير مباشر، بآفاق تأويلية لا تتوفر عليها القراءة "المذهبية" لنصوص فيكو.

((3(ينظر: غوسدورف، ص.237–236

بالنسبة إلينا، فإن الطرافة الحقيقية لفيلسوف نابولي تكمن في كونه قد سبق نيتشه من جهة، ثم هيدغر وغادامير من جهة أخرى، في ترسيخ الفلسفة التأويلية ضمن القاعدة اللغوية الفيلولوجية، وسعى إلى إحداث علاقة توافقية بينهما، أي بين الأدلة اللغوية، بوصفها أدلةً واقعيةً، والبراهين الفلسفية، بوصفها أدلة تأمل وتفكير. لقد كان فيكو يمتلك وعيًا حاًّدًا بظاهرة اللغة، قبل "المنعرج اللغوي" للفلسفة

المعاصرة، وتطلعًا إلى فهم العالم بوصفه كينونةً لغوية، إن اللغة هي مسكن الكائن البشري وتساهم في فهم مجموع التجربة الإنسانية. ولكن الكشف عن المزيد من تأثيرات نظرية فيكو التأويلية، بخصوص الشعر ومساهمته في قول الحقيقة، جعلنا نفترض أن فيكو حاكى غادامير (في كتابيه: الحقيقة والمنهج وتجلي الجميل) على نحو ما، ولم يظهر غادامير بعد. وبالمثل حكى غادامير فيكو وتجاوزه من دون إنكار أو استنكار. ولكن ترسيخ التأويلية ضمن هذه القاعدة الفيلولوجية التي كرست أولوية النص، أو الوثيقة، يكون بإعادة إدراجها في فضائها الثقافي الخاص بحسَب أبعاد أشكالها البنيوية التي هي الألسن والأساطير. ولم يمنع تأسيس الحقيقة على الواقع الفعلي من تدخل العناية الإلهية في أهم طور من أطوار التاريخ، وهو طور الرجال. بهذا يكون فيكو قد آثر السير في طريق يحميه شر محاكم التفتيش التي كانت تسطو على نابولي آنذاك، فلم يواجه رأسًا الدين المسيحي الذي تركه خارج تحليلاته، وجاءت تأويليته "إيمانيةً"، مفعمةً بمعاني التقوى، ويظهر هذا بخاصة في فلسفته التاريخية؛ إذ على الرغم من ادعائه المنهج العلمي، وقوله إن التاريخ هو من صنع الإنسان، فقد أكّد أن العقل البشري وحده لا يكفي لأن العناية الإلهية ضروريةٌ للإشارة إلى الحقيقة. وبهذا يكون فيكو قد أوكل للفلسفة مهمةً ميتافيزيقية لتخلف الدين وتحميه.

References

المراجع

العربية

أبو السعود، عطيات. فلسفة التاريخ عند فيكو. وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي،.2021 برهييه، إميل. تاريخ الفلسفة: القرن الثامن عشر. ترجمة جورج طرابيشي. بيروت: دار الطليعة،.1983 الدبوبي، أحمد. "الفن بما هو نموذج خصب لتأويلية كونية". نقد وتنوير. مج  2، العدد 8 (حزيران/ يونيو

غوسدورف، جورج. أصول التأويلية. ترجمة فتحي إنقزو. الرباط: مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع،

هوركهايمر، ماكس. بدايات فلسفة التاريخ البورجوازية. ترجمة محمد علي اليوسفي. بيروت: دار التنوير،.2006

الأجنبية

Botturi, Francesco. La sapienza della storia: Giambattista vico e la filosofia pratica. Napoli: Guida, 1996. _______. Tempo, linguaggio e azione, le strutture vichiane della "storia ideale eterna". Milano: Guida Editore, 1996. _______. "Hermenéutica del evento. La filosofía de la interpretación de Giambattista Vico." María J. Rebollo & Miguel A. Pastor (trad.). Cuadernos sobre vico. no. 9–10

Ernesto, Grassi. Vico e l’umanesimo, Edizione Guerini e Associati. Milano: Collana,

Grassi, Ernesto. Vico E L’humanesimo. A. Verre (trad.). Milano: Guerini, e Associati,

Mossa, Lorenzo et al. (eds.). Nuova vivista di diritto commerciale, diritto dell’economia, dinitto sociale. Milano: Grifo, 1991. Vico, Giabattista. Opere filosofiche, a cura, di P. cristofolini. Firenze: sansoni, 1971. _______. De constantia iurisprudentis, in opere giuridiche, il diritto universale, a cura di P.Cristofolini. Firenze: Sansoni, 1974. _______. De antiquissima Italorum sapientia, con traduzione italiana a fronte. Sanna Manuella & Diogene Edizione (trans.). Rome: Collana, 2005. _______. De nostri temporis studiorum ratione. A cura di: Polara Giovanni & Rozza Nicoletta. Rome: Edizioni di storia e letteratura, 2022.