Return to Article Details Book Review: The Poverty of Theory: Interrogating Cultural Studies By Wahid Ben Bouaziz

مراجعة كتاب بؤس النظرية: مساءلات في الدراسات الثقافية لوحيد بن بوعزيز

Book Review: The Poverty of Theory: Interrogating Cultural Studies By Wahid Ben Bouaziz

غزوان أرسلان

Ghazwan Arslan

الملخّص

عنوان الكتاب: بؤس النظرية: مساءلات في الدراسات الثقافية . المؤلف: وحيد بن بوعزيز. الناشر الجزائر: دار ميم للنشر. سنة النشر: 2023. عدد الصفحات: 175.

Abstract

Assistant Professor in English Literature and Comparative Literature at the Department of English Language, Sheikh Arabi Tibessi University, Tébessa – Algeria. ghazouane_arslane@yahoo.com

الكلمات المفتاحية:
  • بؤس النظرية
  • الدراسات الثقافية
Keywords:
  • The Poverty of Theory
  • Cultural Studies

عنوان الكتاب: المؤلف: وحيد بن بوعزيز. الناشر: الجزائر: دار ميم للنشر. سنة النشر: عدد الصفحات:

بؤس النظرية: مساءلات في الدراسات الثقافية.

إن ما يسمى "النظرية" في الدراسات الثقافية وما بعد الاستعمارية قد بلغ، منذ ما يقارب ثلاثة عقود الآن، أزمة فكرية ومنهجية استدعت إعادة النظر في الأسس والمسلمات والنتائج المتعلقة بالقراءات والدراسات والمفاهيم التي تولدت منها. وتلازمت هذه الريبة الفكرية مع سقوط جدار برلين وبداية عصر العولمة النيوليبرالية، وما رافق ذلك من احتفاء بنهاية عصر الدولة الوطنية والقوميات والأيديولوجيات الكبرى. كان هذا التحول الجذري مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالوضعية ما بعد الحديثة، فالعولمة التي تخطت كل الحدود حاولت فرض نمط من الإنتاج والعلاقات، يقوم على فتح المنغلق والانتصار لما يمكن أن نسميه "ثقافة العبور" على نحوٍ يطمس ويحجب التفاوت البيّن بين الشمال والجنوب وبين الواقع والنظرية. من هنا يأتي كتاب بؤس النظرية: مساءلات في الدراسات الثقافية) 2023(عن دار ميم للنشر للباحث الجزائري وحيد بن بوعزيز، ليناقش ويسائل هيمنة النظريات ما بعد الحديثة أو ما يسمى "النظرية الفرنسية" Theory French في الدراسات الثقافية ودراسات ما بعد الاستعمار، مسلطًا الضوء النقدي على مجموعة من المفاهيم والمقاربات النصية والممارسات المعرفية والثقافية المتحالفة أو المنبثقة بطريقة ما من "النظرية" في نسختها الأميركية أو الأنكلوسكسونية، أي التبيِئة الأكاديمية لفكر ما بعد الحداثة أو فلاسفة الاختلاف في أقسام الدراسات الأدبية والمقارنة في الجامعات الأميركية، وتداعيات هذا الاتجاه ما بعد الحديث في القراءة والنقد والتلقي داخل العالم الأنكلوسكسوني وخارجه.

أولا: حدود النظرية وسياقها الإمبراطوري

منذ ستينيات القرن الماضي، خرج النقد من دائرة القراءة المنغلقة على النص كوحدة مستقلة عن عالمها الذي نشأت فيه، وانفتح على نظريات ومقاربات مستمدة من حقول معرفية غير أدبية. وساهم هذا الانفتاح في إضفاء أبعاد نقدية جديدة في دراسة الخطاب الأدبي والثقافي، تنظر إليه من زاوية علاقات القوة والتمثلات الأيديولوجية للذات والآخر، بإزاء مفاهيم الطبقة والجندر، أو تكشف عن المفارقات والتناقضات القارة في لاوعي الخطاب والتي تتجاوز مؤلف النص إلى طبيعة اللغة وشبكة الخطاب. كان هذا التطور الفكري، بمعنى ما، ضرورة معرفية وتاريخية؛ إذ ألقى الضوء على كل أنواع الآخر المهمش، وحاول زحزحة المراكز الإمبريالية والكولونيالية والأبوية وتقويضها، في مناخٍ شهد بروز الحركات التحررية. ولكن هذا التطور الذي تبلور معرفيًا وسياسيًا في فكر فرانز فانون Frantz Fanon (961–19251)، ونشأ في رحم المقاومة الديكولونيالية عمومًا، أخذ صبغة ما بعد حداثوية استحال عبرها "إلى معول استخدم بطريقة ذكية في تقويض القوميات النامية والأفكار المناوئة للاستعمار بحجة الهجنة والارتفاع المبالغ فيه لآداب المنافي" (ص. 5)1 ويتساءل بن بوعزيز: "ما السبب، يا ترى، الذي جعل هذه الأفكار تتحول أشرعتها من نقد الشمال إلى الجنوب؟" (ص. 15) يستند المؤلف، في مساءلته لتأثير فلاسفة ما بعد الحداثة في تطور الدراسات الثقافية وما بعد الكولونيالية، وخاصة في الفصل الأول "أزمة النظرية الراديكالية، الإمبراطورية والمنافي

والهجنة"، على النقد الصارم والوجيه الذي وجهه مفكرون ماركسيون بارزون من قبيل إعجاز أحمد (2022–1941) وتيري إيغلتون Terry Eagleton. يُبيّن بن بوعزيز تصدى أحمد للتأثير الكبير الذي مارسته النظرية الفرنسية في الدراسات الأدبية في الولايات المتحدة الأميركية، ذلك التأثير الذي جعل من دراسة الأدب احتفاء "بالكينوني على حساب السياسي" (ص. 22)، فعاد النص للواجهة وتراجع التفسير المادي. يؤخذ على النظرية انتقائيتها لمراجعها الفكرية، وسيلانها المفهومي – إن صح التعبير – الذي صيرها عصية على التجذر الفكري. في هذا السياق، أضحى "التهجين" و"الاختلاف" ما يُحتفى به جماليًا وفكريًا في الدراسات ما بعد الكولونيالية، لكن هذا الاحتفاء غير بريء تمامًا، خاصة إذا أدركنا أننا بصدد نظرية نشأت وتطورت في سياق ثقافي مخصوص، أي السياق الأورو – أميركي، والذي يوجه مسار النقد وأهدافه حتى إن كان هذا النقد يستهدف الإمبريالية والأمركة. يتبين لنا، كما يناقش ذلك بن بوعزيز في الفصل الرابع: "التفاوض والترجمة والإمبراطورية: قراءة في مفهوم الفضاء الثالث عند هومي بابا"، أن مفهوم الفضاء الثالث يفسر حالة الثنائية الثقافية والانشطار الذي يعيشه المهاجر والمنفي المثقف، والذي يخلق حالة من القلق الإبداعي والنقدي الفذ. لكن هذه الحالة تخص فئة معينة من الكتاب والنقاد والمفكرين في المهجر أو المنفى الأورو – أميركي، والتركيز المفرط عليها يُهِمِّش معاناة المهاجر العادي والذوات ما بعد الكولونيالية القاطنة في الجنوب. لذلك، ليس من الغريب أن يكون أدب المنفى والمهجر المادة الرئيسة التي تعنى بها الدراسات الأدبية التي تنتج مقارباتها من النظريات ما بعد الحديثة وما بعد الكولونيالية. المنسي هنا هو الأدب المكتوب في الهامش، أدب الجنوب الذي لا يُرى ولا يُترجم. يجب أن نشير هنا إلى أنه لا يمكننا أن نضع إدوارد سعيد (2003–1935) وهومي بابا Homi Bhabha في الفضاء التأويلي نفسه، وهذا ما نلحظه في كتاب بؤس النظرية، رغم التقارب الفكري والحقلي والمؤسساتي بين سعيد وبابا، ورغم النقد الحصيف الذي وجهه أحمد إلى كتاب الاستشراق. نعلم أن كتاب سعيد كان حدثًا فكريًا مزلزلًا في الولايات المتحدة، وكان له دور كبير في ظهور حقل جديد هو دراسات ما بعد الاستعمار وفي التصدي للأنساق التنميطية المهيمنة في الدراسات الاستشراقية. ونعلم كذلك أنه كتاب سجالي وفيه بعض التناقضات النظرية من قبيل الجمع بين مفهوم ميشال فوكو Michel Foucault (984–19261) حول الخطاب، والذي يربط إنتاج المعرفة ربطًا عضويًا بالسلطة، وأنسنية سعيد التي تتناقض مع رؤية فوكو. ولكن هذه الأنسنية النقدية، والتي يمارسها سعيد على أنها معرفة غير مكتملة لما أنجزته الإرادة الإنسانية عبر مساءلة علمانية – تاريخية لها تروم التنوير والتحرر والعدالة، هي التي نأت به عن النظرية الراديكالية وعن التوجه النصّاني والمفرغ من البعد السياسي أو الدنيوي. لذلك، كان سعيد من نقاد النزعة التي أعلنت موت السرديات الكبرى، وخاصة تلك المتعلقة بالتحرر، ورأى في هذه النزعة نكوصًا للفكر ما بعد الحداثي

(1) Edward Said, Humanism and Democratic Criticism (New York: Columbia University Press, 2004), pp. 11, 22.

Edward Said, The World, The Text and the Critic (London: Vintage, 1991 [1983]).

الذي بدأ مساره بتوهج نقدي بارز وانتهى إلى نفي فعالية الفرد والمثقف في مقاومة كل أنواع السلطة. وهذه نقطة مهمة لا يناقشها بن بوعزيز في بؤس النظرية. بغض النظر عن هذه الجزئية التي أعتبرها مهمة، فإن المثير للانتباه في بؤس النظرية هو وعي الكاتب بالظرفية التاريخية والثقافية والمعرفية التي ساهمت في نشوء النظرية في الدراسات الأدبية والثقافية المعاصرة. فهذه النظرية، بوصفها اتجاهًا في القراءة والتأويل يروم تفكيك الثنائيات وتعطيلها (مركز/ هامش، متسعمِر/ مستعمَر، عقلانية/ غريزة، وغير ذلك) وتبيان الطابع البنائي وغير الطبيعي – أي الوهمي والسيولي – لكل ما يعبر عنه الخطاب علانية أو ضمنًا، كانت ملازمة ومصاحبة للتوسع الإمبراطوري الأميركي الذي حاول إضعاف كل القوميات والخصوصيات وفرض رؤية متجانسة تقوم على إنتاج انسان عالمي (أو لنقل أورو – أميركي) ترحالي وعابر للحدود. ورغم أن هذا التلازم لم يكن جلًّيًا بادئ الأمر، فإنه كان يغذي خطابًا عالميًا ما بعد حداثيًا يتعامى في كثير من الأحيان عن الشروط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أنتجته، فيهمش واقعًا معيشًا هو واقع الصراع والصدام الذي يتسم به عالم الثقافة المرتبط بالسياسة والاقتصاد على المستويين المحلي والعالمي. ويهمش أيضًا خصوصية الهامش الذي يُنظر إليه من زاوية متروبوليتانية، أي من زاوية ارتباطه بالمركز، لا من حيث تنوعه الداخلي وصراعه الذاتي مع تحديات محلية وكونية. ورغم أن بوعزيز نقد النظرية الراديكالية، فإنه لم يسقط في فخ الانغلاق الماركسي، بل ذكّر – وهذا توجه إنصافي نبيل نلاحظه في ثنايا الكتاب – بأنه "هنالك أفكار مهمة كانت محل نقاش أطلقها جاك دريدا Jacques Derrida (2004–1930) حول تفكيك المركزية الأوروبية وحول مفهوم بين–الآخر entre ­ autre والضيافة والصفح المستحيل، وأفكار مهمة أخرى ساهم في زرعها فوكو حول تفريقه بين التاريخ العام والتاريخ الشامل، ومقولته حول البيوسياسي وخاصة مفهومه حول الخطاب الذي ساعد كثيرًا من النقاد الثقافيين في اكتشاف المسكوت عنه وتحسس مواقع الهيمنة والسلطة" (ص. 60)–59

ثانيًا: في سياسات الذاكرة

من هنا نعتقد أنّ ما جعل المؤلف يلج موضوعًا حساسًا ومربكًا إنما هو إشكالية التاريخ والذاكرة والصفح في الفصل الثاني "في الذاكرة، سياسة الغفران وعوائق الاعتراف"، وخاصة أن موضوع الذاكرة كان وما يزال محل اهتمام في الدراسات الثقافية، تحت أسماء دراسات الذاكرة ودراسات الصدمة أو Trauma. يُذكّرنا بن بوعزيز بأن علينا التفريق بين التاريخ والذاكرة، وهو فرق لا يُنتبه إليه أحيانًا حين تجري مناقشة قضايا التاريخ المحلي أو الرواية التاريخية. فإذا كان التاريخ هو مجال المؤرخ الموضوعي، فإن الذاكرة تعمل على المستويين الفردي والجماعي بوصفها ذاتية، أي أكثر حيوية وخطورة. مع ذلك، تبقى الكتابة التاريخية العلمية خاضعة لتأطيرات وتأثيرات قبلية وظروف ذاتية ومنهجية تجعلها محل مراجعة دائمة. حيوية الذاكرة، كونها ليست أرشيفًا ووثائق، بل تجربة معيشة ل "عمل التاريخ" وتمظهراته في الحاضر، تجعلها محل دراسة شديد الحساسية، لا سيما في ضوء التطورات والتحولات والصدمات الهائلة التي اختبرتها شعوب وطبقات وفئات مختلفة من البشر في القرن العشرين، والتي أنتجت ريبة جذرية أو جزئية من مشروع الحداثة.

باتت الذاكرة، بسبب ذلك، محل جدال وصراع كبيرين، يناضَل من أجلها ويتاجَر بها، ولنا في محرقة اليهود الشنيعة مثال جليّ على ذلك، فحجم جريمة المحرقة أكبر من أي صفح كما يرى الفيلسوف الفرنسي اليهودي فلاديمير 985.)1 ولكن هذه الجريمة التي أنتجتها معاداة الساميّة في أوروبا، أضحت بعد الحرب العالمية الثانية 945–1939(1) سلاحًا استغل الضمير الليبرالي الشقي لأوروبا، حيث تتهم الصهيونية كل من ينتقد سياسات إسرائيل الاضطهادية بمعاداة الساميّة. أما في سياق الصفح، فيناقش بن بوعزيز ذلك بالرجوع إلى دريدا وبول ريكور Paul Ricœur (2005–1913)، فإن كان دريدا – وهو فيلسوف ذو مرجعية يهودية ولد في الجزائر – يرى على نقيض يانكلفيتش أنّ الصفح لا يكون ممكنًا إلا في استحالته، وإلا فما معنى أن نصفح عما يمكننا الصفح عنه، فإن ريكور لا يرى الصفح ممكنًا إَّلا ب "أن نحب بطريقة مطلقة" (ص. 76)؛ إذ لا يمكن الجمع بين العدالة والصفح، وهذا مفهوم ثيولوجي. لكن ريكور يحذر من تسييس مسألة الصفح، فالتسييس قد يضلل هذه المسألة الأخلاقية الكبرى بأحجبة الجماعوية والمصلحة السياسية الضيقة والشعبوية والتتفيه والدرامية. مهدت مناقشة أفكار ريكور في هذا السياق لابن بوعزيز طرق مسألة الذاكرة بين الجزائر وفرنسا. فالتاريخ الاستعماري محل جدال معقد وتوظيفات سياسية وأيديولوجية متشعبة. ونلاحظ هنا إلمام بن بوعزيز بنتاج المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا Benjamin Stora، المتخصص في تاريخ الجزائر والثورة الجزائرية، والذي كُلّف بمهمة كتابة تقرير حول الذاكرة الفرنسية الجزائرية. بعد عرضه لاقتراحات ستورا في تقريره "قضايا الذاكرة المتعلقة بالاستعمار وحرب الجزائر"، والسياق الذي كتبت فيه، شدد بن بوعزيز على الواقعية في تحديد أرضية المصالحة، مذكرًا بأن التبعية الجزائرية الاقتصادية لفرنسا بعد الاستقلال، وهو إرث استعماري، من شأنها أن تؤجل أي مصالحة ذاكرتية، وهذه نقطة مهمة ومنسية في النقاشات التي تدور حول الذاكرة. ورغم أن تعامل فرنسا مع الجزائر لا يزال يشوبه نمط كولونيالي من التفكير، كما يشير إلى ذلك بن بوعزيز، ورغم أن "فكرة المصالحة تقتضي الندية بين الضفتين وتحتاج إلى عمل طويل وجهد مضن" (ص. 86)، فإن المصلحة السياسية وعلاقة القوة غير المتكافئة بين البلدين ستكون دائمًا بالمرصاد لأي مصالحة ممكنة. وعلينا أن نُقرّ بأن الذاكرة الجماعية لا يمكنها أن تكون فعالة وخادمة للحاضر إلا إذا كانت دولة ما بعد الاستعمار قوية ومتصالحة مع ذاتها. وهذا ما لم يتأَّتَ، لا لأن أزمات ومشكلات محلية مُركّبة حالت دون ذلك، بل لأنه من مصلحة النيوكولونيالة أن تبقى دول ما بعد الاستعمار تابعة، فهل يستطيع التابع أن يكون ذا فعالية تاريخية تجعله يتملك ذاكرته ويوظفها إيجابيًا؟

ثالثًا: سياسات الترجمة الأدبية وسؤال الهيمنة الثقافية

يأخذنا سؤال التّابع إلى مجال الأدب العالمي والترجمة بين ضفتي الشمال والجنوب. تكتسي الترجمة، في سياقنا المعولم، أهمية بالغة وحرجة. يخصص بن بوعزيز الفصل الثالث

الموسوم "إستراتيجية الترجمة بين ضفتين، لعبة التفاوض والتعارض"، لمناقشة إشكالية الترجمة وعلاقتها بالغيرية؛ وهذا مجال دراسة ثري ومثير للاهتمام في دراسات الأدب المقارن المعاصر. يشير بن بوعزيز إلى أنّ "الانتقال من ثقافة إلى أخرى يفتق الكثير من الأسئلة حول استراتيجية التحيزات الحضارية وآليات الضيافة النصية وكيفية اشتغال ثقافة الاعتراف. فالترجمة كفعل عبر ثقافي يمكن أن تكون مرتعًا لتبيّن الخلفيات المتوارية وراء هذا الفعل والأسباب التي دفعت المترجم إلى اختيار هذا النص دون غيره، ومدى تقبل ورفض الثقافة لغيريتها ومدى تواجد فعل الاعتراف بين زمنين ثقافيين" (ص  88 إن). التّواصل بين موقعين ثقافيين متباينين يجري غالبًا عبر الترجمة، والترجمة ثقافية بالضرورة، خاضعة لنمط العلاقة بين ثقافة وأخرى، وهو نمط تغلب عليه الهيمنة وعدم التكافؤ فيما يخص علاقة الشمال بالجنوب. في هذا الإطار، أدّى الاستشراق دورًا بارزًا في ترجمة الشرق واستيعابه، بل إنتاجه في الغرب، وكان سعيد قد أبان عن ترسانة من الصور النمطية والخلفيات الثقافية العنصرية التي حكمت منطق ترجمة هذا الشرق (أي فهمه وتأويله وتبيِئته) على نحو لا يجعله خاضعًا لسلطة الغرب عليه، فحسب، بل متاحًا للاستهلاك الثقافي عبر منطق غرائبي. إن التاريخ الثقافي العالمي الحديث، الذي أدّى فيه الاستشراق دورًا بارزًا، لا يزال يؤثر في أشكال التواصل الأدبي عبر الترجمة من لغة جنوبية إلى لغة إمبراطورية، والذي تتقاطع معه مسائل إشكالية مثل الاعتراف والمقروئية والكونية والتأويل عبر الثقافي. عالج بن بوعزيز هذه المسألة بتناوله رواية أسطورة الإنسان والبحيرة للكاتبة القطرية دلال خليفة التي ترجمت إلى الفرنسية بعنوان La fable du lac، وهو مثال جيد بيّن، وقد ناقش من خلاله سياسات الترجمة والخلفيات الثقافية المضمرة التي أفضت إلى اختيار ترجمة هذا النص والكيفية التي تُرجم بها. فالترجمة تخضع لأفق من التلقي تكَّوّن في ذهن القارئ الفرنسي الذي يعرف النزر اليسير عن الموروث العربي، والذي تشكلت حوله صور نمطية لا واعية تحت تأثير الاستشراق وما أنتجه من معرفة عامة عن هذا الموروث. كشفت لنا قراءة بن بوعزيز لرواية أسطورة الإنسان والبحيرة عن بنيتها التي تقوم على ثنائيات من قبيل أسطوري/ واقعي، ذكورة/ أنوثة، مقاومة/ خنوع، وهي أنساق ساهمت، إضافة إلى طابع النص العجائبي، في ترجمته أو لنقل جعِله قابلًا للترجمة في الثقافة الفرنسية. وفي هذا الصدد، يلاحظ بن بوعزيز "أن ترجمة عنوان النص ب: La fable du lac يعدّ من قبيل التشويه التأويلي الذي يتلاءم مع القوالب الجاهزة التي ينعت بها الشرقي في العقلية الغربية. إن كلمة خرافة المقابلة لكلمة Fable تقتضي فرض نمطية معينة وتشريط قراءاتي، بحيث يجد المتلقي الفرنسي نفسه وفق معطيات مستمدة من خرافات لافونتين وسجلات ألف ليلة وليلة الاستشراقية. في حين لو أبقى المترجم كلمة Mythe المقابلة للكلمة العربية أسطورة، لكان أقرب إلى فهم النص ما دامت الأسطورة تختلف عن الخرافة جوهريًا من حيث الأهداف النصية، فالأسطورة وظيفتها الأساسية هي تفسير الظواهر الطبيعية والبشرية، في حين نجد أن الخرافة لها وظيفة العظة والإرشاد. حينما نقرأ الرواية نكتشف أن ديدان الروائية هو تفسير ظاهرة النرجسية وليس الوعظ" (ص 9–118.)11 يؤكد بن بوعزيز في مناقشته علاقة نسَقَي الذكورة والطغيان بالترجمة،

بأن الأخيرة تعيد إنتاج صور نمطية غربية عن الشرق، وهذا ليس لأن الكاتبة اختارت ذلك، بل لأن "اللاشعور النصي لا يرحم حينما ينتقل إلى فعل الترجمة" (ص. 20)1 وما يتسم به تحليل بن بوعزيز هو بعده عن السجالية وإطلاق أحكام أخلاقية، وهو ما نلاحظه أحيانًا في كتابات بعض النقاد ما بعد الكولونياليين في الولايات المتحدة. فهو يميّز بين بنية النص الفنية وسياقه الأصلي من جهة، وبين التحول الدلالي الذي يطرأ عليه حين تجري ترجمته إلى لغة إمبراطورية من جهة أخرى. نحن بصدد مستويين مختلفين من القراءة، ولكنهما متلازمان حين تكون القراءة ذات طبيعة مقارنة. وهذا درس مهم للمشتغلين بحقل الأدب المقارن والعالمي اليوم. وكما بيّن بن بوعزيز، اعتمادًا على روبنسن دوغلاس Douglas Robinson وكتابه الترجمة والإمبراطورية، وهو من الدراسات التي جعلها كتاب الاستشراقلسعيد ممكنة، أن الترجمة تؤدي دور الوسيط في هيمنة ثقافة إمبراطورية على ثقافة هامشية أو محلية، وأن الأخيرة تفهم ذاتها خلال الاستعمار وغداته عبر مقولات الثقافة الإمبراطورية حولها. وحدها ترجمة ثقافية مضادة، كما يؤكد بن بوعزيز، يمكنها تحرير الثقافة من هذه الهيمنة. إلا أنه يجب التنويه هنا أن هذا الفعل الترجمي المقاوِم لا يمكن فصله عن إنتاج معرفة في الجنوب تتملك تاريخها وما يُترجَم إليها وتتجاوزه، محاولة التأثير لا التأثر فقط. إن هذا ليس مطلبًا ديكولونياليًا فحسب، بل ضرورة معرفية نروم من خلالها إنتاج مفاهيم تأويلية وتفسيرية في الدراسات الثقافية ومجال الإنسانيات والاجتماعيات عمومًا قابلة للكوننة.

رابعًا: إنتاج المعرفة والصراع الفكري، إمكانات ديكولونيالية

إن مسألة إنتاج معرفة نظرية في الجنوب يشير إليها كتاب بؤس النظرية ولا يلج فيها. وهذا مردّه ربما طابع الكتاب النقدي الذي يراجع ويناقش نظريات ومفاهيم مهمة في الدراسات الثقافية اليوم، ويطرح سؤال الترجمة في إطار معرفي امبراطوري يوجه بوعي أو بغير وعي ما يترجم من الشمال إلى الجنوب أو العكس. فالاحتفاء الكبير بفكر ما بعد الحداثة عند مثقفينا، وفق بن بوعزيز، جاء على حساب ترجمة الفكر الذي تصدى للمد العولمي النيوليبرالي: "إن مثقفينا يعرفون جيدًا ديريدا وفوكو وبودريار وجيل دولوز أكثر مما يعرفون لوي ألتوسير وتيري إيغلتون وإتيان باليبار وأنطونيو نغري" (ص. 70)1 لا أحد يمكنه إنكار ذلك، ولكن لا أحد يمكنه أيضًا تجاهل مساهمات عبد الله العروي وعزيز العظمة، مثلًا، في نقد التوجه ما بعد الحداثي من زاوية عقلانية لها بعد نقدي ذو راهنية محلية وكونية، أو في إنتاج معرفة نظرية أو فحص نقدي لمفاهيم تبلورت في الغرب الحداثي وارتحلت إلينا وتوطدت على نحوٍ ما في عالمنا الحديث والمعاصر. ولا أحد يمكنه أيضًا تجاهل مساهمات عبد الكبير خطيبي، صاحب النقد المزدوج، في بلورة علم اجتماع مستقل وفكر نقدي مغاير، أو ديكولونيالي، ينهل من فلاسفة

Aziz al–Azmeh, Islams and Modernities , 3 rd ed. (London/ New York: Verso, 2009).

الاختلاف ولكنه لا يسقط في فخ النصانية المفرطة أو الاحتفاء المبالغ فيه بالهجنة وآداب المنافي. ومع أن بن بوعزيز لم يرجع إلى المفكرين العرب الآنف ذكرهم، فإنه رجع إلى المفكر الجزائري مالك بن نبي (973–19051)، وحاول قراءة بعض أفكاره من منظور ما بعد استعماري في الفصل الأخير من الكتاب، وخاصة في ظل غياب بن نبي المزعج في الدراسات الاستعمارية وتغييبه الأيديولوجي بسبب تلقي أعماله في أفق يربطه بالإسلام السياسي. يؤكد بن بوعزيز أنه رغم ارتباط بعض مقولات بن نبي التفسيرية بفترة الاستقلال وظرفيته، فإن فكره قابل للاستئناف "بتعميقه ومساءلته وإعادة إنتاجه وفق أسئلة راهنة" (ص. 48)1 لقد غيرت الإمبراطورية من طبيعتها، فأصبحت ذات طابع عولمي وسياسة حيوية، ولكن هذا لا يغير من طبيعة الجدل والصراع الفكري والثقافي الذي بدأ في عهد الاستعمار التقليدي. من هنا تركيز بن بوعزيز على ثلاثة عناصر مهمة في فكر بن بني، وهي المنهج والمَنافي والمرأة. فالمنهج، كما يرى بن نبي، لا بد أن يتسم بالفاعلية والنقدية الذاتية إذا أراد علم الاجتماع أن يكون صارمًا ومؤثرًا في تصديه لأمراض ما بعد الاستعمار. أما فيما يخص المنفى، فيذكرنا بن بوعزيز أن بن نبي كان يقارب مسألة الهجرة والاندماج بنوع من الربية والحذر، وهذا ما يجعله بعيدًا عن مقولات الهجنة والفضاء الثالث وأقرب إلى مفهوم "الغياب المزدوج" لعالم الاجتماع الجزائري عبد المالك صياد حول المهاجر، أي أقرب إلى الواقعية. وبخصوص المرأة، تركز قراءة بن بوعزيز لبن نبي على مسألة الوعي بالظرفية التاريخية والثقافية ونبذ الانعزالية في نجاح أي حركة نسائية محلية، فليست هناك حركة نسوية عالمية بل إننا بصدد حركات نسوية متعددة، كُّلُ منها له طابعه الخاص، وهذا الطابع الخاص هو الذي يحمي أي حركة نسوية من الهيمنة الثقافية. وملخص القول أن فكرة الصراع هنا حددت الإطار الذي أثث فكر بن نبي، فكان أقرب إلى الفكر الديكولونيالي منه إلى الفكر ما بعد الكولونيالي، رغم الطابع الأخلاقوي التي تتسم به بعض كتاباته. لذلك، يتبين لنا أن صراع الأفكار هو واقع إيجابي وضرورة معرفية إذا أدركنا ما يقتضيه ذلك من إلمام بمسارات الفكر ومآلاته وتوظيفاته المختلفة وظرفيته التاريخية. فأن تفكر مع بن نبي لا يعني أن تفكر بمقولاته، بل أن تعي أنه انطلق من فرضية الصراع الفكري واقعًا فرضته الكولونيالية وما بعدها. فكان لزامًا أن نعي ذلك ونحن نفكر في واقعنا المحلي والعالمي من منظورنا المشروط بهذا التاريخ الاستعماري والحاضر الإمبراطوري، الذي يفرض علينا وعيًا نقديًا بما يأتي إلينا أو يُترجم عنا.

خامسًا: ما بعد النظرية؟ النقد وخطاب الأدب العالمي

الغائب الأكبر عن بؤس النظرية هو خطاب الأدب العالمي، وما أعنيه هو ذلك التطور الأكاديمي في الولايات المتحدة والعالم الأنكلوسكسوني في العقدين الأخيرين نحو الأدب العالمي نمطًا من القراءة للأدب، أي لعالمية الأدب في ترحاله ونمط توزيعه من بيئة ثقافية إلى أخرى عبر الترجمة، كما يؤكد ذلك ديفيد دامروش، أو تجسداته الدلالية والرمزية في انتقاله الإشكالي

(6) David Damrosch, What is World Literature? (Princeton: Princeton University Press, 2003), pp. 4–5.

بين الفضاء القومي والفضاء العالمي، وتأثير ذلك في تشكل معتمد Canon للأدب العالمي يضيق ويتوسع بإزاء موقع ونمط إنتاجه وانتقائه واعترافه بالآداب "الهامشية". إن استئناف خطاب الأدب العالمي في المجال الأكاديمي اليوم يتجه عدة اتجاهات يمكن أن نسميها ما بعد نظرية. فهناك سوسيولوجيا الأدب العالمي مع باسكال كازانوفا في كتابها الجمهورية العالمية للآداب 999(1)، المترجم للعربية، والتأثير الملاحظ لمنهج بيار بورديو في فهمها لعالم الأدب ونمط التعاملات داخله و"الاقتصاد الخاص" به. وهناك رؤية نقدية أخرى مع إيميلي آبتر في كتابها ضد الأدب العالمي: في سياسة عدم القابلية للترجمة

والذي يلقي الضوء على الترجمة وما يستعصي على الترجمة في إنتاج خطابات ومعتمدات الأدب العالمي، وهذا داخل في سياسات الاعتراف والغيرية. ولا ننسى أمير مفتي في كتابه انسَ الإنكليزية: الاستشراق والآداب العالمية Literatures، الصادر سنة 2016، وكشفه عن دور الاستشراق في بروز مفهوم ومعتمدات الأدب العالمي في الغرب الأنكلوسكسوني وتشكلها، منذ أوائل القرن التاسع العشر، وهو كتاب ذو اتجاه نقدي تاريخي يمعن النظر في دور الترجمة وهيمنة اللغة الإنكليزية والمؤسسات الأكاديمية والأدبية والمكتبات الوطنية في بلورة ملامح "الأدب العالمي" داخل العالم الأورو – أميركي وخارجه. إن هذه النقاشات الثرية والسجالية أحيانًا تدعونا للاطلاع عليها والمشاركة النقدية فيها من موقعنا نحن في ونحو العالم؛ وهذا أمر يمهد له كتاب بؤس النظرية بالنظر إلى وعيه النقدي بخطورة الترجمة بين ضفتي الشمال والجنوب. إن الترجمة لدينا، كما يشدد على ذلك بن بوعزيز في نهاية الكتاب، يجب أن ترتبط بمنطق الأولوية؛ إذ علينا أن نفكر في "سياسات الترجمة التي تراعي بأن العالم يعيش في حرب فكرية" (ص. 701)، أضف إلى ذلك أن نقادًا بارزين مثل عبد الفتاح كيليطو قد طرقوا هذا الباب، فكيليطو يذكرنا في عدة مواضع في كتاباته المهمة بأن الترجمة قد تَرجُم النص الأصلي وتقتله، أو أن تعُّذُر ترجمة النص العربي الكلاسيكي قد أدى إلى تكوّن صورة مبتورة عن الأدب العربي في نقاشات الأدب العالمي والمقارن، أو أن بعض الكتاب العرب المعاصرين يكتبون وبالهم منشغل بالترجمة المحتملة لنصوصهم، أي إنهم يكتبون على نحو يُسِهِّل الترجمة إلى اللغات الغربية، وكلها تبصرات لها علاقة بالأدب العالمي وتجلياته اليوم. إن الوعي بخطورة الترجمة يستلزم وعيًا بطبيعة النصوص والأفكار وسياقاتها التي نشأت فيها، وما يمكننا أن نفعل بها نقديًا وإبداعيًا في ظل ظروفنا نحن وتطلعاتنا المعرفية، بل وعيًا بما تفعله الترجمة بفهمنا واعترافنا بالنصوص وهي ترتحل من بيئة ثقافية إلى أخرى، سواء أكانت النصوص عربية أم أجنبية. إن بؤس النظرية يعزز هذا النمط من التفكير النقدي، والذي يستدعي مساهمات ونقاشات أخرى في هذا الاتجاه تساهم في نزع الأسطرة والاختزالية عن فهمنا لعالم الثقافة والأدب.

المراجع

العربية

ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة جورج زيتاني. بيروت: دار الكتاب الجديد،.2009 العروي، عبد الله. الأيديولوجيا العربية المعاصرة. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، _______. نقد المفاهيم. الدر البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي للكتاب،.2018

كازانوڤا، پاسكال. الجمهورية العالمية للآداب. ترجمة أمل الصبان. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، كيليطو، عبد الفتاح. أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية. ترجمة عبد السلام بنعبد العالي. الدر البيضاء: دار توبقال للنشر،.2013

الأجنبية

References