Return to Article Details Legal Positivism and the Relativity of Values: Rights and Justice Between Hans Kelsen and Norberto Bobbio

الوضعانية القانونية ونسبية القيم: الحقّ والعدالة بين هانز كلسن ونوربرتو بوبيو

Legal Positivism and the Relativity of Values: Rights and Justice Between Hans Kelsen and Norberto Bobbio

نبيل فازيو *

Nabil Fazio *

الملخّص

ليس الهدف من هذه الدراسة التأريخ لتناول فلاسفة القانون لمفهوم العدالة، وإنما تبيّن فرادة مقاربة فلسفة القانون لهذا المفهوم في السياق المعاصر، من خلال الوقوف على ما أفرزه السجال مع ممثلي النزعة الوضعية القانونية من تصورات. وذلك من خلال استشكال تأويل نوربرتو بوبيو وخائيم بيرلمان لوضعانية هانز كلسن القانونية؛ إذ لم يأت اختيار هذه الأسماء مصادفةً، بل حملنا عليه أنّ كل واحد منهم يقعّد لـ "بردايم" خاص في مجال فلسفة القانون المعاصرة عامة. يمثل كلسن تيار النزعة القانونية الوضعية في أوضح تجلياته، أما بوبيو فيمثل بردايمًا في فلسفة القانون ينهل من النزعة الوضعية على المستوى المنهجي، لكنه يتبرّم بها على مستوى تصوّره لمضمون القانون والمفاهيم المتناسلة عنه كالعدالة وحقوق الإنسان، مع اعتداده بالتحليل المنطقي - اللغوي للمفاهيم القانونية الكبرى المنتظمة للعقل العملي كما هو واضح من مقاربته لمفاهيم العدالة، والمساواة، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، في حين يذهب بيرلمان بعيدًا في نقد التصورات الوضعية للقانون والعدالة (رغم تحدّره من دوائر الوضعية القانونية ونزعتها الصورية)، مدافعًا عن بردايم العقل الحجاجي الذي أسّسه على نموذج "عقلانية القاضي" ومنطقها القانوني، محدثًا بذلك "منعطفًا" حجاجيًا (بلاغيًا) في تاريخ التفكير الفلسفي القانوني في العدالة.

Abstract

Abstract: The aim of this study is not to chronicle how philosophers of law have approached the concept of justice, but rather to examine legal philosophy’s unique approach to this concept in the contemporary context by considering perspectives that emerged from the debate with its proponents. Specifically, this study discusses the interpretations of Kelsen’s legal positivism by both Bobbio and Perelman. The choice of these figures is deliberate, as each represents a foundational paradigm in contemporary legal philosophy. Kelsen epitomizes the purest form of legal positivism, whereas Bobbio represents a paradigm that, while methodologically rooted in positivism, diverges in its understanding of the content of law and

الكلمات المفتاحية:
  • الوضعانية القانونية
  • نسبية القيم
  • الحق
  • العدالة
  • هانز كلسن
  • نوربرتو بوبيو
Keywords:
  • Legal Positivism
  • Relativity of Values
  • Rights
  • Justice
  • Hans Kelsen
  • Norberto Bobbio

فرادة مقاربة فلسفة القانون لهذا المفهوم في السياق المعاصر، من خلال الوقوف على ما أفرزه

السجال مع ممثلي النزعة الوضعية القانونية من تصورات. وذلك من خلال استشكال تأويل

نوربرتو بوبيو وخائيم بيرلمان لوضعانية هانز كلسن القانونية؛ إذ لم يأت اختيار هذه الأسماء

مصادفةً، بل حملنا عليه أنّ كل واحد منهم يقعّد ل "بردايم" خاص في مجال فلسفة القانون

المعاصرة عامة. يمثل كلسن تيار النزعة القانونية الوضعية في أوضح تجلياته، أما بوبيو فيمثل

بردايمًا في فلسفة القانون ينهل من النزعة الوضعية على المستوى المنهجي، لكنه يتبرّم بها

على مستوى تصوّره لمضمون القانون والمفاهيم المتناسلة عنه كالعدالة وحقوق الإنسان،

مع اعتداده بالتحليل المنطقي – اللغوي للمفاهيم القانونية الكبرى المنتظمة للعقل العملي

كما هو واضح من مقاربته لمفاهيم العدالة، والمساواة، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، في

حين يذهب بيرلمان بعيدًا في نقد التصورات الوضعية للقانون والعدالة (رغم تحدّره من دوائر

الوضعية القانونية ونزعتها الصورية)، مدافعًا عن بردايم العقل الحجاجي الذي أسّسه على

نموذج "عقلانية القاضي" ومنطقها القانوني، محدثًا بذلك "منعطفًا" حجاجيًا (بلاغيًا) في

تاريخ التفكير الفلسفي القانوني في العدالة.

Professor of Political Philosophy, Hassan II University, Casablanca, Morocco. philofaziou_nabil@hotmail.com

associated concepts like justice and human rights. Bobbio emphasizes the logical– linguistic analysis of major legal concepts central to practical reason, as evident in his treatment of justice, equality, human rights, and democracy. Perelman, on the other hand, goes further in critiquing the positivist conceptions of law and justice (despite his positivist origins), advocating for a paradigm of argumentative reason grounded in the rationality and legal logic of judges. This approach marks a rhetorical turn in the philosophical discourse on justice.

مقدمة

يقول بونوا فريدمان في معرض تمييزه بين الفلسفة السياسية وفلسفة القانون: "تمثّل فلسفة القانون بالنسبة إلى الِّسِلم ما تمثله الفلسفة السياسية بالنسبة إلى الحرب [...]. وتتّخذ الفلسفة

السياسية من السلطة موضوعها الرئيس، وهي تنظر في الشروط القبلية الممهدة للمشروعية، وتعمل على رسم حدودها وبيان الأخطار المترتبة على خرقها [...]. أمّا مقاربة فلسفة القانون فتندرج في إطار

النقاش الدائر بين المواطنين أنفسهم حول بنود العقد الاجتماعي؛ أي في إطار بحثٍ مشترك يعنى بشروط الاقتسام العادل لخيرات الحياة العمومية كما لنفقاتها، وكذا بآليات تصريف قوّة السلطة في

صالح الحقوق عامّة، وخاصةً منها حقوق كل فرد. فاهتمامها الأساسي يتعلق بالعدالة وقواعدها".

يشي هذا القول بأنّ مقاربة فلسفة القانون للعدالة أتت ل تتجاوز الرؤية الحاكمة للفلسفة السياسية المهجوسة بسؤال السلطة والهيمنة، وأبت إلا أن تُبلور منظورًا خاصًا للتفكير في العدالة يكون فيه

القانون ركيزته الأساسية. ولا شكّ في أنّ نظرية هانز كلسن Hans Kelsen (973–18811) تمثّل منعطفًا

فريدًا في مسار فلسفة القانون المعاصرة؛ فإضافة إلى أنها سعت إلى بلورة فهمٍعلمي دقيق للقانون، واتخذت منه منطلقًا للتفكير في أهمّ القضايا السياسية التي تستوقف وعي الإنسان المعاصر، فإنها

غدت عند مجايليه واللاحقين عليه أفقًا فكريًا لا محيد عن السير فيه لبناء "فلسفة القانون". لذلك،

تحضر نظرية كلسن عند دعاة الوضعانية القانونية كما عند نقّادها، وهو ما يُستشفّ من تناول فلاسفة

القانون المعاصرين لسؤالَي الحقّ والعدالة؛ إذ يمكن القول إنّ أنظارهم في هذين المفهومين كانت،

على نحو ما، ردّ فعلٍعلى نسبية كلسن المعيارية، وهذا ما نلفيه، على سبيل المثال لا الحصر، عند نوربرتو بوبيو (004–19092)، وخائيم بيرلمان (984–19121)، ولويجي فيرايولي. فقد انتقد بوبيو مذهب القانون الطبيعي وعمل على الكشف عن الرؤية الميتافيزيقية المحايثة له، معتبرًا أنّ الأفق

الوحيد المتاح أمام تطوير فلسفة في القانون هو تأسيسها منهجيًا على المذهب الوضعي، نظرًا إلى

ما يتيحه من فهم صارم للقانون والأسئلة العلمية المتعلّقة به كالعدالة والحّق. لذلك، رأى في المنظور

(1) Benoît Frydman & Guy Haarscher, Philosophie du droit (Paris: Dalloz, 1998), p. 1. (2) Norberto Bobbio, Teoria general de la politica (Madrid: Trotta, 2009), p. 93; Stamatios Tzitzis, introduction à la philosophie du droit (Paris: Vuibert, 2011), p. 6. (3) Norberto Bobbio, El problema del positivismo Juridico , Filosofia del derecho y politica (México: Biblioteca de Etica, 2007), p. 19.

الوضعي، من الناحية المنهجية على الأقل، ضمانةً للنظرة العلمية الصارمة إلى القانون، ليس لأنه يتبرّم بالمقاربة الفلسفية المغرقة في المثالية والبعيدة عن الواقع فحسب، وإنما أيضًا لأنّه يضفي على

القانون النسبية اللازمة لتنكّب صنوف الاستبداد الثاوية في التصورات المطلقة للقيم. ولذلك، يتجاوز بوبيو المستوى المنهجي للموقف الوضعاني، وينفتح على مضمون القانون والحقّ كلما وجد نفسه ملزمًا بالانتقال من مستوى التقعيد الإبستيمولوجي إلى التفكير في الترجمة الواقعية للحقّ والقانون. لكنه لم يكن مقتنعًا بإمكان لزوم "الحياد المعرفي" الذي تفرضه الوضعانية في مجال القيم، نظرًا إلى

حساسية الأسئلة العملية وصلتها بالعيش المشترك ومصيره، ما حمله على مراجعة البردايم القانوني الوضعي كما صاغه كلسن، وجرّه إلى مجال السياسة ومداراتها. يعنينا من هذا النّقد أسسه المعرفية ومقاصده الحقوقية التي تكشف عن قيمة الوضعانية القانونية، وإمكانية الإفادة منها في بناء المفاهيم الأساسية للعيش المشترك في ضوء الرهان المعاصر على دولة

الحق. فنحن لسنا أمام نقدٍ يتغيّا التشنيع على المذهب الوضعي، بقدر ما يهدف إلى الإفادة منه في فتح

آفاق جديدة أمام فلسفة القانون في السياق السياسي والاجتماعي المعاصر. وتثوي وراء هذا الحوار مع الوضعانية القانونية محاولةٌ لمراجعة أسس العقلانية الفلسفية الكلاسيكية وإرساء دعائم نموذج مغاير للعقلانية العملية يستند إلى النسبية المعيارية ويتنكّب معاطب العقل العملي الكلاسيكي، ويسعى إلى تجنّب العنف وترسيخ ثقافة الاعتراف بالحقّ. لذلك، أمكن اعتبار مقاربة فلاسفة القانون

المعاصرين، المتحدّرين من الوضعانية القانونية، رَّدَ فعلٍعلى النقد المعاصر للعقلانية، وخطوةً في طريق إعادة بنائها في ضوء شروط "جديدة" باتت تحكم رؤية الإنسان المعاصر إلى الحقّ والعدالة. إننا

أمام منعطفٍ مهم في تاريخ تشكّل "البردايم القانوني" الذي لا يمكن الذهول عن دوره في فهم العدالة وصلتها بالمجتمع وتصوّره الحقّ والقانون كما بيّن يورغن هابرماس. من هذا المنطلق، تكرّس هذه الدراسة للتفكير في الإشكالية التالية: كيف مثلت وضعانية هانز كلسن

القانونية أساسًا معرفيًا للتفكير في العدالة والحق في سياق البردايم القانوني المعاصر؟ وكيف أفاد بوبيو

من هذه الوضعانية في بناء تصوّره للعدالة والحق؟ وبأيّ معنى تفتح الوضعانية القانونية الباب أمام إرساء قواعد عيش مشترك على مقتضى التعدّد والاختلاف والتسامح؟

أولا: كلسن والبناء الإبستيمولوجي للمنظور الوضعي القانوني

يكمن الغرض الأعمّ لنظرية كلسن في بناء منظور علمي قادر على القطع مع التصورات الفلسفية التي لم تفلح في مدّ الوعي الإنساني بفهم علمي دقيق للقانون كما للأسئلة العملية المتعلقة به، وهذا

(4) Isidro Cisneros, Norberto Bobbio: De la razon del estado al gobierno democratico (Mexico: Instituto Electoral, 2014), p. 256. (5) Bobbio, El problema del positivismo Juridico , p. 22. (6) Jürgen Habermas, Droit et démocratie: Entre faits et normes , Rainer Rochlitz & Christian Bouchindhomme (trad.) (Paris: Gallimard, 1997), p. 418.

ما فرض تأسيس نظريته تلك على نقده لمذهب القانون الطبيعي الذي رأى في انتعاشه، بعيد الحرب العالمية الثانية، تكريسًا لسوء فهمنا للقانون والحق معًا، وهو ما تجلّى في تصوره للعدالة التي، رغم تشديده على أنها سليلة النسق القانوني القائم، أبى إلا أن يتأوّلها في ضوء حاجة العيش المشترك إلى النسبية المعيارية.

1. في التأسيس الإبستيمولوجي للمذهب الوضعي

أراد كلسن لفكره القانوني أن يكون "نظريةً خالصةً في القانون"، كما أراد لهذه أن تكون خطوة في طريق تأسيس علم القانون وتجاوز فلسفته التقليدية. وهو ما جعله يذهب بعيدًا في التقعيد للتصوّر الوضعي للقانون. ولعلّ ما زاد مقاربته أهميةً طابُعها النسقيّ الذي هو سليل نفَسها "العلمي" الصارم،

بحيث توسّل الصوغ النسقي لتجنب المذهب الطبيعي الذي دأب على توطين الحق والقانون في الطبيعة البشرية، الأمر الذي حمل الباحثين على اعتبار رؤية كلسن نفيًا جذريًا ومطلقًا لنظرية القانون

الطبيعي، وتقعيدًا غير مسبوق للمذهب الوضعي في القانون. فطغت الرغبة في تأسيس فلسفةٍ علمية في القانون على أهم ملامح المقاربات الوضعانية السابقة على كلسن؛ فنلفيها عند جون أوستن John Austin (960–19111) وكارل بيرغبوهم Karl Bergbohm (927–1849.)1 لذلك، بدا حديث كلسن عن علم القانون اتص لًا بهذا التقليد الفلسفيّ وانفص لًا عنه في الآن ذاته؛ فقد وجد نفسه في

حاجة إلى فحص إبستيمولوجي لأسس مذهبه المفاهيمية، مدافعًا عن مضمون معياري للقانون، ومعتبرًا أنّ الوضعانية لا يمكنها أن تصير في مجال القانون إّلا "نزعةً معيارية واعية ونسقية"، وأنّ علم القانون ينبغي أن يكون، بالضرورة، علمًا معياريًا. فأن نتصوّر موضوع القانون من منظور معياري

يعني أن نفهمه باعتباره "معيارًا أو مضمونًا لمعيارٍ قانوني؛ أي بحسبانه محددًا بمعيار قانوني". يعتقد كلسن أنّ عملية بناء الموضوع العلمي تتم من خلال تجريده. وعلم القانون لا يشذّ عن هذه القاعدة، حيث يعمل على تجريد القانون من كلّ الشوائب غير القانونية؛ كالأحكام الأخلاقية، والمواقف السياسية، والتوجهات الأيديولوجية، ليصيّره موضوعًا "خالصًا". لذلك، يحيل هذا الوصف

على وضع أنطولوجي يشغله القانون بما هو موضوع هذا العلم. ويتطابق – من هذا المنظور – بناء الموضوع ووصفه، فتبدو المقاربة القانونية الوضعية أقرب إلى المقاربة التجريبية الاختبارية. غير أنّ الموقف الوضعي يفترض أنّ القانون ليس "واقعة طبيعية"، وإنما هو معطى معياري يمكن وصفه على

(7) Joseph Raz, "The Purity of the Pure Theory," Revue internationale de la philosophie , vol. 35, no. 138 (1981), p. 444. (8) Norberto Bobbio, L’Etat et la démocratie internationale de l’histoire des idées à la science politique (Paris: Etudes européennes, 1998), p. 57. (9) Stefan Goltzberg, L’argumentation juridique (Paris: Dalloz, 2017), p. 226. (10) Hans Kelsen, Théorie pure du droit (Brussels: Éditions Bruylant, 1999), p. 69. (11) Ibid., p. 84. (12) Ibid., p. 71; Carlos Miguel Herrera, La philosophie du droit de Hans Kelsen: Une introduction (Québec: Les presse de l’université de Laval, 2004), p. 16.

نحو تجريدي مثالي. أضف إلى ذلك أن القانون ينشغل بقضايا "قيمية" (أو معيارية) متصلة بالإرادة الإنسانية وتعكس تعدّد وجهات النظر واختلافها، ما يجعلها تبقى في انفلات دائمٍمن منطق العقلانية الصارمة. لذلك، يُستبعد الحسم في القضايا العملية والمعيارية، لأنّ الحلول المقدّمة لها تفتقر إلى الضرورة كما إلى الصلاحية الكونية والمطلقة. وفي هذا السياق، تقترن نسبية منظور كلسن بالرفض الوضعاني الجذري لكلّ صنوف المقاربات الميتافيزيقية للأسئلة العملية، لكن منظوره يرتبط، أيضًا، برؤية الكانطية المحدثة إلى القانون، كما بالنفس البراغماتي الذي يفسر اقتران الحقيقة بالفعل في فكره، والذي جعله يتأوّل إيمانويل كانط Immanuel Kant (804–17241) عاًّدًا إياه أحد المساهمين في الوضعانية كما يرى هريرا. ويسجل هذا الأخير أنّ حديث كلسن عن الطابع الخالص لنظريته لم يكن بعيدًا عن تعويل الفقيه الوضعاني بول لاباند Paul Laband (918–18381) على الوظيفة المنطقية

المحضة لمذهب القانون في تأسيس علم القانون، بما يعنيه ذلك من استبعادٍ للاعتبارات السياسية والتاريخية والأخلاقية التي لا تفيد في فهم القانون وآليات اشتغاله، بل تحول دون الوعي بحاجتنا إلى

منظورٍ نسقيٍ للقانون. وتكمن قوة كلسن في ذهابه بعيدًا في هذا الطرح؛ فهو لم يسر في اتجاه تحويل علم القانون إلى علم وصفي اختباري، وإنما عمل على التقعيد لمقدّماته النظرية انطلاقًا من طابعه الخالص، الذي يتناول القانون في معياريته المحضة. يميز كلسن، بسبب تأثره بالكانطية المحدثة، بين الوجود (الكائن Sein) وما ينبغي أن يكون (الوجود الواجب Sollen). وهو يقرّ بتحدّر تلك الثنائية إلى فكره من فلسفة هرمان كوهن Hermann Cohen

)1918–1824(، الذي بنى عليها رأيه في استقلالية الأخلاق عن المنطق، وهذه فكرة كان كلسن في حاجة ملحّة إليها للفصل بين عالمي الأخلاق والقانون. وبيانه أنّ الفصل بين الوجود القائم/ الواقعي، والوجود الذي ينبغي أن يكون/ الواجب، يستلزم التمييز بين ضربين من القضايا التي يشتغل بهما الفكر الإنساني: "القضايا الواقعية" التي يمكن أن نستنتج منها قضية واقعية أخرى، وهي التي جرت العادة على اعتمادها في العلوم الطبيعية؛ و"القضايا المعيارية" التي مدارها "ما ينبغي أن يكون" لا ما هو كائن. ولا ترمي القضايا الواقعية إلى أكثر من وصف الواقع وتحليله، في حين تسعى القضايا المعيارية إلى إحداث فعل معيّن، أو تغيير على مستوى الفعل المتوقع لا القائم؛ فهي تنحو دائمًا صوب المستقبل

(13) Kelsen, Théorie pure du droit , p. 79. (14) Herrera, p. 14. (15) Hans Kelsen, Qu’est–ce que la justice? (Genève: Markus Haller, 2012), p. 92. (16) Henri Dussort, L’école de Marbourg (Paris: PUF, 1963), p. 67.

1(((شيريل ميساك، البراغماتيون الأميركيون، ترجمة جمال شرف (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 0202)، ص.124

(18) Herrera, p. 16 (19) Ibid., p. 18. (20) Éric Millard (dir.), Kelsen aujourd’hui (Paris: Dalloz, 2023), p. 116; Hans Kelsen, La théorie générale des normes (Paris: PUF, 1996), p. 96. (21) Kelsen, Théorie pure du droit , p. 73.

واحتمالاته. ومتى أخذنا في الاعتبار الفرق بين "أحكام الواقع" المعتمدة في علوم الطبيعة، و"أحكام القيمة" المعتمدة في العلوم المعيارية، أدركنا أنّ ثمة فرقًا في المبدأ الحاكم للاستدلالات الخاصة بكل واحدة منهما؛ ففي علوم الطبيعة يعتمد مبدأ السببية (العلية) الذي يقضي بأنّ لكلّ سببٍ نتيجةً ضرورية، أمّا في العلوم المعيارية فإن القاعدة المعتمدة هي مبدأ العزو والإرجاع، الذي يلحظ تدخّل الإرادة الإنسانية في سير الأحداث. ومن منظور منهجي، يمكن إبدال ثنائية العلم الطبيعي/ العلم الإنساني بأخرى أدقّ؛ العلم السببيّ/ العلمي المعياري. فالمنهج المعياري وحده يصلح للعلوم الإنسانية

وليس لعلم القانون فحسب، ما دام المجتمع عبارة عن نظام معياري للسلوك الإنساني. وبذلك تكون المعيارية صلة الوصل بين القانون والمجتمع، وهي التي تمكّن من توصيف القانون رغم طابعه المجرد لأنها تصيّره قيمة قابلة للتجريد وتؤسس لوجوده المعياري هذه المرة. لا يحصر كلسن، وخلافًا لجورج ليالنيك Georg Jellinek (911–18511)، المعيارية في موضوع

القانون، بل يعمّمها على مذهبه كامل. فموضوع علم القانون هو القانون الوضعيّ الذي ابتكره

الإنسان، وهذا يعني أنه لا مجال للحديث عن قانونٍأو حقٍطبيعيّ، وأنّ منهج علم القانون لا بد من

أن يكون منهجًا معياريًا بالضرورة؛ ذلك أن القانون ليس مجرّد واقعةٍ الغايةُ منها إعادة إنتاج الفعل الإنساني نفسه، وإنما هو نسقٌ من القواعد والقيم التي تنظم الأفعال الإنسانية وتقنّنها. ولا يهمّ مضمون هذه الأفعال كثيرًا، وإنما الأهمّ شكلها الذي يتّخذ صورة "دلالتها المعيارية". وهذه الدلالة تحدّد

الوضع النظريّ للقيم القانونية؛ فهي عبارة عن أمرٍ وإلزامٍ، الغاية منه توجيه الفعل، وهو تجسيد لإرادة تمارس على إرادة أخرى، وهذا ما يميّزه من أحكام العقل في نظر كلسن. يتعذّر، إذًا، تقييم المعيار القانوني بناءً على قيم الصدق والكذب كما هو الشأن بالنسبة إلى القضايا المنطقية والعلمية، والحري

الحكم عليها بناءً على صلاحيتها؛ بما يتطلّبه ذلك من حسمٍفي مصدر هذه الصلاحية الضامن لفاعلية

القوانين ومقبولية الأحكام المترتبة عليها. وليست القيم والمعايير غايةً في ذاتها، ما دامت صلاحيتها نابعةً من مصدر آخر يتمثل في السلطة التي تقف وراءها. وبذلك، يقود التقعيد لعلم القانون، أولًا، إلى الإقرار بحاجة النسق القانوني إلى قيمة عليا (كبرى) Grundnorm تشكّل قيمة القيم، أو القيمة الأساسية الكبرى التي تنضوي تحتها القيم والمعايير المكوّنة للنسق القانوني. وثانيًا، إلى التشديد على الطابع القانوني للدولة، واعتبارها المصدر الأوّل لصلاحية القيم والقوانين المتعلقة بها. لذلك تشغل الدولة مكانةً مركزية في نظرية كلسن، لأنها تمثل وحدة النظام المعياري للقهر. ويمكّن هذا التعريف المعياري للدولة من تجنّب فهمها في ضوء الاختلافات السياسية والثقافية والمؤسساتية الطاغية على

(22) Ibid., p. 83. (23) Herrera, p. 23. (24) Ibid., p. 19. (25) Ibid., p. 20. (26) Kelsen, Théorie pure du droit , p. 36. (27) Ibid., p. 282.

المجتمع، والتعامل معها كآليةٍ لتوجيه السلوك من منطلق قانوني. وقد يبدو هذا التبرم من المضمون الاجتماعي والقانوني والأخلاقي للقانون دليلًا على مثالية نظرية كلسن وابتعادها عن الواقع، لكن العكس هو الصحيح؛ إذ إنه أراد لنظريته أن تكون نظرية واقعية في القانون أكثر من غيرها؛ إنها "نظرية في القانون واقعية إلى أبعد الحدود"، لكنها تتعقّب آثار المعيار في بناء الواقع وتحديد رؤيتنا إليه.

2. في نقد المذهب الطبيعي

خلّفت نهاية الحرب العالمية الثانية ظروفًا مناسبة لانتعاش المذهب الطبيعي في الحق والقانون،

وخاصة أنها أعادت طرح السؤال عن معنى السيادة في سياقٍ مهجوس بأسئلة القانون الدولي والحاجة إليه لتجنب حرب جديدة. وقد كان كلسن أحد أبرز نقّاده بحكم ما لمسه في حديث أصحابه عن

أساسٍ مطلقٍ للحقّ من اندحارٍ إلى درك التفسيرات الميتافيزيقية للقانون. فنقرأ له في سياق تعريفه لمذهب القانون الطبيعي قوله: "يتّخذ مذهب القانون الطبيعي من الحقّ الطبيعي أساسًا له. وهو يعتقد

أن من شأن الاعتداد بهذا الفهم حلّ المشكلة العتيقة المتعلقة بالعدالة المطلقة وتقديم جواب نهائي عن سؤال الخير والشرّ الذي يحكم العلاقات المتبادلة بين الناس. كما يرى أنه من الممكن أن نميز

الأفعال الإنسانية المتلائمة مع الطبيعة من غيرها المتعارضة معها، حيث تملي الطبيعة – على نحو ما – الأفعال الأولى وتحظر الثانية. وهكذا يمكن استنباط القواعد المطبقة على أفعال الناس من طبيعة الإنسان وخاصة من عقله، من طبيعة المجتمع، بل من طبيعة الأشياء أيضًا. ويكفي أن نفحص وقائع الطبيعة حتى نعثر على الحل المطلق والعادل للقضايا الاجتماعية. فالطبيعة تنهض بمهمة التشريع، وهي بذلك المشرّع الأوّل". وبحسبه، يتعلّق الأمر بتصوّر غائيٍ للطبيعة وظواهرها، يسلّم بأنّ الطبيعة

تسعى وراء غاية بعيدة، وأنّ الإنسان ملزم بالخضوع لقوانينها لأنها صنيعة قوّة فوق إنسانية تشكّل ضمانة

لعدالة مطلقة. ووراء هذه الرؤية يثوي موقفٌ إحيائي للطبيعة، يُسقط عليها مفاهيم الوجود الإنساني

وطبيعته الحيوية، لذلك يتعذّر فصل نظرية الحقّ الطبيعي عن نظرية الحق الإلهي، ما دام القانون الطبيعي، في جوهره، قانونًا إلهًّيًا يسعى إلى أن يكون قانونًا مطلقًا وثابتًا يتعالى عن الزمان. أما القانون

الوضعي فإنه، على العكس من ذلك، قانون زماني ومتغير، لأنه ابتكار بشري. وتقوم فكرة الحقوق الفطرية الإنسانية على فرضية الأصل الإلهي للحقّ، بما يترتب على ذلك من إقرار بأن كلّ ما يمكن أن يفعله القانون الوضعيّ هو حماية الحقوق الطبيعية/ الإلهية بدلًا من خلق حقوق جديدة. وبصرف

(28) Herrera, p. 22. (29) Paul Amselek, "Kelsen et les contradictions du positivisme juridique," Revue internationale de philosophie , vol. 35, no. 138 (1981), p. 462. (30) Hermann Heller, La soberania: Contribucion a la teoria del derecho estatal y del derecho internacional (Mexico: Universidad Nacional Autónoma de México, 1965), p. 55. (31) José Sendin Mateos, La filosofia moral de Hans Kelsen (Madrid: Marcial Pons, 2017), p. 59. (32) Hans Kelsen, Théorie pure du droit: Introduction à la science du droit (Neuchatel: Edition de la Baconnière, 1953), pp. 85–86. (33) Ibid., p. 86. (34) Ibid., p. 87.

النظر عمّا يدّعيه كثيرٌ من دعاة "الحقّ الطبيعي" من تميّز هذا المفهوم من مفهوم "الحق الإلهي"،

وتشديدهم على استناد الحقّ الطبيعي إلى العقل الإنسانيّ وحده، باعتباره الملكة الأقدر على تبيّن

المصدر الطبيعي للحق، فإنّ ما يعني كلسن من زعمهم ذاك أنه يهدف إلى إضفاء معقوليةٍ مطلقة على مفهوم الحق الطبيعي تتأسّس على بداهة العقل وطابعه المطلق. يكمن خطأ النزعة الطبيعية، وفق كلسن، في أنّها تُسقِط على موضوع الحقّ والعدالة، الذي هو موضوع معياري ينتمي إلى نظام "ما ينبغي أن يكون"، مفاهيم العلم الطبيعي ووقائعه، وهذا ما يعني أنها تحاول أن تقحم الطبيعة ضمن نظام المجتمع، والكائن ضمن نظام الوجود المعياري. فالحقّ موضوع معياري متجذّر في منظور قيمي، ويستدعي التفكير فيه أحكام قيمة بالضرورة، وهو – حال كونه قيمة – ليس واقعًا وإنما هو حكم مقترن بالواقع. وكما أنه لا يمكننا أن نستنتج من واقعة "أنّ الأسماك الضخمة تأكل الأسماك الأصغر منها" حكمًا بأن فعلها هذا فعلٌ خيّرٌ أو شرير، لأنه لا وجود لاستدلال منطقي يأذن

لنا بالانتقال من مستوى "الكائن" إلى مستوى "الواجب"؛ أي من الواقع الطبيعي إلى المعيار أو القيمة الأخلاقية، فكذلك يتعذر أن نستنتج من الطبيعة حكمًا يخصّ الحقّ والعدالة. والسعي وراء مثل هذا

الحكم يعني الخروج من دائرة التفكير المنطقي وولوج عالم الإرادة الإلهية، حيث تتبدّد الحدود بين الواقع والقيمة، ويصير من الممكن النظر إلى الموضوع من موقع الرؤية الميتافيزيقية اللاعقلانية.

ويلزم عن هذا التصور القول إنّ أيّ قانونٍأو حقٍوضعي لا يطابق الحقّ الطبيعي يبقى مفتقرًا إلى

الصلاحية، بما يفرضه ذلك من إقرارٍ بالتعارض التام بين "الحق الطبيعي" و"الحق الوضعي" وانتفاء الحاجة إلى الدولة نفسها. ولا يجرؤ دعاة الحق الطبيعي على الذهاب إلى هذا الحدّ، وإنما يكتفون بنفي أيّ تعارض بين الحقين، وإرجاع الخلافات التي تنشب حول مفهوم الحقّ وأصله إلى المواقف

الشخصية في فهمنا للقانون والحقوق، والحال أنّ حلّ هذه الصعوبة ليس في يد الأفراد وحدهم،

وإنما هو مرتبطٌ بالدولة التي "تخلق" القانون وتعمل على تدبير الحقّ. ولا يكفي، في هذه الحالة، أن

نقول إنّ العدالة هي أن نعطي كلّ ذي حقٍحقّه، لأنّ ذلك يستلزم الرجوع إلى معنى الحقّ نفسه، وهذا أمرٌ لا يتعيّن إّلا بالقانون الوضعي الذي تحدده الدولة وقوانينها. من الصعب، إذًا، بحسب كلسن، الحديث عن مذهب طبيعيٍ بصيغة المفرد، لأنّ تاريخ الفكر السياسي والأخلاقي والقانوني يذكر مذاهب في الحق مختلفة، مبناها على تأويل خاص للطبيعة البشرية، غير أنّ الثابت بينها التسليم بسموّ الحق الطبيعي وتعاليه على القانون الوضعي. غير أنه لا يُستنتج من موقفها

ذاك إمكانية التخلي النهائي عن القانون الوضعي. فدعاة القانون الطبيعي يقرّون بالحاجة إلى دولة

تسهر على حماية الحقوق ووضع القوانين الضامنة لها. ويتهرّب هؤلاء من هذه المفارقة بالرجوع إلى

الطبيعة البشرية، وبدلًا من استنباط الحقّ الطبيعي من الطبيعة البشرية الحقيقية، فإنهم يستنبطون "طبيعة

(35) Michel Villey, Le droit et les droits de l’homme (Paris: PUF, 2014), p. 93; Michel Villey, La formation de la pensée juridique moderne (Paris: PUF, 2013), p. 373. (36) Kelsen, Théorie pure du droit , p. 89. (37) Ibid. (38) Ibid., p. 90.

مثاليةً" من حٍّقٍ طبيعي يفترضون وجوده. وحتى عندما يعتبر هؤلاء الملكية الحقّ الطبيعي الأوّل،

فإنهم يقرّون بالحاجة إلى دولةٍ تحميها. والدولة، بتعريفها، ابتكارٌ وضعي واختراع بشري. بل يترتّب

على المذهب الطبيعي القول إنّ الحق في الحياة قد لا يكون دائمًا حًّقًا مطلقًا، إذا ما تبيّن أنّ تضحية

الفرد بنفسه من أجل الدولة من مقتضيات القانون الطبيعي. وهكذا، يمكن ليّ عنق القانون الطبيعي

واستعماله في تسويغ مختلف التوجهات الفكرية المتناقضة، ولهذا السبب نفسه اتخذت منه كثيرٌ من

التيارات السياسية والأيديولوجية المتعارضة شعارًا لها.

3. مشكلة العدالة

يتناول كلسن العدالة في سياق دفاعه عن نسبية القيم. وهو يرجع تضارب الآراء حول هذا المفهوم إلى الذهول عن الصعوبات المتعلّقة بصياغته. صحيح أن العدالة تمثل صفة من صفات المجتمع الممكنة، لكنّها ليست من مقوماته الضرورية، لأن المجتمع، كما النظام السياسي القائم، يمكن نسلك رظن يف لادًاااع نوكي نأ نود نم دجوي نأ.ام اصخش ربتعن نحنف  امدنع لادًاااع هكولس نوكي

مطابقًا لنظامٍقانوني أو أخلاقي عادل، أي لنظامٍيقنّن سلوك الأفراد بناءً على مقتضى سعيهم لتحصيل

سعادتهم الجمعية في نهاية المطاف. لذلك، يبقى هذا السعي سبب الانشغال بالعدالة، ف "العدالة سعادة اجتماعية" بحسب تعبيره. ويستلزم هذا الجواب تعريف السعادة من خلال وصلها بالحياة الاجتماعية. وفي هذا المستوى، تتضارب المصالح الشخصية إلى الحد الذي يستعصي على أيّ نظام

اجتماعي حلّ كلّ النزاعات المترتبة على أنانية الأفراد وتعطّشهم للسعادة. إضافة إلى ذلك، لا يمكن أن تكون الطبيعة مصدرًا لهذا الضرب من السعادة، فهي لم تجعل الناس متساوين، بل فرّقت بينهم

في القدرات والمؤهلات، وقد تبدو – لهذا السبب تحديدًا – منبعًا للظلم والحيف بالنسبة إلى الذين لم تهبهم كل شروط وجودهم الطبيعية والجسدية. واضحٌ أنّ "نظامًا اجتماعًّيًا عادلًا " يبقى متعذّرًا

ما دمنا ننظر إلى السعادة من منظور المصلحة الشخصية وشرطنا الطبيعي، غير أنّ هذا لا يسوّغ اللجوء

إلى المنظور الجماعي لفهم السعادة؛ فقد ربط جيريمي بنثام Jeremy Bentham 1) 832–1748(

العدالة بتحقيق مصالح أكبر قدرٍ ممكن من الأفراد، غير أنّ ذلك لم يحسم المشكلة في نظر كلسن، لأنّ السعادة غدت مشروطةً، في هذه الحالة، بجملة مصالح تحصر فيها الدولة معنى السعادة، وهي ليست بالضرورة المصالح التي يقبل بها الجميع. ولا يكفي ربط العدالة بالحرية لتجاوز هذه الصعوبة في نظر كلسن، ما دامت الحرية نفسها مفهومًا مرتبطًا بالدولة والقانون الوضعي. بذلك، تترجم "الحاجة إلى العدالة" واقع المصالح وصراعها، ويجسّد الخلاف حولها كيفيات مختلفة

في تسويغ قيمتَي الحق والعدالة. وليس صراع المصالح إلا تجليًا لصراع القيم، والحكم عليه يبقى

(39) Ibid. (40) Ibid., p. 94. (41) Kelsen, Qu’est–ce que la justice? p. 30. (42) Ibid., p. 32. (43) Ibid.

حكم قيمة يعكس ذاتية صاحبه. فمتى حاولنا فهم العدالة في ضوء صلتها بأحكام القيمة، فيلزمنا تحديد القيمة العليا المحددة لمعنى العدالة، وهذا أمرٌ متعذر بحسب كلسن؛ إذ سنلفي أنفسنا في

صلب تنازع القيم في هذه الحالة؛ بين من يردّ قيمة القيم إلى الحياة، ومن يرجعها إلى الحرية، أو إلى الأمن الاقتصادي، أو ضبط النظام، أو إلى الإنسانية نفسها... إلخ. لذلك يفضي التفكير في العدالة

دائمًا إلى إصدار أحكام قيمة تنصهر داخل قيمٍأعمّ لا يمكن فحصها على مستوى الواقع. هكذا يقود تحليل كلسن إلى إخراج العدالة من دائرة أحكام الواقع؛ فهي ليست واقعة، وإنما موضوع حكم قيمة. وهذا ما يفرض الوعي بتعذّر البرهنة العقلانية عليها، وبأنّها موضوع للتسويغ القيمي. فالإنسان في حاجة ملحّة إلى تسويغ أفعاله، وفي مقام التسويغ لا يتبقى من

معنى للحديث عن علاقة "العلة – النتيجة"، وإنما عن علاقة "الوسيلة – الغاية". صحيح أنّ كلسن يميّز بين ضربين من التسويغ؛ تسويغ مشروط وآخر مطلق، غير أنه ينتهي إلى الإقرار بأنّ الوعي

الإنساني لا يمكنه أن يقنع إلا بالتسويغ المطلق الذي يقيمه على قيمٍيحسبها مطلقة ومتعالية على الواقع؛ أي إنه تسويغ عقلانيٍ غائي لا يرى فيه كلسن أساسًا ممكنًا للعدالة. يقول: "يمكن

وعينا أّلا يقتنع بمثل هذا التسويغ المشروط. ويمكن أن يستدعي هذا الأخير تسويغًا مطلقًا. بيد أن ضميرنا لا يكفيه أن نعترف بأنّ كلّ ما نقدر عليه هو تبرير أفعالنا عبر النظر إليها بوصفها

وسيلة لتحقيق غايةٍ ما، وبأننا لا نملك في هذا الشأن غير مسوغاتٍ واهية. لا يتبقى لنا، في هذه الحالة، إلا تسويغ سلوكنا بحسبانه غايةً قصوى، أو بالأحرى، أن نتصرّف كأنّ فعلنا يتناسب مع

قيمةٍ مطلقة محدّدة. غير أنّ مثل هذا التسويغ يتعذر على مستوى عقلاني خالص. فطبيعة التسويغ العقلاني تحدّده بوصفها وسيلة مناسبة، وليس من شأن غاية نهائية أن تصير وسيلة بالنسبة إلى

غاية أخرى. وإذا كان وعينا في حاجة إلى تسويغٍ مطلقٍ لسلوكنا، أي إنه يسلّم بقيمٍمطلقة، فإن عقلنا قاصرٌ عن تلبية هذا المطلب. ليس في قدرة العقل البشري أن يمسك بمعنى المطلق

عامة، ولا سيّما ما يتعلّق منه بالقيم المطلقة، وهو لا يملك إّلا حلًا مشروطًا، أي نسبيًا، لمشكلة

العدالة بما هي مشكلة من مشكلات تسويغ السلوك الإنساني". ف "التسويغ المطلق للفعل" يمثل حاجةً إنسانية أقوى كثيرًا من الاعتبارات العقلانية، وهو ما يفسّر سطوة القيم المطلقة

على الوعي الإنساني، واستمرار الإنسان في السعي لها رغم محدودية إدراكه. من الجائز، إذًا، التمييز في نظريات العدالة ين مجموعتين وفق الطريق التي تسلكها كلّ واحدة منهما؛ نظريات ميتافيزيقية دينية، و"نظريات عقلانية" (أو شبه العقلانية إن نحن توخينا الدقة أكثر). ويمكن

أن ننتبه، أيضًا، إلى أنّ كلّ هذه النظريات تتقاطع في بحثها عن قيمةٍ مطلقة تتخذ منها أساسًا نهائًّيًا

(44) Ibid., p. 38. (45) Ibid., p. 50. (46) Ibid., p. 56. (47) Ibid., pp. 54–55. (48) Ibid., p. 55. (49) Ibid., p. 56.

ومطلقًا لفكرة العدالة. وهكذا، تتجاور في هذه النظريات الرؤية المسيحية مع نظرية أفلاطون، ويتطابق الخير الأفلاطونيّ مع محبة الله المسيحية. يتقصّد تحليل كلسن لمفهوم العدالة نسف إمكانية تأسيسها على فكرة "القيمة المطلقة"، وإظهار حاجة

العيش المشترك إلى درء الأوهام التي كرّستها التصورات العقلانية والميتافيزيقية، والاعتراف بالحاجة

إلى تأسيس القانون على نسبية المنظور الوضعاني، أما "العدالة المطلقة، وفق كلسن، فهي مثالٌ لاعقلاني. وما يوجد من منظور المعرفة العقلية هي المصالح البشرية، وصراعها. ونحن لا نملك سوى سبيلين نسلكهما لحلّ هذا الصراع؛ فإما أن نخدم مصلحة البعض على حساب مصلحة الآخر، وإما أن

نتوصّل إلى توافقٍبين الطرفين. ليس من الصعب أن نثبت أنّ هذا الاختيار أو ذاك هو الاختيار الأعدل.

لكن إذا افترضنا أنّ السلم الاجتماعي هو القيمة العليا، فمن الأرجح أنّ التوافق قد يكون الحلّ الأعدل. على أنّ عدالة السلم ليست، هي الأخرى، غير عدالة نسبية". وفي هذا، يجد كلسن في مبدأ التسامح أساسًا لتصور نسبي للعدالة يتواءم مع رؤيته الوضعية؛ إذ هو يترجم – في اعتقاده – الحاجة إلى تفهّم

عقائد الآخرين وآرائهم السياسية والأيديولوجية، بل إنه حرية الفكر نفسها. وإذا كانت الديمقراطية نظامًا سياسيًا عادلًا، فإنّ ذلك راجعٌ إلى قيامها على "تصوّر نقدي نسبي للعالم وللآخر". لكنّ نسبية كلسن لم تجرّه إلى نزعة عدمية تكرّس الكفر بالعدالة وتسوّغ مختلف أشكال الحيف

والقهر. فالنسبية المعيارية لا تعني العدمية ولا الحياد القاتل في السياسة، وإنما هي ضمانة للاختلاف والتسامح اللذين يقتضيهما السلم الاجتماعي داخل نظام ديمقراطي. فوراء النظرية الخالصة في

القانون يثوي رهان بناء اجتماعٍسياسيٍ على مقتضى تقبّل الآخر في اختلافه المطلق، وهذا ما يفسّر

تمسّك صاحبها بنسبية القيم والمعايير، التي تشكّل عنده أساس دولة الحق والنظام الديمقراطي.

ثانيًا: بوبيو والعدالة ومستقبل الحق

لا يني بوبيو يشدّد على وجود "أزمة أسس" أصابت فكرة الحقّ وهزّت مشروعيته، ويؤكّد على ضرورة العمل على حماية الحقوق التي استطاع الإنسان انتزاعها، وهي عينها تلك التي تضمّنها الإعلان العالمي

لحقوق الإنسان. فيقول: "لا تستقيم مقاربة المشكل الفلسفيّ لحقوق الإنسان من دون دراسة ما يطرحه

تحقيقها على مستوى الغايات أو الوسائل، من صعوبات تاريخية واجتماعية واقتصادية وسيكولوجية. ويعني هذا أنّ الفيلسوف ما عاد وحيدًا، وأنّ الذي يوثر البقاء في عزلته سينتهي إلى رمي الفلسفة بالعقم. إنّ أزمة الأسس هذه هي كذلك مظهر من مظاهر أزمة الفلسفة". وهذا القول يصدر عن وعي دقيق بأنّ

(50) Norberto Bobbio, Le future de la démocratie (Paris: Seuil, 2007), p. 35. (51) Kelsen, Qu’est–ce que la justice? p. 92. (52) Ibid., p. 93. (53) Hans Kelsen, La démocratie: Sa nature–sa valeur (Paris: Economica, 1988), p. 91. (54) Kelsen, Qu’est–ce que la justice? p. 96. (55) Mateos, p. 278. (56) Bobbio, Le future de la démocratie , p. 43.

أزمة أسس الحق هي أزمة المنظور الفلسفي نفسه، وقد تجنّب بوبيو المنظورين الكلاسيكَّيَين؛ الفلسفي

والقانوني معًا؛ إذ رغم صدوره عن منظور نسبيٍ للقيم والمعايير لا يختلف، من حيث المبدأ، عن تصوّر

كلسن الوضعي، فإنّه اختار استشكال أسس الحقّ في ضوء تفكيره في سؤالَي العدالة والديمقراطية.

وبدلًا من الانجرار وراء تصورٍ متعالٍللحق أو مواصلة اختزاله في النسق القانوني، فضّل بوبيو الصدور

عن منظورٍ يلحظ الحاجة إلى المقاربة الفلسفية والقانونية معًا، ويزجّ بهما في سياق التشكّل التاريخي

للحق وأسئلته السياسية، وذلك لاعتقاده أنّ الاهتمام المتزايد بحقوق الإنسان يمثّل بصيص أمل يتحدى عتمة الأزمنة المعاصرة الحالكة. ويرى بوبيو أنّ الوضعانية نظرية في القانون وشكل من أشكال أيديولوجيا العدالة. ورغم تمييزه بين منظر فينومينولوجي وآخر أيديولوجي في مقاربته للعدالة، فإنّه شدّد على ضرورة الانتقال بسؤالها من مستوى التصوّر "الجوهراني" و"المطلق"، الذي يجد أصوله

في الانهمام بالسؤال الفلسفيّ التقليدي "ما العدالة؟"، إلى تصور تعدّدي نابعٍ من سؤال مغاير ذي

نفَس إجرائي "ما الفعل العادل؟"، و"ما شروط العدالة؟". ويمنحنا هذا الإبدال إمكانية التفكير في العدالة انطلاقًا من المنظورين المعياري والحقوقي من دون التخلي عن أٍّيٍ منهما، لكنه يزجّ بالمنظور

الوضعاني في أتون العلاقة الواقعية بين الحقّ والعدالة ومعاييرها، على النحو الآتي: أوالًا، لا ينكر بوبيو أهمية وضعانية كلسن خاصةً من الناحية المنهجية، لأنّها أتاحت فرصة المقاربة العلمية الصارمة للقانون. غير أنّه لا يتردّد، في المقابل، في نقد نظرية كلسن وإعادة بناء المنظور الوضعي. فهو يلاحظ أنّ حضور ثنائية الواقع – المعيار في فكره ليست دليلًا على تأثره بمعيارية الكانطية المحدثة، وأنّ ذلك كان نتيجة رغبته في تسويغ الفصل الذي أقامه بين علوم الطبيعة وتفسيرها السببي، وعلوم المجتمع القائمة على مبدأ العزو والإرجاع. ويعترض على تمسّك كلسن بالطابع

المحض لنظريته الذي يجسّد موقفًا "لاعقلانيًا" في نظره. فاستعمال وصف "الخالص/ المحض" كان

إحالةً على نموذج مثالي مرتبط بالحياد القيمي، وهو ينمّ عن رؤيةٍ تفصل، على نحو غير معقول، بين

الواقع والقيمة. غير أنّ هذا الحياد القيميّ لا ينبغي أن ينقلب إلى مبرر لنزعةٍ انسحابية تذهل عن

مضمون حقوق المواطن ودوره باسم الأولوية المعرفية والنظرية، وحتى لا يغدو المنظور المحض تهديدًا للحق والعدالة. لذلك ينبّه بوبيو إلى قيمة التصوّر الطبيعي عندما يتعلّق الأمر بمضمون الحقوق

والاختيار الأيديولوجي المرتبط بها، إذ يعتبر أنّ الحقّ الطبيعي الوحيد المتاح للمواطنين، فعليًا،

هو "الحقّ في مقاومة التسلطية والطغيان". وتكمن مشكلة "الطابع الخالص" لنظرية كلسن في

(57) Bobbio, Teoria general de la politica , p. 334. (58) Bobbio, Le future de la démocratie , p. 71. (59) Cisneros, pp. 225–226. (60) Agustin Aquella, "Algunas concepciones de la justicia," Anales de la catedra Francisco Suarez , vol. 1, no. 44 (2010), p. 177. (61) Norberto Bobbio, "Kelsen et les sources du droit," Revue internationale de philosophie , no. 138 (1981), p. 476. (62) Millard, p. 117. (63) Ibid., p. 120. (64) Bobbio, Le future de la démocratie , p. 51.

افتراضها ضرورة الخضوع للأمر المتضَّمَن في القانون بصرف النظر عن مضمونه وطبيعته. والحال أنّ المطلوب، بحسب بوبيو، هو الام ثتال للقانون العادل فحسب، وهذا ما يفسّر دفاعه المستميت

عن حقوق الإنسان والحاجة إلى دولة الحقّ. وإضافةً إلى ذلك، يرى بوبيو في تمسّك كلسن بفكرة

القيمة الكبرى (الأساسية) نتيجةً لرؤيته النسقية الخالصة إلى القانون، وعنده أنّها لا تنهض بأيّ وظيفة معرفية داخل نظريته، بقدر ما تؤدي دورًا إستطيقيًا بصفتها ضمانة لانسجام النظرية فحسب. ويرى

أنّها كانت نتيجة اقتناع كلسن بالحاجة إلى نظريةٍ محضة سابقة على كل التأويلات والأهواء، وهذا موقفٌ يفتقر إلى المعقولية ما دامت تلك القيمة تبقى، بدورها، عرضةً للتأويل الأيديولوجي. ومن هنا، بدت القيمة الكبرى مجرّد تبريرٍ للجوء صاحبها إلى الدولة بحسبانها ضمانةً لصلاحية القيم القانونية،

ما أفضى إلى الاندحار صوب النظريات الكلاسيكية في السياسة التي تعطي الأولوية للسلطة والدولة، وتعتبرهما منبع القانون، وهي عينها النظريات التي سعى كلسن لتجاوزها عندما اعتبر – في سياق تأسيسه لنظرية خالصة في القانون – المعايير والقوانين سابقةً على السّلطة والدولة. وبذلك، ينتهي كلسن إلى نقيض ما كان يرمي إليه؛ إلى تأسيس البنية المعيارية والقانونية للدولة على سلطتها باعتبارها القاعدة الضامنة للصلاحية. فقد كانت الغاية من القيمة الكبرى تحويل السلطة إلى قانون، لكن هذا الأمر ظلّ متعسّرًا بحكم حاجة القانون نفسه إلى سلطة تضمن صلاحيته وفاعليته. ومن هنا، يسجّل

بوبيو وجود توازٍ بين وظيفة "القيمة الكبرى" في النسق القانوني ووظيفة "السلطة العليا" في النسق الدولتي السياسي من منظور النظرية الخالصة للقانون، بما يعنيه ذلك من تقهقرٍ صوب التصوّرات الواقعية للدولة والسيادة كتلك التي صاغها كارل شميت Carl Schmitt)1985–1888(. وهكذا، يكون نقد بوبيو لكلسن مراجعة لأسس الوضعانية القانونية ومحاولة لتفادي المفارقات التي تقود إليها صوريتها المفرطة. ثانيًا، خصّص بوبيو فلسفته في العدالة لاستشكال سؤال القيم والمعايير القانونية من منظور الحقّ والقانون، بعد أن أفرد فلسفته السياسية للنظر في السؤال عينه من منظور الدولة وسلطتها. فالفلسفة السياسية تتّخذ من السلطة موضوعًا لها، أما مدار فلسفة القانون عنده فعلى العدالة ومعاييرها. لذلك، تكتسي فكرة العدالة طابعًا معياريًا في هذا المقام؛ "فمشكلة العدالة تتعلّق بمدى تناسب القيمة مع المعايير العليا أو الغائية التي يستلهمها نظام قانوني معيّن". وهي بذلك تترجم مركزية سؤال القيم

والمعايير في مجال فلسفة القانون. وعندما نعتبر قيمةً ما عادلةً، فإنّ حكمنا هذا ليس إّلا تجليًا للتعارض

الموجود بين المثال والواقع، وقد يكون الذهول عن هذا الطابع المعياري للعدالة وراء ضعف اهتمام

(65) Millard, p. 121. (66) Ibid. (67) Carl Schmitt, Théologie politique (Paris: Gallimard, 1988), p. 15. (68) Bobbio, El problema del positivismo juridico , p. 25. (69) Norberto Bobbio, Igualidad y Liberdad (Barcelona: Paidos, 1993), p. 22. (70) Bobbio, Teoria general de la derecho , p. 20.

فلاسفة الحداثة السياسية ببعدها القانوني واكتفائهم بمقاربتها في ضوء مفهوم السلطة. لذلك، اقترح

بوبيو استشكال العدالة في إطار العلاقة بين مفاهيم القانون والنظام والمساواة، في خطوةٍ تعكس

اقتناعه بضرورة أن تتحوّل فلسفة القانون إلى نظريةٍ عامةٍ في القانون إن هي أرادت الصيرورة مذهبًا علميًا. وهذا الاستشكال يتيح إدراك صلة العدالة بالتسويغ كآلية يلجأ إليها الفكر الإنسانيّ لإضفاء المقبولية الّلا زمة على أفعالنا؛ فالفعل العادل هو الذي يراعي القانون، وعدالة هذا الأخير نابعة بدورها

من مدى مطابقته لقيمةٍ عليا تضمن صلاحية القوانين المنضوية تحته. يتجاوز بوبيو مستوى المقاربة المعيارية الخالصة للعدالة، ويأبى إلا أن يقاربها في إطار صلتها بالمفاهيم القانونية والسياسية المتقاطعة معها، من قبيل مفاهيم القانون والمساواة والنظام، بقصد إظهار نسبية العدالة من حيث هي قيمةٌ ومعيار يتأرجحان بين السّلطة والقانون؛ أي بين الواقع والمعيار. وهناك تداخلٌ بين العدالة والمساواة والحرية، وقد رصد بوبيو خلطًا كبيرًا في تاريخ الفكر السياسي بين المساواة والحرية والعدالة، منبّهًا إلى النّفَس الوجداني للمساواة ودور التوظيف السياسي والأيديولوجي المفرط لشعارها في إخفاء المضمون الحقوقي للعدالة وصلتها الجدلية بالمساواة؛ فإذا كانت الأخيرة "واقعةً"، فإن العدالة "نموذج مثالي" مرشد للسلوك، ويتعذّر أن نستنتج من المساواة بين شيئين أننا أمام واقعة يمكن وصفها ب "العادلة". يدعو بوبيو إلى وضع علاقة العدالة بالمساواة في سياقها الاجتماعي والسياسي؛ إذ من شأن هذا أن يجنّبنا الفهم المطلق والميتافيزيقي للمفهومين معًا، ويمكّننا من التمييز بين ضربين من المساواة يتّصلان بالعدالة؛ مساواة ذات طابع تبادليٍ مدارها علاقة الأخذ والعطاء بين طرفين، ومساواة متعلقة

بالإنصاف، لأنها على صلةٍ بأشخاص ينتمون إلى فئة واحدة. يحيل الضرب الأوّل من المساواة على "العدالة التصحيحية"، في حين يرتبط الثاني ب "العدالة التوزيعية". ويبدو أنّ تحفّظ بوبيو على المعنى القانوني والصوري المحض للعدالة راجعٌ إلى وعيه بما يقود إليه بناء القانون على

فكرة المساواة – التي يعتبرها البعض ضمانةً لمشروعية السلطة السياسية – من تفريطٍ في المضمون الحقوقي للعدالة والسّلطة معًا. ومن هذا المنطلق، يعتبر بوبيو أنّ جلّ المعايير التي اتكأ عليها الفلاسفة السابقون لتعريف العدالة نسبيةٌ. ويرى أنّ اللّهث وراء "قاعدة العدالة"، على نحو ما نلفيه عند

(71) Bobbio, Teoria general de la politica , p. 333. (72) Ibid., p. 334. (73) Cisneros, p. 227. (74) Bobbio, Igualidad y Liberdad , p. 56. (75) Ibid., p. 54. (76) Ibid., p. 59. (77) Ibid., pp. 60–61. (78) Ibid., p. 57. (79) Ibid., p. 64.

القضاة، لا يفيدنا كثيرًا في الإمساك بجوهر العدالة؛ إذ تنصّ هذه القاعدة على ضرورة "معاملة الأفراد

المتساوين على نحو متساوٍ، والأفراد غير المتساوين على نحو غير متساوٍ"ٍ، وهي تفترض أنّ ثمّة

تماثلًا بين الأفراد يلزم بضرورة معاملتهم بالمثل في إطار وضعية مشتركة. ويكفي أن نسقط من حسباننا طبيعة هذه الوضعية ووجود الأفراد فيها حتى تفقد قاعدة العدالة معقوليتها؛ إذ "لا يبدو أنّ

الذي يخلط بين مشكلة [العدالة] – أو مشكلات العدالة كمساواةٍ إن نحن توخّينا الدّقة أكثر – وقاعدة

العدالة، يدرك أنّ السعي للعدالة يفرض التعامل بالكيفية نفسها مع شخصٍ ما في ضوء علاقة محدّدة، وأنه بمجرد تحديد كيفية التعامل تلك تبرز الحاجة إلى تعميمها على كلّ الموجودين في الوضع نفسه". وقد سبق لبيرلمان أن لاحظ أنّه سرعان ما تترتّب على المساواة في معاملة الأفراد المنتمين

إلى الفئة نفسها تباينات واختلافات تفرض التخلي عن مضمون العدالة، والاكتفاء بفهمٍصوري لها كما لقاعدتها. ويسجّل بوبيو أنّ القاعدة الصورية للعدالة لا تعيّن الطريقة الأنسب لمعاملة الأفراد

بالمثل. لذلك، تنتهي إلى ربط العدالة بالشرعية القانونية التي تُبقي سؤالها صوريًا، رغم أنها تقدّم

ضمانة الحدّ الأدنى للحقوق لمواجهة تسلّطية الحاكم. ويسجّل بوبيو أيضًا أنّ الحديث عن "تساوي

الأفراد" داخل الفئة نفسها يبقى حُكمًا يصدر عن معيارٍ ضمني يحدّد مضمون المساواة بينهم، وأنّ

الفرق بين المساواة والعدالة يكمن في الطابع المحايد لقيمة المساواة والمضمون المعياري للعدالة، حيث تنبع الفاعلية السياسية والقيمية للمساواة من توظيفها الأيديولوجي في المعترك السياسي. وتنطبق هذه الملاحظة على العدالة أيضًا؛ فهي ليست مفهومًا مجرّدًا، وإنما قيمةٌ تتجسّد في الحياة الاجتماعية

التي تحدّد وضعياتها وشروطها وصلتها بالمساواة والحرية. وليس مصادفةً أن يكون التفكير في الحقّ مقترنًا بتوظيف المفعول الأيديولوجي للمساواة في السياق المعاصر، نظرًا إلى الوعي بضرورة الحدّ من

كل أشكال التمييز التي لا تزال تقف عائقًا أمام ترسيخ ثقافة الحق والعدالة. ثالثًا، ثمّة أسئلة ثلاثة تحدّد أفق تناول بوبيو لموضوعة الحقّ؛ ما الداعي إلى التساؤل عن "الأساس

المطلق" لحقوق الإنسان؟ هل هذا "الأساس المطلق" أمرٌ ممكن؟ وإذا كان ممكنًا، فهل يدخل في إطار

ما يمكن أن نأمل فيه؟ هنا، يحسن أن نميّز بين ضربين من الحقوق؛ الحقّ الذي نملكه، والحقّ الذي

نسعى لامتلاكه. يحيل الأوّل على حٍّقٍ تقرّ منظومةٌ قانونية بامتلاكنا إياه وقدرتنا على التصرف فيه، وهذا

ما تظهره المقاربة القانونية لموضوع الحق؛ أما في الحالة الثانية، فإنّنا نكون مدعوين إلى المطالبة بحٍّقٍ جديد، وهو ما يقتضي إقناع الآخرين، لا سيما أصحاب السلطة والقرار السياسي، بمشروعيته ودعوتهم

(80) Michel Troper, Le gouvernement des juges: Mode d’emploi (Québec: Presses Université Laval, 2006), p. 18. (81) Bobbio, Igualidad y Liberdad , p. 64; Bobbio, Teoria general de la politica , p. 342. (82) Bobbio, Igualidad y Liberdad , p. 65. (83) Ibid. (84) Chaïm Perelman, Ethique et droit (Brussels: Edition de l’université de Bruxelles, 1990), p. 108; Bobbio, El problema del positivismo juridico , p. 20. (85) Frydman & Haarscher, p. 16. (86) Bobbio, Teoria general de la politica , p. 342. (87) Bobbio, Igualidad y Liberdad , p. 93.

إلى الاعتراف به، وهنا نكون أمام مقاربة فلسفية تفكّر فيما ينبغي أن يؤول إليه الحقّ، لا في الحقّ القائم

من الناحية القانونية. واضحٌ أن المقاربة الفلسفية هي الأقدر على تصوّر "أساسٍ مطلق" للحقّ، لأنها لا تكتفي بالتفكير في الحق الوضعي القائم، ولا تني تبحث عن حٍّقٍ مطلق اعتمادًا على العقل بما هو قدرة طبيعيةٌ. لذلك، اقترن في الفكر الفلسفي الحقّ الطبيعي بالحق الوضعي. فعندما نسلّم بأنّ حقوق الإنسان أمر إيجابي ومرغوبٌ فيه، فإننا نضفي المشروعية على فكرة "أساس الحقّ"، ويزداد أملنا في الاعتراف به وتعميمه بين البشر، ما دام أنه نابعٌ من طبيعتهم، وأنّ العقل يهدينا إلى اكتشاف المنابع الطبيعية لحقوقنا. هكذا، تجتمع في فكرة "الأساس الطبيعي" للحق العقلانية والمطلقية والتعالي؛ إذ ينبغي لجميع الناس التسليم بهذا الأساس بحسبانه معطى عقليًا نابعًا من طبيعتنا البشرية. لذلك، يماثل بوبيو الأساس

الطبيعي والسلطة المطلقة؛ فهو يمثّل في مجال القانون ما تمثّله السلطة المطلقة في مجال السياسة، حيث نكون أمام فكرتين تزعمان البداهة، بل تفرضان التسليم بنتائجهما بغضّ النظر عن إرادتنا.

ويرفض بوبيو إضفاء طابع متعالٍومطلقٍعلى فكرة الحقّ الطبيعي، ولا يرى فيها ضمانةً ممكنة أو كافية لحقوق الإنسان. وهو يلاحظ أنّ دعاة هذا الحقّ، رغم إيمانهم بأنّ الطبيعة البشرية تشكّل قاعدته الأولى والأخيرة، لم يسبق أن اتفقوا على تعيين الحقّ الأوّل الذي يمثل منبع الحقوق الأخرى، فوجدنا بعضهم يردّه إلى الحقّ في الحياة، والبعض يُرجعه إلى الحقّ في الملكية، وقد حاول كانط اختزال الحقوق الأساسية كلها في حقّ واحد؛ ألا وهو الحرية. لكن ذلك لم يكن كافيًا للحسم في طبيعة

الحرية نفسها، وظلّ النقاش مفتوحًا حول جوهر أساس الحق وعلاقته بالطبيعة الإنسانية. ومتى اعترفنا بأنّ الأساس المطلق للحق ليس إّلا وهمًا ما انفكّ يخالج مخيّلة الفلاسفة، فسندرك أنّ

خير مدخلٍإلى تناولها هو البدء بالصعوبات الكامنة في فكرة ذلك الأساس. وهنا يسجل بوبيو أنّ أوّل تلك الصعوبات تنبع من الطابع الفضفاض لعبارة "حقوق الإنسان"؛ إذ كلّما حاولنا تعريفها وجدنا

أنفسنا أمام تحصيل حاصلٍأو أحكام قيمةٍ نسبيةٍ تعكس "موقفنا من الواقع" لا "الواقع نفسه". وتترتّب على هذه الأحكام مشكلة تأويل الحقّ بوصفه قيمة فعندما نقول إنّ حقوق الإنسان هي جملة الحقوق التي يحتاج إليها الإنسان للتقدّم وتطوير شروط وجوده، فنحن لا نحدّد الحقّ إّلا باعتباره تحصيل

حاصلٍ. كما أننا لا نعيّن المقصود بالرقي والتقدّم في مثل هذه العبارة؛ أهو رقيّ الإنسان الفرد، أم رقيّ

الجماعة، أم رقيّ الدولة؛ أهو التقدم الحضاري أم الشخصي... إلخ؟ فليس الصوغ العام لمفهوم

حقوق الإنسان تفصيلًا بسيطًا، وإنما هو ضرورةٌ تمليها حاجة البشر إلى التوافق على فهمٍمشتركٍللقيم، ما دامت حدّة الخلافات تزداد كلما تقدّمنا أكثر في تدقيق معنى هذه القيم. لذلك، يجد الناس أنفسهم

(88) Bobbio, Le future de la démocratie , p. 33. (89) Ibid., p. 34. (90) Ibid., p. 35. (91) Bobbio, Igualidad y Liberdad , p. 97. (92) Bobbio, Le future de la démocratie , p. 36.

ملزمين بالاكتفاء بالصيغ الفضفاضة والعامّة، رغم ما يترتّب عليها من غموض. ويتبيّن، إذًا، سبب

التعارض والتنافر القائم بين القيم القانونية؛ فهي لا تتحقّق مجتمعةً في الآن نفسه، وتحقيق إحداها

يؤدي، على نحو ما، إلى نفي أخرى. كما أنّ التوافق حولها ليس مسألة موقفٍ فلسفي، وإنما هو في حاجة إلى مواقف شخصية وقرارات سياسية، بحسب بوبيو. يجد الأساس المطلق للحقّ نفسه أمام صعوبة تتعلق بطابعه التاريخي؛ فالحقوق تعكس شروط وضعيتها التاريخية، وسرعان ما تبدّد الاهتمام بحقوق اعتُبرت أساسيةً إبّان القرن الثامن عشر في إعلانات حقوق الإنسان اللاحقة. وترتبط هذه "النسبية التاريخية" بالموقف الوضعاني، وفي هذا يشدّد بوبيو على حاجة الفكر القانوني إليها، لأنها تخدم حقوق الإنسان وتفتح في وجهها أبواب التعدّد. فكلما تعدّدت الحقوق، كان ذلك دليلًا على نسبيتها وإمكانية تطويرها خدمةً للإنسان وتقدّمه. أما الصعوبة الثالثة التي تحدّ من معقولية الأساس المطلق للحق، فمردّها إلى عدم انسجام حقوق الإنسان؛ ذلك أنّ ما يعتبره البعض حقًا مشروعًا قد يراه آخرون تهديدًا لحقوقهم. ويتعلق الأمر بحقوق غير متجانسة يؤدي إقرار بعضها إلى إلغاء البعض الآخر. فالحقوق تتحدّد بناءً على مصلحة المعنيّين بها، وهو ما ينسف

فكرة أصلها الطبيعي المطلق وفق بوبيو. وتضاف إلى ذلك كله صعوبةٌ رابعةٌ تكمن في التنافي القائم بين الحقوق كما هو بيّنٌ من التعارض الموجود بين الحاجة إلى الحرية والحقوق الاجتماعية

المتعلقة بالسلطة؛ فكلّما حصل الأفراد على مزيد من الحقوق الاجتماعية، تراجعت حريتهم السياسية، كما أنّ حفظ الأمن الاقتصادي والسلم الاجتماعي قد يقود إلى التضييق على حرية الأفراد. فلا معنى،

إذًا، للبحث عن أساسٍ واحدٍ ومطلقٍلحقوقٍ هي متنافية من حيث مبدؤها، والأساس المطلق للحقّ

ليس مجرّد وهم فحسب، وإنما هو مسوّغٌ لكثيرٍ من المواقف الرجعية والمحافظة التي تسوغ، باسم

الحقوق، مصادرة الحرية. يُطلعنا نقد الأساس المطلق لحقوق الإنسان على وهمٍآخر من أوهام النزعة الطبيعية؛ عقلانية الحقّ

(العقلانية الأخلاقية). ويعتقد دعاة القانون الطبيعي أنّه يكفي أن نبرهن على صحة قيمةٍ ما ونرتفع بها إلى مستوى الأساس المطلق للحقّ حتى تصير قابلةً للتطبيق، وهذا أمرٌ تكذّبه التجربة التاريخية. فأن

تكون فكرة الحقّ مقبولةً عقليًا ومنسجمة منطقيًا لا يعني أنها قابلةٌ للتحقّق في الواقع. ومعنى هذا أنّ

العقل لا يمثّل ضمانةً لاحترام الحقوق ومراعاة حاجة الإنسان إليها دائمًا. وإذا كان المذهب الطبيعيّ

قد هيمن على الفكر القانوني الكلاسيكي، فإنّ ذلك لم يكن ليحول دون انتهاك الحقوق ومصادرة الحرّيات؛ كما أنّ حديث دعاتها عن "أزمة الحق الطبيعي"، لم يحل دون انتباه الفكر المعاصر إلى

إمكانية تطوير فهم تعاقدي للحق. وهذا ما نجده بوضوح في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي

(93) Ibid., p. 37; Frédéric Rouvillois, Les déclarations des droits de l’homme (Paris: Flammarion, 2009), p. 26. (94) Bobbio, Le future de la démocratie , p. 38. (95) Ibid., p. 39. (96) Ibid., p. 41; Alf Ross, Sobre el derecho y la justicia (Buenos Aires: Editorial universitaria de Buenos Aires, 1963), p. 221.

فقد فيه الأساس المطلق كثيرًا من صلاحيته. فمع هذا الإعلان، تخرج فكرة الحق من دائرة البحث

عن أساسها المطلق، لأنّ ما شغل أصحابه هو كيفية صون الحقوق المعلنة وتصييرها واقعًا متاحًا

لمعظم البشر. وهكذا ننتقل، مع هذا الإعلان، من الدعوة إلى ابتكار حقوق جديدة إلى التفكير في الشروط الضامنة للحقّ ولإمكانية تفعيله. ويتطلّب الوعي بهذه الشروط الاقتناع بأنّ الحقوق مسألةٌ ضرورية و"مرغوبٌ فيها" كذلك، وأنها تمثل رجاءً بالنسبة إلى الإنسان وأفقًا لبناء العيش المشترك. بيد

أنّ الرغبة والرجاء لا يكفيان لضمان الحقّ بحسب بوبيو، لأنّ الأمر يتعلّق بمشكلة مركّبة على صلةٍ بالمجتمع وأسئلته، بمستواه الحضاري وتقدّمه، وبالشروط الضرورية لتحديد مستوى عيش الناس فيه. فهناك فرقٌ بين "الإعلان" عن الحقوق، بحيث يكون الاتفاق عليها أمرًا ممكنًا وسهلًا، و"تفعيل" هذه

الحقوق الذي يثير مخاوف وخلافاتٍ بين المعنيين بها. ولذلك، يعتقد بوبيو أنّ المشكل الفعليّ الذي

يعترض مسار حقوق الإنسان ليس مشكلًا فلسفيًا يهمّ مبدأَها، وإنما هو مشكلٌ سياسي مرتبط بالتوافق

حول آليات حمايتها وتجسيدها. إذًا، مدار التفكير في الحقّ هو حماية حقوق الإنسان وآليات تحصينها، وليس ابتكار أساس جديد لها، وهذه صعوبةٌ سياسية وقانونية أكثر مما هي صعوبةٌ فلسفية. فمستقبل حقوق الإنسان يفرض علينا أن نتوقّف، ولو مرحلًّيًا، عن اللهث وراء حقوق مطلقة، وعن الدعوة إلى إبداع حقوق جديدة تُضاف إلى

قائمة الحقوق التي لم ننجح بعد في تمكين كل البشر منها، ونتوقّف كذلك عن التساؤل عن ماهية هذه الحقوق وعددها وأساسها... إلخ، والتفكير، بدلًا من ذلك، في الطريقة الأنسب والأنجع لحماية

ما جرى الإعلان عنه من حقوقٍ إلى حد الآن وتحصينه. ليست الحقوق ماهيات ميتافيزيقية متعالية، بقدر ما تنتمي إلى نظام القيم التي يحكم بها الإنسان على أفعاله واختياراته. ويمكن أن نميز، بحسب بوبيو، بين ثلاث طرائق للتقعيد للحقوق من حيث صلتها بالقيم؛ أن نستقرئها، أولًا، من معطى موضوعي قائم بذاته كالطبيعة البشرية؛ وأن نعتبرها، ثانيًا، حقيقةً

بديهةً لأنها حقيقة العقل نفسه؛ وأن نردّها، ثالثًا، إلى التوافق بين الناس. ورغم جاذبية الطريقة الأولى، فإنها لا تلحظ تاريخية الحق ونسبيته. وتاريخية الحق هي التي تنسف أيضًا بداهته. فلا يتبقى أمام الوعي البشري غير طريقة التوافق التي تبقى الأفضل بالنسبة إلى العيش المشترك ومستقبله.

صحيحٌ أنها لا تسعفنا بأساسٍ مطلق للحقوق، بيد أنّها تمكّننا من بنائها تدريجيًا؛ لأنّ أساس القيم

يمسي أصلب كلما زاد التوافق عليها. يعتقد بوبيو أنّ هذا النوع من التفكير، رغم نسبيته وتاريخيته، يبقى الوحيد الممكن في مجال القانون. والإعلان العالمي لحقوق الإنسان علامة على دور التوافق في ترسيخ مشروعية الحقوق وكونيتها، بل

(97) Bobbio, Le future de la démocratie , p. 41. (98) Ibid., p. 42. (99) Ibid., p. 44. (100) Ibid.

(10((ففكرة الملكية، بحسب بوبيو، فقدت اليوم قيمتها بعد أن اعتبرت مقدسة في إعلان.1789

إنه دعوة إلى التفكير في آليات حمايتها. وقد دخلت فكرة حقوق الإنسان – مع هذا الإعلان – منعطفًا حاسمًا تمثّل في صيرورتها حقوقًا عالميةً (كونية) ووضعية؛ فهي كونيةٌ لأنها تعني مواطني كلّ الدول؛

ووضعيةٌ لأنها بيّنت أنّ الإعلان عن الحقّ ليس كافيًا، وإنما هو في حاجة إلى دولة تعترف به، وإلى

قوانين تحميه ومؤسسات تجسّده. ويصف بوبيو مسار تطوّر حقوق الإنسان بعبارة هيغيلة، معتبرًا أنّ

الإعلان العالميّ تضمّن جراثيم تركيبٍ لحركةٍ جدليةٍ بدأت ب "الكونية المجرّدة للحقوق الطبيعية"، ومرّت

ب "الطابع المشخصن للحقوق الوضعية الوطنية"، لتجد اكتمالها في "الكونية المتعيّنة"، لا المجرّدة،

للحقوق الوضعية العالمية. ويرمي بوبيو من استعارته الهيغلية إثبات نسبية الحقّ وتاريخيته. فاستنادًا إلى رؤيةٍ فلسفية نقدية إلى فلسفة التاريخ، اعتبر أن من الممكن أن نميّز بين مراحل ثلاث مرّ بها مفهوم الحقّ في الأزمنة

الحديثة: في المرحلة الأولى، مثّل الحقّ في الحرية الحقّ الرئيس، فكان مدار اهتمام الفلاسفة هو

الحقوق التي تمكّن المواطن من مواجهة سلطة الدولة وتأسيس فضاءٍ للحرية مقابلٍللدولة ومجالها. أما المرحلة الثانية، فقد كان مدارها الحقوق السياسية، فلم يكتف الفلاسفة فيها بإظهار الجانب السلبيّ

من الحرية، وإنما ركّزوا على بعدها الإيجابي بما هي استقلال يتيح حقّ المشاركة السياسية للمواطنين. في حين شهدت المرحلة الثالثة تصاعد الحقوق الاجتماعية التي هيمنت على علاقة المواطن بالدولة،

وهي حقوق مبنية على حرياتٍ تجسّدها الدولة عبر سلطاتها بحسب بوبيو. وإذًا، تعكس منظومة

الحقوق السائدة ملامح الوعي الحقوقي والسياسي السائد في حقبةٍ تاريخية معيّنة، وليس مصادفةً

أن تقود الشروط المعاصرة إلى ظهور حقوق أخرى غير معهودة، من قبيل الحقوق البيئية وحقوق الأقليات، والحيوانات، والفئات المهمّشة والمنسية... إلخ. أما الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان فيعبّر

عن الوعي التاريخي الذي كوّنته الإنسانية عن قيمها إبّان النصف الثاني من القرن العشرين؛ إنه عصارة

الماضي ومصدر إلهامٍ للمستقبل؛ وقائمة الحقوق لم تختم بعد، والطريق أمام فكرة الحقّ لما تزال طويلة جدًا في نظر بوبيو.

خاتمة

كانت هذه الدراسة محاولة للمساهمة في إظهار مدى حاجة الفكر القانوني إلى النزعة الوضعية القانونية من خلال التنبيه إلى أسسها الفلسفية ورؤيتها المنهجية ومقاصدها الحقوقية. فمن المجحف اختزال الوضعانية القانونية في رفضها الميتافيزيقا وتبرمها من التصوّرات الأخلاقية للقانون، وليس صحيحًا

أنها مجرد استمراريةٍ للتيّارات الشّكية، تجسّد أزمة الوعي السياسيّ المعاصر. بل إنّ الوضعانية القانونية

دفاعٌ عن نسبية القيم والمعايير التي باتت الحاجة إليها قائمةً اليوم دفاعًا عن الحقّ في عيشٍ مشتركٍ

(102) Bobbio, Le future de la démocratie. (103) Bobbio, Igualidad y liberdad , p. 23. (104) Ibid., p. 53. (105) Ibid., p. 54. (106) Ibid., p. 69.

يضمن الحقّ في الاختلاف والتعدّد، وفي ظلّ نظامٍ ديمقراطي يستلهم مبادئ دولة الحقّ. وحاولت الدراسة إثبات هذا الأمر من خلال الوقوف على تصوّر كلسن لمفهومَي القانون والعدالة، وبوبيو لمفهومَي العدالة والحق. ونكون، مع هذين الفيلسوفين، أمام موقفين مقتنعين بالحاجة إلى الوضعانية القانونية ونفَسها المعياري النسبي في إعادة بناء تصورنا للعيش المشترك. فقد انتهى نقد كلسن للعدالة إلى إرجاعها إلى النّسق القانوني القائم، رغبةً منه في إظهار نسبية القيم وربط العدالة بالتسامح. وانتهى بوبيو إلى التشديد على أهمية الحقّ بعد أن كشف عن نسبية العدالة وتداخلها مع غيرها من القيم المنتظمة للاجتماع السياسي، معتبرًا أنّ العناية المتزايدة بالحق وأسئلته تمثّل علامةً من علامات التفاؤل

"الممكن" في عزّ الأزمنة المعاصرة الحالكة. وبيّن أنّ ما ينبغي العمل عليه هو الذهاب أبعد في الدفاع

عن الحقوق المكتسبة وتحصين شروط تفعليها. ونكون، في الحالتين معًا، أمام اقتراحات إجرائية لحل معضلات نظرية تُظهر مدى قدرة الوضعانية القانونية على التقاط متغيرات الواقع وشروطه، وعلى مدّنا برؤية فلسفية وحقوقية لبناء العيش المشترك. وفي وسع الباحث أن يجد عند المتأثرين بالوضعانية من نقّادها ما يقيم به الدليل على هذا الزعم. وختامًا، لم ترم هذه الدراسة إلى الانتصار للوضعانية القانونية، وإنما هي دعوة إلى الإنصات لدرسها الذي نعتقد أن من شأنه أن يفيدنا "نحن" في بناء تصوّر معقول لمفهومَي الحق والعدالة.

References

المراجع

العربية

ميساك، شيريل. البراغماتيون الأميركيون. ترجمة جمال شرف. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020

الأجنبية

Amselek, Paul. "Kelsen et les contradictions du positivisme juridique." Revue internationale de philosophie. vol. 35, no. 138 (1981). Aquella, Agustin. "Algunas concepciones de la justicia." Anales de la catedra Francisco Suarez. vol. 1, no. 44 (2010). Bobbio, Norberto. "Kelsen et les sources du droit." Revue internationale de philosophie. no. 138 (1981). ________. Igualidad y Liberdad. Barcelona: Paidos, 1993. ________. L’Etat et la démocratie internationale de l’histoire des idées à la science politique. Paris: Etudes européennes, 1998. ________. El problema del positivismo Juridico. Filosofia del derecho y politica. México: Biblioteca de Etica, 2007.

(107) Goltzberg, p. 30; Luigi Ferrajoli, La democracia a través de los derechos: El constitucionalismo garantista como modelo teorico y como proyecto politico (Madrid: Trotta, 2014), p. 30.

_______. Le future de la démocratie. Paris, Seuil, 2007. _______. Teoria general de la politica. Madrid: Trotta, 2009. Cisneros, Isidro, Norberto Bobbio: De la razon del estado al gobierno democratico. Mexico: Instituto Electoral, 2014. Dussort, Henri. L’école de Marbourg. Paris: PUF, 1963. Ferrajoli, Luigi. La democracia a través de los derechos: El constitucionalismo garantista como modelo teorico y como proyecto politico. Madrid: Trotta, 2014. Frydman, Benoît & Guy Haarscher. Philosophie du droit. Paris: Dalloz, 1998. Goltzberg, Stefan. L’argumentation juridique. Paris: Dalloz, 2017. Habermas, Jürgen. Droit et démocratie: Entre faits et norms. Rainer Rochlitz & Christian Bouchindhomme (trad.). Paris: Gallimard, 1997. Heller, Hermann. La soberania: Contribucion a la teoria del derecho estatal y del derecho internacional. Mexico: Universidad Nacional Autónoma de México, 1965. Herrera, Carlos Miguel.  La philosophie du droit de Hans Kelsen: Une introduction. Québec: Les presse de l’université de Laval, 2004. Kelsen, Hans. Théorie pure du droit: Introduction à la science du droit. Neuchatel: Edition de la Baconnière, 1953. _______. La démocratie: Sa nature–sa valeur. Paris: Economica, 1988. _______. La théorie générale des normes. Paris: PUF, 1996. _______. Théorie pure du droit. Brussels: Éditions Bruylant, 1999. _______. Qu’est–ce que la justice? Genève: Markus haller, 2012. Mateos, José Sendin. La filosofia moral de Hans Kelsen. Madrid: Marcial Pons, 2017. Millard, Éric (dir.). Kelsen aujourd’hui. Paris: Dalloz, 2023. Perelman, Chaïm. Ethique et droit. Brussels: Edition de l’université de Bruxelles, 1990. Raz, Joseph. "The Purity of the Pure Theory." Revue internationale de la philosophie. vol. 35, no. 138 (1981). Ross, Alf. Sobre el derecho y la justicia. Buenos Aires: Editorial universitaria de Buenos Aires, 1963. Rouvillois, Frédéric. Les déclarations des droits de l’homme. Paris: Flammarion, 2009. Schmitt, Carl.  Théologie politique. Paris: Gallimard, 1988. Troper, Michel.  Le gouvernement des juges: Mode d’emploi. Québec: Presses Université Laval, 2006. Tzitzis, Stamatios. Introduction à la philosophie du droit. Paris: Vuibert, 2011. Villey, Michel.  La formation de la pensée juridique moderne. Paris: PUF, 2013. _______. Le droit et les droits de l’homme. Paris: PUF, 2014.