مبدأ السيادة: الإقليم، السلطة والقرار
The Principle of Sovereignty: Territory, Authority and Decision
الملخّص
يتنزل البحث ضمن سياق تاريخي - معرفي يتحدد بأحداث شهدها نهاية القرن العشرين: حرب الخليج، وظهور العولمة مع بداية القرن الحادي والعشرين، وما عشناه من أحداث في السنوات القليلة الماضية: وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، والأزمة المالية، والربيع العربي. هذه الأحداث وغيرها مما يمكن الوقوف عنده، وضعت مفهوم السيادة كما ورثناه تاريخيًا، على الأقل في المدة الحديثة والمعاصرة، أمام طروحات جديدة أصبح من الضروري التوقف عندها لكي نفهم السياق التاريخي الذي نعتقد أنه شهد تحولًا في تصوره لهذا المفهوم، وكيف يؤثر اليوم في تصورنا للمفهوم نفسه. والطرح الذي تمثلته العولمة، فيما يتعلق بفتح الحدود ورسم تصور جديد لمفهوم الدولة، جعل مفهوم السيادة على الإقليم يشهد تحولًا مغايرًا لما دافع عنه المفكرون الذين طرحوا مفهوم السيادة على الإقليم شرطًا لقيام الدولة. وبما أن مفهوم السيادة يتقاسمه، على الأقل، المبحثان السياسي والقانوني، سنحرص قدر الإمكان في تناولنا له على أن نُبقي عليه ضمن سياق فلسفة القانون فيما يتعلق بالقانون الدولي في شقَّيه: العام والخاص، والقانون العام، خاصة ما يتعلق بقانون الإجراءات المدنية، على أن يكون تناولنا للموضوع ضمن علاقة جدلية تتمثل في علاقة الإقليم بالسلطة، وعلاقة السلطة بالقرار. فكيف يمكن تصور ذلك؟
Abstract
Abstract: This study is situated within a historical–cognitive framework shaped by late 20 th century events such as the Gulf War, the progress of globalization since the beginning of the 21 st century, and the events of the past few years including the COVID–19 pandemic, the financial crisis, and the Arab Spring. Such events have challenged the traditional concept of sovereignty, at least as has been inherited from the modern era, with new propositions to understand the historical context which we believe has undergone a transformation in terms of the conception of sovereignty, and how it impacts our conception today. The proposal made by globalization – in terms of opening borders and reconceptualizing the state – has caused the concept of sovereignty to undergo a transformation different from what scholars who treat territorial sovereignty as a condition for state establishment have advocated for. Because sovereignty is a concept shared between politics and law (at least), our treatment aims to the extent possible to keep the concept within philosophy of law with regard to public
- السيادة
- الإقليم
- السكان
- العقد
- القرار
- السلطة
- الأزمة
- Sovereignty
- Territory
- Population
- Contract
- Decision
- Authority
- Crisis
العشرين: حرب الخليج، وظهور العولمة مع بداية القرن الحادي والعشرين، وما عشناه من
أحداث في السنوات القليلة الماضية: وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد 9–1)، والأزمة
المالية، والربيع العربي. هذه الأحداث وغيرها مما يمكن الوقوف عنده، وضعت مفهوم
السيادة كما ورثناه تاريخيًا، على الأقل في المدة الحديثة والمعاصرة، أمام طروحات جديدة
أصبح من الضروري التوقف عندها لكي نفهم السياق التاريخي الذي نعتقد أنه شهد تحولًا
في تصوره لهذا المفهوم، وكيف يؤثر اليوم في تصورنا للمفهوم نفسه. والطرح الذي تمثلته
العولمة، فيما يتعلق بفتح الحدود ورسم تصور جديد لمفهوم الدولة، جعل مفهوم السيادة على
الإقليم يشهد تحولًا مغايرًا لما دافع عنه المفكرون الذين طرحوا مفهوم السيادة على الإقليم
شرطًا لقيام الدولة. وبما أن مفهوم السيادة يتقاسمه، على الأقل، المبحثان السياسي والقانوني،
سنحرص قدر الإمكان في تناولنا له على أن نُبقي عليه ضمن سياق فلسفة القانون فيما يتعلق
بالقانون الدولي في شَّقّيه: العام والخاص، والقانون العام، خاصة ما يتعلق بقانون الإجراءات
المدنية، على أن يكون تناولنا للموضوع ضمن علاقة جدلية تتمثل في علاقة الإقليم بالسلطة،
وعلاقة السلطة بالقرار. فكيف يمكن تصور ذلك؟
Professor of Higher Education, Department of Philosophy – Faculty of Social Sciences, University of Oran 2, Muhammad Ibn Ahmed, Oran, Algeria. benphilo1964@gmail.com
and private international law, and common law (especially civil procedures). Our discussion addresses the dialectical relationship between territory and authority and between authority and decision–making.
أولا: السيادة وجدلية الإقليم والسلطة
يطرح الباحث الياباني كازوماسا كادو الإشكال التالي: "تم تأسيس النظام القانوني الوطني والدولي منذ العصر الحديث على مفهوم السيادة، ولكن منذ الحرب العالمية الثانية، أصبح نظام الدول ذات السيادة موضع تساؤل، ليس لأنه تم الاعتراف بعدم وجود سلطة أعلى من الدول ذات السيادة، وحسب [...] بل لأنه كان سببًا في الحرب ومصائبها. أصبح هذا الاتهام القضية الأكثر
وضوحًا في السنوات الأخيرة بسبب العولمة التي لم تعد تعترف بوجود دول مستقلة تمامًا بعضها عن
بعض. وفي هذه الظروف، لم تعد الدول ذات السيادة تحتل المكان السيادي، وهذا يعني أنها لم تعد في الارتفاع المطلق، ولكن على ارتفاع نسبي في مقابل فاعلين آخرين للعولمة". تضعنا هذه الفقرة أمام الإشكال الذي نريد أن نبين عبره ما طرأ من تحول على مفهوم السيادة، ولكن ليس فقط مما شهدته نتائج الحرب العالمية الثانية، بل بمعطيات أخرى: أما الأولى منها ف تتمثل في انتهاك لمفهوم السيادة في حرب الخليج الثانية؛ لأن هذا الانتهاك أثار مسألة تتعلق، من زاوية القانون الدولي، بالتعدي على بنود ميثاق الأمم المتحدة التي وضعت لكي تحافظ على سيادة الدول المنضوية تحت الهيئة نفسها كما جاء في ديباجة الميثاق. وأما الثانية فما تنص عليه في تاريخ القانون الدولي معاهدة وستفاليا Westphalia التي تأسس في ضوئها مفهوم السيادة وسيادة الدول على الإقليم. هذان المعطيان، وإن كان بينهما العديد من الأحداث التاريخية، يمكناننا من الناحية القانونية أن نبني عليهما تصورنا لمفهوم السيادة لمناقشة ما جاء في فقرة كادو، بحيث إن معاهدة وستفاليا حققت ما يُسَمَّى السيادة على الإقليم، بينما حرب الخليج، على العكس من ذلك، على الرغم من وجود بنود
(1) Kazumasa Kado, "Revisiter la notion de souveraineté," Droits. Revue Française de théorie de philosophie et de culture juridique , vol. 1, no. 53 (2011), pp. 215–239.
(((ما نقصده بحرب الخليج الثانية الغزو العراقي لأراضي دولة الكويت ذات السيادة الكاملة. وهو تعدٍ صارخ على سيادتها وعلى الأعراف الدولية، سواء تعلق الأمر بميثاق الأمم المتحدة أو بقوانين جامعة الدول العربية. وما نروم الإشارة إليه هنا لا يتعلق بمناقشة الغزو العراقي لدولة الكويت ذات السيادة، بل ما نريد تتبعه من خلال موضوع الورقة التنبيه إلى أن هذا المتغير الدولي أعاد مفهومًا
قديمًا إلى الساحة القانونية، ولو كان من منطلق سياسي. ويتعلق الأمر باللبس الذي يكتنف مفهوم النفوذ Autorité والسلطة
le Pouvoir. ولذلك سيأخذ مفهوم الدولة الشرطية l’état policier بعدًا دوليًا متخفيًا وراء اللبس نفسه بين مفهومَي النفوذ والسلطة.
ثمّ إن الممارسة الشرطية لم تعد تتعلق بالشأن الداخلي للدولة نفسها في ممارسة قراراتها، بل بقوة عالمية ستغير مفهوم السيادة،
وخاصة أنه أتى بعد أشهر من تفكك ما كان يسمى الاتحاد السوفياتي إلى دول وكيانات مستقلة، وأصبحت ذات سيادة كاملة ولم ننتبه إلى الصيغة أو الصيغ التي حدثت بها حيازة تقسيم الأقاليم السيادية لكل دولة وإعادتها. (((ينص ميثاق الأمم المتحدة في الفصل الأول: المادة 1، البندان 1 و 2، والفصل السادس: المادتان 35 و 36، والفصل السابع: المواد 42–39، على احترام سيادة الدول، والمحافظة على الإقليم. وهو مبدأ عملت الأمم المتحدة على أن يحقق السلم الدولي. ينظر: "ميثاق عصبة الأمم"، موقع الأمم المتحدة، شوهد في 024/5/29:2، في https://cuts.top/H4Ut
ضمن ميثاق الأمم المتحدة تنص على احترام سيادة الدول، وتمنع اللجوء إلى القوة إلا بعد المرور بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فإن هذا المبدأ اخترقتْه دولة هي عضو دائم في المجلس نفسه. وهو ما يعني أننا في اللحظتين عشنا تحولًا فيما يخص مبدأ السيادة: إرساء لمبدأ السيادة، واختراق له. وسيكون له تأثير في علاقة الإقليم بالسلطة، وعلاقة السلطة بالقرار في ضوء القانون الدولي العام، وهو ما نسعى لشرحه في القسم الأول. هذا، بينما طرحت جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 9–1) موضوع السيادة في سياق مختلف وفي شَّقَيْن: شق يتعلق بممارسة الدولة للسلطة على الإقليم أو بإعادة ترتيب علاقتها بالإقليم، وخاصة في
مجال حركة النقل، وهي ممارسة سبقت هذه الجائحة بسنوات، ولكنها ظهرت بجلاء أثناء الوباء في مراقبة حركة تنقل الأشخاص داخليًا وخارجيًا. ويبدو الأمر الخارجي مثيرًا للانتباه؛ ففي تقرير منظمة
الطيران المدني الدولي ICAO الصادر عن فريق خبراء التسهيلات في الاجتماع التاسع في المدة 7–4 نيسان/ أبريل 0162، بمونتريال في كندا، وفي البند 3 الخاص بالتعديلات على الملحق التاسع، في الفصل التاسع الخاص بنظم تبادل معلومات الركاب، ثمّة ما يتناقض صراحة مع الإعلان العالمي لحقوق
الإنسان في المادة 31، البند الثاني الذي ينص على أنه "لكِّلّ فرد حق في مغادرة أِّيّ بلد، بما في ذلك بلده،
وفي العودة إلى بلده"، علمًا أن التعديل نفسه يشدد الرقابة ويطالب بضرورة تبادل المعلومات بين الدول،
وهو اختراق صريح لحرية التنقل. أما الشق الثاني الذي أثارته أزمة كورونا وله تأثير في مفهوم السيادة من الناحية القانونية، فهو ما يسميه ميشيل فوكو (984–19261) السلطة الانضباطية؛ أي عودة الدولة الشرطية l’état policier وهو ما سنشرحه في القسم الثاني.
1. السيادة والقانون الدولي العام
إن إشارة الباحث الياباني كادو في الجزء السابق إلى مسألة فقدان العلو بفقدان السيادة، وهو ما يفترض في رأيه العودة إلى القرون الوسطى، لأن الدول لم تعد تحتل المكان السيادي، تدل على أن تشكل مبدأ السيادة من حيث مفهومه يتحقق بما يمكن أن نسميه "العظمة الإيجابية" للدولة، أو ما يسميه فوكو "قوة التوازن" في تعليقه على معاهدة وستفاليا. أما العظمة الإيجابية، فيمكن أن نقف عليها في تفسير إيمانويل كانط (804–17241) للعظمة السلبية، إذ يضرب لنا العديد من الأمثلة في تفسيرها باعتبارها محِّدِدة لدرجة العلو، ومن ذلك قوله: "وأخيرًا،
دعونا نأخذ مث لًا من الفيزياء: هناك في الطبيعة العديد من الحرمان الناتج من صراع سببين فعالين؛ أحدهما يَقمع نتيجة الآخر بالتعارض الحقيقي. [...] البرد نفسه، هو وبلا شك، ليس مجرد نفي
للحرارة، ولكن من السهل أن نرى أنه، وهذا ممكن أيضًا في حد ذاته، يحصل من دون مبدأ إيجابي.
(((ينظر: الأم المتحدة، "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، مفوّضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان،
شوهد في 024/5/29:2، في https://cuts.top/F3MZ (((نستعير هنا مفهوم العظمة الإيجابية والسلبية في إشارة إلى نص كانط حول العظمة السلبية.
(6) Michel Foucault, Sécurité , territoire, population. Cours au collège de France 1977–1978 (Paris: Gallimard; Seuil, 2004), p. 305.
نحن نفهم بالسهولة نفسها أنه يمكن أن يأتي من سبب إيجابي: هذا هو المصدر الحقيقي لرأي معين حول أصل الحرارة. نحن لا نعرف البرودة المطلقة في الطبيعة، وإذا تحدثنا عنها فإننا لا نفهمها إلا بطريقة مقارنة". يفسر كانط، عن طريق العظمة السلبية، قانونًا طبيعًّيًا يتعلق بتصورنا للعلاقة الجدلية بين عناصر الطبيعة وقوانينها؛ بحيث إن السلب هو الذي يحدث الموجب لأن الأخير لا يمكنه أن يوجد لولا وجود السلب، فهو لذلك، أي السلب، يعد دليلًا على وجود ما هو موجب في الطبيعة، وهو ما يعزز من قيمة عظمة السلب. وهذا ربما ما فهمه فريدريش هيغل F. Hegel (831–17701) في قانون الجدلية. يقيم هيغل على عكس توماس هوبز Thomas Hobbes (79–158816) برهانًا لنشأة السيادة، عبر تصوره لما يمكن أن نسميه صراع السيد والخادم في علاقة قلق للسلب، كما يقول جان لوك نانسي Jean–Luc Nancy؛ لأن السلب هو المنطق الذي يحقق الاعتراف للطرفين المتصارعين: السيد (الرئيس) والخادم، وفي الوقت نفسه يكون بمنزلة البرهان على وجود النقيضين؛ أي إن النقيض لا يمكن أن يوجد ما لم يكن المقابل موجودًا، وهو ما يفسره كانط بالعلاقة الموجودة بين العظمة الإيجابية والسلبية. إن المثال الذي يأتي على ذكره كانط يحضر في نصين لكل من هوبز وهيغل؛ إذ يتخلى الأفراد عن الملكية الخاصة في إطار عقد مفترض بين الأطراف يسمح لكل واحد من هؤلاء بأن يسهم، من حيث هو مالك خاص، في الملكية العمومية، نشوء الدولة، خاصة إذا ما تعلقت القضية
(7) Emmanuel Kant, Essai pour introduire en philosophie le concept de grandeur négative , Roger Kempf (trad.) (Paris: Vrin, 1997), p. 36.
(((يذكر هوبز ما نصه: "إن التفويض المتبادل للحقوق هو ما يسميه الناس عقدًا". ينظر: توماس هوبز، اللفياثان: الأصول
الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب (أبوظبي: دار كلمة، 0112)، ص 42.1 ويضيف: "وهنالك فارق بين تفويض الحق في شيء وبين التحويل أو النقل، أي تسليم الشيء نفسه". المرجع نفسه، ص 43.1 بينما يذكر هيغل في
الفقرة 4 من القسم الأول الخاص بالملكية في كتاب أصول فلسفة الحقما نصه: "قوام الحياة أن تكون لك سلطة خارجية على الشيء، أما جانب المنفعة الجزئية فهو أن تجعل شيئًا ما ملكك لقضاء حاجة طبيعية أو دافعًا أو نزوة. وهكذا تشبع المنفعة
الجزئية عن طريق الحيازة، لكني أنا نفسي بوصفي إرادة حرة، فأنا هدف لنفسي فيما أملك. وبذلك أكون أيضًا لأول مرة إرادة
فعلية. وهذا هو الجانب الذي يشكل مقولة: الملكية، وهو العامل الحقيقي السليم في الحيازة". ينظر: فريديريك هيغل، أصول
فلسفة الحق، ج 1، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام (القاهرة: مكتبة مدبولي، 9961)، ص 96.1 ويشرح ذلك في الإضافة من نفس الفقرة بما نصه: "إذا ما ركزت على حاجاتي فسوف تبدو حيازة الملكية عندئذ وسيلة لإشباع هذه الحاجات، لكن الوضع الصحيح هو ما يأتي: الملكية – من زاوية الحرية – هي أول تجسيد للحرية، وبالتالي فهي في ذاتها غاية جوهرية ". المرجع نفسه، الإضافة 45. ويضيف في الفقرة 46 ما يفيد الملكية العامة بقوله: "مادامت إرادتي – بوصفها شخصًا ما – وبالتالي بوصفها
إرادة فردية لشخص بعينه – بما أنها تصبح موضوعية في الملكية – فإن الملكية بذلك تكتسب طابع الملكية الخاصة، إذ من طبيعة الملكية العامة أن تكون من الممكن أن يملكها أشخاص منفصلون، وتكتسب خاصية المشاركة التي يمكن أن تنحل داخليًا، وهي مشاركة يمكن أن يعدّ تنازلي عن نصيبي فيها دليلًا على ممارستي لفعل حر". ينظر: الفقرة 46، في: المرجع نفسه.
وقبل هذا نجد إشارة عند كانط في كتابه حول القانون حينما يقول ما نصه: "ما هو ملكي قانونيًا هو ما أنا ملزم به بطريقة يمكن
أن يؤدي استخدامها بواسطة شخص آخر من دون موافقتي إلى الإضرار بي. الشرط الذاتي لإمكانية الاستخدام بشكل عام هو الحيازة. لكن شيئًا خارجيًا لا يمكن أن يكون لي إلا إذا كان بإمكاني أن أفترض أنه من الممكن أن أتعرض للظلم تمامًا بسبب
استخدام شخص آخر لشيء لا أملكه". ينظر الفقرة الأولى في:
Emmanuel Kant, Doctrine du droit, Doctrine de la vertu. Métaphysique des moeurs 2, Alain Renault (trad.) (Paris: Flammarion, 1994).
بالملكية على الإقليم، بل إن الدفاع عن الملكية باعتبارها ملكية خاصة/ عمومية يصبح ضروريًا. لهذا تجد الحرب شرعيتها من حيث إنها دفاع عن السيادة؛ أي سيادة الإقليم. ولذلك يتفق فلاسفة العقد: هوبز، وجون لوك John Locke (704–16321)، وجان جاك روسو Jean–Jacques Rousseau (778–17121)، على هذا الأمر، على الرغم من أن فوكو ينبهنا، فيما يخص هوبز، إلى ما يخفيه المقابل الاستراتيجي وراء البناء الذي يقيمه للسيادة عبر الخوف من الحرب واللجوء إلى العقد، حمايةً للفرد أو الجماعة. ولقد أردنا أن ننبه إلى هذا الأمر لما له من أهمية في فهم لحظة تاريخية أقمنا عليها أحد مرتكزات إشكاليتنا، ونعني بها حرب الخليج؛ إذ يقول فوكو فيما يخص المقابل الاستراتيجي الذي يخفيه اللفياثان: "المقابل الاستراتيجي هو، في اعتقادي، الاستعمال السياسي في الصراعات الحالية لنوع من المعرفة التاريخية الخاصة بالحروب والاجتياحات والنهب ونزع الملكية والحجر والمصادرة والسلب والابتزاز والاغتصاب، وآثار ذلك على التصرفات الحربية، وعلى المعارك والصراعات الحقيقية والواقعية داخل القوانين والمؤسسات التي يظهر أنها تنظم السلطة"؛ ما يعني أن الحرب والغزو والتعدي لها أهداف أخرى تتعلق بالاستيلاء على الأرض من دون ملكية تاريخية. وهو ما يدفعنا إلى البحث عن صيغة أخرى لمفهوم السيادة نجدها عند جان بودان (96–153015)، وهو يعرّفها بقوله: "السيادة هي القوة المطلقة والدائمة للجمهورية [...] منذ أن قلنا إن الجمهورية
هي حكومة حق لعدة عائلات، ولما هو مشترك بينهم، مع السلطة السيادية، يغدو من الضرورة بمكان توضيح [ماذا] تعني السلطة السيادية". يتبين مما سبق أن بودان يفرق بين أمرين: السيادة، وممارستها. تعدّ السيادة عنده بمنزلة شرط لقيام الجمهورية؛ مما يحيل على طابعها القانوني؛ وهو ما حققته معاهدة وستفاليا، وأعلنت نهاية الإمبراطورية بمنح السيادة على الإقليم للدولة. وثانيًا، يمرّ شرط السيادة عبر
السلطة السيادية أو ممارسة السلطة السيادية، وهو تمييز مهم لما له من قيمة في تحديد سلطة الحاكم وفاعلية القرار/ التشريع، بل حدود مزاولة الحاكم للسيادة، كما يأتي على ذكرها بالتفصيل فيليب نيمو. ومنها: وضع القوانين وإلغاؤها، وأخذ القرار في حالات الحرب والسلم، والتعيين في المناصب، وإصدار الأحكام، ومزاولة حق العفو. يحرص هوبز على وضع السلطة في مركز ممارسة الحكم السيادي، حتى لو أتت من التعاقد، أي إنه يحرص مثلما كان الحال مع بودان على أن يجعل من السلطة سلطة مطلقة، إذ وصل بتفسير السيادة
(((ميشيل فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع: دروس ألقيت في كولااج دي فرانس لسنة 1976، ترجمة الزواوي بغورة (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 0032)، ص.111 (1((ينظر الفقرات 8، 9،:01، في
Jean Bodin, Les six livres de la République (Paris: Edition et présentation de Gérard Mairet, 1583).
(((1 ينظر:
Philippe Nemo, "Bodin. Un Théoricien de l’état souverain," in: Histoire des idées politiques aux temps modernes et contemporains (Paris: PUF, 2013), pp. 79–107.
المطلقة إلى ذروتها، وبدأ في فحصها كسلطة عليا ومطلقة لا تحدها القوانين والاتفاقيات. لذلك تبدو الدولة عنده متحررة من كل القيود الذاتية والموضوعية، والحاكم في الدولة وحده هو من يملك السلطة المطلقة العليا والمستقلة، وعلى جميع الناس وأفراد المجتمع الخضوع لهذه السلطة؛ مما يجعل الحكم المطلق، والاستبداد، يقدمان نفسيهما أنهما العلامة الرئيسة للدولة. ولكن حينما نقارن هذا الأمر بتصور آخر كما هو الحال عند كارل شميت (985–18881)، الذي يعرّف السيادة بقوله: "السيادة هي أعلى سلطة مستقلة قانونيًا [...]. إن الصلة بين السلطة الحقيقية والسلطة
الأعلى قانونيًا هي المشكلة الجوهرية لمفهوم السيادة". يقف هذا التعريف على خصوصيات، منها: أولًا، أنه يضع السيادة، من حيث موضوع التفكير وميدانه، تابعةً للقانون، على خلاف فلاسفة العقد، وفي توافق مع فقهاء القانون السابقين؛ ثانيًا،
التمييز الذي يحرص شميت على أن يبينه بين مفهوم الدولة والسيادة، عبر التفرقة بين نوعين من السلطة: السلطة الحقيقية والسلطة الأعلى، وهو تمييز يدخل في صلب مفهوم النظرية الألمانية للدولة، خلافًا لنظرية بودان الفرنسية، وخلافًا لتصور هوبز للدولة من منظور إنكليزي؛ مما يعني أننا أمام ثلاثة تصورات للسيادة، إضافة إلى تصور نيقولا مكيافيلي Niccolò Machiavelli (7–1469152). لذلك يبدو أن المقاربة التي نحتاجها الآن، ومن زاوية فلسفة القانون، تتعلق بمسألة التشريع للسيادة وليس النشأة.
2. السيادة وقوانين الحيازة الخاصة والعامة
تزداد أهمية هذه الملاحظة التي وقفنا عليها في نص شميت وضوحًا، حينما ننتقل معه إلى كتابه نوموس الأرض Le nomos de la terre (9501) الذي تناول فيه بعمق إشكالية السيادة وعلاقتها بالأرض/ الإقليم. وفيه يحرص شميت منذ البداية على التفرقة بين القانون والنوموس؛ لارتباط الأخير تاريخيًا، منذ اليونان، بمسألة التقسيم والتفريع للمساحة/ الفضاء – الأرض إلى أجزاء، خلافًا
لما هو في القانون. وتبدو نقطة قوته في أنه ي تتبع مسألة الاستيلاء على الأرض تاريخيًا وتشُّكُل سيادةِ
الدول الحديثة طبقًا للقانون الوضعي، إلى أن يصل إلى النقطة المحورية التي تتمثل في تشكل دولة من دون سيادة على الأرض، بل بالاستيلاء عليها، وهو ما يمكن أن نفسر به أهمية الأرض في تحديد
(((1 كارل شميت، اللاهوت السياسي، ترجمة رانية الساحلي وياسر الصاروط (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 0082)، ص.34 1(((لأغامبين رأي آخر في هذه المسألة، يذهب فيه إلى القول بأن مفهوم السيادة عند شميت الذي صاغه في كتاب اللاهوت
السياسييعود إلى كتابه الدكتاتورية، ولكن ما نأمل في بحثه هنا يتمثل في ربط مفهوم شميت للسيادة بما جاء في كتاب نوموس
الأرضلكي نتمكن من تناول موضوع السيادة من زاوية فلسفة القانون لا من زاوية الفلسفة السياسية؛ لأن السيادة على الإقليم كانت
تقوم على الحيازة بما فيها الأرض وهو الموضوع الذي يبحثه في كتاب نوموس الأرضعلى خلاف كتاب الدكتاتورية الذي يتناول
المسألة من زاوية الفلسفة السياسية. ينظر: جورجيو أغامبين، حالة لااستثناء، ترجمة ناصر إسماعيل (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 0152)، ص.100 (1((الفصل الأول من الكتاب مخصص لهذه المسألة.
الإقليم أولًا وفي ممارسة السلطة عليها. علمًا أن هذه المسألة نفسها يشير إليها بودان منبهًا إلى
أهميتها بقوله: "إن الجمهورية يجب أن تتمتع بإقليم كافٍ، ومكان ملائم للسكان، وخصوبة بلد وافر بما فيه الكفاية، وكمية من الماشية لإطعام الرعايا ولباسهم؛ وليحفظ هدوء السماء صحتهم، ودرجة حرارة الهواء، ولطف المياه؛ وللدفاع عن الأهالي. [...] كما يجب أن تتوافر المواد الملائمة لبناء
المساكن والحصون، إذا كان المكان نفسه غير محمي وغير قابل للدفاع عنه على نحو كافٍ". ولكن مع ذلك علينا أن ننتبه إلى بعض القضايا التي نحسب أنها مهمة بما تحمله من تصور جديد لرؤية شميت، فيما يخص مسألة الأرض. فمن الناحية القانونية، كما يقول تيبو غريس، يطرح شميت مشكلة قانونية جديدة فيما يتعلق بالصلة بين عمليات الاستيلاء على الأراضي وإضفاء الطابع الموضوعي على القانون، مشيرًا إلى الاستيلاء على الأراضي باسم الاكتشافات الجغرافية الكبرى: "التي تتمثل في استيلاء
القوى الأوروبية على أراضي بلدان غير أوروبية، غابت عن الأنظار تمامًا. وفي الواقع، فإن الأساس القانوني لهذا الاستيلاء الإقليمي الكبير على الأراضي غير الأوروبية من جانب القوى الأوروبية يكمن فقط في الاكتشاف والتنقيب [...]. هذا هو العنوان القانوني الحقيقي الوحيد الذي يبقى لقانون الأمم المركزية الأوروبية عندما يُدَّمَر النظام المكاني للجمهورية المسيحية، وعندما تصبح جميع الحجج اللاهوتية قد عفّى عليها الزمن". إن الاكتشافات التي جرت في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، في نظر شميت، كانت في حقيقة الأمر غزوًا لأراضي الغير من دون استشارة السكان الأصليين. لقد امتد الحس الإمبراطوري بعد معاهدة وستفاليا إلى خارج القارة الأوروبية إلى ما سُِّمِيَ "العالم الجديد". إن هذا الأمر هو ما قد يفسر لنا الفعل الاستباقى الذي قامت به الولايات المتحدة الأميركية فيما يخص حرب الخليج الثانية، إذا ما أخذنا في الاعتبار أن مثل هذا الأمر أتى متزامنًا مع مسألتين: الأولى نشر كتاب نهاية التاريخ والإنسان الأخير، وهو ما فتح الباب نحو عصر جديد؛ والثانية أن هذا الفعل أتى قبل الإعلان عن تنظيم قارّي جديد، ونعني بذلك الاتحاد الأوروبي الذي بدأت المناقشات حوله في منتصف ثمانينيات القرن الماضي وأعلن عنه بصفة رسمية بمعاهدة ماستريخت 9911، وهو ما طرح تصورًا جديدًا لمبادئ السيادة المشتركة على الإقليم.
(((1 لفهم المسألة بشكل مفصل، يمكننا العودة بمسألة العقار إلى كتاب: بيير بلان، الأراضي والسلطات والصراعات: تاريخ العالم
الزراعي، ترجمة جورج سعيد (بيروت: دار الفارابي، 0232)، وخاصة الفصل الرابع لفهم الكثير من صراعات العالم العربي على مسألة الأرض بما فيها القضية الفلسطينية.
(16) Bodin, p. 80.
يمكننا أن نعود في هذه المسألة وضمن الفلسفة العربية الإسلامية إلى قراءة ابن خلدون من منظور قانوني، وهي تجربة أعتقد أنها ستكون متميزة إذا ما أخذنا في الاعتبار تلك الملاحظة التي يقدمها جيل دولوز في كتابه Mille plateaux حول السطح المطروز والأملس l’espace striée et l’espace lisse، حينما يذكر بأهمية ابن خلدون في تفرقته بين البدو والحضر، وكيفية نشأة مفهوم السيادة على الأرض. وهذا التصور يقع على خلاف ذلك الذي أتي به فوكو والذي يعود إلى المفهوم الرعوي للسيادة. 1(((اعتمدنا في بعض الأحيان على القراءة التي يقدمها لكتاب نوموس الأرض. ينظر:
Thibaut Gress, "Carl Schmitt: Le Nomos de la terre," Actu–philosophia , 6/5/2009, accessed on 29/5/2024, at: https://acr.ps/1L9zOfK (18) Carl Schmitt, Le nomos de la terre , Lilyane Deroche–Gurel (trad.) (Paris: PUF, 2001), pp. 132–133.
ولكي تتضح الصورة أكثر، يمكننا أن نقف على ملاحظة ثانية في السياق نفسه، سياق خلق السيادة وممارسة السلطة السيادية على الأرض بعد الاستيلاء عليها، لا من الناحية المادية، ولكن على السكان، ويتعلق الأمر بالملاحظة التي يذكرها فوكو فيما يخص تغير مفهوم السيادة مع طبيعة ممارسة السلطة؛ لارتباط نشأتها بالأرض إذ يقول: "ترتبط نظرية السيادة بشكل من أشكال السلطة التي تُمارس على الأرض ومنتجات الأرض أو خيرات الأرض، أكثر من ارتباطها بالأجساد وما تقوم به". ولا يقف فوكو عند هذا الحد من تتبع التغير الذي أصاب مفهوم السيادة ولو من منظور ممارسة السلطة، فيقول: "حدثت في القرنين السابع عشر والثامن عشر ظاهرة مهمة، وهي بروز آلية جديدة للسلطة لها إجراءاتها الخاصة، وأدواتها الجديدة، ولوازمها المختلفة، والتي حسب ما أعتقد لا تتفق مع علاقات السيادة [...]. إنه نمط من السلطة قائم على التأطير المشدد والقهر والإكراه المادي، وذلك بدلًا من الوجود المادي للسيادة، ويحدد كذلك اقتصادًا جديدًا للسلطة قائمًا على مبدأ تنمية قوى الإخضاع وفعالية من يخضع لها في
الوقت نفسه". إن شميت بتحديده لما حدث خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر من استيلاء على الأرض لممارسة السلطة السيادية، وكذلك فوكو بتحديده للقرنين السابع عشر والثامن عشر وما جرى من تحول في مفهوم ممارسة السيادة، يُظهران تغير ممارسات السلطة لأجل بسط السيادة على هو مادي؛
أي الاستيلاء على الأرض، إلى ما هو إكراه مادي وسلطة للهيمنة: "أما النمط الجديد للسلطة فلا يمكن وصفه بعبارات السيادة، وهو في اعتقادي [يقول فوكو] أحد أكبر اكتشافات المجتمع البرجوازي، وإحدى الوسائل الأساسية التي قامت عليها الرأسمالية الصناعية والنمط الاجتماعي المرتبط بها. هذه السلطة غير السيادية والغريبة عن شكل السيادة هي السلطة الانضباطية Pouvoir disciplinaire، سلطة لا يمكن تسويغها ولا وصفها بعبارات نظرية السيادة، لأنها مختلفة عنها جذريًا، وكان من المنتظر أن
تؤدي إلى إزالة هذا الصرح القانوني الكبير لنظرية السيادة". ومع ذلك، فإن استحضار فوكو هنا قد يعيق تقدمنا نحو الدراسة القانونية للمسألة، لما يُبدِيه من تحفظ
على المسألة في قوله: "بدلًا من توجيه البحث في السلطة إلى الصرح القانوني للسيادة [...]، أعتقد أنه يجب توجيه البحث في تحليل السلطة نحو الهيمنة وليس السيادة، [...] يجب دراسة السلطة خارج نموذج اللفياثان خارج الحقل المحدد من طرف السيادة القانونية والمؤسساتية للدولة، يجب دراستها انطلاقًا من تقنيات وتكتيكات الهيمنة". إن هذا التوجه الجديد لفوكو هو ما نستخدمه لتحليل علاقة السلطة بالقرار للوصول إلى مفهوم السيادة تجاوزًا لموقف فوكو نفسه، ولكن تمشيًا مع ما جاء في الفقرة التي يبدو أنه يترك بها منطقة فراغ مهمة
(1((فوكو، ص.60 (2((المرجع نفسه، ص.60–59 (((2 المرجع نفسه، ص.60 (((2 المرجع نفسه، ص.58 (2((يركز أغامبين على الفراغ القانوني باعتباره حالة الاس ثتناء التي تسمح للمشرع بأن يضع القوانين. ينظر: أغامبين، ص.85–77
حينما يقول: "وكان من المنتظر أن تؤدي إلى إزالة هذا الصرح القانوني الكبير لنظرية السيادة". إنه لا ينفي استمرار الصرح القانوني لنظرية السيادة، وهو ما يمكننا أن نبحث عنه في صور وآليات أخرى غير تلك التي بحثها فوكو نفسه؛ أي فيما هو من صرح القانون.
ثانيًا: السيادة: السلطة والقرار
يذِّكِر شميت في إحدى صفحات كتابه اللاهوت السياسيبأهمية بودان، فيقول عنه: "يكمن إنجازه العلمي والأساس لنجاحه في كونه أدرج القرار في مفهوم السيادة". إن مسألة وحدة مركزية القرار والدفاع عنها تبدو من المعضلات التي تصادف مبدأ السيادة. لذلك حرص فقهاء القانون، منذ بداية التفكير في مفهوم السيادة، على أن يجتهدوا، تأويلًا وتفسيرًا، في هذه المسألة. كيف يمكننا أن نفكر في
نظام قانوني قائم على الجمع بين متناقضات تشكل بذاتها جوهرَه؟ كيف يمكن تصور ممارسة للسلطة
في ظل الايمان بالحرية من جهة ووجوب الطاعة من جهة أخرى؟ إن هذا النوع من الأسئلة وغيره هو ما يمكن أن نجده ماثلًا أمامنا، ونحن نقارب مفهوم السيادة من زاوية سلطة القرار، وهو من زاوية فلسفة القانون نوعٌ من الأسئلة يتعلق بفاعلية التشريع. إن ما نريد مقاربته هنا، وتمشيًا مع ما سبق وما جاء في مقدمة البحث، هو الأحداث التاريخية لنهاية القرن العشرين وبداية
القرن الحادي والعشرين، فيتعلق بمسألة سلطة القرار في الحالات العادية والاس ثتنائية، وانعكاس ذلك على مبدأ السيادة في جانبين: التعدي على الإقليم، وبسط الصلاحية على الإقليم.
1. سلطة القرار: "الحرب الأهلية العالمية" و"دولنة البيولوجي"
لقد ربط شميت مبدأ السيادة بالحالة الاس ثتنائية، فقال: "الحاكم السيادي هو الذي يقرر في الحالات الاس ثتنائية [...]. وقريبًا، سيصبح واضحًا أن الاس ثتناء ينبغي أن يفهم أنه يعود إلى المفهوم العام في
نظرية الدولة، وليس إلى مجرد مكوّن يطَّبَق على أي مرسوم طارئ أو حالة حصار". يثير هذا التعريف على الأقل سؤالين، يتعلق أوّلهما بحالة الاس ثتناء كماهية للسيادة، وثانيهما بأن حالة الاس ثتناء هي جوهر الدولة، ولا يتعلق الأمر بحالة ظرفية مما يبعد عن أن يس ثتنى من أن يكون مجرد مرسوم تشريعي طارئ. ماذا يعني هذا الأمر؟ الإجابة يقف عليها أغامبين، حينما يقول معلقًا على تصور شميت فيما يخص "حالة الاس ثتناء": "في كتاب اللاهوت السياسييكمن العنصر الفاعل الذي يؤدي إلى إدراج حالة الاس ثتناء في النظام القانوني في التفريق بين عنصرين قانونيين أساسين، وهما القاعدة Norm، والقرار Entscheidung, Dezision [....] فمع تعليقهما للقاعدة
(2((فوكو، ص.60 (((2 شميت، ص.25 (((2 "الحرب الأهلية العالمية" تعبير لأغامبين. ينظر: أغامبين، ص 44؛ بينما "دولنة البيولوجي" تعبير لفوكو. ينظر: فوكو، ص.233 (2((شميت، ص.25 (2((ي تتبع أغامبين تطور هذا المصطلح وتحوّله عند شميت خاصة في الفصل الثاني قوة القانون. ينظر: أغامبين، ص 108–95
تكشف 'حالة الاس ثتناء offenbart] [بوضوح شديد عن عنصر شكلي، وعلى وجه التحديد قانوني، وهو القرار على هذا النحو، فيظهر كلا العنصرين، القاعدة والقرار، استقلال كٍّلٍ منهما عن الآخر"'. تخضع علاقة القاعدة بالقرار لمنطق الزيادة والنقصان أو الضرورة والحاجة؛ فكلما اتسعت القاعدة ضاق القرار وكلما اتسع القرار ضاقت القاعدة. أي إن القرار لا يكون إلا في حالة ضرورة غياب القاعدة أو عدم استجابته للوضع الطارئ أو الاس ثتنائي، ولذلك فإن: "صاحب السيادة هو الذي يستطيع إعلان حالة الاس ثتناء، ويضمن ربطها بالنظام القانوني. ولمّا كان القرار هنا تحديدًا يتعلق بإلغاء القاعدة نفسها"، ولمّا كانت حالة الاس ثتناء تمثل الاحتواء والاستيلاء على فضاء ليس بخارج ولا بداخل (يناظر فضاء القاعدة الملغاة والمعلقة)؛ "فصاحب السيادة يقف خارج [...] النظام القانوني الطبيعي القائم، ولكنه ينتمي إليه [...] لأنه من بيده قرار إمكانية تعليق الدستور بأكمله". تفسر الجملة الأخيرة السياق الذي تتحرك ضمنه الإمبراطوريات الجديدة، ونقصد بذلك عودة الحس الإمبراطوري الجديد، وتجاوز المعاهدات الدولية في صورة أصبحت ماثلة أمامنا تمارسها الولايات المتحدة باختراقها للقوانين والمواثيق الدولية وبخلقها لحالات الاس ثتناء وهو ما يبشر بعودة حروب أهلية عالمية.
2. الحرب الأهلية العالمية
إن الحديث عن علاقة الإقليم بالقرار في تمثل مفهوم السيادة يقودنا، تبعًا لما انطلقنا منه من فرضيات في مقدمة البحث، إلى الحديث عن مسألتين يشير إليهما أغامبين مجتمعتين في تحليله لمفهوم "حالة الاس ثتناء"، ويتعلق الأمر بالتصرف الأميركي، في إطار السياسة الحيوية، فيقول: "على مستوى السياسة الحيوية، ثمة معنى يجسد على الفور كيف أضحت 'حالة الاس ثتناء' بنية أصلية يتضمن فيها قانون الكائن الحي، وذلك عبر تعليق العمل بالقانون نفسه. ونجد هذا المعنى واضحًا جليًا في قانون
Military order الذي أصدره الرئيس الأميركي في 31 تشرين الثاني/ نوفمبر 0012، والذي يُجيزُ اعتقال الأجانب المشتبه بتورطهم في أنشطة إرهابية لأجل غير مسمى Indefinite detention[...] بيد أن الإضافة التي استحدثها قانون الرئيس بوش تمثلت في الإلغاء الجذري للمركز القانوني للفرد، بحيث أصبح 'كائنًا' لا تعريف له ولا تصنيف"، علمًا أننا لا نجد تفسيرًا لذلك إلا في مسألة الضرورة
التي تفترضها "حالة الاس ثتناء"؛ فجورج بوش الابن George W. Bush (009–20012) – كما يقول أغامبين – يحاول أن يخلق وضعًا تتحول فيه الحالة الطارئة إلى قاعدة دائمة، ويغدو فيه التمييز بين
السلم والحرب (وبين الحرب الخارجية والحرب الأهلية العالمية) أمرًا مستحيل.
(2((المرجع نفسه، ص 99، وحينما يذكر كارل شميت يحيل على هذا النص في كتاب اللاهوت السياسي: "لأن سلطة تعليق قانون نافذ هي تمامًا الإشارة الفعلية إلى السيادة، أكان ذلك في حالة محددة أم عامة. لقد أظهرت دراستي عن الديكتاتورية [...] يستند كل
نظام قانوني إلى قرار، وكذلك يحوي مفهوم النظام القانوني المطبق كونه أمرًا بدهًّيًا، التناقض داخله بين العنصرين المختلفين
للتشريع: العرف والقرار. وككل نظام آخر، يستند النظام القانوني إلى القرار وليس العرف". ينظر: شميت، ص.27–26 ((3(أغامبين، ص.99 ((3(المرجع نفسه، ص.46–45 ((3(المرجع نفسه، ص.77
ولكن علينا أن نسأل أنفسنا: لمَ العودة إلى ذلك؟ لا سيما أن الولايات المتحدة ليست الوحيدة التي
يمكنها أن تتمثل شُرطَِّيَ العالم. يشرح لنا أغامبين هذه الوضعية من خلال التمييز بين دول تُنظم حالة الاس ثتناء قانونيًا ودستوريًا
وأخرى لا تفعل ذلك. ومن الدول التي تفضل عدم تنظيم حالة الاس ثتناء قانونيًا وبنص دستوري:
الولايات المتحدة. وعليه؛ فإن حالة الضرورة التي هي من صلب حالة الاس ثتناء، وتسعى لأن تكون مظهرها: "تقِّدِمُ نفسها كإجراء غير قانوني Illegale لكنه متفق مع النظام القانوني والدستوري Giuridico. ويتحققُ هذا الإجراء ويصبح حقيقة واقعية عبر إنتاج قواعد معيارية جديدة (أو نظام قانوني جديد"). انطلاقًا من هذا التصور، يمكننا القول إن حالة الاس ثتناء التي خلقها لنفسه الرئيس الأميركي، في حرب الخليج الثانية، كانت تتبع جوهر القاعدة القانونية تمشيًا مع روح الدستور الأميركي، ولذلك لم يول
الرئيس الأميركي جورج بوش الأب George H. W. Bush (993–19891) اهتمامًا كبيرًا للمواد 33،
34، 35 والمواد 52 و 35 من ميثاق الأمم المتحدة؛ إذ تنص هذه المواد في مجملها على ضرورة العودة إلى مجلس الأمن أو التنظيمات الدولية الإقليمية لحل النزاعات بين الدول قبل التدخل العسكري، وخاصة إذا علمنا أن مجلس الأمن أصدر مجموعة من القرارات التي تلزم العراق باعتباره دولة تعدت على سيادة دولة الكويت: • قرار مجلس الأمن رقم 066 – 2 آب/ أغسطس 9901، الذي دان فيه فيه غزو العراق للكويت، وطالب العراق بالانسحاب الفوري وغير المشروط إلى المواقع التي كانت عليها في 1 آب/ أغسطس.1990 • قرار مجلس الأمن رقم 678، 92 تشرين الثاني/ نوفمبر.1990
((3(يقول أغامبين واصفًا هذه الحالة: "إن نظرة فاحصة إلى وضع حالة الاس ثتناء في التراث القانوني للدول الغربية تكشف لنا عن
خلاف واضح من حيث المبدأ، ولكنه غامض في الواقع، حيث ثمة أنظمة قانونية تُنظم حالة الاس ثتناء في نص الدستور أو بنص
قانوني، وأنظمة أخرى تُفضل عدم تنظيم المسألة صراحة. تنتمي فرنسا إلى المجموعة الأولى (حيث استحدثت حالة الاس ثتناء
الحديثة في عصر الثورة الفرنسية) وكذلك ألمانيا، بينما تنتمي كل من إيطاليا وسويسرا وإنكلترا والولايات المتحدة إلى المجموعة الثانية". المرجع نفسه، ص.76 ((3(المرجع نفسه، ص.85 (3((ماثلًا: المادة 52 من ميثاق الأمم المتحدة ونصها: "ليس في هذا الميثاق ما يحول دون قيام تنظيمات أو وكالات إقليمية تعالج من
الأمور المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدولي ما يكون العمل الإقليمي صالحًا فيها ومناسبًا ما دامت هذه التنظيمات أو الوكالات الإقليمية
ونشاطها متلائمة مع مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها. يبذل أعضاء الأمم المتحدة الداخلون في مثل هذه التنظيمات أو الذين تتألف منهم تلك الوكالات كل جهدهم لتدبير الحل السلمي للمنازعات المحلية عن طريق هذه التنظيمات الإقليمية أو بواسطة هذه الوكالات وذلك قبل عرضها
على مجلس الأمن. على مجلس الأمن أن يشجع على الاستكثار من الحل السلمي لهذه المنازعات المحلية بطريق هذه التنظيمات الإقليمية
أو بواسطة تلك الوكالات الإقليمية بطلب من الدول التي يعنيها الأمر أو بالإحالة عليها من جانب مجلس الأمن. لا تعطل هذه المادة بحال
من الأحوال تطبيق المادتين 34 و 35 ". هذا ويمكن العودة في هذه النقطة إلى مجموعة من المراجع منها: بيار سيالنجر وأريك لوران، حرب
الخليج، ط 11 (بيروت: شركة المطبوعات للطباعة والنشر، 993 1)؛ أسامة عكنان، إعصار الخليج (الجزائر: شركة الشهاب، 9911)؛
محمد حسنين هيكل، حرب الخليج: أوهام القوة والنصر (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر،.)1992
إن خرق العراق لمبدأ سيادة دولة الكويت هو تعٍّدٍ صريح وبالقوة على دولة ذات سيادة وعلى بنود المعاهدات والقوانين الدولية. ولكن ما أردنا الإشارة إليه هنا هو أن هذه الحالة التي خلقتها حرب الخليج الثانية ستسجل ضمن القانون الدولي تحولًا جذريًا في فهمنا الجديد لمفهوم السيادة.
3. دولنة البيولوجي
يقودنا الحديث عن علاقة السلطة بالإقليم – بما أنه يشكل صورة لمفهوم السيادة – إلى ما مرت به الإنسانية منذ بضع سنين، فيما سُمّيَ "أزمة كورونا" أو "كوفيد 9–."1 وبغض النظر عن الزوايا التي
نُظِر منها إلى هذا الوباء، يمكننا أن نعالج القضية التي نريد شرحها هنا والمتعلقة بمفهوم السيادة من المنظور الذي يتمثله فوكو في مجموعة من النصوص التي عالج عبرها ما يسميه "السياسة الحيوية". وأبرز موضوع في السياسة الحيوية بحسب فوكو ما تعلق بالسكان أو المحكومين بآلية جديدة يسميها الحكمانية La gouvernementalité، على عكس ما كانت عليه الرعية من قبل في العصور الحديثة. يعدّ مفهوم الحكمانية مفهومًا محوريًا في تناوله مسألة علاقة السلطة بالقرار، خاصة في المعنى الثاني الذي يعطيه لمفهوم الحكمانية بقوله: "ثانيًا، أعني بالحكمانية التوجه، وخطر القوة الذي لم يتوقف في
كل الغرب عن الانقياد، ولفترة طويلة جدًا، نحو تفوق هذا النوع من السلطة الذي نسميه الحكومة، على كل الأنواع الأخرى: السيادة والانضباط، والذي أدى، من ناحية، إلى تطوير سلسلة كاملة من أجهزة الحكم المحددة: [ومن ناحية أخرى] إلى تطوير سلسلة كاملة من المعارف". ما يشد انتباهنا في هذا التفريع للحكمانية الذي يذكره فوكو مسألتان: تتعلق الأولى بالحكمانية أداةً تقنية أساسية للجاهزية الأمنية، والثانية تتمثل فيما انتهت إليه الدولة: دولة عدالة، دولة إدارية، دولة حكمانية. وللوقوف على المسألة الأولى، أعني الحكمانية أداةً تقنية أساسية للجاهزية الأمنية التي سنصل عبرها إلى المسألة الثانية، أعود إلى الملاحظة التي ضمنها الزواوي بغورة في دراسة قدمها بعنوان "في الليبرالية والليبرالية الجديدة: موقف ميشيل فوكو"، إذ قال في آخرها ما نصّه إن: "ثمة جانبًا أساسيًا
يجب الإشارة إليه، ألا وهو وصفه الليبرالية [يقصد فوكو] بالعيش في خطر، وهو ما يعني أنه في الوقت الذي يعمل فيه فنّ الحكم الليبرالي على ضمان بعض الحريات، عليه أن يعمل من أجل أن لا تتحول مصالح بعض الأفراد إلى خطر داهم يهدد الجماعة. [...] ولكن الأمر يتجاوز الحسابات السياسية والاجتماعية في مسألة الحريات بين تعزيزها وضرورة إقامة جاهزيات للحدّ منها، إلى رؤية للحياة مؤداها أن الليبرالية تجعل الأفراد في وضعيات خطرة دائمًا، [...] وهذا يعني أن الخطر في هذا الفن
الجديد من الحكم يعدّ مبدأً منظّمًا".
((3(إن هذا الأمر لم يعد بأي حال من الأحوال موقفًا بقدر ما هو تذكير بمتغير. ولئن كان يخص منطقة معينة فإنه فتح الباب أمام
طرح جديد لمفهوم تاريخي وقانوني يتعلق بمفهوم السيادة الذي مازال منذ ذلك التاريخ يخضع لتغيرات وإعادة بناء، وما الحروب الأخيرة ولا سيما الحرب الروسية – الأوكرانية أو حرب العدوان على غزة سوى امتداد لهذا الأمر كما وضحت سابقًا.
(37) Foucault, pp. 111–112.
((3(الزواوي بغورة، "في الليبرالية والليبرالية الجديدة: موقف ميشيل فوكو"، مؤمنون بلا حدود، 022/9/22، شوهد في: 2024/5/29،
في: https://cuts.top/H5hn
تنبهنا هذه الملاحظة لما جاء في مضمون الصفحات التي يعود إليها الكاتب نفسه في نص فوكو، ومنها قول فوكو: "في النظام السياسي القديم للسيادة، تقام بين الحاكم والرعية سلسلة من العلاقات القانونية والعلاقات الاقتصادية التي تلزم الحاكم بحماية الرعية. ولكن هذه الحماية كانت بصورة ما حماية خارجية. يمكن الرعية أن تطلب من حاكمها أن يحميها من العدو الخارجي، ومن العدو الداخلي. لكن في حالة الليبرالية، هنالك شيء آخر، ليس فقط هذا النوع من الحماية الخارجية للفرد ذاته هي ما يجب ضمانها، إنَ الليبرالية تلتزم بآلية للتحكيم الدائم على حرية الأفراد وأمنهم، فإذا كانت الليبرالية من جهة (هذا ما قلته لكم في الحصة الأخيرة)، هي فن الحكم الذي يلعب بالمصالح، فإنَه لا يستطيع – وهذا هو الوجه الآخر للعملة – أن يلعب بالمصالح ما لم يكن في الوقت نفسه مسيرًا للمخاطر ولآليات
الأمن/ الحرية. ولعبة الأمن/ الحرية هي التي يجب أن تضمن للأفراد أو الجماعات أن يكونوا أقل عرضة للمخاطر". ليضيف موضحًا الأمر نفسه بقوله: "العيش في خطر، يعني أن الأفراد يوضعون في حالة خطر دائمة، [...] وأعتقد أن هذا النوع من تحفيز الخطر سيكون إحدى النتائج الرئيسة لليبرالية. إنها تربية كاملة على الخطر، وثقافة الخطر الكاملة تظهر في الواقع في القرن التاسع عشر الذي يختلف تمامًا عن هذه الأحلام العظيمة أو هذه التهديدات الكبرى لصراع الفناء مثل الطاعون والموت والحرب التي ينشغل بها الخيال السياسي وعلم الكونيات في العالم". لن نذكر هاتين الفقرتين الكاملتين إلا لنكرر التحليل الوافي الذي قدمه بغورة. ومع هذا سنوضح أمرين تمشيًا مع السياق التاريخي والقانوني الذي نريد أن نتناول عبره مسألة السيادة: أما الأمر الأول فيتعلق
باستمرار حالة الخوف من الحرب، وهي التي تسمح لنا اليوم بأن نكتشف تحول الأمر من صياغته للسيادة في ضوء الحرب، إلى فنون الحكم أو الحكمانية. أما الأمر الثاني، فإن حالة الخطر، وإن كان فوكو في الفقرة الثانية قد وصف بها القرن التاسع عشر فيما تعلق بتقنيات التهديد بالفناء ومنها الأمراض القاتلة، فإن عودة وباء كورونا الذي أصاب كثيرًا من سكان العالم يبين لنا أن الأمر لم يكن يتعلق،
فحسب، بوباء قاتل وفتاك، بقدر ما كان، في جانب مهم منه، تسييرًا للمخاطر والكشف عن آليات
الأمن الجديدة للحد أو الزيادة من الحرية. إن الليبرالية كما يرى فوكو هي التي تعمل على صياغة مفهوم جديد للحرية، لأنها إنما تحيا بفضلها. فالحرية كما يقول: "هي شيء يتم خلقه في كل لحظة، والليبرالية ليست ما يقبل الحرية، بل الليبرالية هي التي تقترح تصنيعها في كل لحظة وإنتاجها، مع كل القيود، [...] ومبدأ الحساب هو بالطبع ما نسميه الأمن. [...] ومشكلة الأمن: حماية المصلحة الجماعية ضد المصالح الفردية. وعلى العكس من ذلك الشيء نفسه: سيكون من الضروري حماية المصالح الفردية ضد أي شيء يمكن أن يبدو،
(3((ميشيل فوكو، مولد السياسة الحيوية، ترجمة الزواوي بغورة (الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، 0182)، ص.91
(40) Michel Foucault, Naissance de la biopolitique. Cours au collège de France 1978–1979 (Paris: Gallimard; Seuil, 2004), p. 68.
فيما يتعلق بها، بمثابة تعٍّدٍ قادم من المصلحة الجماعية". ولذلك يشترط النظام الليبرالي تأمين الحرية أو سياسات الأمن نفسها لكي تكون السلطة قادرة على فرض قراراتها.
4. السلطة القرار: الأوكتوريتاس والبوتيستاس
تثير علاقة التداخل بين السلطة والقرار مسألة قانونية، تتعلق بضرورة التمييز بين مفهومين مهمين: النفوذ Autorité والسلطة Pouvoir. وهذا التداخل ليس وليد المجال التداولي اللغوي العربي لأنه يأتي من التغير نفسه الذي طرأ على المفهوم في سياقه التاريخي الذي ظهر فيه. تشير حنة أرندت (975–19061) إلى مسلك منهجي قد يمكّننا من معرفة التمفصلات التاريخية لمصطلح النفوذ، حينما تقول: "لتجنب أي سوء فهم، ربما كان من الحكمة أن نطرح السؤال: ماذا كان النفوذ؟ بدل: ما هو النفوذ؟ لأن النفوذ، في رأيي، ما دام قد اختفى من العالم الحديث، فذلك يشجعنا ويحفزنا على طرح هذا السؤال. فلم يعد ممكنًا بالنسبة إلينا الارتكاز على تجارب أصيلة، ومشتركة بين الجميع، حيث الكلمة نفسها كان يخيم عليها الجدل والارتباك". والأمر نفسه يشير إليه ألكساندر كوجيف (986–19021) الذي خص المفهوم بكتاب مستقل، يقول في مستهله: "ومن الغريب أن مشكلة النفوذ ومفهومه لم يُبحَثا إلا قليلًا. لقد صُرِف الكثير من الاهتمام إلى المسائل المتعلقة بنقل النفوذ ونشوئه، لكن جوهر هذه الظاهرة نادرًا ما التُفِت إليه [...] وإذا كانت نظريات النفوذ نادرة، فهي ليست منعدمة تمامًا". ويذكر أربع نظريات أو أشكال للنفوذ: الثيوقراطية، والأفلاطونية، والأرسطية، والهيغلية. ثم يعيد التذكير بقوله: "ولسوء الحظ، إن هذه النظرية الأخيرة [ويقصد الهيغلية] فقط هي التي حصلت على تفصيل فلسفي كامل، تطور على مستوى الوصف الفينومينولوجي وعلى مستوى التحليل الميتافيزيقي والأنطولوجي، أما البعض الآخر فلم يتجاوز المستوى الفينومينولوجي".
(41) Ibid., p. 66.
((4(حتى نتمكن من توحيد الاصطلاح الذي سنستعمله هنا بغرض الوصول إلى العلاقة التي نريد بحثها: السلطة بالقرار، سنستعمل النفوذ، الجاه، سلطان القانون، بالمعنى نفسه الذي تحمله كلمة Authority/ Autorité بينما نبقي على المفهوم الثاني the Power/ Pouvoir في الترجمة نفسها التي جرى عليها اللسان العربي ونعني بذلك السلطة. والتداخل الذي حصل بين المصطلحين: Autorité و Pouvoir يعود إلى التغير الذي حصل تاريخيًا في المفهوم الأول لارتباطه بصيغ للحكم كما هو مع
الاستبداد والشمولية. وقد وقف مترجما كتاب اللفياثانلتوماس هوبز عند هذا المصطلح وصعوبة ترجمته. ينظر: هوبز، ص 61. 8 كما سجلت من جهتها أرندت الصعوبة نفسها. ينظر:
Hannah Arendt, La crise de la culture , J. Bontemps (trad.) (Paris: Gallimard, 1972), pp. 60–61.
ويسجل أغامبين الملاحظة نفسها، حينما يقول ما نصه: "سيضعنا مفهوم الأوكتوريتاس – لا سيما فيما يتعلق بتعارضه مع مفهوم البوتيستاس – في مواجهة ظاهرة يبدو أن تعريفها يصطدم بصعوبات ومعضلات لا سبيل لتجاوزها سواءً على مستوى تاريخ القانون
أو بشكل أعم على مستوى الفلسفة والنظرية السياسية". ينظر: أغامبين، ص.171
(43) Arendt, p. 122. (44) Alexandre Kojève, La notion de l’autorité (Paris: Gallimard, 2004), p. 49. (45) Ibid., p. 50.
إن ما يطرحه كوجيف في الجملة الأخيرة هو ما يمكن أن يساعدنا على حل اللبس المتعلق بالمعنى بين المصطلحين، كما يسمح لنا بفهم علاقتهما بمسألة القرار الذي ينطلق من مفهوم السيادة ليؤثر فيه ويتأثر به. إذا كانت أرندت تفرق بين استعمال العنف والقوة أو كما تقول: "وبما أن النفوذ يتطلب دائمًا الطاعة،
لذلك غالبًا ما نعتبره شكلًا من أشكال السلطة أو العنف. علمًا أن النفوذ يستبعد استخدام الوسائل القسرية
الخارجية حيث يتم استخدام القوة ويفشل النفوذ نفسه". والنفوذ من جهة أخرى لا يتوافق مع الإقناع الذي يفترض المساواة عبر الحجاج؛ فإن كوجيف يرى أن "النفوذ هو إمكانية التصرف من دون تقديم تنازلات [...] وهذا التعريف يبين بوضوح أن ظاهرة النفوذ مرتبطة بظاهرة الحق [...]. ففي الواقع يكون لدي الحق في شيء ما عندما أستطيع القيام به من دون مواجهة معارضة (رد فعل)، وهذا ممكن من حيث المبدأ ويترتب على هذا الاختلاف أنه إذا كان النفوذ، من حيث المبدأ، يستبعد القوة، فإن الحق يتضمنها ويفترضها، في حين أنه شيء آخر غيره (لا حق بلا محكمة، ولا قاضي محكمة بلا شرطة قادرة على تنفيذ قرارات المحكمة بالقوة). ومن ناحية أخرى فإن العلاقة المشار إليها بين النفوذ والحق توضح لماذا يتمتع وبالضرورة أي نفوذ بالطابع الشخصي القانوني والشرعي". وهاهنا يبدو أن كوجيف يقف عند صلب الموضوع العالق بين المصطلحين، ونعني به التفرقة بين الطابع القانوني والطابع الشرعي لأنه كما يقول: "يطرح كل نفوذ السؤال عن سبب وجوده، أي لماذا 'نعترف' به، عبر القيام بالأفعال الناتجة منه من دون الرد عليه". مثلما هو الحال في الصور الأربع لممارسة النفوذ: الأب، والسيد، والقائد، والقاضي. يتناسب هذا التصور والحل الذي انتهى إليه أغامبين حينما يقول ما نصه: "يظهر النظام القانوني الغربي في هيئة بنية ثنائية تتشكل من عنصرين متباينين لكنهما متناسقان، عنصر معياري وقانوني بالمعنى الضيق للكلمة (في وسعنا أن نضعه على سبيل المواءمة في عنوان "البوتيستاس" Potestas)، وعنصر آخر لامعياري ينتمي إلى ما وراء القانون (يمكن أن نطلق عليه اسم "الأوكتوريتاس" Auctoritas). يحتاج العنصر المعياري إلى اللامعياري لكي يطبق، لكن، من ناحية أخرى، فإن الأوكتوريتاس تُثبتُ دعائمها فقط عبر تفعيل البوتيستاس أو تعليقها". وهنا يجب الإشارة إلى أن الحل الذي أشار إليه كوجيف في استبعاد القوة عن ممارسة سلطة النفوذ للمطالبة بالحق والصورتين: المعيارية واللامعيارية في بنية النظام القانوني اللتين أشار إليهما أغامبين، تتوافقان مع تلك العلاقة الموجودة بين القاعدة والقرار، أي إن الزيادة والنقصان بين النفوذ والسلطة نابع من حالة الاس ثتناء نفسها. وعليه، فإن قوة القرار تأتي مما يكتسبه من قوة القاعدة نفسها والتي لا تأتي إلا في ظل قوة المشرع من حيث إنه سيد. إن سلطة القرارات التي كشفت عنها الأحداث التاريخية التي جعلنا منها قاعدة لبناء إشكالية موضوعنا لا تأتي من كونها استغلت فراغًا قانونيًا مثلما هو الأمر
(46) Arendt, p. 123. (47) Kojève, p. 60. (48) Ibid., p. 66.
((4(أغامبين، ص.191
في حالة حرب الخليج، بقدر ما أنها كانت تهدف إلى إعادة صياغة القوانين تحت طائلة النفوذ وليس السلطة. وهذا التحول هو ما جعلنا نصفها بالحرب الأهلية العالمية؛ لأن الحروب الأهلية هي حروب حالة الطوارئ كما يصفها أغامبين، بينما حالة الوباء (كوفيد 9–1) قد بينت قوة الدولة في فرض قوانينها وتسيير أزماتها تحت مظلة مفهوم السلطة نفسها؛ لأن الحاكم كان هو مصدر القرارات التي كانت تتخذ.
خاتمة
لم يكن غرض هذه المساهمة تناول تاريخ مفهوم السيادة بقدر ما كان الوقوف على المتغيرات التي لحقت بهذا المفهوم وما زالت تؤثر فيه حتى اليوم. وقد ذكرت مجموعة من الأحداث التاريخية، وإن توقفت عند اثنين منها، لغلبة ظنّي أنهما الأبرز من حيث أثرهما في التغيير الحاصل لمفهوم السيادة. ومع ذلك فهناك متغيرات أخرى، لم يكن في وسعنا الإلمام بها كلها، ستؤثر بلا شك في القريب العاجل في مفهوم السيادة نفسه، ونعني النظام الرقمي خاصة؛ لأن الإنسانية تتجه اليوم وبتأثير من سوق التكنولوجيات المعاصرة نحو مجتمع رقمي موحد؛ مجتمع ربما لا يعترف بمفهوم الأرض كما كان الأمر من قبل، بل مجتمع يؤمن بمفهوم السماء أي بما نتوفر عليه من قوة في السيطرة على الفضاء الخارجي. ولذلك ستجد الشعوب المتخلفة عن هذا التطور الجاري نفسها على خلاف ما تصوره فرانز فانون Frantz Fanon 961–1925(1) في المعذبون في الأرض. بل سنشهد معذبين تحت السماء مثلما يتأول ذلك دانيال كوهين في الإنسان الرقمي. ولكن مع ذلك، يجب أن ننتبه إلى أن ما تعكسه الأحداث العالمية الأخيرة، ولا سيما الحرب الروسية–الأوكرانية، وحرب العدوان على غزة، سيعيد من جديد مفهوم الأرض وهو ما يحتاج منا التريث في إصدار أحكام قبلية.
References
المراجع
العربية
أغامبين، جورجيو. حالة لااستثناء. ترجمة ناصر إسماعيل. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2015 الأمم المتحدة. "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية". مفوّضية الأمم المتحدة السامية
لحقوق الإنسان. في: https://cuts.top/F3MZ
بغورة، الزواوي. "في الليبرالية والليبرالية الجديدة: موقف ميشيل فوكو". مؤمنون بلا حدود. 022/9/2.2
في: https://cuts.top/H5hn
بلان، بيير. الأراضي والسلطات والصراعات: تاريخ العالم الزراعي. ترجمة جورج سعيد. بيروت: دار الفارابي،.2023 شميت، كارل. اللاهوت السياسي. ترجمة رانية الساحلي وياسر الصاروط. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2008
فوكو، ميشيل. يجب الدفاع عن المجتمع: دروس ألقيت في كولااج دي فرانس لسنة 1976. ترجمة الزواوي بغورة. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.2003 ________. مولد السياسة الحيوية. ترجمة الزواوي بغورة. الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،
"ميثاق عصبة الأمم". موقع الأمم المتحدة. في: https://cuts.top/H4Ut هوبز، توماس. اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة. ترجمة ﺩﻳﺎﻧﺎ وبشرى صعب. أبوظبي: دار كلمة،.2011
الأجنبية
Arendt, Hannah. La crise de la culture. J. Bontemps (trad.). Paris: Gallimard, 1972. Bodin, Jean. Les six livres de la République. Paris: Edition et présentation de Gérard Mairet, 1583. Foucault, Michel. Sécurité, territoire, population. Cours au collège de France 1977–1978. Paris: Gallimard; Seuil, 2004. _______. Naissance de la biopolitique. Cours au collège de France 1978–1979. Paris: Gallimard; Seuil, 2004. Gress, Thibaut. "Carl Schmitt: Le Nomos de la terre." Actu–philosophia. 6/5/2009. at: https://acr.ps/1L9zOfK Kant, Emmanuel. Doctrine du droit, Doctrine de la vertu. Métaphysique des moeurs 2. Alain Renault (trad.). Paris: Flammarion, 1994. _______. Essai pour introduire en philosophie le concept de grandeur négative. Roger Kempf (trad.). Paris: Vrin, 1997. Kazumasa, Kado. "Revisiter la notion de souveraineté." Droits. Revue Française de théorie de philosophie et de culture juridique. vol. 1, no. 53 (2011). Kojève, Alexandre. La notion de l’autorité. Paris: Gallimard, 2004. Nemo, Philippe. Histoire des idées politiques aux temps modernes et contemporains. Paris: PUF, 2013. Schmitt, Carl. Le nomos de la terre. Lilyane Deroche–Gurel (trad.). Paris: Quadrige, PUF, 2001.