Return to Article Details Legitimacy and Legality between Political Philosophy, Philosophy of Law, and Ethics

الشرعية والمشروعية بين الفلسفة السياسية، وفلسفة القانون، والأخلاق

Legitimacy and Legality Between Political Philosophy, Philosophy of Law, and Ethics

مجدي عبد الحافظ صالح

Magdi Abdel Hafez Saleh

الملخّص

تستعرض الدراسة بشيء من التحليل والمقارنة والتتبع التاريخي، بعض الأفكار الهامة التي سوف نناقشها في الأقسام التالية. أولًا، مقدمة حول التمرد والثورة؛ إذ للحفاظ على توازنه النفسي يلجأ الإنسان، وحيدًا أو ضمن الجماعة، إلى أساليب من الاحتجاج والعصيان المسلح أو العصيان السلبي، والتمرد، والمقاومة، أو حتى إلى الثورة. ثانيًا، التمييز بين مصطلحَين قانونيَين نستخدمهما غالبًا من دون تمييز، هما الشرعية والمشروعية؛ إذ إن التمييز بينهما من شأنه أن يوضح لنا الكيفية التي يمكننا من خلالها الخروج بإجابات ملائمة عما طرحناه من أسئلة. ثالثًا، التطرق إلى نظريات فلاسفة العقد الاجتماعي (مثل: توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو وغيرهم)، فيما اتصل بكيفية التعامل مع الحاكم الذي يخرج عن القواعد التي أقرها كل من الحاكم والمحكومين في التعاقد الذي تم بين الطرفين على أثر هذا العقد. رابعًا وختامًا، تحاول الدراسة استخلاص أهم النتائج، التي يمكننا التوصل إليها، من استيعاب مجمل ما ذُكِر من مقدمات وطرح من أفكار.

Abstract

Abstract: The research paper provides an analysis, comparison, and historical review of some important ideas. First, it offers an introduction to rebellion and revolution: people, whether individually or as a group, resort to methods of protest, armed or passive resistance, rebellion, and even revolution to maintain their psychological balance. The second idea is the distinction between two legal terms that we often use interchangeably: legitimacy and legality. Distinguishing between these terms helps us find appropriate answers to the questions we have raised. Third, the paper addresses the theories of social contract philosophers (Hobbes, Locke, Rousseau, etc.) regarding how to deal with a ruler who violates the rules established by the contract agreed upon by both the ruler and the ruled. The paper concludes by deriving the main conclusions from the premises and ideas presented.

الكلمات المفتاحية:
  • الشرعية
  • المشروعية
  • العقد الاجتماعي
  • سيادة القانون
  • التمرد
  • الثورة
  • العنف
Keywords:
  • Legitimacy
  • Legality
  • Social Contract
  • Rule of Law
  • Rebellion
  • Revolution
  • Violence

المهمة التي سوف نناقشها في الأقسام التالية. أولًا، مقدمة حول التمرد والثورة؛ إذ يلجأ الإنسان

للحفاظ على نفسه، وحيدًا أو ضمن الجماعة، إلى أساليب من الاحتجاج والعصيان المسلح

أو العصيان السلبي، والتمرد، والمقاومة، أو حتى إلى الثورة. ثانيًا، التمييز بين مصطلحَين

قانونيَين نستخدمهما غالبًا من دون تمييز، هما الشرعية والمشروعية؛ إذ إن التمييز بينهما من

شأنه أن يوضح لنا الكيفية التي يمكننا من خلالها الخروج بإجابات ملائمة عما طرحناه من

أسئلة. ثالثًا، التطرق إلى نظريات فلاسفة العقد الاجتماعي (مثل: توماس هوبز، وجون لوك،

وجان جاك روسو وغيرهم)، فيما اتصل بكيفية التعامل مع الحاكم الذي يخرج عن القواعد

التي أقرها كل من الحاكم والمحكومين في التعاقد الذي تم بين الطرفين على أثر هذا العقد.

رابعًا وختامًا، تحاول الدراسة استخلاص أهم النتائج، التي يمكننا التوصل إليها، من استيعاب

مجمل ما ذُكِر من مقدمات وطرح من أفكار.

العنف.

مقدمة

واجهتنا في الفترة الأخيرة مجموعة من الأحداث في العالم يمكن أن نصنفها على أنها سياسية وأخلاقية، وأنها بالقدر نفسه قانونية، بل دستورية. تمثلت هذه الأحداث في الانقلابات العسكرية المتعددة، وإطاحة من فازوا في الانتخابات، في مناطق واسعة من أفريقيا وآسيا وأميركا. وتتبدى هذه الأحداث في كل مرة حين تنقلب المؤسسات العسكرية على الحكم المدني كما يحدث في أفريقيا، أو حين يريد الرؤساء المنتخبون تغيير الدساتير، وبخاصة تعديل ما جاء فيها من تحديد قانوني للمدد الرئاسية التي بموجبها تسير أمور الحكم والسلطة ومن ثم تكتسب المشروعية، أو حين يحاول الرئيس المنتخب نفسه أو حتى أنصاره، على عكس نتائج الانتخابات المُعلنة، التمسك بالسلطة ورفض تسليمها لمن انتخبته الإرادة الشعبية، وهو الدارج في أفريقيا وآسيا، إلا أنه حدث أيضًا مؤخرًا

للمرة الأولى في الولايات المتحدة الأميركية ذاتها وفي البرازيل. ويندرج ضمن هذه الأحداث أيضًا تملص الرئيس المُنتخَب من وعوده الانتخابية في مرحلة أولى أو خرقه للدستور والقانون في مراحل تالية، أو حنثه للقسم الذي قطعه على نفسه أمام ممثلي الشعب عند تسلمه للسلطة، أو عند خروجه عما تم التوافق عليه في العقد الاجتماعي بينه وبين مواطنيه، سواء كان عقدًا مكتوبًا أو شفاهيًا. تطرح هذه الأحداث وغيرها على الباحث في الفلسفة أسئلة كثيرة ومتعددة، بعضها ذو شق سياسي أو أخلاقي، وبعضها الآخر ذو شق دستوري أو قانوني. ولعل أهمها: هل تعتبر الثورة والتمرد على الحاكم الذي انتُخِب بطريقة دستورية وقانونية ومن ثم بصفة شرعية (سواء جاء انتخابه بانتخابات حقيقية أو حتى مزورة، لكن تم اعتمادها رسميًا)، خروجًا عن الدستور والقانون؟ وهل ستقتضي الشرعية القبول والإذعان

لما جاءت به اختيارات الناخبين أثناء الانتخابات العامة، والمضي بها قدمًا حتى الانتهاء من الفترة الزمنية التي حددها الدستور؟ وهل سيكون الإذعان لوضعية سياسية ضاغطة على مجمل الأوضاع مقبولًا؟ وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى مزيد من التدهور والتراجع، ومزيد من سوء الأوضاع المعيشية للناس. في الشق السياسي بتعقيداته، ستعتبر نظريات العقد الاجتماعي أنماطًا لمنح الأنظمة الشرعية، وتمديد مشروعيتها؛ وهنا تختلف المتغيرات المتعلقة بكل منها من نمط إلى آخر، والغرض من كل نمط هو تقديمه لمبررات قبولنا، والتزامنا بمجموعة القواعد والمؤسسات والمبادئ الاجتماعية التي يسوقها. والسؤال هنا: هل تقديم مبررات قبولنا لشروط العقد كاف لمنح النظام المشروعية؟ أما في الشق الأخلاقي، فيمكن التوقف عند ماهية الضمير الأخلاقي الذي يرتقي بالإنسان عن سلوكه الغريزي، وهل هو وحده كاف في التمييز بين الخير والشر، إن كان ذلك ممكنًا أو في تعيين ماهية الحق، وماهية الواجب، والمثل الأعلى لشرعية الدولة ومشروعيتها؟ وفي الشق القانوني سنتساءل عن القانون ومبدأ سيادته، عندما يصبح أساس الحكم في الدولة، وهو الذي يضمن حصانة القضاء واستقلاله، إن كان كافيًا لحماية الحقوق والحريات، ومن ثم حفظ وصيانة مشروعية الدولة، وأكثر من ذلك التساؤل عن

علاقة المشروعية ذاتها بالشرعية.

(((ينظر: محمد يوسف موسى، مباحث في فلسفة الأخلاق (المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2018 943[]1)، ص.11–10

إن التساؤل عن تركيبة الجسم الاجتماعي، بما يحتويه من سلطة حاكمة ومحكومين، لا بد من أن يبدأ بأن نطرح على أنفسنا سؤ لًا عن المبدأ المؤِّسِس الذي يجمع جملة من التصورات والمفاهيم والعناصر، من قبيل مفهوم المشروعية ذاته، أكثر من مفهوم الشرعية؛ وذلك لأن مفهوم المشروعية يتضمن بالفعل المسألة المهمة التي يثيرها أساس السلطة، مثلما يثيرها تبرير الطاعة اللازمة لهذه السلطة. إلا أنه مع ظهور مبدأ سيادة القانون وتطور الديمقراطيات الحديثة، أصبح شرط المشروعية مرتبطًا بالشرعية وبالتساوق مع تعميم السلطة في المجتمع، من خلال إقامة المؤسسات الممِّثِلة للشعب، كالبرلمانات والمجالس البلدية والمحليات، والهيئات الشعبية والقوانين التي تكِّرِس سلطة الشعب. ولا ننسى من جهة أخرى أن إشكالية المشروعية، كما يرى ألان تورين (023–19232) هي إشكالية اجتماعية حديثة؛ وذلك لأن أسئلة المشروعية التي طُرحت كانت بمنزلة عمليات اجتماعية، تهدف إلى تبرير Justification أو عقلنة Rationalisation الهيمنة التي تقوم عليها الأنظمة. وتتحدد الإشكالية هنا في الكيفية التي يمكن القطع بها مع الأوضاع القديمة للمشكلة، وليس التساؤل عن أساس أو مبدأ مشكلة المشروعية. وهو الأمر الذي ظلت تقوم به الفلسفات القديمة كما يرى أحد الباحثين، مضيفًا أن ما يمكن أن يقدم إجابة مبدئية، هو إخراج مسألة الأساس تلك خارج إطار المعرفة، وأن هذا الاستبعاد لمسألة الأساس سيفرض علينا أن نتساءل عن أصله. كل هذه الأسئلة وغيرها تظل تكتسب صدقية؛ لأنها تعِّبِر ببساطة عن الواقع الحقيقي الذي يُعاش في ظل هذه المجتمعات، ومن هنا أيضًا تأتي أهمية هذا الموضوع الذي يدور حول الشرعية والمشروعية، وذلك بإخضاعه للمقاربة السياسية والأخلاقية والقانونية... إلخ. في إطار محاولة الإجابة عن الأسئلة التي طرحناها وعن غيرها، نستعرض، بشيء من التحليل والمقارنة وال تتبع التاريخي، بعض العناصر الأساسية التي التفتنا إلى أهميتها. ومن هنا نتعرض في بداية بحثنا للتمييز بين مصطلحَي: الشرعية، والمشروعية؛ لنفك الاشتباك بينهما، مع إلقاء الضوء على المصطلحين كليهما. ومن ثم نتعرض لمبدأ سيادة القانون في الدولة، كما تقدمه فلسفة القانون لصون الشرعية والمشروعية، ثم نعرج على نظريات فلاسفة العقد الاجتماعي فيما اتصل بأزمة الأخلاق التأسيسية، والعلاقة بين القانون والأخلاق؛ وذلك لسبر غور مشروعية استمرار السلطة على المستوى السياسي والقانوني والأخلاقي، ومن ثم إجراءات التخلي عمن انتفت عنهم مشروعية وجودهم على رأس السلطة، لنرِّكِز فيما بعد على ما يؤول إليه الحال بعد انسداد أفق التغيير الشرعي، وهنا نتعرض للعنف السياسي: معناه وطبيعته وظروفه وأشكاله، لنقدم بعدها مقاربة حثيثة عن التمرد والثورة، وأهمية التمرد والاحتجاج في واقع الطبيعة وفي حياة الناس، وتفسير الثورة في المجتمعات الإنسانية، وأهمية التمرد والاحتجاج اليوم. هذا ونستخلص في ختام هذه المقاربة البحثية جملة من النتائج.

. Alain Touraine, Production de la société (Paris: Seuil, 1973) ينظر مقدمة كتاب:((((3) André Berten, "Légalité et légitimité. A propos de J. Habermas," Revue Interdisciplinaires d’Etudes Juridiques , vol. 4, no. 1 (1980), p. 1.

أولا: التمييز بين مصطلحي الشرعية والمشروعية

يستخدم البعض غالبًا مصطلحي الشرعية والمشروعية باعتبارهما مترادفين، من دون تمييز بين هذين

المفهومين القانونيين، على الرغم من أن التمييز بينهما من شأنه أن يوضح لنا الكيفية التي يمكننا من خلالها الخروج بإجابات ملائمة عما طرحناه على أنفسنا من أسئلة.

1. مفهوم الشرعية

يُعتبر مبدأ الشرعية La légalité عنصرًا أساسيًا في تعريف مفهوم النظام السياسي، يرى فيه البعض

حصيلة من مجموعة مؤسسات وعناصر أيديولوجية واجتماعية، وهو ما يؤسس حكومة دولة ما في مرحلة معينة. ويتضمن هذا التعريف أربعة عناصر أساسية للنظام السياسي، كما يرى بعض الباحثين، وهي تتمَّثَل أولًا في طبيعة السلطة ودورها، وثانيًا في بنية المؤسسات، وثالثًا في نظام

الأحزاب السياسية، ورابعًا في مبدأ الشرعية. ويمكن ألا تُستمد مشروعية الدولة أو النظام أو الحاكم من الشرعية، بل من مصادر أخرى نفسية كانت أو أمنية أو أخلاقية أو اقتصادية أو سياسية أو ثقافية، فيُقِبل الناس على الشخصية الكاريزمية، أو على من يعدهم بالسلامة في ظل الأخطار المحدقة، أو من

يمكنه العبور بهم لبر الأمان في ظل الاضطرابات... إلخ. ويعود الأصل في الشرعية إلى مؤسسات الحكم المختلفة، مهما تعددت أسماؤها: مثل "حاكم" أو "حكومة"، أو حتى الأسماء التي تُطلق على أنظمة الحكم ودواوينه، ومجمل المرافق والهيئات في الدولة، إضافة إلى مؤسسات ومناحي الإدارة فيها، كالتي تقدم الخدمات الشاملة لمواطنيها، وتعمل على السهر على مصالح الدولة ومواطنيها، ويتعلق مفهوم الشرعية بالإدارة أكثر مما يتعلق بالقانون؛ الأمر الذي يعني أن مكوناته قد استُمَِّدَت من قواعد محددة استعيرت من تجارب ثقافية وحضارية إنسانية، ولا يستبعد منها شيء حتى الشرائع الدينية والمبادئ الإنسانية العليا التي تتوافق والعدالة، وتتيح لشعوبها آليات تنظيم العمل السياسي، مثل تنظيم الانتخابات وغيرها. وهي لا تستبعد في هذه الآلية التي تنظم الانتخابات في هذا الاختيار الحر، أي معتقد أو مبدأ يعتنقه المواطنون الذين يختارون حكامهم من الرؤساء والملوك والحكومات، وذلك لفترات زمنية محدّدة ومعروفة سلفًا، تنتهي في

نهايتها مدة حكم من انتُخِب، ليتحدد بعدها موعد للاقتراع التالي الذي بموجبه يجري تداول السلطة

سلميًا، بحيث يُعاد الاختيار مرة أخرى لتُجدد السلطة السياسية على نحوٍ منتظم ومحدد. وهنا سيفتح

المجال على مصراعيه للمؤسسات والهيئات والأحزاب والأشخاص كافة، وسيتعلق هنا مفهوم الشرعية بالأداء والأسلوب الذي يستخدمه الأشخاص والمؤسسات والأحزاب والهيئات، وذلك للوصول إلى سدة الحكم.

(4) Jean–Louis Quermone, Les régimes politiques occidentaux (Paris: Seuil, 2000), p. 10.

(((ينظر: أحمد ناصوري، "النظام السياسي وجدلية الشرعية والمشروعية"، مجلة جامعة دمشق للعلوم لااقتصادية والقانونية، مج 42، العدد 2 (0082)، ص.348 (((عدنان شاكر، "نحن الشعب: (الفرق بين الشرعية والمشروعية)"، وكالة المورد، 022/8/22، شوهد في:024/5/262، في

https://cutt.ly/NedC1edw

2. مفهوم المشروعية

تُعَد المشروعية La légitimité مفهومًا وأسسًا ومقومات؛ وهي من القضايا الإشكالية في الفكر الفلسفي السياسي المعاصر، باعتبارها وجهة نظر تحدد الأسس التي ينبغي أن تكون عليها هذه السلطة التي تمِّثِل الشرعية، والتي تكمن في قبول أغلبية الأفراد الذين يعيشون في المجتمع بنظام الحكم القائم وبممارسته للسلطة على المواطنين، ومن ذلك حق اللجوء إلى القوة الشرعية. وبهذا فإن إجراءات وقرارات الشخص المُنتخَب، أو مؤسسات وهيئات الدولة الشرعية، أو الأحزاب السياسية التي فازت في انتخابات حرة ومباشرة، ما دامت تسعى لتوفير الخدمات لجميع مواطنيها، ستكتسب جميعها المشروعية التي ستعني آنئذ أن سلوكها وأداءها وما ستصدره من قوانين وتشريعات، كل ذلك سيُعَُّدُ

مشروعًا في كل الحالات، أًّيًا كانت هذه الإجراءات أو القرارات، وذلك ضمن جملة من الشروط: • اكتسابها حجية القانون وتلاؤمها معها، وذلك بعدم تعارضها مع القوانين التي تفرضها الدولة. • خضوعها للرقابة العامة ومحاسبة القانون، في إطار هيئة مستقلة بعيدة عن نفوذ صاحب القرار الذي كان قد حصل على موقعه بطريقة شرعية، وسلطته، أو الإجراء، أو القانون، أو التشريع. • عندما يعجز المُنتخَبون (شخصًا كان أو حزبًا أو مؤسسة أو هيئة)، عن تحُّمُل مسؤولية وتبعات الحكم الذي وصلوا إلى سدته بطريقة شرعية، هنا سيكون من حق الشعب اللجوء إلى أحد الخيارين التاليين: – استعادة المشروعية من الحكومة القائمة، التي سبق أن منحها الشرعية في مرحلة سابقة، حينما انتخبها انتخابًا حًّرًا، وذلك من أجل وضع مسار الحكم على الطريق الصحيح. – العودة مرة أخرى إلى مرحلة الشرعية، لتنظيم انتخابات جديدة تعتمد نظام الاختيار الحر المباشر (انتخابات مبكرة)، وذلك لمنح المشروعية من جديد إلى من سيتم انتخابه. • ضرورة أن تستند الحكومات إلى النظام القانوني، وفق العناصر الآتية: – النظام القانوني هو السيد، بل رأس السلطة العامة، فمنه تستمد الحكومات وجودها ذاته، بل سيادتها، فهو المؤِّطِر لأحكامها والمحِّدِد لقراراتها وإجراءاتها، وبوصلة توجهاتها وسلوكها. – على الرغم من أن اكتساب أي نظام للمشروعية يؤهله لوضع التشريعات والقرارات وسن القوانين، فإن هذا وحده غير كاف، بل لا يعفي من الاستناد إلى دستور أو نظام قانوني منه وحده تُستمد السلطة والشرعية. من هنا كانت أهمية وجود الدساتير، ليحتكم إليها الجميع: من بيده السلطة، والشعب بطبيعة الحال.

(((المرجع نفسه.

– تستمد الحكومات سلطتها من الدساتير، وذلك لتصبح ذات صفة شرعية، حتى لو فقدت رضا الشعوب، إلا أن انعدام هذا الرضا الشعبي يُفقِد الحكومات مشروعيتها، حتى إن كانت من الناحية الشكلية حكومات شرعية. – عندما تفقد الحكومات مشروعيتها بانعدام الرضا الجماهيري، لا يمكن أن ينتزع السلطة الشرعية منها إلا نظام شرعي آخر يحل محلها أو من خلال ثورة شعبية تقيم مشروعية شعبية جديدة. وهكذا، لا يستند الأساس القانوني للسلطة إلى الشرعية، ولكن يستند بالأحرى إلى المشروعية؛ فوجود الحكومات بكل مكوناتها وهيئاتها ومؤسساتها ورؤوسها، وتمتعها بكامل الشرعية، لا يجعلها بالضرورة تتمتع بالمشروعية التي لا تتحقق إلا باحترام السلطات الحاكمة للقواعد والسياسات والمبادئ التي انتُخبت على أساسها من جهة، ومن جهة أخرى للتمسك بمراعاة سيادة بلادها ومصالحها، إضافة إلى سيادة شعوبها ووحدتها وأمنها وثرواتها، وكذا احترام الدستور والقانون وتطبيق مبدأ العدالة والمساواة بين جميع أفراد مواطنيها. وهنا تبرز أهمية الحد من عنفوان السلطة، من خلال المؤسسات وعدالة القوانين وقوتها، أو حتى الذهاب بعيدًا إذا لم يجرِ التغيير عبر قنواته الشرعية، وذلك بإمكانية التمرد حتى لو كان بالطعن في النظام المؤسس على العقد الاجتماعي. وقد تحولت الإمكانية فيما بعد إلى حق من حقوق الحرية والمساواة وتطبيقًا لفكرة العدالة؛ الأمر الذي جعله يرتبط بالمشروعية والشرعية معًا، لغرض تقييم أساليب عمل الديمقراطية الحديثة، والعلاقات بين السلطة ومن تقوم بإخضاعهم. من هنا ينظر بعض الباحثين إلى الشرعية باعتبارها شكلًا، بينما يعتبرون المشروعية مضمونًا. وذلك لإستاتيكية الشرعية وحركية المشروعية. لذا، لا معنى ولا قيمة لأي سلطة شرعية بمعزل عن المشروعية التي لا يمنحها سوى الشعوب التي هي وحدها من يحتكرها. ومن هنا، لا تخلو جميع الدساتير في العالم من المبدأ الذي يقر بأن الشعب وحده هو مصدر السلطات. لذا، يمكن القول عمومًا إن الشرعية هي المطابقة التي نقوم بها للقانون الوضعي، أي الدستور وما يتفرع عنه من قواعد وتنظيمات قانونية، بمعنى أن الشرعية هنا تحيل إلى القانون الوضعي الذي يتضمن المعايير التي تنظم على نحو متفق عليه الحياةَ الاجتماعيةَ، في إطار القوانين المتعارف عليها، شفهية كانت أو مكتوبة، بينما تُعتبَر المشروعية

هي ما نقوم به من إجراءات، لكي تتطابق فكرة العدالة La justice باعتبارها إنصافًا، لضمان حق الإنسان الطبيعي، بغض النظر عما جاء في القانون الوضعي المعمول به. وهنا يمكن القول إن المشروعية تحيل إلى القانون، الذي هو بدوره ضرورة للوعي الأخلاقي. يجرنا هذا التمييز إلى ضرورة إلقاء نظرة عن قرب، على ما تقدمه فلسفة القانون من حماية للشرعية وصيانة لاستمرار المشروعية، وهو الأمر المعروف بسيادة القانون.

(8) Josiane Boulad–Ayoub, Légitimité, légalité et vie politique (Laval: L’Harmmattan et les Presses de l’Université Laval, 2003), pp. 71–80.

(((ناصوري، ص.348

3. سيادة القانون بين الشرعية والمشروعية

يعلو مبدأ سيادة القانون في الدولة كَّلَ العناصر المكِّوِنة لبنية الدولة ذاتها، اجتماعية كانت أو سياسية

أو دينية أو اقتصادية... إلخ، وهو في الوقت نفسه مبدأ يخترق كل الأنظمة السياسية والمجتمعات والسلطات بتنوعاتها واختلافاتها. وهو بمنزلة المثل الأعلى الذي يتضمن معنى العدالة، ويحقق التوازن بين الحرية والسلطة، ويحفظ نظام المجتمع. ولا يعتبر مبدأ سيادة القانون هدفًا في ذاته، ولكنه آلية لحفظ الحقوق وضمانها وصيانتها. كما يعتبر هذا المبدأ أيضًا من أهم أسس النظريات القانونية والسياسية في العالم، وذلك لأنه يضمن حرية الفرد كما يمكنه منح السلطة المشروعية، ويخضع الدولة للقانون، عندما يضمن استقلال القضاء، ويحمي الدستور ويصون الحقوق والحريات. إن غياب مبدأ سيادة القانون عن الدولة يحول دون تحقيق العدالة، وحماية الحقوق المتمثلة في حق التقاضي المكفول للجميع، بغض النظر عن الأوضاع الاجتماعية للمتقاضين، وذلك لتعلو أحكام القانون على كل الإرادات من حكّام ومحكومين. في إطار سيادة القانون، تخضع الدولة ومؤسساتها، وكذلك مواطنوها، للقانون؛ مما يمنع الاستبداد، ويكرس مزيدًا من سيادة القانون من جهة، ومن جهة أخرى يحمي حقوق وحريات الأفراد من سلطة الدولة، وهو الأمر الذي من الممكن أن يُكِرِّس مشروعية الدولة ويصونها. وفيما يتصل بسيادة القانون

والمشروعية في الدولة، يجدر بنا التمييز بين أنواع ثلاثة من المشروعية: • المشروعية الفردية الكلية، وهي نتاج الليبرالية في الغرب. • المشروعية الموضوعية، وهي ناتجة من النظر إلى القانون، ليس من حيث شكل النص وفحواه، ولكن بالنظر إلى الهدف الاجتماعي الموضوعي، الذي يسعى القانون إلى تحقيقه. • المشروعية المذهبية، وهي ناتجة من وصول الهدف الاجتماعي الموضوعي من القانون إلى حد الإيمان والاعتقاد العام. والمشروعيتان الأخيرتان من شأنهما تقييد المشرع بمُثل عليا وأفكار

مثالية. ومن أصول فلسفة القانون أّلا ينفصل مبدأ سيادة القانون عن حقوق الإنسان، كما يُعدّ وسيلة تضمن وتحمي هذه الحقوق، فهو الذي يفصل بين حقوق الحاكم والمحكوم، عندما يحترم كل منهما القواعد العامة والمجردة للقانون. فسيادة القانون، إذًا، يمكن أن تكون الجوهر الأساس لمشروعية السلطة، كما أن احترام الدستور وتقييد القوانين بمواده، مع ما يمنحه من حقوق وحريات، يوفر أجواء الشرعية للدولة. إن استبداد السلطة قديمًا أتاح تغيير قواعد القانون وإلغاءها وعدم الالتزام بها، فسمح ذلك

1(((ينظر: جمهورية مصر العربية، "دستور جمهورية مصر العربية 012 العدد 51 مكرر (ب 2"، الجريدة الرسمية،)، 2012/12/25، المادة 74، ص 21، شوهد في 024/7/1:2، في https://cutt.ly/dedC3oRD (((1 نعيم عطية، الفلسفة الدستورية للحريات العامة (القاهرة: دار النهضة العربية، 9891)، ص 451، وما بعدها. (((1 ينظر: فايز محمد حسين محمد، "فلسفة القانون وسيادة القانون"، الحوار اليوم، 015/6/152، شوهد في 024/5/262، في:

https://cutt.ly/UedC4xq0

بسقوط المشروعية عن النظام الحاكم في الدولة. وفي الوقت الذي اختُرِعَت فيه الكتابة، ودِّوِنت الأعراف والقوانين وشاعت بين الناس، سَُّدَ الطريق أمام السلطة والكهنة والنبلاء، لئلا يتجاوزوا ما هو مقرر من قوانين تتسم بالثبات والعمومية والتجريد. وترى أستاذة الفلسفة السياسية الكندية، جوزيان بولاد أيوب، أنه إذا ما كان ماكس فيبر Max Weber (920–18641) قد تمكن من مساندة فكرة أن المشروعية شرعية وعقلانية، لأنه عن طريقها تأسست السلطة على قانون يعتمد على الدستور ويحدد الشكل المعاصر لمتطلبات عملية المشروعية، إلى المدى الذي يتطور خلاله مفهوم السيادة، فإن الجديد الجوهري هنا لهذا الشكل هو إضفاء المشروعية على السلطة. وترى أن هذا الأمر قد عمل على أن تكون المشروعية شرعية عقلانية عليها أن تبرز مضمونها، وهي ذاتها تصبح خاضعة للتمثلات الرمزية والأيديولوجية للمواطنين المحدثين، وتكون بمنزلة عمليات التمثل الرمزي المصاحبة لأشكال الممارسة المتعددة للسلطة التي ستحدد موافقة المواطنين على نحو واسع على استمرار السلطة، وذلك عن طريق ذواتهم السياسية، وإلا ستحدث الأزمة أو الرفض بل التمرد، باسم قاعدة ما أسمى. وهكذا يجمع بين الرفض والتمرد والثورة طابع شرعي، في الوقت الذي يظهر فيه أن السلطات لم تعد تحترم القوانين التي منحتها الذوات السياسية (المواطنون) لأنفسها، وترى أن ذلك يحدث، حتى لو أُرسيَ الإطار الثابت لمشروعية الشرعية. على هذا الطريق في احترام سيادة القانون، سار بعض فلاسفة العقد الاجتماعي؛ فعلى سبيل المثال يرى جون لوك John Locke (704–16321)، أن الحاكم مسؤول أمام مواطنيه من المتعاقدين، بموجب العقد نفسه، عن تنظيم المجتمع وتسييره. ويرى أن الإخلال بالعقد يؤدي إلى عزل الحاكم؛ لأن العقد هو الذي يؤطر العلاقة، ويحدد أدوار الأطراف، بل حجم سلطة الحاكم ودائرتها. لذا فالخروج على العقد يُفقِد الدولة مشروعيتها. ويتلخص موقف لوك المؤيد لسيادة القانون، والمعارض للسلطة المطلقة التي تتعارض أصلًا مع العقد الاجتماعي وتأييده للفصل بين السلطات، وإيمانه بإلزامية القانون للجميع (الحاكم، والمشِّرِع، والمواطن)؛ ذلك أن القانون يتسم بالعمومية والتجريد، ومن هنا للشعب الحق في

التصدي للطغيان والتمرد على ظلم الحكام. في الإطار نفسه يرى جان جاك روسو Jean Jacques Rousseau (778–17121) أيضًا أن المجتمع السياسي يقوم على العقد الاجتماعي الذي يقوم بدوره على اتفاق أطرافه كأفراد، وعلى عضويتهم للجماعة السياسية في الوقت نفسه، وهو يقف مثل لوك ضد السلطة المطلقة للحاكم، داعيًا إلى حماية

الحقوق الفردية والحفاظ عليها. لذا يؤيد سيادة القانون الذي يعتبره مماثلًا للإرادة العامة للشعب، ويرى ضرورة خضوع الجميع للقانون حكمًا وطاعة وممارسة. وهنا نلحظ مرة أخرى تكرار تعبيرَي "التجريد"

و"العمومية" في القاعدة القانونية، وهي التي يعتبرها القانونيون سمة ذات طبيعة فنية، ترتبط بصياغة

(1((عطية، ص.183

(14) Boulad–Ayoub, p. 475.

(((1 جون لوك، في الحكم المدني، ترجمة ماجد فخري (بيروت: اللجنة الدولية لترجمة الروائع، 9591)، ص 21،.23

القاعدة القانونية ذاتها، وهي وسيلة ضرورية لتحقيق مبدأ سيادة القانون والمساواة أمامه. وإذا كانت سيادة القانون قد أُقيمت على العقد الاجتماعي المستنَد إليه لتأسيس المجتمع السياسي، فهنا يكون علينا أن نلقي نظرة على نظريات فلاسفة العقد الاجتماعي، وبخاصة فيما اتصل بمشروعية استمرار السلطة، أو الإجراءات التي يمكن أن تُتبع في سحب الثقة ممن انتفت عنهم مشروعية وجودهم على رأس هذه السلطة.

ثانيًا: نظريات فلاسفة العقد الاجتماعي

تعرض عدد كبير من فلاسفة السياسة للحديث عن العقد الاجتماعي، وذلك للإجابة عن السؤال الملح الذي تكرر عبر العصور، وهو: كيف يُمكِن أناسًا أنانيين أن يعيشوا داخل إطار مجتمع بسلام؟ ويشير العقد الاجتماعي إلى قبول أطراف التعاقد، بل خضوعهم عقلانيًا لشكل اجتماعي ما، تم التوافق عليه والالتزام به جماعًّيًا، ويتميز ببعض المعايير: كالعدالة، والشرعية، وضمان الأمن، والسلم الاجتماعي. وسواء كان العقد في طبيعته افتراضيًا أم واقعيًا، فسيكون الوصول إليه نتيجة لتوازنات المجتمع ومفاوضات حثيثة عكست توازن القوى في عصر ما، ومع ذلك فإن هذا العقد الذي تم على نحو شرعي نظرًا إلى التوافق الجمعي عليه، فإنه في حاجة إلى استمرار هذا التوافق الذي تحميه شرعية القوانين، بل يجلب الولاء للدولة. لذا، لا بد له من عملية تجديد للشرعية باستمرار، أي إن ثمة حاجة دائمة إلى تواصل المشروعية واستمرارها لكي تجلب الرضا العام، وهي تستند إلى مبادئ ما اجتماعية، تختلف أسباب قبولها بين الأفراد، وكذلك يختلف تسويغها بين الفلاسفة، فيعزوها توماس هوبز Thomas Hobbes (79–158816) إلى اعتبارات ذاتية وإلى أسباب خاصة، بينما تتوقف عند إيمانويل كانط وأنصاره المعاصرين على الأخلاق والقيم السياسية التي يعزوها إلى الأطراف التداولية الحاضرة دائمًا في تداولات أطراف العقد الاجتماعي، وفي الأخير ما يحكم هذه المسألة هي قضية الشرعية. لعله يمكننا هنا حصر الهدف الأساسي لنظريات العقد الاجتماعي في تسليط الضوء على أن ما يتصل بقواعدنا الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والقانونية... إلخ، يعود في الأساس وعمومًا إلى براهين عقلانية لكي يمكن تبريرها. ولا يفهم من ذلك أن نظريات العقد الاجتماعي تختلف عما تطرحه فلسفات السياسة والأخلاق. وإذا كان ثمة اختلاف بينهما فسيكون في أن الشرعية في نظريات العقد لا تستمد وجودها من حقائق ما أو من أسباب خارجية، ولكن وجودها يعتمد أساسًا على التوافق العقلاني الذي تم من خلال التعاقد ولم يعترض عليه أحد. وترتكز فكرة العقد الاجتماعي التقليدية عند هوبز، ولوك، وروسو على فكرة القبول. على سبيل المثال، يقوم العقد عند هوبز على الخوف المشترك الذي يعتري الناس فيما بينهم، وهو الذي يدفعهم إلى احترام التزاماتهم والقيام بواجباتهم؛ إذ يكفي اجتماع عدد من الناس للاتفاق على

(((1 فايز، ص.183

اختيار مجموعة حاكمة أو فرد حاكم، لإنهاء حالة الفوضى (حرب الجميع ضد الجميع)، هذا الحاكم الذي تصبح سلطته سلطة مطلقة. ويلزم هذا العقد أن يتخلى كل فرد، على نحوٍ كلي ودائم، عن إرادته لصالح إرادة الحاكم صاحب السيادة المطلقة الذي له حق التصرف فيما يعتبره صالحًا لرعاياه. وأطراف العقد هنا ستكون بين من اختاروا صاحب السيادة، الذي لا يعتبره هوبز طرفًا في العقد، يلتزم الجميع باحترامه وتنفيذ قراراته عن طريق قوة الدولة أو ما يطلق عليه هوبز "التنين" Leviathan. ولا يقر لوك بأن يتخلى الفرد عن كل حرياته، ولكن عن جزء منها فحسب، لذا تصبح السلطة في يد الهيئة التشريعية وليس الحاكم الذي عليه أن يحترم القوانين التي أقرها المشرعون المنتخبون؛ إذ إن السلطة التشريعية هي الفعل الأصيل والأسمى للمجتمع السياسي. فالسيادة كما يرى لوك يمتلكها المجتمع بأكمله. ويتضمن العقد الاجتماعي عند روسو أن يتنازل الفرد عن حريته الطبيعية للآخرين، وذلك ليحافظ على حريته؛ فالدولة في نظره هي سلطة كل الأفراد، وهي في الوقت نفسه تمِّثِل السيادة وتحُّدُ من حريات الأفراد. ولا بد من أن تعترف السلطة في رأي روسو بالحق في الحرية؛ وذلك لأن هذا هو أساس العقد السياسي الذي يخضع له الجميع، باعتباره سلطة القانون المنبثقة من الإرادة العامة التي من خلالها يصبح الناس أحرارًا. والخروج عن العقد وانتهاك بنوده يجعلان تمرد الناس مشروعًا كما رأينا، وسيكون على السلطة السياسية أن تلتزم بالقوانين لمنع الفوضى. وإذا نظرنا إلى الأسباب التي تؤدي إلى قبول العقد، فهي في الأغلب أسباب ذاتية يختلف عليها الأفراد، وتبرر لهم قبول القاعدة، بعيدًا عن أسباب صحة القاعدة واختلافها باختلاف الأفراد، وبخاصة إذا كانت أسبابًا أخلاقية، أو تتصل بالمصالح الذاتية، أو الاختيارات الشخصية، وجلها أسباب غير موضوعية مهما ادعى البعض الحياد أو المصلحة العامة. ففي مجال الأخلاق على سبيل المثال لن يتفق هؤلاء على معنى واحد لمفهوم "الخير"، ومن هنا حافظ منظرو العقد الاجتماعي من المعاصرين، ومنهم جون رولز (002–19212)، على ذلك التمييز في الأسباب بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي، أو بين ما يعبر عن مصلحة شخصية أو مصلحة عامة. وإذًا، ستعتبر نظريات العقد الاجتماعي أنماطًا لمنح الشرعية للأنظمة، وستختلف باختلاف المتغيرات المتعلقة بكل منها، والغرض من كل نمط هو تقديمه لمبررات قبولنا والتزامنا بمجموعة القواعد والمؤسسات والمبادئ الاجتماعية التي يسوقها.

1(((توماس هوبز، اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب (أبوظبي: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث – كلمة، 0112)، ص 115،.134 (1((المرجع نفسه، ص.288 (1((لوك، ص.21 (2((المرجع نفسه، ص.22 (((2 جان جاك روسو، العقد لااجتماعي، ترجمة عادل زعيتر (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2013 762[]1)، ص.58 (((2 ينظر: "المقاربات المعاصرة للعقد الاجتماعي"، ترجمة محمد رضا، مراجعة سيرين الحاج حسين، حكمة، 019/3/72، شوهد

في: 024/5/26:2، في https://cutt.ly/vedVwYVn

من هنا يمكن القول إن نظريات العقد الاجتماعي ليست إلا نمطًا للشرعية العقلانية، وتشرح هذه الشرعية أسباب قبول الناس لنظرية عقد ما، وتفِّسِر في الوقت نفسه ما يُطلق عليه مسألة التداول، بمعنى أنها تشرح القواعد التي سيوافق عليها الناس. ويعبر رولز عن ذلك عندما يرى أنه بداية من الفهم السابق، يمكن الإجابة عن مسألة الشرعية من خلال العمل على مسألة التداول، وذلك بضرورة فحص القواعد التي سنتبناها على نحو عقلاني في موقفنا التعاقدي، رابطًا ذلك بين نظريته في العدالة ونظرية الاختيار العقلاني.

1. أزمة الأخلاق التأسيسية والعقد الاجتماعي

على أساس مسألة الشرعية ينقسم أصحاب نظريات العقد الاجتماعي المعاصر، فمناصرو هوبز يعملون على حل أزمة الأخلاق التأسيسية، كما يطلق عليها الفيلسوف الكندي ديفيد غوتييه (023–19322)، عندما يرى أن "الاعتبارات الأخلاقية تتبدى في شكل قيود على رغبات الفاعل وأهدافه واهتماماته. لذا من الجدير بنا أن نتساءل عما سيحصل عليه الفرد عندما يعترف بقيود لا علاقة لها برغباته واهتماماته، وكذلك نتساءل عما يجعلنا نهتم بالأخلاق، بدلًا من أن نعتبرها اعتقادات قديمة". والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل فيما يتعلق بالشرعية مجال للأخلاق؟ يرى البعض أن أطراف العقد الاجتماعي لا ينبغي لها أن تستخدم في اتفاقها الأحكام الأخلاقية؛ لأن الاعتقاد أن هدف العقد هو أن نلتزم بفاعلية بالأخلاق، هو في الوقت نفسه تكريس لأهداف ورغبات غير أخلاقية، أو ليست لها علاقة بالأخلاق. لذا فهم يرون فيها استنتاج مبررات أخلاقية من عناصر ليست لها علاقة بالأخلاق. ثمّ إن منظري العقد يختلفون في موضوعه؛ فهوبز ولوك كان موضوع العقد لديهما هو الرابطة السياسية، وبخاصة حدود التزام المواطن بالخضوع للدولة وأسس ذلك الالتزام، وكلها أمور خارجية عن الإنسان، بينما تفترض الأخلاق أن الالتزام الخلقي يأتي من الداخل، أي من باطن الإنسان. ولعلنا هنا نتذكر تمييز كانط بين القانون والأخلاق، عندما يرى أن "التشريع الأخلاقي (حتى لو أمكن أن تكون الواجبات خارجية) لا يمكن أن يكون خارجيًا. فالوفاء بالتعهد المعطى في عقد هو واجب خارجي، لكن الأمر

بفعل ذلك فقط لأنه واجب دون مراعاة اعتبار آخر لا ينتسب إلا إلى تشريع باطن". مع ذلك يبقى التساؤل عن شرعية المبادئ الأخلاقية يمِّثِل إشكالية مفتوحة في فلسفة الأخلاق، ولعل الاعتبارات التي ساقها الفلاسفة والتي تقول إن شرعية المبادئ الأخلاقية تصدر عن الله عبر أوامر تعبر عن خيريته وعلمه بالصواب والخطأ، وتعكس كمال الله وقدرته... إلخ، لم تستطع مع ذلك تأسيس شرعية لهذه المبادئ الأخلاقية، ولا حتى فكرة الأخلاق باعتبارها عرفًا تتخلله مصالح متبادلة، لم تستطع أيضًا تقديم حل حقيقي بشرح ما وراء السلوك الذي يعتمده كل منا. ولعل هذا الرأي الذي

(23) John Rawls, A Theory of Justice (Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press, 1999), p. 16. (24) David Gauthier, "Why Contractarianism?" in: Peter Vallentyne (ed.), Contractarianism and Rational Choice (Cambridge: Cambridge University Press, 1991), p. 16.

(((2 عبد الرحمن بدوي، إمانويل كنت: فلسفة القانون والسياسة (الكويت: وكالة المطبوعات، 9791)، ص.6

اعتمد عرفية الأخلاق، والذي يجعل الأخلاق نسبية لارتباطها بزمان ومكان معينَين، سيصطدم بمبدأ كونية الأخلاق؛ مما سيفقدها الشرعية من وجه آخر. والعرف الذي ستنتمي إليه لا بد من أن يحمل مسوغًا من العدالة أو المعقولية أو الخيرية؛ ما يجعلها في حاجة إلى قواعد أو معايير تأتي من خارج العرف ذاته، وهذا ما يضفي على هذه القواعد والمعايير غموضًا. فحتى الأخلاق المرتبطة بالطبيعة لا بد لها من أن توِّضِح الكيفية التي يمكن من خلالها أن تنسجم الخصائص الأخلاقية مع الخصائص الطبيعية المألوفة؛ الأمر الذي لا يمكن أن يحسمه أي بحث تجريبي من دون افتراض أخلاقي مسبق. وهكذا إذا عدنا إلى المشكلة الأساسية التي حاولت نظريات العقد الاجتماعي معالجتها، ستظل تتمَّثَل في مشكلة الشرعية في الدولة، واستمرار شرعية الدولة عن طريق المشروعية التي تعكس قبول أطراف العقد الاجتماعي ورضاهم أثناء سريان العقد، اعتمادًا على ما توفره نصوصه من عدالة وسيادة للقانون، وما يوفره أطرافه من التزام سياسي أو أخلاقي نحوه. لذا ما يعتبره كانط مهًّمًا في العقد ليس هو قبول

أطرافه له، بل هو واجب الالتزام بأن ثمة عقدًا أصلًّيًا. هذا العقد الأصلي وهو بمنزلة اتفاق أصلي، يعتبره

البعض آلية تساعد في حل مشكلة الشرعية وامتداداتها في المشروعية، بحيث يستفيد كل أطراف العقد من مبادئ التشريع. ومن هنا، دعا أغلب فلاسفة نظريات العقد إلى ضرورة أن يحترم الجميع بنوده. وفيما يتصل بكيفية التعامل مع الحاكم الذي يخرج عن القواعد، فالحق في التمرد يكون هو الوسيلة، كما رأينا عند لوك، وذلك بموجب البنود التي أقرها كل من الحاكم والمحكومين في التعاقد الذي تم بين الطرفين، ولا يسري ذلك على صاحب السيادة عند هوبز باعتباره لم يكن طرفًا في العقد، فلقد تم العقد، كما يرى هوبز، بين المتعاقدين من أطراف المجتمع، ولم يكن الحاكم طرفًا فيه. وعليه، يكون الهدف هاهنا هو الوصول إلى شرعية، ومن ثم إلى مشروعية النظام السياسي في الدولة وبكل الطرائق الممكنة، سواء تم الاستناد في ذلك إلى مبررات القانون أو الأخلاق، وهذا ما يجرنا إلى مقاربة العلاقة بينهما فيما يأتي.

2. العلاقة بين القانون والأخلاق

يرى أستاذ القانون الكندي، ديفيد ديزينهاوس، في العلاقة بين الأخلاق والقانون، أن العلاقة بينهما تبقى تقليدية؛ ذلك لأن الأصول الأخلاقية للمواطنين، كما يرى، تبرر النظام القضائي، بمعنى أن القانون يخضع للمفهوم الأخلاقي للأفراد، وذلك من أجل عملية تبرير ديمقراطية. ويقرّ

الفيلسوف الألماني، يورغن هابرماس Jürgen Habermas على نحو آخر، بصلاحية المعايير القضائية باعتبارها كاشفة للسياسة، بمعنى أنها إجراء يمكن أن يرى فيه المواطنون أنفسهم مستقلين سياسًّيًا،

كما يرى أن الخطر في هذا أن تصبح الأخلاق أقنومًا بالنسبة إلى القانون، كأن تميل أخلاقيات التبرير

عند ديزينهاوس إلى خطر التجميد لإجراء صلاحية المعايير القضائية، بل حتى وضع الديمقراطية تحت الوصاية. ونتيجة لذلك يهتم هابرماس بعناية بأن يخصص دورًا للأخلاق أكثر تواضعًا ممّا

(((2 ينظر: "المقاربات المعاصرة للعقد الاجتماعي."

(27) Bjarne Melkevik, "Légalité et légitimité: Réflexions sur les leçons de Weimar selon David Dyzenhaus," Les cahiers de droit , vol. 40, no. 2, (1999), p. 475.

يقوم به ديزينهاوس. وهو يعتبر أن الأخلاق أصل تكميلي بالنسبة إلى المشروع القضائي؛ الأمر الذي يعني أن الأخلاق، مثلها مثل القانون، تتقاسم مهمة حماية استقلال كل الأطراف والأشخاص ذوي

الصفة، ويؤكد هابرماس أن الحقوق الذاتية تهدف إلى فك الارتباط، على نحوٍ محدد وبعنايةٍ، بين موضوعات القانون والمبادئ الأخلاقية. وهذا ما يسمح للفرد بأن يحرر ذاته من أي تأثير معنوي أو أخلاقي لا يمكن تبريره. الأخلاق إذًا، كما رأينا، مثلها مثل القانون يمكن أن تكون أساسًا تُقام عليه الشرعية ومن ثم المشروعية، وبخاصة عندما يمكنها تبرير القاعدة القانونية أو القاعدة الأخلاقية في المجتمع؛ وهو الأمر الذي يُكسِب المجتمع السلام والاستقرار اللذين تمنحهما شرعية النظام الحاكم ومشروعيته. إلا أن هذه الشرعية غير مضمونة دائمًا، وبخاصة إذا انسدت آفاق التغيير التي تعتمد على آليات الشرعية المتوافرة قانونيًا ودستوريًا، وهي مسألة تقودنا مباشرةً إلى التفكير في الآليات المتبعة في المجتمعات السياسية،

عندما ينسد أفق التغيير السلمي بالطرائق الشرعية القانونية؛ وهو الأمر الذي يمكن أن يوقعنا في العنف السياسي.

ثالثًا: العنف السياسي

إن لم ينجح العقد الاجتماعي القائم على عقلانية المشروعية، ولم يُتدَارَك افتقاد المشروعية بالطرائق الشرعية المبينة بالقانون الأساسي أو الدستور، فلن يكون ثمة مخرج متاح سوى العنف السياسي. لكن ما هو هذا العنف السياسي؟ تظل مقاربة موضوع العنف السياسي ومن يلجأ إليه سواء أكانت السلطة، وهو ما يُطلق عليه العنف الشرعي، أم كانت الجماعات أم الأحزاب والمجموعات المدنية أو العسكرية، وهو ما يُطلق عليه العنف الخارج عن إطار الشرعية (العنف غير الشرعي)، تظل هذه المقاربة بالغة الصعوبة، وبخاصة في ظل الأزمات السياسية الصعبة التي تموج بها أوجه الحياة في المجتمع الذي وصل إلى هذه الأزمة. فمنذ أزمان بعيدة، يحاول البشر أن يتخطوا الوقوع تحت طائلة العنف، ولم تكن فكرة العقد الاجتماعي إلا خطوة في هذا الاتجاه، وقد حاولوا مرارًا إبداع صيغ إنسانية غير مسبوقة لإعادة بناء المجتمع البشري على قواعد متباينة مع ما هو سائد، قواعد لا تقبل بالعنف ولا تقر به. وفي إطار تجنب العنف، تمسك البشر في كل عصر ومصر بتلك المحاولات التي لم تنته، ومع ذلك لم يمنع هذا أن تشهد البشرية أيضًا من قام من الفلاسفة ليُنِظِّر لهذا العنف. وكانت محاولة هوبز في عقده

الاجتماعي من أجل الهروب من حالة الطبيعة التي وصل بها الإنسان إلى أن يكون كائنًا يتحرك بصفة طبيعية بين الرّغبة والخشية، بل وصل به الأمر إلى أن يصير "الإنسان ذئبًا للإنسان". وفي وسط حرب

الجميع ضد الجميع تلك، حدد دور الحضارة والتنظيم الاجتماعي في استيعابٍ وكبحٍ لجماح هذا العنف ولو بالاستبداد والقهر. ومن هنا، جاء العقد الاجتماعي الذي طرحه، وحاول من خلاله الوصول

(28) Ibid.

إلى حالة الثقافة أو القانون والحضارة، وذلك بالهروب من حالة الطبيعة التي اعتبرها حالة للهمجية وللحرب المستمرة. وبهذا لم يكن هذا العقد سوى محاولة منه لتكريس حياة جديدة من السلام، وذلك باقتلاع العنف من جذوره، وفك اشتباكه بالحياة الإنسانية. يعني العنف، من وجهة نظر الحقوقيين، استخدام القوّة ضد النظام والقانون. فهو في عين القانون المدني يُعدّ سببًا لفسخ العقود، ويحدّد على النحو التالي: يكون العنف من طبيعة ممارسة الضغط

على شخص عاقل، ويمكن أن يوحي بالإكراه الذي يعرّض شخصه أو ثروته لضرر كبير وحاٍّلٍ. وفي قانون العقوبات، يُعدّ العنف ظرفًا مشَّدّدًا للعقوبة في بعض الجرائم. فالعنف إذًا هو "الاستخدام غير

المشروع، أو غير القانوني للقوة". وهكذا، فثمة عنف مشروع تستخدمه الدولة ضمن أطُر تطبيق القانون، والحفاظ على السلامة العامة والنظام، وهو ما تقبله وترضى به الغالبية العظمى، لتعبيره عن الرغبة في التغيير والإصلاح داخل الدولة والمجتمع، ومن العنف المشروع ما كان مقاومةً لاحتلال أو غزو خارجي. وما يضبط المشروعية هنا هو "التوافق الذي يحدث بين الممارسة السياسية من جهة، وبين الدستور والقوانين السائدة في المجتمع من جهة أخرى، فالفعل المشروع هو الفعل الذي يستند إلى القانون والدستور". ولا يستهدف العنف السياسي الأشخاص لذواتهم، ولكن يستهدف صفاتهم المعروفة اجتماعيًا، عرقية كانت أو دينية أو لغوية. ويرى البعض أن العنف السياسي على المستوى الشعبي يريد إحداث تغييرات مجتمعية، عبر استخدام مفرط للقوة ومدمر للأفراد والأشياء، من أجل تغيير سياسات أو نظام أو حكومة. إلا أن هذا العنف السياسي من الممكن "أن يكون طريقة شرعية لتحقيق أهداف شرعية، عندما تنتفي كل الوسائل الأخرى دونه، وذلك للتحرر من بعض الأوضاع الظالمة". وربما يكون أشدّ أنواع العنف السياسي العنف المستند إلى الصراعات الأيديولوجية، وذلك عندما يُرتكب العنف اعتقادًا أنه لصالح الإنسانية، أو يُرتكب باسم الدين، أو الله، أو باسم مبدأ أعلى. لقد رفض فلاسفة العقد الاجتماعي العنف السياسي، فوجدنا لوك يرفضه، بل يرفض أن يكون أساسًا للسلطة السياسية؛ فالدولة، من وجهة نظره، تستمد وجودها من السلطة التشريعية، وليس من سيادة

(2((ينظر: حسين ميلود، "النظام القانوني للمفاوضات السابقة على التعاقد: دراسة في القانون المدني الفرنسي رقم "131–2016،

مجلة الفكر القانوني والسياسي، مج 6، العدد  1 (0222)، ص.966–950

. Christian Ruby & Jean–Paul Scalabre, Philo–Guide: Les idées, les hommes (Paris: Quintette, 1969) (3(ينظر:(

(3((سامح فوزي، قاموس المصطلحات السياسية (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 0122)، ص.76–75

(32) Terry Naradin, Violence and State: A Critique of Empirical Theory (California: Sage Publications, 1971), p. 10.

(3((قدري حفني، "ظاهرة العنف السياسي من مفهوم مقارن"، في: قدري حنفي [وآخرون]، حول العنف السياسي: رؤية نفسية (القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، 9951)، ص.42 (3((تيد هندريش، العنف السياسي: فلسفته وأصوله وأبعاده، ترجمة عبد الكريم محفوظ (بيروت: دار الميسرة للطباعة والنشر، 9861)، ص.142

(35) Naradin, p. 10.

الحاكم، فهو يعتبر السلطة التشريعية "فعلًا أصيلًا وأسمى للمجتمع السياسي". ذلك أن حق السيادة يراه ملْكًا للمجتمع برمته، كما ينفي لوك أن يكون العنف، بما فيه من الحروب والفتن وخرق القوانين، مصدره الرعية، بل يحيله إلى فساد النظام السياسي. من هنا استمد اقتناعه بأن السلطة التي تعتمد على العنف لا بد للشعب من أن يقاومها بكل الأساليب ومنها القوة، وبخاصة إذا هددت حريته وملكيته، وذلك لأنها ستصبح في هذه الحالة سلطة ظالمة وفاقدة للمشروعية. وكذلك روسو الذي وجد في العقد الاجتماعي أن تنازل الإنسان عن حريته الطبيعية للآخرين جاء من أجل المحافظة على حريته. وذلك لأنه اعتبر أن الدولة تمِّثِل سلطة كل الأفراد؛ ومن ثم فهي تجسد السيادة، وفي الوقت نفسه تحد من حرياتهم. فإن السلطة، كما يراها روسو، لا بد من أن تعترف بالحق في الحرية أساسًا للعقد السياسي الذي يخضع له الجميع؛ لكونه يمِّثِل سلطة القانون المنبثقة

من الإرادة العامة. فما يحد إذًا من العنف السياسي هو أن يصبح الأفراد مواطنين، وما يزيده هو أن تتحول السلطة السياسية من إرادة عامة إلى إرادة خاصة، لأنه من خلال الإرادة العامة يصبح الناس أحرارًا. يوِّلِد العنف لدى روسو إذًا الاستبداد والظلم الاجتماعي، ولا تُمِثِّل الأخلاق والسياسة منبعه؛ إذ إن العنف السياسي، في رأيه، هو الذي يدفع إلى مختلف أنواع العنف، وهو في الوقت نفسه انتهاك للعقد الاجتماعي؛ الأمر الذي يجعل التمرد مشروعًا، ويكون على السلطة السياسية الالتزام بالقوانين العمومية لمنع الفوضى والعنف، ف "لا شيء أكثر خطورة سوى تأثير المصالح الخاصة على الشؤون العمومية". ويمكن أن يتبلور هذا العنف في أشكال كثيرة في المجتمعات البشرية، وبخاصة على المستوى الجماعي عندما تنسد آفاق التغيير السلمي في المجتمع، ومن أبرز هذه الأشكال: المظاهرات، وأعمال الشغب، والإضراب، والاغتيالات، والانقلابات، والتمرد، والثورة. وعند هذين المظهرين الأخيرين من مظاهر هذا العنف، سنتوقف في المبحث التالي.

رابعًا: التمرد والثورة

يدفع الحفاظ على التوازن النفسي للإنسان، منفردًا كان أو ضمن جماعة، إلى أساليب متعددة مثل الاحتجاج والعصيان، وأحيانًا أخرى يلجأ الإنسان أيضًا إلى التمرد والمقاومة، أو حتى إلى الثورة. وقد قادت بعض الفلسفات المرتبطة بالنضال على الأرض، كالماركسية، الدعوة صراحة إلى التغيير الثوري، وفي المقابل عارضت فلسفات أخرى الثورة، فعلى سبيل المثال نجد فلسفة كانط النقدية،

((3(لوك، ص.21 ((3(المرجع نفسه، ص.22 ((3(المرجع نفسه، ص.23 ((3(روسو، ص.58 ((4(المرجع نفسه، ص.59 ((4(المرجع نفسه، ص.83

وذلك استنادًا، في نظره، إلى أن الثورة تدمر فكرة الدولة المدنية؛ أي إنها تمنع شروط تطبيق القانون وإمكانه، كما أن الثورة، في رأيه، لا ينتج منها غيرُ الفوضى، فلا إمكان معها لقيام العدالة. ومع هذا، يجد

البعض في لحظات التمرد والثورة أنهما رغم تمثيلهما للحظات الأزمة والتوتر، يتضح فيهما جوانب الضعف وجوانب القوة الأساسية الكامنة، وتظهر فيهما أيضًا عناصر الدمج والتصدع في نظام الاجتماع السياسي. التمرد والاحتجاج إذًا من الظواهر المهمة في الدراسات السياسية والقانونية والأخلاقية، فهما يعبران عن تراجع المشروعية أو انتفائها، ويبقيان الوسيلتين المتاحتين للتغيير عندما تنسد شتى آفاق التعبير السلمي والحر، للجماهير التي تطالب برفع المظالم، واستعادة الحقوق، وتغيير الواقع المعيش إلى الأفضل. ومع هذا، فإن المصطلحين (التمرد والاحتجاج) يتداخلان مع جملة من المفاهيم الأخرى، كالرفض، والسخط، والمقاومة، والعصيان، والثورة، والهبّة أو "الهوجة"، والانتفاضة، وغير ذلك من

العبارات المعروفة في مثل هذه الحالة. وهو ما يفرض على الباحث الانتباه واليقظة في استخدامه بعض هذه المفاهيم والمصطلحات؛ إذ ثمة اختلافات كثيرة: منها اللغوية وأخرى تخص المعنى والاستخدام، لا في العربية فحسب، ولكن في اللغات الأجنبية، كذلك، وبخاصة في اللغة الفرنسية. هذا على الرغم من وجود المصطلح وتجذره في حياة البشر منذ فجر التاريخ. أهمية التمرد ولااحتجاج اليوم: عندما تنسد آفاق التغيير الشرعي في المجتمعات وتفقد السلطة مشروعيتها أو يواجه المجتمع غزوًا أو عدوانًا، يصبح التمرد والاحتجاج هما الوسيلتين المتاحتين للناس. إن عالمنا اليوم يواجه المذابح المنظمة، وشتّى أشكال العنصرية والقمع والتعصب، وسياسات التهجير ومصادرة الأراضي وضمّها، وإقامة المستوطنات، وقمع السكان الأصليين، والحروب الاستعمارية الجديدة، ويواجه الأنظمة العسكرية والبوليسية، ومعسكرات الاعتقال الجماعية، والنفي والطرد والتشريد والإرهاب، ويواجه أيضًا استخدام بعض الأنظمة أساليب علمية حديثة في التعذيب والقمع والهيمنة والمساومات الاقتصادية، ويواجه أيضًا الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات، والتي انتهكت حقوق الإنسان والبيئة وسيادة الدول، فضلًا عن مواجهته الجريمة، وعمليات غسيل المخ؛ ما يجعلنا نقدر حجم المشكلات الواقعة على عاتق الناس ووطأتها. فليس بالشر وحده ارتبط العنف في العصر الحديث، بل بعقلنة هذا الشر وربطه بمختلف أنواع التكنولوجيا، بحيث أضحى أكثر تدميرًا. وهكذا، فإن تغيير المحيط، والقيام بالتمرد، ومقاومة ما تحاول الأنظمة الاجتماعية تكريسه، ظل ضرورة أساسية لحياة الإنسان عبر التاريخ، كما أن الدولة لا يمكن أن تسمح لنفسها بعمل أي شيء يخرج عن الدستور الذي وحده يحدد أشكال السلطة العامة وشروطها. وهنا ترى بولاد أن مسألة التوافق على

((4(لمزيد من التفاصيل حول الاشتقاق والمعنى في اللغة العربية يمكن النظر في المراجع التالية: محمد الشايب ومحمد خليل

الباشا وهاني أبو مصلح، المعجم العربي الحديث (باريس: مكتبة لاروس، 9731)، ص 30، 339؛ أحمد بن محمد بن علي الفيومي،

المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، ج 2 (بيروت: المكتبة العلمية، 9801)، ص.520

(43) Elisabeth Clément et al. (eds.), Pratique de la philosophie (Paris: Hatier, 1994), p. 319. (44) Yves Michaud, La violence (Paris: Fayard, 1980), pp. 275–288.

وظيفة الدولة لم تُحل بعد، وأنه لا يكون إلا في المجتمع وعن طريق المواطنين وممثليهم المحتملين، وبشكل تاريخي يحدده المجتمع العادل الذي يضع نفسه أصلًا لمشروعية السلطة السيدة، وأن السيادة ذاتها تتحدد في الديمقراطية في علاقتها بالذات السياسية. ولعله هنا يبدأ السؤال السياسي ما بعد الحداثي حول الخصوصيات. وهنا داخل هذا السياق للقانون والسياسة، حيث التحديدات الحالية للسيادة وللسلطة السياسية، ترى بولاد أن ثمة إمكانًا لملاحظة أن الشرعية والمشروعية هما، في الحياة السياسية، القطبان الموازيان، بالطريقة ذاتها وبالقدر نفسه، للقانون الوضعي والقانون الطبيعي من حيث إن كليهما قطبا حياة القانون.

خاتمة

ركزنا في موضوع مقاربتنا على وضعية كل من الشرعية والمشروعية، بين السياسة والقانون والأخلاق، وأثناء المقاربة وجدنا أنفسنا أمام مفاهيم أخرى، تتقاطع بصورة ما مع موضوعنا، ولم يكن من الأمانة غض الطرف عن معالجتها وتضمينها بحثنا هذا. ومن هنا تعرضنا لعديد من المصطلحات والمفاهيم؛ فإلى جانب الشرعية والمشروعية، والعقد الاجتماعي، وسيادة القانون، نجد التمرد، والثورة، والعنف، وغيرها من مفاهيم وجدناها مهمة، بل أساسية في حقل الدراسات السياسية، والقانونية، والأخلاقية، وهي الحقول التي تجَّوَلنا في أنحائها أثناء هذه المقاربة. وهنا نضع استنتاجاتنا في نقاط مختصرة فيما يلي: • يظل مفهوما المشروعية والشرعية مصطلحين مركزيين، في الفلسفة السياسية وفي المجتمع الحديث الذي لا يمكن أن تستقيم الحياة السياسية فيه، من دون أن يستند قانونًّيًا ودستورًّيًا إلى

الشرعية، من خلال تطبيق القوانين والخضوع لها خضوعًا تامًا. فالمهيمن على السلطة، سواء أكان الحاكم أم الحزب أم الهيئة، في أي مجتمع، لا بد من أن يصل إلى رأس السلطة من طريق شرعي، أي بالإجراءات القانونية والدستورية المعروفة في هذا الشأن، وهو ما يجعل حكمها يتسم بالشرعية. إلا أن هذه الشرعية تظل في حاجة دائمة إلى وجود لها متجدد، يكتسب المشروعية باستمرار، وبخاصة إذا أصدرت قرارات أو اتخذت مواقف لم تحز رضا مواطنيها. وهنا يكون عليها أن تجدد شرعيتها لتكتسب مشروعية استمرارها على رأس السلطة. وإذًا لا يمكن أن تستمر أي حكومة أو حزب في الحكم إلى ما لا نهاية، ولكنها في حاجة مستمرة إلى تجديد مشروعيتها. • العقد الاجتماعي وإن كان تصورًا مُتخَّيَلًا في البداية من قِبل مُنظّريه من الفلاسفة الذين اعتمدوه

لتقريب وجهات نظرهم السياسية وشرحها، فهو يُشِكِّل في الوقت نفسه صورة حقيقية من المجتمع السياسي للدارس، تكون بالنسبة إليه بمنزلة المختبر الذي يمكن أن تُجَرَّب فيه

التصورات المختلفة وتداعياتها الاجتماعية والسياسية والقانونية والأخلاقية، واختبار فروضه

((4:(ينظر Boulad–Ayoub.

النظرية المختلفة، على أرض الواقع السياسي واستقاء النتائج التي اختُبِرَت صحتُها. والعقد

مختبر يمكن أن يُمِثِّل عصرًا معينًا أو مجتمعًا محَّدَدًا، وفي زمان ومكان، أي بصفته نموذجًا

لمجتمع قديم قبل العقد الاجتماعي، أو حتى لمجتمع سياسي حديث بعد التعاقد وقيام الدولة بمؤسساتها وهيئاتها وتشريعاتها القانونية. • إذا اعتبرنا أن نظريات العقد الاجتماعي محاولة جادة للخروج من حالة القلاقل والاضطرابات (حرب الجميع ضد الجميع، أو حالة الفوضى والهمجية، كما يراها هوبز، أو حالة الحرية الكاملة والطمأنينة، كما يراها آخرون)، وهي حالة من الممكن أن تصيب بعض المجتمعات عبر العصور، وإن كان منظّروها قد اختلفوا في إجراءات التعاقد وآلياته والشروط والواجبات المرتبطة به، والملقاة على عاتق الأطراف المتعاقدة، فإن الأساس الذي يستندون إليه جميعًا هو كون التعاقد محاولة لحياة سلمية أفضل لأطرافه، تقوم على التزامات من الممكن أن تكون سياسية أو قانونية أو أخلاقية، تم التوافق عليها، بل لم يعترض الأطراف عليها. ومن هنا جاءت أهمية تقديم مبررات للقبول بشروط العقد الاجتماعي، سياسية وقانونية وأخلاقية، لمنح النظام المشروعية المطلوبة. أما ما يخص التبريرات الأخلاقية، التي تستدعي هنا الضمير الأخلاقي للحكم على القيمة الأخلاقية لهذه التبريرات، فستظهر مشكلات أخرى متعلقة بذاتية هذا الضمير؛ وهنا يبرز السؤال عن كون الضمير وحده كافيًا في التمييز بين

الخير والشر، أو في تعيين ماهية الحق وماهية الواجب، أو تحديد المثل الأعلى للشرعية والمشروعية للدولة. وبما أن هذا الضمير وحده غير كاف، بسبب ذاتيته، لذا لا بد من تدخل ما يمكن أن يحمل قدرًا كبيرًا من المنطق والعقلانية والموضوعية. ومن هنا جاءت أهمية

الفلسفة السياسية وفلسفة القانون. • إن لم يكن هناك خروج عن العقد، فسيستمر النظام السياسي الحاكم قائمًا حتى نهاية المدة

الزمنية الشرعية، لعمل الانتخابات تطبيقًا للدستور والقانون، ولإحداث التغيير السلمي للسلطة على نحو شرعي. أما إن كان هناك خروج عن العقد وخرق لبنود التعاقد (في مجتمع ما قبل التعاقد)، أو انتهاك لمواد الدستور أو عدم الإذعان لمواده في المجتمعات الحديثة بعد التعاقد؛ ففي الحالتين سيتسبب هذا العمل في إشكاليات مختلفة، على مستويات متعددة. ففي الجانب السياسي ستسقط الشرعية مباشرة عن النظام، وسيكون في حاجة ملحة إلى تجديدها بالعودة مرة أخرى إلى القانون والدستور إن كان ذلك ممكنًا. أما إن سَُّدَت آفاق العودة إلى التغيير،

فهنا يكتسب التمردُ والاحتجاج والثورة الشرعيةَ المطلوبة التي ستوفر المشروعية اللازمة للنظام الذي ستنتجه أحداث التمرد والثورة. • إن اختُرقت بنود التعاقد أو انتهكت مواد العقد؛ فس تتوقف الشرعية ومن ثم المشروعية، ربما من وجهة النظر القانونية البحتة. ولكن هذا الانتهاك أو الاختراق نفسه، عندما يلحق به التمرد ليغير الأوضاع، يمكن النظر إليه من وجهة النظر السياسية والأخلاقية، بل حتى القانونية أخيرًا،

باعتباره شرعًّيًا، ومن ثم لا تسقط الشرعية ولا المشروعية عن هيئات المجتمع الجديدة التي

ستقيمها الثورة. وهنا يمكن القول: إن كان الاستيلاء على السلطة عملًا في حد ذاته يخرج عن إطار الشرعية، فإن الثورات إذا حازت الرضا العام فستكتسب المشروعية، وإن كان استيلاؤها على السلطة غير شرعي، وذلك في حالة انسداد آفاق التغيير الشرعي في المجتمع السياسي، واضطراره إلى اللجوء إلى التمرد والثورة. التمرد إذًا على الحاكم المنتخب بصورة شرعية، يفقد شرعيته، بل مشروعيته بمجرد انتهاكه للتعاقد بخروجه على الدستور والقانون. ولا تقتضي الشرعية هنا أي قبول أو إذعان للاختيار الأول الذي تم بصورة غير شرعية، نتيجة لاختيار الناخبين، أو ادعاء ضرورة المضي قدمًا نحو الانتهاء من الفترة الزمنية الدستورية. وهنا يلجأ

الثوريون إلى اكتساب الشرعية باللجوء إلى المحك الشعبي لاستمرار المشروعية، من خلال تنظيم انتخابات مبكرة، أو طرح الثقة بالنظام القائم، أو استفتاء ما، وغير ذلك، ليحوزوا بعدها مشروعية وجودهم. من هنا تأتي قيمة المبررات (سياسية كانت أو قانونية أو أخلاقية) التي تُقدّم لتسويغ التمرد، أو الثورة، أو لقبول العقد، أو لتسويغ قانون، أو قرار ما. • يتطلب الحفاظ على شرعية الدولة أو النظام السياسي، ومن ثم المشروعية التي ستلتحق بهما بالضرورة، مبررات قانونية تقدم لمواطني الدولة من قبيل سيادة القانون، وهو يكتسب أهمية قصوى لأنه يضمن تنفيذ القانون ومراقبة تطبيقه، وهو يحمي ويحصن استقلال القضاء، وهو آلية لضمان الحقوق، ويمكن أن يؤِّصِل لاكتساب المشروعية، ويبرر طاعة المحكومين للسلطة. ومع ذلك إن كان يمكن مبدأ سيادة القانون أن يمنح الشرعية، فإنه لا يمكن أبدًا أن يمنح المشروعية تلقائيًا. وكذا الحال مع الشرعية السياسية أو الأخلاقية، فهما وإن كانتا تتيحان

الشرعية للمجتمع في البداية، فإنهما لا تضمنان للمجتمع المشروعية على الدوام، وبخاصةٍ إذا تعرض المجتمع لوضعية سياسية ضاغطة على مجمل الأوضاع؛ ما يؤدي إلى مزيد من التدهور والتراجع، ومزيد من سوء الأوضاع المعيشية للناس. • لكي يكتسب القرار أو القانون الذي تصدره الدولة المشروعية، لا بد من أن يتطابق أولًا مع مبدأ المشروعية؛ أي أن يتوافق مع تراتبية القواعد القانونية باعتبارها المبدأ الأعلى في هذا القرار أو ذلك القانون، بل هي التي من الواجب خضوعهما لها شكلًا ومضمونًا. وإن لم يحدث ذلك، فسيتسم القرار أو القانون الصادر في هذه الحالة بما يمكن أن نطلق عليه عوار انعدام المشروعية. ويستمر هذا العوار ما دام القرار أو القانون مصطدمًا بقاعدة قانونية أو بمبدأ قانوني

أعلى منه. فعلى سبيل المثال إن أُقَِّرَ قانون أو قاعدة قانونية أدنى، بعيد عن العدالة أو يكِّرِس

عدم المساواة بين المواطنين، أو التمييز بينهم، رغم مساواتهم قانونيًا، فستفقد هذه القاعدة

الشرعية المطلوبة من جهة، والمشروعية من جهة أخرى، وهي التي يمكنها وحدها أن تبرر الطاعة للسلطة. وهنا يمكن القول إن أسئلة المشروعية هي عمليات اجتماعية تهدف إلى تبرير هيمنة الأنظمة السياسية أو عقلنتها. • إن كان العنف يضاد العقل والتأمل والمنطق في الفلسفة، ويتعارض مع كل القواعد القانونية المعروفة، بل يظل مناقضًا لأهداف العقد الاجتماعي في السياسة، ويخرج عن القيم والأطر

الأخلاقية التي تعمل الأخلاق على تكريسها، فإننا نرى أن موقف الفيلسوف تجاه العنف يجب أن لا يكون الإدانة المطلقة، بل محاولة فهمه وتمييز دوافعه وأسبابه؛ لأنه يُشِكِّل جزءًا من

الواقع الفعلي، وهو الأمر الذي يثير إشكالية العلاقة بينه وبين السياسة التي من المفترض أن تكون نقيضًا له أو مخففة على الأقل لحدته. ذلك أن هدف السياسة هو الوصول إلى حالة السلم الاجتماعي. ويكون على الفيلسوف، إذًا، فك الاشتباك بين العنف والمقاومة التي تستخدَم ضد المستعمرين والغزو الخارجي، من أجل التحرر الوطني. ولعل أفعال المقاومة اليوم ضد الاعتداءات الصهيونية على قطاع غزة، وإرهاب ميليشيات المستوطنين وجيشهم لأهالي الضفة الغربية، خير مثال يوضح أن معرفة الدوافع تجعلنا لا نقع في أخطاء التقييم المبني على الأحكام المسبقة.

References

المراجع

العربية

بدوي، عبد الرحمن. إمانويل كنت: فلسفة القانون والسياسة. الكويت: وكالة المطبوعات،.1979 جمهورية مصر العربية. "دستور جمهورية مصر العربية 012 2". الجريدة الرسمية. العدد 51 مكرر (ب.) 012/12/25:.2 في https://cutt.ly/dedC3oRD حنفي، قدري [وآخرون]. حول العنف السياسي: رؤية نفسية. القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية،.1995 روسو، جان جاك. العقد لااجتماعي. ترجمة عادل زعيتر. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة،

الشايب، محمد ومحمد خليل الباشا وهاني أبو مصلح. المعجم العربي الحديث. باريس: مكتبة لاروس،.1973 عبد الحافظ، مجدي. قراءات في الفكر المعاصر: على هامش الألفية الثالثة. القاهرة: المكتب المصري لتوزيع المطبوعات،.1998 عطية، نعيم. الفلسفة الدستورية للحريات العامة. القاهرة: دار النهضة العربية،.1989 فوزي، سامح. قاموس المصطلحات السياسية. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة،.2012 الفيومي، أحمد بن محمد بن علي. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير. بيروت: المكتبة العلمية،

لوك، جون. في الحكم المدني. ترجمة ماجد فخري. بيروت: اللجنة الدولية لترجمة الروائع،.1959

"المقاربات المعاصرة للعقد الاجتماعي". ترجمة محمد رضا. مراجعة سيرين الحاج حسين. حكمة.

019/3/7:.2 في https://cuts.top/EUbG

موسى، محمد يوسف. مباحث في فلسفة الأخلاق. المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2018.]1943[ميلود، حسين. "النظام القانوني للمفاوضات السابقة على التعاقد: دراسة في القانون المدني الفرنسي رقم 31–2016 1". مجلة الفكر القانوني والسياسي. مج 6، العدد 2).022(1 ناصوري، أحمد. "النظام السياسي وجدلية الشرعية والمشروعية". مجلة جامعة دمشق للعلوم لااقتصادية والقانونية. مج  42، العدد 2.)2008(هندريش، تيد. العنف السياسي: فلسفته وأصوله وأبعاده. ترجمة عبد الكريم محفوظ. بيروت: دار الميسرة للطباعة والنشر،.1986 هوبز، توماس. اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة. ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب. أبوظبي: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث – كلمة،.2011

الأجنبية

Berten, André. "Légalité et légitimité. A propos de J. Habermas." Revue Interdisciplinaires d’Etudes Juridiques. vol. 4, no. 1 (1980). Boulad–Ayoub, Josiane. Légitimité, légalité et vie politique. Laval: L’Harmmattan et les Presses de l’Université Laval, 2003. Clément, Elisabeth et al. (eds.). Pratique de la philosophie. Paris: Hatier, 1994. Foucault, Michel.  Surveiller et punir. Paris: Gallimard, 1976. Lalande, André. Vocabulaire technique et critique de la philosophie. Paris: PUF, 1947. Melkevik, Bjarne. "Légalité et légitimité: Réflexions sur les leçons de Weimar selon David Dyzenhaus." Les cahiers de droit. vol. 40, no. 2 (1999). Michaud, Yves. La violence. Paris: Fayard, 1980. Naradin, Terry. Violence and State: A Critique of Empirical Theory. California: Sage Publications, 1971. Quermone, Jean–Louis. Les régimes politiques occidentaux. Paris: Seuil, 2000. Rawls, John. A theory of Justice. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press, 1999. Ruby, Christian & Jean–Paul Scalabre. Philo–Guide: Les idées, les hommes. Paris: Quintette, 1969. Touraine, Alain. Production de la société. Paris: Seuil, 1973. Vallentyne, Peter (ed.). Contractarianism and Rational Choice. Cambridge: Cambridge University Press, 1991.