Return to Article Details The Connotations of the Barrier, Wall, and Boundaries in Palestinian Narrative

مدلولات الحاجز والجدار والحدود في السردية الفلسطينية

The Connotations of the Barrier, Wall, and Boundaries in Palestinian Narrative

حسني مليطات *

Hosni Mlitat *

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في المعنى الدلالي للحاجز والجدار والحدود في السردية الفلسطينية الممثلة في الخطاب السردي اليومي، الناتج من "الأنشطة الحياتية" اليومية للفلسطينيين في هذه الأماكن، والخطاب السردي الأدبي، الذي أنتج مفاهيم تصوّرية مقابلة للخطابات اليومية، وبإضافة تقنيات فنيّة، استعارية، تتضمن معانيَ قولية مهمة، تضيف إلى الأدب الفلسطيني المعاصر موضوعًا محوريًّا، يناقش القيمة المعرفية للفضاءات التي خلقها الاحتلال، وجعلها جزءًا من الأماكن التي يخضع لها الجسد الفلسطيني. تكمن أهمية هذه الدراسة في كونها أولى الدراسات التي تناقش موضوع الحواجز من منظور سردي أدبي، حيث أوّلت الخطابات القولية الواردة في الأعمال المختارة، ووثّقت دور الأدب في معايشة "التجارب الحياتية" التي يعيشها الفلسطينيون، وخلصت إلى أنّ هذا الفضاء الاستعماري المُضاف يشكّل طرحًا إضافيًا من أطروحات التعبير السردي في الأدب الفلسطيني، ومن ثم، فهو فضاء استعاري، يُراد به توثيق "المسار" الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية.

Abstract

Abstract: In this study, the researcher examines the semantic meaning of the barrier, wall, and boundaries within the Palestinian narrative, represented by the daily narrative discourse resulting from the daily "life activities" of Palestinians in these places, and the literary narrative discourse, which produced conceptual ideas that correspond to daily narratives. By adding artistic and metaphorical techniques that include significant verbal meanings, the study contributes a central subject to contemporary Palestinian literature. This subject discusses the epistemological value of the spaces created by the occupation and made part of the areas the Palestinian body is subjected to. The importance of this study lies in being one of the first studies to discuss the topic of barriers from a literary narrative perspective. It focuses on the verbal discourses found in the selected works and documents the role of literature in experiencing the "life experiences" lived by Palestinians. The study concludes that this added colonial space constitutes an additional proposition within the narrative expression in Palestinian literature. Consequently, it is a metaphorical space intended to document the "path" the Palestinian cause has reached.

الكلمات المفتاحية:
  • الحاجز
  • الجدار
  • الجسر
  • الجسد
  • السردية الفلسطينية
Keywords:
  • Barrier
  • Wall
  • Bridge
  • Body
  • Palestinian Narrative

الفلسطينية الممّثلة في الخطاب السردي اليومي، الناتج من "الأنشطة الحياتية" اليومية

للفلسطينيين في هذه الأماكن، والخطاب السردي الأدبي، الذي أنّتج مفاهيم تصوّرية مقابلة

للخطابات اليومية، وبإضافة تقنيات فنيّة، اسّتعارية، تّتضمن معانيَ قولية مهمة، تضفي إلى

الأدب الفلسطيني المعاصر موضوعًا محوريًا، يناقش القيمة المعرفية للفضاءات الّتي خلقها

الاحّتلال، وجعلها جزءًا من الأماكن الّتي يخضع لها الجسد الفلسطيني. تكمن أهمية هذه

الدراسة باعّتبارها أولى الدراسات الّتي تناقش موضوع الحواجز من منظور سردي أدبي،

حيثٍ أوّلت الخطابات القولية الواردة في الأعمال المخّتارة، ووثّقت دور الأدب في معايشة

"الّتجارب الحياتية" الّتي يعيشها الفلسطينيون، وخلصت إلى أنّ هذا الفضاء الاسّتعماري

المُضاف يشكّل طرحًا إضافيًا من أطروحات الّتعبير السردي في الأدب الفلسطيني، ومن ثم،

فهو فضاء اسّتعاري، يُراد به توثيق "المسار" الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية.

مقدمة

شغل المكان حيّزًا معرفيًا مهمًا لتصوير الواقع الفلسطيني، باعتباره الفضاء الدلالي الموِّثِق

لممارسات الاحتلال منذ عام 9481 إلى يومنا هذا؛ فبقراءة تعاقبية، نجد أنّ كلّ فعل احتلالي ترك أثرًا بيّنًا في المكان الفلسطيني، الذي شهد تدميرًا أو سيطرة مطلقة، ما جعله فضاءً متحوّلًا، من مكان

مادي إلى مكان رمزي، أو بتعبير مارك أوجيه Marc Augé 023–1935(2) إلى مكان "أنثروبولوجي" محمّل بالعوالم الرمزية المختلفة، التي تتضمن تفسيرًا واقعيًا ل "مصير" القضية الفلسطينية. فالمكان

الأنثروبولوجي هو ذو العوالم المُدركة، والذي لا يقتصر معناه على "الاتجاهات وكميّة السرعة

والمتغيّرة"، وإنما على فاعلية الجسد واحتكاكه به؛ أي هو الذي "يحيا بمجموع الحركات التي تنتشر

فيه". لينتج، من خلال تلك الحركات والاحتكاكات، دلالته وتمثيلاته المختلفة، التي تُظهر الجانبين: الداخلي والخارجي للمسار الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية. ولذلك، لازم الشعراء والروائيون والفنانون والسياسيون وغيرهم الفضاء الفلسطيني، ليعبّروا عن حنينهم وتمجيدهم ورثائهم وبكائهم

وألمهم، وليتخذوه بذلك استعارة حيّة، يوثّقون من خلالها الوظائف الشعرية والمرجعية والإدراكية.

ومن الأماكن التي شكّلت معنى، وأسهمت في تمثيل "الحالة الفلسطينية": الحاجز، والجدار، والحدود؛ حيث تضمنت دلالات لا نجدها في سياقات ثقافية عالمية أخرى، باس ثتناء بعض الفضاءات التي تشهد أزمات بسبب جيوسياستها. وتتجلى قيمة هذه الأماكن في الحيّز الفعلي الذي بُنيت عليه، مكونةً

من خلال ذلك هوية مكانية خاصة واس ثتنائية في السردية الفلسطينية. فمعنى الحاجز في المخيال الفلسطيني ليس "الفصل، والمنع" فحسب، وإنما هو فضاء عقابي، يكشف عن معاقبة الجسد الفلسطيني، بوسائل عقابية تتوافق وحالة ذلك الفضاء، حيث المنع من المرور ساعات طويلة، ليتحقق بذلك فعل "الحجز"، وتوقيف الكثير من الأجساد وصلبها فترات زمنية غير محددة تحت أشعة الشمس وزخّات المطر، وخلق معماريّة خاصة بذلك الحاجز، بهدف إجبار الفلسطينيين على الاحتكاك به

والمرور من خلاله، ليصبح الجسد بذلك "أداة أو وسيطًا"، كما يقول ميشيل فوكو Michel Foucault (984–19261)، للكشف عن فعل الممارسات العقابية التي ينتجها ذلك المكان/ الفضاء. وتجلّت الممارسات العقابية أيضًا على الحواجز من خلال إنشاء وسائل "المراقبة" و"التحكم"، مثل الأبواب الحديدية الدوّارة ذات الأضلع، التي تقوم فكرتها على إلصاق الجسد الفلسطيني داخلها، ويتحكم في

فتحها وإغلاقها جندي واحد، ويرى إيال وايزمان Eyal Weizman أنّ الهدف من ذلك، في الظاهر، "جعل عملية العبور أكثر تنظيمًا وكفاءة وأمنًا وإنسانية"، لكن عمليًا "تقوم بالضغط على أجساد

(((ينظر: مارك أوجيه، الّلا أمكنة: مدخل إلى أنثروبولوجيا الحداثة المفرطة، ترجمة ميساء السيوفي (المنامة: هيئة البحرين للثقافة

والآثار، 0182)، ص 47 وما بعدها. (((ميشال دو سارتو، ابتكار الحياة اليومية: فنون الأداء العملي، ترجمة محمد شوقي الزين (الرباط: دار الأمان، 0112)، ص.218 (((المرجع نفسه. (((ينظر: أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب (بيروت: دار صادر، [د. ت.])، ص.331 (((ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة: ولاادة السجن، ترجمة علي مقلد (بيروت: مركز الإنماء القومي، 9901)، ص.53 (((إيال وايزمان، أرض جوفاء: الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي، ترجمة باسل وطفة (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 0172)، ص.230

المسافرين للتأكد من أنهم لا يخفون شيئًا تحت ملابسهم. وبحسب شهادة قدّمتها منظمة محسوم

ووتش، فقد آل استخدام هذه البوابات الضيقة إلى التسبب في مزيد من الفوضى والأذى"، وإلى الضيق والاختناق، ولا سيما إذا اجتمع أكثر من جسد داخلها. وأسهم هذا الاحتكاك التفاعلي مع المكان/ الحاجز في إنتاج سردية خاصة بتلك الأماكن، حيث تتحول القصص والحكايات المتعددة، المضحك منها والمُبكي، إلى أماكن "للذاكرة"، رمزيّة ودلالية، تصور الحياة اليومية للفلسطيني

أثناء المرور عبرها. شهدت الحواجز تطوّرًا معماريًا ودلاليًا، يتوافق والوقائع السياسية التي عاشها

الفلسطينيون. والمقصود بالتطوّر المعماري التطور المكاني للحواجز، حيث ثباتها وديمومتها في الكثير

من مناطق الضفة الغربية على وجه التحديد؛ ففكرة الحواجز موجودة منذ وجود الاحتلال نفسه، ولكن بمسميات وحالات مختلفة عن تلك التي وُِّظِفت بعد عام 001.2 فقبل ذلك، كان الحاجز "طيّارًا"،

يكتفي بفعل "الحجز"، مع تفتيش للأجساد، وفحص سريع للهويات الشخصية. لكن بعد ذلك العام، أخذت الحواجز تتطور معماريًا، من خلال بنائها على مداخل الكثير من القرى والمدن؛ فبعد أن كانت

مع بداية الانتفاضة سواتر ترابية وحجرية على المداخل المركزية للقرى والمدن الكبرى، تحولت إلى حواجز ثابتة، بوضع أبراج مراقبة وممر مُظلل يحتوي على كل وسائل المراقبة المختلفة: بوابات دوّارة،

وكاميرات، ومنع كلي أحيانًا، وجزئي أحيانًا أخرى لمرور الفلسطينيين عبر سيارتهم، وإجبارهم على النزول، وإخضاعهم لتلك الوسائل. وبعد عام 0092، أزالت إسرائيل جزءًا من هذه الحواجز، وأبقت

على جزء آخر منها، وتجلى فعل الإزالة في هدم الممرات الثابتة، وإبقاء أبراج المراقبة والكاميرات، والسماح للفلسطينيين بالمرور بسياراتهم، مع تفتيش متفاوت لمن في داخلها، وبذلك، أصبحت أماكن الحواجز في سنواتها الخمس تقريبًا جزءًا من "الذاكرة الفلسطينية" الجمعية، التي توثّق مرويات المراقبة

والعقاب التي شهدها الجسد الفلسطيني. أما الجدار فهو حاجز فعلي، ولكن من نوع آخر، إذ هو حاجز دائم، يفصل الضفة الغربية كلها عن أراضي عام 9481، ويتضمن "معابر" حدودية، تسرد حياة المارّين من خلالها. وله قيمة رمزية مهمة في المخيال الفلسطيني/ العربي/ العالمي؛ فهو يُعتبر أمام العالم كله أداةً استعمارية بيّنة، وتوثيقية للمعاناة

التي يعيشها الفلسطينيون المارّون من خلال معابره التي تحتوي على وسائل مراقبة أكثر دقة من تلك الموجودة على الحواجز الداخلية بين مدن الضفة الغربية وقراها. وبناءً عليه، فإنّ فعل العقاب في

هذا الحيّز المكاني أوسع؛ فعلى معابره هناك آلات دوّارة، وآلات "التنشيف"، كما يُطلق عليها المارّة،

وعدد هائل من الكاميرات، وبهذا كله، يتجرّد الجسد الفلسطيني ويتعرّى، ويخضع لسلطة "الآخر".

فمنذ القِدَم، والجسد "موضوع وهدف للسلطة"، إّلا أنّ الخضوع هنا لا يهدف إلى "التقويم، والبناء، والمساعدة في شق طريق الحياة"، بل "الطاعة"، بمفهوم فوكو، للأوامر والقوانين المُسرّح بها في

ذلك المكان. ولذلك، مثّل الكثير من الفنانين العالميين والفلسطينيين أثر هذا الجدار، بجعله حائطًا لرسوماتهم المناصرة للقضية الفلسطينية، والداعية إلى حق الفلسطينيين في تقرير المصير، إضافة إلى

(((المرجع نفسه، ص.231 (((فوكو، ص.158 (((مازن رسول محمد، حفريات في الجسد المقموع: مقاربة سوسيولوجية ثقافية (الرباط: دار الأمان، 0152)، ص.135

تخيّله في أعمال الفنانين، واستعارته في قصائد الشعراء وسردية الروائيين وكُتّاب القصة، ليتحول بذلك

إلى "أيقونة" تعبيرية، تصف ذات الفلسطيني والآخر. واللافت أنّ استعارة الجدار، بوصفه مكانًا/ حدًا فاصلًا، هي من محاور الخطابات القولية اليومية للفلسطينيين، لا سيما العمّال منهم، حتى إن كلمة

"مَعبر" عبارة عن "فعل تلفظيّ"، يُبنى من منظور السياق المعرفي المُطلق، الذي ينتج سردية خاصة بذلك

المكان وهيئته وشكله في مخيال المارين منه على نحو مستمر. وأقصد بالحدود الجسور والمعابر الخارجية، التي تفصل بين فلسطين وغيرها من الدول المجاورة، والتي شكّل الحديث عنها عبارات لافتة ومعبّرة، تستحق التأمل والتأويل؛ فالجسر فضاء تعبيري لوصف حال المسافر الفلسطيني على مرّ

سنوات طويلة، وفضاء تعريفي مباشر لتصوير المسار الذي وصلت إليه فلسطين بعد اتفاقات السلام؛ فهو المكان المرمّز الذي اتكأ عليه الكثير من الكُتّاب للحديث عن القضية الفلسطينية قبل اتفاق أوسلو

وبعده، كما فعل فيصل حوراني ومريد البرغوثي على سبيل المثال. وشكّل الحديث عن الجسر، أيضًا، مركزيّة التعابير اللفظية عن الحنين إلى أرض فلسطين، على اعتبار أنه نقطة العبور الفعليّة التي توثّق

اللقاء الأوّلي مع هذه الأرض المتخيّلة. وبناءً على ما سبق، تبحث هذه الدراسة بالتفصيل، عن هذه

الرؤية وغيرها حول التطوّر الدلالي لهذه الأمكنة جميعها في السردية الفلسطينية، وخاصة في الرواية،

والسيرة الروائية، والمذكّرات؛ حيث جعل بعض الكُتّاب الفلسطينيين من الحاجز والجدار والحدود

الفكرة المحورية لنصوصهم، لمحاكاة الواقع الفلسطيني والتعبير عن "وجهة نظرٍ" ما عن "الحالة" التي وصلت إليها القضية بعد أحداث تاريخية مهمة شهدتها. أنتجت هذه الأماكن قيمة معرفية مهمة في السياق الثقافي الفلسطيني، فهي تُعتبر محورًا رئيسًا من

محاور التفاعل الحياتي بين المواطن الفلسطيني والآخر الإسرائيلي، على اعتبار أن الحاجز أو المعبر نقطة الالتقاء الفعليّة بينهما، ومن ثمّ، تتحقق "النشاطات الحياتية" في تلك الأماكن، وتتنوع بناءً على

تقسميها إلى نشاطات كلامية أو سلطوية عقابية، وتُنتج من خلالها السردية التوثيقية لكل ما سبق؛ وهي السردية التي تهمّنا في هذه الدراسة، والتي مُثّلت من خلال ما يلي: السردية الخطابية اليومية، والسردية

المتخيلة (الرواية)، والسردية الواقعية الممثلة (السيرة الروائية والمذكّرات). ولكل سردية من هذه أسلوبها التعبيري للحديث عن التطور الدلالي للحاجز والجدار والحدود، إلا أنها تشترك كلها في جعل هذه الأماكن فضاءات تشكيلية لأنظمة "رمزية"، كما تقول الباحثة هجار كوتيف Hagar Kotef، التي ترى أن "حركتنا تخضع على الدوام للتنظيم من خلال أنظمة الرموز، والأوامر، التي يُفترض بنا أننا نملك القدرة على التعرّف إليها". قد يتساءل البعض عن سبب تقسيم الأماكن

المدروسة إلى حاجز وجدار وحدود، علمًا أنّ جميعها "حواجز"، والسبب في ذلك أنّ لكل مُسمّى

من هذه "دلالةً" في المخيال الفلسطيني؛ فمفردة الحاجز تُشير إلى الأماكن التي يفرض فيها الجندي الإسرائيلي سلطة التحكم في الجسد الفلسطيني داخل الضفة الغربية، بين المدن والقرى، حيث أصبح لكل حاجز "هوية مكانية"؛ أي إن لكل حاجز اسمًا مرتبطًا بالمكان الموجود قربه، مثل: حاجز حوارة،

وحاجز زعترة، وحاجز بيت فوريك، وحاجز بيت إيبا، وحاجز سردا، وغيرها من الأسماء الأخرى.

1(((هجار كوتيف، "الحواجز"، قضايا إسرائيلية، مج  71، العدد 66 (0172)، ص.25

أما الجدار، فنقصد من خلاله الحديث عن سردية التنقل من أبوابه، التي يُطلق عليها "المعابر"، إضافة إلى سردية العبور غير المباشرة "التهريب" من فوقه، ولهذا الفعل حضور بيّن في السردية الفلسطينية.

في حين نريد بالحدود الحديث عن مفردة "الجسر"، وأهميته في مخيال الفلسطينيين، وكيف أنشأ هذا المكان بناءً سرديًا خاًّصًا، يتضمن معانيَ تختلف عن تلك المرتبطة بالحاجز والجدار، كما سنرى. إذًا،

تعود معايير التسمية إلى دلالة المسمى عند الفلسطيني نفسه، وقد جمع عزمي بشارة هذه المُسميّات

جميعها بمسمى "الحاجز" فحسب، ولهذا معنى أيضًا سنتحدث عنه بالتفصيل فيما بعد.

أولا: سردية الحاجز والجدار والحدود في الممارسات التواصلية اليومية والسينمائية

شكّلت مفردات الحاجز والجدار والجسر جزءًا مهمًا من "الممارسات التواصلية اليومية"، حيث

لازمت كلام الفلسطينيين وأصبحت المكوّن التعبيري لوصف حال يومهم؛ فإذا كان الحاجز مفتوحًا،

تسير الأمور الحياتية في ذلك اليوم، ويخرج الناس من قراهم ومدنهم ومخيماتهم ويعودون بسهولة

إليها، أما إذا أُغلق، فيعمّ النكد والتأفف والمزاحمة، وتظهر أخلاقيات الناس ولاأخلاقياتهم في التعامل مع الأزمات المتكررة التي يعيشونها. وبناءً عليه، تحوّلت هذه الأماكن إلى مقياس حقيقي لمشاعر

الناس العابرين من خلالها، منتجةً بذلك سياقات كلامية مختلفة، و"أدوارًا تفاعلية"، بتعبير غوفمان Erving Goffman (982–19221)، تنتج سرديات واقعية، تتضمن مشاهد حيّة لعلاقة الفلسطيني بهذه

الأماكن وكيفية تعايشه فيها. مثّل الفلسطيني هذه الأماكن في خطابه من خلال تفاعله مع الأحداث التي حدثت على الحواجز "الثابتة" تحديدًا، لا سيما في الفترة 008–20022؛ وهي الفترة الزمنية التي كان فيها الحاجز "فضاءً" مضافًا إلى الفضاءات التي ينبغي لكل فلسطيني أن يعيش فيها، ولو دقائق

أو ساعات، ما جعل فعل المرور عبرها يُنتج قصصًا وحكايات لمئات من الفلسطينيين؛ وهي قصص "صراع" في معظمها: صراع بين الفلسطيني والجنود تارةً، وصراع بين الفلسطينيين أنفسهم تارة أخرى، إضافة إلى قصص كوميدية لمواقف معبّقة بالسخرية، وقصص تراجيدية تسرد حكايا أناس تعرضوا

للإهانة أو للموت ربما، لذا كانت الحواجز في تلك الفترة محورًا مهمًا من محاور التعبير عن الحياة اليومية التي عاشها الفلسطينيون إبّان اندلاع الانتفاضة الثانية. خلق احتكاك الفلسطيني بفضاء الحواجز والمعابر والجسور "طابعًا درامًّيًا"، يتألف من أدوار وتبادلات

كلامية وأنشطة تفاعلية بين الجسد نفسه والآخرين، وشكّل ذلك الطابع الدرامي في "الأدوات التعبيرية" الممثلة في "الواجهة الشخصية، والجنس، والعمر، والحجم، والنظرات، وهيئة الجسم، وأنماط الكلام، وتعابير الوجه، وإيماءات الجسد، وما شابه"، وهذه الأدوات تحققت فعليًا في

تلك الأماكن، مُعتبرة مفتاحًا إشاريًا إلى حكايةٍ ما، وقعت أحداثها هناك. فكم من قصة تكوّنت نتيجة

(((1 ديبورا شيفرن، دليل تحليل الخطاب، ترجمة خليفة الميساوي (المنامة: هيئة البحرين للثقافة والآثار، 0222)، ص.262 (((1 إرفنغ غوفمان، تقديم الذات في الحياة اليومية، ترجمة ثائر ديب (جدّة: دار معنى للنشر والتوزيع، 0212)، ص.41 (1((المرجع نفسه.

"نظرات" بين الفلسطينيين والجنود، أدت إلى ممارسات عقابية؟ وكم من قصة كوميدية نجمت عن "هيئة الأجساد" العابرة؛ فالبدين كان يعاني من جراء المرور عبر الآلات الدوّارة ذوات الأضلع، التي

أطلق عليها الفلسطينيون اسم "المَعّاطات"؛ لأنها تشبه آلة "مَعط" الدجاج (أي نتف ريشها)، ويصاب

بأزمة نفسية عندما يطلب منه الجندي/ المجنّدة رفع قميصه عن بطنه، فيكشف عن البطن، ويُحرج؟

وكم من امرأة أنجبت في تلك الأماكن، بعد منعها من العبور، ليولد الطفل على الحاجز أو المعبر، ويُشكّل هوية جديدة لذلك المكان؟ وكم من جسد سُجّي بعد موته نتيجة أزمة قلبية، أو بسبب منعه

من العبور وهو يعاني مرضًا مزمنًا ما؟ وغيرها من قصص "الانتظار" و"العبور"، التي توثّق، بكل حالاتها، تراجيديا المكان ومأساته. ويُعتبر جزء مهم من هذه القصص ضمن "الإجراءات والتقنيات"

التي تميّزت "بتأسيس بنية تحتية جديدة لإدارة شؤون الموت الجماعي الفلسطيني تعتمد أساسًا على

فك اللحمة الحداثية بين الزمن والفضاء والحركة المادية الاجتماعية المُنبثقة عنهما، ما يؤدي إلى

تقليص فاعلية الفلسطينيين التاريخية بوصفهم جماعة حداثية". يمكننا تصنيف خطاب الفلسطينيين على الحواجز على أنه خطاب عاديّ، ومن الذين درسوا هذا النوع من الخطاب إيمانويل شغلوف

Emanuel Schegloff (937–1) في مقالة عنوانها "الخطاب إنجازًا تفاعلًّيًا"، يتحدث فيها عن

"منطلقات" الخطاب، معتبرًا "الحياة الاجتماعية" من المشاهد الأولى والأساسية لتكوين بنيته، ويرى

أنّ الحياة الاجتماعية عبارة عن "تفاعل مباشر بين أفراد المجتمع كافة، حيث يكون الفرد حاضرًا

جسديًا". يمكن أن نستعين بهذا الفهم، إلا أنّنا نرى أن منطلقات الخطاب في سياق حديثنا هنا هي

"الحياة اليومية على الحواجز والمعابر والحدود"، والمشترك بين هذين المسمّيين هو "الالتقاء" بين

الأجساد، بغضّ النظر عن هويتها. فالخطاب العادي الذي ظهر في تلك الأمكنة نشأ من خلال: محاورة الفلسطينيين مع الجنود، والممارسات العقابية التي فعلها الجنود في حق الفلسطينيين المحتجزين، وفضاء الحاجز نفسه، واحتكاك الأجساد به. نقصد بالمحاورة الجدال والنقاش بين الجنود والفلسطينيين؛ فسنوات الحواجز الثابتة في الضفة الغربية شهدت وقائع مختلفة نتيجة التبادلات الكلامية الحادّة بين الطرفين، على اعتبار أن فعل الأسئلة والإجابة عنها هو فعل تأسيسي للممارسات العقابية التي تحدث وفق "طبيعة الإجابة" عن تلك الأسئلة، وإذا تحدّث الفلسطيني بلغة الجنود (اللغة العبرية) نجا من تلك الممارسات، وأشعر "الآخر" براحة الحديث، وسهولة التعبير عمّا يخطر في باله. أما الممارسات العقابية، فهي المُحفّز الحقيقي لإنتاج "تفاعل خطابي" في تلك الأمكنة. ولتلك

الممارسات أنواع عديدة، أشهرها التنكيل بالجسد الفلسطيني، بوضعه تحت أشعة الشمس أو تحت

زخّات المطر والبرد ساعات طويلة، وأُطلق على هذا المكان اسم الحفرة، وهو مُسمّى استعاري، يُراد

به "النزول إلى" والشعور بالإهانة. فضلًا عن إغلاق الحاجز، من دون أسباب، ساعات طويلة جدًا أيضًا، ل تتكتل الأجساد وتتزاحم، وتخلق الفوضى وتعمّ المشاكل بين الفلسطينيين، والجنود يضحكون،

1(((إسماعيل ناشف، صورة موت الفلسطيني (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 0152)، ص.37 (((1 شيفرن، ص.279

إضافة إلى إخضاع تلك الأجساد لرقابة دقيقة، بإجبارها على المرور من ماكينات إلكترونية، وفحصها فحصًا دقيقًا. وتشكّلت الخطابات العادية أيضًا من خلال تفاعل الأجساد في فضاء الحاجز، الذي يُقصد به المكان

وما يُحيط به من عناصر مكانية أو شيئية أخرى، ويُستدل على هذا التفاعل بقصص العابرين الذين

يسردون بطولاتهم، ويتحدثون عن تجاربهم في الذهاب إلى أماكن عملهم، وخلق مفاهيم تتوافق وتلك التجارب، فنجد مفردات: القَطْعة، المخصوم (المحسوم) أي الحاجز، المعّاطات... إلخ، وهي المفاهيم التي سنجدها في بعض النصوص الروائية. إنّ ما أنتجته هذه السلوكيات من خطابات عادية "تأسيس" فعليّ لسرديات متخيّلة أو واقعية ومباشرة

دوّنها كُتّاب فلسطينيون، ومثّلوها في مشاهد روائية وسيرية، تتضمن صورًا بلاغية، ووقفات سردية،

وأزمنة وأمكنة متداخلة، صانعة بذلك "هوية علاقية"؛ أي الهوية الكامنة في "العلاقة بين الشخص والآخرين"، أو بين الشخص والفضاء المقيم فيه، على اعتبار أنّ المكان يحمل معانيَ مختلفة،

لا سيما إذا تحوّل إلى "مكانٍفنيّ"، فيصبح مكانًا مُرمّزًا، ومُحمّلًا بالدلالات التي توثّق قيمة ذلك المكان

ومحوريته في صناعة "فكرة النص" في الأعمال الأدبية العديدة، وفكرة "المشهد" في السينما والمسرح المُمثل على سبيل المثال. ومن الأفلام الفلسطينية التي خُصصت لسرد الحواجز، فيلم "الهدية"، وهو من

الأفلام القصيرة التي أخرجتها فرح نابلسي، ويتحدث عن رحلة عبور أب وابنته لحاجز 300 الإسرائيلي، لشراء هدية لزوجته. ومن الأفكار الرئيسة التي يطرحها الفيلم: فكرة "الانتظار" على الحواجز، ورؤية التنكيل بالأجساد، وتصوير سخرية الجنود من المارة، وكيفية تلقّي الفتاة الصغيرة تلك الأحداث،

ليكون "فعل حجز" والدها، الفعل المولّد للبطولة الداخلية التي نمت فيها؛ البطولة الناتجة من تحدٍ صارخ لأفعال رفض العبور، والحجز، من دون مبرر. وتجسدت تلك البطولة أثناء عودة الأب وابنته إلى البيت، وهما يجرّان الهدية، التي كانت عبارة عن ثلاجة جديدة، ورفض الجنود عبورها إلا من الآلات

الدوّارة، التي يستحيل أن يمر من خلالها أي مكوّن ماديّ ضخم سوى جسد واحد أو جسدين، فتأخذ

الطفلة العربة، وتجرّ الثلاجة من جانب الحاجز كفعل مقاوم، ردًا على سلوكيات الاحتلال. أظهر لنا الفيلم، رغم قصره، صورة الفلسطيني العابر للحاجز، وكيفية ملازمته لكل جزء من ذلك المكان: من عبور، وإيقاف، وتحقيق، وحجز مؤقت في غرفة مكشوفة، تُعتبر من المكوّنات الإضافية

للحواجز، ويُستعان بها لممارسة أنواع العقاب المختلفة. ونرى أن القيمة الفعلية للفيلم تتجلى في

"تحولات البطولة" عند الطفلة، والتي وُِّلِدت فيها بمجرد عبورها الحاجز، ورؤيتها سلوكيات الجنود،

كما أشير إلى ذلك، ولذلك يرى علي زيعور أن التحول إلى البطولة "يحصل من الخارج إلى الداخل، أو من النمط المنبسط إلى النمط المنطوي والمتأمل"، وهذا ما حدث مع الطفلة التي أخضعها الحاجز للانطواء على ذاتها ذهابًا، وتوليد القوة وتمثيل البطولة الفعليّة إيابًا.

(((1 مارك كوري، نظرية السرد ما بعد الحداثية، ترجمة السيد إمام، ط 2 (البصرة: شهريار للنشر والتوزيع، 0202)، ص.23 1(((علي زيعور، قطاع البطولة والنرجسية والأنا المستعلية في الذات العربية، ط  3 (بيروت: دار الرافدين للنشر والتوزيع، 0212)، ص.134

ثانيًا: تمثيل الحاجز: تحّولّات المكان إلى فضاء دلالي

كتب عزمي بشارة نصّين أدبيين مهمين، شّكلّا ما أطلق عليه الناقد الفلسطيني فيصل درّاج "مقترحًا

روائيًا لامعًا" للحديث عن المكان في الأدب الفلسطيني المعاصر، وتمثّل ذلك في روايتَي الحاجز:

شظايا رواية، وحب في منطقة الظل: شظايا مكان، ولكن ما يهمّنا في هذه الدراسة هو الرواية الأولى، التي مثّلت اس ثتناء في تمثيلها" لفضاء مكانيّ لم يلتفت إليه كُتّاب فلسطينيون من قبل، باس ثتناء بعض

الإشارات العابرة، المدونة في صفحات قليلة. واللافت في رواية الحاجز أنها اتخذت من مُسمى الحاجز والجدار والجسر بناءها الاستعاري والوصفي، لسرد الواقع الفلسطيني والتعريف به روائيًا،

بل جعلت من هذه الأماكن إطارًا توثيقيًا ل "وجود" شخصيات الرواية جميعها؛ أي إن "الحاجز"،

الذي يشمل معاني تلك الأمكنة هو صانع عناصر الخطاب الروائي كلها؛ فكل خطاب قولي مرتبط به، وهذا ما جعله مكانًا أنثروبولوجيًا مُرمّزًا، يتضمن محمولات دلالية، ويفسر عوالمها من خلال

"المتفاعلين" في ذلك المكان. وفي مُسمى "شظايا رواية" إشارة إلى الشكل السردي الذي بُنيت عليه الرواية؛ فهي نموذج عن الروايات "ما بعد الحداثية"، واتضح ذلك في تقسيم فصولها، وانفرادية كل

فصل بالحديث عن فكرةٍ سردية ما، وبشخصيات سردية مختلفة، إلا أنّ المُشترك الموضوعاتي بينها جميعها هو "الحاجز"، الذي يُعتبر "المُصوّر" الفعليّ لأحداث الرواية. شهد الحاجز في سياقات الرواية

المختلفة تطوّرًا دلاليًا لافتًا، حيث لم يعد مقتصرًا على المعنى اللغوي المُتداول فحسب، وإنما أصبح

"يُشكّل "ظواهر إدراكية، جرّدته من ذلك المعنى المُباشر، وحوّلته إلى فضاء دلالي، يُبحث من

خلاله عن علاقة ذلك المكان بثنائيات: الحاجز – الواقع الفلسطيني، الحاجز – الجسد الفلسطيني، الحاجز – دولة الحاجز "إسرائيل"... إلخ. وبتفكير بنيوي، فإنّ الحاجز في هذه الرواية لم يعد فضاءً

للمعيشة دقائق أو ساعات، ولا فضاءً "متخيّلًا "، وإنما هو فضاء "رمزيّ"، يتضمن إشارات دلالية

تفسر "الحالة" الفلسطينية من منظورات متعددة، وسياقات تعبيرية مختلفة. وتجلّت معالم تلك الرمزية في التعريف الأوليّ الذي أشار إليه السارد في الصفحات الأولى من الرواية، بأنّ الحاجز هو "الفاصل،

وهو الواصل بين العالمين. هو الحدود وهو المعبر. هو الألم وهو الأمل بالخروج". وهذا خطاب سردي استباقي، يهدف إلى تحديد هوية الحاجز باعتباره فضاءً مكانيًا حقيقيًا عامًا يشمل كل ما يمنع

أو يفصل بين شيئين، سواء أكانا مكانين أم مكانًا وجسدًا. وهو أيضًا فضاء تعبيري لمشاعر الأجساد العابرة، التي يسبب لها ذلك المكان شعورًا بالألم حينًا، وبالأمل حينًا آخر، وقت المرور. ويفصل بشارة في الصفحات اللاحقة من روايته هذه المعاني من خلال تقنيات سردية متشظية. ومن الذين أسهموا في تشكيل تلك المعاني: هيئة المكان نفسه، والعابرون/ المحتجزون/ الموقوفون، والجنود،

1(((فيصل دراج، "لماذا تغيّر الأدب الفلسطيني؟"، الجزيرة نت، 011/6/92، شوهد في 024/8/6:2، في https://acr.ps/1L9zOeD (1((وهو عنوان كتاب لموريس ميرلوبونتي Maurice Merleau–Ponty (961–19081)، تحدّث فيه عن المعالم المُدركة من خلال

الفضاء والجسد وغيرهما. (2((أشار إلى هذا المعنى هاشم صالح في مقالة له بعنوان "ميشيل فوكو كما يراه النقد الفلسفي الفرنسي". ينظر: هاشم صالح،

"ميشيل فوكو كما يراه النقد الفلسفي الفرنسي "، مواقف، العدد  49 (9841)، ص 021 وما بعدها. (((2 عزمي بشارة، الحاجز: شظايا رواية (حيفا: منشورات ميتافورا، 0042)، ص.12

فهؤلاء جميعهم يُصنّفون ضمن الشخصيات "الإشارية"، و"المرجعية"، التي تعكس مضمون الرواية وأفكارها.

ثالثًا: الحاجز فضاء استعاري

من معاني الحاجز في رواية بشارة المكان "الاستعاري" المُرمّز، وعُبّر عن هذا من خلال "أنسنته"،

وتوظيف الاستعارات "الاتجاهية" التي تُشير إلى علاقة الحاجز بالمكان نفسه وبالزمان. ويهدف بشارة من ذلك خلق قيمة دلالية مغايرة لهذا المكان، تتمثل في جعله "المُمّثل" الفعليّ للواقع الذي يعيشه.

وتجلى فعل "الأنسنة" في قوله: "الحاجز بات سريع الانفعال لا يحتمل الشكوى، والخوف لا يسمح بالتذّمر. الحاجز في مرحلة ما بعد الاجتياح 'ما بينمزح معه'، لأن يده ترتج على الزناد خفيفة، ولأنه أيضًا خائف". وفي هذا الخطاب الوصفي تظهر معالم الاستعارة "الأنطولوجية"، التي يُقصد بها "الاستعارات التي نُخصص فيها الشيء الفيزيائي كما لو كان شخصًا. وهذه الاستعارات تسمح لنا بفهم عدد كبير ومتنوع من التجارب المتعلقة بكيانات غير بشرية عن طريق الحوافز والخصائص والأنشطة البشرية". ويقرّبنا تشخيص الحاجز، أنسنته، إلى معناه الدلالي، على اعتبار أنّ تحويل الظواهر إلى

أفعال بشرية، كما يرى لايكوف George Lakoff وجونسون Mark Johnson، يحفّزنا على فهمها، لأنها نابعة من رؤانا وأنشطتنا وخصائصنا؛ فالنظر إلى الحاجز، المكوّن الشيئي الجامد، بأنّه "سريع الانفعال"، و"لا يحتمل الشكوى"، "ولا يُمزح معه"، وله "يد" ترتج، وتنتابه مشاعر الخوف، ويفتعل المشاجرات "الطوش"، يمنحنا تفسيرًا مباشرًا ل "هيئة" ذلك المكان وانعكاساته على الأجساد الملازمة

له، حيث التعرّض للإهانة، وإطلاق النار، والصرامة في التعامل، وبثّ الخوف في نفوس المحتجزين.

وما فعل التشخيص هذا إلا تعبير استعاري لأفعال الجنود الذين يسكنون ذلك المكان، ويُسيطرون من خلال أدواته العقابية على الآخرين. ونجد مثل هذه الاستعارة الأنطولوجية في سياق "الخطابات اليومية" المرتبطة بالحاجز، حيث عبارات: "ممكن الحاجز ما يمركنا" (لا يدعنا نَمرّ)، "رجّعنا الحاجز"

(أعادنا)، "سكّر الحاجز" (أُغلق)... إلخ، فهذه كلها تقرّبنا إلى دلالة الفعل الذي حصل، على اعتبار

أنها ناتجة من أنساقنا التصوّرية، ل تتحول إلى جزء من ذواتنا ووعينا ورؤيتنا للواقع المعيش. تتمثل "الاستعارات الاتجاهية المكانية" في الحديث عن علاقة الحاجز بتحديد "مصير" الفلسطيني؛ فالحياة "أمام" الحاجز (بأنواعه) ليست مثل الحياة "بعده"، أو بالمسمى الشعبي "قبل الحاجز وبعده". وهو مسمى مرتبط بتحديد "الكيفية" التي يعيش عليها الفلسطيني يومه، فكل شيء مبنيّ على "حال"

الحاجز: "نفسية الناس، خططهم، مشاريعهم، لقمة العيش، القرار حول مكان السكن ومدرسة الأولاد

(((2 ينظر: فيليب هامون، سميولوجية الشخصيات الروائية، ترجمة سعيد بنكراد (اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع، 2013)، ص 35 وما بعدها. (2((بشارة، ص.13 2(((جورج لايكوف ومارك جونسون، لااستعارات التي نحيا بها، ترجمة عبد المجيد جحفة، ط 2 (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 0092)، ص.53 (((2 المرجع نفسه، ص.54

ومكان العمل [...] كلها "متعلقة بموقع أمام الحاجز أو خلفه". لذا، تسببت الحواجز في خلق شكل جديد للمكان الفلسطيني؛ فالقول إنك تعيش "قبل الحاجز" يعني أنّك تعاني الممارسات العقابية في حقك، أما القول إنك تسكن "بعد الحاجز" فهذا يعني أنك بعيد عن تلك الممارسات، وتصل إلى عملك بسهولة، ومن دون معاناة، والعكس صحيح، وبهذا يتحدد "مصيرك" اليومي. ولا ينحصر الأمر في هذا، وإنما يتجاوزه بالحديث عن الفصل المكاني بين الأراضي الفلسطينية؛ فالحاجز، كما يقول بشارة "يحجز الحركة ويقسم الفضاء [...] وأصبح الإنسان يوجد في أية ساعة من ساعات اليوم إما قبل الحاجز أو بعده، ويسكن في حيّ موجود إما 'قبل الحاجز' أو 'بعده'، على نفس الشارع

الممتد. وطبعًا يتذوت بعض القاطنين 'قبله' أو 'بعده' هذا التقسيم فيصرّ أنه يسكن في القدس لأنه 'قبل

الحاجز'، في حين يسكن جاره في رام الله لأنه يسكن 'بعد الحاجز"'، والحاجز هنا هو "الجدار"، والشخص المقصود هو من أبناء القدس ربما، فتحديد اتجاه الحاجز بالنسبة إليه يُفسر لنا "هويته" بأنه مقدسي، والدليل على ذلك الخطاب القولي التالي: "ياخي انتو قدس واللا رام الله؟ لا إحنا قدس، وبالعلامة نمرة السيارة صفرا". يفسر هذا الخطاب الإشاري بُعدًا دلاليًا مهمًا لمعنى الحاجز عند

بشارة، وهو "الفصل المكاني الهوياتي" بين فلسطينيي ال 48 وفلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو موضوع اهتم به في دراساته الفكرية والتحليلية السياسية، ولا سيما قراءاته التفسيرية للتفريق بين "النظام الاستعماري" و"نظام الأبارتهايد". وتكمن معالم ذلك الفصل في حركة عبور الحاجز؛ فسيارات أهل القدس التي تحمل لوحة إسرائيلية "صفراء" تمنح أصحابها "هوية" مكانية وتعريفية تختلف عن أصحاب السيارات التي تحمل لوحة فلسطينية "بيضاء"، فالأولى تمرّ من "أمام" الحاجز من دون

تفتيش، والثانية تبقى "قبل الحاجز"، مركونة حتى يعود صاحبها، الذي ينبغي له أن يح كت بالحاجز، ويعبر من خلال آلات المراقبة، ويخضع لكل الخطابات القولية التي يأمره بها الجنود المُسيطرون على ذلك الفضاء، على اعتبار أن هذا المكان، كما يقول بشارة "موقع للسيطرة والاستبداد". ومن الاستعارات الاتجاهية التي أشارت إليها رواية الحاجز، لفظة "أخورا" التي تعني "إلى الوراء"، وهي من المفردات التي تلازم الجنود المُسيطرين على الحاجز، والتي تتسبب في حالات الاندفاع والأزمة، وافتعال المشاكل بين العابرين. وتصوّر هذه المفردة البُعد الدلالي للحاجز، الذي يعني، أثناء قولها،

"ألمًا في أصابع الرجلين، وجزدانًا نسائيًا قطَع التدافق حمّالته الجلدية، وكدمة زرقاء اللون في الفخذ

لا يتعرف إليها إلا أهل البيت، وتعني كعب حذاء نسائيّ انكسر وفلت من مكانه. أخورا تعني صراخ

طفل يرد عليه طفلٌ آخر حتى يتعالى إلى صوت جوقة الأطفال المحمولين والمجرورين الذين تحتمي أمهاتهم بهم أكثر مما تحميهم من الناس والجنود". أنتجت هذه المفردة سياقًا تعبيريًا مهمًا، يوضح "الكيفية" التي يتعامل بها الجنود مع المارّة، فمن خلالها يصنع الجندي حدودًا فاصلة بينه وبينهم،

(((2 بشارة، ص.13 (2((المرجع نفسه، ص.21 (2((المرجع نفسه. (2((المرجع نفسه، ص.25 ((3(المرجع نفسه، ص.57

ويرسم خطًا وهميًا بمقدمة بندقيته، ويقول لهم: الكل بعد هذا الخط ل "خورا"؛ أي أن تتخذ هذا الخط

الوهمي "حًّدًا" تمييزًا بينك وبين ذلك الجندي. وبذلك يصبح الحاجز مكانًا مُضمّنًا لحواجز متخيّلة

أخرى، تضاعف الممارسات العقابية على الجسد الفلسطيني العابر. وبتوظيف منهجية لايكوف وجونسون، فإنّ استعارة "إلى الوراء" تحمل معاني التخلّف، والاندفاع، والهزيمة، والضياع... إلخ،

وهي معانٍتتحقق فعليًا إذا طُلب من المارة الرجوع إلى الوراء، فترى سلوكيات لاإنسانية، واندفاع

لا يُطاق، وهزيمة ذاتية، وضياع، وعودة إلى المكان الذي أتيت منه، إذا لم تنتظر ساعات أكثر وأنت في ظل هذا كله.

رابعًا: الحاجز فضاء تعبيري لسرد الواقع اليومي

تميّزت رواية الحاجز بمحاكاة التجربة الفلسطينية كما كانت عليه حقيقةً على الحواجز والمعابر

والجسور، وتمثّل ذلك في قدرة المؤلف على خلق الشخصيات الروائية المناسبة لكل فكرة سردية يُعبّر من خلالها عن قيمة ذلك الفضاء، وفي توظيف اللغة السردية التي تتناسب وكل شخصية متحدثة

داخل السياق السردي، فنجد لغة عامة الناس، ولغة المثقف، وكل واحد من هؤلاء يصف الحاجز من منظوره. ولذلك، نرى أن القيمة الفنية لهذه الرواية تتمثل في هذا التوظيف، وأن بشارة استطاع أن يحاكي فضاء الحاجز من وجهات نظر متعددة، حتى يُظهر للمتلقي أهمية هذا المكان في مخيال الفلسطينيين، والكيفية التي قرؤوا فيها تحولاته وانعكاساته على حياتهم اليومية. وجاء التعبير عن "فضاء" الحاجز بتمثيل السلوكيات المرتبطة به، وتحديد العبارات الوصفية المُساعدة في تفسير فكرة ذلك الفضاء وأهميته في السياق الفلسطيني. فرض الحاجز على الفلسطينيين تغيير ممارساتهم اليومية، فلم يعُد ذلك الفضاء المغلق الذي يحجز الأجساد ويسيطر عليها دقائق أو ساعات، وإنما أصبح فضاءً مفتوحًا، يشغل مخيّلة الفلسطيني وتفكيره،

حتى إنّه شكّل سرديات قولية جديدة، تتوافق والحالة المُنتجة التي غيّرت مسار الأوضاع في الأراضي

الفلسطينية كلها. ومن الأمثلة البيّنة على ذلك، الحديث عن دور الحاجز في تغيير أسئلة الفلسطينيين

اليومية المُعتادة: "كيف حالك؟"، "شو أخبارك؟"، "وين إنت؟"... إلخ، لتُستبدل في ظل العيش في (زمن الحاجز) بأسئلة مثل: "كيف فكرك مفتوح الحاجز اليوم؟" أو "ها شو صار معكو عالحاجز، مرّيت بالآخر؟ "انتظرت كثير على الحاجز"، وهذه الصيغ الكلامية نابعة من أنساقنا التصوّرية

للواقع، الذي أحسسنا به بمجرد حجز أجسادنا؛ "فالإحساس بالواقع يبدأ بأجسادنا ويتوقّف عليها بشكل حاسم، وبخاصة بجهازنا الحسّي الحركي، الذي يُمكننا من الإدراك والتحرّك ومعالجة الأشياء،

وبالبنيات المُفصلة لأذهاننا، التي شكّلها التطورُ والتجربة كلاهما". فتجربة المكان والاحتكاك فيه أسهما في خلق هذه السياقات السردية الوصفية، التي تعتبر انعكاسًا فعليًا للانشغال الذهني فيه، ليصبح

((3(المرجع نفسه، ص 32،.33 (3((جورج لايكوف، الفلسفة في الجسد: الذهن المتجسد وتحديده للفكر الغربي، ترجمة عبد المجيد جحفة (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 0162)، ص.54

الحاجز، بذلك، مسيطرًا على الجسد والذهن معًا. فإذا لم يكن الجسد حاضرًا، يبقى الذهن مشغول

بالمصير الذي يُحدده ذلك المكان. ومن التغيّرات التي أحدثها الحاجز اختفاء سيارات "التاكسي"،

وظهور سيارات "فورد ترانسيت"، التي اشتهرت بنقلها العمال الفلسطينيين من الحاجز إلى الداخل (أراضي ال 48)، ليكون الحاجز عامل ظهورها، فهي "غير مرخصة"، ويقودها السائق الشاب بسرعة

جنونية، وهو يستمع إلى أغانٍعبرية. واللافت أن بشارة استدعى هذا التغيير في الرواية ليحدّثنا عن حال دولة الحاجز من الداخل؛ وذلك بالحديث عن الشعارات المطبوعة على هذه السيارات، وهي شعارات استبدلت العربية بالعبرية، وتتضمن تعابير سيميائية، تُشير إلى نظرة أبناء دولة الحاجز لاتفاقية السلام المشهورة، فشعارات قبل "عهد الحاجز" كما يقول السارد تتمثل في "يا صلاة الزين" أو "سارحة والرب راعيها" أو "عين الحسود" أو "القلب يعشق كل جميل"، أصبحت في عهد الحاجز ملصقات متضمنة لشعارات سياسية، مثل: "شالوم حفير" (وداعًا صديقي) أو "حفير أتاه حسير" (نحن نفتقدك أيها الصديق)"، ويقصد بها، كما يرى السارد، رئيس وزراء دولة الحاجز الذي اغتيل على يد أحد المستوطنين المتطرفين، وما فعل استبدال شعارات الملصقات إلا لمصلحة السائقين أنفسهم، حتى لا توقفهم الشرطة، وتخالفهم، "أليس الملصق الأبيض لليوم الأسود؟"، وهذا التعبير لا ينطبق على الملصق فحسب، وإنما على أمور كثيرة اضطرّ الفلسطينيون إلى العمل بها في زمن الحواجز.

إلا أن "القصدية المباشرة" من استحضار هذه المرويّة هو الفصل التعبيري بين الحياة قبل عهد الحاجز وبعده؛ أي الاهتمام بالبناء الزمني لتأطير المفاهيم الدلالية من خلال سلوكيات السائقين الذين اتخذوا من تغيّرات المكان والمواقف السياسية المتباينة في دولة الحاجز "وسيلة" لتطوير عملهم من دون

الخضوع لرقابة شرطة تلك الدولة. ومن التطوّرات الدلالية للحاجز، تحويل الجميل إلى قبيح، حتى

أضحى المكان نفسه، كما تقول غريتشن هندرسن Gretchen E. Henderson، "قباحة مُتخيّلة"، حيث

يُشكّل فعل العبور هاجسًا قبليًا عند الفلسطيني، الذي يلامس قباحة المكان في الممارسات العقابية

التي يتخذها المسيطرون عليه، والمتمثلة في: حجز المارة، وإرجاعهم، وافتعال الفوضى، والازدحام، والأوامر الصارمة، وإجبارهم على اتخاذ الطرق البديلة سبيلًا إلى الوصول إلى أهداف العبور، ومن ثمّ إخضاعهم للاحتكاك بوعورة الجبال، والتعايش مع غبار طريق الكسارات بجانب منطقة الكسارات قرب حاجز قلنديا وغيرها، وأثناء ذلك كله، يتحول العابر/ الفلسطيني إلى كائن يقضي معظم ساعات يومه وهو يعيش في "ظل الحاجز"، حتى يصل إلى مكان عمله. ولهذا يتسبب فعل "عدم المرور" عبر ذلك الحاجز إلى فعل "قبيح"، وهو الفعل الذي "يظل مفهومًا معنويًا غامضًا قابلًا للتكيّف، ومشوّهًا

بصريًا". ومثّلت الرواية تحويل الحواجز للشيء الجميل إلى قبيح في عدد من الفصول التي تحدثت

عن زفاف العروسين، ومرورهما عبر الحاجز، وتجلّى ذلك في سلوك الجنود مع موكب الزفاف، بإيقافه، وطلب بطاقات هوية العروسين، والشك الذي انتاب الجندي أثناء مقارنة صورة العروس بشخصيتها المُزيّنة، وهو شك أثار عصبية العريس، الذي كاد أن يحوّل يومه الجميل إلى قبيح، بعصبية مفرطة مع

((3(بشارة، ص.37 (3((غريتشن. إي. هندرسن، التاريخ الثقافي للقباحة، ترجمة رشا صادق (بغداد: دار المدى للإعلام والثقافة والفنون، 2020)، ص.27

الجنود، قد تكلّفة الحجز ساعات طويلة تحت أشعة الشمس وتعكير الفرح، وتحويله إلى حزن. إلا أنّه تحمّل، واستمر في رسم ابتسامة في "محاولة لإتمام (الفرح)، هكذا يسمى العرس في بلادنا (فرح").

وتجلّى ذلك أيضًا في إيقاف موكب زفاف عروس إلى عريسها على أحد الحواجز التي تفصل القرى عن المدينة، ومنع عبور القادمين في تلك "الفاردة" باس ثتناء العروس وأبيها وأمها، وفرض عودة الآخرين إلى المكان الذي جاؤوا منه. وفي هذا المشهد الوصفي، الذي يحاكي "تجربة" الفلسطينيين كلهم على هذا المكان، "لغة سردية" تفصيلية، للحديث عن إحدى الممارسات العقابية التي تُمارس هناك؛ ففعل "المنع"/ "رفض العبور" إلى الجهة التي يوجد فيها أهل العريس وأقرباؤه، فعلٌ عقابي، يُجرّد الذات من

نفسها، فهي لم تعد قادرة على التعريف بها، ووجدت حاجزًا يفصل بينها وبين حياتها، بينها وبين فرحها وسعادتها، وبهذا يشير السارد من خلال قصة الزفاف هذه إلى نظرة "الذوات" الفلسطينية إلى ذلك المكان، مُعتبرين السلوكيات المُنتجة فيه أفع لًا قبيحة، تنعكس آثارها في المارّين كلهم. وما زالت هذه

الممارسات موجودة حتى اليوم، في زمن الحواجز "اللامستقرة" على حال، لا سيما في الفترة الراهنة، وتحديدًا شمال الضفة الغربية، وتمثّل ذلك في إيقاف سيارة كانت تقلّ عروسًا على حاجز بيت فوريك،

شرق مدينة نابلس، مدة 12 ساعة، من دون القدرة على العبور إلى القرية، والذهاب إلى صالة فرحها، ليتحول فعل الجمال/ الفرح، إلى قباحة، التي نعتها أمبرتو إيكو Umberto Eco (016–19322) بأنها "قباحة غير متوقّعة، وتقدّم مج لًا لانهائيًا من الاحتمالات"، المبنية على صورة الواقع. ومع ذلك،

يبقى اقتران الفرح بالحواجز المحور التمثيلي للأمل، والانتظار، وهذا ما صوّرته المشاهد الأخيرة من

فيلم "عُرس رنا"، الذي يحاكي قصة رنا، الفتاة التي واجهت حواجز رمزيّة للزواج من خليل، ليواجهها

بعد إقناع الأب بالزواج منه حاجزٌ فعليٌ، يحتجز هوية المأذون الذي سيعقد قرانها، ويعلن فرحها،

ورغم ذلك، عُقد قرانهما في سيارة قرب حاجز الضاحية، وبهذا أنتجت القباحة فعلًا جميلًا، يهدف إلى "تربية الأمل"، كما يقول محمود درويش (008–1941 2) في ديوانه حالة حصار: هنا، عند منحدرات التلال، أمام الغروب، وفوّهة الوقت، قربَ بساتين مقطوعة الظلّ، نفعل ما يفعل السجناء، وما يفعل العاطلون عن العمل: نُربّي الأمل. وهو المقطع الشعري الذي ختم فيه المشهد الأخير من الفيلم نفسه. وفي مشاهد سردية أخرى من الرواية، مُثّل الحاجز (بأنواعه) بأنّه "شرٌ صلب"، وهو الشر القائم على

رؤية "الأمور من خلال اللونين الأبيض والأسود، حيث يمكننا بسهولة تحديد ماهية الشر في واقعنا

((3(بشارة، ص.150 ((3(هندرسن، ص.19 (3((محمود درويش، حالة حصار، ط 2 (بيروت: رياض الريس للنشر، 0022)، ص.9

الاجتماعي والسياسي"، ويتضح هذا في الفصول التي تتحدث عن معاناة المرضى أثناء مرورهم من الحواجز والمعابر المختلفة، حيث يُوقف الجنود المرضى، الراقدين على الأسرّة داخل سيارات

الإسعاف، في وحدة العناية المكثفة، وبلامبالاة، يبدأ الجنود بتفتيش السيارة، وكأن الجسد الذي يئُّنُ كائنٌ وهميٌ، ليولّد هذا مرضًا آخر في نفس المريض نفسه وفي نفوس المرافقين له، اسمه "اليأس"،

وهو الذي يرى فيه الفيلسوف الدنماركي سورن كيرككَورد Søren Kierkegaard (855–18131) أسوأ قدر رهيب قد يحلّ بالإنسان، وهو البؤس والخراب ذاته؛ إنّه اليأس من العبور، ومن عدم الاكتراث بالإنسان المريض، وبلامبالاة الآخر الذي يهتم بإنجاز مهمته، من دون أيّ عقبات كلامية حتى إن

بقي المريض الراقد "محجوزًا"، وإلا سيبقى كذلك، إلى أن ينتهي الكلام، ومهمة الجنود معًا. إنّ الأحداث "المتشظية" التي مثّلها بشارة في روايته محاولة لتوضيح الفضاءات الإضافية التي فرضت على الفلسطينيين العيش فيها، والتي يغلب عليها "علامات" إشارية تفسر معناها الدلالي في السياق الثقافي الفلسطيني العام، وكأنه يحاول من خلال لغته السردية أن يبحث عن حقيقة المكان وأهميته في مخيال الفلسطينيين روائيًا. وبهذا، فإنّ بنية هذه الرواية بنية مكانية، تمارس أحداثها، كما يقول دو

سارتو Michel de Certeau (986–19251)، في المكان، وهذا يعني أنّ كل بناء قولي فيها يُشير

إلى معنى ذلك المكان، الحاجز، سواء بأسلوب مباشر أو غير مباشر، وما تحدّثنا عنه في الصفحات السابقة نماذج على دلالة هذا المكان، وكيفية تجرّده من معناه المُتعارف عليه إلى المعنى الموضّح.

خامسًا: تفاعل الجسد مع الحاجز والجدار والحدود

عاش مريد البرغوثي أثناء زياراته إلى فلسطين تجارب حياتية مهمة مع المكان الفلسطيني بأنواعه، وعبّر عن علاقته بذلك المكان في كتابيه السرديين: رأيت رام الله 997(1)، وولدتُ هناك، ولدتُ هنا

(0092)، وهما نصان سِيريان روائيان، يمزج فيهما بين ضمير المتكلم والوقفات الوصفية السردية والخطابات القولية على ألسنة الشخصيات المتفاعلة فيهما. إلا أنّ الأسلوب السردي العام فييهما يتمثل

في ال تتابع السردي للأحداث، ومزج كل حدث ب "وقفاتٍ استرجاعية" ما، يهدف من خلالها إلى إحياء ذاكرته الفردية، ويربطها بالحدث السردي الأول، وهكذا؛ بمعنى أنه يبني من الحدث الفعلي الذي يعيشه أحداثًا من الماضي، حدثت في أماكن وأزمنة مختلفة، وما فعل الاسترجاع إلا وسيلة كشف

(3((زيجموند باومان، الشر السائل: العيش مع اللابديل، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2018)، ص.25 (3((ينظر: سورين كيركجارد، المرض طريق الموات، ترجمة أسامة القفاش (القاهرة: مكتبة دار الكلمة للنشر والتوزيع، 0122)، ص.19 ((4(دو سارتو، ص.216 ((4(نرى أن أعمال مريد البرغوثي هذه تنتمي إلى فن "السيرة الروائية"، الذي يمزج بين فنَي السيرة والرواية، ويتمثل ذلك في

توظيف الضمائر والأسماء واللغة، حيث يمزج بينها جميعها، إضافة إلى أن البناء النصي في كلا العملين مبنيّ على هذين الفنين،

حيث نجد خطابًا ذاتيًا، يكشف فيه عن تجاربه الواقعية، ويسندها بخطاب آخر روائي، ممزوج بالوصف السردي والخطابات القولية

المختلفة، ليُشكّل فعل المزج بينهما قيمة دلالية مهمة، يستدل المتلقي من خلالها على "القيمة المعرفية" التي ينتجانها. للتعرف أكثر

على الفروق التفصيلية بين الرواية والسيرة، ينظر: جورج ماي، السيرة الذاتية، ترجمة محمد القاضي (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 0172)، ص 256 وما بعدها.

عن مُضمر تلك الأحداث، وعلاقتها في تكوين ذات الكاتب نفسه. واللافت في سرديات البرغوثي تعالقه مع المكان، الذي جعله "المجال الانتقالي الذي يُدجّن فيه واقع حياته"، مُعبّرًا من خلاله

عن رؤيته للوقائع السياسية والاجتماعية والثقافية التي عاشها زمن كتابته هذين العملين. ومن الأماكن التي عاش فيها تجارب محورية في حياته: الجسر الحدودي بين فلسطين والأردن، والحواجز بين قرى الضفة ومدنها، ومعابر جدار الفصل بين مدن الضفة وأراضي ال 48 وغيرها، وعبّر عن تجربة

حياته اليومية في هذه الأماكن من خلال وقفات وصفية استعارية، وبتوظيف لغة شعرية مرجعية توثق هويته الثقافية؛ بهدف البحث عن الحقيقة. ومن الأماكن الأولى التي تهمّنا في هذه دراسة، والتي تفاعل معها البرغوثي، "الجسر"، فهو فضاء العبور والدخول إلى الضفة الأخرى، والذي شكّل نسقًا تعبيريًا مهمًا ليس في مخياله فحسب، وإنما في مخيال العديد من الكُتّاب الفلسطينيين الآخرين، مثل: فيصل حوراني (022–19392)، وعزمي بشارة، وسحر خليفة وغيرهم، والسبب في ذلك هو أنّ هذا المكان يرمز إلى "واجهة" الأرض المتخيّلة، وتتشكل فيه "الصورة الأولى" للواقع المعيش، وتتضح

ملامح "الآخر"، بتفسير سلوكياته، وخطاباته، كما أنه المكان المركزيّ الذي يُعبّر من خلاله عن "مسار"

القضية، والحال الذي وصلت إليه، إضافة إلى أنه مسلك "المغتربين"، ومولد "الحنين"، والفضاء الحدودي الذي يُميّز الذات من الآخر. ويرتبط الجسر ب "الحدود" الجغرافية للدولة، وله "طقوس عبور"

خاصّة به، كما يقول أرنولد فان شينب Arnold van Gennep (957–18731)، وهي طقوس "تميّز

عبور الأفراد عبر مراحل الحياة. ويتيح الوقت والمكان الطقوسيان للأفراد التفاوض على التناقضات بين المراحل من أجل فصل علاقاتهم عن النظام القديم، ودمجها في نظام جديد". وب تتبع سردية الجسر، نرى أنه مكوّن رمزيّ، يُتيح تمثيله في الأعمال الإبداعية (بأنواعها) التعرّف إلى مدلوله، وتجرّده

من المكان الماديّ، وتحوّله إلى "دال" استعاريّ، تُبنى من خلاله المعاني والأفكار، ويرى بوب هودج Robert "Bob" Hodge أن الحواجز الماديّة تُشكّل الرموز وتعزز وجودها، ويتمثل ذلك في اللافتات الموجودة عند المناطق الحدودية، وعلى الحواجز، فكل مكوّن شيئي هناك عبارة عن "رمز" دلالي،

يُضفي "طرقًا مثالية لإدارة الغموض عن تلك الأماكن، للسماح لكلّ التدفقات والاس ثتناءات، وللجمع بين الواقع ووهم الحرية مع قبول السيطرة". بدأ البرغوثي حديثه عن الجسر في الفصول الأولى من كتابيه؛ ففي رأيت رام الله، يف تتح سرده الذاتي بفصل عنوانه "الجسر"، ويصف فيه معالم المكان الحدودي، وأثره في نفسه، لا سيما بعد غياب سنوات طويلة عن ذلك المكان، الذي يمثل مركزية اللقاء الأول بين الذات والوطن، وبمجرد وصوله، بَنى مشاهد سردية تُوازيه، وتحاكي معناه، وتمثّل ذلك في وصف طبيعة الحدود في فصل الصيف وبدايات فصل الخريف، حيث الحرارة المرتفعة، والعرق، والازدحام، والانتظار الطويل، والتفتيش... إلخ. ويحاول في هذا الفصل أن يرتب مراحل عبوره الجسر،

(4((دافيد لوبروتون، أنثروبولوجيا الجسد والحداثة، ترجمة محمد عرب صاصيلا، ط 2 (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع – مجد، 9971)، ص.91 (4((بوب هودج، السيميائية لااجتماعية لعالم معقد: تحليل اللغة والمعنى لااجتماعي، ترجمة محمود أحمد عبد الله (بغداد: دار شهريار للنشر والتوزيع، 0232)، ص.183 ((4(المرجع نفسه.

ووقفاته الم تتالية، حتى الوصول إلى النقطة الفلسطينية، والعبور الأخير إلى فلسطين. إلاّ أنّ ذلك مّر

بوقفات سردية دلالية، توقّف عندها، حتى يُظهر "هيئة" المكان بعد اتفاق أوسلو تحديدًا، وهي الوقفات

التي توقّف عندها فيصل حوراني أثناء عبوره المكان نفسه، ودوّنها ونشرها في كتابه الحنين: حكاية

عودة 004(2). ويلتقي المؤلفان في وصف "طقوس العبور"، وكلاهما عبّر عنها بلغة الحنين والاشتياق

إلى الأرض بعد عقود طويلة من الغياب، لكنهما يختلفان في سردية واقع الجسر؛ فالمراحل التي عبرها حوراني تختلف عن تلك التي عبرها البرغوثي، فالأول كان في الخارج مع القيادة الفلسطينية الأولى، وكان عضوًا في المجلس الوطني الفلسطيني، ومع ذلك عارض اتفاق أوسلو، ولذا، فإنّ عبوره الجسر،

الذي تشكّلت هويته المعمارية الجديدة بناءً على ما نصّ عليه الاتفاق، مع وجود اس ثتناءات سيح كت

بها أثناء عبوره ذلك المكان، متمثلة في مقابلة ضابط المخابرات الذي طلب منه أن يُبدي رأيًا حول الاتفاق، فرفض، وتفتيشه تفتيشًا اس ثتنائيًا، واتهامه بإهانة المجندة... إلخ، سَّبَب له إهانات من الجنود،

وتأخيرًا طويلًا جدًا، تعرّف من خلاله إلى مفاهيم كالانتظار والصبر، ليُشكّل تفاعل جسده مع المكان

عودة موجعة بعد خروج موجع أيضًا، فيقول: "أيها الوطن الذي لا وطن لنا سواه، كان الخروج منك موجعًا، وصارت العودة إليك موجعة. والسبب واحد في الحالتين والمسبب"!. إنّ إدلاء حوراني بشهادته حول ما حصل له على الجسر، تأكيد على موقفه من الاتفاق، فلم يجد، كما يرى، تطبيقًا عمليًا

لما نصّت عليه، فما تعرّض له جسده هناك دليل على ذلك. أما وقفات البرغوثي، فتمثلت في السرد

البصري لمعالم المكان، حيث وصف مكوّنات ما يحتويه، مشددًا على رمزية كل مكوّنٍشاهده، ومن

وقفاته تلك، جلوسه في غرفة انتظار موجودة في الجانب الإسرائيلي، تظهر فيها "ملصقات سياحية عن معالم (إسرائيل")!، متوقفًا أمام ملصق "المسادة"، الذي يُنسب إلى "قلعة مسادة" المؤسطرة في الميثولوجيا الإسرائيلية، ما جعله يطرح أسئلة مع ذاته المتفاعلة مع هذا المكان: "هل هذه هي رسالتهم لنا، يعلّقونها على البوابة حتى يذكّرونا بأنهم باقون هنا إلى الأبد؟ هل تعمّدوا هذا الاختيار بإيحاءاته أم أنه مجرد ملصق سياحي؟". وهذا الخطاب إشارة إلى البُعد الأسطوري البيّن في الفكر الإسرائيلي، سواء

في المكان الحدودي نفسه أو في ما يتضمنه من رموز تعبيرية تُشير إلى ذلك البُعد. وفي كلا الأمرين،

فإنّ الهدف الأسمى من استحضارهما هو وصف الكيفية التي يُمثل بها الإسرائيليون وجودهم، والادّعاء بأحقيتهم بامتلاك هذه الأرض. أما القراءة الثانية لفعل وجود هذه الملصقات فهي عدم الالتزام ببنود اتفاق أوسلو، الذي رفضه البرغوثي، واعتبره "خسارة للمنطق التاريخي للعرب"؛ فالمناطق الحدودية خضعت للمفاوضات بين الطرفين، وكانت ضمن نقاط البند الخامس من الاتفاق، والمتعلقة بالفترة الانتقالية التي لم يتحقق منها شيء فعليًا على أرض الواقع، ومن ثم، فإنّ وجود علامات إشارية من هذه

الملصقات على منطقة حدودية بمنزلة الإنكار الفعلي لوجود الفلسطينيين، وتعزيز لفكرة يهودية الدولة،

(4((فيصل حوراني، الحنين: حكاية عودة (رام الله: مركز اللاجئين والشتات الفلسطيني – شمل، 0052)، ص.48 (4((مريد البرغوثي، رأيت رام الله، ط  4 (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 0112)، ص.20 ((4(المرجع نفسه. (4(("البرغوثي: اتفاقيات السلام مع إسرائيل خسارة للمنطق التاريخي للعرب"، بي بي سي عربي، 019/9/272، شوهد في

023/8/6:2، في https://acr.ps/1L9zPab

التي حاولوا ربطها ب "المنظومات الثقافية الكبرى"، بتعبير بندكت أندرسون Benedict Anderson (1936–015).2 أما في كتاب ولدتُ هناك، ولدتُ هنا، فيُمثّل البرغوثي الجسرَ تمثيلًا حفريًا أعمق

مما ورد في رأيت رام الله، ويستحضره مرتين، الأولى: في الفصل الأول الذي يسترجع فيه زمن خروجه من فلسطين بعد زياراته المتكررة إليها، والحديث عن عبور الجسر عكسيًا، أي عبوره من فلسطين إلى

الأردن، ثم العودة الثانية لعبور الجسر من الأردن إلى فلسطين، ولكن هذه المرة بصحبة ابنه تميم. وفي رأيي، السيرة الروائية ولدتُ هناك، ولدتُ هنا نص غزير بالمعاني المنتجة للسياقات النصية المرمّزة، لا سيما تلك المرتبطة بالمكان، وتحديدًا الجسر/ الحدود، والجدار؛ فالزمن الكتابي لهذه السيرة يبدأ مع اندلاع الانتفاضة الثانية، أي مع تشكّل الفضاءات الاستعمارية المُضافة والمهيمنة على مداخل القرى والمدن، إضافةً إلى خلق الطرق الالتفافية، وتكوين هويّات جديدة لأماكن كانت غير حيّة في

فترةٍ زمنية ما. وبالعودة إلى دلالة الجسر، فإننا نلحظ صورًا مُعبرّة عن هذا المكان، من خلال الحديث عن ثنائيات: الجسر – اليهود، الجسر – التفرقة، الجسر – الفلسطيني. وتفسر هذه الثنائيات جانبًا مهمًا

من تاريخ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، يتعلق ب "هوية الآخر"، و"الهوية الذاتية/ الجمعية الثقافية"؛ فأثناء عودة مريد البرغوثي إلى الجسر رفقة ابنه تميم، تأمّل المكان أكثر، محاولًا أن يفسر وجوه الجنود المُدجّجين بالأسلحة، فيرى عدم التجانس في ملامحهم: "وجه إثيوبي، وآخر من بروكلين، وثالث من سلافيّ، ورابع يمني، والمشترك بينهم أنّهم جميعًا مسلحون". فتفاعل الجنود مع المكان الحدودي

تمثيل أوّلي للمسار الذي وصل إليه المشروع الصهيوني، الذي مضى على خطى القوميات الأوروبية في بنائها؛ بتجميع أبناء الديانة اليهودية، مع اختلاف "مواطنتهم"، وإحضارهم إلى فلسطين؛ الأرض التي يتجلى فيها، كما يرى أصحاب هذا المشروع، "وعيهم القومي"؛ ف "الديانة اليهودية ليست سوى أداة للبقاء. وقد أُعطيت التوراة لليهود، حسب هذا المفهوم، للحفاظ على وحدتهم، ولكن ما إن يعودوا إلى أرضهم، فلن يحتاجوا العودة إلى مفاهيمها، لأن وعيهم القومي، كما تتجلى تجربته في أرض إسرائيل، سيكون كافيًا للحفاظ على تلك الوحدة". فالجنسية الأولى لليهودي غير مهمة في طور بناء المشروع،

بل المهم أن يكون هناك ولاء لهذا المشروع؛ أن يكون كل القادمين إلى هذه الأرض خدمًا له، ومن الصور التقريبية لهذا، ما قاله جوزيف ترمبلدور Joseph Trumpeldor (920–18801) لفلاديمير جابوتنسكي Vladimir Jabotinsky (940–18801)، ومؤداه أنّه حتى تُبنى الدولة اليهودية، لا بُدّ من أن يُصبح اليهود "شعبًا من حديد": "الحديد، الذي تقتضي الماكينة القومية أن يُصنع منه كل شيء. هل تقتضي

عجلة؟ أنا هنا، وهل تقتضي مسمارًا، وبرغيًا، وعارضة خشبية؟ أنا هنا. وشرطة؟ وأطباء؟ وممثلين؟

والسقّائين؟ أنا هنا. لا ملامح لي، ولا مشاعر، لا عاطفة، ولا اسم يخصّني. أنا خادم صهيون، مستعد

(4((بندكت أندرسن، الجماعات المتخيلة: تأّملّات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة ثائر ديب، ط 2 (الدوحة/ بيروت: المركز

العربي للأبحاث ودراسة السياسيات، 0142)، ص.70 5(((مريد البرغوثي، ولدتُ هناك، ولدتُ هنا (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 0092)، ص.48 (((5 يعقوب رابكن، معنى إسرائيل، ترجمة حسن خضر (رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار، 2021)، ص.84

لكل شيء، لا شيء يُقيدني، وأمري الوحيد البناء"، وهذا تعبير إشاري مهم إلى حالة اللاتجانس التي لاحظها البرغوثي على الجسر، وجزء من هذا البناء الذي طمحت إليه الصهيونية منذ عقود طويلة. والمعنى اللغوي للجسر، كما يرى البرغوثي "الوصل، والاتصال، والتعايش بين الناس"، لا ينطبق على دلالة الجسر الحدودي بين فلسطين والعالم؛ فهو هنا بمعنى "التفرقة، والفرقة، والفراق التاريخي بين المخيف والخائف"، وهو نقطة "الالتقاء" المباشرة بينهما، والتي لا مفرّ من عبورها، وتنفيذ كل

ما يُطلب من العابرين. ولفظة الخوف في هذا السياق، ناتجة، كما نرى، من "الرعب من الإقصاء"، والتعرّض للإهانة بتحييد الجسد وإخضاعه لممارسات عقابية أخرى. وقد مثّل بشارة هذا المعنى في

فصل من فصول روايته الحاجز، التي يتحدث فيها السارد عن حكاية عبور محمد حسين عويسات الجسر، وخضوعه المُطلق لأوامر جندي ذي عشرين عامًا، مقارنًا سلوك محمد على الحواجز والحدود

بسلوكه أثناء وجود الجيش في بلده، قريته، حيث تجلّت شجاعته هناك، وربما يعود السبب في ذلك، كما يرى السارد، إلى "هيبة الحواجز والحدود"، "والناس فيهما مستعدة لصنع كل الحلول الوسط الممكنة للمرور؛ لإنهاء الانتقال، والوصول من... إلى...". وإضافةً إلى ذلك، شَّكَل البرغوثي من الشخصيات الفلسطينية العابرة للجسر "خطابًا" وصفيًا، يجمع فيه بين الماضي والحاضر، متخذًا من

صورة العابرات من العجائز فضاءًاسترجاعيًا للزمن الذي كنّ فيه شابات، يذهبن إلى الحقول، ويصعدن

الجبال، ويزرعن، ويحصدن، ويقطفن ثمار الزيتون، كنّ قويّات، يتشجارن للدفاع عن حقهن، إنّهن الأمهات والجدات، اللواتي كوّن وجودهنّ في هذا المكان وغيره "هوية ثقافية" فاعلة، ممثلة بثوبها

المطرز، ولهجتها، وسلوكياتها؛ فالمرأة الفلسطينية "كغيرها من نساء العالم الواسع، تعمل وتنجز وتُغيّر

الحال من حال إلى حال".

سادسًا: الجدار: فصل المكان بين الهوية والجسد والذاكرة

لا يُنظر إلى جدار الفصل المبنيّ اليوم إلا باعتباره جزءًا من العمارة الاستعمارية، الهادفة إلى تضييق

مساحة حركة الفلسطينيين، وحدّها في مناطق محددة فقط، وكأنّ هذا الحدّ الواقعي هو الذي يبني في مخيلة الفلسطينيين والعالم فكرة أن هذه هي الحدود الفاصلة بين أراضي ال 48 والضفة الغربية، وتجَّسَد

ذلك فعليًا في "الحواجز الحدودية" التابعة لهذا الجدار، والتي يُطلق عليها اسم "المعابر"، والخاضعة

لمراقبة إسرائيلية كاملة، بوضع الكاميرات الدقيقة، وأجهزة التفتيش الإلكترونية، وحرس الحدود، والشركات الأمنية الخاصة وغيرها، ليخلق هذا التغيير الجغرافي الكولونيالي سياقات سردية جديدة في الرؤى الفلسطينية، التي أصبحت تنظر إلى هذا الجدار على أنه أفعى تلتهم الأرض الفلسطينية،

(((5 المرجع نفسه، ص.95 (5((مريد، ولدتُ هناك، ولدتُ هنا، ص.49 (5((المرجع نفسه، ص.49 (((5 زيجمونت باومان، الخوف السائل، ترجمة: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 0172)، ص.76 (((5 بشارة، ص.244 (5((البرغوثي، ولدتُ هناك، ولدتُ هنا، ص.59

وتقسّم حياة الفلسطينيين وبيوتهم ومدارسهم... إلخ إلى قسمَين، وهويتَين مختلفتين، ويشمل ذلك القرية/ البلدة الفلسطينية الواحدة، التي إذا اقتطعها الجدار، فإنّه يفصل نصفها، ليصبح من هم داخل الجدار يحملون الهوية "الزرقاء"، ومَن هم خارجه يحملون الهوية "الخضراء"، وأصحاب الهوية الأولى لا يمرّون من الحاجز الجداريّ مثل أصحاب الهوية الثانية، الذين أصبحوا في حاجة إلى "تصريح"

يتيح لهم الدخول لزيارة أقربائهم، ومن ثمّ، جزّأ الجدار مناطق الضفة تجزئةً "كانتونية"، أفقدت المكان الفلسطيني هويته. أسهمت الحالة التي نشأ فيها الجدار، والعقاب الذي سبّبه للفلسطينيين، في

ظهور حركات تضامنية عالمية، تمثّلت في تمثيل الجدار في الفن والأدب والثقافة، ليؤدي هذا دورًا في تصوير آثار الجدار إلى العالم كله، حتى إنّ العديد من الدراسات في الجامعات العربية والغربية تخصصت في دراسة دلالة الأبعاد الفنية والأدبية لتمثيل الجدار وقيمة ذلك في الدفاع عن أحقية الفلسطيني بأرضه. ومن النصوص الإبداعية التي مثّلت الجدار وعبّرت عن مآلاته سيرة مريد البرغوثي

"ولدت هناك، ولدت هنا"، وجاء ذلك في الفصول الأخيرة منها، عندما سرد رحلة تهريبه عبر الإسعاف إلى أراضي ال 48 عبر أحد "المعابر"، متوقفًا أمام الأبعاد الاستعارية لهذا المكان، والقيمة المعرفية التي أسهم فيها هذا الحيّز في توثيق معاناة الفلسطينيين. ورواية الحاجز لعزمي بشارة، التي توقفنا عندها

سابقًا، ورواية كرنفال المدينة للكاتبة الفلسطينية نزهة الرملاوي، وغيرها كثير. تهدف استعارة الجدار في سيرة البرغوثي وفي أعمال أدبية أخرى إلى بيان أثر فعل "الفصل" الذي عمل عليه هذا البناء، والدخول إلى ذوات الفلسطينيين التي تضررت بفعل وجوده، ولذلك وظّف البرغوثي المفردات التي توجز رفضه لفكرة بنائه؛ فهو "يجسد القبح أثناء رؤيته"، بل يشوّه الأرض التي بُني عليها، ويؤثّر في الأراضي المحيطة به؛ فلم تعد هناك طاقة للمشي على مناطق تحيط به أو الاقتراب منه والسير في ظله، فكل شيء يتعلق بوجوده يولّد في النفس قشعريرة المشهد وبشاعته. لقد أصبح الجدار، كما يقول البرغوثي، الممثل الفعلي ل "السرقة التاريخية الكبرى"؛ "سرقة المزيد من الأرض والشجر والماء"، والسيطرة على هذه كلها يعني تجريد الفلسطيني من وسائل تمكّنه من العيش في الأرض القريبة منه، ومن ثم "الرحيل عنها" وهجرتها، وكأنّ وجود هذا الجدار لا يقتصر على البناء القائم بذاته

فحسب، وإنما مرتبط بالسيطرة الناعمة على كل ما يُحيط به من أراضٍ وممتلكات. إنّ مقابلة الجدار، "بوصفه مكوّنًا شيئيًا"، بمعاني القباحة، والسرقة التاريخية، والاحتلال، تحمل بعدًا فلسفيًا في قراءة التطوّر

الدلالي لهذا المكان، الذي أصبح شكلًا جديدًا من الأشكال التي فرضتها الهندسة المعمارية للاحتلال في الضفة، ويتجلى هذا البعد في رؤية الكاتب الفلسطيني لعلاقة هذا البناء بالاحتلال نفسه؛ حيث يرى

البرغوثي أنّ هذا الجدار "احتلال"، باحتلاله "حيّزًا مكانيًا" مهمًا، وهيمن على أراضٍ أخرى لازمته، في

(5((ينظر: الحياة تحت الاحتلال في الضفة الغربية والقطاع: الحراك الاجتماعي والكفاح من أجل البقاء، ليزا تركي (محررة) (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 0082)، ص.145 (5((البرغوثي، ولدتُ هناك، ولدتُ هنا، ص.171 (6((نقصد بهذا المصطلح السيطرة المتسلسلة للأرض من دون توظيف القوة والعنف لطرد الفلسطينيين، وإنما تجريد الفلسطيني من أرضه ببناء الجدار قربه، والتضييق عليه بطرق مختلفة، حتى يجبره على التخلي والابتعاد عنها.

تطبيق فعليّ لما أطلق عليه البعض "عقلية الغيتو"، التي تُظهر قداسة الجدران والحدود والحواجز في

الفكر اليهودي. ولذلك، فإنّ فكرة جدار الفصل لم تنشأ للسيطرة على الأرض وما يُحيط بها فحسب، وإنما السيطرة على الجسد الفلسطيني كله؛ فالممارسات الفعلية على الجسد، "بؤرة اقتلاع من الأرض في ظل الاحتلال الإسرائيلي"، وبناء هذا الجدار قصدي، يُراد به "الفصل" الفعلي بين الأجساد والهويات والأماكن، وإذا تحقق هذا فعليًا، فستنشأ "هوية مكانية" جديدة للفضاء المكاني العام، فلسطين. فصّلت

نزهة الرملاوي ملامح الجدار وتغيّراته على ذلك الجسد في روايتها كرنفال المدينة، التي جعلت من

الجدار شخصية محورية ومرجعية في بناء أحداثها؛ إذ أسست الخطابات القولية في هذه الرواية معان إضافية للجدار، الذي يُقصد به، في هذا السياق: العنصرية، والانتظار، والفوضى، والفراق... إلخ، والملاحظ أنّ المؤلفة جمعت مفهوم "الكرنفال" والجدار، الذي حدّت معابره من الاحتفال بين العائلات الفلسطينية المش تتة بين مكانين منفصلين، والاكتفاء بالنظر عن بعد لرؤية المحتفلين من دون القدرة على مشاركتهم، وهنا تتجسد غرابة "الكرنفال" أصلًا، حيث الابتعاد عن تملّك الأشياء، والاكتفاء بالنظر إليها. تُسلّط رواية الرملاوي الضوء على أجزاء الجدار، توابعه وأبوابه ومعابره، وتسرد من خلالها حكايا معاناة الكثيرين ممن ينتظرون السماح لهم بالدخول؛ ففي المقطع السردي الثامن حديث عن عذاب الأجساد المنتظرة، وهي تحت أشعة الشمس الملتهبة؛ حيث الصراخ، والشتائم والألم، فالجنود يكتفون باعتلاء الأبراج ومراقبة تكديس الأجساد المتعرّقة أمام "أبواب المعابر" المغلقة، ويسمعون

بكاء الأطفال، وصراخ النساء، وحوقلة العجائز، من دون تحريك ساكن. ومن المنتظرين سارة، المرأة الفلسطينية الحامل، التي تعيش "خلف الجدار"، تريد "العبور" إلى بيت أهلها "داخل الجدار"، حتى تلد طفلتها التي انتظرت قدومها عشر سنوات، ليثير ألمها حنق المنتظرين الآخرين، وتقف النسوة معها، يحاولن مساعدتها، لتسألها إحداهن، بعد أن صرخت في الشباب الإسراع في طلب سيارة الإسعاف: "تعرفين أنّك على وشك الولادة، لماذا خرجت من بي كت اليوم يا ابنتي؟"، فردت عليها سارة قائلة: "عذرًا خالتي، وما أدراني أنّ الوقوف والانتظار لساعات طويلة سيأتيني بالطلّق مبكرًا، لم يحن موعد ولادتي

[...] أتنقّل ما بين بيتي خلف الجدار، وبيت أهلي في القدس، سألد طفلتي هناك، لا أريد إنجابها هنا، فأنت تعرفين أنّه بالرغم من أن هذه المنطقة ضمن حدود المدينة، إلا أنّ الجدار شطرها، سأنجبها في مشفى المدينة، كي لا تُسحب بطاقتي الزرقاء، التي تثبت مقدسيتي ومقدسية ابنتي لاحقًا". يتضمن هذا الخطاب دلالات مهمة تقودنا إلى أثر الجدار في الجسد الفلسطيني، والكشف عن الدور الذي

(((6 نشر مركز مدار المتخصص في الدراسات الإسرائيلية، في "المشهد الإسرائيلي"، في أيار/ مايو 0032 مق لًا مترجمًا بعنوان

"الجدار الفاصل: عقلية الغيتو"، ويتحدث المقال عن أثر الجدار في الفلسطينيين، وقداسته في مخيال الإسرائيليين، الذين يرون في الجدار والأسوار أمانهم، ولذلك فإنّ نسبة الأصوات الداعمة لبناء الجدار داخل إسرائيل في عام 0042 كانت 83 في المئة، كما يقول

وايزمان (ينظر: وايزمان، ص 492)، وهذا مؤشر إلى قداسة هذه الأماكن عندهم، وقد فصّل أحمد هيكل دلالة هذه القداسة في

دراسته: أحمد هيكل، "عقلية الجدار اليهودية: الجذور الدينية والتطور التاريخي"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد  912 (شتاء 0222)، ص.141–124 (((6 سهاد ظاهر ناشف، الطّب الشرعي في فلسطين: دراسة أنثروبولوجية (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 0192)، ص.63 (6((لوبروتون، ص.28 6(((نزهة الرملاوي، كرنفال المدينة (القدس: دار الجندي للنشر والتوزيع، 0192)، ص.69

اضطلع به في "تشتيت" الهويات، والسعي الدؤوب إلى الحصول على "هوية" تعريفية للمولود، حتى لا يتعرض عنده كبره ل "الإهانات" التي تعرّض لها الآخرون ممن يحملون الهوية الخضراء، كما يُعبّر

مشهد ألمها أمام "بوابات المعبر" عن الاضطهاد، والعيش في ظل "تجارب الألم"، الذي يجعل الإنسان "يرى نفسه محرومًا من المستقبل، محكومًا بتكرار الشيء نفسه".

سابعًا: الحواجز وخلق الفضاءات البديلة

إنّ نشأة الحواجز سبب لظهور "الطرق البديلة"، التي يكتشفها السائقون عادة؛ فهم أكثر الناس ملازمة للعثرات الناتجة من إغلاق الحاجز هنا أو هناك. وبعد قرار بناء الحواجز، وإقامة الجنود الدائمة عليها، بدأت تظهر فضاءات بديلة، يسلكها الفلسطينيون لمواصلة حياتهم اليومية. ولأنّ زمن الحواجز بدأ والحرب الأميركية في أفغانستان مشتعلة، وأصبحت مشاهد الأخبار على قناة الجزيرة، والاستماع إليها طقسًا يوميًا، بل جزءًا مُكملًا للفلسطيني؛ وحتى يعرف الفلسطينيون المسار الذي تسلكه الانتفاضة في

الأراضي الفلسطينية، تعرّفوا على حال تلك الحرب وأسماء الأماكن التي تجري المعارك فيها، ومنها

جبال تورا بورا، التي شهدت معارك عنيفة بين الأميركيين ومقاتلين من تنظيم القاعدة وطالبان. ووصف المراسلون الصحافيون معالم هذه الجبال، ووعورتها التي أخّرت المعارك، وأجّجتها بينهم، وربط

الفلسطينيون مُسمّى تورا بورا بالطرق البديلة التي يسلكونها حال إغلاق الحواجز، وتكون هذه الطرق،

عادةً، وعرةً، وغير مُعبّدة، واتخاذ السائق قرار عبورها مغامرة حقيقية، وتستهلك مدة زمنية أطول من الطرق

العادية. ومن الطرق التي اشتهرت باسم تورا بورا، منطقة الكسارات قرب حاجز قلنديا، والتي تحدث عنها بشارة في روايته الحاجز، مُشيرًا إلى "قباحة" ما أنتجته الحواجز من طرق تزيد من شقاء الفلسطينيين،

الساعين إلى "الوصول"، ومنطقة جبلية قريبة من قريتي بيت فوريك وبيت دجن شرق نابلس. ومن المسميات الأخرى التي ارتبطت بأفغانستان، ربط اسم مدينة قندهار الأفغانية باسم حاجز قلنديا العسكري، القريب من مدينة رام الله؛ حيث أطلق عليه البعض اسم "قلندياهار"، وقد أشار إلى هذا الاسم مريد البرغوثي، عندما حاول وصديقه فيصل عبور معبر قلنديا تهريبًا في سيارة إسعاف،

وكلاهما يعاني مرضًا ما، فقال له فيصل: "في الحقيقة مكاننا الطبيعي سيارة الإسعاف. نحن لسنا متسللين، معك هوية ومعي هوية، نحن مواطنان. ولكننا عجوزان لا نتحمل (قلندياهار"). فيضحك مريد على هذه التسمية المُخترعة، والهادفة إلى التعريف بالمساحة التي يشغلها هذا الحاجز،

والتعبير عن الازدحامات الهائلة التي يشهدها، لا سيما أيام الجمعة، فهو من المعابر الوحيدة التي يسلكها فلسطينيو شمال الضفة الغربية للدخول إلى مدينة القدس، والصلاة في المسجد الأقصى. وهو الحاجز الأقرب إلى مدينة رام الله، وكفر عقب، والرام، ومخيم قلنديا، ولذا، فإنّ التكوّن الحضري في

هذه المنطقة، إضافة إلى الحاجز، خلق اكتظاظًا هائلًا، وازدحامات مرورية لا يمكن تصوّرها.

(((6 دافيد لوبروطون، تجربة الألم، ترجمة فريد الزاهي (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 0172)، ص.31 (((6 قلندياهار (اسم مركب من قلنديا، وقلندهار)، في تعبير عن حالة المكان. (6((البرغوثي، ولدتُ هناك، ولدتُ هنا، ص.169

ظهرت هذه المسميات فترة الإغلاقات المُحكمة على مدن الضفة الغربية وقراها، فأثناء عودة مريد

البرغوثي إلى الأردن، في الوقت الذي كان يُحكِم فيه الجيش الإسرائيلي إغلاق المدن الكبرى، استعدادًا

لتنفيذ عملية "السور الواقي"، يحاول سائق التاكسي التي تقلّه المرور من طرق بديلة لا حياة فيها، خلقها السائقون، ومن هذه الطرق المرور من منطقة مزروعة بالزيتون، ألهمت البرغوثي وجعلته يبني من هذه المناظر الجميلة مشهدًا سرديًا يتحدث فيه عن مدلول الزيتون، وأهميته في الذاكرة الجمعية الفلسطينية.

فالزيتون "ليس مجرد مِلكية زراعية، إنه كرامة النّاس [...] هو بطاقة الهوية التي لا تحتاج إلى أختام ولا صور ولا تنتهي صلاحيتها بموت صاحبها، تظل تدل عليه، تحفظ اسمه وتباركه مع كل حفيد جديد

وكل موسم جديد". إنّ فكرة الطرق البديلة ما زالت موجودة في ظل الحواجز غير المستقرة، فإذا أُغلق حاجز ما، ومُنعت السيارات من المرور، يتخذ السائقون طرقًا بديلة، لكنها ليست بوعورة الطرق التي كانت

زمن الانتفاضة الثانية. لتبقى بذلك الطرق البديلة جزءًا من ذاكرة المارّين منها، يسترجعون زمنها في الفترة

التي يعيشون فيها حياة متضمنة لمشاهد مماثلة لتلك، وهي المشاهد التي تتكرر في حياة الفلسطينيين، ولكن بشخصيات وظروف مختلفة، في الكثير من الأحيان.

خاتمة

جاءت هذه الدراسة لتسلّط الضوء على "دال" الحواجز (بأنواعها) ومدلولاتها في السردية الفلسطينية: في الخطابات العادية اليومية، والخطابات السردية الأدبية، وخلصت إلى ما يلي: أوالًا: تُشكّل الحواجز جزءًا محوريًا من التفكير الإبداعي الفلسطيني؛ لتمثيلها، وتفسير أبعاد وجودها،

ودلالة تغيّراتها، وتطوّرها المعماري، وأثر ذلك في الظروف التي تعيشها فلسطين، وفي الجسد

الفلسطيني، والمكان نفسه. ثانيًا: أسهمت الخطابات اليومية "العادية" دورًا أساسيًا في استعارة الفضاء الحاجزيّ في الأدب

الفلسطيني المعاصر، حيث بُنيت أحداث معظم النصوص التي مثّلت الحواجز على التجارب اليومية

التي عاشها الفلسطينيون، وهذا عَّزَز من "التفاعل السردي" بين النص والمتلقي. ثالثًا: تعدّ رواية الحاجز: شظايا رواية من النصوص الأدبية الأولى في فلسطين التي خصصت بناءها السردي لتمثيل الحواجز؛ حيث بُني ذلك التمثيل من زاويا إبداعية مختلفة وشاملة، فلم يترك المؤلف

قضيةً ترتبط بذلك المكان إلا استعارها، حتى إنها أصبحت مرجعًا في بعض الكتب التي تتحدث عن علاقة الحواجز بالمكان الفلسطيني، وعن الهندسة المعمارية الإسرائيلية، ومنها كتاب أرض جوفاء لإيال وايزمان Eyal Weizman. رابعًا: اهتم مريد البرغوثي بالحواجز في سردياته؛ لأنّها من الأدوات الاستعمارية البيّنة التي أسهمت

في تغيير معالم الفضاء الفلسطيني، وبما أنّ مؤلفاته عبارة عن سرد مكانيّ في معظمها، فقد اهتم

في صفحات مختلفة منها بالحديث عن هذه الفضاءات، وبيّن أثرها، ومرجعيتها في السياق الثقافي

الفلسطيني، وبتوظيف لغة شعرية مُتقنة.

6(((المرجع نفسه، ص.21

خامسًا: مثّلت الحواجز مرآة تعكس أفكار الكُتّاب الفلسطينيين، ليُعبّروا من خلالها عن "حال" القضية

الفلسطينية، والمسار الذي وصلت إليه. سادسًا: أصبحت الحواجز جزءًا من الأماكن الروائية في النصوص السردية الفلسطينية، الهدف من

إعادة تمثيلها الحديث عن رمزية الواقع الفلسطيني ومآلاته.

References

المراجع

أندرسن، بندكت. الجماعات المتخيلة: تأّملّات في أصل القومية وانتشارها. ترجمة ثائر ديب. ط.2 الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات،.2014 أوجيه، مارك. الّلا أمكنة: مدخل إلى أنثروبولوجيا الحداثة المفرطة. ترجمة ميساء السيوفي. المنامة: هيئة البحرين للثقافة والآثار،.2018 باومان، زيجمونت. الخوف السائل. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، __________. الشر السائل: العيش مع اللابديل. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2018 البرغوثي، مريد. ولدتُ هناك، ولدتُ هنا. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.2009 _________. رأيت رام الله. ط  4. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2011 بشارة، عزمي. الحاجز: شظايا رواية. حيفا: منشورات ميتافورا،.2004 الحياة تحت لااحتلال في الضفة الغربية والقطاع: الحراك لااجتماعي والكفاح من أجل البقاء. ليزا تركي (محررة). بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2008 حوراني، فيصل. الحنين: حكاية عودة. رام الله: مركز اللاجئين والشتات الفلسطيني – شمل،.2005 درويش، محمود. حالة حصار. ط.2 بيروت: رياض الريس للنشر،.2002 دو سارتو، ميشال. ابتكار الحياة اليومية: فنون الأداء العملي. ترجمة محمد شوقي الزين. الرباط: دار الأمان،.2011 رابكن، يعقوب م. معنى إسرائيل. ترجمة حسن خضر. رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار،.2021 الرملاوي، نزهة. كرنفال المدينة. القدس: دار الجندي للنشر والتوزيع،.2019 زيعور، علي. قطاع البطولة والنرجسية والأنا المستعلية في الذات العربية. ط  3. بيروت: دار الرافدين للنشر والتوزيع،.2021 شيفرن، ديبورا. دليل تحليل الخطاب. ترجمة خليفة الميساوي. المنامة: هيئة البحرين للثقافة والآثار، صالح، هاشم. "ميشيل فوكو كما يراه النقد الفلسفي الفرنسي". مواقف. العدد.)1984(49

غوفمان، إرفنغ. تقديم الذات في الحياة اليومية. ترجمة ثائر ديب. جدّة: دار معنى للنشر والتوزيع، فوكو، ميشيل. المراقبة والمعاقبة: ولاادة السجن. ترجمة علي مقلد. بيروت: مركز الإنماء القومي، كوتيف، هجار. "الحواجز". قضايا إسرائيلية. العدد.)2017(66 كوري، مارك. نظرية السرد ما بعد الحداثية. ترجمة السيد إمام. ط.2 البصرة: شهريار للنشر والتوزيع، كيركجارد، سورين. المرض طريق الموات. ترجمة أسامة القفاش. القاهرة: مكتبة دار الكلمة للنشر والتوزيع،.2012 لوبروتون، دافيد. أنثروبولوجيا الجسد والحداثة. ترجمة محمد عرب صاصيلا. ط.2 بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع – مجد،.1997 ________. تجربة الألم. ترجمة: فريد الزاهي. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2017 لايكوف، جورج. لااستعارات التي نحيا بها. ترجمة عبد المجيد جحفة. ط.2 الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2009 _________. الفلسفة في الجسد: الذهن المتجسد وتحديده للفكر الغربي. ترجمة عبد المجيد جحفة. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2016 ماي، جورج. السيرة الذاتية. ترجمة محمد القاضي. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع،.2017 مرسول محمد، مازن. حفريات في الجسد المقموع: مقاربة سوسيولوجية ثقافية. الرباط: دار الأمان، ناشف، إسماعيل. صورة موت الفلسطيني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 ناشف، سهاد ظاهر. الطّب الشرعي في فلسطين: دراسة أنثروبولوجية. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2019 هامون، فيليب. سميولوجية الشخصيات الروائية. ترجمة سعيد بنكراد. اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع،.2013 هندرسن، غريتش. إي. التاريخ الثقافي للقباحة. ترجمة رشا صادق. بغداد: دار المدى للإعلام والثقافة والفنون،.2020 هودج، بوب. السيميائية لااجتماعية لعالم معقد: تحليل اللغة والمعنى لااجتماعي. ترجمة محمود أحمد عبد الله. بغداد: دار شهريار للنشر والتوزيع،.2023 وايزمان، إيال. أرض جوفاء: الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي. ترجمة باسل وطفة. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2017