مراجعة كتاب فلسفة القانون عند دولوز
Book Review: Deleuze’s Philosophy of Law **by Laurent de Sutter
الملخّص
عنوان الكتاب : فلسفة القانون عند دولوز . عنوان الكتاب في لغته الأصلية : Deleuze`s Philosophy of Law . المؤلف : لوران دي سوتر Laurent de Sutter. دار النشر : مطبعة جامعة إدنبرة Edinburgh University Press. سنة النشر: 2022. عدد الصفحات : 136.
Abstract
A Researcher and Academic Specializing in the Philosophy of Gilles Deleuze and the School of Difference. nadera.khojaa@gmail.com
- فلسفة القانون
- دولوز
- الفلسفة
- الجذمور
- الأنطولوجيا
- Philosophy of Law
- Deleuze
- Philosophy
- Rhizome
- Ontology
عنوان الكتاب: عنوان الكتاب في لغته الأصلية: Deleuze’s Philosophy of Law. المؤلف: دار النشر: سنة النشر: عدد الصفحات:
فلسفة القانون عند دولوز.
لوران دي سوتر. مطبعة جامعة إدنبرة.
فلسفية عنوانها "الهضاب/ المسطّحات – اتجاهات جديدة في فلسفة دولوز" Plateaus – New Directions in Deleuze Studies.
والفكرة الأساسية لهذه السلسلة هي اسّتنبات شكل جديد ومخّتلف كليًا لفلسفة دولوز من خلال إعادة اكّتشاف المفاهيم الأساسية
الّتي تدور حولها كل أفكاره، ومحاولة بناء مسطّحات ومساحات فلسفية جديدة في الأدب والسينما والقانون والسياسة وفلسفة
ما بعد الإنسان، اسّتنادًا إلى معطيات ضخمة من الحدوس والأفكار لواحد من أهم مفكري القرن العشرين وأكّثرهم إثارة للجدل.
"القانون يجمع تغيّر المياه مع دوام النهر" جيل دولوز
تثير وضعية القانون في فلسفة دولوز إشكاليات بالغة التعقيد؛ سواء من حيث آليات اشتغال القانون وتطبيقه، أو من حيث إمكانية تأويله وتفنيده. ويتخذ القانون في فكر جيل دولوز Gilles Deleuze (995–19251) طابعًا فلسفيًا
مختلفًا، ويتحول من مجرد مجموعة من المبادئ والقضايا والأحكام إلى ممارسة فلسفية على درجة عالية من الخطورة والأهمية؛ إذ يجسّد دولوز فعلًا منعطفًا حقيقيًا لمؤسسة القانون، وذلك عبر تجربة
قانونية تستمد صلاحيتها من السؤال عن ماهية الوجود ذاته، وتأخذ في الاعتبار ضرورة صياغة نظرية قانونية تعبّر عن تعقيدات العلاقة بين الذات
والعالم الذي تنتمي إليه. ولنَقُل منذ البداية: إن التصور الحقيقي للقانون بوصفه ممارسة فلسفية خالصة قد وجد اكتماله التام ونضجه الحقيقي في الفهم الدولوزي لمفهوم القانون تحديدًا. تجعلنا قراءة لوران دي سوتر لمسألة القانون عند دولوز أمام فهمٍفلسفي من نوع خاص جدًا، يحاول من خلاله إقامة علاقة بين مبادئ القانون ومجال عمله وتطبيقه من جهة، والممارسة الفلسفية وأدواتها التفكيكية والتأويلية من جهة أخرى. يبدأ المؤِّلِف تحليلاته بقوله إن فلسفة دولوز في القانون هي في الحقيقة "فلسفة القانون
المضادة" Anti–philosophy of Law، لكن
لا يمكن فهم هذه المناهضة على أنها محاولة لتدمير فكرة القانون نفسها، بل هي بالأحرى محاولة للانحراف بالمسارات القانونية نحو رؤية أكثر جذرية، وأكثر أصالة، وأكثر اقترابًا من روح القانون نفسه أيضًا. وبعبارة أخرى، إن الهدف الأساسي لدراسة القانون عند دولوز هو
محاولة لفتح طريق للخروج من البنية القانونية الصلبة القائمة على أحكام ومبادئ متعالية وكلّية على نحو ثابت ومطلق، نحو أرضية فلسفية أكثر ديناميّة، وأكثر محايثة، وأكثر قدرة على التفرّد
والخلق والتجدّد أيضًا.
أولا: سؤال القانون في فلسفة جيل دولوز
يعبّر المؤلّف عن رغبته في "اختراع أقوى نسخة
ممكنة من دولوز"، مستندًا في ذلك إلى أحد تصريحات دولوز نفسه في حواره مع كلير بارنت عندما قال: "لو لم أدرس الفلسفة، لدرست القانون". ويمكن القول إن ما فعله دولوز وهو فيلسوف سيفعله وهو رجل قانون. فالمبدأ الأساسي لمشروعه في القانون هو بالضرورة تجاوز لنمط التفكير السائد الذي يسميه دولوز "صورة الفكر"، ومحاولة لتجديد الخطاب القانوني إن صح التعبير، ولكن ذلك ليس برفضه والتنكّر له، بل بإبراز طبيعته ومحدوديته. ومن الخطأ الاعتقاد أنه يحاول التفريق بين الفلسفة والقانون، بل على العكس؛ إذ إن ما يريده، تحديدًا، هو إحراج البنية القانونية أمام الفلسفة، بحيث تعتبر محاولته الفلسفية في مفهمة وتحليل القانون بمنزلة اختبار حقيقي لبداهة القانون وحمولاته الأنطولوجية ومدخراته الثورية. إن القانون مع دولوز ودي سوتر لم يفقد مهمته الأصلية القائمة على تمثيل الوجود والاستجابة لصيرورته الدائمة فحسب، بل تحول أيضًا إلى
(1) Laurent de Sutter, Deleuze`s Philosophy of Law , Nils F. Schott (trans.) (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2022), p. 10.
(((جيل دولوز وكلير بارنت، ألف باء دولوز، ترجمة أحمد حسان (القاهرة: مركز المحروسة، 0182)، ص.73
سياجات وأسوار لحصر التجربة القانونية وتقييدها ضمن نظام تجريدي مُحكم لا يأبه بالتفردات
والتبعثرات والتشعّبات والتشظّيات التي تحملها الصيرورة القانونية ذاتها. لقد تحوّل القانون
وفق التصور الدولوزي إلى منظومة معيارية صارمة أو تحول – بعبارة المؤلّف نفسه – إلى "مستوى تنظيمي يهدف إلى استخلاص الثوابت، حتى لو كانت هذه الثوابت مجرد علاقات بين المتغيرات". ويؤكد المؤلّف بإلحاح شديد رفض الحالة البروكوستية التي يمارسها القانون على الحدث بوصفه قوةً مطلقة وسلطة نهائية. ويتعلق الأمر بتحطيم الهالة المقدسة التي تلفّ القانون وتبتعد به عن حقيقة وجوده؛ فالقانون بسلطته الرمزية والفعلية خسر كل ما بحوزته من
دلالات ومعانٍثورية، وتحوّل إلى قوة متعالية
فقدت بتعاليها المزمن صلتها البديهية بالعالم الذي تنتمي إليه. لا بدّ إذًا من تحرير القانون من قبضة الكلي، وإعادة الاعتبار إلى الجزئي بكل تعيّناته وتدفقاته
وهَذيّاته. فعلى هذه الرؤية الثورية، يبني
المؤلّف كل تحليلاته وتشقيقاته لفلسفة دولوز في القانون؛ إذ لا يكفّ في كتابه الذي يقع في قسمين (أولهما النقد، وثانيهما العيادة) عن التدليل على خطورة الممارسة القانونية التي تعمل على سلب الذات قدرتها على المقاومة ومنحها، بدلًا من ذلك، رغبة عميقة في قمع ذاتها وإرادتها ورغباتها. "يُجبر القانون – بما هو شكل فارغ للاختلاف وشكل لا متغِّيِر للتغُّيُر – الأشخاص
(3) De Sutter, p. 37.
(((يُشتق اسم هذيّة، أو هاذيّة This–ness/ Heccéité، من "هذا
الشيء" ويُطلق على ما به يكون الشيء – هذا الشيء – لا غيره.
يدل هذا اللفظ في المتن الدولوزي على مبدأ التفرّد الذاتي، أي
على ما تتعين به الطبيعة فتصير جزئية.
على عدم تطبيقه إّلا لقاء تغُّيُرهم الخاص بهم".
ويؤدّي هذا الفهم إلى الاعتراف بوجود تحالف ضمني، أو تواطؤ سرّي بين الذات والقانون، بين
الحاكم والمحكوم، أو بين الجّلا د والضحية. تفقد الذات بانصياعها التام لقوة القانون قدرتها على الرفض والمقاومة والبروز أمام العالم، فيعمل القانون كمجهود دائم لإثبات عجز الذات عن إنتاج وجودها الخاص بها. لقد تنازلت الذات عن حصتها من الوجود عندما أصبحت طرفًا في علاقة غير متكافئة مع القانون، أقل ما يُقال عنها – وفق قراءة دولوز – إنها علاقة إقصاء ونَبْذ،
أو في أحسن الأحوال علاقة رقابة وإخضاع؛ بحيث تتحول التفردات إلى تعيّنات، والكثرة إلى
وحدة، والجزئي إلى كلي، والاختلاف إلى تماثل، ويتحول الوجود نفسه إلى معتقل كبير فيه يصبح القانون هو المرجعية الحتمية والسلطة المطلقة الوحيدة. يستحضر المؤلّف اللحظات التاريخية التي مرّت بها ممارسة القانون: لحظة ما قبل القانون،
واللحظة الموضوعية، واللحظة البديهية. ويصرّ
على أن الأزمة الحقيقية للقانون تندلع من قلب هذه اللحظة البديهية تحديدًا، تلك اللحظة التي تحرّر القانون بموجبها من ضرورة تبريره واتساقه
مع الأحداث، ومن ضرورة توافقه مع الحالة الاجتماعية للأفراد، وتحوّله إلى أرشيف هائل يعمل على تجريد وتنظيم الحالات والموضوعات ضمن مجموعات مغلقة من خلال مشروع تدوين شامل. ويترافق هذا المشروع كما يقول المؤلّف مع ظهور فكرة مجتمعات الانضباط والمراقبة؛ إذ بات القانون في كل مكان: كاميرات مراقبة على
(((جيل دولوز، لااختلاف والتكرار، ترجمة وفاء شعبان (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 0092)، ص.47
الطرق السريعة، وفي مراكز التسوق والمقاهي والفنادق، وفي البيوت أيضًا، وغدا كذلك لجان فحص ومراقبة للرياضيين والفنانين وعارضات الأزياء. وحتى الشوارع والأحياء والمتاحف ودور السينما لم تفلت من سلطة المراقبة والترصد. وقد أسهمت تلك الممارسات كلها في توطيد طبيعة القانون بوصفه ممارسة بديهية تسعى للمزيد من السيطرة والمراقبة وإحكام القبضة على كل شيء. لقد أصبح القانون إذًا نظامًا بديهيًا داخليًا يستمد
سلطته المطلقة من انعدام المسافة الفاصلة بين الذات والعالم الخارجي، ومن فقدان القدرة على إقامة أي علاقة نديّة بينهما. يخرج التناول الدولوزي للقانون عن الإجماع الفلسفي الرسمي الذي يلخّصه المؤلّف في ثلاثة مسارات: النقد على طريقة إيمانويل كانط Immanuel Kant 804–1724(1)، والتفكيك على طريقة جاك دريدا Jacques Derrida (004–19302)، والتنديد على طريقة جورجيو أغامبين Giorgio Agamben. ولئن كانت هذه الفلسفات تهتم بالنتائج المترتبة على تطبيق القانون، فإن دولوز يصوّب نقده إلى العملية التي
عبرها يتكون القانون. ويمكن القول بتعبير دولوزي إن الموقف النقدي الذي يتخذه دولوز يعمل على مستوى التوليفات والعلاقات والارتباطات التي تحدث داخل البنية القانونية نفسها، بحيث يفترض مثل هذا الموقف بالضرورة خلق نوافذ وثغرات تتيح إمكانية رؤية القانون من الخارج. وعلى غرار المسطحات الما قبل–فلسفية، يقترح المؤلّف فكرة اختراع "خارجية قانونية" Outside of the Law يعيد من خلالها ترتيب مسارات العلاقة بين الذات من جهة، وجهاز القيم والمبادئ المفروض عليها من مرجعيات قانونية متعالية من جهة أخرى.
بالنسبة إلى دولوز، لن تكتسب القوانين أيّ قيمة جوهرية إّلا من خلال التدفقات، أو الاختراقات، التي تتيحها للهروب نحو الخارج غير المتعيّن
بعد. ويبحث دولوز عن هذيّة ما، أو سرعة ما، للانفلات من مركزية القانون وسلطته التي تشمل كل شيء. إن الغاية الأساسية للخارج القانوني، هي خلق زاوية لمراقبة أشكال الهروب والسيلان والتسرّب التي يحوزها القانون؛ خلق مسافة، أو
فاصل، أو انقطاع، يُعاد من خلاله بث التدفقات والصيرورات داخل القانون نفسه. ويعبّر ذلك
الانقطاع عن شيء لاقانوني يكمن في عمق القانون، خروج عن النسق، استراحة فينومينولوجية من هيمنة الكلي واليقيني والثابت؛ أن نستخدم القانون استخدامًا تكراريًا: "الجذمور"ضد الشجرة، آلة الحرب ضد جهاز القانون، الكثرة ضد الوحدة، النسيان ضد الذاكرة، الفرادة ضد العمومية، الخط ضد النقطة، السرعة ضد الثبات، الافتراضي ضد الفعلي. ثمة ورشة فلسفية جديدة حول القانون على يدَي دولوز. وثمة لحظة أنطولوجية في غاية الخطورة والأهمية، تمسّ
مفهوم القانون ذاته وتجري تعديلًا جذريًا على
علاقة القوانين بعضِها ببعضِها الآخر، وعلاقتها بذواتنا، وعلاقتنا نحن بأحداث العالم وأشيائه. يرى المؤلّف أن عبقرية دولوز تكمن في محاولته تفكيك كل التصورات الفلسفية لمؤسسة القانون، سواء التصور الكلاسيكي (أفلاطون)، أو الحديث (كانط)، أو المعاصر (حقوق الإنسان). ومثل هذه القراءات، مهما بلغت من القوة والعمق، لا تعدو أن تكون محاولات لتأصيل صورة القانون
(((هو استعارة مأخوذة من علم النبات، ويستخدمه لوصف بنية غير هرمية وغير مركزية للتنظيم والاتصال. ويظهر هذا
المفهوم، على نحو بارز، في كتابه ألف هضبة A Thousand Plateaus الذي كتبه مع فيليكس غواتاري.
واستراتيجياته القمعية وتثبيتها، ما دامت غير قادرة على اختراق البنية القانونية من الداخل. وهكذا، كان القانون من وجهة نظر أفلاطون في حاجة إلى مفاهيم الخير والأفضل كي يتحقق، وهو ما اعتبره دولوز نوعًا من الكوميديا المزدوجة؛ إذ يقول: "في العملية التي تسعى إلى إرجاع القوانين إلى الخير المطلق، باعتباره المبدأ الضروري لتأسيسها، قدر كبير من السخرية فعلًا. وفي محاولة اختزال القوانين إلى مستوى أفضل نسبيًا من أجل إقناعنا
بوجوب طاعتنا لها قدر كبير من الفكاهة أيضًا". من جهة أخرى، يعرّج المؤلّف على النقد الدولوزي
اللاذع لتصورات كانط القانونية. لقد نقد كانط التصورات الأفلاطونية للقانون، معتبرًا إياها مجرد
صور كلاسيكية متقادمة، فالقانون ليس في حاجة إلى أي سلطة خارجية كما كان يعتقد أفلاطون، بل إن صورة القانون نفسها هي ما يمنح القانون إهابه وخصوصيته وضرورته. وهذا التحليل لم يعجب دولوز يومًا، فكانط – قاضي محكمة العقل كما يسميه دولوز – وقع في فخ الشكلية القانونية؛ ما جعل دولوز يسجل عليه اعتراضًا شديد اللهجة يقول فيه: "إن القانون الذي يُعرف بشكله النقي، من دون جوهر أو موضوع أو أي تحديد على الإطلاق، هو من النوع الذي لا يعرفه أحد ولا يستطيع أن يعرف ما هو، ويعمل من دون أن يعلن عن نفسه، إنما يحدد عالمًا من الانتهاكات فيها يكون المرء مذنبًا فعلًا، وفيها يتجاوز الشخص الحدود من دون
أن يعرف ما هي، كما في حالة أوديب". ينبّه المؤلّف، بإلحاح، على أن التصور العام
لحقوق الإنسان هو من أكثر الموضوعات التي
(7) Gilles Deleuze, Masochism Coldness and Cruelty (New York: Zone Books, 1991), p. 82. (8) Ibid., p. 83.
تؤرّق دولوز وتزعجه فعلًا. ويرى أن حقوق الإنسان ليست سوى تعبير مباشر عن قيم أبدية فارغة، وأشكال جديدة للتعالي، وأقنعة مزيفة للنظام الرأسمالي. ولدى دولوز رغبة جامحة في فضح الممارسات الفارغة والمزيفة لما يسمى حقوق الإنسان: "حقوق الإنسان لن تجعلنا نبارك الرأسمالية". لن تكون حقوق الإنسان من الآن فصاعدًا سوى الوجه الآخر للرأسمالية المتغوّلة،
أشبه بكتالوغ رسمي كبير يجمع داخله كل الكلمات الكبيرة من قبيل حق الحياة، والحرية، والكرامة الإنسانية، والتعبير عن الرأي، وحماية الملكية، والدستور، وغير ذلك من الكلمات التي سوف تبقى مجرد شعارات جوفاء بلا معنى ما لم تجد تحققها المطلق ضمن وضع حقيقي فعلي وملموس: "لا تقول حقوق الإنسان شيئًا عن أنماط العيش المحايثة للإنسان المتمتع بالحقوق". ولا سبيل لإنقاذ البشر من بؤس انتمائهم إلى عالم يحكمه منطق الاستبداد والعولمة والرأسمالية، ولن ينقذ البشرَ الحقوقُ،
ولا الديمقراطياتُ، ولا الفلسفاتُ، ولا الفن، ولا الأدب. فجميعنا متورطون في الجرائم التي ارتكبت باسم حقوق الإنسان، جميعنا بلا اس ثتناء، إنها بعبارة دولوز: "عار الإنسان بإنسانيته".
ثانيًا: ساد ومازوخ خارج القانون
ويلاحق المؤلّف زفرات دولوز ولعناته على كل ما ينتمي إلى مؤسسة القانون في كل كتبه وحواراته، ويذهب هذه المرة إلى كتاب البرودة والقسوة؛ إذ نشهد احتف لًا سادًّيًا – مازوخيّا صاخبًا يضرب
(((جيل دولوز وفيليكس غتاري، ما هي الفلسفة؟ ترجمة مطاع صفدي (بيروت: مركز الإنماء القومي، 9971)، ص.120 (1((المرجع نفسه. (((1 المرجع نفسه.
بالقانون وسلطته وجبروته عرض الحائط. وفي هذا النص الدولوزي تحديدًا، يتعرض القانون إلى إحراجات وأزمات عميقة مع الفلسفة، فإذا الفكاهة والسخرية تصبحان معيارًا نقديًا جديدًا لا سبيل معه إلى استعادة هيبة القانون وصلابته المعهودة، فصندوق باندورا مفتوح على مصراعيه، والشرور والآلام والآثام هي جهاز المقاومة والتمرد الجديد لإثبات وهم القانون وزيفه المطلق وتواطئِه السري والعلني مع نظام العالم. لكن الفارق الجوهري الذي يسعى دولوز للتمييز من خلاله بين السادية والمازوخية يكمن في الطريقة التي تتبعها كل منهما في الخروج على القانون. يضع مازوخ رهانه على بُطلان القانون من خلال توقيع عقود طويلة الأمد مع المؤسسة القانونية؛ إذ يقول: "من خلال مراعاة نص القانون ذاته، فإننا نمتنع عن التشكيك في طابعه النهائي أو الأساسي، ثم نتصرف كما لو أن السيادة العليا للقانون تمنحه التمتع بكل تلك الملذات التي
يحرمنا منها. عندئذٍ، ومن خلال التمسك الشديد بها واحتضانها بحماسة، قد نأمل في الحصول على مُتعها". وينهج مازوخ، على نحو فكاهي، استراتيجية تنازلية: من نص القانون إلى النتائج المترتبة على تطبيقه، وذلك من أجل إثبات عبثية القانون وفشله في تحقيق غايته المتمثلة في تقديم نفسه كضامن لتنظيم الوجود وقمع التجاوزات. إن السخرية المازوخية من فكرة القانون تكمن في
(((1 "صندوق باندورا": مصطلح مستمد من الأساطير الإغريقية، يشير إلى مصدر المشاكل، والمعاناة الكبيرة. ويعود أصل المصطلح إلى قصة باندورا، أول امرأة خُلقت بأمرٍ من
زيوس. أُعطيت باندورا صندوقًا (أو جرّةً في بعض الروايات)،
وأُمرت بعدم فتحه. وبدافع الفضول، فتحت باندورا الصندوق، فخرج منه كل شرور البشرية مثل المرض، والمعاناة، والآلام. لكنّ شيئًا واحدًا بقي في الصندوق بعد إغلاقه، وهو الأمل.
(13) Deleuze, p. 88.
قدرتها على جعل القانون جزءًا من المؤامرة ضد
القانون نفسه. وهكذا يبلغ مازوخ نشوته ولذّته عندما يوقع عقدًا مع عشيقته ويتحوّل بموجبه إلى
ذات خاضعة تستمتع بعذابها الجسدي والنفسي، وكل ذلك يحدث باسم القانون وأمام الشهود أيضًا. إن مفعول المازوخية يجب أّلا يُفهم أنه محاولة لتبرئة القانون وإبعاده عن دائرة الشك، بل هو تقنية لفضح زيف وهشاشة واختلال فكرة القانون نفسها. فالمازوخية في العمق هي تمرين فلسفي بالغ الصعوبة تتمثل غايته النهائية في إبداع وجود جديد ونحته، متحرّر من سطوة وهيمنة القوانين،
وهو إرباك فينومينولوجي لمحاولة تطويق الوجود بالقانون، ومحاولة لتعطيل مفاهيم المطلق والنهائي واليقيني والقارّ والثابت عبر قلب لعبة الوجود برمتها. وتكشف المازوخية المتعاقدة مع المؤسسة القانونية أن كل قانون يحمل في داخله بذور التمرّد والانقلاب على تلك المؤسسة ذاتها،
ف "لم نعد أمام جّلا د ينقضّ على ضحيته، فيستمتع بها كلما أظهرت رفضها وعدم موافقتها، بل على العكس؛ إذ نجد أنفسنا هنا أمام ضحيّة تبحث عن
جّلا دها، وتحتاج إلى وجوده وإقناعه، ومن ثم
تتحالف معه من أجل مشروع غايةٍ في الغرابة". وفي المقابل، ثمّة ماركيز دي ساد Marquis
de Sade (814–17401)، أيقونة التمرّد والخرق
والانتهاك والتجاوز على الإطلاق. إنه فكر خلخلة مؤسسة القانون وزعزعتها بامتياز، أو بلغة دولوز "فكر الإسراف الخاص بالعقل"، بحيث يغدو كل قانون بمنزلة "مسمار في نعش الحياة". فمع دي ساد، لا عقود، ولا مهادنة، ولا مصالحة، ولا محاولة لتصحيح منطق القانون أو تصويبه:
(14) Ibid., p. 20. (15) Ibid., p. 27.
"المازوخية تُعُِّدُ عقودًا، ولكنّ السادية تحتقر العقود وتمزّقها". لدى دي ساد رغبة في تجاوز القانون لا تدانيها رغبة على الإطلاق. ويتعلق الأمر باستراتيجية جذريّة لقلب نظام الوجود برمته من خلال رؤية كل شيء عبر منصة "الشر الطبيعي" الذي لا يكون القانون سوى نسخة مشوهة عنه. ولا تتمثل مهمة دي ساد، بحسب قراءة دولوز، في عكس القانون – وهذا ما ادّعى كانط تحقيقه – بل في التغلّب عليه من خلال العبور نحو مستوى محايثة يخترقه ويطيح تعاليه وامتلاءه الزائف. وهكذا؛ كما وقف دولوز مع نيتشه ضد أفلاطون، ومع آرتو ضد ديكارت، ومع الفصامي ضد فرويد، سيقف هذه المرة مع دي ساد ضد كانط، أو بالأحرى، مع إيروس ضد كل الأرباب والآلهة التي تحكم باسم سلطة ما. تجسد الانحرافات والشذوذات السادية تعبيرًا
مباشرًا عن التوتر الكامن بين دينامية الوجود وحيويته
الفائقة، وبين تعسّف القانون وتزمّته وثباته الخانق. يرزح الوجود تحت وطأة القانون كجسد مثخن بالجروح. إن الفكر السادي هو تعبير عن النزق والسخط الوجودي العميق إزاء زنزانة القانون، هنا حيث تصبح الفوضى والتناقض والغضب والقرف والألم والانحراف والاشمئزاز والفحش والإسراف والعنف أشك لًا جديدة للوجود، الوجود في شكله البدئي قبل أيّ محاولة لاعتقاله داخل سجون وأقبية تدّعي النظام والإصلاح، فكأن دي ساد "كان يحمل مرآة منحرفة انعكس فيها مسار الطبيعة والتاريخ
(16) Ibid., p. 20.
(1((هو مفهوم فلسفي محوري في أعمال جيل دولوز، يشير إلى أن الواقع كلّه، بما في ذلك الفكر والوجود، يشكّل نظامًا
واحدًا غير قابل للفصل. ويعارض هذا المفهوم فكرة
"الترنسندنس" Transcendence التقليدية التي تفترض وجود عوالم أو مستويات منفصلة عن الواقع المباشر.
بأكمله". يجد دولوز في الممارسات السادية تحققًا مطلقًا للتمرّد على التعالي بكل أشكاله
وتعيّناته: على القانون، والكلي، والدولة، وصورة
الفكر، والمحكمة، وكانط، والتاريخ، وأوديب، وسيغموند فرويد، والمستبد، وسائر تلك الكلمات الباردة والثقيلة والجافة؛ على كل تلك الصروح العتيقة والمعنّدة التي قضى دولوز كل حياته محاولًا هدمها وتخريبها، يثور دي ساد ويحطّم كل ما هو أمامه مدفوعًا بالرغبة والشهوة لرؤية الوجود وتذوّقه وجسّه وقد تحرّر من كل سلطة أو قيد.
ثالثًا: القانون بوصفه صيرورة ثورية
يفرد المؤلّف القسم الثاني من كتابه بعنوان "العيادة"، من أجل تقديم مشروع دولوز الفلسفي في القانون. وهذا المشروع، الذي عبر عنه ألكسندر لوفيفر Alexandre Lefèbvre بأنه "مشروع القانون مقابل الحق Lex Versus Jus "، يفترض إعادة ابتكار فكرة القانون نفسها بناء على فرادة الحدث. وما يلفت الانتباه في فلسفة القانون عند دولوز هو أسبقية الحدث على القانون، وهو ما يمنح هذه الرؤية الفلسفية حضورًا وزخمًا أنطولوجيًا لن
نجدهما عند أغلب الدارسين للقانون. ومن أجل توضيح ذلك، يسوق المؤلّف مثال قانون منع التدخين في سيارات الأجرة الذي جاء على لسان
(18) Deleuze, p. 37.
(1((يستخدم ألكسندر لوفيفر هذه العبارة اللاتينية ليشير إلى وجهة نظر دولوز في التعامل مع مسألة القانون، إذ يدور مصطلح Lex" " حول نص القانون المكتوب من جهة الدولة، بينما يدل مصطلح Jus"" على مبادئ العدالة والإنصاف التي تقوم عليها النظم القانونية. للمزيد في هذا الشأن، ينظر:
Alexandre Lefebvre, The Image of Law Deleuze, Bergson, Spinoza (California: Stanford University Press, 2008), p. 105.
دولوز في حواره مع كلير بارنت Claire Barnett؛ إذ مرّ هذا القانون بحالتين: الأولى هي السماح
بالتدخين على أساس أن وضع الراكب يماثل وضع المستأجر لشقة سكنية، ومن ثم فله حرية التصرف. والثانية هي حظر التدخين على أساس أن سيارة الأجرة تعتبر من وسائل الخدمة العامة، ومن ثم يعامل الراكب على أنه موجود في مكان عام وليس خاًّصًا. إن ما يهم من ذكر هذه الحادثة هو تأكيد أن الاستجابة القضائية يجب أن تكون إبداعية، وخاصة بالنسبة إلى كل حالة على حدة، وليست مجرد تطبيق روتيني ميكانيكي لا يأخذ في الاعتبار خصوصية الأحداث وفرادتها. إذا حاولنا فهم فرادة المشروع الدولوزي في القانون، فلا بد لنا من الحديث عن "فلسفة القانون" Jurisprudence. نحن أمام ما يمكن اعتباره لحظة ثورية من لحظات التعامل الفلسفي مع القانون جديدة كليّا. فمفهوم فلسفة القانون يبرز
باعتباره أحد أهم المفاهيم التي تفتح المجال لدراسة القانون؛ لا من قِبَل الفلاسفة فحسب، بل من قِبَل
رجال القانون من مشرّعين وقضاة ومحامين أيضًا.
إن الحمولة الفلسفية لهذا المفهوم من الخطورة بحيث يكفّ القانون عن تقديم نفسه بوصفه خطابًا
(2((تندرج تحت هذا المفهوم ثلاثة فروع نظرية شديدة التداخل فيما بينها، هي: أولًا، فلسفة القانون التي تعتبر فرعًا من
فروع الفلسفة قائمًا على صياغة نظرية معيارية في القانون، وهو
يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالفلسفة السياسية. ثانيًا، الفقه القانوني الذي
يشمل النظرية القانونية الرفيعة المستوى من النوع غير الفلسفي وهو يهتم في المقام الأول بماهية القانون وما ينبغي أن يكون عليه. ثالثًا، النظرية القانونية التي تشمل فلسفة القانون والفقه
معًا، وتهتم في الدرجة الأولى بالتنظير في العلاقات القائمة بين
القانون والاقتصاد، والقانون وحركة المجتمع. ويمكن القول، بالنظر إلى هذه التعريفات، إن فلسفة دولوز هي أقرب من حيث الإشكالية والمنهج إلى فلسفة القانون أكثر من أي مجال آخر، لذلك ترجمنا مصطلح Jurisprudence" " الوارد في هذا النص ب "فلسفة القانون".
ينطوي على الحقيقة لمصلحة ممارسة فلسفية خالصة تنطوي على كل أنواع الخلق والإبداع والتجدد والخروج والهروب والاختراق. يقول دولوز: "إن العمل من أجل الحرية، وأن تصبح ثوريًا يعني العمل في فلسفة القانون". ينتزع المؤلّف من تحليله لمسألة القانون عند دولوز التيمة التي يتحلق حولها هذا المشروع برمته، ويتعلق الأمر بالقانون نفسه كمعطى نافذ يتمتع بسلطة معيارية مطلقة؛ إذ يقول: "القانون ليس مسألة معيارية، بل حقيقة من دون قوة أو التزام أو سلطة، ولا يمكن انتقاد هذه الحقيقة أو تبريرها أو وصفها إلا بتوسيع القانون وجعله متشعبًا". يمكن القول باختصار شديد: إن
الغاية الحقيقية من دراسة القانون، وفقًا لدولوز، ليست إلحاق القانون ببنية أخلاقية واجتماعية (أفلاطون)، أو شكلية (كانط)، أو معيارية (حقوق الإنسان) موجودة سلفًا، بل هي فتح المجال لإدخال صيرورات جديدة يمكن من خلالها إعادة خلق فكرة القانون نفسها واختراعها. ويتعلق الأمر بما يمكن تسميته "القانون الافتراضي"، ذلك الفائض الأنطولوجي الذي يحتوي في داخله على كل الكثافات والتوليفات ما قبل–القانونية التي تجعل الحكم القانوني ممكنًا منذ البداية.
خاتمة
يؤكد دي سوتر الجهود التي بذلها دولوز لإعادة مفهوم القانون إلى جذره الأنطولوجي، بحيث تعتبر اللحظة الافتراضية التي تسبق التعيّن الفعلي
للقانون بمنزلة فسحة أنطولوجية يحدث عبرها اللقاء بين الذات ووجودها الحقيقي من دون
(((2 دولوز وبارنت، ص.74
(22) De Sutter, p. 13.
أي سلطة أو رقابة قانونية. ويؤسس دولوز، عبر هذا الفهم، ضربًا من الممارسة القانونية، تصبح
بمقتضاها كل خبرة قانونية في الأصل خبرة وجودية؛ ومن ثم لن يكون القانون سوى نوع من التكشف العياني للحقيقة ذاتها كمبدأ أساسي من مبادئ الفكر. وينافح دولوز ضد كل أشكال الثبات والتمركز والسكون؛ إذ لديه رغبة جامحة في نزع كل الأوشحة والأقنعة المقدسة التي تخفي ماهية القوانين والأنظمة والبنى الصلبة والمعنّدة. وما هو ثابت وجذري في فكر دولوز هو أنه فكر تهديمي، وتحطيمي، وتدميري، وتفكيكي، وثوري؛ فهو لا يمارس النقد، بل النقض والرفع، وهو لا يروم التحصين، بل يتحرى شروخًا وصدوعًا وتشققات داخل مؤسسة القانون التي تحجب حقيقة الوجود وتعطل صيرورته الهادرة. لقد تحول القانون، بحسب دولوز، إلى أفق أنطولوجي للتفكير في العالم. يقول دي سوتر: "إن فلسفة القانون لا تبالي بالقوانين ومبادئ
المراجع
العربية
الأجنبية
العدالة والمؤسسات، فلسفة القانون هي الحياة، وهذا هو الشعار الرئيس لفلسفة دولوز". إن المطلب الأخير لفلسفة القانون – ونجازف هنا بهذا الفهم – هو إقامة ضرب من التفكير في عالم فقدَ مركزيته إلى الأبد، عالم بلا سلطة أو مرجعية تملي عليه أشكال ظهوره وتعيّناته ومفاهيمه. هل
ثمة وجود بلِا مركز؟ هل بات ممكنًا الحديث عن فلسفة تحمل على عاتقها مهمة إنقاذ العالم من طغيان المركزيات واستبداد الأنظمة والقوانين؟ هذا هو الدرس الدولوزي الأول والأخير؛ فما يهم في كل حدث أنطولوجي هو قدرة الذات الدائمة على التوغّل في الوجود، وابتكار كينونة متحررة من كل أشكال الاعتقال. يتعلق الأمر كله بفعل المقاومة الذي يمارسه الفكر إزاء الثبات والترهّل والبنى القارّة. لقد صارت مهمة الفكر، على نحو موجز،
إيجاد ثغرة دائمة في قلب كل البداهات واليقينيات؛ بحيث يكون أساس الفكر هو تفكيك كل أساس.
(23) Ibid., p. 70.
References
دولوز، جيل، وكلير بارنت. ألف باء دولوز. ترجمة أحمد حسان. القاهرة: مركز المحروسة،.2018 دولوز، جيل. لااختلاف والتكرار. ترجمة وفاء شعبان. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2009 دولوز، جيل وفيليكس غتاري. ما هي الفلسفة؟ ترجمة مطاع صفدي. بيروت: مركز الإنماء القومي،
Deleuze, Gilles. Masochism Coldness and Cruelty. New York: Zone Books, 1991. de Sutter, Laurent. Deleuze’s Philosophy of Law. Nils F. Schott (trans.). Edinburgh: Edinburgh University Press, 2022. Lefebvre, Alexandre. The Image of Law Deleuze , Bergson, Spinoza. California: Stanford University Press, 2008.