Return to Article Details A Decolonial Reading of the Post–Islamization Condition: From the Religious Reform Movement to the Phenomenon of Market Islam

القراءة الديكولونيالية لحالة ما بعد الأسلمة: من حركة الإصلاح الديني إلى ظاهرة إسلام السوق

A Decolonial Reading of the Post–Islamization Condition: From the Religious Reform Movement to the Phenomenon of Market Islam

المولدي بن علية *

Mouldi Benalya *

الملخّص

تتناول هذه الدراسة قراءة نقدية من خلال زاوية نظر تيار الديكولونيالية للتحولات السياسية والثقافية للإسلام السياسي في مرحلة ما بعد الأسلمة، وذلك من خلال تناول ظاهرة إسلام السوق، كما عالجها من زاوية نقدية، في البدء، الباحث في علم اجتماع الدين باتريك هاينيPatrick Haenni. وترصد الاستتباعات الإبستيمولوجية لهذا النقد بناءً على منهجية العلوم الاجتماعية والإنسانية، وتبيّن أنّ هذا النقد يفرض تصوّرًا جديدًا للعلاقة بين الأخلاق الإسلامية والأخلاق الحداثية وما بعد الحداثية، التي ترتبط ارتباطًا قويًّا بقيم "المناجمنت". وهي علاقة يتضمّنها موقف إبستيمولوجي طريف، أشار إليها على نحو عميق براين تورنار في نصه النقدي لموقف ماكس فيبر Max Weber (1864–1920)، تجاه الأخلاق الإسلامية، ولموقف حركة الإصلاح الديني (الإسلامية) أيضًا التي دشّنها جمال الدين الأفغاني (1838–1897) ومحمد عبده (1849–1905). يقرّ هذا الموقف بالأهمية القصوى لفهم التحوّلات على مستوى القيم والممارسة والخطاب من خلال فهم العلاقة بين هذه التحوّلات والجانب الكولونيالي الهيمني الذي تفرضه منظومة قيم الحداثة، سواء تعلّق الأمر بقيم إبستيمية أو إيتيقية. ويفرض هذا الموقف مراجعة التصوّر الضمني الذي يُقرّ بالتطابق، أو عدم التصادم، بين الأخلاق الإسلامية والأخلاق الحداثية، لكنها مراجعة تقف على النقيض من الموقف الاستشراقي الذي يميّز بين المنظومتين ويُسقط أحكامه المعيارية الأورو-مركزية، فيوظّفها حجّةً لإثبات تخلّف الأخلاق الإسلامية. وتحاول الدراسة أيضًا رصد الصعوبات المنهجية التي تحول دون تدارك العلوم الإنسانية في العالم العربي للمواقف الأورو-مركزية تجاه القيم الأخلاقية الإسلامية. وتحاول تسليط الضوء على التحدي الفلسفي على مستوى القيم الأخلاقية الدينية، حيث يتجلّى هذا التحدي في الكيفية التي يمكن أن يقترحها النموذج الإسلامي في الأخلاق في عصر أصبح سمةً للسيولة (وهي حالة يوصّفها تيار ما بعد الحداثة) والفردانية وتحقيق الذات خارج أشكال التذوّت كلها التي تخلق حدودًا صلبة.

Abstract

PhD Researcher in Philosophy, Tunisia. mouldibenalya@gmail.com

الكلمات المفتاحية:
  • الرؤية الديكولونيالية
  • إسلام السوق
  • الإيتيقا البروتستانتية
  • ما بعد الأسلمة
  • الإسلام السياسي
  • قيم المناجمنت
Keywords:
  • Decolonial perspective
  • Market Islam
  • Protestant ethics
  • Post-Islamization
  • Political Islam
  • Management values

décoloniale للتحولات السياسية والثقافية للإسلام السياسي في مرحلة ما بعد الأسلمة، وذلك

من خلال تناول ظاهرة إسلام السوق، كما عالجها من زاوية نقدية، في البدء، الباحث في

علم اجتماع الدين باتريك هايني Patrick Haenni. وترصد الاستتباعات الإبستيمولوجية لهذا

النقد بناءً على منهجية العلوم الاجتماعية والإنسانية، وتبيّن أنّ هذا النقد يفرض تصوّرًا جديدًا

للعلاقة بين الأخلاق الإسلامية والأخلاق الحداثية وما بعد الحداثية، التي ترتبط ارتباطًا قوًّيًا

بقيم "المناجمنت". وهي علاقة يتضمّنها موقف إبستيمولوجي طريف، أشار إليها على نحو

عميق براين تورنار في نصه النقدي لموقف ماكس فيبر Max Weber (1920–1864)، تجاه

الأخلاق الإسلامية، ولموقف حركة الإصلاح الديني (الإسلامية) أيضًا التي دشّنها جمال الدين

الأفغاني (1897–1838) ومحمد عبده (1905–1849). يقرّ هذا الموقف بالأهمية القصوى

لفهم التحّولّات على مستوى القيم والممارسة والخطاب من خلال فهم العلاقة بين هذه

التحّولّات والجانب الكولونيالي الهيمني الذي تفرضه منظومة قيم الحداثة، سواء تعلّق الأمر

بقيم إبستيمية أو إيتيقية. ويفرض هذا الموقف مراجعة التصوّر الضمني الذي يُقرّ بالتطابق، أو

عدم التصادم، بين الأخلاق الإسلامية والأخلاق الحداثية، لكنها مراجعة تقف على النقيض

من الموقف الاستشراقي الذي يميّز بين المنظومتين ويُسقط أحكامه المعيارية الأورو–مركزية،

فيوظّفها حجّةً لإثبات تخلّف الأخلاق الإسلامية. وتحاول الدراسة أيضًا رصد الصعوبات

المنهجية التي تحول دون تدارك العلوم الإنسانية في العالم العربي للمواقف الأورو–مركزية

تجاه القيم الأخلاقية الإسلامية. وتحاول تسليط الضوء على التحدي الفلسفي على مستوى

القيم الأخلاقية الدينية، حيث يتجلّى هذا التحدي في الكيفية التي يمكن أن يقترحها النموذج

الإسلامي في الأخلاق في عصر أصبح سمةً للسيولة (وهي حالة يوصّفها تيار ما بعد الحداثة)

والفردانية وتحقيق الذات خارج أشكال التذوّت كلها التي تخلق حدودًا صلبة.

Abstract: This paper offers a critical decolonial reading of the political and cultural transformations of political Islam in the post–Islamization era. It examines the phenomenon of what sociologist of religion Patrick Haenni calls "market Islam". The author traces the epistemological implications of this critique for social science and humanities methodology, demonstrating that this critique reconceptualizes the relationship between Islamic ethics and modern and postmodern ethics (which are strongly linked to "management" values). This relationship involves a unique epistemological position, highlighted by Brayan Turner in his critique of Max Weber’s stance on Islamic ethics and the religious reform movement initiated by Jamal al–Din al–Afghani and Muhammad Abduh. This stance acknowledges the paramount importance of understanding value, practice, and discourse transformations through understanding the relationship between these transformations and the colonial hegemony imposed by the modern value system. It also necessitates a revision of the implicit notion of conformity or non–conflict between Islamic and modern ethics, while opposing the orientalist stance that projects its Eurocentric normative judgments to argue the backwardness of Islamic ethics. The paper also investigates the methodological difficulties facing the humanities in the Arab world in overcoming Eurocentric positions. Moreover, it highlights the philosophical challenge related to proposing an Islamic model of ethics in an era characterized by liquidity (a condition described by postmodernism), individualism, and self–realization outside all forms of subjectivation that create rigid boundaries.

مقدمة

حينما صعدت حركات الإسلام السياسي في عام 2011 إلى سدّة الحكم، جدّ نقاش سياسي طغى عليه الطابع الهوياتي، خاصة في كل من مصر وتونس وليبيا، وكانت تنقص غالبية هذه النقاشات الركيزة Socle المعرفية التي تحدّد المنطلقات والأرضية الفكرية الملائمة لتعميق النقاش

وتطويره في مثل هذه القضايا على وجه الخصوص، فضلًا عن اّطلّاع كافٍ، لغالبية النخب السياسية، على كتب مهمة في هذا المبحث (حيث يظهر ذلك على مستوى الخطاب السياسي والمسلّمات الضمنية للخطابات السياسية)، التي تتناول هذه القضية المتعلقة بعلاقة الإسلام السياسي بالدولة بمفهومها الحديث في عصر العولمة والانفتاح الثقافي. ومن تلك الكتب، نذكر كل ما يكتبه أوليفييه روا وجيل كيبال والسوسيولوجي السويسري باتريك هايني أيضًا، وتحديدًا كتابه إسلام السوقالذي أُعلن عن

ينظر ((:(

Olivier Roy, Le post–islamisme (Paris: Edisud, 1999).

ينظر ((:(

Gilles Kepel, Fitna: Guerre au coeur de l’islam (Paris: Gallimard, 2004).

(((ينظر الترجمة العربية في: باتريك هايني، إسلام السوق، ترجمة عومرية سلطاني (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.)2015

ولادته الثانية، حينما تُرجم إلى العربيّة في عام2015. يُعدّ كتاب هايني من ضمن الكتابات الما بعد

دراسات روا، الذي اشتغل على التحّولّات الثقافية والسوسيوسياسية للإسلام السياسي وفاعليه ضمن سياق عولمي بين تسعينيات القرن الماضي وحدود عام 2005، تاريخ إصدار الكتاب في طبعته الأولى. لقد ظهر مفهوم الإسلام السياسي باعتباره صيغة ملطفة لمصطلح "الإسلاموية" Islamisme، وقد برز على وجه الخصوص في المجال التداولي الغربي بعد الثورة الإيرانية في عام 1979. يصف روا هذه الظاهرة بأنها حركات سياسية يرأسها منظّرون مسلمون يدعون إلى إعادة أسلمة البلدان ذات الغالبية المسلمة، لأن هذه المجتمعات توقفت، في نظرهم، عن أن تكون إسلامية بما فيه الكفاية. وقد اعتمدت هذه الحركات على أشكال التعبئة الشعبية الحديثة، واعتمدت أيضًا هيكلًا تنظيميًا مختلطًا، في نقطة

تقاطع بين الأخوّة الصوفية التقليدية التي يمر فيها الأعضاء بخطوات مختلفة من الارتقاء، والحزب السياسي الحديث. أما مصطلح ما بعد الإسلاموية، فهو مفهوم التقطه الباحث الإيراني آصف بيات مبكّرًا في كتابه إنشاء الديمقراطية الإسلامية: الحركات الاجتماعية ومنعطف ما بعد الإسلامية (على

الرغم من أنه لم يكن أول من تناول المفهوم)، ليحلّل به التحّولّات التي لحقت بالجمهورية الإسلامية في إيران في مرحلة ما بعد الخميني، في دراسته "نشوء مجتمع ما بعد الإسلاموية"، وانصَّبَت حول

التحّولّات الاجتماعية الطافية على المشهد الإيراني وحده، من دون أن تتناول غيره. يتّسم مصطلح "ما بعد" بالسيولة والتخفف من أيديولوجيات الإسلاموية التقليدية التي تركز معياريًا على التزامات الناس، أكثر من حقوقهم، كما يقول بيات. ويشير لفظ "ما بعد" أيضًا إلى انتهاء، أو تقلّص بعض القيم والأخلاق الدينية عن العمل داخل هذه الحركات وانتحاء توجهات معينة دون النجاح في تأسيس غيرها. وهي أيضًا مؤشر إلى تخفف الحركات الإسلامية من رفض أشكال من الندم الحديثة والقبول بالديمقراطية أداة للمشاركة السياسية داخل منظومة الدولة الحديثة القومية.

ينظر ((:(

Patrick Haenni, L’islam de marché: L’autre révolution conservatrice (Paris: Seuil & La République des idées, Octobre

(((اخترنا كلمة إسلاموية ترجمة لكلمة Islamist للتمييز بينها وبين كلمة Islamique إسلامية. وهي في المجمل الأحزاب والحركات السياسية التي تعتمد على الشريعة الإسلامية وتسعى لتطبيق مشروعها السياسي في الأنظمة السياسية الحديثة. ويرتبط مفهوم الإسلامي Islamique أساسًا بالمسلم الذي ينتمي إلى علاقة تطابق تام بين معايير ذاته ونواميس الحضارة التي يعيش فيها، وهو في

انسجام مع لغته التي تعبّر عنه روحيًا وتشريعًّيًا. بينما الإسلاموي Islamist هو مفهوم مرتبط برهانات حداثية، وينتمي إلى معجم

حداثي، لذلك لا يمكن السماح بإدخال مصطلحات أو مفاهيم جديدة إلى المعجم العربي الإسلامي أين تأخذ هذه المصطلحات والمفاهيم المكان نفسه/ مكانة وموقع المفاهيم والمصطلحات القديمة التي لها موقعها الخاص والمحجوز داخل ثقافتها بما يعكس تناسقًا كلًّيًا. فالإسلاموي يُقصَد به كما قلنا أساسًا الناشط السياسي الذي ينتمي إلى الإسلام ثقافيًا، لكنه يتحرك داخل ناموس الحداثة

ووفقًا لنظامها التشريعي السياسي، فحتى نميّز تمييزًا سليمًا بين كلا المفهومين، وجب توضيح المعجمين اللذين ينتمي

إليهما كلا المفهومين كي نتفادى الخلط الذي يقع فيه كثيرون من المترجمين. (((محمد أبو رمان و[آخرون]، ما بعد الإسلام السياسي: مرحلة جديدة أم أوهام أيديولوجية (عمان: مؤسسة فريديرش إيبرت، 2018)، ص.26–25

(7) Asef Bayat, "The Coming of a Post – Islamist Society," Critical Middle Eastern Studies , vol. 5, no. 9 (1996), pp. 43–52.

يرى بيات أن مفهوم "ما بعد الإسلاموية" مشروعٌ، وليس حالة، فهو يقوم، بحسب تقديره، على محاولة واعية لوضع تصور واستراتيجية (وليس تكتيكًا) لمنطق وطرائق من أجل تجاوز الإسلاموية في المجالات الاجتماعية والسياسية الفكرية، "فمرحلة ما بعد الإسلاموية، في نظر بيات، ليست معادية للإسلام ولا هي علمانية، بل تمثل محاولة لدمج التدين والحقوق، الإيمان والحريات، الإسلام والحرية، فهي محاولة لتحويل المبادئ الأساسية للإسلام وقلبها رأسًا على عقب، بوساطة التأكيد على

الحقوق، بدلًا من الواجبات، وعلى التعددية في مجال الصوت الفردي السلطوي، وعلى التاريخية، بدلًا من الكتاب المقدس الثابت، وعلى المستقبل، بدلًا من الماضي". على خلاف قراءات كل من بيات وكيبل وروا، ذهب هايني في اتخاذ منحى آخر لقراءة تحّولّات

الإسلاموية، وذلك من خلال التركيز في كتابه إسلام السوق، على فهم خطاب الدعاة الجدد الذين اكتسحوا الساحة الخطابية الإسلامية في الفضائيات وفي مواقع إلكترونية (موقع" إسلام أون لاين" (IslamOnline.net) في البداية)، فالُّدُعاة الجدد هم الموجة أو الفئة التي أحدثت تحّولّات على

مستوى التفكير في الفرد المسلم (أو في ما يسميه هايني المناضل الإسلاموي) وتحّولّات على مستوى

التفكير في علاقته بالتنظيمات الإسلامية، وأساسًا حركة الإخوان المسلمين. وكان التفكير الجديد

للدعاة الجدد، قد ساهم في نزع القداسة عن الالتزام التنظيمي، ولم يكن ذلك ممكنًا، إذا تفحّصنا جيّدًا

الدراسة، إّلا بقيام فكر جديد يمتلك القدرة على النفاذ إلى هذه التنظيمات وبناها الذهنية، حيث ساهم هذا النمط الجديد من التديّن Mode de religiosité إلى حد بعيد في تراجع السردية الإسلامية الكبرى،

السردية التي تقوم على فكرة خلاصيّة، حيث يتمثّل خلاص الأمّة الإسلاميّة في الخلافة والشريعة

والبديل الحضاري. أُطلق على هذا التديّن "التديّن الخفيف"، وهو كما ذهب الباحث جابر القفصي

في قوله إنه: "تديّن يحرص صاحبه على طريقة معاصرة في اللباس والمظهر، تنشّطه روح انسيابية غير

مسبوقة، وعدم الاكتراث أو التخفف من ما هو لا يزال يعتبر جوهريًا في الدين، سواء بالنسبة لنمط

التدين التقليدي أو السياسي أو الجهادي"، أي إنه تدين متخفف من أسلمة المجتمع، ومن الأسلمة إجم لًا، كما يقول بيات. وهو تدين متصالح مع علمنة الفضاء غير المقدس. إّلا أن هايني ركّز على ظاهرة غاية في الأهمية، وهي إعادة الأسلمة، لكن بطريقة أخرى، تتمثّل في أسلمة قيم المناجمنت التي تحكم السوق. وللسبب نفسه، أطلق هايني على هذه الظاهرة اسم "إسلام السوق" (ركّز دعاة "إسلام السوق" على تقديم قيم أساسية، تنتمي إلى مجال إدارة الأعمال والمناجمنت، وهي: الجدارة والنجاح الفردي ومسؤولية النجاح والفشل، راجعة إلى الفرد وحده، والتحرّر من الالتزام الحزبي التنظيمي، أو

التخفف منه، لأنه يمنع الفرد من تحقيق ذاته وطموحاته في النجاح الاقتصادي والاجتماعي).

(((أوضح بيات دلالة هذا المفهوم في: Ibid., pp. 45–46. (((إبراهيم هلال، "الإسلاميون الجدد... إسلام السوق، النشأة والتجليات"، الجزيرة نت، 2017/3/8، شوهد في 2024/7/28، في:

https://2cm.es/KdTu

((1(جابر القفصي، "الأشكال الجديدة للتدين عند الشباب التونسي"، أطروحة دكتوراه، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، 2017، ص.87 ((1(أفرد القفصي في أطروحته عنصرًا مستقلًا يعرّف فيه هذا المفهوم. ينظر: المرجع نفسه، ص.351–348

إذا كان هؤلاء الدعاة الجدد هم الفئة التي لها دور كبير في تلك التحّولّات في الحركة الإسلامية،

فما مضمون هذا الفكر الذي ارتبط بهؤلاء الدعاة؟ وأيّ استراتيجية اعتمدتها هذه الفئة في التأثير

والتعبير عن البنى التي ترتّب عقلانية التنظيم داخل الحركة الإسلامية، أو ما الأسس الفكرية المتضمنة في إسلام السوق من زاوية نظر ديكولونيالية؟ وما الذي يجعل الإسلامويين Les islamistes منجذبين إلى خطاب دعاة إسلام السوق؟ سنوضح أوّلًا مضمون هذا الفكر الذي جاء به دعاة إسلام السوق، ثم سنبيّن لاحقًا الاستراتيجية

المعتمدة عند دعاة إسلام السوق في التأثير في الحركات الإسلامية ذات البعد النضالي، وذلك من خلال دراسة هايني، وفي مرحلة ثالثة وأخيرة، سنحاول تقديم إجابة عن الدوافع والأسباب التي تدفع الإسلاميين وتجذبهم إلى خطاب دعاة إسلام السوق، وذلك من خلال الكتاب، وسنحاول أن نعمّق

التحليل بما هو أبعد من الحدود التي رسمتها دراسة هايني. وحينها نكون قد حاولنا تقديم قراءة وإضافة إلى هذه الدراسة، نأمل أن تكون في مستوى رهانات الحاضر والأسئلة المطروحة، لكن من وجهة نظر ديكولونيالية حول الظاهرة الإسلامية الآن. تقتضي الإجابة عما ورد من أسئلة طرحناها، توضيح بعض المفاهيم، ومنها على وجه الخصوص، مفهوم التوجّه الديكولونيالي، كما سنعمد لاحقًا إلى تقديم لمحة عن كتاب: إسلام السوق، وسنبيّن

طوال مراحل تحليلنا لظاهرة إسلام السوق الكيفية التي سنعتمد من خلالها على وجهة النظر الديكولونيالية ودراسة هايني (اللتين تحملان تقاطعًا منهجًّيًا نقدًّيًا، يظهر جليًا في عملية التشابك

التحليلي الذي سنحاول القيام به في هذه الدراسة) في تقديم قراءة نقدية تكشف عن البعد الكولونيالي في خطاب دعاة إسلام السوق.

أولا: الديكولونيالية وحالة ما بعد الأسلمة: بعض الملامح النظرية

نقدم في هذه الدراسة القراءة الديكولونيالية La lecture décoloniale لحالة ما بعد الأسلمة من خلال المراوحة بين المقاربة التفهّمية ضمن حقل فلسفة العلوم الاجتماعية التي تعتمد على فهم الظاهرة

السوسيولوجية وسعيها للحصول على معرفة دقيقة من خلال التعرّف إلى عمليات تفكير الفرد وعمليات

أخذ القرار من جهة، والمقاربة النقدية الديكولونيالية وهي المقاربة التي تكشف عن الجانب الكولونيالي لهذه التحّولّات التي تطرأ على الخطاب الديني الإسلامي من جهة أخرى. سنعتمد على مقاربة تفهمية

تحاول تحليل التحّولّات التي تطرأ على الممارسات والخطاب وفهم دلالاتها، ثم تكشف عن تشابك

هذه التحّولّات مع السلطة المعرفية الكولونيالية التي تسعى لاحتواء العناصر المكِّوِنة للثقافات غير

الحديثة وجعلها تحت طوعها وإرادتها. كما أن المستوى/ المرحلة الثانية من القراءة الديكولونيالية هي مهمّة تفكيكية، تكشف عن العلاقة بين مضمون الخطاب والأسس الفكرية التي تصاحبه (وهي أسس

المعرفة الكولونيالية). أي المستفيد الأول من التحّولّات التي تطرأ على الخطاب والممارسات (الذي

يريد أن يحتويه في نموذجه)، خاصة حينما تُظهر هذه التحّولّات على مستوى الخطاب الإسلامي

(مع ظاهرة إسلام السوق)، تعارضًا تاًّمًا مع رؤية الإسلام السياسي في بدايته، من ناحية، ومع الإسلام داخل المنظور التقليدي المرتبط بمنظومته الحضارية التقليدية، من ناحية أخرى. إن القراءة الديكولونيالية ضربٌ من الأركيولوجيا التي تكشف عن جذور الأفكار وعلاقتها بالكولونيالية، وسنحاول من خلالها كشف علاقة نمط التدين الحداثي بالكولونيالية، سواء في طورها الأول على يد الإصلاحيين (الأفغاني وعبده) من خلال مقالة عالم الاجتماع البريطاني المعاصر براين تورنار: "الإسلام والرأسمالية وطرح ماكس فيبر"، أم في طورها الثاني مع أيديولوجيا ما بعد الحداثة من خلال كتاب إسلام السوق لهايني. وسنحاول أن نتناول هذا الموضوع من وجهة نظر سوسيولوجية، ستركز على الممارسات والخطابات والكتابات النقدية التي ترصد هذه التحّولّات بدقة من موقع ديكولونيالي، من دون الدخول في تفاصيل خارجة عن نطاق السوسيولوجيا (كالبحث عن نصوص الإصلاحيين العرب المعاصرين والبحث عن علاقة هذه النصوص بالمنتج الحداثي الكولونيالي). لا يقف المنهج الأركيولوجي الديكولونيالي عند تقصّي الأصول. فالحفريات تعتبر أن الخطاب هو منظومة من المقولات يمكن أن يدرك العالم داخل حدوده. وهي مناسبة لفهم علاقات الفصل والوصل والقطع والتواصل بين خطابات الحداثة والخطاب الإسلاموي. فمفهوم الديكولونيالية أو تفكيك الاستعمار كما تُرجم في معجم مصطلحات الدراسات ما بعد الكولونيالية، هو "عملية الكشف عن النفوذ الكولونيالي بكافة أنماطه وفصل أجزاء بعضه عن بعض. وتشمل هذه العملية تفكيك العناصر المستترة لتلك القوى المؤسسية والثقافية التي منحت ديمومة للنفوذ الكولونيالي وظلت كذلك حتى بعد تحقيق الاستقلال السياسي"، لأن "الاستقلال السياسي لا يعني بالضرورة التحرّر الكلي

للمستعمَر من القيم الكولونيالية؛ إذ إن هذه القيم استدامت مع أنماط سياسية واقتصادية وثقافية في العديد من الحالات بعد الاستقلال". يدفعنا تناول حالة ما بعد الأسلمة بالدراسة والنقد، بالضرورة، إلى نقاشٍ بزغ منذ بداية القرن التاسع عشر مع حركة النهضة الإصلاحية، حيث ظهرت حينها أصوات تنادي بتحرير الإسلام من نمط تفكير "القرون الوسيطة "وبعدم تعارض الإسلام مع الحداثة. ويمثّل هذا النقاش الأرضية المعرفية الأولى التي تم فيها تناول مشكل الإسلام والحداثة. ولا يمكن أن نناقش ظاهرة إسلام السوق، من دون أن نفهم هذه الأرضية المعرفية الأولى، لكن هذه المرة من زاوية نظر ديكولونيالية.

ينظر ((1:(

Bryan Turner, "Islamic, Capitalism and the Weber Theses," The Bristsh Journal of Sociology , vol. 61, no. 1 (2010), pp. 60–147.

لقد اعتمدنا على هذا النص بالتحديد لأنه يتناول بالنقد مضمون رواد التجديد والنهضة الإسلامية، حيث يتطابق هذا النقد في منظوره مع الرؤية الديكولونيالية. (1((بيل أشكروفت وجاريث جريفيث وهيلين تيفين، دراسات ما بعد الكولونيالية المفاهيم الرئيسية، ترجمة أحمد الروبي وأيمن حلمي وعاطف عثمان، تقديم كرمى سامي (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010)، ص.129 ((1(المرجع نفسه، ص.130

ثانيًا: حركة الإصلاح الديني من وجهة نظر ديكولونيالية

منذ أن ظهرت حركة الإصلاح الديني في العالم الإسلامي، في القرن التاسع عشر، على أيدي الأفغاني وتلامذته (أشهرهم عبده ورشيد رضا)، ونقاشات نخب العالم الإسلامي تضجّ بقضايا الإصلاح الديني

ومشكلة التخلّف الحضاري الذي تعيشه الأمتان الإسلامية والعربية. فقد ركز دعاة الإصلاح على الإصلاح الديني وسيلةً للتقدّم ورأب الهوّة بين الدين والعلم. ولعل من أهم الرسائل التي اعتمدها

الإصلاحيون في خطابهم: استحالة التعارض بين الدين الإسلامي والعلم الحديث، والقول إن ثبوت أي قيمة علمية لا يتعارض مع الحقيقة الدينية. فالتوفيق ضرورة بالنسبة إليهم، لأنه سينهي حالة التصادم بين الدين والعلم، ويحلّ مشكلة اللّبس والتشكك من العلوم الحديثة الوافدة. وهو ما يعني على المستوى الحضاري الكلي عدم التعارض بين الإسلام والحداثة. إّلا أن فيبر يرى أن الإيتيقا الوحيدة التي تتوافق مع الرأسمالية (وهي الخطوة والمرحلة الأولى في الحداثة) هي إيتيقا البروتستانتية. طغت هاتان الرؤيتان المتضادتان على نقاشات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وهما اللتان صارتا المحددتين، على نحو مخفيّ، للآراء العلمية المتعلقة بالإسلام والحداثة. يذهب فيبر في كتابه المعروف الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية إلى أنّ التوجّه للرأسمالية

نتج أساسًا من مجموع المعتقدات والعادات الجديدة التي أضفتها البروتستانتية على المسيحية (أو

التحالف اليهو–مسيحي، كما يقول الفيلسوف الكندي المعاصر تشارلز تايلور Charles Taylor بحكم أن البروتستانتية جاءت من المدرسة الألفية، وهي أحد مذاهب اليهودية). ويركز في ذلك بخاصة على البروتستانتية الكالفينية في نسختها التطهيرية Puritaniste الإنكليزية. وهم من جمعت عقيدتهم بين ضرورة العمل الجاد في الحياة الدنيا والزهد فيها. كما أنّ سبب هذا الزهد والتقشّف هو الدعوة التي تدفع إليها هذه العقيدة لإعادة استثمار تلك المرابيح. فأوجدا (الزهد والتقشّف) نظامًا جديدًا، وهو

الرأسمالية التي تقوم في الأساس بحسب كارل ماركس، وقبله بحسب الاقتصاديين التطوريين، على مبدأ المراكمة، أي مراكمة رأس المال الربحي من خلال الاستثمار. في المسألة نفسها، تحضرنا دراسة يقدّم فيها شيرمان جاكسون نموذجًا يلقّبه ب "الإسلاموي

العلماني"، تقوم وجهة نظره فيها على فهمه للتقسيم المنهجي للعلوم داخل الإسلام. فبحسب وجهة نظره هذه، القضايا الدنيوية خاضعة للعلوم غير الشرعية، وذلك حينما ارتكز على نموذج القرافي (إّلا أن هذا التقسيم الشكلي لا ينزع الطابع المعياري للحكم الشرعي في مناحي الحياة التقليدية كلها،

((1(البروتستانتية الكالفينية هي فرع من البروتستانتية، تستند إلى تعاليم جون كالفن Jean Calvin (1564–1509)، وهو مصلح ديني سويسري في القرن السادس عشر، يُعدّ واحدًا من أهم الشخصيات في حركة الإصلاح البروتستانتي، وتعرف تعاليمه بالكالفينية.

كان للكالفينية تأثير كبير في تطوير الكنائس البروتستانتية في أوروبا وأميركا الشمالية، بما في ذلك الكنيسة الإصلاحية والكنيسة المشيخية. تعتبر تعاليم كالفن جزءًا مهمًا من الفكر البروتستانتي، ولا تزال مؤثرة في اللاهوت البروتستانتي الحديث. ((1(أستاذ الدراسات الإسلامية المعاصر في جامعة كاليفورنيا. ((1(هي ترجمة لكلمة The Islamic Secular، أي نموذج العلماني داخل المعجم الإسلامي، وهو بحسب شيرمان جاكسون، شكل من أشكال التدين الذي يتطابق مع قيم العلمانية التي لا تجعل من الشريعة محددة لنواحي الحياة كلها، ومنحصرة في دائرة محدودة قد لا تتجاوز دائرة المسائل التعبّدية والمناسك.

وهو ما يحاول جاكسون أن يغضّ البصر عنه في دراسته)، فهو يقول: "فالعلماني الإسلامي ليس مفروضًا على الإسلام (ولا على الشريعة) من الخارج، بل منبثق نتيجة الحدود الفقهية التي فرضتها الشريعة على نفسها طواعية". يرى جاكسون أيضًا أن العلماني الغربي والعلماني الإسلامي لا يختلفان في الجوهر، بل في الوظائف الراجعة إلى اختلاف الوقائع التاريخية. يقدّم تورنار الفيلسوف فيبر على نحو لافت في دراسته التي يردّ فيها على هذا الشكل من التبسيط للمسألة، في مَعرض ردّه على أطروحة فيبر بشأن الإسلام.

كما يهمنا أن نشير في هذا الصدد نفسه، أي نقد تورنار لأطروحة فيبر بشأن الإسلام، إلى أن فيبر يحاجّ

بأن النزعة الزهدية التطهرية Asceticism قد تمّت إعاقتها في الإسلام بسبب فئتين اجتماعيتين: فئة

المحاربين (الذين بلوروا نمطَ عيش حربيًا في تأويلهم للقرآن) التي كانت الحامل الاجتماعي الرئيس

للإسلام، وفئة المتصوّفة التي طوّرت ضربًا باطنًّيًا وروحيًا من التديّن الأخروي، "وهذا الجمع بين

نمط التديّن الحربي والتقبّل الصوفي للعالم هو الذي أنتج في الإسلام السمات كلها المميزة للروح

الإقطاعية". لكن، يرى تورنار أن الإيتيقا الإسلامية الدينية لم تكن تمنع التجارة في البحر المتوسط والمحيط الهندي، حيث اكتسبت قبيلة قريش مكانة سياسية مهيمنة بفضل قوّتها التجارية في المنطقة.

ونخلص هنا إلى أن الإيتيقا الإسلامية ليست زهدية بالمنطق الأخروي الِّصِرف، وليست نمطَ عيشٍ

حربيًا قائمًا على المغامرة الإقليمية، بل هي شكل من التنوّع الذي يستوجب وجود هذه الأنماط كلها

التي تتجسّد في الفجوة بين النظرية والممارسة، لتتيح مرونة في التعامل مع شتى الوضعيات على نحو

ينتصر لمصلحة الأمة ووجودها الروحي. هنا، قد نرى في نموذج "إسلام السوق" المتناغم مع رؤية المناجمنت (قيم المناجمنت وهي قيم الرأسمالية العالمية) نموذجًا يثبت تهافت أطروحة فيبر من هذه الزاوية (وهذا قد أثبتته التجربة الحالية)،

لكن الأفق النقدي لتورنار "لا يقف عند حدود هذا الإثبات الضمني"، بل يرى براين، كما يقول صراحةً، أنّ: "الإصلاح الإسلامي في الحقبة الحديثة لم يكن تطوّرًا مستقلًا، بقدر ما كان محاولة

لشرعنة التبعات الاجتماعية للرأسمالية. وتُرجمت المصطلحات الإسلامية الأساسية، بكل أريحية، إلى مصطلحات أوروبية دونما احترام كبير لاشتقاق هذه المصطلحات وتأصيلها"، فمصطلح العمران عند ابن خلدون (732 ه/ 1332 م 808–ه/ 1406 م) تحوّل تدريجًا إلى مصطلح "الحضارة" عند فرانسوا

جيزوت François Guizot (1874–1787)، وتحوّل مصطلح المصلحة عند الفقهاء المالكية وابن تيمية

(1/66 ه 1263 م 728–ه/ 1328 م) إلى مصطلح "الرأي العام" في النظرية الديمقراطية. بناءً عليه، فإن

"إيتيقا" الإسلام و"البروتستانتية" كانت إيتيقا مقلّدة وليست أصيلة: وذلك "لأن رواد الحداثة الإسلامية

ينظر ((1:(

Sherman Jackson, The Islamic Secular (Virginie: American Journal of Islam and Society, 2017). (19) Ibid., p. 13. (20) Turner. (21) Ibid., p. 152.

قد تعلّموا على يد الأوروبيين [...] لأن المسلمين قد تبنوا من المنظور الأوروبي الكيفية التي يتحقق من خلالها التطور الرأسمالي، لقد تبنى الإصلاحيون – مثل الأفغاني وعبده ورشيد – الرأي القائل إن التقدم الاجتماعي في أوروبا قد نتج من الإصلاح البروتستانتي". ويجيب تورنار (بطريقة غير مباشرة) أيضًا عن أطروحة جاكسون القائلة بنموذج "العلماني الإسلامي" المتطوّر طواعية من داخل

المعجم التشريعي الإسلامي. كان نقد تورنار مناسبة ديكولونيالية بامتياز، حضرت فيها الملكة النقدية الديكولونيالية التي تنزع نحو الفصل بين خطاب التجديد أو الإصلاح، وجذور هذا الخطاب ونسبته الأصلية (التي لا تُنسب إلى المعجم الإسلامي، بقدر ما تُنسب إلى المعجم الحداثي الكولونيالي)، والتمييز، من ثمة، بين إيتيقا البروتستانتية والإيتيقا الإسلامية التي لا تُختزل في النزعة الحربية (التي تعكس نمط عيش طبقة المحاربين الغزاة)، ولا في إيتيقا المتصوّفة، ولا في إيتيقا المعاملات التجارية لدى التجار الإسلاميين

الذين اختصوا في هذه الصناعة. ويمكن القول إن إيتيقا الإسلام هي إيتيقا ترتبط بالحرف والمهن، لكنها ترجع إلى روح القرآن على نحو معياري هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى، يكشف تورنار بطريقة مباشرة، عن ضعف تناول الإصلاحيين مشكلة التخلف الحضاري؛ إذ يقول: "وعندما حاول الإصلاحيون المسلمون فهم اضمحلالهم الاقتصادي، اعتمدوا في أغلب الأحيان على نظريات الدوافع الزهدية، لكن هذا لا يمكن اعتباره دليلًا على أن الزهد هو شرط ضروري لتطوّر الرأسمالية. إن أيديولوجيا الكدّ

في العمل في الإسلام الحديث ليست – في المقام الأول – سوى مستورد كولونيالي". يقع نص جاكسون (الذي لا يرى اختلافًا بين إيتيقا الإسلام وإيتيقا الحداثة) وأطروحة فيبر (الرافضة ضمنيًا التطابق بين إيتيقا الحداثة والإيتيقا الإسلامية) في مجال الترجمة الكولونيالية نفسها للإسلام،

كما أوضحت ذلك الباحثة لينا سلايمه في قولها: "إن أسطورة الحداثة متأسسة على ثالوث الزعم الكولونيالي ومكوّناته: (أ) العلمانية وهي البديل العقلاني والمتفوّق على الدين؛ (ب) الدولة وهي أمة

علمانية مع سيادة حدودية؛ (ج) والحق وهو القانون الجليّ للدولة. بلفظ آخر، العلمانية هي أيديولوجيا

تستعمر التقاليد، وذلك بتحويلها إلى أديان، والدول بتحويلها إلى دول–قومية، والقانون بتحويله إلى قانون وضعي ومُعلمن". فالعلمنة تحجب، بحسب سلايمه، المعنى الشامل الذي يمكن أن يحمله

مصطلح الشريعة، كما أنّ الترجمة في الخطاب العلماني هي شكل من أشكال الحجب للمعنى

(22) Ibid., p. 158. (23) Ibid. (24) Lena Salaymeh, Traduction décoloniale: Contre la colonialité dans la conversation seculière du droit islamique en "charia" (Paris: Association Clio et Themis, 2021), p. 11.

((2(نجد أيضًا في السياق نفسه العمل النقدي المهم الذي قام به طلال أسد، والذي كشف فيه عن قصور ترجمة الخطاب الديني في

الخطاب العلماني وحتمية اللايقين في الترجمة والتأويل ضمن الأفق العلماني، لأن الترجمات العلمانية تعتمد على فصل الأفكار عن التجارب الشعورية والروحانية. وقد كشف طلال أسد عن هذا القصور انطلاقًا من كتابات يورغن هابرماس Jürgen Habermas، وذلك

من خلال المغالطة التي يرتكز عليها هابرماس في موقفه الفلسفي، في اعتباره العلمنة تنطوي على تصوّر للغة باعتبارها نظامًا محايدًا

للوصف والحِجاج، وليس جانبًا من الطريقة التي نسكن بها العالم. ينظر: طلال أسد، ترجمات علمانية: الأمة – الدولة والذات الحديثة

والعقل الحسابي، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2021)، ص.119–60

الذي تقتضيه الكلمة أو المصطلح في التقاليد الإسلامية. وهي ترى أن هذا الثالوث لا يمكن تفكيكه إّلا "بترجمات ديكولونيالية، تعوّض كونية الثالوث الكولونيالي من خلال التعددية"، أي التعددية

والتنوّع في المصادر التي ساهمت في بلورة أحكام الشريعة، لأن الشريعة هي مفاهيم متداخلة في

المصادر، وحتى في الأطراف التي كوّنت الأحكام [...] والمسار الذي يقدّمه التوجّه الديكولونيالي

يتّجه نحو مسار مغاير للعلمنة الغربية، لأن "العلمنة تحجب الترجمة الإسلامية"، أي مسار ينحو في اتجاه الترجمة الوفية للمصطلح والمتناسقة مع روح الحضارة التي نشأت فيها المفاهيم الإسلامية. لقد حاول الباحث أسد دانديا أن يخطو خطى سلايمه نفسها في قراءته القرآن، فوضع ثلاثة شروط ديكولونيالية، فهو يقدّم تصوّرًا لقراءة علمية من موقع ديكولونيالي، حيث تتمثل هذه الشروط الثلاثة

في: أولًا، احترام الترتيب الروحي وفقًا لكيفية قراءته من النبي والجماعة الروحية الأولى، لا وفقًا للترتيب الزمني للوحي، لأن من شأن هذا الترتيب الروحي أن يكشف عن الجوهر الروحي للقرآن. ثانيًا،

الكشف عن موقع التلاوة والروح التي تعطي هذه التلاوة للنصوص القرآنية. وثالثًا، كيفية استخدام القرآن في الذاكرة. نستنتج من خلال دراستَي دانديا وسلايمه أن المشكل الأول الذي اعترض التصوّرات

الديكولونيالية للإسلام هو مشكلة الترجمات (التى تعكس مشكلات التلقّي والتمثّل) التي يعتبرونها أول خطوة نحو الهيمنة على الدلالات والمعاني التي يقوم عليها الإسلام، وهي الخطوة الأولى للتحرّر

من الهيمنة الكولونيالية على التقاليد الإسلامية وفهم مصادر الدين من موقع يقطع مع التبعية (التي لا تزال تسيطر على الثقافة العربية والإسلامية بأشكال متعددة) للمعجم الحداثي الكولونيالي. يقول رامون غروسفوغل في الصدد نفسه: "إن نجاح النظام العالمي الحديث/ الكولونيالي، يتمثل في ضمان أن الذوات، الموجودة اجتماعيًا على الجانب المضطهد من الفرق الكولونيالي، يفكرون معرفيًا

كما يفكر الذين هم في مواقع المهيمِنين". وتجدر الإشارة إلى أنّ النقد الذي قدّمه لنا تورنار يكشف

(26) Salaymeh, p. 13. (27) Ibid., p. 16. (28) Asad Dandia, "Towards Decolonial Approach to The Qur’an," Contending Modernities , 15/1/2021, accessed on 28/7/2024, at: https://2cm.es/I3Gq

((2(عالم اجتماع وأستاذ جامعي من بورتوريكو، يُعرف بأعماله في مجال دراسات الديكولونيالية ونظرية النظام العالمي، وعلم

الاجتماع النقدي. يشغل منصب أستاذ في قسم الدراسات الإثنية في جامعة كاليفورنيا، بيركلي. ((3(ترجمة لمفهوم La difference coloniale لوالتر مينيولو Walter Mignolo، ويعني أن المعرفة الكولونيالية والأورو–مركزية تضع فروقًا سيكولوجية وأنطولوجية وقيمية بين الذات الغربية (أو إنسان المشروع الثقافي الغربي) والآخر، وهي جملة من الفروق

القائمة على العنصرية والرؤية الاختزالية للآخر من أجل جعل مسألة الهيمنة عليه (في الحقيقة الاستعمارية أو ما بعد الاستعمارية) أمرًا طبيعيًا، للتعمق في هذا المفهوم، ينظر:

Juan Pablo Bermudez, "Modernité/ Colonialité–Décolonialité: Une critique sociale autre," in: M. Maeschalck & A. Loute (eds.), Nouvelle critique sociale, Europe–Amérique Latine, Aller–Retour (Italy: Polimetrica Publisher, 2011), pp. 223–225. (31) Ramón Grosfoguel, "Decolonizing Post–Colonial Studies and Paradigms of Political–Economy: Transmodernity, Decolonial Thinking, and Global Coloniality," Transmodernity: Journal of Peripheral Cultural Production of the Luso– Hispanic World , vol. 1, no. 1 (2011), p. 6.

في مناسبة أولى عن منطقيّة الأفكار الإصلاحية الراجعة إلى الحداثة الكولونيالية، ويكشف أيضًا عن

منطقية الاستشراق في دفعه على نحو مخفي وضمني الإصلاحيّين لإثبات عكس أطروحة فيبر، حتى

يثبتوا أن الإسلام والحداثة لا يتعارضان. من ثمّة، يصبح الإسلام في نظرهم حافزًا للتقدم على الطراز

الأوروبي. وهو، كما أراد أن يقوله تورنار ضمنيًا، طُعم كولونيالي يريد أن يجعل العالم يُقرّ بأن السبيل

الوحيدة لتحقيق التقدم هي التقدم على المنوال الغربي الذي يستوجب مرافقة إصلاح إيتيقي وثقافي على نحو شامل ومطابق للإيتيقا الغربية. وتواصل هذا المسار التقدمي نفسه في تأويل الإسلام، وفي منطقية الأفكار الإصلاحية، وأفرز ظاهرة إسلام السوق (كما سنوضح ذلك)، إّلا أن هذه الظاهرة تقف على أرضية مغايرة، وهي أرضية القيم التي جاءت مع الكتابات ما بعد الحداثية، أي في سياق عولمي. لكن علينا في البداية أن نوضح التوجّه الفكري لدعاة إسلام السوق وكيفية تأقلمهم مع القيم الجديدة للحداثة التي

ظهرت في سياق أميركي في البداية، ونفهم كيفية التوفيق بينها وبين قيم الإسلام، حتى تنكشف لنا الكيفية الجديدة التي يتمظهر فيها ما سمّاه منذ قليل تورنار "المستورد الكولونيالي".

ثالثًا: التوجّه الفكري لدعاة إسلام السوق

مع سقوط الاتحاد السوفياتي (1991)، أصبح العالم يعيش على وقع زحف وتدفّق استثنائيَي الإيقاع

للبضائع الأميركية في السوق العالمية، وأصبح الحديث منذ ذلك الوقت عن نظام عالمي أحاديّ

القطب تقوده الولايات المتحدة الأميركية، وتزامن ذلك مع قيام هياكل ومنظمات عالمية تابعة للأمم المتحدة، وصار الحديث حينها عن هيمنة الولايات المتحدة على هذه المنظمات التي تدافع عن خيارات مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالنموذج الأميركي. كما أنّ هذا النموذج قائم على أنماط جديدة من التفرّد

أو التفردن Individualization لم تشهدها الحداثة الأوروبية، وذلك بعد بروزها مع حركة الحقوق المدنية في عام 1963 في الولايات المتحدة، ومع الأحداث الاحتجاجية أيضًا في أيار/ مايو 1968 في فرنسا. تتمثّل هذه الأنماط الجديدة من التفرّد في الجندر الذي يمثّل في حدّ ذاته نمطًا خاًّصًا

من التفرّد، يحمل أشكاله الخاصة، وهي: النسوية المتحرّرة من السلطة الذكورية وازدواجية التوجه

الجنسي Bisexuality والتفرّد العابر للجندر Transgenders والعلاقات الشاذة بين الإناث Lesbiens،

كما تقول جوديث باتلر Judith Butler، ونمط التفرّد المتعلق بالإثنيات والأعراق أيضًا الذي

ساهمت حركة الحقوق المدنية في إتاحة الفرصة والمجال للتعبير عن هذه الأنماط باحتجاجها على العنصرية القائمة على العرق واللون والاختلاف الإثني، وكانت فرصة أيضًا لبروز حركات تدافع عن البيئة. وكانت هذه الموجات مناسبة تاريخية ومنهجية لبروز مفهوم الفاعل الاجتماعي Acteur social في الحقل السوسيولوجي بعد أن كان غائبًا. في الوقت الذي ساد تيار البنيوية Structuralism في الدراسات السوسيولوجية، كانت الذات هي الغائب الأكبر، فقد قدّمت البنيوية نفسها باعتبارها تيارًا مهيمنًا على الساحة السوسيولوجية، إلى أن

(3((ينظر: أنتوني غيدنز وفيليب صاتن، مفاهيم أساسية في علم الاجتماع، ترجمة محمود الذوادي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.161

غطّت على المقاربات الأخرى، غير أن التغيرات الحاصلة في أوروبا، وعلى رأسها ثورة عام 1968 في فرنسا وأوروبا عامة، كما ذكرنا، أفقدت البنيوية شيئًا من بريقها، ما عجّل ببروز تيّار فكري ناقد،

وُصف بأنه فكر ما بعد بنيوي Poststructuralism، وفي سياق هذا التيار، عادت الذات من جديد، وأصبح للفرد قيمته ومكانته باعتباره مدخلًا للتحليل والفهم. لكن، حملت هذه القراءة المرِّحِبة والمحتفية بظهور الكائن الفرد الفاعل، معها قراءة أخرى، حيث اعتبرت مجموعة من الكتابات النقديّة أنّ ولادة الفاعل الاجتماعي جاءت نِتاجًا لصعود خطاب الفردانية، وهو خطاب خلاصيّ

يُحمّل المسؤولية للفرد، ويجعل الخلاص والخسران وتبِعات اختياراته من صنع المرء، ويتحمّل وحده مسؤوليتها. ويقول زيجمونت باومان Zygmunt Bauman (2017–1925) في هذا الصدد: "أما عالم 'الحداثة السائلة'، فلم يحدّد هذه البدائل، ولم يحاول إبعادها. وهذا يتجلّى في العبارة الشهيرة الجذابة التي قالتها مارغريت تاتشر: 'لا يوجد شيء اسمه المجتمع'. فهذه العبارة كانت تعليقًا ذكًّيًا على الطبيعة المتغيرة للرأسمالية، وإعلانًا بنيّاتها وخططها، ونبوءة تحقق نفسها، فقد تبع

هذه النبوءة تفكيك شبكات الحماية المعهودة، مما ساعد كلمات النبوءة أن تتذرّع بجسد على أرض الواقع. إن عبارة 'لا مجتمع' تعني أنه لا توجد يوتوبيا ولا غيرها، أو كما يقول بيتر فردناند دراكر Peter Ferdinand Drucker (2005–1909): "'لم يعد يوجد خلاص على يد المجتمع' – في إشارة (ضمنية) إلى عدم إمكانية تحميل المجتمع تَبِعة اللعنة والخسران؛ فالخلاص والخسران كلاهما من صنع المرء، ولا يهتم بهما إّلا هو وحده، إنهما محصلة ما يفعله المرء، الفاعل الحر، بحياته كما يشاء". وهذا التذمّر من النزعة الفردانية هو نابع من عدم قدرة هذا التوجّه لبناء مجتمع على أرضية صلبة، أو كما يعبّر عن ذلك باومان "وطريقة البناء هذه لا يمكنها أن تنتج سوى مجتمعات

واهية وعابرة [...] إنها مجتمعات المخاوف المشتركة والهموم المشتركة أو الضغائن المشتركة، لكنها على كل حال مجتمعات 'غير مترابطة مع مركزها وجماعاتها'. فهي مجرد لقاء لحظي حول شماعة يعلّق عليها أفراد انفراديون كثيرون مخاوفهم الفردية الانفرادية". فيمكننا أن نلخّص هذه القراءة بما قاله أيضًا باومان: "باختصار، يبدو أن الوجه الآخر لسيرورة النزعة الفردية إنما هو تآكل المواطنة وتفكّكها البطيء". تمظهر هذا التوجّه الفرداني، أو "الشكل الاجتماعي المفرط في الفردية" Hyper–individualiste، كما يقول إيمانويل تود أيضًا في المجال الاقتصادي (هناك من يرى أنّ النزعة الفردية هي نتاج

(3((زيجمونت باومان، الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر، تقديم هبة رءوف عزت (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016)، ص.117–116 ((3(المرجع نفسه، ص.84 ((3(المرجع نفسه، ص.84–83

(36) Emmanuel Todd, Aprés l’empire; essai sur la décomposition du systéme amércain (Paris: Gallimard, 2002), p. 48.

((3(لفهم ارتباط مفهوم الفردانية بقيمتي الجدارة Mérite والنجاح Réussite، ينظر:

Axel Delmotte, La civilisation Américaine (Levallois–Perret: Groupe Studyrama, 2006), p. 59.

للعولمة، قيم السوق، وزحفها على باقي مجالات الحياة الاجتماعية الثقافية وحتى السياسية) في برامج فن الإدارة وموضة "التنمية البشرية". وقد أشار أيضًا باومان إلى هذا العنصر في سياق حديثه نفسه

عن صعود النزعة الفردية، وتناول بالتحليل كتاب وداعًا للاعتماد المَرضِي على الآخرين Codependent No More للكاتبة ملودي بيتاي Melody Beattie وهي تعرض نصحها لقرّائها "أقصر طريق للجنون

هو أن نهتم بأمور الآخرين، وأقصر طريق لسلامة العقل والسعادة هو أن نهتم بأمورنا الخاصة". وتتناول بيتاي وجين فوندا Jane Fonda أيضًا موضوع الاهتمام والانهمام بالذات Le souci de soi بالنمط نفسه، كما يقول باومان: "وتحاول فوندا تأكيد فلسفة حب النفس في ثوبها ما بعد الحداثي". وتدفع هذه الكتابات كلها الإنسان والقارئ من خلال قصص وسير الحياة الموجودة في هذه الكتب، "إلى البحث عن نماذج لا عن قادة"، أي البحث عن النموذج المثالي الذي يُراد أن يُتّبع في هذه

الكتابات، من دون الاصطفاف وراء قيادات، وهو ما يعني تفكيكًا مخاتلًا ومغريًا (بقصص وسير الحياة

المحبوكة على نحو درامي وحِرفي) لنموذج النضاليّة القائم على العمل المشترك من أجل تغيير الوضع

السائد، أي تغيير النظام. برزت هذه القيم التي تتعلق بالخلاص الذاتي عبر النجاح الفردي، في الأول داخل اختصاص فنّ إدارة الأعمال، وهو ما يسمى بقيم المناجمنت Management، ويقود غالبية حصص ودروس التنمية البشرية التي نجدها في الكثير من الفيديوهات، ويقوم بها اختصاصيون في فن الإدارة والتسويق، التي جرى استيرادها في العالم العربي، ودخلت المربّع الإسلامي على يد إبراهيم محمد السيد الفقي

(2012–1950) وطارق سويدان (ودخلت في مؤسسة الأزهر عبر كتابات محمد الغزالي السقا (–1917 1996))، وهم مجموعة مؤثّرة من الدعاة الذين تبنّوا رؤية التنمية البشرية الأميركية المتمركزة حول القيم البروتستانتية التي تركّز، كما قلنا، على النجاح الفردي الدنيوي والسعي للثروة. واشتهر هؤلاء الدعاة بإضافة يقدّمونها على مستوى نوع الخطاب، وهو إعطاء مسحة إسلامية لهذه القيم، وهو ما يسميه هايني أسلمة قيم المناجمنت l’islamisation du management، أي إعطاء أصل إسلامي لهذه القيم وسند من خلال النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، ويحمل هذا الخطاب مسلّمات ضمنية، يُفهم من

خلالها أنّ جوهر الإسلام يتوافق ويتناغم مع هذه القيم البروتستانتية المنشأ، حيث ترَّوَج فكرة رئيسة،

وهي أنّ خلاص المسلمين والأمة هو خلاص فردي، واعتُمد هذا الخطاب استراتيجية للقطع مع الرؤية

القديمة التي ترى خلاص الأمة الإسلامية، متمثّلًا في الأفكار التي أُسّست عليها الحركة الإسلاموية في

بدايتها، وهي: الخلافة، وتطبيق الشريعة، والبديل الحضاري.

((3(يرى طه عبد الرحمن أن بروز دينامية "العولمة النيوليبرالية" ينطوي على هيمنة استراتيجية أميركية تقوم على مبدأ سيطرة الاقتصاد على حقل التنمية، ومبدأ سيطرة التقنية في حقل العلم، ومبدأ سيطرة الشبكة في حقل الاتصال (الشبكة تفرض بنعومة

علاقات أفقية عوض العلاقات العمودية). ينظر: طه عبد الرحمن، روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص.81–79 ((3(باومان، ص.117 ((4(المرجع نفسه، ص.119 ((4(المرجع نفسه، ص.124

توسعت ظاهرة إسلام السوق بسرعة كبيرة انطلاقًا من النصف الثاني من التسعينيات، وذلك نتيجة لعوامل أربعة: 1. نموّ مجال التديّن الفرداني والتخلّي عن المشاريع الجماعية الكبرى والحالمة. 2. استبدال التفاعل الكلاسيكي بين الديني والسياسي، بتفاعل جديد بين الديني والاقتصادي، ما وفّر له روافع جديدة مثل السّوق ومبادئ تحقيق الذات. وهذا أنتج لاهوتًا جديدًا يمكن تسميته

"لاھوت النجاح"، وھو أقرب إلى العناصر الأخلاقية البروتستانتية منه إلى الإسلاموية التقليدية. 3. تنامي روح المؤسسة وانتعاشها في مساحة الِّدِيني، وقيم النجاح وتحقيق الأهداف، ما حوّل

فهم الإسلام من بردايم الصراع إلى بردايم التشبث بالنجاح وفن تسيير العامل البشري، وتحقيق أفضل النتائج داخل المؤسّسة. وھذا ھو جوهر "ثقافة المناجمنت"، التي خلقت سرديّة كبرى

جديدة، تقوم على ثلاثي الطموح والنجاح والثروة. 4. تسييس الإسلام من غير الإسلاميين، أي على أسس نيوليبرالية لا على أسس إسلامية عتيقة، والتخلّي عن مطلب الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة. بل هنالك مطالبة بخصخصة الدولة وبناء مجتمعات مزدهرة، وهي مطالب في قلب "ثقافة المناجمنت" التي هي عبارة عن دمج لثلاثة مجالات، الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم النفس، من أجل مزيد من الارتقاء بالعامل الإنساني في الإنتاج عبر التحفيز والقيادة الرّشيدة وحسن التخطيط والتنفيذ. لقد ساهم هذا الخطاب وهذا التوجّه في خلخلة العلاقة القديمة بين التنظيمات الإسلاموية، وأساسًا

الإخوانية، حيث ينظر هذا التوجّه الفكري إلى العلاقة بين الفرد والتنظيمات السياسية كعلاقة قائمة

على الهيمنة والخضوع، وهو خطاب يجد آذانًا صاغية داخل التنظيمات الإسلاموية، ويجد تأثيرًا لدى

القواعد. وصارت أحلام المتأثرين بهذا التوجّه والخطاب وطموحاتهم منفصلةً عن النماذج السياسية

الكبرى ومرتبطةً بالنماذج التي تتعلّق بالنجاح الاقتصادي الموجودة بصفة مكثّفة في كتب التنمية البشرية. فالطموح صار هنا لَصيق المجال الاقتصادي، وليس المجال السياسي، وهي النقطة التي أشار إليها هايني في العديد من المرّات، وهي التملّص من عالم السياسة نتيجة لتحييد الدعوة عن

الفعل السياسي، وهذا التملّص راجع، في تقديرنا وفهمنا أيضًا للكتاب، إلى سببين هما: أولًا، الرؤية

التي أصبح المجال الاقتصادي (مع الانفتاح على العولمة) يحملها، كمساحة أرحب وحاملة لفاعليّةٍ

ومرونة أكثر، ومن ثمّ قابليّة تأثير ما هو اقتصادي في المجالات الأخرى، تكون أكثر. يحمل المجال

الاقتصادي أدوات ووسائل سلطة/ قوة للتأثير في المجال السياسي، خاصّة مع عولمة السوق. وثانيًا،

سبب ضيق أفق المجال السياسي هيمنة الدول وأنظمتها ما بعد الكولونيالية على الحقل السياسي، وهو شكل من أشكال الاستبداد الذي لا يسمح لكلّ الفاعلين بممارسة السياسة إّلا بعد الخضوع إلى جملة من الشروط، حيث تلغي هذه الشروط في الغالب حاملي الرؤية الإسلاموية، وذلك لعدم تطابق هذه

(4((استخرج القفصي هذه العوامل الأربعة من كتاب هايني إسلام السوق، وقد دوّنها في: القفصي، ص.351

الرؤية مع نموذج الدولة والنظام الما بعد استعماري المستوحى من النظم السياسيّة الحديثة (غالبيتها

ذات توجهات اشتراكية). لقد حاولنا توضيح نقطة مهمة في هذا العنصر، تتعلق بالكيفيّة التي صاغت فيها قيم المناجمنت ملامح

الفكر الجديد، كما يقول هايني: "لم يعد الأمر متعلّقًا بإصلاح النفس فحسب بل أيضًا بالتكيّف مع

مطالبها، وعرض منتج إسلامي يتناغم مع تطلّعات جمهور يشعر بالارتباك في مستنقع المجتمعات الاستهلاكية الذي يقتضي تقديم بعض التنازلات. يعني هذا، عمليًا، عدم التطرّق إلى القضايا الكبرى

في الخطاب الكلاسيكي للإسلام السياسي التي حُكِمَ عليها jugées بأنّها مُعقّدة جًّدًا، ومن ثمّ يُستعاض

عنها بموضوعات تشير إليها، أو تحلّ محلّها". فقد أورد هايني أمثلة مهمّة عن تجسّدات هذا النوع

من التأقلم أو التكيّف مع قيم السوق المعولم، وذلك في التمازج أو التركيب والتوليف الذي صار بين

الأناشيد الإسلامية وإيقاعات عالمية كالراب Rap (وهو ما قلّص من حضور الطابع الهوياتي في هذه الأناشيد)، والتعديلات أيضًا التي جرى إدخالها في الحجاب والتقليص من حجم تطابقه مع الحجاب الذي يرمز إلى الحشمة والحياء (كما تمّت صياغتها في الفقه الإسلامي). وهي أمثلة مهمّة تساعد

القارئ في فهم كيفيّة تأقلم المنتج الإسلامي مع قيم السوق المُعولم. ولعلّ هذه الأمثلة تقدم لنا لمحة

عن استراتيجية التأثير في التنظيمات الإسلاموية المتشبّثة بتصورها القديم حول الإسلام؛ وذلك،

لأن هذه البضائع سيتمّ تسويقها أيضًا على المستوى المحلّي، ولها القدرة عبر هذه المنتوجات، كما عبر

خطاب المناجمنت، على التأثير في الجيل الجديد لهذه الحركات الإسلامية. فما هي، إذًا، استراتيجية الفعل والتأثير التي اعتمدها دعاة إسلام السوق في التأثير في التصوّر القديم للرؤية الإسلامية؟

رابعًا: استراتيجية تأثير دعاة إسلام السوق في التصوّر القديم للحركة الإسلاموية

1. استراتيجية التأثير للجيل الجديد من الإسلاميين بعد أحداث 11 سبتمبر 2001

إنّ التصوّر القديم للحركة الإسلاموية، في جزء منه مرتبط بالمجال/ الحقل السياسي، لكنه في الوقت

نفسه له جذور في الثقافة العميقة في العالمَين العربي والإسلامي، تتعلّق بتطبيق الشريعة والقضايا

المرتبطة بالحلال والحرام، واستراتيجية الفعل والتأثير لدعاة إسلام السوق تستعمل أدوات متطوّرة في

التأثير، ولعلّ أبرزها البرامج الموجودة عبر الفضائيات (منذ عام 2001–2000 في قناة اقرأ الفضائية)، وفي قنوات يوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي أيضًا في ما بعد. فهذا التأثير شمل المجتمع، وذلك في المدة 2000 – وقت قيام ثورات الربيع العربي (2011–2010)، وهي مدة مهمة لفهم التحّولّات

الثقافية والاجتماعية، حيث تراجع تأثير الإسلام السياسي في الخطاب السياسي، بحكم تضييق الأنظمة السياسية العربية على فاعليه، ومن ثمّ، تقليص حضورهم ووجودهم سياسًّيًا، وهو ما أتاح لفاعلي

(43) Haenni, p. 41.

((4(أو ما صار تسميته في العلوم الاجتماعية "التصوّر الكلاسيكي"، ونحن نختار كلمة قديم في غالب الأحيان، كي نتحاشى

السقوط في الأحكام المعياريّة، والقديم في مقابل الجديد، فليس القديم بالضرورة أسوأ من الجديد، والعكس بالعكس.

إسلام السوق الوجود بعد أن مُنحت لهم فرصة كبيرة للتأثير من خلال الشاشة، ومن خلال مواقع التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت. كان لتراجع حضور التصوّر الكلاسيكي للإسلاميين في الخطاب السياسي أو تقلّصه، دورٌ أيضًا في

تشكيل وعي الجيل الصاعد في فترة ما بعد عام 2000، وما بعد أحداث 11 سبتمبر، في بناء وعي إسلامي متخفّف من التصوّرات الملتصقة بفكرة الخلافة وتطبيق الشريعة والبديل الحضاري من الحداثة. وهو

ما هيّأ الوضع لفئة مهمّة من الشباب للالتحاق بدعاة الإسلام الفرداني الذي يركّز على الفرد والانهمام

بالذات وتحقيق النجاح والتخلّص من المظاهر الانحرافية التي سببها البخل والكسل والتعويل على الآخر (هذا الآخر يمكن أن تكون الدولة، ويمكن أن يكون أي شخص) ولا يتصادم مع أي سلطة متجسّدة أو متعيّنة على أرض الواقع (لا الغرب ولا الكيان الصهيوني ولا حتى الأنظمة العربية). فهذا

اللاتصادم هو الذي فتح المجال لهذا التديّن الفرداني للوجود في سوق القنوات التلفزيونية على نحو مكثّف، كبرامج عمرو خالد ("صُنّاع الحياة"، و"نلقى الأحبّة"، و"إسلامنا"، و"حتى يغيّروا ما بأنفسهم")،

وطارق سويدان ومصطفى حسني أيضًا، وقبلهم جزء من أعمال الفقي. إنّ أسباب تراجع الصورة التقليدية للإسلام السياسي، كما يراها هايني، على مستويين: أولًا على مستوى تكاثر المستائين داخل الحركة الإسلامية، وهم الفئة التي تنتقد روح الطائفية والمبادئ الصارمة التي تحكم العلاقات داخل التنظيم. وثانيًا المنافسة التي أصبحت تواجهها الجماعات

الإسلامية على ديناميات الأسلمة مما يسميهم المتعهّدين Entrepreneurs الدينيين الجدد، وهم متعهدون أقل اهتمامًا بالنماذج السياسية الكبرى ومتخلصون من الهاجس النضالي، أما خطابهم، فيتمحور حول ضرورة النجاح الفردي وبناء شخصية الفرد الناجح والمستقلّ بأفكاره عن التنظيمات السياسية، وهو نمط من التديّن غير المسيّس أو المتملّص من السياسة، لكنه يستند إلى قيم

المناجمنت) وهي كما يقول هايني نتاج عملية "برجزة" داخلت عملية الأسلمة)، يرى الكاتب أنّ تراجع المصفوفة Matrice الإسلاموية راجع أيضًا إلى تحّولّات على مستوى البرجوازية العالمية،

حيث يقول: "فالمصفوفة الإسلاموية التي كانت، إلى وقت قريب، مسؤولةً عن إنتاج نظام المعنى في نطاق حركة الأسلمة، تتراجع تزامنًا مع تصاعد دينامية الحراك الاجتماعي Mobilisation sociale للبرجوازية الكوزموبوليتانية وطبقات التجّار المتدينين الذين يعودون إلى مجال الأعمال، ويعملون

على إعادة تحديد المعروض الديني بما يتماشى مع آمال دنيوية يحملونها بالسليقة، ما أدّى إلى توثيق العلاقة بين الديني والاقتصادي". نلاحظ من خلال كلام هايني أنّ دعاة إسلام السوق ينقسمون صنفين: صنف ما يطلق عليه الإصلاحي أو الحداثي، الذي لا يرى تناقضًا أو تعارضًا بين قيم الإسلام وقيم الحداثة، والصنف الثاني "الإسلاميون الممتعضون" Contrariés. وسنشرح لاحقًا ما الذي يقصده به.

(45) Haenni, pp. 36–37. (46) Ibid., p. 71.

لا يعتمد دُعاة إسلام السوق/ التديّن الفرداني، في أسلوب دعوتهم على المنطق الصدامي، ليس مع

السلطة السياسية فحسب، بل حتى مع الفكر الإسلاموي أو الإخواني، فهو لا يضع نفسه بديلًا من الفكر الإخواني، بل باعتباره حاملًا لاستراتيجية ومشروع خاص، لا يقيّم ذاته على أنقاض الفكر المخالف،

وهذا الاهتمام بالجانب الدعوي هو الذي جعله يكون محايدًا مع كلّ فكر حامل تصوّرًا سياسيًا شموليًا

(فحتى عمرو خالد أسس حزب "مصر المستقبل" في عام 2013 واستقال في السنة نفسها، لأنه يريد الاهتمام بالدعوة)، ولا يسعى للتصادم معه ولا مع مقولاته الفكرية، وبهذا نجح في تشكيل فئة واسعة من المتعاطفين ومن حاملي وعي التديّن الفرداني، فضَعُفَ نسبًّيًا جمهور الإسلام السياسي، خاصّة بعد

أحداث الربيع العربي، حتى وصل هذا الضعف إلى الجسم السياسي للإخوان المسلمين. لكن، كيف استطاع فكر إسلام السوق أن ينفذ إلى الجسم السياسي التنظيمي لحركة الإخوان المسلمين؟

2. استراتيجية التأثير لدعاة إسلام السوق في التنظيمات الإسلامية

بعد ثورات الربيع العربي التي اندلعت في كانون الأول/ ديسمبر 2010 في تونس، صعد، في البلاد، الإسلام السياسي المتمثّل في حزب حركة النهضة، عقب انتخابات تشرين الأول/ أكتوبر 2011، وبعد شهور قليلة تقريبًا، صعد ممثلو حركة الإخوان المسلمين في مصر إلى سدّة الحكم، فكانت

مناسبة تاريخية لرجوع الإسلام السياسي الذي يقدّم نفسه بديلًا من باقي الأحزاب العلمانية أو اللائكية Laïcité، وكانت حمولة المعطى الديني في الخطاب السياسي متصاعدة، إلى درجة أنّ هذا الخطاب تقاطع في البداية مع الحركة السلفية في المنطقة، وتمّت تهيئة هذه الظروف كلّها لإضفاء المشروعية

على خطاب تطبيق الشريعة لحركة الإخوان المسلمين، وحتى حركة النهضة في تونس، فحتى الصراع على الدستور ومصادره في تلك اللحظة التأسيسية، كان له دور في فهم مدى شعبية حركة الإسلام السياسي في البلدان التي اندلعت فيها الثورات، وكانت أيضًا فرصة لفهم التحّولّات الداخلية التي

طرأت على الحركة الإسلاموية عمومًا. ما يهمّنا في هذه التحولات هو مدى تأثير خطاب التديّن الفرداني الذي يعتمد على قيم المناجمنت،

فالإسلامويون الإصلاحيون Reformistes المتصالحون مع قيم الحداثة كما يسميهم باتريك هايني، كان لهم دور في التخفيف من عقلانية التنظيم القديمة التي ترى في المرشد العام للإخوان المسلمين، أو في رئيس حركة النهضة، مثلًا، شخصية تمّت مبايعتها وتستوجب السمع والطاعة، بل على خلاف

ذلك، تحوّل المرشد إلى رتبة تحمل مهماتٍ وأدوارًا، قد يتم التخلّي عنه، إذا تقاعس عنها، وقد يتمّ

((4(حاولت حركة النهضة التونسية التخلص من وصم الإسلام السياسي، وذلك بالاعتماد، في تجميل واجهتها، على استقطاب بعض رجال الأعمال الناجحين وتقديم بعض قياداتها باعتبارهم رموزًا للنجاح الاجتماعي. ومن بين هؤلاء: حاتم بولبيار الذي شغل

عضوية مجلس شورى حركة النهضة في المدة 2019–2011 (تاريخ تقديمه استقالته). في عام 2001، شغل منصب العضو المنتدب لمجموعة شركات Global Expertise Telecom Wireless الناشطة في تونس والجزائر والمغرب وليبيا والعديد من دول غرب أفريقيا، وهي شركة تعمل على برمجة قواعد بيانات شركات الاتصالات في تونس. ومن بين رجال الأعمال الناجحين الذين تقرّبت منهم

حركة النهضة أيضًا رجل الأعمال التونسي المعروف محمد فريخة، صاحب شركة سيفاكس إيرلاينز للطيران والنقل الجوي ومدير

عام لشركة تلنات. وقد شغل فريخة عضوية مجلس نواب الشعب في دورته النيابية الأولى في المدة 2019–2014، ضمن كتلة حركة النهضة.

تغييره في انتخابات مجلس الشورى (في تونس وجدت لائحة تحمل أسماء أكثر من 100 منخرط في حزب حركة النهضة وفيهم شخصيات مؤثرة داخل الحركة ونواب في مجلس النواب، يعترضون على مواصلة رئاسة راشد الغنوشي لها، في أيلول/ سبتمبر 2020). كما أنّ ما يسميه هايني الإسلاميين الممتعضين Contrariés، كان لهم دور أيضًا في تحويل نظر بعضهم للتنظيمات السياسية، بالتركيز على

الجانب المهيمن للتنظيم السياسي، "فالإسلامي الممتعض" هو "غير راضٍ عن طريقة عمل التنظيمات التي يناضل ضمنها، فهو ينأى بنفسه عنها، من دون أن يغادرها، ويحافظ في الوقت نفسه على تديّنه

العميق". فالممتعض هو ذلك المستاء من بعض الممارسات الهيمنية التي تفرضها في بعض الأحيان التراتبية الهرمية داخل التنظيم السياسي، وهو في الوقت نفسه لا يستطيع الخروج من التنظيم السياسي بحكم انجذابه/ ارتباطه الهويّاتي ل/ بالمشروع السياسي لهذا الحزب، وهذا الاستياء هو الذي

حوّل بصورة خفيّة بعض الممارسات، خاصّة حينما تتسرّب وتخرج إلى الرأي العام الإعلامي، فيتم

تحويلها إلى موضوع للنقاش، أو الاستياء الناتج من خروج بعض الذين انتموا إلى الحركات الإسلامية واستاؤوا من بعض ممارسات تعكس، بحسب رأيهم، أخلاقًا غير إنسانية. كما يقول هايني: "اليوم، ومن جاكارتا إلى القاهرة، مرورًا بالخليج، من الإصلاحي التحديثي، إلى

'الإسلاموي الممتعض'، وصولًا إلى تخوم بعض السلفيين، تُبذل الجهود لوضع الديني في انسجام مع نظريات 'المناجمنت' وبناء الذات. تلك النظريات التي باتت تستهدف، أكثر فأكثر، الذوات والمعتقدات والقيم". إذًا، هناك تحالف غير معلن أو غير منَّسَق بين الإصلاحي والإسلاموي

الممتعض، حيث يلتقيان في هذه النقطة التي تتعلق بتحّولّات سوسيوسياسية داخل تنظيم الإسلام

السياسي، وأدخلت جملة من التحّولّات على مستوى علاقة الأفراد أو الفاعلين داخل التنظيمات

الإسلاموية، وهي تحّولّات أفرزت في الأخير تنظيمًا سياسًّيًا متماهيًا مع الأشكال الكبرى للتنظيمات

السياسية الحديثة، حيث تبرز الاختلافات بين الأعضاء على قاعدة الرُتب السياسية التي تحمل أدوارًا

سياسية، كما سطّرتها الحداثة ولا علاقة لها بالمرجعية الدينية. لكن هذا التغيير على مستوى شكل التنظيم السياسي أثّر في مضمون الخطاب السياسي للحركة الإسلاموية، حيث فرض عليها التخفّف أو حتى التخلّي عن النضال من أجل تطبيق الشريعة عند الوصول إلى الحكم، وقد كان ذلك بتعّلا ت مختلفة في مرحلة التنصيص على مصادر تشريع دستور عام 2014 (الشيء نفسه في مصر). وهو ناتج، كما يقول ناثان براون Nathan Brown في حديثه مع ناشط في حركة الإخوان المسلمين: "بأنه 'دولنة جماعة الإخوان' – أي ميل الحركة المتزايد إلى النظر إلى المجتمع المصري من وجهة نظر المؤسّسات

الحكومية التي بدأت تتولّى هي إدارتها". يعني ابتلاع الدولة ورؤيتها للفاعلين السياسيين للإخوان ولحزب الحرية والعدالة، حتى أصبحوا بلا مشروع خاص، وبممارسات ومواقف لا تعكس الهوية المرتبطة بالمرجعية الدينية. فتتحوّل حركة الإخوان المسلمين إلى ظاهرة خطابية بلا مضمون، وتقف

(48) Haenni, pp. 17–18. (49) Ibid., p. 71.

((5(ناثان براون، "الإسلام والسياسة في مصر"، مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط، 2013/4/23، شوهد في 2024/7/29،

في: https://2cm.es/I3Jo

حدود الإسلام هنا عند حدود الخطاب السياسي. فما الذي يجعل الإسلاميين منجذبين إلى خطاب يتضمن قيم المناجمنت؟

خامسًا: دوافع الانجذاب إلى خطاب إسلام السوق وقيم المناجمنت

في معرض حديث هايني عن الحماسة الإسلامية لقيم المناجمنت، طرح سؤ لًا لافتًا: لِمَ يهتم

المسلمون بمفاهيم مثل النجاح أو الإنجاز أو التحقق؟ وقد ردّها إلى أسباب ثلاثة: الأول، تقاطع فكرة الجهاد الأكبر (جهاد النفس) مع فكرة الاعتناء وتقوية النفس لستيفن كوفي Stephen Covey (2012–1932). ثانيًا، قدرة هذا الخطاب على الهروب من قبضة السلطة السياسية بحكم أنه يمثل

إجماعًا توافقيّا. ثالثًا، سمحت هذه الأدبيات باكتساب رأسمال ثقافي وتحويله "إلى خطاب عام يتطور

مع تطور الدعوة وحركة الإصلاح الاجتماعي". في الحقيقة، قد يوجد، بحسب تقديري عنصر آخر مهم داخل التصوّر الإسلامي، يتعلق بالبعد الكوني للرؤية الإسلامية، يعني الرؤية الإسلامية غير

المتصالحة مع الحداثة إجم لًا، وهي رؤية تطمح إلى العالمية. لكنها عالمية تستند إلى الوحي، لا إلى العقلانية، كما جاء بها المحدثون في الغرب. يقول برتران بادي Bertrand Badie في هذا الصدد، وهو في معرض مقارنته الفروق التي تميّز الثقافة الهندوسيّة من الثقافة الإسلامية في مضمون البعد

الكوني/ العالمي: "أما الثقافة الإسلامية، فإنها تستند إلى رؤية مختلفة. فهي منفتحة على ثقافة الآخر طالما أن تحديد ذاتها بالنسبة للكوني يستند إلى الوحي؛ لكنه انفتاح يقوم إما على دعوتها الدينية التي تقودها نحو التصدير أكثر من الاستيراد، وإما على تعايش مؤقت مع عالم آخر لا تعترف له على أي حال بأنه حامل للكونية". يمكن إضافة هذا البعد باعتباره سببًا أو عاملًا من ضمن عوامل جذب الإسلاميين إلى خطاب

المناجمنت، التي يمكن إضافتها إلى العوامل الثلاثة التي ذكرها هايني. فللبعد العالمي الذي يسكن التصوّر الإسلامي العتيق/ التقليدي، والذي يستند إلى الوحي، دورٌ مهٌّمٌ في جذب الإسلاميين إلى قيم

المناجمنت التي تبدأ بخطاب تقوية النفس والاعتناء بها (الذي يتقاطع جوهريًا مع حديث جهاد النفس

والاعتناء بها)، ثم تصل إلى حد تقديم هذه القيم باعتبارها قيمًا كونية، إضافة إلى أنّ قيم المناجمنت

لا تتصادم مع الدين، وليس عندها مشكل في إضفاء شرعية دينية على هذه القيم (على عكس قيم الحداثة التي تقوم على اللائكية وإقصاء الدين مصدرًا للتشريع الأخلاقي والقيمي للمجتمعات

الحديثة)، هذا التقارب بين الكوني المتأتي من قيم المناجمنت، والإسلام، هو تقارب قائم على قبول العولمة لعودة الدين إلى داخل نظرية التقاطع (كما سنوضح ذلك)، بينما لا يقبل الكوني الأوروبي بالدين إّلا في مجال الحياة الخاصة، وتقبل العولمة عودة الديني في المجال والفضاء العام، لكن

(5((حسام تمّام وباتريك هايني، "ملحق أسلمة (المنجمنت)؛ في قيم التحقّق الفردي عند الإسلامييّن"، في: هايني، ص.206

(5((برتران بادي، الدولة المستوردة: تغريب النظام السياسي، نقله إلى العربية لطيف فرج، مراجعة عومرية سلطاني (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2017)، ص.175

بشروط داخل نموذج المجتمع المفتوح (المفهوم لكارل بوبر Karl Popper (1994–1902) الذي بلورته من الناحية المنهجية نظرية التقاطع Intersectionality)، فنموذج "المجتمع المفتوح يحمي التنوع الثقافي والعرقي، مع البنية التحتية للحقوق المدنية والإنسانية الملائمة". ينتقد بوبر في كتابه الذي أبرز فيه ملامح المجتمع المفتوح، بشدّة، تصوّر هيغل لمفهوم روح

الشعب النابع من النزعة الرومانسية القومية التي تُعلي من شأن أعراق بعينها، والتي توكل إليها مهمة تأسيس الأمة الروحية الجرمانية. يعتبر بوبر فلسفة هيغل والفلاسفة الألمان القوميين الذين نظّروا لنموذج الدولة الأمة القومية، مجرّد تصوّرات كليانية، تقوم على إعادة إحياء النزعة القبَلية الجديدة

New Tribalism. تعارض النزعة العرقية القومية فكرة الحرية Freedom بفكرة المصير المشترك للأمة وتحدّها بالأمن، أي الأمن الذي توفره الدولة – روح الشعب – لحماية أفراد الأمة من الخطر الخارجي أو الآخر. يعتبر بوبر هيغل من بين أشد المعادين للنزعة الفردية، فالفرد في فلسفته هو أداة لتحقيق المجد والانتصار للأمة، حتى وإن كان هذا على حساب طموحاتهم الذاتية. فالحرية Liberty لدى هيغل محددة بالقانون الذي ينسج هندسة للأمن الاجتماعي وفق روح الأمة (القانون هنا سمة على المجتمع المنغلق بحسب تصوّر بوبر)، بينما يرى بوبر أن القانون هو الذي يجب أن يكون محِّدِدًا

ومقِّيِدًا للأشخاص جميعهم لضمان عدم طغيان القويّ على الضعيف. وهو سمة بالنسبة إليه للمجتمع

المفتوح (يقول بوبر: "يجب أن نخطط من أجل الحرية Freedom، لا من أجل الأمن فحسب، وإن لم يكن لأيّ سبب سوى أن الحرية وحدها هي التي تجعل الأمن مضمونًا)". هذا التوتر بين الذات

والجماعة داخل المجتمعات القومية المنغلقة بتعدد أشكالها هو مؤشر على توتر الحضارة الحديثة بأكملها. وفي هذه النقطة بالتحديد قدّم كتاب المجتمع المفتوح وأعداؤهلبوبر مقدمة نظرية دسمة، أثبت فيها مواطن ضعف الحضارة الحداثية وتوترها، وفي الوقت نفسه المرتكزات النقدية والنظرية لبناء نموذج المجتمع المفتوح والنموذج الأميركي بصفة عامة. إنّ كتاب حضارة كيف تأمركنا لريجيس دوبريه هو من الكتب التي يمكن أن تساعدنا في فهم النموذج الأميركي. فقد أوضح كيف صار الإنسان الاقتصادي هو الذي يقود الإنسان الديني والإنسان

(5((أنابيل موني وبيتسي إيفانز، العولمة: المفاهيم الأساسية، ترجمة آسيا دسوقي، مراجعة سمير كرم وزينب ساق الله (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2009)، ص.204 (5((إن إشارتنا إلى محتوى كتاب بوبر المجتمع المفتوح وأعداؤههي محاولة منا لتوضيح مفهوم "المجتمع المفتوح".

(55) Karl Popper, The O pen Society and Its Enemies (New Jersey–USA: Princeton Classics paperback edition, first printing, 2020), pp. 262–263.

((5(ميزت حنة أرندت Hannah Arendt (1975–1906)، في سبيل تحقيق هذه الغاية، بشكل حاسم، بين التحرر Libération والحرية Freedom فالتحرر هو عمل انعتاقي، ويعني التحرر من الاستبداد، في حين أن الحرية هي القدرة غير المقيّدة على المشاركة

في الحياة العامة، وفي المجال العام، من خلال حرية التعبير وحرية التجمع السلمي. نص مقتبس من: حميد دباشي، هل يستطيع

غير الأوروبي التفكير؟ ترجمة عماد الأحمد (ميلانو: منشورات المتوسط، 2016)، ص.196

(57) Popper, p. 398.

ينظر ((5:(

Régis Debray, Civilisation: Comment nous sommes devenus américains (Paris: Gallimard, 2017).

السياسي، وهي نقطة التحوّل التي تميّز هذا العصر، والتي تمثّل حضارة القرن الحادي والعشرين

وناموس الحياة الجديدة؛ إذ يقول: "إنها ليست انقلابًا، بل ضربة للدولة، حيث عزلَ الإنسانُ الاقتصادي Homo Economicus الإنسان السياسي Homo Politicus من مكانه الذي استمرّ طوال ثلاثة قرون

في تغطية أساطيرنا وموظفينا القليلين، وهو من أنزل الإنسان الديني Homo Religious قبل قرن عن قاعدة تمثاله. حوّل العالمُ المسيحي الدينَ إلى سياسة، وحوّلته الثورة الفرنسية إلى دين. وجعل عصرُ

المحاسبة من الاقتصاد سياسته ودينه في الوقت نفسه، وهي خلاصةٌ تستحق التأمل". في هذا المستوى من النقاش، يستفزّنا سؤال ملحّ، يدفعنا إلى مزيد من الفهم تجاه جزء مهم من التقاطعات أو التحالفات الجيوسياسية التي تقريبًا تعرفها غالبية متابعي الشأن السياسي العربي،

وهو وجود علاقة بين تنظيم الإخوان المسلمين والإدارة الأميركية. فالعلاقة هنا لا تقتصر على ما هو جيوسياسي، بل وصلت إلى حدّ انصهار جزء مؤثّر من الإسلاميين في قيم المناجمنت ذات الطابع الأميركي. فهل يمكن الحديث عن إسلام متأمرك، وليس عن إسلام السوق فحسب؟ يعني، إذا ذهبنا أبعد من كتاب إسلام السوق، وألقينا نظرة على النموذج الأميركي بأبعاده كلها، فهل يمكن القول إن إسلام السوق هو، فحسب، جزء من الإسلام المتأمرك الذي يتجسّد أيضًا في النواحي الأخرى

بخلاف الناحية الاقتصادية، من ثمّ، يوجد إسلام في الجندر (أي متماهٍ مع دراسات الجندر الأميركية)، وإسلام البيئة (المدافع عن قضايا البيئة)، وإسلام مناهض للعنصرية العرقية واللونية؟ لسنا هنا في مقام إعادة النقاش الذي دشّنه ميشيل فوكو Michel Foucault (1984–1926)، والذي يدور حول سياسة الحقيقة وسياسة المعرفة، وهل أنّ ما يوجد بالفعل حقيقة مستقلّة بذاتها، أم هي حقيقة كما تريدها سياسة معيّنة للحقيقة؟ وهل توجد معرفة، أم أنّ المعارف كلها على مرّ العصور محكومة بسياسة

محدّدة للمعرفة؟ لكن وجهة النظر الديكولونيالية هي التي تدفعنا إلى كشف العلاقة بين مضمون الخطاب وتحّولّاته، والأسس المعرفية/ الفكرية التي تتخفّى وراء هذه التحّولّات. لقد لفتنا هايني حول مشروع إعادة الأسلمة التي "لم تعُد تمهيدًا لإقامة الدولة الإسلامية أو تطبيق الشريعة، لكنها تبدو كإحدى قنوات عملية 'خصخصة الدولة'، بل وتصفية تجربة دولة الرفاه"، أي دولة الرعاية الاجتماعية

l’Etat de providence، وتقاطع صعود خطاب إسلام السوق مع برنامج Faith Based initiative

(وهو برنامج فدرالي يقوم على اعتمادات مالية مهمة لمصلحة الجمعيات والمنظمات الدينية، تنتدبها الدولة لتوفير الخدمات الاجتماعية للمعوزين والفقراء). ويعني هذا تقاطع خطاب إسلام السوق مع مشروع تخفيف الدولة من أدوارها الاجتماعية، وترك المجال للمنظمات الخيرية للقيام بذلك. إنّ هذا البعد الجيوسياسي لظاهرة إسلام السوق هو ما سنحاول أن نوضحه بأكثر عمق في المبحث الأخير من هذه الدراسة.

(59) Ibid., p. 39.

(6((القفصي، ص.367 (6((المرجع نفسه.

سادسًا: الإسلام السياسي والنموذج الأميركي وإعادة السحر إلى العالم

إنّ النموذج الأميركي أو الأمركة، هو، كما يقول بيير موسّو: "نمط حياة Modèle de vie مرتبط

بالاستهلاك وبالسلوك وبالثقافة وبطريقة التفكير"، ناتج، من جهة، من تطوّر تكنولوجي ارتبط على

نحو كبير بصناعة الصورة (صناعة السمعي البصري) Audiovisuel، وبعالم صناعة الصورة وصناعة المخيال Image / Imaginaire، وتحديد نمط إداري Management "ما بعد فوردي"، تكون فيه شركات الاتصالات Télécommunication هي الشخصية الرئيسة، في إشارة إلى نموذج هوليوود. ومن جهة أخرى، ناتجة من تطوّر في العلوم الإنسانية والاجتماعية، مثل التطورات الحاصلة في دراسات

الجندر والدين والأعراق والقوميات ضمن مقاربة أنكلوسكسونية احتوائية Assimilative تختلف مع المقاربة الفرنكوفونية الاندماجية Inclusive، يقول إنزو باتشي Enzo Pace في السياق نفسه، وفي معرض حديثه عن نمط إدماج الأعراق والأديان والجنسيات في النموذج الإنكليزي المشابه جدًا للنموذج الأميركي: "إذا كان من غير المتيسّر في النموذج الفرنسي إبراز حضور الإسلام في الفضاء

العمومي الذي يُعدّ أتباعه بالملايين، حيث الحرية الدينية مكفولة بشرط احترام تعاليم وقوانين الدولة،

دون مزج الهوية الدينية مع أصل بلد المأتى، أكانت الجزائر أم المغرب أم تونس أم تركيا أم السنغال، فإن العكس تمامًا نجده في النموذج الإنكليزي. بعبارة أخرى، في الوقت الذي لا يجري فيه الحديث

في فرنسا، بل وأيضًا في ألمانيا، بعد إصلاح القانون المتعلق بالجنسية، عن الجماعات العرقية، فإن ذلك المصطلح يبقى من مميزات قاموس سياسة المملكة، منذ انتهاء إمبراطوريتها الاستعمارية الكبرى وحتى اليوم". إن المقاربة الأنكلوسكسونية الاحتوائية تقوم على إيجاد مقاربة شاملة تستوعب الكل بمحو أشكال اللامساواة كلها القائمة على الجندر أو الدين أو العرق واللون، وكانت سببًا في ولادة مفهوم الحركات

الاجتماعية التي ترتبط بالنموذج الأميركي. فالمقاربة الاحتوائية تسمح مباشرة بقيام حركات اجتماعية، وتُنتج شكلًا من الديمقراطية القادرة على احتواء هذه المطالب كلها، وهو ما يسمى الآن الديمقراطية التمثيلية، أي شكل الديمقراطية التي تستطيع أن تمثّل الأنماط المطلبية كلها (القائمة على: الدين، الجندر، الجنس، اللون، العرق، المدافعة عن قضايا البيئة). تقوم المقاربة الاحتوائية للنموذج الأميركي، من الناحية السوسيولوجية، على نظرية التقاطع Intersectionality، وهي نظرية تقوم على "مزج أنواع اللامساواة الاجتماعية، بما فيها الطبقة

(62) Pierre Musso, Américanism et Américanisation: Du fordisme à l’hollywoodisme (Paris: Quaderni, 2003), p. 232. (63) Ibid.

6(((إنزو باتشي، الإسلام في أوروبا: أنماط الاندماج، ترجمة عز الدين عناية (أبوظبي: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث (كلمة)، 2010)، ص.60 (6((هذا النقد الموجّه إلى النموذج الاجتماعي الأميركي لا يرمي إلى الرجوع إلى النموذج الاجتماعي الأوروبي، كما هي الحال

لدى إيمانويل تود. ينظر: Todd, pp. 152–155.

والعرق/ الإثنية والجندر والإعاقة والحياة الجنسية، الأمر الذي يُنتج أنماطًا معقدة أكثر من التمييز السلبي في معاملة الناس، أكثر مما تسمح به التصورات المفاهيمية ذات البعد الواحد"، وأعادت هذه النظرية، بصورة غير مباشرة، القيمة إلى الدين، وسمحت بحق المتدينين في ممارسة عباداتهم في الفضاءات العامة، لكن على نحو لا يصادر حقوق وحريات الآخرين المختلفين عنهم جنسيًا وعرقًّيًا وجندرًّيًا، ضمن إيتيقا جديدة للفضاء العام. كما أنّ هذه النظرية تنتمي إلى حقل كتابات الدراسات الثقافية Cultural Studies، حيث يؤكّد المؤرخ مايكل دينينغ Michel Denning الذي قدّم توصيفًا مهًّمًا للدراسات الثقافية "بوصفها نتاج التلاقي بين 'اليسار الجديد' العابر للحدود القومية من جهة، والثقافة الشعبية المتفجرة في الستينيات من جهة أخرى"، فعودة الديني، أو ما يسمى بإعادة السحر إلى العالم Réechantement du monde لم تكن مناسبة لنهوض الدين على النحو الذي يتطابق مع التصوّر الإسلاموي Islamist للدين الذي يفرض الشريعة نمطَ عيش، ويقدم نفسه بديلًا حضاريًا من العولمة. وكما يقول هايني: "هكذا فإن فكرة 'إعادة السحر إلى العالم' تخفّف سريعًا من خلال تهميش المكوّنات خالصة التقديس في الرسالة التي يقدّمها المتعهّدون Entrepreneurs الدينيون، لأنهم مجبَرون على أن يصبحوا كونيين عبر إعادة الانتشار في ميدان الإيتيقا". فالإيتيقا كما أشرنا، في معرض تعليقنا على مشكلة الترجمة في المبحث الأخير من دراستنا هذه، هي المجال والأرضية الرخوة التي يتمّ فيها العبور من المحلّي إلى الكوني–الأميركي، عبر التخلّي عن اليوتوبيا الشاملة الإسلاموية Islamiste من خلال إعادة صوغ دلالات مفاهيم إسلامية، كمفهوم الجهاد. وقد عنون هايني الفصل الفرعي الثاني للمحور الأول ب "مخيال منزوع الطابع المحلّي" Un imaginaire délocalisé، فهذا الإسلامي الممتعض المثقف الذي "لا يحلم بالمشاريع الكبرى، بل يمثّل وسيطًا ثقافًّيًا لا يهتمّ بتقديم بديل (إسلامي) شامل، بقدر ما يهتمّ باستيراد مكوّنات تنتمي إلى

(((6 غيدنز وصاتن، ص.162 (6((للدراسات الثقافية في الولايات المتحدة، كما أثبت ذلك ري تشاو Rey Chow "أربعة موضوعات مختلفة نوعًا ما، مهمة جدًا

في تميّزها كأميركية. الأول هو النقد "ما بعد الاستعماري للتصورات الغربية للثقافات غير الغربية، الذي مهّد طريقها إدوارد سعيد في

كتابه الاستشراق. والثاني على منوال عمل غاياتري سبيفاكirtayaG kavipS الرائد، وهو عبارة عن اهتمام بالتابعين Subaltern، أي بتحليل كيف أن الجندر والعرق والآخرية الثقافية والطبقة تجتمع بغية تحديد التابعية. أما الثالث فعبارة عن تحليل "خطاب الأقلية"، أي الانتباه إلى الأصوات التعبيرية "للآخرين" المخضعين. والرابع هو اعتناق 'الهجمة'". مقتبس من:

Simon During, Cultural Studies: A Critical Introduction (New York: Routledge, 2005), p. 25. (68) Ibid., p. 14.

(6((يشير مصطلح "إعادة سحر العالم" إلى عملية إعادة إدخال القيم والمعتقدات والتجارب الروحية إلى الحياة اليومية والثقافة المعاصرة بعد فترة من "نزع السحر" الذي صاحب التحديث والعلمانية. يرتبط هذا المصطلح بتغيير النظرة العقلانية والعلمية البحتة التي سيطرت على العالم منذ عصر التنوير، وإعادة إحياء الرؤية التي ترى العالم مليئًا بالمعاني الروحية والرمزية. وتعود فكرة "نزع

السحر" Disenchantment إلى عالم الاجتماع ماكس فيبر الذي وصف كيف أن التقدم العلمي والعقلانية أديا إلى تراجع السحر والتصورات الدينية في تفسير العالم.

(70) Haenni, p. 53. (71) Ibid., pp. 18–22.

الثقافة الغربية، وإعادة صوغها إسلامًّيًا، "كالنضال الإسلامي لحماية البيئة"، و"النسوية الإسلامية"،

وهذا ما يمكن أن نعتبره نوعًا من الاحتواء الأميركي للإسلام، أو شكلًا من أشكال أمركة الإسلام، بسحب

قضايا عالمية وقضايا 'الدراسات الثقافية الأميركية'، وملئِها بدلالات دينيّة إسلامية، من خلال ضرب

من التأويل للنصوص الإسلامية، وفقًا للأفق الذي تطرحه قضايا العولمة، أو حتى من خلال شكل من أشكال تبسيط العلاقة بين الإسلام والحداثة، بالقول إنّ الإسلام والحداثة لا يتعارضان. وهو ما يتيح لنا كشف البعد النيوكولونيالي (كما أوضحنا في المبحث الأول من هذه الدراسة في معرض مناقشتنا الموقف النقدي لبراين تورنار لأطروحة فيبر وجاكسون) المخفي في هذا النوع الجديد من التأويلية. لم تكن الغايات التي ترمي إليها محاولة "إعادة السحر إلى العالم" خاضعة لمنطق السوق. وهذا ما يجعلنا نفهم أنّ أهداف عودة الديني إلى الحياة الاجتماعية والسياسية هي لغايات اقتصادية محض (مرتبطة بغايات اقتصادية محض) فحسب، بل توجد غايات جيوسياسيّة، أشار إليها أيضًا هايني في

آخر الكتاب، وقد وضع إصبعه على نقطة مركزية ومهمة حينما أشار إلى المبادرة القائمة على الإيمان Faith Based initiative وهي مبادرة للرئيس الأميركي جورج بوش الابن George W. Bush في أول سنوات إدارته (2000)، التي تصادفت عمليات تنزيلها على أرض الواقع مع أحداث 11 سبتمبر (ونحن نعلم كيف مثّلت هذه الأحداث نقطة حاسمة في إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للعالم وصياغتها). وقد ظهرت هذه المبادرة فكرة منذ منتصف الثمانينيات، تحت ما يسمى بنزعة المحافظة الرحيمية Compassionate Conservatrice التي تعني أنه يمكن حل المشكلات الاجتماعية في الولايات المتحدة عن طريق التعاون بين المؤسّسات الخاصة والمنظمات الخيرية والدينية، بدلًا من

إلقاء العبء على الحكومة وتحويل الموارد الاجتماعية للدولة إلى المنظمات الدينية التي يمكنها القيام بذلك على المستوى المحلّي. "يتمثّل هدفها الرئيس في إعادة تنظيم الدولة، بمعنى التقليل من حجمها من خلال مضاعفة إجراءات التخفّف Décharge (فيبر). فتمنح صلاحيات الدولة لأطراف أخرى خاصة ومستقلّة: على الرغم من أن هذا التيار قد يوصف عادة بالخصخصة أو التجديد، فإن المصطلح الأكثر ملاءمة هو التعاقد مع جهات خارجية Contracting out الذي يُستخدم للتعبير عن

الاستعانة بمنظمات ربحية أو غير ربحية، لتمويل خدمات حكومية طبقًا لاتفاقات تعاقدية". وقد أشار أيضًا إلى أنّ "التخفيف من أعباء الدولة البيروقراطية بتفعيل الميكانيزمات التقليدية للتضامن الإسلامي هو تحديدًا برنامج مفكّري حزب الوسط الجديد"، وبرنامج حزب العدالة والتنمية التركي أيضًا، وهذا ما يجعلنا نفهم نقطة التحالف الجيوسياسية بين الإدارة الأميركية والتوجّه الجديد

(72) Ibid., p. 18.

((7(يقدّم سيمون ديورنغ، أستاذ الإنسانيات النيوزيلندي توصيفًا للثقافة التي تدعو إليها الدراسات الثقافية، فيقول إنها "ثقافة

متحركة، متقلبة، متعولمة تعتمد على المبادرة الفردية وتوجّهها السوق"، ينظر: During, p. 17.

(74) Haenni, p. 92. (75) Ibid., pp. 92–93. (76) Ibid. (77) Ibid., p. 96.

للإخوان المسلمين والعدالة والتنمية في تركيا (على الأقل بحسب المثالين اللذين ذكرهما هايني في الصفحتين 93 و 96 من كتابه بالفرنسية، وهما المصري والتركي، الذي ينسحب أيضًا على تونس على الأقل)، حيث تريد الإدارة الأميركية أيضًا عولمة نموذج Faith Based initiative في دول العالم كلها، وبناء هياكل ومنظمات خيرية تشكّل آليات تضامنية وتراحمية، يكون الدين فيها عنصرًا

لبناء رابط اجتماعي تراحمي مع خطاب المسؤولية الفردية. فيصبح المواطن هو المسؤول عن حلّ المشكلات الاجتماعية لأخيه المواطن، بدلًا من مسؤولية الدولة (في نموذج دولة الرعاية الاجتماعية Etat de providence). فتعميم هذا النموذج هو الذي سيعين الإدارة الأميركية على تفكيك بيروقراطيات الدول، ويفتح من ثمّ الأسواق المحليّة على الخارج وعلى البضائع العالمية، فتستطيع حينها الشركات

العالمية أن تنفذ إلى الأسواق المحليّة بشكل مفتوح، وبلا أدنى قيود. ويتحقق حينها الحلم الأميركي،

وهو حلم عولمة البضائع الأميركية في كامل أرجاء المعمورة. نستنتج من خلال تحليلنا لظاهرة إسلام السوق وعلاقتها بالنموذج الأميركي أن معيارية التأويل للإسلام لدى دعاة إسلام السوق، خاضعة، بدرجة أولى، للترجمات الكولونيالية نفسها (التي تأخذ شكلًا واستراتيجيةً جديدين، كما أوضحنا في هذا المبحث) التي ناقشناها في المبحث الأول من هذه الدراسة. وهي ترجمة تدفع نحو التطابق والتناغم مع معايير الحضارة الأميركية وقيمها وتصوّرها

الجديد للعالم والوجود الإنساني المتمركز حول الفردانية وأشكالها الجديدة ما بعد الحداثية.

خاتمة: حالة "ما بعد الأسلمة": نهاية الإسلام السياسي أم الإسلام الحضاري؟

لقد حاولنا من خلال هذه الدراسة توضيح وإثبات البعد الكولونيالي في عمليات تحديث الخطاب الديني والممارسات الدينية الإسلامية المتناسقة مع التأويلات الجديدة للنص الديني، وتوضيح الكيفية التي يتجدّد فيها هذا البعد الكولونيالي، حيث يتّخذ صورةً مغايرةً ضمن حالة ما بعد الأسلمة مع حركة الإصلاح الديني، خاصة على يد الأفغاني وعبده، وصولًا إلى ظاهرة إسلام السوق، وذلك في بحثه عن التناغم مع قيم الحداثة الغربية والعولمة (خصوصًا قيم المناجمنت). وقد كان كتاب

إسلام السوقلهايني مناسبة ديكولونيالية مهمة لفهم التحّولّات الاجتماعية والثقافية للحركة الإسلامية

(الذي كان خطاب إسلام السوق أحد أهم عواملها) وفهم العلاقة التي تربط مضمون هذه التحّولّات مع

الأسس الفكرية التي تتخفى وراءها، والتي ترتبط عضويًا بالنموذج المجتمعي والنظرية السوسيولوجية

المتناسقة مع الحضارة الأميركية التي تمثّل هياكل العولمة واجهتها الثقافية والحقوقية والجيوسياسية. على الرغم من الفوز الكبير الذي شهدته حركات الإسلام السياسي في الانتخابات في بلدان الربيع العربي في عام 2011، فإن صعود الإسلام السياسي إلى الحكم، كان مناسبة مهمّة لفهم مدى جاهزيّة

هذا الأخير لخوض غمار السياسة، ولوضع المشروع الأيديولوجي أو الفكري على محكّ التجربة،

(78) Ibid., pp. 93–96.

ولفهم أيضًا مدى قدرة الأرضية الفكرية التي قامت عليها طروحات الإسلام السياسي على الصمود أمام التوجّه الإسلامي الجديد المرتبط بقيم العولمة والسوق، وهو توجّه يستند إلى شكل من التديّن

الفرداني الذي يرتكز على قيم المناجمنت ذات الصلة الوثيقة برؤية التنمية البشرية الأميركية (المتمركزة حول القيم البروتستانتية). إن النتائج الأبرز التي يمكننا استخلاصها من خلال هذه الدراسة هي: أولًا، أن حركة الإصلاح الديني في العالم العربي الإسلامي وظاهرة إسلام السوق تشتركان، وفقًا لقراءتنا الديكولونيالية، في تضمّنهما البعد الكولونيالي الذي يتغيّر ويأخذ لون الحضارة المهيمنة على العصر. فإذا كانت

"الإيتيقا البروتستانتية" (وهي سمة من سمات الحضارة الحداثية La civilisation moderne) هي البعد الكولونيالي الذي هيمن على مشروع حركة الإصلاح الديني (وهي أحد الأسس الفكرية العميقة لمشروع الحداثة الغربية)، فإن قيم المناجمنت هي سمة من سمات الحضارة الأميركية)، كما أوضحنا في تحليلنا النموذج الأميركي)، وهي البعد الكولونيالي الذي يمثل أحد الأسس الفكرية لظاهرة إسلام السوق. ثانيًا، أن نهاية الإسلام السياسي ترتبط بنهاية اليوتوبيا الشاملة التي تحكم الفكر الإسلاموي،

وأن عمليات التجديد كلها (سواء كان ذلك مع حركة الإصلاح الديني أم مع ظاهرة إسلام السوق) التي من شأنها أن تُضعف هذه اليوتوبيا عن الاشتغال في تحريك التوجّه النضالي، ستحكم على التنظيم

بالذوبان (يعني التخلّي عن مضمون التصور الديني في السياسة، وهي الشريعة والقيم الكونية للدين الإسلامي التي تمثل البديل الحضاري للحضارة الحديثة والوصول إلى نقطة النهاية، فلقد بينّا في هذه

الدراسة كيف ذابت حركات الإسلام السياسي في توجّه مؤسسات الدولة الحديثة، وأصبحت تنظر إلى

المجتمع بمنظار مؤسسات الدولة ما بعد الكولونيالية (دولنة الإخوان كما أوضحنا سابقًا)، وهذه أبرز نتيجة بحثية توصّلنا إليها من خلال قراءتنا التفهّمية المتعدّدة الأبعاد للظاهرة الإسلاموية. وهو ما يجعلنا

نطرح سؤ لًا غاية في الأهمية، يأتي تعقيبًا على النتائج البحثية لكتاب إسلام السوق، وهو: هل أنّ

التعديلات التي يمكن أن يتمّ إدخالها في رؤية الإسلام السياسي، والتي تتوافق مع قيم ما بعد الحداثة

أو العولمة (الكوني–الأميركي) ستفرز بالضرورة حالة الذوبان للإسلام السياسي داخل قيم السوق، أو قيم ما بعد الحداثة، ومن ثم نعلن بعدها عن نهاية الإسلام السياسي كما يقول روا؟ مما لا شكّ فيه أنّ المساحة التي أتاحتها تنظيمات الإسلام السياسي لنفسها بضمّ قيم ما بعد الحداثة

والعولمة أو جزء منها إلى مشروعها السياسي، كانت سببًا مباشرًا لإنهاء حالة الانغلاق الهوياتي التي

حكمت فترة طويلة تاريخ الإسلام السياسي. لكن هذا الانفتاح لم يقتصر على إنهاء حالة الانغلاق الهوياتي فحسب، بل ذهب إلى حدّ التكيّف الخاضع لقيم ما بعد الحداثة والعولمة. وهكذا، كأنّ

العلاقة بين الإسلام السياسي والتوجّهات الغربية حاملة خلافات جوهرية لا يمكن حلحلتها، إّلا

بالتكيّف والتأقلم، فحسب، مع ما هو مهيمن على نظام الحياة المعاصر. وهو ما يجعلنا ننصت على

((7(وقد تناول روا الكيفية التي ساهم فيها الانغلاق الحاصل في الحقل السياسي التركي في التسعينيات، في إعادة صوغ مشروع الإسلام السياسي وفق نفس إصلاحي، للتكيّف مع القواعد الكبرى للنظام القائم، ينظر:

Olivier Roy, Le post–islamisme (Paris: Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée, 1999), pp. 11–30.

نحو أكثر عمقًا إلى أطروحة وائل حلاق التي تقول إن الإسلام والحداثة قد يتقاطعان، لكن هناك خلافات جوهرية على مستوى منظومات القيم الأخلاقية واستحالة قيام دولة إسلامية داخل نموذج الدولة الحديثة، خلافًا لما تراه غالبية الإسلاميين. لقد كان كتاب إسلام السوقمناسبة طريفة أيضًا لإعادة طرح القيم الروحية للإسلام خارج أفق انتظارات الإسلامويين وخارج أفق انتظارات الحداثيين أيضًا. ولعلّ طريقًا ثالثة يتم فيها تناول قضية الإسلام مع الحداثة، قادرة على أن تخلق أرضية معرفية أخرى، يمكن من خلالها فهم خصوصية الإسلام، من دون الإسراع في تدجينه في أيّ شكل من أشكال التحّولّات المنطقية أو الطبيعية للإسلام (بالقول إن التطوّر

الطبيعي والكرونولوجي للإسلام يقتضي أن يصاحب قيم التنوير الأوروبي مثلًا، أو أن قيم الحداثة والتنوير الأوروبيَين، هي في الأصل قيم جاء بها الإسلام وكان علينا معشر المسلمين أن نقدّمها للبشرية). يميّز كثيرون من الفلاسفة (ومن بينهم دوبريه في كتابه حضارة كيف تأمركنا؟) بين مفهوم الثقافة

ومفهوم الحضارة. فالثقافة هي منظومة قيم وعادات وتقاليد خاصّة بشعب ما، وتقود سلوكه في الغالب. وما يميّز الثقافة من الحضارة هو أن الثقافة من دون حضارة لا تستطيع الذهاب بعيدًا، وستبقى

تعيش داخل حدودها المحليّة. بناءً عليه، فإنّ الثقافة هي دفاعية في جوهرها، بينما الحضارة لها

صبغة هجومية، لأنها توسعيّة على حساب الثقافات كلها (الأمر نفسه بالنسبة إلى العولمة أو الحضارة

الأميركية، كما يسميها دوبريه)، والحضارة (مثلًا الحضارة العربية الإسلامية) تمنح ثقافة ما (مثلًا الثقافة العربية الإسلامية) فرصة اختبار قدرتها على أن تقدّم نفسها بوصفها حًّلا للثقافات الأخرى. فللحضارة طموح كوني أبعد من الطموح المحلّي القائم على الكفاف Subsistance. فالإسلام الحضاري

(8((وهي أطروحته المركزية التي اشتغل عليها في كتابه الدولة المستحيلة. ينظر: وائل حلاق، الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة

ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة عمرو عثمان، مراجعة ثائر ديب (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ((8(كل عملية تصالح بين الإسلام والحداثة لن تكون إّلا على حساب القيم الروحية الأخلاقية الجوهرية في الإسلام، وفي مصلحة

الحداثة. فإذا كانت الحداثة في خطواتها الأولى في العالم العربي لم تستطع أن تُدمج Inclure القيم الروحية للإسلام مع تجربة

الاستعمار، ومع قيام الدول القومية ما بعد الكولونيالية (ما بعد الإعلان السياسي للاستقلال)، حيث انتهت التجربة بتهميش الثقافات ما قبل الحديثة، ومنها الأطراف الحاملة تصوّرًا عتيقًا/ تقليديًا Traditionnel للإسلام (كحركات الإسلام السياسي)، فإن عولمة السوق

والنموذج الأميركي القائم على نظرية التقاطع Intersectionality استطاعا من خلال دعاة إسلام السوق أن يحويا Assimulative

الإسلام ويخضعاه على نحو مُغرٍ (بالبضائع التي تتطابق مع الماركات العالمية وتحمل طابعًا هوياتًّيًا إسلاميًا مثلًا) وخفيّ ومُخاتل

أحيانًا (على المستوى الجيوسياسي كما أوضحنا في المبحث السابق) لطموحات الكوني وأحلامه على الطراز الأميركي. ((8(يقول أحد ممثلي التيار الإسلاموي Islamist في تونس وهو رفيق عبد السلام: "إذا كان التحدي الغربي قد أدى في حالات كثيرة إلى تفكك المنظومات الثقافية المحلية لشعوب وأمم كثيرة، فإنه خلافًا لذلك قد أدى في الحال الإسلامية إلى توسيع الفضاء

المعرفي والتداول الإسلامي، ويعود الفضل في ذلك في وجه من وجوهه إلى المنهجية الإدماجية والاستيعابية التي نهجتها النخبة الإصلاحية الإسلامية مع الوافد الفكري الأجنبي"، ويضيف: "صحيح أن النخبة الإصلاحية الإسلامية قد تعاطت مع القاموس

الأجنبي بمفاهيمه وحتى مصطلحاته، ولكنها مع ذلك لم تكن مجرد متلقٍ سلبي، بل كانت تقوم بالتوازي مع ذلك بعملية إعادة تركيب وإدماج لهذه العناصر الوافدة داخل المنظومة الإسلامية المحلية، وهكذا أعادت تخصيب المنظومة الإسلامية بمفاهيم ومصطلحات ولغة جديدة، كما بنت جسرًا واصلًا بين الفكر الإسلامي والعالم الحديث، مع محاولة تخليصه من رتابة الجمود

والعطالة". ينظر: رفيق عبد السلام، تفكيك العلمانية في الدين والديمقراطية (تونس: دار المجتهد للنشر والتوزيع، 2011)، ص.179

(83) Debray, pp. 17–20.

يحافظ على البعد الكوني للإسلام، وهو معرّض في كلّ عصر، لأن يثبت مدى جدارة هذا الطابع

أو البعد الكوني بأن يكون صالحًا للبشرية (وقد أثبت ذلك تاريخًّيًا في الفترة التي سُميت العصور

الوسطى، وهي عصور وسطى بالنسبة إلى الغرب، وكانت عصرًا ذهبًّيًا بالنسبة إلى الحضارة العربية

الإسلامية). بينما الإسلام الثقافي هو إسلام حدوده محليّة، ويحمل في داخله قابليّة الانصهار في

الحضارات الأخرى. وبما أنّ كونية كل أمة لا يمكن لها أن تقوم إّلا على بناء نموذج Modéle سياسي واجتماعي وثقافي لدمج الشعوب والأفراد في نواة مركزية، ويأذن النظام الذي تقوم عليه الأمة بأن يعيد المندمجون تحديد أنفسهم أفرادًا وأعضاء أساسيين في قيامها وتحديد مصيرها، فإنّ هذه الكونية ليست مجرّد تكيّف مع العالمية المقترحة من الغرب، أو من الولايات المتحدة (وإّلا يصبح الإسلام مجرّد

ثقافة وغير قادر على دفع المنتمين إليه لبلورة نموذج حضاري)، ولا يمكن تأسيسها على كلّية القيم المشتركة المتجاوزة للاختلافات والفروق الحضارية العرضية، فحسب، كما يدّعي ذلك أبو يعرب

المرزوقي. لأن كل نموذج كوني عالمي، يقدّم نفسه كأمة فوق الأمم كلها، وذلك من خلال ادعاءٍ يقوم على أن نموذجه الكوني هو الأكثر وفاءً ومطابقةً لكلّية القيم المشتركة المتجاوزة الاختلافات

والفروق الحضارية العرضية. وإن كانت الطموحات الأميركية قد استطاعت أن تحقق ولو جزءًا من حلمها في ضمّ الإسلام السياسي إلى

نموذجها في فترة ما بعد عام 2011، فإنها في الحقيقة استطاعت أن تحتوي شكلًا من أشكال الاحتجاج الإسلامي على قيم الحداثة والعولمة، وهو "الإسلام السياسي". ولم تكن عملية احتواء الإسلام السياسي لحظة تاريخية يمكن أن يحتفي بها أيّ كان، ليعلن من خلالها عن إنهاء تاريخ الإسلام الحضاري بادّعاء

عدم أو استحالة قدرة الإسلام على القيام والنهوض حضارًّيًا، كما تقول ذلك، على نحو مخفيّ، أطروحة

"نهاية التاريخ" لفرنسيس فوكوياما  Francis Fukuyama (يقرر مارتن ألبرو Martin Albrow في معرض نقده أطروحة نهاية التاريخ لفوكوياما، حيث يقول: "الحداثة لا يمكن أن تتخيّل المستقبل إّلا كامتداد لها،

وإن كان غير ذلك فالفوضى. ويرى توم لينسون Linson Tom أن ادعاءات فوكوياما تصل إلى مستوى قبول الحالة الأبدية للحداثة)". فالقيم الروحية للإسلام لا تزال تحرّك جزءًا كبيرًا من الأمة (على الرغم

من علمنة التنشئة الاجتماعية في دول العالم العربي، وعلى الرغم أيضًا من انخراط المجتمع المدني بعد عام 2011 في برامج العولمة، في غالبيتها بلا شروط، ومن دون الأخذ في الحسبان، بدرجة أولى، الخصوصية الثقافية للمجتمع المحلّي في قضايا عدة، مثل قضايا الجندر والنسوية وبرامج التنمية السوسيو–اقتصادية). لكنّ انخراط الإسلامويين في الحقل السياسي وداخل منظومة الحداثة وفلسفتها، من دون القيام بمراجعات عميقة، هو الذي حكم على الإسلام السياسي بالنهاية، أو بالذوبان، فضعفت قدرته على الصمود والمقاومة أمام العولمة. ولعلّ هذا هو الدرس الفلسفي والتاريخي الذي يمكن أن نخرج به من هذه الدراسة في محاولة منا لتقديم قراءة لكتاب إسلام السوق.

(8((ينظر: أبو يعرب المرزوقي، "هل صحيح ألا مستقبل لدولة الإسلام؟ هل هي مستحيلة فعلًا؟"، حكمة، 2015/7/27، شوهد في

2024/7/29، في: https://2cm.es/I3My

(8((أنابيل موني وبيتسي إيفانز، العولمة: المفاهيم الأساسية، ترجمة آسيا دسوقي، مراجعة سمير كرم وزينب ساق الله (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2009)، ص.309

يرى حسن أبو هنية أنّ محللي الإسلام السياسي ينقسمون إلى مدرستين رئيستين: الأولى، يمكن أن يطلق عليها اسم "وجهة النظر السياقية"، وهي التي تعتقد أن سياسات الأحزاب السياسية الإسلاموية وممارساتها لا تقودها الأيديولوجيا، بقدر ما تقودها الأحداث، وتحاول التكيّف معها. أما المدرسة

الثانية، فهي ما سمّاها "وجهة النظر الجوهرية"، وترى أن الإسلاميين هم في الأساس أيديولوجيون، وأن

أيّ تنازلات يقدمونها للمبادئ أو المؤسسات العلمانية، هي تحركات تكتيكية بحت، حيث لا تمنعهم

مشاركتهم في السياسات الانتخابية من الدعوة إلى الجهاد العنيف أيضًا. وهي الرؤية الاستشراقية المصاحبة للعديد من المنظرين، وعلى رأسهم برنارد لويس Bernard Lewis (2018–1916). من خلال الغوص في الكتابات الديكولونيالية ومقاربتها النقدية تجاه الاستشراق والاستشراق الجديد، اتّضح لنا أن إحدى استراتيجيات الاستشراق هي أيضًا تحرير الإسلام من الجوهرانية ودفعه إلى التأقلم والتكيّف مع منظومات الحكم السياسية المعاصرة، أو مع قيم السوق العالمية، مع التخلّي عن

المضمون الديني للإسلام. فيفقد من خلاله الدين طابعه الأخلاقي والقيمي الخاص به، أو يتخفف منه تدريجًا، ما يعني أن المقاربة الديكولونيالية لا يمكن حصرها في كلا التوجهين اللذين قسّم من

خلالهما أبو هنية مدارس تحليل الإسلام السياسي. إن الرؤية الديكولونيالية ليست شكلًا من أشكال إعادة أطروحة صِدام الحضارات التي تقول إن الجماعات الثقافية هي التي ستحلّ محلّ كتل الحرب الباردة، والتي ستتحول فيها خطوط التماسّ

بين الحضارات إلى الخطوط المركزية للصراع في السياسات العالمية، بل إنّ الرؤية الديكولونيالية أرادت توضيح الجانب الكولونيالي للحداثة، خاصة لشكل الدولة القومية الذي يمثل شكلًا من الاستعمار الداخلي Internal colonial. وفي الوقت نفسه ترفع الستار عن رؤية الكولونيالية الدونية للثقافات ما قبل الاستعمارية وإعطاء هذه الثقافات والشعوب فرصة تاريخية لإعادة بناء نهضتها على أسس أعمق ووفق منظور متصالح أكثر مع هوية المكان والقيم الحضارية المستمرة عبر التاريخ.

((8(أبو رمان و[آخرون]، ص.33–32 ((8(تتجاوز المقاربة الديكولونيالية هذه الثنائية التي أراد هنية أن يقسم من خلالها المنظورات التي يمكن أن تحلل ظاهرة الإسلام السياسي، لأن المقاربة الديكولونيالية تضع إصبعها على مواطن الهيمنة التي تمارسها المعرفة الاستشراقية الكولونيالية، حيث تتجاوز مسألة إثبات عدم جوهرانية حركات الإسلام السياسي، وذلك بغاية فهم أفق الممارسات الجديدة وما تنطوي عليه من وسائل وأدوات للهيمنة الناعمة التي تفرضها مسارات العولمة وتفتيت المقدس. وهذا الجانب النقدي الديكولونيالي الذي أردنا أن نوضحه في هذه الدراسة هو الذي يمثل قلب التحليل الديكولونيالي لظاهرة إسلام السوق، وهو أيضًا محاولة لإبراز وتوضيح الخيط الرقيق الذي

يفصل بين الدراسات الديكولونيالية وأفقها النظري، والدراسات ما بعد الحداثية التي تحمل في جانب كبير منها نزوعًا نحو شرعنة

انتشار العولمة وتعزيزها (خاصة من ناحية الخطاب النقدي للدراسات ما بعد الحداثية تجاه كل ما يتعلق بالحواجز والحدود التي وضعتها الحداثة في بدايتها تحت هيمنة أيديولوجيا الدولة الأمة القومية). ((8(يناقش والتر مينيولو هذه المسألة وموضوع الدولة الحضارية كخيار متحرر من الكولونيالية في:

Walter Mignolo, "Decolonization the Nation–State: Zionism in the Colonial Horizon of Modernity," in: Gianni Vattimo & Michael Marder, Deconstructing Zionism: A Critique of Political Metaphysics (New York: Political Theory and Contemporary Philosophy, 2015), pp. 70–73. (89) Grosfoguel, p. 24.

المراجع

العربية

أبو رمان، محمد و[آخرون]. ما بعد الاسلام السياسي: مرحلة جديدة أم أوهام أيديولوجية. عمّان:

مؤسسة فريديرش إيبرت،.2018 أسد، طلال. ترجمات علمانية: الأمة – الدولة والذات الحديثة والعقل الحسابي. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2021 أشكروفت، بيل وجاريث جريفيث وهيلين تيفين. دراسات ما بعد الكولونيالية المفاهيم الرئيسية. ترجمة أحمد الروبي وأيمن حلمي وعاطف عثمان. تقديم كرمى سامي. القاهرة: المركز القومي للترجمة،

باتشي، إنزو. الإسلام في أوروبا: أنماط الاندماج. ترجمة عز الدين عناية. أبوظبي: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث (كلمة)،.2010 بادي، برتران. الدولة المستوردة: تغريب النظام السياسي. نقله إلى العربية لطيف فرج. مراجعة عومرية سلطاني. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2017 باومان، زيجمونت. الحداثة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. تقديم هبة رءوف عزت. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2016 براون، ناثان. "الإسلام والسياسة في مصر". مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط. 2013/4/23.

في: https://2cm.es/I3Jo

دباشي، حميد. هل يستطيع غير الأوروبي التفكير؟ ترجمة عماد الأحمد. ميلانو: منشورات المتوسط،

عبد الرحمن، طه. روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية. بيروت: المركز الثقافي العربي،.2006 عبد السلام، رفيق. تفكيك العلمانية في الدين والديمقراطية. تونس: دار المجتهد للنشر والتوزيع،

غيدنز، أنتوني وفيليب صاتن. مفاهيم أساسية في علم الاجتماع. ترجمة محمود الذوادي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 القفصي، جابر. "الأشكال الجديدة للتدين عند الشباب التونسي". أطروحة دكتوراه. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية. تونس..2017

References

المرزوقي، أبو يعرب. "هل صحيح ألا مستقبل لدولة الإسلام؟ هل هي مستحيلة فعلا؟". حكمة.

2015/7/27:. في https://2cm.es/I3My

موني، أنابيل وبيتسي إيفانز. العولمة: المفاهيم الأساسية. ترجمة آسيا دسوقي. مراجعة سمير كرم وزينب ساق الله. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2009 هلال، إبراهيم. "الإسلاميون الجدد... إسلام السوق، النشأة والتجليات". الجزيرة نت. 2017/3/8.

في: https://2cm.es/KdTu

هايني، باتريك. إسلام السوق. ترجمة عومرية سلطاني. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2015

الأجنبية

Bayat, Asef. "The Coming of a Post – Islamist Society." Critical Middle Eastern Studies. vol. 5, no. 9 (1996). Dandia, Asad. "Towards Decolonial Approach to The Qur’an." Contending Modernities. 15/1/2021. at: https://2cm.es/I3Gq Debray, Régis. Civilisation: Comment nous sommes devenus américains. Paris: Gallimard, 2017. Delmotte, Axel. La civilisation Américaine. Levallois–Perret: Groupe Studyrama, 2006. During, Simon. Cultural Studies: A Critical Introduction. New York: Routledge, 2005. Grosfoguel, Ramón. "Decolonizing Post–Colonial Studies and Paradigms of Political–Economy: Transmodernity, Decolonial Thinking, and Global Coloniality." Transmodernity: Journal of Peripheral Cultural Production of the Luso–Hispanic World. vol. 1, no. 1 (2011). Haenni, Patrick. L’islam de marché: L’autre révolution conservatrice. Paris: Seuil & La République des idées, 2005. Jackson, Sherman. The Islamic Secular. Virginie: American Journal of Islam and Society, 2017. Maeschalck, M. & A. Loute (eds.). Nouvelle critique sociale, Europe–Amérique Latine, Aller–Retour. Italy: Polimetrica Publisher, 2011. Musso, Pierre. Américanism et Américanisation: Du fordisme à l’hollywoodisme. Paris: Quaderni, 2003. Popper, Karl. The Open Society and Its Enemies. New Jersey–USA: Princeton Classics paperback edition, first printing, 2020. Roy, Olivier. Le post–islamisme. Paris: Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée, 1999. Salaymeh, Lena. Traduction décoloniale: Contre la colonialité dans la conversation seculière du droit islamique en "charia". Paris: Association Clio et Themis, 2021.

Todd, Emmanuel. Aprés l’empire; essai sur la décomposition du systéme amércain.

Turner, Bryan. "Islamic, Capitalism and the Weber Theses." The Bristsh Journal of

Vattimo, Gianni & Michael Marder. Deconstructing Zionism: A Critique of Political Metaphysics. New York: Political Theory and Contemporary Philosophy, 2015.

Paris: Gallimard, 2002.

Sociology. vol. 61, no. 1 (2010).