Return to Article Details Phenomenology of Time and the Concept of Acceleration in Late Modernity: Hartmut Rosa’s Critical Project on Culture, Identity, Technology and Society

فينومينولوجيا الزمن ومفهوم التسارع في الحداثة المتأخرة: مشروع هارتموت روزا النقدي للثقافة والهوية والتقنية والمجتمع

Phenomenology of Time and the Concept of Acceleration in Late Modernity: Hartmut Rosa’s Critical Project on Culture, Identity, Technology and Society

محمد العياري

Mohamed Arbi Ayari

الملخّص

تُعرّف هذه الدراسة بالملامح الرئيسة لمشروع هارتموت روزا النقدي استنادًا إلى الدلالات السوسيوفلسفية التي صاغها حول مفهوم التسارع، الذي بلور من خلاله أطروحة فينومينولوجية حول الزمن، وشرح ضمن مقارباته النقدية تحوّلات الثقافة والهوية والتقنية والمجتمع. وتعرض الدراسة إشكاليات الحداثة المتأخرة ضمن هذا المشروع، وتتمثّل في التوتاليتارية وتحولات الثقافة وإشكالية الاعتراف في علاقاتها البنيوية والوظيفية بالتسارع التقني وتسارع العلاقات الاجتماعية وتغيّر وتيرة الحياة. وفي السياق نفسه، تتعرّض للتحيين النسقي لمفاهيم الحرية والتصادي والتشيؤ، التي تفسر كيفية اشتغال الزمن وتأثيره في رؤى الذات وتمثّلاته للأشياء والعالم ضمن ديالكتيك التفاعل وديالكتيك العمل. وتناقش الدراسة إشكالية التحوّلات البنيوية والوظيفية التي أحدثها التسارع على مستوى أنماط التفاعل بين الأفراد، وعلاقاتهم بالزمن وحلول الافتراضي بديلًا من الاجتماعي وسياقات تكوّن الهوية الفردية والجماعية، من خلال العودة إلى السؤال الأنطولوجي حول التقنية ومخرجاتها الثقافية والاجتماعية والسياسية، وعبر الاسترجاع الفلسفي والسوسيولوجي والأنثروبولوجي لجدلية الذات والعقلانية الأداتية في الحداثة المتأخرة، ومخرجات المشروع النقدي في علاقة بمحاولة روزا بناء نظرية نقدية حول الزمن.

Abstract

Abstract: This research defines the main features of Hartmut Rosa’s critical project based on the socio–philosophical implications he attached to the concept of acceleration. Through this concept, he developed a phenomenological thesis on time, explaining within his critical approaches the transformations of

الكلمات المفتاحية:
  • التسارع
  • الاغتراب
  • الاعتراف
  • الحرية
  • فينومينولوجيا الزمن
  • رقمنة الاجتماعي
  • الثقافة
Keywords:
  • Acceleration
  • Alienation
  • Recognition
  • Freedom
  • Phenomenology of Time
  • Digitalization of the Social
  • Culture

الدلالات السوسيوفلسفية التي صاغها حول مفهوم التسارع، الذي بلور من خلاله أطروحة

فينومينولوجية حول الزمن، وشرح ضمن مقارباته النقدية تحّولّات الثقافة والهوية والتقنية

والمجتمع. وتعرض الدراسة إشكاليات الحداثة المتأخرة ضمن هذا المشروع، وتتمثّل في

التوتاليتارية وتحولات الثقافة وإشكالية الاعتراف في علاقاتها البنيوية والوظيفية بالتسارع

التقني وتسارع العلاقات الاجتماعية وتغيّر وتيرة الحياة. وفي السياق نفسه، تتعرّض للتحيين

النسقي لمفاهيم الحرية والتصادي والتشيؤ، التي تفسر كيفية اشتغال الزمن وتأثيره في رؤى

الذات وتمّثلّاته للأشياء والعالم ضمن ديالكتيك التفاعل وديالكتيك العمل. وتناقش الدراسة

إشكالية التحّولّات البنيوية والوظيفية التي أحدثها التسارع على مستوى أنماط التفاعل بين

الأفراد، وعلاقاتهم بالزمن وحلول الافتراضي بديلًا من الاجتماعي وسياقات تكوّن الهوية

الفردية والجماعية، من خلال العودة إلى السؤال الأنطولوجي حول التقنية ومخرجاتها الثقافية

والاجتماعية والسياسية، وعبر الاسترجاع الفلسفي والسوسيولوجي والأنثروبولوجي لجدلية

الذات والعقلانية الأداتية في الحداثة المتأخرة، ومخرجات المشروع النقدي في علاقة بمحاولة

روزا بناء نظرية نقدية حول الزمن.

A Public Law Student and Researcher in Political Philosophy, Tunisia. activiste83@gmail.com

culture, identity, technology, and society. The article also addresses the issues of late modernity within this project, which are represented by totalitarianism, cultural transformations, and the problem of recognition in their structural and functional relationships with technical acceleration, the acceleration of social relations, and changes in the pace of life. In the same context, the research deals with the systematic updating of the concepts of freedom, resonance, and reification, which explain how time operates and its impact on perceptions of self and representations of things and the world within the dialectics of interaction and the dialectics of action. It explores the structural and functional transformations caused by acceleration in patterns of interaction between individuals, their relationships with time, and the replacement of the social with the virtual in the context of forming individual and collective identity. To do this, it revisits the ontological question about technology and its cultural, social, and political outputs, and re–examines the dialectic of the self and instrumental rationality in late modernity and the critical project in relation to Rosa’s attempt to build a critical theory of time.

مقدمة

تتعرّض مجتمعات "الحداثة المتأخرة"لتحّولّات بنيوية عميقة، لامست علاقات الذات بالعالم وتمثلات الأفراد للعلاقات الاجتماعية وطبيعة الأدوار والوظائف الممكنة ضمن نسق العالم المعيش. وأعادت هذه التغيّرات تعريف الهوية والثقافة والمجتمع والذات، ضمن تجربة

جديدة في أفق أطروحات التقدم والاستقلالية والحرية والعقلانية وغيرها من وعود الحداثة، التي "أُدمجت، بفعل "الحتمية التكنولوجية الناعمة، في دائرة إنتاج العلاقات "بين البشر أنفسهم ومع عالم الأشياء والطبيعة والزمان والمكان". ومكّنت هذه "الحتمية الناعمة" من بلورة نوع من التفاعل الذي

(((يستعمل بعض الفلاسفة وعلماء الاجتماع مثل سكوت لاش Scott Lash وأولريش بيك Ulrich Beck (2015–1944) وزيغمونت باومان (2017–1925) وأنتوني غيدنز Anthony Giddens (1938)، عبارة الحداثة المتأخرة بديلًا من "ما بعد الحداثة" للاستدلال على

استمرار الحداثة بطرائق وأشكال أخرى، وتعبيرًا عن حالة الهويات المتنافسة والثقافات الجديدة. لذلك، ترد في الدراسة عبارة

الحداثة المتأخرة، وهي نفسها التي يستعملها روزا في أبحاثه حول التسارع وغيرها من المفاهيم المبتكرة في نصوصه. وترد إشارة الحداثة المتأخرة بوصفها استئنافًا لتقليد فلسفي لدى أهم ممثّلي الجيلين الثالث والرابع لمدرسة فرانكفورت، وتحديدًا يورغن

هابرماس، الذي يعتبر أن الحداثة مشروع لم يُستنفد بعد؛ إذ إنها لم تفرز سوى نمط واحد من العقلانية، هو العقلانية الأداتية، في

مقابل عقلانيات أخرى ممكنة. (((ينظر:

Langdon Winner, Autonomous Technology: Technics–out–of–Control as a Theme in Political Thought (Cambridge, MA: The MIT Press, 1978). (3) Hartmut Rosa, Résonance: Une sociologie de la relation au monde , Sacha Zilberfarb (trad.) (Paris: La Découverte, 2018), p. 36.

يُعبّر عنه جيمس سيروفياتسكي بحكمة الجماهير التي تُقدّم تصورًا لمشكلات العيش المشترك. وإذا كانت هذه "الحكمة" نوعًا من الاستدلال على حالة مثالية للتواصل والنقاش أو "إسيغوريا افتراضية Isegoria Virtuel "، فإنها تُعبّر عن بنية متناقضة "لزمن الحداثة وما بعد الحداثة [...] تتم على مستوى زمن الوجود اليومي والحياة الفردية"؛ حيث تغيّرت ملامح الهوية وأشكال التواصل بين الذوات في نوع من الاضطراب الذي أصاب علاقتنا بالعالم. وفي هذا السياق، تُوظّف راحيل جايجي مفهوم الاغتراب في صيغته ما بعد الحداثيّة للتعبير عن هذا الاضطراب؛ إذ أضحى الاغتراب – من وجهة نظرها – سمة الحداثة المتأخرة، مُتّخذًا دلالات تتعلّق بتعطّل العلاقة بين الذات والعالم، أو سمة "تدمير للإيقاع الاجتماعي"، بتعبير روزا. وقد تبلورت علاقات التدمير والاغتراب في ممارسات جديدة كانت "الوضعية التقنية" عنوانها الأبرز. وأنتجت هذه الوضعية تآكلًا للملامح التقليدية للذات؛ حيث لم نعد نتحدث عن الذات الفاعلة اجتماعيًا، أو عن التفاعل في "وضعية وجهًا لوجه The Face–to–face Situation "، بل أصبح التفاعل خاضعًا لقوة الروابط الضعيفة، التي ترتبط بأجزاء نائية في الشبكة الافتراضية، على العكس من روابطنا القوية مثل العائلة والأقرباء. وعمّقت هذه التحولات شكل التناقض وطبيعته بين الذات التي تستهلك نفسها في الحاضر، والديناميكية الجديدة للمجتمع التي تتمظهر في "تغيّر علاقاتنا بالعالم بفعل تقنيات الرقمنة وعملياتها". يُترجم هذا التغيّر في صلتنا بالزمن وخضوع الاجتماعي للافتراضي؛ بمعنى بروز تحّولّات في الخطاب وتشكيلات المعرفة والسلطة والمحاكاة والواقع، أصبحت تُكوّن "عاصفة اتصالات أكثر من كونها

ينظر ((:(

James Surowiecki, The Wisdom of Crowds: Why the many are Smarter than the few and how Collective Wisdom Shapes Business, Economies, Societies and Nations (London: Little Brown, 2004).

(((يُكثّف المصطلح الأثيني "إسيغوريا"، الحالة المثالية للنقاش العام الذي ميّز المشهد الديمقراطي الذي كانت تحتضنه الجمعية

الحاكمة في المكان المسمى "إكليسيا" Ekklisia على تلة "البنيكس" Pnyx ينظر:.

John David Lewis, "Isegoria at Athens: When did it Begin?" Historia: Zeitschrift für Alte Geschichte , vol. 2, no. 3 (1971), pp. 129–140. (6) Hartmut Rosa, Accélération: Une critique sociale du temps , Didier Renault (trad.) (Paris: La Découverte, 2010), p. 28. (7) Rahel Jaeggi, "Qu’est–ce qu’une bonne institution?" Revue franco–allemande de science Humaine et Sociale , no. 32 (2021), p. 528. (8) Rosa, Résonance , p. 90. (9) Peter Berger & Thomas Luckmann, La construction sociale de la réalité (Paris: Armand Colin, 2012), p. 76.

((1(حول مفهوم "الروابط الضعيفة" الذي صاغه عالم الاجتماع الأميركي مارك غرانوفيتر، ينظر:

Mark Granovetter, "The Strength of Weak Ties," American Journal of Sociology , vol. 78, no. 6 (1973), p. 1366. (11) Hartmut Rosa, Rendre le monde indisponible , Olivier Mannoni (trad.) (Paris: La Découverte, 2020), p. 92.

أنساقًا اجتماعية ثابتة ومُحدّدة بوضوح". وتجادل بعض الأطروحات، كتلك التي يعرضها جان

بودريار (2007–1929)، باختفاء الاجتماعي وظهور أشكال رقمية جديدة ومستحدثة للمحاكاة؛ ما يعني أن الواقع أصبح يُغيّر نفسه فيما وراء الاجتماعي وعلى أنقاض المشترك وقواعد إنشائه،

ومنعزلًا عن أنماط التفاعل الاجتماعي. وفي سياق مقاربة جدلية: واقعي – افتراضي، تتعامل الحداثة المتأخرة مع ما يُسمّى بالحالة الراهنة بديلًا من الحقائق الواقعية ضمن منطق "التزويم" Zooming

الذي يسمح بتجاوز العمل الوصفي لتلك المُتغيّرات، سعيًا لتسويغ مقاربات نقدية ومعيارية تهدف،

وفق إرنستو لاكلو Ernesto Laclau (2014–1935)، إلى تقديم تفسير منطقي للعلاقات الاجتماعية الجديدة، اجتماعيًا وسياسيًا، التي تتجاوز أطروحة عدم إمكانية نشأة الهويات خارج السياقات

الاجتماعية، حيث فرض التنظيم الرقمي للمعرفة أن نفكّر من زاوية الرابطة الافتراضية (التقنية) التي حلّت في بعض تمظهراتها محل الرابطة الاجتماعية. وفي هذا الاتجاه، تشير أطروحة "التسارع"، بما هي محاولة لرسم ملامح الأشكال التقنية الجديدة للحياة، وتعبير عن أن الزمن أصبح مقولة أساسية في نسيج الواقع الاجتماعي نفسه، إلى بروز ثلاث قوى في زمن الحداثة المتأخرة، هي: "عقلنة الزمن، وقوة الثقافة، وقوة إضفاء الطابع الزمني على تعقيد الأنساق". وتمثّل هذه القوى ما يُعرف بالأبعاد أو المستويات الثلاثة للتسارع، وهي: التسارع التقني، وتسارع التغيّر الاجتماعي،

وتسارع إيقاعات الحياة. يعمل التسارع، بوصفه مفهومًا معياريًا، على إثبات فرضية انتهاء حقبة الاجتماعي المفرط وبروز

حقبة الافتراضي المفرط، أو التشيؤ في صورته الحداثيّة المتأخرة. ويتحرك هذا المفهوم داخل دائرة

التجربة الإنسانية التي تتموضع بين مقدّسين، هما: المجتمع والتقنية. وتُترجَم هذه القداسة من

خلال الوعي بالزمن والكيفية التي يقع من خلالها استثمار هذا الزمن اجتماعيًا في شكل الأدوار

والوظائف والتفاعلات التي أزاحت الاجتماعي عن موقعه وأحلّت محله ما يُسمى بالافتراضي الذي

لم يعد فرضيةً صفريّة Null Hypothesis أو فرضية معدومة، في سيرورة إنتاج الهويات وإعادة إنتاج

الذات افتراضيًا. واستنادًا إلى هذا التأطير المفاهيمي وعرض الملامح الكبرى لماهية التغيير الذي لامس الاجتماعي والتفاعل بين الأفراد والأشياء، وبين الذات والموضوع، تحاول هذه الدراسة رسم خطوط التقاطع بين الاجتماعي والافتراضي، من خلال سيرورة التأثير المتزايد للتسارع التقني الذي غيّر ملامح الهوية الفردية

عبر إزاحتها من وضعية الاجتماعي العيني إلى وضعية التخفّي أو الاختفاء بفعل عملية التشفير، وخلق

ملامح سوسيورقمية مستحدثة تُعبّر من جهة الاجتماعي عن خللٍ ما أصبح يُؤثّر بعمق في دائرة التفاعل

(1((نيكولاس جين، "حوار مع نيكولاس جين"، في: نيكولاس جين [وآخرون]، مستقبل النظرية الاجتماعية، ترجمة يسري عبد الحميد رسلان (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2017)، ص.17

(13) Jean Baudrillard, La société de la consommation (Paris: Folio, 1970).

((1(للمزيد حول أطروحة التسارع، ينظر: Accélération Rosa,.

(15) Antoine Chollet & Catherine Coquio, "Sociologie ou politique de l’accélération? Entretien avec Antoine Chollet," Écrire l’histoire , vol. 1, no. 16 (2016), pp. 59–65.

الاجتماعي، وخاصة الهوية. وفي هذا السياق، تتعرّض الدراسة لمشروع روزا النقدي في إطار اشتغاله

على إشكاليات الحداثة المتأخرة، وتحولات الثقافة، والهوية، والتقنية والمجتمع، مُستفيدًا من الإرث

النقدي لمدرسة فرانكفورت Frankfurter Schule والتحيين النسقي لمختلف البردايمات والمراجعات النقدية للمشروع الثقافي والسياسي للحداثة وما بعدها؛ إذ يرسم روزا الملامح الاجتماعية والثقافية والسياسية للحداثة المتأخرة، موظفًا مفهوم التسارع باعتباره المدخل الفلسفي الأشد تعبيرًا، من وجهة

نظره، عن جملة التحولات والانتقالات والتصدعات، التي تطبع عالم الحداثة المتأخرة وتنقل التفاعل الاجتماعي من دائرة الواقعي إلى الافتراضي، بفعل هيمنة التقنية وتداخل العالم المعيش بالعالم المُتخَّيَل. وتُعيد الدراسة طرح السؤال الأنطولوجي حول التقنية وتناقضات الحداثة المتأخرة، محاولةً تفكيك إشكاليات الثقافة والهوية والتقنية والمجتمع، واستعراض الدلالات السوسيوفلسفية للتسارع التقني، مستفيدةً من فينومينولوجيا الزمن في مشروع روزا النقدي، ومن خلال الاشتغال على مفاهيم التسارع والحرية ورقمنة الاجتماعي والاعتراف، وغيرها من البردايمات والمقاربات التي وظّفها روزا من أجل بلورة ما سمّاه بالشروط المسبقة لقيام نظرية نقدية.

أولا: السؤال الأنطولوجي عن الزمن وإشكاليات الحداثة المتأخرة في مشروع روزا النقدي: الشروط المسبقة لقيام نظرية نقدية

تأخذ القيمة الاجتماعية للزمن حيّزًا معتبَرًا في المشروع النقدي للحداثة المتأخرة، في علاقة بمحاولات

الكشف عمّا يمكن أن يكون عليه بوصفه قيمة كميّة قابلة للقياس، وبما هو "مسألة سياسية" بالنظر

إلى القوى التي يخدمها أو ال "ظواهر الإضافية والعارضة" التي يُسهم في بروزها. وقد تلوّنت

إشكالية الزمن بدلالات الأزمة التي عبّر عنها مفهوم التسارع بوصفها سمة رئيسة لمجتمعات الحداثة

المتأخرة. ويشير روزا إلى أثر التسارع في النظامَين الزمني والمكاني للمجتمع، وفي كيفية إدراك هذا

النظام في الحياة الاجتماعية. ولذلك، أصبح الزمن الحاضر يتحدد بالمدة الزمنية التي تتزامن كمّيًا مع

مكان التجربة (الماضي) وأفق الانتظار (المستقبل). ووفقًا لهذا المنظور، تحوّل الزمن في الحداثة

المتأخرة إلى "نظام يصعُب التعايش معه"؛ نظرًا إلى بروزه مسرحًا لعمليات اجتماعية متعددة ومؤشرًا

((1(حول علاقة روزا بمدرسة فرانكفورت، ينظر:

Rosa, Accélération ; Rosa, Rendre le monde indisponible. Olivier Voirol, "Aliénation et résonance: Notes sur la théorie critique de la modernité d’Hartmut Rosa," in: Discussion de l’ouvrage de Hartmut Rosa, Résonance: Une sociologie de la relation au monde (Paris: La Découverte, 2018). (17) Rosa, Accélération , p. 412. (18) Ibid., p. 37. (19) Ibid.

(2((ينظر: أنتوني جيدنز، الطريق الثالث: تجديد الديمقراطية الاجتماعية، ترجمة أحمد زايد ومحمد محيي الدين (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.)2010

على معانٍ قانونية وسياسية وثقافية متداخلة، وأيضًا من خلال إنتاجه بوصفه ظاهرة سياسية واقتصادية بفعل التنظيم البيروقراطي للمجتمعات. ويحاجّ روزا في أهمية فهم الديناميكيات الجديدة لاشتغال مجتمعات الحداثة المتأخرة، وبضرورة

تحيين فهمنا للعلاقة بين سياسة الزمن من جهة، والعلاقات الاجتماعية من جهة أخرى، حتى لا يظل "فهمنا للحداثة ولسيرورة التحديث قاصرًا [...] أمام التحولات البنيوية والأمثلة الزمنية للمجتمع

ولسيرورات التحديث". ويطرح تصوّرًا يقوم على استحضار فكرة الزمن بوصفه "ظاهرة اجتماعية "

للاستدلال على استحالة قيام سياسة للزمن مستقلة عن العلاقات الاجتماعية، وليشرح من خلالها كيفية توزيع السلطة السياسية في مجتمعات الحداثة المتأخرة استنادًا إلى استراتيجيات متعلقة بالزمن. ويساعد هذا التصوّر في جزئه المُتعلّق بمحاولة فهم كيفية اشتغال الأنساق الرئيسة والأنساق الفرعية

(الدولة والسياسة والمجتمع)، في إدراك خصوصية العلاقة بين القيمة الاجتماعية للزمن، واستخلاص الدلالات الفلسفية للتسارع بوصفه حالة ديناميكية ثقافية واجتماعية وسياسية ومصدرًا من مصادر

الاختفاء المُبرمج لإحدى القيم الأساسية للحداثة، وهي الوعد بالاستقلالية. وضمن التأطير الأنطولوجي نفسه لعلاقة التسارع بمنطق التفاعل بين الأنساق داخل المجتمع، يشرح روزا كيف تخلق الأدوات السياسية التي تخدم المشروع الاجتماعي والثقافي للحداثة المتأخرة المحكومة بسطوة التقنية، حالةً يُكرّس فيها العلم نفسه بوصفه لعبة زمن das spiel بتوصيف مارتن

هايدغر (1976–1889). ولتفسير هذه الحالة (لعبة الزمن)، والتوقف عند تقاطعات عالم التجربة اليومية (ديالكتيك التمثيل) بعالم الإنسان والطبيعة بوصفه عالم سطوة التقنية (ديالكتيك العمل)، والاشتباك مع سؤال الحرية وعلاقته بالزمن بصفته صورة جديدة من صور الاغتراب، يستعيد روزا مقاربة هايدغر لجدلية العلاقة بين الذات والعالم، وبين الأشياء والموضوعات من زاوية الانشغال الأنطولوجي بتحولات المنطق الأساسي للعصور الحديثة. فمن خلال الدعوة إلى "الحرية الجديدة" وتجاوز عصر العمومية وما سماه في الفقرة 27 من كتاب الكينونة والزمانبدكتاتورية الجموع الغُفل وفقدان

(21) Hartmut Rosa, Aliénation et accélération: Vers une théorie critique de la modernité tardive , Thomas Chaumont (trad.) (Paris: La Découverte, 2012), p. 57. (22) Jonathan Martineau, Time, Capitalism and Alienation: A Socio–Historical Inquiry into the Making of Modern Time , Historical Materialism Book Series (Leiden: Brill, 2015), p. 4.

ينظر ((2:(

Thijs Lijster, Robin Celikates & Hartmut Rosa, "Beyond the Echo–chamber: An Interview with Hartmut Rosa on Resonance and Alienation," Journal for Contemporary Philosophy , vol. 41, no. 2 (2021).

((2(للمزيد حول ديالكتيك العمل وديالكتيك التمثيل الواردين في رسائل يينا Jena (محاضرات جامعة يينا Universität Jena) لفريدريش هيغل (الشاب) (1831–1770:)، ينظر

Jean–Marc Ferry, Habermas: L’éthique de la communication (Paris: PUF, 1987), p. 341.

(2((ينظر: محمد الشيخ، نقد الحداثة في فكر هايدغر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2008)، ص 513–505، –555

Martin Heidegger, De l’essence de la liberté humaine (Paris: Gallimard, 2001), pp. 11–23, 274–278; Philippe Arjakovsky, Francois Fédier & Hadrien France–Lanord, Le Dictionnaire de Martin Heidegger (Paris: Cerf, 2013), pp. 767–772.

الغاية والمعنى، يقدّم هايدغر تشخيصًا لأزمة الإنسان الحديث من خلال نقد الثقافة والأداتية المفرطة

والهوس بالأزمنة التقنية الجديدة. ويتمظهر هذا النقد فيما يلي: • تحوّل التقنية إلى جهاز تقني شامل Gestal مسيطر يتحكم في كل مناحي حياة الإنسان. فالتقنية

بحكم اكتسابها العلم الكلّي والقدرة الكليّة، فإنها تغدو بديلًا من القدرة المطلقة المتعالية من

حيث تحكّمها في الطبيعة والتاريخ والإنسان، وفصلها العالم عن الغايات، حيث يجري الإبقاء على الثقافة في حالة حركة وتوجيه السياسة وشحن المُثل. • تجانس مظاهر الواقع الاجتماعي ومظاهر الحياة وتوحيدها Gleichförmigkeit. • اجتثاث الإنسان من طبيعته وإلقاؤه خارج موطن الكينونة Entwurzelung. • الانبهار الكلّي بالتدبير التكنوقراطي وإغفال الاختلاف أو الفارق الأنطولوجي بين الكينونة والكائن. • الانجذاب نحو كل ما هو جديد ومُبتكَر، ضمن أفق طوفان الأشياء والهوس بوصفه شعارًا

للأزمنة الجديدة Die Neuzeit. • تحويل كل العمليات الاجتماعية إلى عمليات مكننة وتسخير عملي Machenschaft. • استنفاد الكائن البشري واستهلاكه Vernutzung des seinden. يوظّف روزا هذا التناظر بين مسألة التقنية والعمليات الاجتماعية، التي يقوم التسارع فيها وفي أثنائها، بدور المُحدّد لطبيعة العلاقات القائمة ونوعيتها ومداها، والتي تُمظهر مجتمعات الحداثة

المتأخرة في "شكل من التنظيم السياسي داخل الزمن"، لفائدة مشروع الإنقاذ الأنطولوجي لعلاقتنا بالزمن. وهذه العلاقة حوّلت لقاء المجتمع و/ أو الأفراد بالزمن إلى ما يشبه لقاء المستهلك

بالسلعة، والذي تحكمه، من وجهة نظر هابرماس، علاقات العرض والطلب، ومعادلات السعر والجودة. وفي هذا المستوى، تظهر مسألة السلطة/ السوق بوصفها سؤ لًا عن الهيمنة والتحكّم في حالة الحداثة المتأخرة، غير قادرة على إمكانية ممارستها لوظيفتها؛ ذلك أن التسارع "لم يعد يُختبر بوصفه قوّة مُحرّرة، بل ضغطًا استعباديًا". لذلك تعمل "الحرية الجديدة"، بما هي نقيض

للاغتراب وتعويض أنطولوجي عن الدلالات السلبية لمفهوم أزمات الاختناق الزمني، الذي يستعيره

(2((ينظر: محمد سبيلا، "مسألة الحداثة في فكر هايدغر: بين تمجيد العالم الحديث ورثائه"، تبيّن، مج  3، العدد 11 (شتاء 2015)،

ص 11؛

Martin Heidegger, Introduction à la métaphysique , Gilbert Kahn (trad.) (Paris: Gallimard, 1980), pp. 47–48; Martin Heidegger, "L’époque des conceptions du monde," in: Martin Heidegger, Chemins qui ne mènent nulle part "Holzwege" , Wolfang Brokmeier (trad.) (Paris: Gallimard, 1962), pp. 99–125. (27) Rosa , Accélération , p. 307. (28) Hartmut Rosa, Resonance: A Sociology of Our Relationship to the World (Cambridge: Polity Press, 2019), p. 8.

روزا من لوثار باير Lothar Baier (2004–1942) لشرح الطابع التاريخي للتسارع، بوصفها إجابة عن سؤال الكيفية الذي يطرحه هايدغر: كيف نريد أن نعيش وكيف نريد قضاء وقتنا (عالم التجربة اليومية: ديالكتيك التمثيل) وفق تصور للذات غير القابلة للاستغلال الاقتصادي وللسيطرة التقنية، و"حيث يمكن أن نعيش في الوقت نفسه في أيّ مكان وفي أيّ لحظة نريد [...] بالسرعة التي نريد"؟. ولتفصيل شروط إمكان هذه الحرية، يشرح روزا جدلية التسارع والتحولات البنيوية التي تمرّ بها المؤسسات السياسية للحداثة المتأخرة، حيث إن "مفارقة الزمن السياسي في الحداثة المتقدمة تعود إلى التطور المتباين لآفاقها الزمنية التأسيسية والعلاقة بين الموارد الزمنية والحاجة إلى الزمن". ويعني ذلك أن الحاجة إلى الزمن والموارد الزمنية قد فرضت استهلاكًا لزمن الحاضر وطلبًا متزايدًا على الزمن "أصبح يرهق علاقتنا بالعالم أكثر فأكثر، إلى درجة أنه أصبح يُعبّر عن علاقة إشكالية بهذا العالم". تدل هذه الحاجة المتزايدة من جهة النظرية النقدية، على ظهور التسارع بوصفه باثولوجيا اجتماعية Social Pathology تُضاف إلى جملة "أمراض" المجتمع الحديث الذي أصبح يتميّز بكونه "ليس مُنظمًا ومُنسقًا وفق قواعد معيارية تفسيرية، بل وفق قواعد معيارية صامتة ذات طبيعة زمنية تبرُز في أشكال التحديد الزمني والأجندات والحدود الزمنية". وفي هذا المستوى من التشخيص الأنطولوجي لأمراض الحداثة المتأخرة، يشتغل مشروع روزا النقدي من داخل الأطروحة المركزية لأكسيل هونيث حول "الباثولوجيات الاجتماعية" ومن دون الاكتفاء بالإرث النقدي لمدرسة فرانكفورت، وفي علاقة بالفلسفة الاجتماعية عمومًا، ومن خلال الإقرار بانعدام حقيقة إبستيمولوجية خارقة للتاريخ أو فوق تاريخية؛ حيث يجعل من التحليل النظري مرتبطًا بأشكال التطبيق الاجتماعي. وانطلاقًا من العودة النقدية إلى الإرث النظري للرواد الأوائل لمدرسة النقد الاجتماعي والاشتغال على أطروحات الجيل الرابع للنظرية النقدية، يقترح روزا نقدًا على النقد لمفهومَي الاغتراب والتشيؤ، واستثمارًا للدلالات الفلسفية لمفهومَي الألم

(29) Heidegger, Introduction à la métaphysique , pp. 48–49. (30) Rosa, Accélération , p. 319. (31) Rosa, Resonance , p. 36. (32) Ibid., p. 57.

((3(للمزيد حول موقف روزا من النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، ينظر:

Lars Gertenbach & Hartmut Rosa, "Kritische Theorie," in: Lars Gertenbach et al., Soziologische Theorien (Paderon: Fink, 2009), pp. 175–254.

((3(يستحضر روزا في مشروعه حول (التسارع Accélération/ Beschleunigung) و (التصادي/ الرنين Résonance/ Resonanz)، ونقد مجتمعات الحداثة المتأخرة، أطروحات الجيل الأول والثاني والثالث لمدرسة فرانكفورت، مثل: ثيودور أدورنو Theodor Adorno (1969–1903) ووالتر بنيامين Walter Benjamin (1940–1892) وهربرت ماركوزه (1979–1898) وهابرماس وهونيث وغيرهم من علماء الاجتماع والمفكرين، وذلك ضمن إعادة قراءة مجتمعات الحداثة المتأخرة في ضوء تحولاتها البنيوية وما أصبحت تُمثّله مفاهيم الاغتراب والتشيؤ والعلاقة بالزمن.

والوعي الزائف، لا باعتبارها مفاهيم وصفية لمجتمعات الحداثة المتأخرة، بل لأنها معايير تقييميّة نحكم من خلالها على علاقة التسارع "بالمؤسسات والبنى الاجتماعية انطلاقًا من وجهة نظر تاريخية واجتماعية". وفي الوقت الذي تحمل فيه النظرية النقدية للتسارع على عاتقها "تفسير تحّولّات أنظمة الإنتاج والاستهلاك في الحداثة منذ بداياتها إلى حدود الحداثة الكلاسيكية ثم الحداثة المتأخرة"، فإن تصوّر شكل الحياة الممكنة والمجتمع الجيّد والتحليل النقدي للقوانين والقوى التي تحكم طريقة اشتغال مجتمعات الحداثة المتأخرة وكيفيتها، يفرض تعريفًا وتحديدًا لوضعية الألم والأيديولوجيا والاغتراب والتشيؤ انطلاقًا من الداخل؛ أي من خلال تفكيك جدلية العلاقة بين هذه الوضعيات والمستويات الأنثروبولوجية والنقدية والتحديثية للمجتمع، وهى المستويات التي يعمل من داخلها "التصادي/ الرنين Résonance " بوصفه نقيضًا للاغتراب وحلًا للتسارع. ومن خلال الاستعانة بالأبعاد الفلسفية لدلالات مفهوم الباثولوجيات الاجتماعية وتمظهراته داخل مجتمعات الحداثة المتأخرة، يُقدّم روزا نوعًا من الاستبطان Intériorisation حول الصورة الفلسفية التي يشكّلها التسارع ضمن مجالات السياسة والثقافة والمجتمع؛ بوصفه نتيجة لتموضعه في قلب الإشكاليات السياسية والثقافية والاجتماعية للحداثة المتأخرة. ويقود هذا الاستبطان إلى التفكير في مجتمعات الحداثة المتأخرة في شكلها المتذرر تحت وقع تذرر الزمن من جهة الاستجابة العكسية لضغط الزمن، ولتمظهرات تآكل الهوية التي ولّدت جميعها نظامًا اجتماعيًا بديلًا، يمكن تحليله وشرحه انطلاقًا من مستويات التسارع ومجالاته وتمظهراته وقواه، وتشرح هذه المصفوفة الرباعية كيفية إعادة بناء

((3(يعيد روزا استثمار مفهومَي الاغتراب والتشيؤ ضمن مشروع "نقد النقد"، حيث يشتغل النقد ضمن دائرتين: الأولى نقد دلالات

التشيؤ والاغتراب كما وردت في أطروحات الجيلين الأول والثاني لمدرسة فرانكفورت، والثانية نقد يقوم على تحيين وتطوير واختبار عملي للدلالات المعاصرة لهذه المفاهيم في زمن الحداثة المتأخرة، كما يستفيد من أطروحات جايجي في علاقة بنقد الأيديولوجيا ومفهوم الألم عند هونيث. للمزيد حول أطروحتَي نقد الأيديولوجيا ومفهوم الألم، ينظر:

Axel Honneth, Les Pathologies de la liberté: Une réactualisation de la philosophie du droit de Hegel, Franck Fischbach (trad.) (Paris: La Découverte, 2008), pp. 55–78; Rahel Jaeggi, "Qu’est–ce que la critique de l’idéologie?" Actuel Marx , vol. 1, no. 43 (2008), pp. 96–108; Rahel Jaeggi, "Une critique des formes de vie est–elle possible? Le négativisme éthique d’Adorno dans Minima Moralia," Actuel Marx , vol. 2, no. 38 (2005), pp. 135–158;

محمد العربي العياري، "أطروحة التملّك وأنطولوجيا الاعتراف: قراءة في فلسفة رحيل جايجي"، مجلة حكمة الإلكترونية،

2024/1/15، شوهد في 2024/8/30، في: https://bit.ly/3yVNmN9

(36) Rosa, Aliénation , p. 67. (37) Ibid., p. 71.

((3(يحظى مفهوم الرنين/ التصادي بمكانة مركزية في أطروحات روزا باعتباره النقيض والحل لهيمنة التسارع بمستوياته الثلاثة (التسارع التقني، وتسارع التغيير الاجتماعي، وتسارع وتيرة الحياة الاجتماعية). ويشير روزا في كتاباته إلى أهمية فكرة الرنين بما هو تجربة فردية يمكنها أن تُخلّص الذات من هيمنة الأنساق المغلقة وسطوة الاغتراب في زمن الحداثة المتأخرة، ويشرح مفهوم الرنين

وعلاقته بالسياسة والدين والثقافة والهوية. للمزيد حول مفهوم الرنين، ينظر:

Rosa, Résonance ; Hartmut Rosa, Pourquoi la démocratie a besoin de la religion , Isis Von Plato (trad.) (Paris: La Découverte, 2023).

"العقل الاجتماعي" المحكوم بسطوة التقنية وأزمة القوة الفاعلة التي تعاني التقاء الذات بالزمن، والدور التحويلي للأيديولوجيا في زمن الحداثة المتأخرة التي "فرضت بالقوّة رؤية للعالم وحوّلتها إلى

معتقد دوغماطيقي موثوق لا ينبغي الشك في صحة مبادئه". وضمن هذا السياق، يكون التسارع بمنزلة "طقس العبور" نحو الحداثة المتأخرة التي حافظت على خصائص المنظومة التي تستمد توازنها من نفسها وفقًا لنموذج تالكوت بارسونز Talcott Parsons (1979–1902)، ومُستغلة الهابيتوس الجماعي في شكله الحداثي المُتأخر مع رأس مال ثقافي ورمزي

يخضع لشروط الحقل Champ بأبعاده المعاصرة، وفي الوقت نفسه الذي يشتغل فيه التسارع ضمن مستويات الأنثروبولوجيا والنقد والتحديث. إن هذا العرض لمستويات التسارع ومجالاته بوصفها مداخل Input وصفية، تطرح من جهة المخرجات Output تمظهرات وقوى للتسارع تصف الاغتراب الثلاثي الأبعاد والتغيّرات التقنية والاجتماعية والثقافية – المعرفية في زمن الحداثة المتأخرة. يجد روزا في الأعمال السوسيولوجية والفلسفية المتعلقة بالنظرية النقدية، مجموعةً من المفاهيم والأطروحات التي تُعنَى بفهم تمظهر الاغتراب والتشيؤ وشرح كيفيتهما ضمن العالم المعيش وسياقات التطور التقني والاجتماعي وتحّولّات الهوية داخل مجتمعات الحداثة المتأخرة. ولا يعني هذا التطور

من جهة النقد الفلسفي، استنفاد هذه المفاهيم حدودَها من جهة الشرح والوصف والتأويل لأمراض الحداثة المتأخرة، بل إن أزمات الحاضر وتحوّل "الزمن إلى طرف في التحوّل والتغيير الجذري؛ أي

الشريك الفاعل في العلاقة بين الزمن والمكان"، غذّيا الطلب النقدي على هذه المفاهيم ودلالاتها، وضرورة إعادة موضعتها ضمن رؤية تقوم على إعادة صياغة لعلاقة الذات بالعالم وبالموضوعات وبالأشياء، وذلك لاختبار عملية "تحديد الزمن من خلال التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية والثقافية". ويشرح روزا مداخل التسارع ومخرجاته (المستويات والمجالات والتمظهرات والقوى) استنادًا إلى ما سماه في القسم الثاني من كتابه الاغتراب والتسارع: من أجل نظرية نقدية للحداثة المتأخرة بفينومينولوجيا التسارع الاجتماعي، وإعادة استنطاق أطروحات نقد الحداثة

((3(يُعرّف نيقولا حداد (1954–1878) "العقل الاجتماعي" في كتابه فلسفة الوجود، بأنه اشتراك الجمهور في عقيدة دينية أو رأي

سياسي أو زي واحد أو تقليد واحد، بحيث يسددون جميعًا أفعالهم إليه، وهذا يستلزم أن تكون عقيدتهم الفردية قد صيغت في قالب

واحد تقريبًا، كأنّهم يمتلكون فكرًا واحدًا ويشتهون غاية واحدة ويتعاونون في الحصول عليها. لذلك، إذا صدرت فكرة من مركز واحد

رئيس كحكومة أو سلطة دينية أو جمعية أو حزب، أو شبه رئيس كزعيم أو عالم أو مخترع أو نابغة مبتكر من أيّ مركز من هذه

المراكز، فإن حركة هذه الموجة تنتشر على جميع العقول الفردية، وتهزّها كلها هزّة واحدة، وتطبع فيها الفكرة نسخًا متعددة كما تطبع

عبارتها على الورق، فكأن الفكرة فكرة عقل جماعة. للمزيد، ينظر: نقولا حداد، فلسفة الوجود (وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2014)، ص.79 (4((زيجمونت باومان وكارلو باردوني، حالة الأزمة، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2018)، ص.83 (4((زيجمونت باومان، الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2019)، ص.174

(42) Catherine Coquio, "Sociologie ou politique de l’accélération? Entretien avec Antoine Chollet," Espace et Temps , vol. 1, no. 16 (2016), pp. 59–65.

((4(عنوان القسم الثاني من كتاب: , pp. 125–180 Accélération Rosa,.

تصور روزا لمستويات التسارع ومجالاته وتمظهراته وقواه في زمن الحداثة المتأخرة.

أﻧﺜﺮوﺑﻮﻟﻮﺟﻲ

ﻣﺴﺘﻮﻳﺎﺗﻪ ﻧﻘﺪي

اﻟﺤﻘﻞ

اﻟﻬﺎﺑﻴﺘﻮس

رأس اﳌﺎل اﻟﺘﺴﺎرع اﻏﱰاب اﻟﺬات ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻬﺎ

ﺗﻤﻈﻬﺮاﺗﻪ

اﻏﱰاب اﻟﺬات ﻋﻦ اﻟﻌﺎﻟﻢ

اﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ)ﺗﻐﻴﻴﺮ ﺗﻘﻨﻲ(

ﻗﻮاه

المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى:

. Organisationen, Institutionen, Bewegungen المنظمات والمؤسسات والحركات كتابه

وما بعدها وتمظهراتها السياسية والثقافية والاجتماعية والأنثروبولوجية مع تشارلز تايلور وبيير بورديو (2002–1930) وكارل ماركس (1883–1818)، وماكس فيبر Max Weber (1920–1864) وهرمان لوبه)1(. ويقدّم الشكل)2006–1923(Reinhart Koselleck وراينهارت كوسيليك Hermann Lübbe

الشكل (1) التسارع: مستوياته ومجالاته وتمظهراته وقواه في زمن الحداثة المتأخرة

ﺗﺸﺎرﻟﺰ ﺗﺎﻳﻠﻮر

ﻣﺪﺧﻼت

اﻟﺘﺴﺎرع

ﺑﻴﻴﺮ ﺑﻮردﻳﻮ

اﻏﱰاب اﻟﺬات ﻋﻦ اﻵﺧﺮﻳﻦ ﻛﺎرل ﻣﺎرﻛﺲ

ﻣﺨﺮﺟﺎت

اﻟﺘﺴﺎرع

اﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ)ﺗﻐﻴﻴﺮ اﺟﺘﻤﺎﻋﻲ(

ﻫﺮﻣﺎن ﻟﻮﺑﻪ

ﺛﻘﺎﻓﻴﺔ – ﻣﻌﺮﻓﻴﺔ)ﺗﻐﻴﻴﺮ وﺗﻴﺮة اﻟﺤﻴﺎة (راﻳﻨﻬﺎرت ﻛﻮﺳﻴﻠﻴﻚ

Hartmut Rosa, Accélération: Une critique sociale du temps , Didier Renault (trad.) (Paris: La Découverte, 2010); Hartmut Rosa, Aliénation et accélération: Vers une théorie critique de la modernité tardive , Thomas Chaumont (trad.) (Paris: La Découverte, 2012), p. 57.

(4((يتناول روزا في مقدمة كتاب التسارع: نقد اجتماعي للزمنبروز فكرة الزمن في أطروحات الحداثة وما بعد الحداثة، واستثمار مفهوم الزمن ضمن مشاريع النقد عند بورديو وكوزيليك وتايلور ولوبه وفيبر وماركس ووارنر برغمان Werner Bergmann خاصة

ولتفسير كيفية اشتغال التسارع ضمن نطاق المدخلات (المستويات والمجالات)، يلجأ روزا إلى البحث في الطبيعة الأنثروبولوجية والنقدية والتحديثية لمستويات التسارع، مستفيدًا من أعمال تايلور حول "تشكّل الهوية الحديثة" من أجل شرح الوقائع الاجتماعية ومناحي ارتباطها بالمرجعية الثقافية للمجتمعات. تمثّل فكرة الأزمة الثقافية داخل المجتمعات المعاصرة (المجتمعات النفعية) نقطة الانطلاق في إعادة النظر في العقل باعتباره "هو الذي يحكم" ويحدّد ماهية العلاقات الممكنة مع العالم. ومن خلال الاستدارة النقدية نحو البنية الثقافية لمجتمعات الحداثة المتأخرة، وإشكالية التسارع وهيمنة التفسير الزمني لقضية السياسة والهوية، تكون أطروحة تايلور بمنزلة "تشخيص علاجي للحاضر". وقد شرح روزا أهمية هذه الأطروحة وراهنيتها في نص بعنوان "الهوية الذاتية والممارسة الاجتماعية: الفلسفة السياسية عند تشارلز تايلور"، حيثيُبيّن جدوى الرهان الفلسفي على النماذج

السلوكية داخل الفلسفة التحليلية كما يعرضها تايلور، ومن ثم إمكانية اكتشاف القدرة على وصف عمليات التسارع من خلال "البناء الشكلي الذي تحوزه أشكال لغة الحياة اليومية لتفسير السلوك الإنساني؛ إذ يتم النظر دومًا إلى إنجاز الفرد لتصُّرُفٍ ما، كعملية يكون القصد منها تحقيق غاية ذاتيّة

أو الوصول إلى هدف منشود". وفي هذا المستوى، يُقرأ التسارع بوصفه عملية ثقافية – سلوكية

ضمن دائرة المنطق الثقافي للممارسات اليومية المُعَبَّر عنها بوساطة أشكال التفاعل، ومن خلال

عمليات التحيين اليومي للهوية وتقديم الذات بوساطة التقنية والأبعاد الزمنية للسياسة والثقافة. ولذلك تبرز أهمية مشروع تايلور، في علاقته بالذات والرغبات الإنسانية وتشكّل الهوية، في الجانب المتصل بإمكانية النظر في علاقة التسارع والطلب المتزايد على الزمن، وهو ما سماه هاري فرانكفورت (2023–1929) ب "رغبات الدرجة الأولى" و"رغبات الدرجة الثانية" التي تشرح أسباب هيمنة التسارع وظروفها وسياقاتها في دوائر العلاقات الاجتماعية وفي علاقته بالذات والهوية في الحداثة المتأخرة. أما عن مجالات التسارع، ونعني بها الحقل والهابيتوس ورأس المال، فإن روزا يُبلور هذه المفاهيم لشرح

كيفية بناء الاستراتيجيات الفردية في علاقاتها بالزمن والسعي الدائم نحو تحسين المركز الاجتماعي أو المحافظة عليه، وذلك انطلاقًا من الانتباه إلى اشتغال بورديو على "دمج مفاهيم الصراع الطبقي

(4((ينظر: تشارلز تايلور، منابع الذات: تكوين الهوية الحديثة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ((4(المرجع نفسه، ص.187 ((4(المرجع نفسه. ينظر ((4:(

Hartmut Rosa, "Personale Identität und soziale praxis: Die politische Philosophie Charles Taylor," PhD Dissertation, Humboldt University, Berlin, 1997.

(4((أكسل هونيث، الاجتماعي وعالمه الممزق: مقالات فلسفية اجتماعية، ترجمة ياسر الصاروط (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.252

(50) Harry Frankfurt, "Freedom of the will and the Concept of a Person," Journal of Philosophy , vol. 67, no. 1 (1971), pp. 5–20;

للمزيد حول أطروحة "رغبات الدرجة الأولى" و"رغبات الدرجة الثانية"، ينظر الفصل الحادي عشر في: هونيث، ص.268–247

مع دراسة أشكال التعبير الرمزية في نظرية ثقافة الرأسمالية المتأخرة". وإذا كان التسارع "محكومًا بالبنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الحديث"، فإن منطق لعبة الزمن الذي يشرح هايدغر من خلاله تمظهرات سطوة التقنية في زمن الحداثة، نجده يتطابق من جهة الفعل الغائي – الاستراتيجي مع المثال الذي يُقدّمه بورديو عن لعبة البلياردو أو البوكر التي تمسح لحظة النزاع الذي يتنافس فيه اللاعبون على رأس مال، مُوظفين رأس المال المُكتسب من جولات سابقة في النزاع. ويلتقي زمن

سطوة التقنية (هايدغر) بزمن اللعبة (بورديو) بمفهوم "لعبة الزيادة" الذي يصوغه روزا لشرح فكرة النمو والحركة، وأيضًا الزيادة الدائمة في الخيارات، وأطروحة "المنافسة" التي تعني تحقيق أداء أفضل واستثمار المزيد من الطاقات ضمن طابع تنافسي يفضي إلى ديناميكية غير محدودة. ويشرح هذا الالتقاء والتقاطع بين زمن اللعب وزمن التقنية بزمن المنافسة، خطورة التسارع بوصفه محركًا للصراع داخل الحقل ومستهلكًا لرأس المال الثقافي والرمزي للأفراد، وأيضًا تعبيرًا سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا

عن هابيتوس جماعي يُكثّف من جهة التفسير الفلسفي أسباب تزايد الطلب على الزمن ويشرح من جهة

أخرى مكامن الصراع على المكانة داخل الحقل، الذي لا يعني بالضرورة صراع ذاتٍ ضدّ أخرى، بل يدل على صراع الذات ضدّ ندرة الموارد الزمنية وتسارع إيقاعات الحياة. وفيما يهم مخرجات التسارع من حيث التمظهرات والقوى، تُقدّم أطروحة الاغتراب ضمن أبعادها أو مجالاتها الثلاثة، وفقًا لكارل ماركس (اغتراب الذات عن نفسها، واغتراب الذات عن الآخرين، واغتراب الذات عن العالم)، شرحًا للتحّولّات الطارئة على علاقة الذات بالعالم؛ أي التحّولّات التي

عُمّمت على مكوّنات الثقافة، وأيضًا تفسيرًا لمظاهر هيمنة التقنية التي شوّهت الأنظمة الثقافية للفعل

أو كما يُحدّدُها هابرماس في المجال العلمي والقانوني والجمالي. ويُعيد بردايم الاغتراب في حالة

المجتمعات المتأخرة صوغ السؤال حول راهنية النظرية النقدية في محاولةٍ لإنقاذ أنطولوجيا العلاقات بين الذات والعالم والأشياء. وفي هذا السياق، يُعيد روزا توظيف أطروحة هابرماس حول "الارتباط بين البنى الفوقية والبنى التحتية في الأطوار الحاسمة عندما ينتقل مجتمعٌ ما إلى مستوى جديد للتحرر"؛ بمعنى كيفية موضعة مفهوم الاغتراب باعتباره حالة Zustand ووضعًا Setzen؛ أي حالة وصفية لمجتمعات الحداثة المتأخرة، ووضعًا سياسيًا وثقافيًا للذات التي تتعرّض ل "آليات إنتاج أشكال

من الاغتراب الاجتماعي".

((5(المرجع نفسه، ص.200 (5((كمال بومنير، التسارع، الاغتراب والتصادي: قراءة في فكر هارتموت روزا (الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ بيروت: دار الروافد الثقافية، 2022)، ص.13 ((5(ينظر:

Pierre Bourdieu, La Distinction: Critique sociale du jugement (Paris: Les Edition de Minuit, 1979). (54) Hartmut Rosa, Remède à l’acceleration , Alexandre Lacroix (trad.) (Paris: Philosophie Magazine, 2018), pp. 27–35.

(5((يورغن هابرماس، بعد ماركس، ترجمة محمد ميلاد (دمشق: دار الحوار، 2002)، ص.80

(56) Ferri Fabian, "L’accélération comme moteur de l’aliénation," Mouvements: Des idées et des luttes , 15/7/2012, accessed on 30/8/2024, at: https://bit.ly/3Z6D9Ij

إن هذه الاستعادة المزدوجة لإشكالية الثقافة والسياسة داخل مجتمعات الحداثة المتأخرة، تفيد براهنية البحث في الطاقة التحريرية للعلم وكيفية انفصاله عن براءته الأيديولوجية وفق هابرماس، و"ضياع العقل العلمي في التقنية؛ ما جعل الخطاب الأداتي يغوص في أغوار بوتقة مغلقة ودوغمائية مكبّلة

بالمصادرات العلمية". وتعني هذه الاستعادة، أيضًا، استمرارية المشروع النقدي لمخرجات الحداثة في حالتها/ وضعيتها المتأخرة، وعند نقاط تمفصل الزمن الذي أصبح المُحدّد لعلاقتنا

بالأشياء، والاغتراب بما هو تعبير أنطولوجي عن الصراع بين الرغبة في التحرر من جهة، ومحاولة "عزل أنطولوجيا العلاقات الاجتماعية عن أشكال الإنتاج" من جهة أخرى. وتنفتح هذه المحاولة على اختبار القدرة على إمكانية التعويل على "نشاط" التحرر في إطار توفير شرط "استقلالية الإنسان التي تتطوّر دائمًا على أساس تجربة وموقف تجاه العالم الذي يتشكّل على المستويات العاطفية والوجودية

والمادية والبدنية والاجتماعية والاقتصادية". واختبارًا لهذه الإمكانية، يقدّم روزا في الفصل الرابع

عشر من كتابه الاغتراب والتسارعنقدًا إيتيقيًا للرأسمالية عبر طرح السؤال حول العلاقة بين التسارع

الاجتماعي والاغتراب Entfremdung في صوره المتصلة بالعلاقة مع الفضاء والأشياء والأفعال الإنسانية والزمن والذات والآخرين. وقد تبلور هذا النقد الإيتيقي للاغتراب ضمن مشروع النظرية النقدية الذي أضاف من خلاله روزا فكرة البنية الجديدة للزمن، وشرح كيفية تمُّدّد الاغتراب بفعل التسارع. ويُؤصّل روزا من خلال هذا النقد لمجالات الاغتراب وفق القراءة الماركسية لعلاقات الإنتاج

(الاغتراب عن العالم والآخرين، واغتراب الذات عن نفسها)، لمجالات أخرى للاغتراب تنطلق من زاويتين رئيستين؛ تتعلّق الزاوية الأولى بإعادة بناء النظرية النقدية "من وجهة نظر موحدة للأمراض الاجتماعية في الوقت الذي أصبح فيه الزمن يتسارع ويمارس ضغطًا متزايدًا على حياتنا العادية". أما الزاوية الثانية فتهم ما أصبح يعنيه الاغتراب من حيث الدلالات والمجالات انطلاقًا من تأثير التسارع الذي يشمل علاقات الإنتاج في زمن الحداثة المتأخرة. وبذلك، تُضاف مجالات أخرى للاغتراب تهمّ

الفضاء والزمن والأفعال الإنسانية. يشتغل روزا على مجالات الاغتراب وفق الرؤية الماركسية، لكنه يدمج البعد الزمني في علاقة ببروز

(57) Pierre Burgelin, "Martin Heidegger, qu’appelle–t–on pensé?" Revue d’histoire et de philosophie religieuse , vol. 1, no. 1 (1959), pp. 93–94. (58) Karl Marx, "Critique de l’économie politique," Maurice Husson (trad.) (Paris: Éditions A. Frank, 1859), accessed on 30/8/2024, at: https://bit.ly/4dGOxip (59) Rosa, Résonance , pp. 36–39.

(6((يستعمل روزا كلمة Entfremdung عوضًا عن كلمة Entäusserung. وهو يختلف في هذا عن استعمال هيغل في كتاب مبادئ

فلسفة الحق (1820) لكلمة Entäusserung، بديلًا من Entfremdung، حيث تُشير كلمة Entäusserung إلى معاني نقل الملكية،

كما أن لها دلالات اشتقاقية تتصل بمعنى الأجنبي أو الغريب Fremd. للمزيد، ينظر:

Friedrich Hegel, Elements of the Philosophy of Right (Cambridge: Cambridge University Press, 1991).. Rosa, Aliénation et accélération , pp. 114–123 6(ينظر:(((62) Hartmut Rosa, "On Defining the Good Life: Liberal Freedom and Capitalist Necessity," Constellations , vol. 5, no. 2 (1998), pp. 201–214. (63) Fabian.

التسارع وتغلغله ضمن علاقة الذات بنفسها وبالعالم وبالآخرين، ومن دون "طرح السؤال حول منطق التغيير الزمني إن كان ذا طبيعة اقتصادية أم لا". ولا يعني عدم طرح السؤال حول جدلية الاقتصاد والزمن، نفي الطابع الاقتصادي للزمن في الحداثة المتأخرة، إلا أن استنفاد الإجابة في طبيعتها الاقتصادية قد يُعيد استحضار مسألة قيمة الزمن في علاقاتها بالبنية الثقافية للمجتمعات والأفراد، ومن ثم اختزال التسارع في دوائر علاقات الإنتاج فحسب من منظور ماركسي. ووفق أطروحة روزا، يعمل الاغتراب بوصفه مؤشرًا على تحولاتٍ في الأنماط الاجتماعية لعلاقات الإنتاج، و"زيادة في وتيرة

التغيير الاجتماعي، أي ما يخص أنماط الترابط الاجتماعي وأشكال الممارسة الاجتماعية". يقدّم الجدول (1) مجالات الاغتراب وفقًا لماركس وإضافات روزا. الجدول (1) تحولات مجالات الاغتراب في الحداثة المتأخرة (ماركس وروزا) كارل ماركس

هارتموت روزا

الاغترابكارل ماركسهارتموت روزا
الذاتالذات
أ العالم
العالمالأشياء
الفضاء
أ الأشياءالزمن
الأفعال الإنسانية

المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى:

Hartmut Rosa, Aliénation et accélération: Vers une théorie critique de la modernité tardive , Thomas Chaumont (trad.) (Paris: La Découverte, 2012), pp. 114–123.

لا يقتصر الاغتراب في تمظهراته وفقًا لروزا على الذات والآخرين والعالم، بل أصبح الزمن والفضاء

والأفعال الإنسانية مُولّداتٍ لقوى تشهد تحولات وظيفية في زمن الحداثة المتأخرة؛ وهي القوى

الاقتصادية والاجتماعية والثقافية – المعرفية. وتمثّل هذه القوى أحد مخرجات التسارع في زمن الحداثة المتأخرة، لكنها تعبّر، من جهة الدلالات الفلسفية وأنطولوجيا الزمن، عن إشكاليات الحداثة

المتأخرة ومسائل ذات طابع عملي تُؤدي الوظائف نفسها التي كانت تُؤديها في الماضي، ونعني بها البيروقراطية وإنتاج المعرفة والعَلمنة، لكنها تحوّلت وفقًا لروزا إلى إشكاليات تشق مجتمعات الحداثة

المتأخرة، وتشمل البنية السياسية والثقافية والاجتماعية. وسوف يمتد تأثير التسارع من إشكالية البحث في فينومينولوجيا الزمن في الحداثة المتأخرة، إلى أسئلة العقلنة والبيروقراطية مع ماكس فيبر، وجدال

(64) Rosa, Aliénation , p. 115. (65) Fabian.

الاجتماعي وتحولاته وفقًا لهرمان لوبه Hermann Hoppe والإحراج الإيتيقي حول قضية الثقافي والمعرفي وتحّولّات الآفاق الزمنية في الماضي والمستقبل، استنادًا إلى فرضية راينهارت كوسيليك.

1. الإشكالية السياسية للحداثة المتأخرة: التسارع بوصفه شكلًا جديدًا من أشكال التوتاليتارية

تجد الإشكالية السياسية راهنيتها في ظل أزمات الحداثة المتأخرة من خلال هيمنة التسارع وجدلية العلاقة بين السياسة والزمن. ونتيجةً لهذه التحولات، أصبح "التسارع الاجتماعي قوّة توتاليتارية

داخلية في الحداثة المتأخرة والمجتمعات الحديثة". وضمن هذا التحوّل المعياري للسياسة

بفعل هيمنة التسارع، يستعيد روزا فحص شروط الحياة الجيّدة ورهاناتها واختبار المداخل النظرية

التي تُؤمّن الحرية الجديدة. ولا يقتصر مفهوم التوتاليتارية في مشروع روزا النقدي على مدلوله السياسي، بل يشمل السؤال عن قواعد اللعب الجديدة وإشكالية السياسة بين ما يجب أن تكون عليه طبيعة القرار السياسي من جهة، وتأثير الزمن في صناعة القرار وإمكانية الإجابة عن سؤال "ماذا يجب أن يكون عليه الإنسان حتى يكون النظام السياسي قابلًا للعيش؟" من جهة أخرى. وإذا كانت جذور الهيمنة والتحويل العقلاني لأنماط العلاقات الاجتماعية بفعل البيروقراطية، سواء أكانت، وفقًا لفيبر، عقلانية شكلانية تتعلق بدرجة حساب الأفعال، أم عقلانية مادية تتعلق بالقيم التي تُوجه تصرفات الفاعلين، فإن التنظيم البيروقراطي للعمل والسياسة خلق هيمنة يمكن وصفها بالتوتاليتارية استنادًا إلى أربعة شروط. يتعلق الأول بقدرة "الهيمنة على فرض ضغط على إرادة الذات وأفعالها"، ويتمحور الثاني حول "استحالة التخلص من هذه الهيمنة "، ويشمل الثالث "تمدد الهيمنة إلى جميع مجالات الحياة الاجتماعية"، وينسحب الرابع على معنى "صعوبة أو استحالة نقد أو مواجهة هذه الهيمنة". تتعلق دلالات الهيمنة وفقًا لهذه الشروط التي يقدّمها روزا بمعاني الفرض والاستحالة، والتمدد، وصعوبة المواجهة والنقد، وتتحدّد بوصفها أعراضًا تدل على أن "المجتمع هو مشروع يُنَظَّم سياسيًا

تحت تأثير الزمن"، وبذلك، سوف تتمظهر التوتاليتارية من خلال القرارات السياسية وتناقضات الزمن السياسي، وفقًا لأطروحة روزا حول التوتاليتارية والتسارع، التي يبيّنها الشكل.)2(

(66) Rosa, Aliénation , p. 84.

(6((ينظر:

John Lucas, Principles of Politics (Oxford: Clarendon Press; New York: Oxford University Press, 1985).

(6((هابرماس، ص.45

(69) Rosa, Aliénation , p. 84. (70) Ibid. (71) Ibid. (72) Ibid. (73) Rosa, Accélération , p. 307.

اﻟﻨﺘﺎﺋﺞ

ﺗﺮﺣﻴﻞ اﻟﻘﺮارات إﱃ

ﻓﻀﺎءات أﻛﺜﺮ ﴎﻋﺔ:

• اﻟﺘﻔﻮﻳﺾ.

اﻟﻘﺮارات

• رﻓﻊ اﻟﻘﻴﻮد.

اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ

• اﻟﺨﻮﺻﺼﺔ.

• ﻃﻐﻴﺎن اﻟﺘﻨﻔﻴﺬي ﻋﲆ

اﻟﺘﴩﻳﻌﻲ.

المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: , p. 320 Accélération Rosa,.

الشكل (2) تناقضات الزمن السياسي اﻧﻜﻤﺎش اﻷﻓﻖ اﻟﺰﻣﻨﻲ/ ﺗﻘﻠﻴﺺ ﻣﻮارد اﻟﺰﻣﻦ:

1. ﺗﻘﻠﻴﺺ اﻟﺰﻣﻦ اﳌﺨﺼﺺ ﻟﻠﻘﺮارات

)ﻧﻤﻮ ﴎﻋﺔ اﻻﺧﱰاﻋﺎت اﻟﺘﻘﻨﻴﺔ

واﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ(.

2. ازدﻳﺎد ﻛﻢ اﻟﻘﺮارات اﻟﴬورﻳﺔ/ اﻹﻟﺰاﻣﻴﺔ.

3. ﺗﻘﻠّﺺ اﳌﻮارد اﻟﺰﻣﻨﻴﺔ ﻟﻠﻘﺮارات.

4. ﺗﻘﻠّﺺ اﻟﺰﻣﻦ اﳌﻨﻈﻮر)ﺿﻐﻂ اﻟﺤﺎﴐ.(

ﺗﻤﺪد أﻓﻖ اﻟﺰﻣﻦ/ ازدﻳﺎد اﻟﺤﺎﺟﺔ إﱃ ﻣﻮارد

زﻣﻨﻴﺔ:

1. اﻣﺘﺪاد ﻧﻄﺎق آﺛﺎر اﻟﻘﺮارات)ﻣﺜﺎل:

اﻟﻬﻨﺪﺳﺔ اﻟﻮراﺛﻴﺔ.(

2. ﴐورة اﻟﺘﺨﻄﻴﻂ ﻧﻈﺮًا إﱃ ارﺗﻔﺎع ﻣﻌﺪل

اﻟﺤﺎﻻت اﻟﻄﺎرﺋﺔ.

3. ﺗﺂﻛﻞ اﻟﻘﻮاﻋﺪ اﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ واﻟﺴﻮﺳﻴﻮﺛﻘﺎﻓﻴﺔ

ﻟﻠﻘﺮارات؛ ﻣﺎ ﻳﻔﺮض ازدﻳﺎدًا ﰲ اﻟﻄﻠﺐ

ﻋﲆ اﻟﺰﻣﻦ.

لا تنفصل تناقضات الزمن السياسي عن الفعل الذي يكتسي طابعًا استراتيجيًا يتعلق بالاقتصاد والسياسة وإدارة الزمن في الحداثة المتأخرة. وحيث يبرز المفهوم المزدوج للعقلانية الأداتية التي تجمع، وفقًا لبارسونز، بين العالم المعيش وعالم النسق، فإن أولوية الفعل على النسق في أطروحة فيبر تعني أن قوتَي النشاط العقلاني (الاقتصاد والسياسة) ستحّلا ن في الحداثة المتأخرة، وبفعل توتاليتارية التسارع، محلّ تزامنية الديني والاقتصادي التي يعرضها فيبر في كتابه الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية (1904). ويُحيّن هذا التزامن بين الاقتصادي والسياسي الانشغال بمسألة التأثير السببي في سلوك الأفراد في ظل التغيير التقني الذي ينسحب على المكوّنات الثلاثة للعالم المعيش، وهي: "النماذج الثقافية،

(7((للمزيد ينظر: لوران فلوري، ماكس فيبر، ترجمة محمد علي مقلد (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2008)؛

Wilhelm Hennis, La problématique de Max Weber (Paris: PUF, 1996).

والأنظمة المشروعة، وبيانات الشخصية". وفي ظل تمدد أفق الزمن وازدياد الحاجة إلى موارد زمنية من ناحية، وتسريع القرار السياسي من خلال تقليص الموارد الزمنية لكل قرار من ناحية أخرى، يظهر الزمن بوصفه نظام هيمنة يتحوّل بفعل التسارع إلى شكل من أشكال التوتاليتارية التي بقدر ما تعمل على

إبراز العلم والسياسة بوصفهما حرفة Wissenchaft als Beruf/ Politik als Beruf، فإنها تخلق من جهة العرض الأنطولوجي للزمن ما يمكن تسميته بالفضاء السياسي للتسارع Accépolitosphére؛ إذ يصبح الزمن السياسي محكومًا بالتسارع ضمن فضاء وتعريف جديدَين للسياسة وللفضاء السياسي

في زمن الحداثة المتأخرة. يؤثر هذا الشكل من التوتاليتارية في دلالات الثقافة وتمظهراتها في زمن الحداثة المتأخرة، من جانب اختفاء الأشكال التقليدية للإنتاج الثقافي، وتعطيل المحرك السوسيوثقافي للمجتمعات والأفراد.

2. التسارع والإشكالية الثقافية للحداثة المتأخرة

تمثّل مسألة الثقافة أحد أضلع ثالوث ما يطلق عليه روزا مستويات التسارع، فإضافةً إلى التسارع التقني وتسارع وتيرة الحياة الاجتماعية، تعيش مجتمعات الحداثة المتأخرة على وقع تسارعٍ في التغيير الاجتماعي؛ إذ أصبحت هذه المجتمعات تخضع لضغط الحاضر Gegenwartsschrumpfung، وفقًا لهرمان لوبه. ويشرح روزا تموضع الثقافة وتحولاتها في سيرورة التحديث وضغط الحاضر اللذين يشملان مجتمعات الحداثة المتأخرة. ومن خلال عملية الضغط التي يمارسها زمن الحاضر على تجربة التفاعل بين الماضي والمستقبل باعتباره الأفق الزمني لتلك التجربة، فإنه يدمج التسارع في مشروع الإنتاج الاقتصادي ومؤشرات الاستهلاك للتقنية ومخرجاتها. وإذا كان "التسارع ينطلق من فعل الاقتصاد والتقنية وتأثيرهما، فإنه أصبح ذا بعد ثقافي لارتباطه بالإنتاج والاستهلاك"، وكذلك تجد قوى التسارع في الثقافة أحد تمظهراتها الاجتماعية. ويُعرّف روزا حالة التغيير الاجتماعي، الذي ينطبع بمسألة الثقافة والعلاقة بين الاقتصاد وتكُّوُن

أنماط جديدة من الثقافة، بأنها "وضعية الحاجات ذات الخصوصية الثقافية"، وهي الوضعية التي يشير روزا إلى تماثلها، من حيث الدلالات، مع أطروحة فيبر حول الاقتصاد الرأسمالي والأخلاق البروتستانتية، أو المنظومة الثقافية التي تشكّلت ضمن التقاطع بين الاقتصاد والدين في زمن صعود الرأسمالية. وبذلك، تكون الثقافة بنية فوقية للاقتصاد ومحركاته التقنية ومستوياته ذات الصلة بالتسارع.

(75) Jean–Marc Durand–Gasselin, "Pensée post métaphysique et critique des conservatismes chez Habermas," Cités , vol. 2, no. 78 (2019), pp. 23–40.

(7((ينظر: ماكس فيبر، العلم والسياسة بوصفهما حرفة، ترجمة جورج كتورة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2011 ((7(تتكوّن Accépolitosphére من الأحرف الثلاثة الأولى من الترجمة الفرنسية للمفردات التالية: التسارع Accélération والسياسة

Politique والفضاء Sphére، ونقصد بها الفضاء السياسي للتسارع، وذلك استنادًا إلى أطروحة روزا حول التوتاليتارية بوصفها شكل

جديدًا من أشكال التسارع، والتحولات التي طرأت على عملية إنتاج القرار السياسي وآثاره في المستويَين الاجتماعي والاقتصادي. ((7(ينظر:

Hermann Lubbe, Employment and Transfert of Technology (London: Springer Verlag, 1986). (79) Rosa, Accélération , p. 215. (80) Ibid., p. 216.

وفي إطار ما يمكن اعتباره تحيينًا نسقيًا لفينومينولوجيا العلاقة بين الذات والموضوع، وأنطولوجيا

العقلانية الأداتية، يُعيد روزا استرجاع مشروع الثقافة ضمن أطروحاته النقدية للتسارع وإشكالية الثقافة في الحداثة المتأخرة، مستفيدًا من قراءة الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت للمسألة الثقافية ومشروع الحداثة ومخرجاتها. ومن خلال العرض النقدي الذي صاغه ماركوزه لما سماه في دراسته "من الأنطولوجيا إلى التقنية: اتجاهات المجتمع الصناعي" بالكُليّة التكنولوجية واستحالة ترميم التوتر بين

الذات والموضوع في ظل سيطرة البعد الواحد، فإن أزمة الثقافة في زمن الحداثة ستعيد إنتاج نفسها في زمن الحداثة المُتأخرة باعتبارها جزءًا من أزمة السياسة والتقنية والزمن، مثلما كانت جزءًا من أزمة

العلوم الأوروبية، التي تتمظهر وفق إدموند هوسرل Edmund Husserl (1938–1859) لا بوصفها أزمة "تمسّ العلم المتخصص في نجاحاته النظرية والعملية، لكنها تهزّ كل معنى حقيقي في الأعماق". كما أن فقدان العبق Aura في زمن الاستنساخ الآلي والاختفاء الممنهج لوظيفة الثقافة تحت تأثير التسارع، ساهما في تصدّع معايير الحياة الناجحة والارتداد عن الحرية و"اتساع المسافة بيننا وبين الأشياء"؛ ما حوّل الثقافة، تحت تأثير التسارع، إلى إشكالية في زمن الحداثة المتأخرة، وساهم في تعميق أزمة التفاعل الاجتماعي أو الاعتراف بوصفه نسيانًا للتشيؤ وفقًا لهونيث، أو التصادي بوصفه تجربة من تجارب الاعتراف في مشروع روزا النقدي.

3. التسارع وإشكالية الاعتراف بوصفه تجربة من تجارب التصادي: في نقد شروط الاعتراف الاجتماعي

يُعيد روزا البحث في الشروط الاجتماعية للاعتراف وضمن التمفصل Articulation مع التسارع بوصفه التعبير السياسي والاجتماعي والثقافي لمجتمعات الحداثة المتأخرة. وفي سياق هذا النقد والتحيين النظري لمفهوم الاعتراف، يبحث روزا في الفصل الثامن من كتابه الاغتراب والتسارعفي ممكنات التأصيل الاجتماعي "لنظرية نقدية في الاعتراف [...] تأخذ في الاعتبار آثار التسارع الاجتماعي وأسبابه". وإذا كان هونيث يقيم مقارنة بين التشيؤ والمشاركة الملتزمة، انطلاقًا من أن التشيؤ يعني فقدان الاعتراف

(81) Herbert Marcuse, "De l’ontologie à la Technologie: Les tendances de la société industrielle," Revue Arguments , vol. 4, no. 18 (1960), pp. 54–59.

(8((إدموند هوسرل، أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية، ترجمة إسماعيل المصدق (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008)، ص.53 ((8(يكتب بنيامين في نص ظهرت نسخته الأولى في عام 1935 بعنوان "العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي"، حول قلب السمة الرئيسة للفن تحت تأثير انتشار الوسائل الجديدة للنشر والتوزيع مثل السينما والتصوير الفوتوغرافي. ويُعرّف "العبق" بأنه "الظاهرة

المُتفردة بقيام مسافة تفصل بيننا وبين الشيء مهما قصُرت تلك المسافة". ينظر: والتر بنيامين، العمل الفني في عصر الاستنساخ

الآلي، ترجمة سيزا قاسم، شهادات وقضايا (دمشق: مؤسسة عيبال للدراسات والنشر، 1991)، ص.242 ((8(المرجع نفسه.

(85) Rosa, Aliénation , p. 79.

(8((للمزيد حول مفهوم "المشاركة الملتزمة"، ينظر: مارتن هايدغر، الكينونة والزمان، ترجمة فتحي المسكيني، مراجعة إسماعيل المصدق (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.)2012

وغياب العدالة، فإن هذه المشاركة أصبحت تخضع، في الحداثة المتأخرة، لما سماه روزا "بلعبة السرعة التي تُلغي إمكانية الشعور باللاعدالة"، والتي لم تعد ترتبط بمسائل التوزيع، بل بتعميم الرغبة في النجاح La réussite والتنافس عليه بوصفه شرطًا رئيسًا من شروط التراتبية الاجتماعية والتصنيف

الهرمي للمكانة الاجتماعية. ويشير روزا إلى الأنماط الجديدة للاستهلاك والمنافسة والاختراع والتسابق من أجل الفوز بالمكانة الاجتماعية في الحداثة المتأخرة، التي خلقت أشك لًا مستحدثة من التفاعل بين الأفراد وداخل النسق الاجتماعي المحكوم بالتسارع والمنافسة، حيث ينسحب مفهوم التسابق على مجالات الفن والرياضة والسياسة وعلى النخب الأكاديمية والباحثين وغيرهم؛ ما حوّل الصراع من

أجل الاعتراف من دائرة الصراع ضد الهيمنة واللاعدالة والظلم الاجتماعي، إلى مدار "لعبة الزمن بحكم أننا أصبحنا نحظى بالتقدير الاجتماعي من خلال منطق المسابقة والنجاح، وحيث أصبح مفهوم السرعة يتقاطع مع مطلب الاعتراف في مجتمعات الحداثة المتأخرة". لا يعني اقتحام الزمن لدائرة العلاقات البينذاتية وتحويله لأنماط التفاعل داخل النسق، التخلي عن الشرط الاجتماعي لمطلب الاعتراف الذي يعمل بوصفه تعويضًا إيتيقيًا عن "التراجع الأخلاقي والقيمي

في ظل ضغط مبدأ تحقيق الذات الذي خلق أمراضًا جديدة من قبيل الإحساس بالفراغ الداخلي والعدمية والقلق [...] التي أجبرت الناس على التفكير في أنفسهم كمواد معروضة للبيع دائمًا". إن

هذه "الندرة" الإيتيقية لمفهوم الحياة الجيّدة، والإحساس بالوجود داخل "مجتمعات تنافسية تُغذّي قوة

التسارع الاجتماعي، وتزيد من سرعة التغيير الاجتماعي"؛ ما يدفع إلى القيام بنقد معياري لتحولات الذات والهوية والتفاعل ضمن دائرة الانتقال من الاجتماعي إلى التقني – الافتراضي، وربما مراجعات أنطولوجية لدلالات الحرية والبنية الوظيفية لدوائر التفاعل بين ما هو واقعي – اجتماعي، وما هو افتراضي – عرضي ومتسارع في الزمن. وانطلاقًا من هذا التأطير النظري للملامح السوسيوفلسفية لمشروع روزا النقدي، والتعرض لنقاط التقاطع بين التسارع والسؤال الأنطولوجي حول الزمن، وما أثاره التسارع من إشكاليات تشق مجتمعات الحداثة المتأخرة، تظهر مفاهيم الهوية الثقافية والعالم الافتراضي والاعتراف ومطلب الحرية في ملامح جديدة وأدوار مستحدثة نتيجةً لتلك الإشكاليات والتصدعات البنيوية، التي سنتعرض لدلالاتها على نحو مُعمق في المبحثين الثاني والثالث من الدراسة، في محاولة لإبراز الحدود السوسيو–أنثروبولوجية

والنفسية للملامح الجديدة لتلك المفاهيم في الحداثة المتأخرة.

((8(ناقشنا على نحو أكثر تفصيلًا مسألة التحيين النسقي لمفهوم الاعتراف عند هونيث في دراستنا: محمد العربي العياري،

"الفضاء العمومي وسؤال الحرية: جدل هابرماس وهونيث وفريزر"، تبيّن، مج  11، العدد 44 (ربيع 2023)، ص.66–35

(88) Rosa, Aliénation , p. 79. (89) Ibid., pp. 34–38. (90) Ibid., p. 79.

((9("حوار مع الفيلسوف الألماني أكسيل هونيث: الصراع مع القيم العالمية مغامرة ناقصة"، ترجمة نور الدين علوش، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2020/1/11، شوهد في 2024/8/30، في: https://bit.ly/3g5x36m

(92) Rosa, Aliénation , p. 83.

ثانيًا: الدلالات السوسيوفلسفية للتسارع التقني

يجد مفهوم التسارع مبرراته الأنطولوجية في كتابات روزا انطلاقًا من تشخيصه "لتجربة جديدة في أفق الحداثة، تتكثّف في الشعور بفقدان الزمن". وتظهر هذه التجربة في دلالاتها الفلسفية بوصفها سيرورة تقنية تُعبّر، من وجهة نظر العقلانية الغربية، عن أزمات العقل الأداتي، وتجسيدًا

سوسيوثقافيًا لأطياف هذه العقلانية التي تحوّلت إلى نموذج مشوّه لأشكال التوازن. ويبدو الطلب

على الزمن السمة الرئيسة لإنسان الحداثة المتأخرة، حيث إن "التحوّل الذي عرفته المجتمعات

الغربية قد تجاوز عتبة معيّنة منذ سنوات عديدة؛ ما يعني أنّ بنيتها الأساسية التي كانت متوافقة مع

التسارع أصبحت متعارضة معها". لذلك يسود اعتقاد مفاده أن "كل الظواهر الاجتماعية يمكن أن تكون موضوعًا لإعادة البناء والتنظيم الزمني". وينفتح هذا الطلب المُلحّ على الزمن وما يمكن

اعتباره ورشةً لهندسة تنظيم اجتماعي جديد، على رؤية مغايرة للنسق وللديناميكية الاجتماعية، وينفتح أيضًا على إعادة موضعة الذات ضمن العالم المعيش. ويكثّف هذا التفكيك لأزمة الحداثة المتأخرة، من وجهة نظر روزا، جدلية التقنية والمجتمع، لا من جهة البحث في التركيبات الممكنة Synthèses لهذين المفهومين فحسب، بل من جهة تحديد المضامين السوسيوفلسفية التي تُنتجها مصفوفة العلاقات الاجتماعية والثقافية وتأثيرها في علاقات الذات والموضوع أيضًا. وإذا كانت الذات في زمن الحداثة المتأخرة ترزح تحت "ضغط الحاضر" بتعبير لوبه، فإن هذا "الحاضر" لم يعد، بفعل التسارع، فضاءً للتجربة الإنسانية الأولية، بل إن "الزمن الحاضر أصبح يتقلّص ضمن

الأبعاد السياسية والمهنية والتقنية والفنية". ويصبح مفهوم التسارع، انطلاقًا من دلالاته الفيزيائية التي تعني معدل تغيّر سرعة جسمٍ ما بالنسبة إلى الزمن، أو معدل تغيّر السرعة المتجهة في فترة زمنية

محددة من حيث الاتجاه والسرعة، تحديدًا فلسفيًا لأشكال التفاعل الاجتماعي وتعبيرًا اجتماعيًا عن

سرعة الانتقال ضمن نسق التفاعلات الممكنة. يشدّد روزا على أن "التسارع يعمل داخل البنى الاجتماعية"، كما يعمل مع الذات بوصفها عنصر هذا التفاعل؛ ما يفرض التساؤل عن العلاقة مع المكان في ظل تغيّرات الاتجاهات والسرعة، وأيضًا

عن الارتباط بالمكان بوصفه إما فضاءً للتفاعلات والعلاقات الاجتماعية، وإما إطارًا لإعادة اختبار

تجربة التفكير في الذات داخل الوجود بما هو شرط للتفكير ونتيجة له في الوقت نفسه. ويُعاد

تبويب "الكوجيتو" بما هو سؤال حول الذات والوجود، والذي يعني أنطولوجيًا أنّني موجود في مكان

ما بصفتي أفكّر، أو أنّني أفكّر في إمكانية الوجود (وجودي) انطلاقًا من مكان ما وفيه.

(93) Ibid., p. 28. (94) Coquio. (95) Rosa, Accélération , p. 13. (96) Lubbe. (97) Rosa, Aliénation et Accélération , p. 21. (98) Jean Vettraino, "La logique d’acceleration s’empare de notre esprit et de notre corps," Revue projet , vol. 6, no. 355 (2016), p. 6.

ومع طغيان أطروحة الطلب المتزايد على الزمن والشعور بضيق الوقت وعدم الاكتفاء منه أحيانًا، يتّضح أن هذا التقيّد بالمكان لم يعُد يحظى بالوجاهة الإبستيمولوجية في زمن الحداثة المتأخرة، ليتراجع لصالح

موضعة السؤال الأيديولوجي عن الزمن، باعتباره تحوّل إلى سلطة تحدّد أفق الممكن في حالة المجتمعات

المعاصرة "التي لا يمكنها أن تكون مستقرة وتُعيد إنتاج نُظمها إلا متى كانت في حالة حركة". ويُستدل

على ذلك من خلال النظر في كيفية مساهمة التقنية في دورة إعادة الإنتاج التي تخضع لها النظم الاجتماعية، تحت تأثير التسارع التقني و"المجاعة الزمنية" Famine temporelle. ويوضح روزا تمظهرات هذه الأيديولوجيا الجديدة، ونعني بها هيمنة التقنية، من خلال العودة إلى تمظهرات الحياة اليومية التي تطغى عليها التقنيات الحديثة، وعمليات الابتكار وما يُعرف بالأجيال ضمن دائرة التطوّر التكنولوجي. وتعمل هذه

الهيمنة على "انكماش الزمن الحاضر" الذي يعني تقلّص الرابطة الزمنية بالمكان، بفعل "ضغط الحاضر" بوصفه نوعًا من تمظهرات تسارع التغيّر الاجتماعي، وتحوّل الزمن إلى مادة أولية يجري استهلاكها كبقية

المواد الأخرى ضمن دائرة تسارع النسق الاجتماعي. وتعبّر "هذه الحاجة الجديدة إلى السرعة "

عن نوع من أنواع إعادة إحياء أسطورة التقنيةضمن أنساق لا تصمد أمام التسارع "الذي يطيحها ويرمي بها إلى الذوبان". وستكون هذه الأنساق خاضعة لمنطق التحولات الاجتماعية، واستبدال الافتراضي بالاجتماعي تعبيرًا عن ثقافة جديدة سائلة، تطغى على سمات العالم المعيش.

1. بردايم التسارع وتحولات العالم الاجتماعي

يشعر الفاعلون داخل العالم الاجتماعي، وفقًا لروزا، بالحاجة إلى الزمن وبالاغتراب عن المكان؛ إذ لم نعد "في زمن الحداثة المتأخرة في حاجة إلى أن يكون الآخر قريبًا منا فيزيائيًا"؛ ما يعني أن العمليات

الاجتماعية يمكن أن تصير داخل فضاءات لامكانية. وتُموضع هذه العلاقات الجديدة بالمكان، الذاتَ ضمن أشكال جديدة من الاغتراب تتعلّق بالزمان والمكان والأفعال والأشياء، وبالعلاقة بالآخر بوصفه

هناك في لحظةٍ ما عابرةٍ ومؤقتة. ويعتمد روزا على مفهوم الاغتراب في عملية تحيين نسقي من خارج استعمالاته الاقتصادية والسيكولوجية والسياسية التي وردت ضمن الأدبيات الماركسية، أو تجربة الجيلين الأول والثاني لمدرسة فرانكفورت، وحتى الجيل الثالث مع هونيث في علاقة بالاعتراف، لتقع موضعة هذا المفهوم ضمن دائرة العلاقات بين الأنساق واستنادًا "إلى تأويل للثقافة يهدف إلى وصف المجتمع

(99) Ibid. (100) Rosa, Aliénation , p. 21. (101) Ibid. (102) Ibid., p. 29.

((10(مثّلت أسطورة التقنية والأداتية المفرطة جوهر النقد في أعمال الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت، وتحديدًا أعمال ماكس

هوركهايمر Max Horkheimer (1895–1973) وأدورنو، في كتابهما المشترك جدل التنوير (1944)، ينظر: ماكس هوركهايمر وثيودور

ف. أدورنو، جدل التنوير: شذرات فلسفية، ترجمة جورج كتورة (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.)2006

(104) Rosa, Aliénation , p. 20. (105) Ibid. (106) Paul Virilio, Vitesse et politique: Essai de Dromologie (Paris: Galilée, 1977), p. 35.

وصفًا دقيقًا". إن هذا التأويل للثقافة بوصفها نشاطًا وصفيًا للمجتمع، فرض الانتباه إلى ثلاث قوى في

زمن الحداثة المتأخرة، هي: قوة عقلنة الزمن، وقوة الثقافة، وقوة إضفاء الطابع الزمني على تعقيد الأنساق. ولتفسير الأثر الاجتماعي لهذه القوى الثلاث، يعتمد روزا على فكرة قوّة عقلنة الزمن بوصفها تكثيفًا عقلانيًا

أداتيًا ضمن أطروحات فيبر "لأهمية التطور التكنولوجي كبعد ضروري للعقل". أما قوّة الثقافة فإنها

تظهر بوصفها "مستوى يتفوّق على غيره من المستويات دون الإحاطة بالعمليات السببيّة وبنسق تصنيفي

عام". وفي حين تظهر فكرة النسق عند نيكلاس لوهمان Niklas Luhmann (1998–1927)، لتحديد ماهية القوى التي تحكم هذا النسق، وللتمييز "بين العالم المعيش المتضمّن للثقافة والمجتمع والشخصية،

الذي يمنح النشاط التواصلي بعض مقوماته، وبين أنظمة الممارسة المُنظّمة بطرائق صوريّة قياسًا إلى

وسائل الضبط"، وهي الاستعارة التي يشتغل من خلالها روزا على تفسير ما يسمّيه انكماش الحاضر

وتراجع الاجتماعي. تعمل العقلانية الأداتيّة وتفوّق الثقافة واستعمار العالم المعيش على إذابة ملامح

العالم الاجتماعي، والانتقال نحو الافتراضي تحت تأثير "التنميط Standardisation والضبط Regulation والمركزة Centralisation ". ويوضح الشكل (3) مصفوفة قوى التسارع وأبعاده الاجتماعية. الشكل (3) القوى المحركة للتسارع: مصفوفة التسارع والمحركات

اﳌﺤﺮك اﻻﻗﺘﺼﺎدي:

اﻟﺰﻣﻦ ﻳﻌﻨﻲ اﳌﺎل اﻟﺘﺴﺎرع اﻟﺘﻘﻨﻲ أﺑﻌﺎد اﻟﺘﺴﺎرع اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺗﺴﺎرع اﻟﺘﻐﻴﻴﺮ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ

ﺗﺴﺎرع إﻳﻘﺎع اﻟﺤﻴﺎة اﳌﺤﺮك اﻟﺴﻮﺳﻴﻮﺛﻘﺎﰲ

اﳌﺤﺮك اﻟﺜﻘﺎﰲ

المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: Ibid., p. 238.

(107) Alexandre Lacroix, Préface à Hartmut Rosa: Remède à l’acceleration (Paris: Philosophie Magazine, 2018), p. 15.

(10((فيليب راينو، ماكس فيبر ومفارقات العقل الحديث، ترجمة وتقديم محمد جديدي (الجزائر: منشورات الاختلاف، 2009)، ص.265 (10((إيان كريب، النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس، ترجمة محمد حسين غلوم، مراجعة محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة 244 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1999)، ص.355–345 (11((محمد نور الدين أفاية، الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة: نموذج يورغن هابرماس (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 1989)، ص.217

(111) Anselm Jappe, "Sur l’acceleration de l’accélération du temps social," Revue internationale des Livres et des idées , 11/7/2010, accessed on 30/8/2024, at: https://bit.ly/3yPFD3b

2. سوسيولوجيا الانتقال من الاجتماعي إلى الافتراضي

يرتبط التنميط والضبط والمركزة بما سماه هابرماس بالأوامر الصامتة؛ تلك التي تتعلّق بالمال والسلطة؛ حيث يعمل المال محركًا اقتصاديًا، في حين تعمل السلطة محركًا سوسيوثقافيًا (الشكل 3).

ويدفع روزا بالأطروحة القائلة إن "الحياة العلمية والاقتصادية والتقنية تسير بسرعة فائقة حتى تسمح بتسيير سياسي وتنظيم قانوني للحياة الاجتماعية". وضمن هذه الديناميكية، تشتغل المؤسسات المركزية للمجتمع في علاقة بثلاثية الهوية والزمن وتمّثلّاتنا للمستقبل. ويوضح الجدول (2) ملامح هذه الثلاثيّة في بعديها المتعلقين بالمسرعات أو الدوافع في زمن الحداثة، وبالمكابح في زمن

الحداثة المتأخرة. الجدول (2) مسرعات الحداثة ومقابلها (مكابح) داخل الحداثة المتأخرة

ُماّرلمؤسسات المركزية للمجتمعاملمُسرّعات داخل الحداثةالمكابح داخل الحداثة المتأخرة
التقسيم الزمني للعمل وللحياةديناميكية الفضاء الاقتصاديتعطيل ديناميكية العالم المعيش
الهوية الشخصية المستقرة
(المهنة، العائلة... إلخ)
ديناميكية الفردانيةتعطيل ديناميكية الحياة بسبب
المرونة غير الكافية
المشاريع الحياتية الطويلة الأمدتسارع نسق الحياةتأقلم متأخر مع التغير الاجتمعي
تعطل التسارع بمعنى ضبط الزمن

المصدر:

Hartmut Rosa, Accélération: Une critique sociale du temps , Didier Renault (trad.) (Paris: La Découverte, 2010), p. 254.

يظهر هذا التعطيل لديناميكية العالم المعيش وانعدام المرونة وتعطّل التأقلم مع التغيّر الاجتماعي في

زمن الحداثة المتأخرة، ضمن أطروحات الإنهاك من خلال امتثال الأفراد لمنطق تكراري، وأطروحة التقدم وأطروحة الانفصال، والتي سوف تدفع "الاجتماعي وعالمه المُمزّق "نحو استعادة أفق

(112) Rosa, Accélération , p. 30.

((11(هذه الأطروحات الثلاث هي أجزاء من الأطروحات العشر (أطروحة الحداثة، وأطروحة التقدم، والأطروحة الأولى للاستقلالية، والأطروحة الثانية للاستقلالية، وأطروحة المنافسة، وأطروحة الإنهاك، وأطروحة الانفصال، وأطروحة راكبي الأمواج والسفن الشراعية والإرهابيين، وأطروحة الاستهلاك، وأطروحة التصادي)، التي يمكنها وفقًا لروزا أن تكشف لنا عن الخصائص

الجوهرية والمميزة للحداثة. ينظر: بومنير، ص.244–233 ((11(عنوان كتاب لأكسل هونيث، ينظر: هونيث.

اشتغال الذات ليس من جهة تفاعلها مع الاجتماعي بما هو واقعي محسوس، بل من خلال تكوّن

ما يمكن تسميته بالهابيتوس الافتراضي Virtual Habitus الذي يشير إلى انعدام "الفواصل بين الافتراضي والواقعي، لا لأن الافتراضي في طريقه إلى أن يحلّ محلّ الواقع فقط، بل لأنه يعمل على توسيعه وإغنائه ليصل في النهاية إلى تغييره أيضا". ويعمل هذا الهابيتوس الافتراضي على إثبات أن "العقل غير المجسد؛ أي العقل في العالم الافتراضي، يحمل معه تاريخه الثقافي والجنسي"؛ إذ يُعبّر هذا الانتقال عن قدرة التسارع التقني على إنتاج عملية "تغيير للتاريخ، ليس بالمنطق الاقتصادي،

بل بالنقل الثقافي والسيكولوجي لصفاتها الجوهرية إلى مستعمليها، حيث إن التقنية تطبع نفسها على الذات الفردية والجماعية". وبذلك، سيصبح الانتقال من الاجتماعي إلى الافتراضي آليةً لإعادة إنتاج رأس المال الثقافي الذي جرت إذابته بفعل التنميط والمركزة، وبسبب التعقيد المتزايد للأنساق داخل العالم الاجتماعي.

3. في أبعاد الثقافة السائلة ومفهومها

يعمل الانتقال من الاجتماعي إلى الافتراضي على إنتاج ثقافة جديدة تعبّر من جهة الذات عن

تمّثلّات للعالم وعلاقات التفاعل مع النسق، وفي الوقت نفسه تكثّف استراتيجيات واعية موجّهة

للتفاعل ضمن دائرة الافتراضي. ويقدّم روزا تخطيطًا لسيرورة التحديث، متضمّنًا موضعة الثقافة ضمن أبعاد الزمن الاجتماعي المُتسارع. وتتكوّن هذه السيرورة من رباعية الثقافة والبنية والعلاقة

بالطبيعة والشخصية. وإذا كانت الثقافة رأس مالٍ يقع استثماره ضمن دوائر التفاعل الاجتماعي وفقًا لبورديو، فإنها تتّخذ صفة الحالة الضاغطة ضمن وضعية تفاعل الذات مع الطبيعة والأشياء والظواهر. ويرتبط مفهوم الثقافة في حالة الانتقال من الاجتماعي إلى الافتراضي بما سماه باومان ب "حالات الإذابة" التي تميّز وضع "الحداثة الصلبة"، حيث تقع إذابة مكوّنات الثقافة داخل

سيرورة التحديث التي تتفاعل فيها مكوّنات الثقافة مع البنية والعلاقة بالطبيعة والشخصية. ويحاول

روزا تحديد موضع الثقافة في زمن الحداثة المتأخرة انطلاقًا من سيرورة التحديث وبنيتها الرباعية المكوّنة من الثقافة والبنية والعلاقة بالطبيعة والشخصية، مع تحديد أنماط التفاعل الممكنة داخل

كل نسق، وأيضًا العلاقات بين هذه الأنساق.

(11((إلزا غودار، أنا أوسيلفي إذن أنا موجود: تحّولّات الأنا في العصر الافتراضي، ترجمة وتقديم سعيد بنكراد (الدار البيضاء/ بيروت:

المركز الثقافي للكتاب، 2019)، ص.32

(116) Julia Czaja, "The Cyborg Habitus: Presence, Posthumanism and Mobile Technology," Paper presented at the International Society for Presence Research Annual Conference, Edinburgh Napier University, 26–28 October 2011, p. 4, accessed on 30/8/2024, at: https://bit.ly/4cJVLRv

(11((مايك كرانغ وفيل كرانغ وجون ماي، الجغرافيات الافتراضية: أجسام وفضاء وعلاقات، ترجمة عدنان حسن (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2011)، ص.403 ((11(ينظر:

Zygmunt Bauman, "Identity in the Globalising World," Social Anthropology , vol. 9, no. 2 (June 2001); Zygmunt Bauman, Identity: Conversations with Benedetto Vecchi (Cambridge: Polity Press, 2004).

يستعرض الشكل (4) البنية الرباعية لسيرورة التحديث ومخرجاتها في علاقة بأبعاد التسارع الاجتماعي. الشكل (4) سيرورة التحديث

اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺗﺴﺎرع اﻟﺘﻐﻴﺮّ اﻟﺜﻘﺎﰲ

"ﺿﻐﻂ اﻟﺤﺎﴐ" أﺑﻌﺎد اﻟﺰﻣﻦ: اﻟﺘﺴﺎرع اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ اﻟﺘﺴﺎرع اﻟﺘﻘﻨﻲ اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﺎﻟﻄﺒﻴﻌﺔ

المصدر: , p. 343 Accélération Rosa,.

تتعرّض الثقافة وفقًا لسيرورة التحديث التي قدّمها روزا لضغط الحاضر الذي يتسبّب في تسارع

التغيّر الثقافي. وتتحوّل الثقافة وفقًا لهذا التسارع إلى حالة عارضة تُستهلك في الزمن الحاضر وفقًا

لشروط التقنية والتفاعل الافتراضي. وتقوم الثقافة في هذه الحالة على نوع من الانتقاء لتحقيق التفاعل داخل الافتراضي. فالثقافة لم تعد تقوم بدورها الوظيفي في رسم ملامح التفاعل وشروطه وكيفياته كما هو الشأن داخل الاجتماعي، بل إنها تنتقي ما يسمح لها بالانسياب داخل الافتراضي اعتمادًا على الهابيتوس الذي أضحى افتراضيًا ومُؤقتًا وعارضًا. وإذا كانت الثقافة تنتمي وظيفيًا إلى مكونات

الهوية، وإذا ما أصبحت هذه الهوية تتميّز بالسيولة وفقًا لباومان وأصبح من الممكن في زمن العولمة

"ارتداؤها وخلعها كما نرتدي الملابس ونخلعها، من دون عواقب والتزامات"، فإن حالة اللايقين التي تُميّز العالم الاجتماعي، التي فرضت الانتقال إلى الافتراضي، أنتجت ما يمكن اعتباره ثقافة سائلة

تقترب وفقًا لتوصيف باومان من "ثقافة الكازينو" التي تُعبّر عن "ألعاب فردية تتألّف من حلقات مغلقة

ومتمركزة حول نفسها وتستمد حركتها من داخلها". ويعني ذلك إعادة إنتاج ملامح الهوية في شرطها الافتراضي على أنقاض العالم المعيش الذي يتميّز بالتسارع وعدم تزامن الأنساق.

4. الافتراضي بديلًا من الاجتماعي أو الهوية على أنقاض العالم المعيش

يُصاغ مشروع إعادة بناء الهوية على أنقاض العالم المعيش انطلاقًا من فكرة التواصل داخل الفضاء

الاجتماعي (الفضاء العمومي)، التي تجد مبرراتها السوسيولغوية في أطروحات هابرماس من أجل عقلنة

اﻟﺒﻨﻴﺔ ﺗﺴﺎرع وﻋﺪم ﺗﺰاﻣﻦ اﻷﻧﺴﺎق/ ﺗﺴﺎرع اﻟﺘﻐﻴﺮات

اﻟﺒﻨﻴﻮﻳﺔ ﻟﻠﻤﺠﻤﻮﻋﺎت واﻟﻮﻇﺎﺋﻒ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ

ﺗﺴﺎرع ﻧﺴﻖ اﻟﺤﻴﺎة اﻟﺸﺨﺼﻴﺔ

(119) Bauman, "Identity in the Globalising World," p. 127. (120) Zygmunt Bauman, "As Seen on TV," Ethical Perspectives , vol. 7, no. 2 (2000), pp. 107–121.

السياسة وتجاوز الهيمنة على الفعل الاجتماعي؛ إذ يعاد "تشكيل الإرادة السياسية وتكوين الرأي العام وتقوية المجتمع المدني. وهذه كلها عناصر من المُؤمل أن تُشكّل فرصة لاقتراب السلطة من المواطنين

بعد انفصالها عن العالم المعيش، وانحسارها في أنساق مغلقة تمثّل أجهزة فوقية مُتشيّئة". وفي

سياق هذا المشروع، ينبّه هابرماس إلى أهمية الديناميكية الداخلية للثقافة الشعبية من خلال أطروحة

ميخائيل باختين Mikhaïl Bakhtine (1975–1895) عن الثقافة الشعبية في العصر الوسيط وإبّان

عصر النهضة. وتُفسّر هذه الديناميكيّة تشكّل الثقافة المهيمنة وتراتبية السلطة ومواجهتها. وتلتقي

هذه المقاربة مع ما يطرحه روزا، في علاقةٍ بتجاوز سردية الهيمنة التي يفرضها العالم المعيش، باقتراحه مفهوم الرنين Résonance الذي يُكثّف من وجهة نظره ممكنات "تجاوز مجتمع النمو". ويسمح الرنين

بالتحرك في سياق يتجاوب مع ذواتنا؛ بمعنى أنه يغدو نقيضًا لهيمنة العالم المعيش وإطارًا لإعادة إنتاج

الهوية بعيدًا عن المتخيّل الاجتماعي المغلق، أو الهابيتوس الافتراضي المُعبّر عن الهوية السائلة.

وضمن هذا الإطار المفاهيمي، يمكن أن يشتغل الرنين وسيطًا بين الخصوصية والكونية، أو بين الذات والعالم الذي يعيد تشكيل ملامح الهوية تحت وقع لحظات الوفرة الثقافية الرقمية.

ثالثًا: الهوية بين الخصوصية والكونية

تتأثّر الهوية من جانب علاقات التواصل بمعطيات الخاص والكوني، حيث "تسعى الذات إلى تعويض النقص الأصلي في الموضوعية لديها، في الوحدة مع نفسها، من خلال مشاريع وجود متواصلة". وسيكون لهذا البُعد الأنطولوجي في علاقة الذات بالموضوع، أو في مستوى تموضع الذات بين

الخصوصية والكونية، دورٌ في تعُّرُف الذات إلى نفسها كذات في وعي ذات أخرى مماثلة. وتسمح

هذه التجربة ضمن آفاق الآخر المختلف بإعادة موضعة الذات داخل النسق الاجتماعي، الذي يتخلّص من تبعات "ضغط الحاضر"، ويمكن أن يكون التواصل، من جهة الدلالة السوسيولوجية، تعبيرًا عن

الاعتراف بما هو غاية ونتيجة ومطلب للتواصل. يطرح إدغار موران Edgar Morin فكرة الهوية المركّبة بما هي تأليف أنطولوجي لشذرات الهويات الفردية ضمن نسق التواصل الاجتماعي. أما عن الهوية في زمن الحداثة المتأخرة، فإنها تفتقر إلى الوضوح، حيث يجري اختزال الهوية الإنسانية المركّبة في الإنسان ذي البعد الواحد. ويعبّر هذا

((12(عبد العلي معزوز، "دولة الحق ونظرية المناقشة: قراءة في الفكر السياسي والحقوقي عند هابرماس"، في: مصطفى حنفي

[وآخرون]، فلسفة الحق عند هابرماس (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2008)، ص.110 (12((ينظر: ميخائيل باختين، أعمال فرانسوا رابليه والثقافة الشعبية في العصر الوسيط وإبّان عصر النهضة، ترجمة شكير نصر الدين

(بيروت: دار الجمل،.)2015

((12:(ينظر Résonance Rosa,.

(12((جان بول سارتر، الوجود والعدم: بحث في الأنطولوجيا الظاهراتيّة، ترجمة عبد الرحمن بدوي (بيروت: دار الآداب، 1966)،

ص.26 ((12(ينظر:

Ludwig Siep, Anerkennung als Prinzip der praktischen Philosophie (Freiburg: Munchen, 1979).

(12((زيجمونت باومان، الحب السائل، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016)، ص.92

الاختزال عن حالة اللايقين التي تميّز زمن الحداثة المتأخرة، التي أربكت ديناميكية النسق الذي

يصفه روزا بأنه في حالة تسارع دائم تحت تأثير التقنية والتسارع التقني. وتتأرجح الهوية بين مطلب الخصوصية وضرورة الكونية؛ أي انصهارها تواصليًا ضمن العالم الاجتماعي. لكنّ حالة السيولة التي

أصبحت تميّز الثقافة، بما هي تعبير عن الهوية، تحول دون تحقيق الاعتراف الاجتماعي كما يصوغه

هونيث، ليظل الرهان حول عقلانية جديدة قائمًا في ظل سيطرة الرقمنة وتشفير الهوية اللذين يعبّران

عن نزوع نحو الحماية. تعمل أطروحات التعددية الثقافية، ضمن منطق جدلية الخصوصية والكونية، على إعادة إحياء الثقافي بما هو طرح منقوص في سرديات الاعتراف. وفي هذا السياق، تؤكّد فريزر، في إطار اشتغالها على الفضاء العمومي، على رؤية مغايرة لماهية هذا الفضاء وأدواره وأشكال التعدد التي تخُص مختلف القضايا المطروحة في ظل العولمة والتعددية الثقافية، خاصة مع تحولات الدولة – الأمة والهويات العابرة للأوطان واكتساح الحركات الاحتجاجية للحيّز السياسي. وتعيد فريزر طرح النقاش حول القضايا

الثقافية ومسائل العدالة وإعادة التوزيع، من أجل فك "القيود الداخلية"، بتعبير ويل كيمليكا Will Kymlicka، عن الفضاء العمومي، وتطرح قضية التفاعل بين الثقافة والاقتصاد والعدالة الاجتماعية من جهة إدراك "تمفصل سياسات الاعتراف اليوم داخل القضايا الاجتماعية للفضاء العمومي [...] المبنيّة

على سياسات للاستيعاب، وليست سياسات للتعددية". تعمل سياسات الاعتراف "على استحضار الخصوصية الثقافية للمجموعات المُشكّلة للمجتمع المدني في المجال العمومي من جهة، واعتراف

الدولة بالهويّة الثقافية للمجموعات فيها من جهة أخرى. وكجزء من تطوير للحرية يُفترض أن الهويّة

"مُركّب من مركّبات الحرية الفردية التي لا يمكن أن تُعبّر عن نفسها إلا في إطار مجموعة ثقافية.

1. الرقمنة والهويات العابرة للاجتماعي

يُقدّم مانويل كاستلز Manuel Castells أطروحة مجتمع الشبكات، ويوظّفها في إطار فهم

التحّولّات التكنولوجية للمجتمعات المعاصرة، والإحاطة بتفاصيل الانتقال إلى مجتمعات التقنية

أو ما يُعرف بمجتمع المعلومات. ويَعتبر أن المجتمعات توجد ضمن صراع الشبكة والذات،

فالشبكات تعمل على تشكيل البنى الاجتماعية، التي من خلالها يمكن فهم التراتبيات الاجتماعية والأدوار ومنظومة العلاقات القائمة. وتُعبّر هذه البنى عن أزمة داخل منظومة التواصل الاجتماعي،

حيث لم يعد الاجتماعي فضاءً للتجربة، بل انتقل هذا الاجتماعي إلى دائرة الافتراضي وفقًا لشروط

الأخير؛ بمعنى أن العقلانية التواصلية التي كانت تُنتَج داخل الاجتماعي، تحوّلت إلى "لعبة أزرار"

((12(محمد أمين بن جيلاني، "مأسسة الاعتراف عند نانسي فريزر: تحليل البنية الثقافية والاقتصادية للاعتراف"، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2020/6/23، شوهد في 2024/8/30، في: https://bit.ly/3CMR4b4 (12((مهند مصطفى، "سياسة الاعتراف والحرية: سجال وإطار نظري تحت طائلة الراهن العربي"، تبيّن، مج  5، العدد 17 (صيف

2016)، ص.78 ((12(يقصد مانويل كاستلز بالشبكة Net، تلك الأشكال التنظيمية الجديدة التي قامت على أساس الاستخدام الواسع للميديا الاتصالية المتشابكة ونماذج التشبيك Network، التي تميز أكثر القطاعات الاقتصادية المتقدمة. وينطبق ذلك على الشركات الكبرى المتنافسة، وأيضًا المجتمعات المحلية والحركات الاجتماعية.

تجد فيها الذات نوعًا من التصعيد أو الإشباع، ضمن الرغبة في نحت معالم لهوية جديدة، أو هي

استراتيجيات لهويات عابرة للاجتماعي. ويصف باومان هذا التحول باستخدام صور مجازية، هي صورة الحاج والبستاني والبطل؛ إذ تعبّر شخصية الحاجّ عن صورة مجازية تعكس استراتيجية

الحياة الحديثة الطامحة إلى بناء الهوية، في حين تكثّف صورة البستاني مركزية العمل والإنتاج في سيرورة بناء الهويات، أما صورة البطل فترتبط بالمسألة السياسية في علاقة بأطروحات الحداثة حول الدولة–الأمة ونموذج الديمقراطية العلمانية التي تُجنّد الفرد في سبيل خدمة هذا المشروع الحداثي،

من جهة تحديداته الفلسفية. تحيل هذه الصور على تشفيرٍ للهوية وترميزٍ للذات التي تنصهر تلقائيًا في منظومة الحداثة المتأخرة

بملامحها التقنية، والتسارع الذي أزاح الوجاهة الأنطولوجية للكوجيتو بوصفه تعلّقًا بالمكان وإدماجًا

للزمن في لحظات التفكير في إمكانية الوجود.

2. رقمنة الاجتماعي وتشفير الهوية

احتاج التسارع إلى صور مجازية لفهم طبيعة التحول من الاجتماعي إلى الافتراضي. وقد تميّزت هذه

السيرورة "بإذابة المؤسسات والأطر الاجتماعية، لتتحوّل الهوية نفسها إلى عبء ثقيل يقيّد الحرية

والمرونة اللازمة لاصطياد الفرص المستقبلية في عالم استهلاك البشر والأشياء على حد السواء". ويعني ذلك أن الهوية أصبحت تُعرض ضمن منظومة الإنتاج وإعادة الإنتاج والاستهلاك، وفق منطق أو قاعدة العرض والطلب. إن تحوّل الهوية إلى مُنتَج، يجعلها تُدرج ضمن قائمة "العروض الاستهلاكية"

التي تظهر بوصفها أرقامًا وبيانات ورموزًا لا تتضمّن ما هو اجتماعي بالضرورة، بل ما هو عرضي

ومُؤقت وفقًا لأحكام السوق. وإذا وقع إفراغ الهوية من محمولها الاجتماعي، فإنها بالضرورة ستتحوّل،

وفقًا لشروط النسق الضاغط، إلى أحجية ضمن مصفوفة التقنيات الحديثة، التي تُحل من خلال

فك الرموز أو الحصول على الشِفرة التي لا تترجم محتويات الذات بصيغة الاجتماعي، بل بصيغة الافتراضي مرة أخرى.

3. التقنية والتفاعل الاجتماعي

تخضع التقنية لمنطق تطوّري يُترجَم في كمّ الاختراعات والاكتشافات العلمية الدورية. إلا أن ديناميكية

التطور التقني لا تتناسب مع الديناميكية الاجتماعية. ويفسّر روزا هذا اللاتناسب من خلال بردايم

التسارع الذي يشير في دلالاته الفيزيائية والفلسفية والاجتماعية إلى فقدان التوازن وانعدام الإشباع الزمني في الحداثة المتأخرة. وتقترح بعض الأطروحات بردايمات جديدة، مثل مجتمع التقنية ومجتمع الشبكات، لوصف ملامح هذه الديناميكيات الجديدة ضمن أفق العلاقات الممكنة بين الذات

(13((حجاج أبو جبر، "هل من مكان للهوية في عالم معولم؟ استكشاف 'الهوية السائلة' عند زيغمونت باومان"، تبيّن، مج  11،

العدد 41 (صيف 2022)، ص.173–153 ((13(المرجع نفسه.

(132) Bauman, Identity , pp. 51–53.

والمجتمع من جهة، والتقنية والهوية الافتراضية من جهة أخرى. وفي هذا السياق، يعتبر هابرماس أن الهوية أصبحت مسألة ثقافية مؤسساتية ومركزية بالنسبة إلى مجتمع الشبكات. وفي ضوء هذا التحديد، يصبح السؤال حول الأدوار الاجتماعية للتقنية سؤ لًا لاحقًا لإيتيقا الاجتماع الإنساني في ضوء سيطرة التقنية. يمكن استخلاص إجابات هذه الإشكاليات البنيوية للدور الوظيفي للتقنية من خلال إعادة الاعتبار للثقافة بوصفها نتيجة التفاعلات الاجتماعية، والمسؤولة إبستيمولوجيًا عن مسألة الحقيقة بما هي

تشخيص وتجربة ووجود ضمن المشترك الاجتماعي، من دون الحاجة إلى الاستعارات الرمزية والصور والاستراتيجيات، والرضوخ للعقلانية الأداتية بوصفها العقلانية الوحيدة الممكنة في زمن الحداثة، التي يبدو أنها تعيد إنتاج نفسها في زمن الحداثة المتأخرة عبر التسارع والاغتراب وفقدان شروط الاعتراف.

4. إعادة تشكيل الهوية ولحظات الوفرة الثقافية الرقمية

تتعرض الهوية لإعادة تشكيل تتمحور حول مسائل التعددية والاستيعاب ودور الدولة في تحديد السياسات المسؤولة عن ذلك. وحيث "تمفصلت سياسات الاعتراف داخل القضايا الاجتماعية وارتد الفضاء العمومي بموجة نقد لسياسات الدولة"، يقترن التفكير في الهوية وفي قضية الثقافة، التي تُشكّل الجدل داخل الدولة، بالتفاعل الاجتماعي وإمكانية تأدية الدور التواصلي، أو تحقيق الاعتراف في الوقت الذي نتحدّث فيه عن "نهاية المجتمعات". يبحث آلان تورين Alain Touraine (2023–1925)، من خلال فكرة "نهاية المجتمعات"، في أزمة الحداثة الأوروبية، التي نشأت "حول تحديد يشرح بمصطلحات اجتماعية حصرًا جميع مقولات

التنظيم والفكر الاجتماعيَين، أي الوظائف التي يشغلها الفاعلون والمؤسسات من أجل ضمان بناء

المجتمع وقدرته على التكيّف مع التغييرات الضرورية". وتتقاطع هذه الأزمة مع مشكلة التمثيل،

فلم تعد القوى السياسية تمثّل الفاعلين الاجتماعيين والأفراد. وبناءً عليه، تتعرض أزمة التمثيل، ومن ثم

أزمة الحداثة، لثلاثة توترات بنيويّة تُمثّل في الوقت نفسه مسارات ثلاثة للأزمة؛ هي: "فقدان التوترات

الدينامية والإذعان إلى دكتاتورية قمعية وانحلال الإرادوية في السوق". وفي سياق التحليل نفسه، تناقش فريزر مسائل "اللامساواة واللاعدالة في سياق المجتمعات الرأسمالية العالمية وزيادة التنوع الثقافي في المجتمع الحديث. وبناءً عليه، تدعو إلى اتباع منهج المنظورات

(133) Jürgen Habermas, Die Postnationale Konstellation (Frankfurt: Suhrkamp, 1998).

(13((بول ريكور، سيرة الاعتراف: ثلاث دراسات، ترجمة فتحي إنقزو، مراجعة محمد محجوب (تونس: المركز الوطني للترجمة، 2010)، ص.6 (13((للمزيد ينظر: آلان تورين، براديغما جديدة لفهم عالم اليوم، ترجمة جورج سليمان (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011)، ص.257 ((13(المرجع نفسه، ص.97 ((13(المرجع نفسه، ص.101

المزدوجة الذي يميّز بين نوعين من الظلم، هما عدم الاعتراف والتوزيع غير العادل". وتظهر مسألتا

العدالة والظلم بوصفهما بردايمين تأويليين، تحاول من خلالهما فهم "وضع النظام والنسق الاقتصادي للرأسمالية الحديثة"، وتؤكد أن الهيمنة الثقافية متجذّرة داخل الدولة الليبرالية الحديثة، التي تتمظهر في سياسات الأقليات والطبقات المهمّشة والمستبعدة. ويظهر الظلم الاجتماعي والاقتصادي في

ممارسات "الاستغلال والتهميش الاقتصادي والحرمان من مستوى معيشي لائق". وإضافةً إلى ذلك، يُعبّر هذا الظلم الاجتماعي والاقتصادي عن علاقة إشكالية بين طبقات المجتمع داخل الدولة

الليبرالية الحديثة من جهة، والمجتمع والدولة من جهة أخرى. وفي مواجهة هذه الأشكال من الظلم، تتعامل فريزر مع الاعتراف باعتباره مسألة مرتبطة بالثقافة والهوية والذات، وتُفكك أنواع هذا الظلم (الثقافي أو الرمزي)، مع التأكيد على تمفصلها مع الأنماط الاجتماعية للتمثيل.

خاتمة

يوفر مشروع روزا النقدي حول الثقافة والهوية والتقنية والمجتمع في زمن الحداثة المتأخرة، إمكانية استئناف النقاش حول المفاهيم الأساسية للحداثة ووعودها مثل الحرية وغيرها من مطالب العقلانية والأنوار. لكن هذه المطالب تتعرّض في مستوياتها التفاعلية، بمعنى إمكانية تحوّلها من الممكن إلى

الضروري، لعوائق وتعثرات، من أهمها: انزياح العقلانية عن إحداثياتها السوسيوفلسفية وتحوّلها إلى

إشكالية تشق مجتمعات الحداثة المتأخرة. ولعل إعادة استحضار فكرة الزمن ودلالاته وآثاره وعلاقاته بالذات وبمفاهيم الاغتراب والحرية والثقافة والهوية والاعتراف، وغيرها من بردايمات ديالكتيك التفاعل والتمثيل والعمل في إطار المقولات الهيغلية حول الذات والروح والطبيعة، تفرض، من جهة الاختبار الإمبريقي للقدرات الإجرائية لهذه المفاهيم، أن يُعاد موضعتها ضمن أفق انتظارات الذات، في

ضوء تحولات التقنية وطغيان ما عرضه روزا من سطوة التنافس وضغط الزمن وتصاعُد منطق النجاح أو الربح بديلًا من أطروحة الاعتراف الاجتماعي. وفي إطار تتبّع ملامح مشروع روزا النقدي باعتباره

ممثّلًا للجيل الرابع لمدرسة فرانكفورت، فإن الكشف عن الدلالات السوسيوفلسفية لمفهوم التسارع، يساهم في فهم جملة التغيرات الطارئة على الذات والهوية وملامح العالم الاجتماعي، ويُقدّم أيضًا

شرحًا لعملية التفاعل الاجتماعي في زمن الحداثة المتأخرة. وفي هذا السياق، يعرض روزا مفهوم التسارع بوصفه تكثيفًا لأزمة الزمن، وسببًا لغياب الاجتماعي

وإحلال الافتراضي بديلًا منه. لكنّ هذا الغياب لا يجمع كامل مبرّراته الأنطولوجية في علاقة بنظريات

(138) Terry Lovell, "Nancy Fraser’s Integrated Theory of Justice: A 'Sociology Rish' Model for a Global Capitaliste Era?" in: Nancy Fraser & Pierre Bourdieu, Recognition, Social, Social Inequality and Social Justice (New York/ London: Routledge, 2007), p. 67. (139) Ibid. (140) Ibid.

(14((ناقشنا على نحو أكثر تفصيلًا مسائل الاعتراف وقضية الأنماط الاجتماعية للتمثيل وعلاقتها بالظلم الاجتماعي وسياسات

التوزيع العادل من منظور نانسي فريزر. وذلك في دراستنا. ينظر: العياري، "الفضاء العمومي وسؤال الحرية"، ص.66–35

المعرفة الجديدة، كما أن إمكانية نقد هذا المشروع/ المفهوم تجد جذورها في الإرث النقدي لمدرسة فرانكفورت؛ حيث لا يُكوّن مفهوم التسارع وعملية ضغط الزمن كامل الملامح السوسيوفلسفية

لتحولات العلاقة بين الذات والأشياء. فمن جهة اعتبار التسارع، وفقًا لروزا، ميزة رئيسة من مميّزات

أو أشكال التواصل الوحيدة، فإنه يمكن أن يكون نتاجًا لعقلانية أحادية أو عقلانية ممكنة من مجموعة

عقلانيات أخرى بتعبير جورج لوكاتش George Lukacs (1971–1885) إذا ما نظرنا إلى إشكاليات الحداثة المتأخرة التي يعرضها روزا في مشروعه النقدي، وهي التوتاليتارية والثقافة والاعتراف، بوصفها إشكاليات تعيد إنتاج نفسها من الحداثة إلى الحداثة المتأخرة، أو هي تمظهرات جديدة لإشكاليات قديمة وجدت في التسارع محركًا جديدًا من محركاتها أو أسباب إعادة بروزها. وإذا كان للتسارع أبعاد وانعكاسات على مستوى الذات والهوية والثقافة، فإن ممكنات تجاوز هذه الأزمة التي تشق الحداثة المتأخرة لا تزال واردة جدًا، خاصة مع استغلال أزمة التقنية ذاتها، التي أفلتت من دائرتها الإيتيقية بتوصيف هابرماس وصمويل هنتنغتون Samuel Huntington). 2008–1927(وضمن هذا الجهد التجاوزي، يعرض روزا لأطروحة التصادي (الرنين) في عودة إلى أطروحة المشاركة الملتزمة عند هايدغر أو التملّك عند جايجي. ويمكن أن يكون هذان المفهومان نقطة الانطلاق في إعادة بلورة مشروع التحرر الذي يُنهي جانب الهيمنة التي تُسلّطها التقنية على الذات، وما تُدخله

على الهوية من تحويرات وتعقيدات. ويُستعرض في هذا السياق الجزء المتعلق بمشروع الحداثة، وهو

مشروع الحرية الذي اختفى بفعل سيطرة العقلانية الأداتية، حيث يمكن أن تعيد التقنية تشكيل الهوية. لكنّ إعادة التشكيل هذه كشفت، ضمن حركات اجتماعية وسياسية وثقافية، عن إعادة تشكيل إيجابي من خلال الدفع بمطالبة الذات المُحتجة – بصيغة المفرد والجمع – نحو الإمساك بحرياتها الشخصية

والانعتاق من هيمنة النسق. ولذلك لا يمكن فصل الهوية عن أفق التكوين والتشكيل الدوري؛ بمعنى أن نعزلها عن نطاقات التواصل الاجتماعي وأيضًا الافتراضي، بما هو فضاء يسمح من وجهة نظر الفاعلين بتبادل استراتيجيات وخطط ومناهج تواصلية. إلا أن سياقات الاعتراف، بما هي تكثيف للفعل التواصلي، لا يمكنها أن تحقق شروطها الثقافية والقانونية والاجتماعية والعاطفية، إلا ضمن مدار الاجتماعي الواقعي، حتى لا يكون هذا الاعتراف عابرًا ومؤقتًا وخاضعًا للتسارع. ويمكن مشروع

روزا النقدي الذي ينطلق من عرض لفينومينولوجيا الزمن وتأصيل فلسفي لمفهوم التسارع ضمن العلاقات البينذاتية في الحداثة المتأخرة، أن يُبلور، من خلال مفهوم التسارع، ممكنات نظرية وعملية

جديدة وفاعلة ضمن دائرة التفاعل والتصدي لإشكاليات الحداثة المتأخرة، وحلًا من الحلول المعنية بفك تناقضات المجتمعات المعاصرة. وهذا يكون مع ضرورة الانتباه إلى قدرة مفهوم التسارع على الاستجابة لشروط إدارة الصراع من جهة، وفهم ارتدادات هذه الصراعات من جهة أخرى، خاصة مع ملاحظة توسع نطاق إشكاليات السياسة والثقافة والهوية وإعادة إنتاج نفسها، كما أشرنا، في سياقات جديدة ومستحدثة تتطلب تحيينًا ومراجعات لمشروع التقنية ومشروع المجتمع الذي وصفه كورنيليوس

كاستورياديس Cornelius Castoriadis (1997–1922) بأنه توقف عن مساءلة نفسه. ربما تسمح

((14(أستاذة الفلسفة العملية والاجتماعية في جامعة هومبولت في برلين.

القراءات المتعددة لمفهوم التسارع، وتطويعه لفائدة حسم صراعات اللاعدالة واللاتكافؤ، بتوسيع مجالات استعماله نقديًا، ووضعه عمليًا في خط المواجهة الأول ضد الهيمنة والسيطرة ومحاولات

الإخضاع. وربما تبدو هذه المفاهيم مشحونة بمفردات المعجم السياسي الفلسفي، لكنها في الوقت نفسه تشمل الجانب المتعلق بالبحث الفلسفي الذي يهدف إلى الكشف عن ميكانيزمات الهيمنة والإخضاع التي أصبحت تشتغل تقنيًا وتنساب إلى الاجتماعي انطلاقًا من ضيق زمن هذا الاجتماعي،

والطلب على إعادة تشكيل الهوية استنادًا إلى ثقافة أو ثقافات جديدة تجد في دلالات زمن التجربة والتفاعل وفي أفق التفاعل صورةً من صور الحرية التي تتقاطع عند حدود الافتراضي والواقعي.

References

المراجع

العربية

أبو جبر، حجاج. "هل من مكان للهوية في عالم معولم؟ استكشاف 'الهوية السائلة' عند زيغمونت باومان". تبيّن. مج  11، العدد 41 (صيف.)2022 أفاية، محمد نور الدين. الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة: نموذج يورغن هابرماس. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.1989 باختين، ميخائيل. أعمال فرانسوا رابليه والثقافة الشعبية في العصر الوسيط وإبّان عصر النهضة. ترجمة شكير نصر الدين. بيروت: دار الجمل،.2015 باومان، زيجمونت وكارلو باردوني. حالة الأزمة. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2018 باومان، زيجمونت. الحب السائل. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،

________. الحداثة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2019 بن جيلاني، محمد أمين. "مأسسة الاعتراف عند نانسي فريزر: تحليل البنية الثقافية والاقتصادية للاعتراف". مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث. 2020/6/23:. في https://bit.ly/3CMR4b4 بنيامين، والتر. العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي. ترجمة سيزا قاسم. شهادات وقضايا. دمشق: مؤسسة عيبال للدراسات والنشر،.1991 بومنير، كمال. التسارع، الاغتراب والتصادي: قراءة في فكر هارتموت روزا. الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ بيروت: دار الروافد الثقافية،.2022 تايلور، تشارلز. منابع الذات: تكوين الهوية الحديثة. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2014

تورين، آلان. براديغما جديدة لفهم عالم اليوم. ترجمة جورج سليمان. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2011 جيدنز، أنتوني. الطريق الثالث: تجديد الديمقراطية الاجتماعية. ترجمة أحمد زايد ومحمد محيي الدين. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.2010 جين، نيكولاس [وآخرون]. مستقبل النظرية الاجتماعية. ترجمة يسري عبد الحميد رسلان. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2017 حداد، نقولا. فلسفة الوجود. وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي،.2014 حنفي، مصطفى [وآخرون]. فلسفة الحق عند هابرماس. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،.2008 "حوار مع الفيلسوف الألماني أكسيل هونيث: الصراع مع القيم العالمية مغامرة ناقصة". ترجمة نور الدين علوش. مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث. 2020/1/11:. في https://bit.ly/3g5x36m راينو، فيليب. ماكس فيبر ومفارقات العقل الحديث. ترجمة وتقديم محمد جديدي. الجزائر: منشورات الاختلاف،.2009 ريكور، بول. سيرة الاعتراف: ثلاث دراسات. ترجمة فتحي إنقزو. مراجعة محمد محجوب. تونس: المركز الوطني للترجمة،.2010 سارتر، جان بول. الوجود والعدم: بحث في الأنطولوجيا الظاهراتيّة. ترجمة عبد الرحمن بدوي. بيروت: دار الآداب،.1966 سبيلا، محمد. "مسألة الحداثة في فكر هايدغر: بين تمجيد العالم الحديث ورثائه". تبيّن. مج  3، العدد 11 (شتاء.)2015 الشيخ، محمد. نقد الحداثة في فكر هايدغر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2008 العياري، محمد العربي. "الفضاء العمومي وسؤال الحرية: جدل هابرماس وهونيث وفريزر". تبيّن. مج 11، العدد 44 (ربيع.)2023 ________. "أطروحة التملّك وأنطولوجيا الاعتراف: قراءة في فلسفة رحيل جايجي". مجلة حكمة الإلكترونية. 2024/1/15:. في https://bit.ly/3yVNmN9 غودار، إلزا. أنا أوسيلفي إذن أنا موجود: تحّولّات الأنا في العصر الافتراضي. ترجمة وتقديم سعيد بنكراد. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي للكتاب،.2019

فلوري، لوران. ماكس فيبر. ترجمة محمد علي مقلد. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2008 فيبر، ماكس. العلم والسياسة بوصفهما حرفة. ترجمة جورج كتورة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،

كرانغ، مايك وفيل كرانغ وجون ماي. الجغرافيات الافتراضية: أجسام وفضاء وعلاقات. ترجمة عدنان حسن. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب،.2011 كريب، إيان. النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس. ترجمة محمد حسين غلوم. مراجعة محمد عصفور. سلسلة عالم المعرفة 244. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1999 مصطفى، مهند. "سياسة الاعتراف والحرية: سجال وإطار نظري تحت طائلة الراهن العربي". تبيّن.

مج 5، العدد 17 (صيف.)2016 هابرماس، يورغن. بعد ماركس. ترجمة محمد ميلاد. دمشق: دار الحوار،.2002 هايدغر، مارتن. الكينونة والزمان. ترجمة فتحي المسكيني. مراجعة إسماعيل المصدق. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2012 هوركهايمر، ماكس وثيودور ف. أدورنو. جدل التنوير: شذرات فلسفية. ترجمة جورج كتورة. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2006 هوسرل، إدموند. أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية. ترجمة إسماعيل المصدق. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2008 هونيث، أكسل. الاجتماعي وعالمه الممزق: مقالات فلسفية اجتماعية. ترجمة ياسر الصاروط. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019

الأجنبية

Arjakovsky, Philippe, Francois Fédier & Hadrien France–Lanord. Le Dictionnaire de Martin Heidegger. Paris: Cerf, 2013. Baudrillard, Jean. La société de la consommation. Paris: Folio, 1970. Bauman, Zygmunt. "As Seen on TV." Ethical Perspectives. vol. 7, no. 2 (2000). Berger, Peter & Thomas Luckmann. La construction sociale de la réalité. Paris: Armand Colin, 2012. Burgelin, Pierre. "Martin Heidegger, qu’appelle–t–on pensé?" Revue d’histoire et de philosophie religieuse. vol. 1, no. 1 (1959). ________. La Distinction: Critique sociale du jugement. Paris: Les Edition de Minuit,

Chollet, Antoine & Catherine Coquio. "Sociologie ou politique de l’accélération? Entretien avec Antoine Chollet." Écrire l’histoire. vol. 1, no. 16 (2016). Coquio, Catherine. "Sociologie ou politique de l’accélération? Entretien avec Antoine Chollet." Espace et Temps. vol. 1, no. 16 (2016). Czaja, Julia. "The Cyborg Habitus: Presence, Posthumanism and Mobile Teandology." Paper presented at the International Society for Presence Research Annual Conference. Edinburgh Napier University, 26–28 October 2011. at: https://bit.ly/4cJVLRv Discussion de l’ouvrage de Hartmut Rosa, Résonance: Une sociologie de la relation au monde. Paris: La Découverte, 2018. Durand–Gasselin, Jean–Marc. "Pensée post métaphysique et critique des conservatismes chez Habermas." Cités. vol. 2, no. 78 (2019). Fabian, Ferri. "L’accélération comme moteur de l’aliénation." Mouvements: Des idées et des luttes. 15/7/2012. at: https://bit.ly/3Z6D9Ij Ferry, Jean–Marc. Habermas: L’éthique de la communication. Paris: PUF, 1987. Frankfurt, Harry. "Freedom of the will and the Concept of a Person." Journal of Philosophy. vol. 67, no. 1 (1971). Fraser, Nancy & Pierre Bourdieu. Recognition, Social, Social Inequality and Social Justice. New York/ London: Routledge, 2007. Gertenbach, Lars et al. Soziologische Theorien. Paderon: Fink, 2009. Granovetter, Mark. "The Strength of Weak Ties." American Journal of Sociology. vol. 78, no. 6 (1973). Habermas, Jürgen. Die Postnationale Konstellation. Frankfurt: Suhrkamp, 1998. Hegel, Friedrich. Elements of the Philosophy of Right. Cambridge: Cambridge University Press, 1991. Heidegger, Martin. Chemins qui ne mènent nulle part "Holzwege". Wolfang Brokmeier (trad.). Paris: Gallimard, 1962. ________. Introduction à la métaphysique. Gilbert Kahn (trad.). Paris: Gallimard, 1980. ________. De l’essence de la liberté humaine. Paris: Gallimard, 2001. Hennis, Wilhelm. La problématique de Max Weber. Paris: PUF, 1996. Honneth, Axel. Les Pathologies de la liberté: Une réactualisation de la philosophie du droit de Hegel. Franck Fischbach (trad.). Paris: La Découverte, 2008. Jaeggi, Rahel. "Une critique des formes de vie est–elle possible? Le négativisme éthique d’Adorno dans Minima Moralia." Actuel Marx. vol. 2, no. 38 (2005). ________. "Qu’est–ce que la critique de l’idéologie?" Actuel Marx. vol. 1, no. 43

________. "Qu’est–ce qu’une bonne institution?" Revue franco–allemande de science Humaine et Sociale. no. 32 (2021).

Jappe, Anselm. "Sur l’acceleration de l’accélération du temps social." Revue internationale des Livres et des idées. 11/7/2010. at: https://bit.ly/3yPFD3b Lacroix, Alexandre. Préface à Hartmut Rosa: Remède à l’acceleration. Paris: Philosophie Magazine, 2018. Lewis, John David. "Isegoria at Athens: When did it Begin?" Historia: Zeitschrift für Alte Geschichte. vol. 2, no. 3 (1971). Lijster, Thijs, Robin Celikates & Hartmut Rosa. "Beyond the Echo–chamber: An Interview with Hartmut Rosa on Resonance and Alienation." Journal for Contemporary Philosophy. vol. 41, no. 2 (2021). Lubbe, Hermann. Employment and Transfert of Technology. London: Springer Verlag,

Lucas, John. Principles of Politics. Oxford: Clarendon Press; New York: Oxford University Press, 1985. Marcuse, Herbert. "De l’ontologie à la Technologie: Les tendances de la société industrielle." Revue Arguments. vol. 4, no. 18 (1960). Martineau, Jonathan. Time, Capitalism and Alienation: A Socio–Historical Inquiry into the Making of Modern Time. Historical Materialism Book Series. Leiden: Brill, 2015. Marx, Karl. "Critique de l’économie politique." Maurice Husson (trad.). Paris: Éditions A. Frank, 1859. at: https://bit.ly/4dGOxip Rosa, Hartmut. "Personale Identität und soziale praxis: Die politische Philosophie Charles Taylor." PhD Dissertation, Humboldt University. Berlin, 1997. ________. "On Defining the Good Life: Liberal Freedom and Capitalist Necessity." Constellations. vol. 5, no. 2 (1998). ________. Accélération: Une critique sociale du temps. Didier Renault (trad.). Paris: La Découverte, 2010. ________. Aliénation et accélération: Vers une théorie critique de la modernité tardive. Thomas Chaumont (trad.). Paris: La Découverte, 2012. ________. Remède à l’acceleration. Alexandre Lacroix (trad.). Paris: Philosophie Magazine, 2018. ________. Résonance: Une sociologie de la relation au monde. Sacha Zilberfarb (trad.). Paris: La Découverte, 2018. ________. Resonance: A Sociology of Our Relationship to the World. Cambridge: Polity Press, 2019. ________. Rendre le monde indisponible. Olivier Mannoni (trad.). Paris: La Découverte,

________. Pourquoi la démocratie a besoin de la religion. Isis Von Plato (trad.). Paris: La Découverte, 2023.

Siep, Ludwig. Anerkennung als Prinzip der praktischen Philosophie. Freiburg:

Surowiecki, James. The Wisdom of Crowds: Why the many are Smarter than the few and how Collective Wisdom Shapes Business, Economies, Societies and Nations. London:

Vettraino, Jean. "La logique d’acceleration s’empare de notre esprit et de notre corps."

Winner, Langdon. Autonomous Technology: Technics–out–of–Control as a Theme in

Munchen, 1979.

Little Brown, 2004.

Revue projet. vol. 6, no. 355 (2016). Virilio, Paul. Vitesse et politique: Essai de Dromologie. Paris: Galilée, 1977.

Political Thought. Cambridge, MA: The MIT Press, 1978.