Return to Article Details Book Review: Cannibal Capitalism: How our System is Devouring Democracy, Care, and the Planet – and What We Can Do about It

مراجعة كتاب الرأسمالية الكانيبالية: كيف يبتلع نظامنا الديمقراطية والرعاية والكوكب؟ وما الذي يُمكننا فعله في هذا الشأن؟

Book Review: Cannibal Capitalism: How our System is Devouring Democracy, Care, and the Planet – and What We Can Do about It by Nancy Fraser

سمير بوسلهام *

Samir Bouslhame *

الملخّص

عنوان الكتاب: الرأسمالية الكانيبالية: كيف يبتلع نظامنا الديمقراطية والرعاية والكوكب؟ وما الذي يمكننا فعله في هذا الشأن؟ المؤلفة: نانسي فريزر. الناشر: لندن: فارسو. سنة النشر: 2022. عدد ال صفحات: 209.

Abstract

Cannibal Capitalism: How our System is Devouring عنوان الكتاب في لغته: Democracy, Care, and the Planet – and What We Can Do about It.

الكلمات المفتاحية:
  • الرأسمالية الكانيبالية
  • الديمقراطية
  • مدرسة فرانكفورت
  • نانسي فريزر
Keywords:
  • Cannibal Capitalism
  • Democracy
  • Nancy Fraser

عنوان الكتاب بالعربية: الرأسمالية الكانيبالية: كيف يبتلع نظامنا الديمقراطية

المؤلف ة:

نانسي فريزر. الناشر:

لندن: فارسو. سنة النشر: عدد الصفحات:

Cannibal Capitalism: How our System is Devouring عنوان الكتاب في لغته:

Democracy, Care, and the Planet – and What We Can Do about It.

والرعاية والكوكب؟ وما الذي يمكننا فعله في هذا الشأن؟

PhD Researcher, Interdisciplinary Specializations Laboratory in Social Sciences, Ibn Zohr University, Morocco. samir.bouslhame@gmail.com

صدر عن دار نشر "فارسو" Verso كتاب للمنظّرة النقدية الأميركية نانسي فريزر Nancy Fraser عنوانه الرأسمالية الكانيبالية: كيف يبتلع نظامنا الديمقراطية والرعاية والكوكب؟ وما الذي يمكننا فعله في هذا الشأن؟ والمؤلفة من أهمّ البارزين في الفلسفة النسوية الأميركية، ومن

أهم ممثلي الجيل الثالث للنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت. ويُعد هذا الكتاب ثمرة اشتغال طويل

بدراسة الطبيعة المركبة والمتعددة الأوجه للأزمة الرأسمالية، باعتماد منظور بينيّ متداخل للعديد

من التخصصات، وذلك من أجل بلورة مفهوم موسع للرأسمالية يتجاوز الطرح الاختزالي الذي يحصر الرأسمالية في الاقتصاد، وتسليط الضوء على أوجه الظلم البنيوي التي يكرسها النظام الاجتماعي للرأسمالية.

أولا: حول العنوان: ما الذي يجعل الرأسمالية كانيبالية؟

تشير المؤلفة في المقدمة إلى أن مصطلح الكانيبالية Cannibalism متعدد المعاني والدلالات، لكن أبرز معانيه وأشهرها المعنى المثقل بالعنصرية الذي طالما استُخدم به هذا المصطلح، وذلك

بإلحاق الأوروبيين هذه الصفة بالشعوب الأفريقية التي استعمروها؛ أي نعتهم ب "آكلي لحوم البشر".

وجودنا.

لذلك، فهي تتعمد استعمال هذا المصطلح بمنطق مقلوب للدلالة على طبقة الرأسماليين، تلك الفئة من الناس التي تتغذى على الآخرين.

(((خلافًا للافتراس والتوحش (وهي مفردات لا تفي هنا

بالغرض) تعني "الكانيبالية" أن يتغذى كائن ما على نوعه الحيواني ذاته. وهو فعل يحيل على تقويض الكائن لأسس وجوده بنفسه، والمقصود بهذه الممارسة المدمرة للذات ذلك النظام الرأسمالي الذي يدمر نفسه ومعه البشر والطبيعة، وهو ما يعيد إلى الأذهان قول ماركس "الرأسمالية حفارة قبرها"، لكن بمنظور أوسع ومختلف عند فريزر.

التاريخ.

أما المعنى الثاني لمصطلح الكانيبالية، فهو أكثر تجريدًا؛ إذ يعني "حرمان منشأة أو مؤسسة ما، من

أحد العناصر الأساسية لاشتغالها بغرض إحداث عنصر آخر أو الحفاظ عليه". وهذا المعنى ينطبق على منطق اشتغال الرأسمالية التي يستنزف جانبها الاقتصادي الجوانب غير الاقتصادية من النظام؛ أي الأسر والمجتمعات المحلية، والأنواع الطبيعية والنظم البيئية، ونفوذ الدولة والسلطات العمومية. وهكذا، تصير الرأسمالية هي الكائن الذي يتغذى على أطرافه. أما المعنى الثالث، فهو معنى فلكي يتجسد في التهام جسم سماوي أجسامًا أخرى عن طريق قوة

الجذب التي تتيحها له كتلته، كلما دخل جسم

مداره أو أُفقه. وهو ما تجده المؤِّلِفة وصفًا ملائمًا

للعملية التي يجذب بها رأس المال الثروة الطبيعية والاجتماعية من مناطق الهامش ضمن النظام العالمي. والمعنى الرابع هو معنى ميثولوجي مستمد من الأسطورة التي تحكي عن "الأوروبوروس"، ذلك الثعبان الذي يقضم ذيله ويلتهم نفسه، وهو المشهد الذي اختارته فريزر صورةً لغلاف الكتاب للدلالة على التطابق بين هذا الكائن الأسطوري والنظام الرأسمالي المصمم على التهام الأسس الاجتماعية والسياسية والطبيعية لوجوده، والتي هي أيضًا أسس

تجادل المؤِّلِفة أيضًا بأن استخدامها مصطلح الرأسمالية ليس – كما هو شائع – مجرد تسمية

(2) Nancy Fraser, Cannibal Capitalism: How our System is Devouring Democracy, Care, and the Planet and What We Can Do about It (London: Verso, 2022), p. 13.

(((الأوروبوروس Ouroboros: رمز قديم يظهر في شكل ثعبان أو تنّين يلتهم ذيله. ويعود أصل هذا الرمز إلى مصر القديمة

واليونان، ويستخدم في العديد من الثقافات المختلفة عبر

لنظام اقتصادي يعتمد على الملكية الخاصة وتبادل السوق والعمل المأجور والإنتاج من أجل الربح. فهذا التعريف في نظرها شديد الضيق، يحجب الطبيعة الحقيقية للنظام بدلًا من أن يكشف عنها. وفي المقابل، فإنّ ما تعنيه الرأسمالية هو شيء أكبر من الاقتصاد: "نظام مجتمعي يمكّن الاقتصاد القائم على الربح من افتراس أشكال الدعم الموجودة خارج المجال الاقتصادي، والتي يحتاج إليها هذا النظام لكي يعمل؛ بما في ذلك الثروة المصادرة من الطبيعة، ومن الشعوب المستضعفة (التابعة)، وأعمال الرعاية المتعددة الأشكال التي تُبَّخَس قيمتها على نحو مفرط – إن

لم نقل يُتنَّصَل منها بالكلية – والخيرات العمومية

والسلطات العمومية التي يحتاج إليها رأس المال ويحاول التقليل منها، والطاقة والإبداع لدى من يعملون. ورغم أنها لا تظهر في الميزانيات العامة للشركات، فإن هذه الأشكال من الثروة تشكّل شروطًا مسبقة أساسية لتحقيق الأرباح والمكاسب الاقتصادية. إنها بهذا المعنى تشكل الأسس الحيوية للتراكم داخل النظام الرأسمالي".

ثانيًا: منهجية الكتاب

تقترح المؤلّفة، في هذا الكتاب، فهمًا أكثر تركيبًا

يستفيد من مشارب نقدية عديدة، بما في ذلك نظرية إعادة الإنتاج الاجتماعي، والنظرية النقدية للعرق وما بعد الكولونيالية ودراسات التابع والإيكولوجيا، فضلًا عن نقد الاقتصاد السياسي، وذلك في إطار تعزيز قدرة التنظير النقدي للمجتمعات المعاصرة على الكشف عن الطرق التي تشتغل بها الرأسمالية وإعادة فهم سيرورتها التاريخية، في ضوء مفاهيم الجندر والعرق

(4) Fraser, p 14.

والاستعمار والبيئة، وغير ذلك من المفاهيم التي كانت مغيّبة في تحليل أزمة الرأسمالية. ولعل

هذا التوسيع الذي تقترحه فريزر للإطار التحليلي والمفاهيمي الذي نتناول ضمنه أزمة الرأسمالية قد يمكّن القراء والباحثين من إدراك الأوجه الخفية لآليات التراكم التي يعتمدها الوحش الذي يقتات على نفسه، كما تشبهه المؤِّلِفة، ومن ثمّ

عدم الاقتصار على المنظور الاقتصادي في فهم طبيعته. وعلى هذا الأساس، لا يقتصر التسلح بهذه المفاهيم على فهم الرأسمالية، بل يضيف إلى ذلك القدرةَ على مواجهتها على نحوٍ فعّال، ومقاومة آليات الإخضاع والهيمنة التي تشكّل الشروط الخفية لاستمرارها، في ما وراء وجهها الاقتصادي. وهذا هو الرهان المزدوج الذي يعبّر عنه العنوان الفرعي للكتاب: كيف تتعرض

الديمقراطية والرعاية والكوكب للافتراس من جانب نظامنا؟ وما الذي يمكن فعله حيال ذلك؟ تقدّم فريزر سردية مغايرة حول الرأسمالية، تتيح لنا إلقاء نظرة كرونولوجية على تاريخها، في ثلاث حقب مختلفة، بدءًا من الحقبة الميركانتيلية،

ومرورًا بالحقبة الصناعية، ثم وصولًا إلى الحقبة

ما بعد الصناعية القائمة على الأَمْولَة، وذلك

عبر تحليل وتتبع للطرق والآليات التي تتراكم بوساطتها "الثروة" في كل حقبة وأشكال توزيعها، والكشف عن الشروط القبلية الاقتصادية وغير الاقتصادية التي تتيح عملية المراكمة. وعلى هذا الأساس، تتيح لنا فهم أشكال التمفصل بين

(((تشير الحقبة الميركانتيلية إلى فترة في التاريخ الاقتصادي، وتمتد تقريبًا من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر

الميلاديين، وهي مرتبطة بتطور الفكر الاقتصادي الذي يُعرف

بالميركانتيلية Mercantilism. ساد هذا الفكر في أوروبا خلال هذه المدّة، وكان له تأثير كبير في سياسات الدول الأوروبية

الاقتصادية.

آليات المراكمة الاقتصادية (الاستغلال الطبقي)، وغير الاقتصادية (المصادرة) في الرأسمالية خلال تاريخها الطويل؛ وهي الحجة التي تبيّن أن الديون

التي تثقل كاهل دول الجنوب والأفراد على حد سواء، وهشاشة الشغل، وضيق سُبل العيش عند

الأسر، وتضاؤل الخدمات الاجتماعية وترديها، والحدود المتصلبة في وجه المهاجرين، وصعود الشعبوية والعنف العنصري، والأوبئة الفتاكة، وقساوة الطقس واضطراب المناخ، تعود كلّها إلى الجذر نفسه، وهو الرأسمالية الكانيبالية.

ثالثًا: مسارات تشكل الكتاب وأطروحاته

يتكون 209 الكتاب من صفحات من القطع المتوسط، وينقسم إلى مقدمة وستة فصول وخاتمة. وتجدر الإشارة إلى أن مواد هذا الكتاب سبق أن نُشرت منفصلة في سياقات مختلفة في دراسات ومقالات في دوريات وألقيت في محاضرات. فالفصل الأول، "الوحش القارت: لماذا نحتاج إلى توسيع فهمنا للرأسمالية؟"، هو نسخة مطورة ومنقحة من محاضرة ألقيت في سنة 2014 عنوانها "خلف المكان الخفيّ لماركس: من أجل تصور

"Behind Marx’s Hidden موسع للرأسمالية" Abode: For an Expanded Conception of

(((القارت Omnivore: حيوان ذو نظام غذائي متنوع، وهو هنا كناية عن الرأسمالية التي لا تتغذى على الثروة الاقتصادية حصرًا، بل على الثروات غير الاقتصادية أيضًا؛ كأنشطة الرعاية

الاجتماعية، والثروات الطبيعية، والخيرات العمومية والسلطة العمومية، والشعوب المستعمرة وما بعد المستعمرة، وهو ما يعني أن الرأسمالية أكثر من مجرد نظام إنتاج اقتصادي.

(7) Nancy Fraser, "Behind Marx’s 'Hidden Abode':

ينظر ((:(

Toward an Expanded Conception of Capitalism," Frisby Memorial Lecture , 12/2/2014, University of Glasgow, accessed on 2/9/2024, at: http://bit.ly/4e9wGQX

Capitalism". وقد سبق أن طوّرت فريزر حجج

هذه المقالة من خلال النقاش الذي جمعها براهيل ياغيه حول مفهوم الرأسمالية، وقد نُشِر في كتابهما المشترك الرأسمالية: محاورة حول النظرية النقدية، وفيه تبلور مفهوم الرأسمالية ليشمل باقي جوانب الحياة الاجتماعية، مع محاولة تجاوز الطرح الذي يختزل النظام الرأسمالي في بعده الاقتصادي، وذلك بالانفتاح على نظرية إعادة الإنتاج الاجتماعي، ومن ثم اعتبار العمل المنزلي وأعمال الرعاية من بؤر الصراع الأساسية في المجتمع الرأسمالي، ومن الشروط القبلية التي لا يمكن الاستغناء عنها لتحقيق التراكم. وعلى هذا النحو، تشكّل مصادرة إعادة الإنتاج الاجتماعي السردية الخلفية أو المتوارية للنظام الرأسمالي، في الوقت الذي يشكّل فيه الاستغلال الطبقي سردية خلفيةً أخرى أو مكمنًا خفيّا للإنتاج، لكن ذلك أقل

عمقًا. لهذا، تفضل المؤلّفة الحديث عن سرديتين خلفيتين بدلًا من سردية واحدة، بخلاف كارل ماركس الذي يكتفي بالكشف عمّا وراء السردية

الأمامية للتراكم الرأسمالي القائم على تبادلات السوق. وإذا كانت السردية الليبرالية تخفي عنّا علاقات الاستغلال، كما كشف عن ذلك ماركس، فإن هذا الفصل يكشف عمّا يجري خلف سردية

الاستغلال ذاتها، مسلطة الضوء على مصادرة رأس المال لعمل النساء المنزلي باعتباره عملًا غير مأجور؛ ولهذا تُبَّخَس قيمته ولا ينال الاعتراف،

ولكنه في الوقت نفسه من الأسس القبلية لقيام الإنتاج الرأسمالي، ومن دونه لا يمكن أن يستمر النظام الرأسمالي. هذه هي الحجة التي ستمكّن المؤِّلِفة من إعادة تعريف الرأسمالية بأنها ليست

Nancy Fraser & Rahel Jaeggi, Capitalism: A Conversation in Critical Theory (London: Verso Books, 2023).

نظامًا اقتصادًّيًا فحسب، وأن تناقضها الرئيس

لا يكمن في علاقات الإنتاج حصرًا، بل هي "نظام

اجتماعي ممأسس". أما الفصل الثاني، "المتعطش للعقاب: لماذا الرأسمالية عنصرية بنيويًا؟"، فهو في الأصل دراسة

قدّمتها فريزر في مؤتمر الرابطة الفلسفية الأميركية

سنة American Philosophical Association

2018، وقد كان عنوانها "هل الرأسمالية عنصرية بالضرورة؟". وفيها تناولت الاضطهاد العنصري بوصفه خاصية ملازمة للرأسمالية على مر العصور؛ إذ لم يسبق أن كانت هناك رأسمالية غير متشابكة مع العنصرية؛ سواء في ذلك الرأسمالية الزراعية، والصناعية، وما بعد الصناعية القائمة على الأَمْولَة في عصرنا الحالي. وهي كلها مراحل

من تاريخ الرأسمالية عُرفت بالاضطهاد العنصري، وهو ما دفع المؤِّلِفة إلى استشكال علاقة نظام الرأسمالية الاجتماعي بالعنصرية: أهي علاقة بنيوية أم عرضية؟ وكيف تشتغل الرأسمالية من خلال التقسيم العرقي للسكان؟ وإلى أي حد يمكن الرأسمالية أن تكون غير عرقية؟ وبناءً على ذلك، تحاُّجُ المؤلّفة بأن العنصرية

لم تكن مجرد خاصية عرضية في بنية الرأسمالية. ومع ذلك، لم تكن خاصية حتمية وثابتة، أو معطاة على نحو جاهز وقَبْلي. إنها، خلافًا

لما يزعمه دعاة العرضانية ودعاة الضرورة الحتمية، تبلور حجة مغايرة مفادها أن الرأسمالية تشتغل وفق سيرورتين، أو آليتين، متمايزتين من الناحية التحليلية – النظرية، ولكنهما متشابكتان من الناحية العملية؛ هما الاستغلال والمصادرة

(9) Nancy Fraser, "Is Capitalism Necessarily Racist?" Proceedings and Addresses of the American Philosophical Association , vol. 92, no. 1 (2018), pp. 21–42.

وتشير. Expropriation & Exploitation

إليهما فريزر اختصارًا بال "إِكْسَيْن " The Two

Exes، وتعتبر أن تصنيف السكان إلى سكان مستغِّلِين وآخرين مصادَرين هو ما يجعل العنصرية آلية أساسية من آليات اشتغالها. وفي الآن ذاته، ليست العلاقة بين الاستغلال والمصادرة في الرأسمالية علاقة ثابتة، بل تتغير تبعًا للشروط التاريخية لكل حقبة من حقب

الرأسمالية؛ ما يجعل تاريخ الرأسمالية سلسلةً من أنظمة التراكم العنصري المختلفة نوعًّيًا، ويجعل

الاضطهاد العنصري يتخذ أشك لًا متباينة في كل مرحلة من مراحل الرأسمالية. إلا أن المتغير الجذري في الرأسمالية القائمة في عصرنا الحالي

(النيوليبرالية القائمة على الَأمْولَة) يتمثل في

كونها تطمس الفصل التاريخي بين الاستغلال والمصادرة، ولم تعد تقسم المجموعات السكانية إلى الصنفين المحددين المشار إليهما؛ إذ "يبدو أن الشكل الحالي من الرأسمالية يذيب هذا الأساس البنيوي للاضطهاد العنصري الذي ورثته من الحقب الماضية؛ وهو ما يشكل تحدًّيًا نظرًّيًا

كبيرًا بالنسبة إلى النظرية النقدية للعرق". أما الفصل الثالث، "مَّصَاصُ الرعاية: لماذا تُعد

إعادة الإنتاج الاجتماعي موقعًا أساسيًا لأزمة

الرأسمالية؟"، فقد كان في الأصل محاضرة ألقتها فريزر عام 2016 في إطار سلسلة محاضرات مارك بلوخ السنوية، في نسختها الثامنة والثلاثين، في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية في باريس، وكان عنوانها "تناقضات الرأسمالية

Contradictions of Capitalism and والرعاية" " ". Care

(10) Fraser, Cannibal Capitalism , p. 29. (11) Nancy Fraser, "Contradictions of Capital and Care," New Left Review, no. 100 (July 2016), pp. 99–100, 117.

وفي هذا الفصل توضح المؤلّفة أن الرعاية الاجتماعية تعدّ من الموارد الأساسية لاستمرار أي مجتمع وإعادة إنتاجه، وهي أيضًا شرط أساسي وضروري للتراكم المستدام لرأس المال. وهذا ما يجعل التناقض الاجتماعي أحد أبرز التناقضات في النظام الرأسمالي برمته؛ إذ يعمل الأخير على امتصاص أنشطة الرعاية الاجتماعية واستنزافها، وتقويض أسسها، وهو بذلك يقوض إحدى دعاماته الأساسية (الأعمال المنزلية، وتربية الأطفال، والتعليم، والرعاية العاطفية، ورعاية المسنين، والاعتناء بمجمل الشروط القبلية للإنتاج)؛ ما يسبب أزمة النظام الاجتماعي بأكمله. ومن خلال هذا التحليل، تعمل على سدّ الفجوة الكامنة في التحليلات الاقتصادية أو الإيكولوجية أو السياسية لأزمة الرأسمالية، وخصوصًا

عندما تغفل هذه المقاربات عن أهمية البعد الاجتماعي في فهم النظام الرأسمالي وتحليله، وتحاول تصحيح المقاربة الجندرية التي تتناول أزمة الرعاية وإعادة الإنتاج الاجتماعي، كما لو أنها أزمة قائمة بذاتها، ويمكن حلّها بمعزل عن بقية خيوط الأزمة الرأسمالية. تقدّم المؤِّلِفة مقاربة بينية لأزمة الرعاية الاجتماعية، بما هي أزمة متأصلة في النظام الاجتماعي الرأسمالي على نحو بنيوي؛ لا في حقبته النيوليبرالية القائمة على الأَمْولَة فحسب، بل في

كلّ مراحل الرأسمالية التاريخية، فلطالما كانت نظامًا لمصادرة أنشطة الرعاية الاجتماعية

واستنزافها، وإن كانت أزمة الرعاية الاجتماعية هذه تتخذ مظاهر مختلفة ومتمايزة بحسب كل مرحلة تاريخية من مراحل المجتمع الرأسمالي. وقد كان الفصل الرابع، "الطبيعة الملتهمة: لماذا يجب على السياسة البيئية أن تكون عابرة – بيئيًا

ومناهضة للرأسمالية؟"، في أصله درسًا افتتاحيًا

قدمته فريزر في فيينا، احتفاءً بكونها أول أستاذ زائر

لكرسي كارل بولاني Polányi Károly –1886(1964) في 4 أيار/ مايو 2021، وكان عنوانه "الطبيعة المحترقة: لماذا يعد الاحترار العالمي من صميم المجتمع الرأسمالي؟ ". وتكشف في هذا الفصل ما وراء "أكمة" الإجماع السطحي والمزيف على السياسة البيئية اليوم، مسلطةً الضوء على خيوط التوظيف الأداتي للمسألة الإيكولوجية في برامج مجموعة من القوى المتضاربة. فقد صار الخطاب الإيكولوجي منتشرًا في كل الأرجاء،

ومستهلَكًا من الجميع، ولم يعد حكرًا على

حركات بيئية قائمة بذاتها، سواء أكان هذا الطرف قوى اليمين الشعبوي، أم اليسار الديمقراطي، أم الحركات الاجتماعية بمختلف توجهاتها، أم دول الجنوب، أم دول الشمال؛ فهناك توجه نحو ما يسمى السياسة الخضراء أو الصديقة للبيئة. لكن إذا كانت جميع هذه القوى المتضاربة، المشكلة للإجماع "الأخضر"، تلتقي حول التفسير "العلمي" (الإيكولوجي المحض) لسيرورة تدمير الكوكب، فإنّها لا تتقاسم وجهة نظر مشتركة بشأن طبيعة القوى المجتمعية التي تقود هذه السيرورة، ولا تتفق حول طبيعة التغييرات المجتمعية اللازمة لإيقافها. وهذا ما تصفه فريزر بأنه إجماع على العلم، وشقاقٌ في السياسة، وهو ما يجعل الحس المشترك المتعلّق بأزمتنا البيئية اليوم حًّسًا مضطربًا، يفتقد القدرة على التغيير. وخلافًا للتفسير الإيكولوجي المحض، ترى فريزر أن الأزمة البيئية ليست أزمة قائمة في حدّ ذاتها،

(12) "Nancy Fraser: Incinerating Nature: Why Global Warming is Baked into Capitalist Society," International Karl Polanyi Society, YouTube, 4/5/2021, accessed on 16/7/2024, at: https://acr.ps/1L9zP7P

وإنما هي ذات وشائج قوية مع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛ أي إنها أزمة شاملة لا يمكن فهمها بمعزل عن سائر أبعاد النظام الاجتماعي الذي تفرضه الرأسمالية. وبناءً على

ذلك، ترى أن الحل لا يمكن أن يكون إلا من خلال بلورة نهج مضاد للهيمنة، وعابر للحدود البيئية. إنه حس إيكولوجي مناهض للرأسمالية، ومتصل على نحو وثيق بالمخاطر والتهديدات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تشكّل خيوط أزمة مجتمعية كبرى. أمّا الفصل الخامس، "مذبحة الديمقراطية: ما الذي

يجعل الأزمة السياسية نعرة غوغائية للرأسمالية؟"، فلم يكن إلا دراسة عن أزمة الشرعية في سياق الرأسمالية المأمولة، نُشِرت أولًا سنة 2015، وقد كان عنوانها "أزمة الشرعية: حول التناقضات السياسية للرأسمالية المأمولة". ويحاُّجُ هذا

الفصل بأن الأزمة السياسية أو التناقض "السياسي" عنصر بنيوي منقوش في الحمض النووي للنظام الرأسمالي، وأن الأمر لا يتعلق بمجرد تعبير عن انحراف سياسي، أو ظاهرة شاذة تهدد الممارسة السياسية بمفردها، بل إن الأزمة الديمقراطية التي نمر بها اليوم هي الشكل الذي يتخذه التناقض السياسي في هذه الحقبة من الرأسمالية المسماة حقبة الأَمْولَة. وتوجه المؤلّفة نقدًا حاًّدًا إلى

التصورات السياسية الليبرالية التي تعتقد أن حل أزمة الديمقراطية يمكن أن يكون حًّلا سياسًّيًا

محضًا عن طريق إصلاح المضمار السياسي، من خلال دمقرطة الحياة السياسية أو إعادة تنشيط أدوار الأحزاب وتكوين النخب السياسية. كل هذه المقترحات تقع فريسة خطأ جسيم، تسميه فريزر "السياسوِية" (قياسًا على الاقتصادوية)،

(13) Fraser, Cannibal Capitalism , p. 117.

بحيث يتجاهل المنظرون السياسيون قوة العوامل خارج – السياسية Extra–Political، ويتعاملون مع النظام السياسي باعتباره نظامًا يقرر مصيره

بنفسه، وهو ما يجعلهم يغفلون عن مساءلة المنظومة المجتمعية الأكبر التي تولد انحرافات المضمار السياسي. وعلى هذا المنوال، تحلل فريزر الأزمة السياسية لعالمنا اليوم؛ فهذه الأزمة جزءٌ لا يتجزأ من الأزمة

الشاملة التي تجتاح نظامنا المجتمعي برمته، وهي بذلك ليست أزمة قائمة بذاتها، بل أزمة بين أزمات أخرى لا يمكن حلها جذرًّيًا بمعزل

عن سائر الأزمات غير السياسية. ولهذا، فإن فهم أزمة الديمقراطية، مثلًا، لا يكون إلا بفهمٍ أشمل للأزمة الاجتماعية الكليّة، وبالاتصال

الوثيق بالسيرورة الاقتصادية والاجتماعية للنظام الرأسمالي النيوليبرالي القائم على الأمولة العابرة للحدود الوطنية. وكذلك الحال في الفصل السادس "منطلق للتفكير: ماذا يمكن أن تعنيه الاشتراكية في القرن الحادي والعشرين؟"، فأصله محاضرة ألقتها فريزر ضمن سلسلة محاضرات سولومون كاتز Solomon Katz (1999–1947) سنة 2019 في العلوم الإنسانية بجامعة واشنطن، وفيه تسعى لتطوير مفهوم موسع للاشتراكية، بما هي مشروع بديل قادر على تجاوز مجموع تناقضات المجتمع الرأسمالي المعاصر، وذلك بتجاوز الفهم الضيق للاشتراكية، المتمثل في أنها تغيير محض لعلاقات الإنتاج الاقتصادية، إلى فهمٍ يستحضر أهمية تغيير العلاقات الأخرى التي تجعل الإنتاج الاقتصادي

(14) "Nancy Fraser on Defining Socialism: What Should Socialism Mean in the 21 st Century?" Simpson Center, YouTube, 23/7/2019, accessed on 16/7/2024, at: https://acr.ps/1L9zOC5

ممكنًا؛ أي تلك العلاقات غير الاقتصادية التي تشكل الشروط القبلية للنظام الاقتصادي، بما فيها علاقات إعادة الإنتاج الاجتماعي، وعلاقة نظام الإنتاج بالسلطة السياسية، ومختلف أشكال الثروة الواقعة خارج النطاق الرسمي للاقتصاد، ونعني بذلك الطبيعة والخيرات العمومية وثروات الشعوب الواقعة على الأطراف. إن هذا التغيير الجذري لهذه العلاقات لا بد من أن يستهدف القضاء على الاستغلال الرأسمالي للعمل المأجور، إضافة إلى كل أشكال المصادرة التي تقتات عليها الرأسمالية: مصادرة أنشطة الرعاية الاجتماعية، والموارد الطبيعية والخيرات العمومية والسلطة السياسية، والقضاء على كل أشكال التمييز العنصري التي تشكل وقودًا للاضطهاد الرأسمالي. وهكذا، لن تصير قضايا الجندر والجنسانية والعنصرية والبيئة والإمبريالية والديمقراطية، مجرد موضوعات ثانوية، بل ستصير من صميم مشروع البديل المجتمعي الاشتراكي. ومع هذا، تجدر الإشارة (من دون خوض في التفاصيل) إلى أن فريزر تصوغ مفهوم الاشتراكية صوغًا مغايرًا لمفهوم الشيوعية على

النمط السوفياتي من ناحية، ومختلفًا كذلك عن التصورات الديمقراطية الاجتماعية من ناحية أخرى. وفي خاتمة الكتاب، وعنوانها "المبتلع الكبير: ما الذي يجعل من كوفيد مجونًا للرأسمالية

((1("المبتلع الكبير" ترجمة للكلمة اليونانية Macrophage، وتعني حرفيًا "الآكل الكبير" Big Eater، وتستعمل في علم

المناعة للدلالة على خلايا الجهاز المناعي الأولية التي لها استعداد فائق لابتلاع الخلايا الميتة وهضمها باستخدام الأنزيمات، لتخليص الجسم من الشوائب. وتعرف هذه الخلايا في اللغة العربية بالبلاعم أو الخلايا البلعمية. والدلالة في هذا السياق متعلقة بالرأسمالية بما هي نظام يبتلع كل شيء يصادفه في الطريق. لذا، نقترح ترجمة العبارة ب "المبتلع الكبير".

الكانيبالية؟"، تتناول المؤِّلِفة تفشّي جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–من)، حيث هي مؤشر واضح على هول الكارثة التي تحدق بالعالم في أثناء استمرار عبث الرأسمالية النيوليبرالية، والأهوال والمخاطر التي ستلحق بالوجود الإنساني والطبيعة إنْ تُركت تعيث في الأرض فسادًا. ومن هنا، تعدّ هذا الوباء حلقة في سلسلة طويلة من الأوبئة التي انبثقت من الاضطرابات التي ألحقتها الرأسمالية بالبيئة، ومن اختلال التوازنات الطبيعية، نتيجة الاستنزاف المفرط للغابات والقضاء على شروط حياة الكثير من الأنواع الطبيعية.

رابعًا: لغة الكتاب

قد يلاحظ الدارس لفكر فريزر والمتتبع لكتاباتها اختلاف أسلوب "الرأسمالية الكانيبالية" عن سواه من إنتاجها؛ إذ طالما عوّدتنا هذه المنظّرة النقدية

في كتاباتها أسلوبًا تقريرًّيًا تحليلًّيًا واضحًا في

عرض الأفكار وبناء الحجة. لكنها اختارت هذه المرة توظيف أسلوب بلاغي استعاري تمتح مفرداته واستعاراته من الحقل الدلالي لحالة التوحش والحيوانية، مصورة بذلك مشاهد

الافتراس الرأسمالي لمختلف عِلل جوانب الحياة الاجتماعية، وذلك باستعمالها صور الالتهام، والذبح، وامتصاص الدماء، والابتلاع، والتمزيق، والتفكيك، وهو ما شكل قوة الأسلوب البلاغي للكتاب. ويجعلنا هذا القاموس "الكانيبالي" نستشعر جسامة الخطر والتهديد الذي يشكله النظام الرأسمالي تجاه الحياة في بعديها الطبيعي والبشري. وتوحي القوة البلاغية التي وظّفتها المؤِّلِفة بأن كتابها هذا أشبه بالإنذار، و"دقّ ناقوس