Return to Article Details Book Review: Philosophy of Life: German Lebensphilosophie 1870–1920

مراجعة كتاب فلسفة الحياة: فلسفة الحياة الألمانية 1870-1920

Book Review: Philosophy of Life: German Lebensphilosophie 1870–1920 by Frederick Beiser

أحمد زياد ناصر الجبالي

Ahmad al-Jabali

الملخّص

عنوان الكتاب في لغته : Philosophy of Life: German Lebensphilosophie 1870-1920 . عنوان الكتاب بالعربي: فلسفة الحياة: فلسفة الحياة الألمانية 1870-1920. المؤلف : فريدريك بايزر. الناشر : أكسفورد: دار نشر جامعة أكسفورد. سنة النشر : 2023. عدد الصفحات : 192.

Abstract

Master’s student in Social and Political Philosophy at Doha Institute for Graduate Studies. utanoprince98@gmail.com

الكلمات المفتاحية:
  • فلسفة الحياة الألمانية
  • الحركة الفلسفية الألمانية
  • فريدريك بايزر
Keywords:
  • German Lebensphilosophie
  • Frederick Beiser
  • Frankfurt School

عنوان الكتاب في لغته: عنوان الكتاب بالعربية: فلسفة الحياة: فلسفة الحياة الألمانية 1920–1870. المؤلف:

فريدريك بايزر. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

في الفلسفة الألمانية، إلى القُرّاء (خاصة البريطانيين)، إما مهملة تمامًا، وإما غير معروفة على نحو واسع.

. Philosophy of Life: German Lebensphilosophie 1870–1920

أكسفورد: دار نشر جامعة أكسفورد.

له عنها، بعنوان مصير العقل: الفلسفة الألمانية من كانط إلى فيشته (1987). حاز درجة الدكتوراه في كلية ولفسن، جامعة أكسفورد في عام 1980، عن أطروحته "روح الفينومنولوجيا: إعادة إحياء هيغل للميتافيزيقا في فينومنولوجيا الروح"، بإشراف الفيلسوفين المعروفين تشارلز تايلور وإيزايا برلين. تمتاز كتبه عمومًا بالوضوح الشديد والدقّة، والسهولة والشمول من حيث مناقشة الأدبيات،

والاهتمام بسياق ما يدرسه ويناقشه، وبنوع من الحياد في مناقشة مشكلات الفلسفة وتقويمها، محاولًا تقديم جوانب وأسماء كثيرة

تجدر الإشارة بدءًا، في ما يتعلق بموضوع

الكتاب الذي بين أيدينا، إلى أنه بات اليوم من الابتذال القول إن الحركات الفلسفية تقوم في زمان وسياق معيّنَين، وتتولّى مواجهة

بعض المشكلات، أو مجابهة بعض التحديات، أو التعامل مع بعض التغيرات، فيكون شغلها الشاغل إما التكيّف والتعايش معها، وإما تجاوزها،

وإما حلّها وما إلى ذلك. ومن هذا، نجد هذه الحركات كالكائن الحيّ، لها زمانها الذي تشبّ

فيه وترتجل، ومن ثم يحين عليها يومٌ تذوي فيه،

فتموت، أو تشارف على الموت، والأصحّ أن منها

ما لا يموت، بل يؤخذ الكثير من عناصره ومفاهيمه وهمومه وحلوله، فيُوَظَّف في حركات وتيارات

أخرى، بحلّة قشيبة ظاهريًا، لكنها في الجوهر

ليست شديدة الاختلاف. وإن بدا من الابتذال قول هذا، فلأنه صار معروفًا ومأخوذًا به في العموم، لكن لعله لا يؤخذ في الكثير من الأحيان على محمل الجدّ. ينطبق ما نقوله هنا بامتياز على الحركة الفلسفية الألمانية التي يتناولها كتاب فريدريك بايزر، وهو أول كتاب بالإنكليزية مستقل عن هذه

الحركة التي وُسِمت بالألمانية بفلسفة الحياة

Lebensphilosophie (من Leben = حياة)؛

إذ نشأت في مرحلة حافلة بالتبّدلّات الفكرية والاجتماعية، وبالمناقشات التي شملت مجال الفلسفة والعلوم وسائر مجالات الحياة آنذاك.

(((وهذا ما نجده الحاصل بين تيّار فلسفة الحياة الذي يتناوله

هذا الكتاب الذي بين أيدينا، والحركة الوجودية في القرن العشرين، فالأخيرة أخذت عن الأولى. ينظر إشارات وجيزة عن هذا في:

Frederick Beiser, Philosophy of Life: German Lebensphilosophie (Oxford: Oxford University Press, 2023), pp. 1, 10, 172.

(((وقد ترد عند بعض المؤلفين كذا: Philosophie des Lebens.

ولو لخّصنا سياقها الفلسفيّ؛ أي من حيث

المناخ الفكري الذي نشأت فيه عمومًا، وليس

التاريخي البحت، لوجدناه ترافق مع تأسيس الرايخ الألماني الثاني (1918–1871) الذي وحّد

ألمانيا أول مرة في تاريخها، فجعلها أمّة واحدة،

وأُعلن عندئذٍالملك فيلهلم البروسيّ الأول

Friedrich Wilhelm I (1740–1688) قيصرًا

لها، وهذه الفترة تحديدًا هي عينها التي وقعت فيها تغيّراتٌ شبه راديكالية؛ إذ تداعى الإيمان

المسيحي الذي ورثه الناس عبر قرونٍ طويلة، مع تحوّل الإنجيل إلى كتابٍ عادي، يخضع للنقد

والتمحيص التاريخي، ليصير بهذا نتاجًا للتاريخ

أكثر منه وحيًا من السماء، ولم يَسلم من هذا

المسيحُ نفسه، فصار أيضًا شخصية تاريخية (يبرز

هذا مثلًا في كتاب المؤرخ واللاهوتي الألماني ديفيد فريدريك شتراوس David Friedrich Strauss (1808–1874) حياة يسوع: دراسة نقدية (1835)). وبتداعي الإيمان في صورته الموروثة، تتهاوى اليقينيّات التي بُنيت عليه، وهو ما يضرب

أيضًا ما كان يسند الأخلاق في صورتها الشائعة وبنائها الفلسفي. وبناء عليه، تغيب المطلقات عن الأخلاق، أما الطبيعة، فتُجرّد من أيّ غائية خارجة

عنها، فتغدو هي غاية ذاتها، في حين أضحى الإله نفسه كأنه محض فكرة زائدة على الطبيعة لا حاجة كبيرة إليها لفهم هذه الطبيعة، ومعرفة قوانينها وما شابه (يشير بايزر إلى نشر كتاب

Charles Robert Darwin تشارلز روبرت داروين

(1802–1882) في أصل الأنواع عن طريق الانتقاء الطبيعي، أو بقاء الأعراق المفضلة في أثناء الكفاح من أجل الحياة (1859)، وترجمته في ألمانيا بعد سنة واحدة فقط من ظهوره، ومن ثمّ محاضرة

عالم الأحياء والفيلسوف الألماني إرنست هيكل Ernst Haeckel (1919–1834) المهمّة عنه في

عام 1863). هذا ويُضعف غياب الغائية عن

الطبيعة كثيرًا عقيدة التقدم التي شاعت في عصر

التنوير وعَدّت التاريخ كلّه مسيرةً خطّية – بدلًا من

أن تكون دورية – وتقدّمية، ويُضعف أيضًا عقيدة

أخرى شاعت آنئذ، وهي القانون الطبيعي الذي رُئي أن الذي أوجده في الطبيعة هو الإله نفسه،

فيَجري الإنسان وفقًا له (ومن ثمّ بطل هذا الرأي

لاحقًا وصار الاعتقاد أن القانون سيبقى قانونًا حتى لو لم يوجد إله). لذا ينتهي الإنسان في هذه الفترة إلى أن يجد نفسه وحيدًا في كونٍ ليس فيه سوى "قوى" طبيعية، بلا إله، وبلا أرواح. لكنّ المفارقة أن فلسفة الحياة لم تقف إزاء هذا وقفةً تشاؤمية (مثلما هي الحال في فلسفة أرتور

شوبنهاور Arthur Schopenhauer –1788(

Philipp Mainländer) أو فيليب ماينلندر 1860 (1876–1841)، أو كامل تيّار ما يُسمّى بالألمانية

فلسفة Weltschmerz)، بل كانت تفاؤلية في العموم، وصارت آيتها وشعارها كلمة "الحياة": الحياة بوصفها مطلقًا هي منتهى المطلقات، والحياة باعتبارها حركة إبداعية لا تعرف نضوبًا

ولا أمدًا، والحياة التي تسمو على ذاتها وتعلو كل حدود توضع لها لتقييدها، فتكون فلسفة الحياة بهذا وريثًا لحركة العاصفة والاندفاع Sturm und Drang التي شاعت في ستينيات القرن الثامن عشر

(((لا يبدو أن المحاضرة تُرجمت إلى الإنكليزية، أما عنوانها

بالألمانية، فهو: Über die Entwicklungstheorie Darwins

(عن نظرية التطور لداروين). لمزيد من التفاصيل عن المؤتمر

العلمي الذي أُلقيت فيه هذه المحاضرة في عام 1863 وعن تفاصيل أخرى في الفصل السابع، ينظر:

Wilhelm Bölsche, Haeckel: His Life and Work , Joseph McCabe (trans.) (London: T. Fisher Unwin, 1906).

(((حرفًّيًا "ألم العالم". ينظر:

Frederick Beiser, Weltschmerz: Pessimism in German Philosophy 1860–1900 (Oxford: Oxford University Press,

وسبعينياته، ويكون مفهوم الحياة أساسًّيًا كمفهوم

الكينونة في اليونان، والإله في العصور الوسطى، والطبيعة في عصر النهضة، كما يقول جورج زيمل Georg Simmel (1918–1858) (ص. 1)، ويمكن أن نقارنه بمفهوم العقل في عصر التنوير أيضًا. يحصر بايزر نفسه في ثلاثة أعلام رئيسة: فيلهلم دلتاي Wilhelm Dilthey (1911–1833 وفريدريش)

نيتشه Friedrich Nietzsche)1900–1844(

وزيمل، وتعليله لهذا بسيط؛ إذ يمكن الاتفاق على أنّ هؤلاء الثلاثة هم أهم من يمكن وضعهم تحت اسم هذه الحركة، سواء من حيث الأصالة أم السّعة

أم الحذق الفلسفي، وتكفي دراستهم بجدّية لتكوين نظرة شبه ضافية عن ماهية فلسفة الحياة، والمواضيع والأسئلة التي انشغلت بها. لذا، جاء اختيار بايزر مسَّوَغًا ومعقولًا تمامًا. لكن ضمّت الحركة في

العموم أسماءً أخرى عاشت في ما بين القرنين

الثامن عشر والعشرين، فكارل ألبرت في كتابه القصير عن الحركة نفسها، يقسمهم ثلاثة أقسام: Friedrich Schlegel شليغل فريدريش فيضع (1829–1772) وشوبنهاور وجان ماري غويو Jean Marie Guyau (1888–1854) في قائمة من عبّدوا

الأرضية لفلسفة الحياة Vorbereitung، ويضع نيتشه ودلتاي وهنري برغسون Henri Bergson (1859–1941) في قائمة من شيّدوا الأسس

Grundlegung، في حين يضع سبعة أسماء – منها زيمل، وثيودور ليسنغ Theodor Lessing –1872(1933)، ولودفيغ كلاغيس Ludwig Klages (1956–1872)، وخوسيه أورتيغا إي غاسيت José Ortega y Gasset (1955–1833)... إلخ – في

ينظر ((:(

Karl Albert, Lebensphilosophie: Von den Anfängen bei Nietzsche bis zu ihrer Kritik bei Lukács (München: Verlag Karl Albert Freiburg, 2017).

قائمة التفتّح أو التكشّف Entfaltung، ومن ثّم

قسم لمؤوّلي هذه الفلسفة، وقسم آخر لناقدَين لها.

ومع أننا نرى بعض الأسماء غير الألمانية، فإن هذه الحركة كانت ألمانية بامتياز (ص. 3) يقسم بايزر كتابه سبعة فصول رئيسة: "مفهوم فلسفة الحياة عن الفلسفة بعامّة"، و"أخلاق فلسفة

الحياة الفردانية"، و"صراعها ضدّ تيار التشاؤم أو التشاؤمية بالعموم"، و"ارتباط فلسفة الحياة بالتاريخانية في التراث الألماني" (التي كان قد أفرد لها أيضًا كتابًا مستقًّلا)، و"التاريخانية ومشكلة

النسبية" (أو النسبوية)، و"فلسفة الحياة والإرث الديني"، و"فلسفة الحياة وتهمة اللاعقلانية" (إلى جانب بعض الانتقادات الأخرى التي تُرفع ضدّها). وما يفعله بايزر أنه يتناول الفلاسفة الثلاثة الذين اختارهم، ثمّ يعرض ما قالوه ويناقشه

في كل موضوع من المواضيع التي جعلها عناوين الفصول، فتُكَوَّن في نهاية المطاف صورة

مميزة وواضحة المعالم لما تعنيه فلسفة الحياة، وما تواجهه، وما تثور عليه وترفضه، وما تعتقده، وما أرادت حلّه، وما فشلت في حلّه. وما سنفعله الآن هنا هو مجرد عرض وجيز لمفاصل هذه الفصول، من دون إحالة إلى كل فيلسوف بعينه من هؤلاء الثلاثة.

أولا: مفهوم الفلسفة

على عكس الشائع في زمن فلاسفة الحياة، خاصة في التراث المثالي (إيمانويل كانط Immanuel Kant (1724–1804) ويوهان غوتليب فيشته)1814–1762(Johann

Gottlieb Fichte

(((ينظر:

Frederick Beiser, The German Historicist Tradition (Oxford: Oxford University Press, 2011).

وفريدريش فيلهلم شيلنغ Friedrich Schelling (1854–1775) وجورج فيلهلم فريدريش هيغل Friedrich Hegel (1770–1831))، وتراث الكانطيين الجدد (هاينريخ ريكرت Heinrich Rickert (1863–1936) وفيلهلم فيندلباند Wilhelm Windelband (1915–1848))، مثّلت الفلسفة عند أقطاب هذه الحركة رؤية للعالم أو للحياة بأكملها Weltanschauung، فهم

لم يحاولوا جعلها عِلمًا Wissenschaft، ولم

ينظروا إليها كذلك. وعندما نقول إنها رؤية للعالم، نقصد بذلك أنها تحمل طابعًا شخصًّيًا خاصًا بكلّ

فرد، وترتبط به ارتباط اللحم بالعظم، وتنبع من تجاربه وخبراته الخاصة وما عاناه وفهمه، وليست علمًا يدّعي صبغة غير شخصية وموضوعية يمكن

أَّيَ كائن "عقلاني" تبنّيها أو تبُّيّن صحّها من خطئها،

من خلال محاجّات "عقلية"، ولا هي بمتجاوزةٍ

الثقافة والقيم التي تعاصرها، بل هي تنبع منها وتتأثر بها وتتشكّل من خلالها، وهي في الوقت نفسه – وبنوعٍ من المفارقة – وحدها التي يمكنها أن تكون كونية Universal في عصر ازدادت العلوم تخصّصًا، وصار يُنظر إلى الميتافيزيقا

من خلال عيون وضعية تُجَرّمها. هذا ويجعل

بايزر لهذه الرؤية ثلاث خصائص (ص. 15)، فهي شخصية وعملية وميتافيزيقية. ومن حيث هي شخصية، فهذا لأنها تتأثر بالشخص الذي يعبّر

عنها، ويكون قبولها ورفضها إرادة واختيارًا، وليس

بقرار عقليّ، على عكس زعم فلاسفة المثالية.

ومن حيث إنها عملية، فلأنها جواب عن سؤال أو مشكلة حياتية من صلب عيش الإنسان، كسؤال معنى الحياة وقيمتها، والغاية من عيش الإنسان أصلًا. وهي ميتافيزيقية، لأنها تعبّر عن موقف

تجاه الحياة بأكملها، ويكون كلّ موقف يتناول الحياة بأكملها ميتافيزيقًّيًا، سواء أردنا أم لم نُرد.

بيد أن ميتافيزيقيّة فلاسفة الحياة هنا تختلف عن

تلك الخاصة بالمثالية من حيث إن الأخيرة معرفة بالمطلق، أو تعبير عنه، أو محاولة لمعرفة الكون بأكمله، أما هي، فجعلت اهتمامها محايثًا للواقع ومقصورًا على كيفية اختبار الإنسان لهذه الحياة.

ثانيًا: أخلاق فردانية

إن الجانب العملي في فلسفة الحياة بمنزلة القلب في الجسد، فهذه الفلسفة ليست محض تأمّل في جوهر الكون، ولا ميتافيزيقا تحاول

مطابقته وكفى، بل هي نمط من الأخلاق يهتمّ

مباشرة بسؤال كيفية عيش المرء هذه الحياة، كأنها تسترجع بهذا روح الفلسفة اليونانية وبعض المهمات التقليدية للفلسفة من حيث كونها هاديًا

لحياة المرء ومرتبطة بالعمل، وتسعى لحيازة حكمة حياتية أو دنيوية Weltweisheit. وفلسفة الحياة في هذا ردّة فعل على جزء من التراث التنويري الألماني المبكّر، بخاصة عند كرستيان فولف Christian von Wolff) 1754–1679(الذي رأى قيمة الفلسفة في جانبها التأمّلي،

وعدّها غاية ذاتها، منفصلةً عن العمل، أو عن الحياة في جانبها العملي (ص. 29). أما الجانب الفردي من هذه الأخلاق، فقد شدّد عليه فلاسفة الحياة باسم حريّة الإنسان، ضدّ كلّ قيود نابعة

من الإستطيقا، أو من أعراف اجتماعية وأخلاقية تخنق إبداع الإنسان. ففي هذا الإنسان طاقات ينبغي التعبير عنها وإيصالها إلى حدّ الكمال، وبها يواجه العقبات كلها، ويناضل ضد كلّ ما يُحجّمه ويقمعه، حتى يحرّر نفسه داخلًّيًا قبل

أن ينظر إلى خارجها، ويسير في طريق تحقيق نفسه وإعلائها. كذا رفض فلاسفة الحياة النزعة الفردانية التي غلبت على عصر التنوير، ونظرت إلى الإنسان كأنه ذرة مفصولة عن مجتمعها،

وعن التاريخ، وتبنّوا في المقابل فردانية من نوع

آخر في مجال الأخلاق كما نرى؛ إذ اعتقدوا أن في كلّ إنسانٍ ما يميّزه، ولا يخصّه إّلا هو وحده،

لكن عليه التعبير عن هذا الشيء وتحقيقه حتى يصير شيئًا موجودًا فيه بالفعل، وليس بالقوّة،

بتعبير أرسطيّ. وما يميّز هذه الأخلاق من غيرها

التي شاعت إما قبلها، وإما عاصرتها، أنها ليست نفعية ولا ديونطولوجية أو آدابية (قائمة على فكرة الواجب أو على قواعد ناظمة للسلوك)، فهي

ليست نفعية، لأنها لم تَقِس قيمة الحياة، ولم تجعل الغاية منها زيادة لذّتنا وتجنّب الألم، وهي

ليست آدابية، لأنها لا تأخذ قاعدة أخلاقية، فتنظر إلى خصائصها الصورية (من اتساق وشمولية وما إلى ذلك) حتى تعدّها مسِّوِغًا لواجب معيّن؛

إذ ينبغي لأي مبدأ أخلاقي أن يكون جزءًا من

حياةٍ هي في جملتها مثمرة ومكمّلة لشخصية

الفرد (ص. 30). أما الفاعل الأخلاقي الذي تبنيه نظريات الواجب، فهو في نظر فلاسفة الحياة كائن مجرّد من حساسيته وعاطفته وما يميّزه كفرد، وهو

أشبه بمجرّد ملحق يضاف إلى القانون الكوني

للأخلاق (بمعنى أنه مجرد مثال واحد – من بين أمثلة أخرى عديدة – يسير وفق هذا القانون وتنضوي صلاحية أفعاله تحته).

ثالثًا: الصراع ضدّ التشاؤمية

رأينا سابقًا، عندما لخّصنا المناخ الفكري الذي حاط بفلسفة الحياة، أنه ما من مشاحّة لو انتهى

المرء إلى اعتناق ضربٍ من التشاؤمية ردّةَ فعلٍ على التغيرات التي حصلت، لكن لم تقع فلسفة الحياة في هذه الدائرة، بل كانت تفاؤلية في صلبها؛ إذ تعترف أنه حتى لو مات الإيمان القديم، وغادر الإله هذا العالم، وغاب عنه العدل الإلهي الذي يعاقب المذنب ويجازي الفاضل، تبقى الحياة

قمينة بأن تُعاش، ويبقى الخيار في يدنا حتى نجعلها قمينة بالعيش فعلًا، ويَقوى هذا الاعتقاد

عندما نأخذ في الحسبان أن فلاسفة الحياة نظروا لاوًااؤسمو هريصمل لاهًااأ هنوك ثيح نم ناسنلاإ ىلإ

عنه، وليس ضحيّة بَختٍ أو تصميم إلهيّ مسبق

يجري عليه طوعًا أو كرهًا. وقد احتاج هؤلاء

الفلاسفة في الدفاع عن آرائهم هذه إلى مواجهة شوبنهاور الذي بنى رؤية محايثة للعالم أيضًا (وجعلها ميتافيزيقية في الأساس قبل أن يقابل الواقع بها، بمعنى أنه لم يبنِ صحّتها إمبريقًّيًا)،

ولا تنظر إلى الحياة من حيث الغاية منها إّلا من داخلها، لكنه انتهى إلى أن هذا ليس مدعاةً إلى الابتهاج، فالحياة مملوءة بالأسى والآلام، وما دامت تبدو في ظاهرها كذلك وتغلب آلامُها

على ملذّاتها، ولا شيء وراء هذه الحياة يسوّغ

هذه الآلام، فهي إذًا قمينة بأن تُشجَب وتُدان.

لكن فلاسفة الحياة لم يخلصوا إلى ما خلص إليه شوبنهاور، فنقدوا آراءه وحاولوا تقديم بديل منها.

رابعًا: فلسفة الحياة والتاريخانية

ألمعنا فيما سبق إلى أن فلسفة الحياة رفضت الفردانية بصورتها العامة الموروثة من عصر التنوير، ورفضت كذلك عزل الفرد عن المجتمع وجعله سابقًا عليه، بل يكاد يستقلّ عنه، ولم تُرِد أن تكون فلسفةً تحاول أن تكون علمًا فتُبنى على

مبادئ كونية – ويتصل هذا كله في العموم بمسألة التاريخانية؛ هذا التيار الواسع الذي ضمّ كثيرين

من الفلاسفة في القرن التاسع عشر، وأحدث تأثيرًا

قوًّيًا، جعل إرنست كاسيرر يقول عن هذا القرن إنه

تميّز باتجاه جديد في التفكير التاريخي، وحدث

فيه ضرب من الثورة الكوبرنيكية التي منحت علم التاريخ شكلًا جديدًا (مع الأخذ في الحسبان أن

العلم هنا ليس بالمعنى التقنيّ كما في الفيزياء

والكيمياء). والواقع أن فلاسفة الحياة كانوا أبناء هذا التحوّل في التفكير التاريخي، وقد وَلغوا منه

كما ولغ غيرهم، ودرسوا عند أشخاص أو في أماكن شاع فيها الفكر التاريخي الجديد. ولو أردنا تعريف التاريخانية بصورة بسيطة وعامة كثيرًا،

لقلنا مع بايزر إنها "الأطروحة القائلة إن ماهية كل شيء في العالمين الطبيعي والإنساني نتاج للتاريخ" (ص. 82)، فما يجعل الشيء على صورة معيّنة هو الصيرورة أو العملية التي قطعها تاريخًّيًا

حتى وُجد، وعواقب هذا أن لا وجود لطبائع

أبدية، ولا ماهيات أزلية تقوم عليها الظواهر، ولا  طبيعة واحدة للبشر كافة في كل زمان ومكان، أو حقبة وثقافة، لذا صارت حياة الإنسان عند فلاسفة الحياة متجذّرة في التاريخ، وغدا الواقع الأساسي للإنسان – كما رأينا سابقًا – هو الحياة نفسها، وكل ما يختبره فيها، وكل ما يراه ويشعر به ويرغب ويفكّر فيه، هو مجرّد شكل أو حال من

أحوال Modes الحياة وتجسّد لها (ص. 84)، ولمّا

كان هذا هكذا، برز السؤال عندئذ: كيف نُعرّف

التاريخ إذًا؟ وما أفضل طريقة نفهم بها الأفكار والأفعال الإنسانية؟ فكان جواب فلاسفة الحياة هو التأويل (أو الهيرمينوطيقا).

خامسًا: ما بين التاريخانية والنسبية

قد يكون أول ما يخطر على بال القارئ بالنسبة إلى جوانب فلسفة الحياة حتى الآن، هو سهولة اتّهامها بالنسبية أو خلوصها إلى موقف نسبيّ

(7) Ernst Cassirer, The Problem of Knowledge: Philosophy, Science, and History since Hegel , William Woglom & Charles Hendel (trans.) (New Haven: Yale University Press, 1950), p. 218.

فجّ، يصعب الخروج منه، وهو ما يبدو أمرًا

واضحًا ولا يمكن نكرانه. ويُرجع بايزر نفسه

هذه النسبية إلى مصدرين: الأول هو مذهب المحايثة Immanence، وهو عكس المذهب الترنسندنتالي، فما دام هذا الكون بلا إله، أو ما دمنا نعجز عن معرفة الإله أساسًا، تسقط إذًا

إمكانية إيجاد سَند ديني أو ترنسندنتالي للمبادئ

الأخلاقية أو القيم الثقافية، ويصير البحث عن هذا السند ممكنًا في داخل الحياة نفسها فحسب، أو

بنحوٍ محايث لها، وبقولٍ آخر: تصير هذه القيم والمبادئ إنسانية ودنيوية، ولا سند لها إّلا هذا السند، أي الحياة وما فيها. أما المصدر الآخر للنسبية، فهو التاريخانية، فما دام كل شيء نتاجًا

لصيرورة تاريخية، والقيم والثقافات والأخلاق في هذا سواء، يسقط إذًا إمكان ادّعاء وجود أخلاق كونية، وبهذا نخلص إلى استحالة الكونية بنوعيها: تلك المبنية على الإيمان بإله، وتلك المبنية على التجريد الذي ندعوه "الإنسانية" (ص). 112 والحاصل أن فلاسفة الحياة اعترفوا بهذه النسبية، فمنهم من قبلها، ومنهم من حاول نكرانها أو مواجهتها، لكن الخلاصة أنهم اعترفوا بها على صعوبتها، لكنهم حتى في هذا، كانوا متّسقين

مع روح عصرهم في العموم (ولا يعني أننا اليوم تجاوزنا فعلًا نقاشاتهم من الناحية الفلسفية).

سادسًا: الإرث الديني

أُسّست الأديان كلها في ألمانيا – البروتستانتية

والكاثوليكية واليهودية – على وجود الإله باعتباره مكِّوِنًا رئيسًا لها، ولم يكن هذا الإله

محايثًا للطبيعة نفسها، لذا قام معنى الحياة وحُدّد

وجود الإنسان وموضعه اعتمادًا على مصدرٍ يعلو على الحياة ويتجاوزها. لكن لم يكن فلاسفة الحياة مؤِّلِهين ولم يؤمنوا بوجود إله، فمنهم من

كان ملحدًا كما هو معروف (مثل نيتشه)، ومنهم من أنكر إمكان معرفة وجود إله أصلًا (كدلتاي وزيمل)؛ لذا ارتدّ معنى الحياة إليها نفسها في النهاية. ومما أسهم في شيوع هذا المناخ من الارتداد على الدين بصورته التقليدية، كتاب شتراوسحياة يسوع: دراسة نقدية الذي ذكرناه سابقًا، ويُوضع إلى جانبه كتاب لودفيغ فويرباخ Ludwig Feuerbach (1804–1872) جوهر المسيحية ونظريته المضَّمَنة فيه عن الدين. ويذكر بايزر عاملًا آخر (ص 136–135) هو الانتقادات الكثيرة التي عُرّضت لها المثالية التأملية عند

أشخاص، مثل فيشته وشيلنغ وهيغل، فقد أرادت هذه المثالية حلّ النزاع بين العقل والإيمان، فبَنت

ميتافيزيقا جديدة، تسوّغ فيها الإيمان بإله على أساس عقليّ، وأقامت هذا البناء الميتافيزيقي

على أساس مناهج قبلية: مبدأ بَيّن بذاته يُستنتج

منه، مثل الديالكتيك أو الحدس العقلي، لكن وقعت هذه المناهج تحت وابل من الانتقادات من مختلف التيارات. ويذكر بايزر تسعة أسماء أسهمت في هذا النقد (ص. 135)، وما تعلّمه فلاسفة الحياة من هذه الانتقادات هو أن المجال الأساسي الذي تُرسم فيه حدود المعرفة هو هذا الواقع الذي نحيا فيه، أما الكلام على "عقل محض"، فمن قبيل الأوهام (ص 136 وما بعدها). ثمّ يجيء الفصل الأخير من الكتاب، فيناقش فيه تهمة أساسية رفعها جورج لوكاش György Lukács ‏ (1971–1885) ضدّ فلسفة الحياة في كتابه تحطيم العقل: كيف ضلّت الفلسفة الطريق، وهي أنها "لاعقلانية"، ويدّعي إمكان رسمنا خًّطًا مستقيمًا يقودنا من نيتشه إلى هتلر، ويكتب حًّقًا في التوطئة إلى كتابه معلنًا عن موضوعه أنه

"سبيل ألمانيا إلى هتلر في مجال الفلسفة". لكن يهتم بايزر بفحص تهمة اللاعقلانية هذه، ويحاول محاولة موفّقة تحليل معنى "اللاعقلانية" المدَعاة. ولا شك في أن معناها ليس شيئًا من قبيل المُسلّمة البيّنة بذاتها التي يتفق عليها الجميع من

دون خلاف، فتحليل معناها مهمّ، لأننا قد نأخذ

"العقلانية" فنحدّد لها مفهومًا معيّنًا، ومن ثمّ نرمي

تهمة اللاعقلانية على كلّ ما لا يتّفق مع مفهومنا، وهذا ما يفعله لوكاش تحديدًا، إذ يقول عنه بايزر إنه يحدد موضع المرء من العقلانية (معها أو ضدّها) من خلال فحص موقفه من التاريخ؛ فالفلسفة التقدمية – وهي فلسفة لوكاش – عقلانية بامتياز، وتُبنى التقدّمية على المادية والمنهج الديالكتيكي، أما الرجعية فغير عقلانية، لأنها تخلو من هذين الأساسين المتوافرين في التقدمية تحديدًا، وبهذا يسهل على لوكاش اتهام الكثير من التيارات باللاعقلانية اعتمادًا على عقيدتين أساسيتين من عقائد الماركسية لا أكثر. لكن هذا لا يهمّنا كثيرًا لنذكره هنا، فما يبدو الأهمّ

لنا هو ذكر موقف فلاسفة الحياة من العقل إجم لًا، إذ أعطوا، على عكس الكانطيين والهيغليين والماركسيين، قوى العقل أو مَلكاته قيمةً أقل

من تلك التي منحها لها هؤلاء، فرأوا استحالة أن يقدر العقل على تحديد مبادئ الأخلاق،

(8) Georg Lukács, The Destruction of Reason , Peter Palmer (trans.) (London: Humanities Press, 1981), p. 4.

يرد المقطع نفسه في الترجمة العربية كذا: "إن موضوع دراستنا سيكون إذًا معرفة بأيّ سُبل وصلت ألمانيا، على أرض الفلسفة،

إلى هتلر". ينظر: جورج لوكاش، تحطيم العقل، ترجمة إلياس مرقص، ج 1، ط 2 (بيروت: دار الحقيقة، 1983)، ص.12 (((عن قسمة لوكاش بين العقلاني واللاعقلاني، ينظر:

Tom Rockmore, "Lukács on Rationality and Irrationality," Lukacs archivum Nemzetközi Alapítvány , accessed on 11/8/2024, at: https://rb.gy/w27pyb

لعجزه عن تجاوز سياقه التاريخي، وعن تحديد مبادئ كونية تجري على كلّ شيء (ص. 165). لذا، فكلّ ما يقومون به، من ناحية، هو الحدّ من قدرة العقل وليس إنكاره، ولا التفكير بصورة تنافي مبادئ الاستدلال العقلي، ويخطئ هنا من يقول – مثل لوكاش وغيره – إنهم لاعقلانيون. ومن ناحية أخرى، انتقدوا العقلانية الموروثة من عصر التنوير، ومن ثمّ عقلانية المثالية الألمانية،

لكنهم لم يفعلوا هذا لأغراض "رجعية"، بل باسم ما رأوه حريّة الإنسان (وهي القيمة نفسها

التي يدّعي التقدّمي احتكارها بالمطلق لنفسه)، إذ إن العقلانية في تقديرهم احتوت على تشديد مفرط على القوانين والقواعد والسلطة المركزية، وهذا ما يقتل الإبداع الإنساني وفردانية الإنسان نع لاضًااف، هعمق ىلإ لايًاابس نوكي دقو، هتيرحو أن العقل، كما رأوه، لا يجري إّلا على مستوى الماهيّات، أو المُثل (وهم يرون أن الوجود يسبق

الماهية، لا العكس)، لكنه لا يملك أن ينفذ إلى حقيقة ما هو كائن، فالكائن لا يُردّ إلى الماهية،

ولا يُختزل في مبدأ كوني، وليس العقل إّلا قوة

أداتية هي في النهاية جزء من الطبيعة، ولا يمكنها ادّعاء شمول حدود ما هو طبيعي.

خاتمة

إلى هنا، نرى أن كتاب بايزر نجح في إحياء مرحلة فلسفية مهمّة من التاريخ الألماني، فوضعها في

سياقها وجعل شخصيّاتها تتحدث مع كامل

المناخ الذي أحاط بها والمشكلات التي رافقتها، وهذا في نظرنا يَفضُل كثيرًا المقاربات التي تتناول

الفلاسفة، منقطعين عن غيرهم وعن بيئاتهم، كأنهم جواهر فَردة لم تتفاعل مع الواقع، ولم تحاول مواجهته والتفكير منه وإليه. ولعلّ ما عرضه بايزر في هذا الكتاب ليس منفصلًا كثير الانفصال

عن واقعنا اليوم، فالكثير من المشكلات يعيد نفسه باختلاف المراحل الزمنية، ولعلّ ما فكّر فيه فلاسفة الحياة يفيدنا في التفكير في واقعنا اليوم، وفي الاتجاه الذي تنحو نحوه الفلسفة. ونشدّد مجدّدًا على منافع كتب بايزر وأهمّيتها في فهم

الكثير من الجدالات والفلسفات التي امتدّت،

المراجع

العربية

لوكاكش، جورج. تحطيم العقل. ترجمة إلياس مرقص. ط  2. بيروت: دار الحقيقة،.1983

الأجنبية

بخاصة بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وأخصّ أيضًا في السياق الألماني، ولعلّ المصادر

المتوافرة بالعربية، مقارنةً بغيرها في هذا المجال، شحيحة عمومًا وتحتاج إلى كتب، ككتب بايزر

التي لم يُترجم شيءٌ منها إلى العربية حتى الآن.

References

Beiser, Frederick. Philosophy of Life: German Lebensphilosophie. Oxford: Oxford University Press, 2023. Rockmore, Tom. "Lukács on Rationality and Irrationality." Lukacs Archivum Nemzetközi Alapítvány. at: https://rb.gy/w27pyb Bölsche, Wilhelm. Haeckel: His Life and Work. Joseph McCabe (trans.). London: T. Fisher Unwin, 1906. Cassirer, Ernst. The Problem of Knowledge: Philosophy, Science, and History since Hegel. William Woglom & Charles Hendel (trans.). New Haven: Yale University Press,

Lukács, Georg. The Destruction of Reason. Peter Palmer (trans.). London: Humanities Press, 1981.