Return to Article Details Ethics from a Pragmatic Perspective Between John Dewey and Richard Rorty

الأخلاق من زاوية براغماتية بين جون ديوي وريتشارد رورتي

Ethics from a Pragmatic Perspective Between John Dewey and Richard Rorty

محمد جديدي *

Mohamed Djedidi *

الملخّص

تهدف هذه الدراسة إلى فحص معالم الأخلاق وإشكالاتها في الفلسفة البراغماتية لدى اثنين من أعلامها: الأول جون ديوي، وهو من رواد البراغماتية الكلاسيكية وأحد أعمدتها، إضافة إلى تشارلز ساندرس بيرس ووليام جيمس؛ والثاني ريتشارد رورتي، المحرّك الأساسي للبراغماتية الجديدة وباعثها في نهاية القرن العشرين. وقد أدى كل واحد منهما دورًا حاسمًا في ترسيخ طروحات البراغماتية وتوسيع نطاقها. فكيف عملا على تحديد المقاربة البراغماتية وتوضيحها في المجال الأخلاقي خاصة، والأكسيولوجي عامة؟ وهل تمكَّنا حقًا من تبيان جوانب ما يمكن نعته بنظرية أخلاقية براغماتية، إن وُجدت؟ تستند مقاربتي في معالجة هذه الإشكالية إلى منهجية تحليلية وصفية ونقدية كلما تبيّنا الحاجة إلى النقد.

Abstract

Abstract: This article explores ethics within pragmatist philosophy, focusing particularly on two of its key figures. The first is John Dewey, one of the pioneers of classical pragmatism and a central figure alongside Peirce and William James, and the second is Richard Rorty, a driving force behind the new pragmatism at the end of the 20th century. Both philosophers played a decisive role in solidifying the foundations of pragmatism and expanding its reach. How did each contribute to defining the pragmatic approach in ethics specifically, and in axiology more broadly? Have they truly succeeded in clarifying what might be called a pragmatic ethical theory, if such a theory exists? The approach to the research is analytical, descriptive, and critical when necessary.

الكلمات المفتاحية:
  • البراغماتية
  • نظرية أخلاقية
  • التجديد الأخلاقي
  • التربية
  • الديمقراطية
  • التضامن
Keywords:
  • Pragmatism
  • Ethical Theory
  • Ethical Renewal
  • Education
  • Democracy
  • Solidarity

لدى عَلمين من أعلامها: الأول جون ديوي، وهو من رواد الّبراغماتية الكلاسيكية وأحد

أعمدتها، إضافة إلى تشارلز ساندرس بيرس ووليام جيمس؛ والثاني ريتشارد رورتي، المحرّك

الأساسي للّبراغماتية الجديدة وباعثها في نهاية القرن العشرين. وقد أدى كل واحد منهما دورًا

حاسمًا في ترسيخ طروحات الّبراغماتية وتوسيع نطاقها. فكيف عملا على تحديد المقاربة

الّبراغماتية وتوضيحها في المجال الأخلاقي خاصة، والأكسيولوجي عامة؟ وهل تمكَنا حقًا

من تّبيان جوانب ما يمكن نعته بنظرية أخلاقية براغماتية، إن وُجدت؟ تستند مقاربتي في

معالجة هذه الإشكالية إلى منهجية تحليلية وصفية ونقدية كلما تّبيّنا الحاجة إلى النقد.

مقدمة

ظلت البراغماتية منذ بدايتها، في نهاية القرن التاسع عشر، فلسفة لصيقة بحياة الإنسان، بهمومه وأوجاعه ومشكلاته الفردية والجماعية ومعيشه في واقعه اليومي. لذا لا نستغرب أن توالت أمثلة فلاسفتها، وهي تحاجّ على صحة طروحاتها، في الانبثاق من راهن التجربة للإنسان

الأميركي، غير مكترثة بالانتقادات والردود التي تتهمها بالابتذال والتسطيح. ورأت البراغماتية في توجّهها تصحيحًا لمسار الفلسفة المعاصرة، لا سيما في بعدها القيمي، وانتفضت ضد الميتافيزيقا

ومزاعمها المجافية للكينونة الإنسانية. لم تكترث الفلسفة البراغماتية بصياغة منطوقها حول الحقيقة فحسب، وإن كان هو منطلقها ومركز تفكيرها، بل امتد نطاق انشغالها الفلسفي إلى كل ما يمسّ مجالات الحياة البشرية من أخلاق وتربية

واجتماع وسياسة ودين وفن، ومن ثمّ كان لها هذا الانتشار الكبير الذي جعل منها فلسفة تأخذ مكانًا

مرموقًا ضمن قائمة المذاهب التي أثّثت خريطة الفلسفة المعاصرة. وجب على البراغماتية أن تمدّد اهتمامها الأكسيولوجي وتعزّز موقعه ضمن اهتماماتها الإبستيمولوجية

والأنطولوجية، وذلك بفعل تطور الممارسات العلمية والسياسية التي شهدتها الولايات المتحدة الأميركية مع بداية القرن العشرين، حيث صارت مركزًا حضاريًا متقدمًا ومطمحًا إنسانيًا لكل تقدّم

علمي واجتماعي، فتشكلّت داخلها قوّة فكرية تبحث في مصير الإنسان ومستقبله. رأت البراغماتية في مسيرة الإنسان الحديث، بكل تقلباتها وتطوراتها، مج لًا لبحث أخلاقي متجدّد، بما فيه من صراعات قيمية وحروب وتجارب قاسية، فحاولت جعل مقياس الفائدة والنتيجة أساسًا

لكل فعل إنساني، بعيدًا عن التمييزات والثنائيات التي أغرقت الإنسان في مثاليات ومطلقيات ميتافيزيقية هي في منأى عن أزمات واقعه. وبناءً عليه، فكل تفكير ينبغي أن يتخذ من هذا الواقع،

بجزئياته وتشظياته وتعقيداته، منطلقًا دائمًا للتفكير الإتيقي، وبحثًا عن حلول لمعضلات إنسان اليوم،

بما يفي بحاجاته المتنامية نحو مزيد من الحريات والحقوق، وصولًا إلى النمو والتحسين، الذي يحلم به الإنسان ويطمح إلى تحقيقه، وفق ما تعدُ به البيوتكنولوجيا وبقية العلوم الساعية لتكريس هيمنة الإنسان ورفاهيته.

أولا: هل توجد نظرية براغماتية في الأخلاق؟

من الصعب الإقرار بوجود نظرية أخلاقية براغماتية لس ببين: أولًا، لأن فلاسفة البراغماتية أنفسهم، ولا سيما جون ديوي (952–18591) وريتشارد رورتي (–1931 2007)، لا يرون أنهم مطالبون بتقديم نظرية أخلاقية على غرار ما فعلته فلسفات أخرى؛ فلسفات شكّل انتقادهم لها جزءًا من أفكارهم الأخلاقية، وخاصة النظرية الكانطية التي تعرّضت لانتقادات

حادة من البراغماتيين وغير البراغماتيين أيضًا الذين توافقوا في نقدهم لها، ومنهم الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو Michel Foucault (984–19261) كما قرأه الأميركيون وأرادوه في نسخة أميركية وقرّبوه

من ديوي، حتى يخبرنا فوكو "الأميركي" ب "أن الديمقراطيات الليبرالية قد تعمل على نحو أفضل إذا توقفت عن محاولة تقديم مبررات ذاتية كونية، وتوقفت عن الاستناد إلى مفاهيم مثل 'العقلانية' و'الطبيعة البشرية'، ونظرت إلى نفسها بدلًا من ذلك باعتبارها مجرد تجارب اجتماعية واعدة". وهذا تحديدًا ما اقترحه ديوي ورورتي لفهم الديمقراطية الأميركية. ثانيًا: نُفور البراغماتيين من التنظير، لذا لم يكن السعي لوضع نظرية أخلاقية براغماتية هدفًا؛ فالفلسفة

التي نادوا بها تُجافي التأسيس والتنظير، ولا تعترف بالجواهر والمبادئ. بحسب ديوي، تحتاج كل نظرية في الأخلاق إلى فحص جانبَين على صلة وطيدة بالسلوك، يتعلق

أحدهما بما هو نفساني، والآخر بما هو اجتماعي. يجيب الجانب النفساني عن سؤال: أين يجب على "النظرة النفسية للسلوك أن تجيب عن مشكلة الفاعلية؛ أي على مشكلة كيف يعمل الفرد؟ أما النظرة الاجتماعية فعليها أن تعالج لنا: ماذا يفعل الفرد؟ وماذا يحتاج أن يفعله؟ من وجهة نظر عضويته في كلٍ أكبر منه". باختصار، يكون على النظرية الأخلاقية معالجة سلوك الفرد وفاعليته بوصفه ذاتًا، وسلوكه وتصرّفه بوصفه عضوًا في جماعة.

1. سؤال التنظير

لئن كان من الصحيح أنّ هناك التزامًا لدى الفلاسفة الذرائعيين بعدم توجههم صوب التنظير والنظرية،

والاكتفاء بعرض طروحات وأفكار حول الطبيعة البشرية والسلوك، فإنهم في نقدهم للنظريات الفلسفية الأخلاقية لامسوا جوانب من دون تسميتها، فوجب عليهم أن يعترفوا بمبادئ حتى إن لم يؤمنوا بها، ومنها التزامهم الأول بالابتعاد عن التنظير الذي يُعتبر في حد ذاته مبدأ، ولعله المبدأ الذي اعتنقه أخلاقيًا

رورتي في إتمام مسيرة بلده أخلاقيًا؛ أي إن الولايات المتحدة مشروع لم ينتهِ من الناحية الأخلاقية قبل

أيّ ناحية أخرى سياسية أو اقتصادية أو غيرهما، بل إن رورتي نفسه، بغضّ النظر عن بعض الاختلافات

بينه وبين ديوي في الأسلوب والمفردات وليس في المضامين والأفكار، "يزعم أنه يدافع عن النوع نفسه من 'المجتمع الديمقراطي والتقدمي والتعددي' [...] الذي حلم به ديوي".

(1) Richard Rorty, Essays on Heidegger and others , Philosophical Papers 2 (Cambridge: Cambridge University Press, 1991), p. 192. (2) Richard Rorty, L’espoir au lieu du savoir: Introduction au pragmatism (Paris: Editions Albin Michel, 1995), pp. 99–129.

(((جون ديوي، المبادئ الأخلاقية في التربية، ترجمة عبد الفتاح السيد هلال (القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1966)، ص.22 (((الذرائعية هي واحدة من التسميات التي تطلق على الفلسفة البراغماتية، وذلك لأن الأفكار لدى فلاسفة البراغماتية، وخاصة ديوي، هي أدوات ووسائل للعمل، لذا اصطُلح على فلسفة ديوي أيضًا بالوسيلية Instrumentalism. (((محمد جديدي، "براغماتية رورتي السياسية بين اليوتوبيا الليبرالية والمنحى الساخري"، تبين، مج 11، العدد  42 (خريف 2022)، ص.37–13

(6) Richard Shusterman, "Pragmatism and Liberalism between Dewey and Rorty," Political Theory , vol. 22, no. 3 (August 1994), p. 391.

إذًا، تستند البراغماتية في صيغتيها القديمة والجديدة في مجال الأخلاق إلى ما هو إنتاج بشري ولفائدة البشر من دون الارتكاز على سند روحي أو ميتافيزيقي، وتجد في المذهب النفعي مرجعًا، وتنفر مثل تيارات أخرى في الفلسفة الأخلاقية المعاصرة من الإيغال في التنظير والتركيز في مجال الأخلاق على النظرية، ويستعيض فلاسفتها عنها، كما يفعل ديوي بالخبرة، ورورتي بالتجربة التاريخية في توضيب المفاهيم بعيدًا عن التنظيرات الميتافيزيقية المفارقة، وحتى إن تعلّق الأمر بالمعيارية والتقويمية والآمرية، فإنهم يلجؤون إلى ممارسات الحياة اليومية متخذين منها علامات على تحقق الفعل والسلوك الأخلاقي، وهم في ذلك على شاكلة فلاسفة معاصرين، أمثال أنيت بايير Annette Baier (2012–1929)، وكورا ديامون Cora Diamond، وصابينا لوفيبون Sabina Lovibond، وبرنارد وليامز Bernard Williams (2003–1929)، وجون ماكدوال John McDowell، الذين استلهموا درس لودفيغ فتغنشتاين Ludwig Wittgenstein (951–18891)، ونصيحته المتمثّلة في ضرورة الابتعاد عن سحر النظرية في الأخلاق، ورورتي نفسه واحد من هؤلاء الذين وقعوا تحت تأثيره في هذا المجال؛ أي النأي عن التنظير قدر المستطاع، وهو ما عبر عنه باللاتأسيسية. إن ما هو متعارف عليه ومتداول في أدبيات البراغماتيين اعتبارهم أن كل محاولة يكون غرضها الإقرار بموضوعية معيار إتيقي أو سياسي تستند إلى وجهة نظر تفلت من قبضة الزمن والصدفة؛ فكل محاولة من هذا القبيل، وتسعى لمثل هذا الهدف الموضوعي، فهي من دون جدوى. بل إن كل محاولة لتبرير فلسفي للأخلاق أو للسياسة إنما هي بمنزلة حجاج فاسد؛ ذلك أنه، بحسب رورتي، "لا توجد جواهر ثابتة وجوديًا أو حقائق راسخة غير قابلة للتحول يمكن الاستعانة بها بوصفها أسسًا فلسفية، فلا يوجد مكان للتبرير الفلسفي للسياسة أو لأيّ ممارسة، وأيّ محاولة لتوفير مثل هذا التبرير لن تؤدي إلا إلى تشويه سمعة الممارسة ذات الصلة من خلال لفت الانتباه إلى حقيقة أنها ضعيفة بما يكفي لتتطلب دعمًا فلسفيًا زائفًا". وليس ادّعاء ضعف الممارسة سوى حيلة، تهدف إلى تفضيل التنظير والتبرير،

وجعلهما مقدّمَين ومصدّقَين لكل فعل إنساني. وبناء عليه، فالمحك البراغماتي يفضّل دومًا، بوصفه معيارًا للحقيقة، الفائدة والمنفعة، كما يفضّل التضامن على الموضوعية.

(((يرى رورتي أن الفلسفة في القرن العشرين لدى عدد غير يسير من الفلاسفة تغيّرت نظرتهم إلى دورها ومهمتها وطريقتها، ولم

"يعودوا ينظرون بجدّية إلى فكرة أن الفلسفة توفر الأسس أو التسويغ لبقية الثقافة، أو أنها هي التي تقرر Quaestiones Juris الأقسام

الصحيحة للأنظمة المعرفية الأخرى". ينظر: ريتشارد رورتي، الفلسفة ومرآة الطبيعة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص.512 (((تشير النزعة اللاتأسيسية إلى تلك "النظريات التي ترفض الأساس المطلق واللاتاريخي للمعرفة المتصلة بالذات الإنسانية. فاللاتأسيسية لا تحيل إلى مصدر خارج التاريخ والمجتمع لتبرر مزاعمها المعرفية، وهي حينما ترفض المطلقية والموضوعية واللامشروطية، فإنها تزعم بخلفية أخرى لفكرة التأسيس التي ترفضها، بحيث تقيمها على السياقية والظرفية الاجتماعية في ممارسات

الجماعة. ينظر: محمد جديدي، الحداثة وما بعد الحداثة في فلسفة ريتشارد رورتي (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الجزائر: منشورات الاختلاف؛ دبي: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، 2008)، ص.205

(9) Pierre–Luc Dostie–Proulx, "Le point de vue moral dans la philosophie éthico–politique de Richard Rorty," Revue philosophique étudiante de l’université Laval , vol. 8 (2008), accessed on 29/9/2024, at: https://bit.ly/3Uhjm5E (10) Shusterman, p. 393.

ترى أنيت بايير، على خُطى ديوي في نقد المطلق الكانطي، أن إيمانويل كانط Immanuel Kant

(804–17241) قد أحسن باستبدال مصدر أخلاقي متعالٍ بآخر. ووفقًا لها، فإن معنى التصور الكانطي للواجب غير المشروط مستعار من تقليد ديني متسلط وأبوي، يكون من الأحسن هجره، بل إعادة بنائه. ولو أننا اتبعنا نصيحة ديفيد هيوم David Hume (776–17111)، لكنا قد توقّفنا عن الحديث عن واجبات لامشروطة من اللحظة التي توقفنا فيها عن الخوف من عذاب بعد الموت. تعدّ اللامشروطية الأخلاقية، التي يرفضها رورتي ومعه ديوي وبايير، أمرًا استباقيًا لضمان عدم تعثر

الحرية، إذ إن عدم الخوف من الموت ذاته، وليس الخوف من عذاب بعد الموت، كما وصفه أبيقور وأقرّه، هو ما يقف سًّدًا إزاء الوصاية والأبوية الأخلاقية، ويفتح الطريق أمام المشاعر بدلًا من الاكتفاء

بالعقل وحده في صياغة مبادئ الأخلاق. تتجلى داخل البراغماتية حقيقة مقولة إعادة الفلسفة إلى الأرض، التي برزت قديمًا مع سقراط،

وأعادت البراغماتية نفض الغبار عنها وتقديمها في صورتها الإنسانية الجديدة، وذلك حينما رأت أن "الأخلاق تتعلق بالسلوك فإنها تنمو من حقائق حسية معينة". وفي هذا التصور ما يوحي بإبراز بُعدها

الإنساني أولًا، لأن الأخلاق على صلة بالطبيعة البشرية في جانبها الحسي بدرجة كبيرة، بما يفيد أنها ليست لاهوتية ولا ميتافيزيقية ولا رياضية بحسب ديوي، وهي كذلك أبعد من أن تتمسك بمبدأ كوني لدى رورتي حتى لا تُصنّف ضمن الدعاوى الميتافيزيقية. في سياق عملية النمو (من حيث هو غاية كل سلوك)، يتجاوز السلوك البشري تحولاته وتمظهراته من المستوى العقلاني إلى الاجتماعي فالأخلاقي؛ ذلك أنه من المناسب، كما يرى ديوي، التمييز بين ثلاثة مستويات للسلوك:.1 سلوك تحفزه دوافع مختلفة بيولوجية أو اقتصادية أو أخرى غير أخلاقية، 2. سلوك يقبل فيه الفرد نسبيًا طرائق جماعته كما تجسّدها عاداته، 3. سلوك يفكر فيه الأفراد

ويحكمون بأنفسهم. في تقدير ديوي، حتى يبلغ هذا السلوك مستواه الأخلاقي، فإنه يجب أن يمرّ عبر عملية التنشئة

الاجتماعية والأنسنة، التي تتم في بيئة أسرية واجتماعية، على اعتبار أن كل فرد عضوٌ في أسرة

ومنتسبٌ إلى جماعة بشرية تتكفل بتنمية سلوكه وضخّه بالبعد العقلاني للتفكير والحكم الأخلاقي

وقبول القيم الاجتماعية، ومن ثم بلوغه سلوكًا أخلاقيًا؛ أو بتعبير آخر التدرج في نموه الأخلاقي تبعًا

لتصورنا عن الطبيعة البشرية.

(((1 ريتشارد رورتي، "الوضعية الحالية للفلسفة الأخلاقية: بين كانط وديوي"، ترجمة محمد جديدي، نماء، العدد 7–6 (شتاء–ربيع 2018)، ص.438 (1((أي فكرة الواجب المطلق المتجاوز للزمان والمكان كما طرحها كانط، وانتقدها ديوي ورورتي، لأنها تفلت من قبضة الزمن ولا تتناسب مع الطرح الخبراتي الذي دعا إليه ديوي، ولا تتلاءم مع فكرة العارضية التي نادى بها رورتي. 1(((جون ديوي، الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني، ترجمة محمد لبيب النجيحي (القاهرة: أقلام عربية للنشر والتوزيع، 2021)، ص.347

(14) John Dewey, Theory of the Moral Life (New York: Holt, Rinehart and Winston, 1960), p. 10.

من هنا، ولفهم أعمق للطبيعة البشرية، يجب على البحث الأخلاقي أن يستعين بالعلوم الأخرى (كعلم وظائف الأعضاء، والطب، والأنثربولوجيا، وعلم النفس، والكيمياء، والتاريخ... إلخ) التي ستساعده في مهمته لاستيعاب الشروط والظروف والمؤسسات التي تشكّل الطبيعة الإنسانية وضمنها تحيا وتعمل. وفي هذا يقول ديوي: "فالعلم الأخلاقي ليس شيئًا له ميدان منفصل، ولكنه معرفة مادية بيولوجية تاريخية وُضعت في محتوى إنساني حيث تضيء مناشط الإنسان وترشدها". حينما نتساءل عما نريده من الأخلاق، أو كيف يمكن أن توجّهنا، سنقف على ما سعت البراغماتية

للإجابة عنه بالنمو؛ ذلك أن النمو الأخلاقي، والتحسين Méliorisme، هما الهدف المستمر للسلوك البشري الباحث عن الفاضل والأفضل. ويرى ديوي هذا النمو في حد ذاته الغاية الأخلاقية النهائية التي لا غاية بعدها، وهي التي تفيد التحسين المستمر والتقدم المطلوب، بل إنها تجيب عن أسئلة جوهرية في الأخلاق: كيف أتصرف؟ وماذا أفعل؟ ولماذا أفعل على هذا النحو وليس على نحو آخر؟ وأصحيح ما أفعله أم خاطئ؟ بل تجيب في الوقت نفسه عن سؤال أخلاقي وجيه يواجه كل إنسان: لماذا يجب عليّ أن أكون أخلاقيًا؟ يندرج البحث عن إجابة لهذه الأسئلة في البحث عن الحقيقة، التي ما هي، بتعبير وليام جيمس William James (910–18421)، إلا اسم دال على ما يُثبت أنه صالح وخير من قبيل الاعتقاد، وأيضًا

لأسباب محددة معيّنة محسوسة. تتأرجح الأخلاق البراغماتية في تصورها الشامل بين الحياة والطبيعة والعلم. فهي من جهة تميل إلى الاستفادة من الطبيعة في دراسة السلوك وفهم دوافعه ومقتضياته في الحياة؛ ذلك أن "الاعتراف بأن السلوك يشمل كل عمل نحكم عليه على أساس الأفضل والأردأ، وأن الحاجة إلى هذا الحكم تمتد في الزمان والمكان امتداد جميع أجزاء السلوك، ينجينا من الوقوع في خطأ عزل الأخلاق في ميدان منفصل من ميادين الحياة". يوحّد هذا الاعتراف بين الأخلاق والحياة، حتى لا تصبح الأخلاق منظومة قيمية متعالية ومنفصلة عن

الحياة الإنسانية. وما دامت هي كذلك، فإنها لا بد من أن تكون منغرسة في صميم الطبيعة، التي منها طبيعة الإنسان، بما تحتويه من ميول ونزعات تزيد من حدة التوتر بين البشر أو تقلل منها، وتدفع نحو

محبة أشياء بعينها أو بغضها، كما قد تُستعمل أدواتٍ تشحذ للحرب أو توجّه نحو السلام، وتتجلّى

على نحو رئيس في السلوكات التي جرت محاولات سيكولوجية لدراستها ومعرفة مدى أثرها في الفعل الأخلاقي ومدى جاهزية الطبيعة الإنسانية في اختياراتها الأخلاقية.

(((1 ديوي، الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني، ص.347 1(((روجيه بول دروا، الأخلاق، ترجمة نهلة بسيوني (القاهرة: دار العين للنشر، 2017)، ص 24 وما بعدها.

(17) Dewey, p. 5.

1(((وليام جيمس، البراجماتية، ترجمة محمد علي العريان (القاهرة: آفاق للنشر والتوزيع، 2015)، ص.54 1(((ديوي، الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني، ص.332

2. البراغماتية وفهم الطبيعة البشرية

لم تبقَ البراغماتية، كما أسست مع تشارلز ساندرس بيرس ضمن طرحها الأولي المنطقي والإبستيمولوجي، بل اتسعت رقعة اهتمامها لتشمل التجربة الدينية والسلوك مع وليام جيمس ونمت أيضًا في وجهة تربوية وسياسية مع ديوي بما يفيد أن المنهج البراغماتي قابل للتمدد إلى ميادين أخرى، منها اللغة والخبرة والجمال والأخلاق. وهذا ما نلمسه في تصور رورتي للبراغماتية ومنهجها الذي دشنه مع فكرة المنعرج اللغوي The Linguistic Turn التي كانت من أوائل نصوصه، إذ تطور مصطلح البراغماتية وامتدّ إلى مناطق غير مألوفة لدى البراغماتيين الكلاسيكيين منهجًا وفكرًا،

ليشمل مصطلح البراغماتية الذي يستخدمه رورتي الجوانب التالية: أولًا، "النزعة المضادة للجوهر المطبقة على مفاهيم مثل الحقيقة، والمعرفة، واللغة، والأخلاق... إلخ، ثانيًا، الافتراض القائل إنه

"لا يوجد فرق معرفي بين الحقيقة حول ما ينبغي أن يكون والحقيقة حول ما هو موجود، ولا يوجد أيّ فرق ميتافيزيقي بين الحقائق والقيم، ولا أيّ فرق منهجي بين الأخلاق والعلم"، وثالثًا، المبدأ القائل إنه لا توجد قيود على الاستقصاء باستثناء القيود الحوارية". وهكذا عزز رورتي موقع البراغماتية داخل الثقافة الأميركية، وحَّيَن طروحاتها مع متطلبات الواقع ومتغيراته. لكن ما ينبغي أن يشار إليه فيما يتعلق بتجديد رورتي للطروحات البراغماتية من خلال قراءاته المتعددة لديوي خاصة، على الرغم من أهميتها في بعث الفلسفة البراغماتية واستنهاضها في أواخر سبعينيات القرن العشرين، هو أنها لم تلقَ ترحابًا من جميع المهتمين بالبراغماتية، ومنهم سوزان هاك Susan Haack التي تعتبر "أن 'براغماتية' رورتي [...] هي ببساطة تخٍّلٍ عن المحاولة نفسها للتعلم أكثر حول شروط البحث وتكافُئِه. فبدلًا من أن يساعدنا على تدبير أنفسنا عن طريق فكر عقلاني، يُضعف رورتي قدرتنا الفكرية ويجعلنا أضعف إزاء الإغراء الخطابي. وبالنسبة إلى هاك والمتعاطفين معها، فإن براغماتية رورتي خطيرة، من خلال وضع حد للعقل، ومن ثم للفلسفة". أكانت قراءات رورتي

((2(شهد هذا المصطلح بداية استعماله مع اهتمام الفلاسفة المعاصرين، وخاصة التحليليين، باللغة في بداية القرن العشرين، وتزايد التوجه نحو فلسفة اللغة، وهو عنوان لأول كتاب جماعي، نُشر تحت إشراف رورتي في عام 9671 ساهم فيه بثلاث مقالات،

أما الفلاسفة الذين شاركوا فيه فجُّلُهم من فلاسفة التيار الوضعي المنطقي والتحليلي عمومًا، منهم موريس شليك Moritz Schlick

(936–18821)، ورودولف كارناب Rudolf Carnap (970–18911)، وغلبرت رايل Gilbert Ryle (976–19001)، وغوستاف بيرغمان Gustav Bergmann (987–19061)، وجون ويزدوم John Wisdom (999–19051)، وماكس بلاك Max Black)1988–1909(وآخرون. وكان بيرغمان هو أول من استخدم مصطلح المنعرج اللغوي للدلالة على الدور الحاسم الذي اضطلع به الاهتمام بالتحليل اللغوي في تحول البحث الفلسفي، وإلى هذا المعنى يذهب رورتي الذي يعرّف المنعطف أو المنعرج اللغوي بأنه ذلك "المنعطف

الذي اتخذه الفلاسفة في اللحظة التي هجروا فيها الخبرة بوصفها موضوعًا فلسفيًا وتبنّوا موضوع اللغة وبدؤوا في السير خلف خطى

غوتلوب فريجه Gottlob Frege (925–18481) بدلًا من جون لوك John Locke (704–1632.")1 ينظر:

Rorty, L’espoir au lieu du savoir , p. 17. (21) "Richard Rorty," Stanford Encyclopedia of Philosophy , 3/2/2001, accessed on 29/9/2024, at: https://bit.ly/4hc4q2H;

بيورن رامبيج، "فلسفة ريتشارد رورتي وأعماله الكاملة"، ترجمة محمد جديدي، حكمة (2018)، شوهد في 2024/9/29، في:

https://bit.ly/3NBXfTG (22) James Campbell, "Rorty’s Use of Dewey," The Southern Journal of Philosophy , vol. 22, no. 2 (Summer 1984), p. 175.

للبراغماتية بمرتبة ثني ذراع نصوص رواد البراغماتية وتحريف لها، أم أنها نوع من التأثيث المتجدد لموضوعات الفلسفة الأميركية (البراغماتية) ومفرداتها بعد قرابة قرن من قيامها؟ لم يكن ممكنًا أن تظل هذه البراغماتية بمعزل عن الانشغال الفلسفي الأميركي، ولا سيما أن

البراغماتية نشأت من واقع الإنسان الأميركي المحلي، وردّ فعلٍ على الفلسفات التي غالت في نزوعها الميتافيزيقي وابتعادها عن الإنسان وواقعه اليومي، وأنّ الأخلاق تُعدّ جزءًا لا يتجزأ من هذا الواقع. لم تحِد الأخلاق البراغماتية عن منهجها في اعتماد النتائج معيارًا للحكم على الفكرة والسلوك، فإذا

كانت الحقيقة محكومة بما ينتج منها من آثار طيبة وحسنة، وبما يُرضي الإنسان ويدفعه إلى النظر

في العواقب، فإنها كذلك تنظر إلى الفعل الأخلاقي، على أساس أن الإتيقا تهتم بالفعل، إذ يكمن صدقه وخيريته فيما يثمره وما يتجسد من خلاله، بل إن الحقيقة في تقدير جيمس "فصيلة واحدة من الخير". بطبيعة الحال، فإن هذا التوحيد البراغماتي بين الحقيقة والخير، أو بين المعرفة والأخلاق، هو صيغة أخرى لتطبيق المنهج البراغماتي، الذي سعى من ورائه جيمس وديوي لتحوير غايات النشاط الفلسفي من المعرفة إلى الأمل، ومن الماضي إلى المستقبل. وتُفضي محاولة تجاوز الأسس والمطلقيات،

من دون شك، إلى تبنّي العارضية والوجهة المستقبلية أفقًا يَعِد الإنسان بإمكانية تحقيق الأفضل وفتح

المجال نحو التقدم. يستدل ديوي على هذا التصور بعبارة إنجيلية يذكر فيها أنه "من ثمارهم تعرفونهم"، إذ تنص على ضرورة النظر إلى ما ينجم عن الفعل من أثر، وهو ما يحدد الفكر والفعل بكيفية بعدية، وليس قبلية كما تفعل بعض الفلسفات التي تحتمي في هذه النقطة بالأصل. ولا تحيد الأخلاق عند البراغماتيين عن هذه القاعدة، سواء عند بيرس أو جيمس أو ديوي، ومن بعدهم البراغماتيون الجدد وعلى رأسهم رورتي. عملت البراغماتية، عمومًا، على تحقيق الكمال الجماعي والكمال الفردي للإنسان، إذ تجسدت مع

ديوي في البحث عن صورة مثلى للمجتمع الأميركي من حيث التنظيم والوعي بضرورة التكامل الاجتماعي والتضامن بوصفها أخلاقًا يجب على المجتمع أن ينمو في اتجاهها. في حين كانت صورة الكمال الخاص حاضرةً في أطروحات رورتي، إذ قاده تركيزه على أولوية الحرية على الاهتمام بقدرة الفرد على التغير نحو الأفضل. في كلا التصورين لديوي ورورتي، نلمس توجّهًا نحو المستقبل، وهو ميزة أخرى تُضاف إلى الأخلاق

البراغماتية، فماذا يعني صنع الأخلاق للمستقبل؟ أو كيف تُصنع الأخلاق مستقابلًا؟

((2(جيمس، ص.54

(24) Rorty, L’espoir au lieu du savoir , p. 32.

((2("من ثمارهم تعرفونهم هل يجتنون من الشوك عنبًا أو من الحسك تينًا" (متى:7 16)

يرى البراغماتيون، القدامى والجدد، أن المستقبل يمثّل الوجهة الأخلاقية التي توجه وتؤطر مناشط الإنسان وتؤطّرها، وهو رهانهم على صدق رؤيتهم المنهجية. وبسبب إدراكهم للصعوبات التي تواجه تقديم إجابة كاملة وشاملة بشأن المفيد والنافع، فإنهم يركّزون على أن المفيد هو ما يساعد في بناء مستقبل أفضل. وحينما يُسألون عن معيار الأفضل، تجد أن إجاباتهم تفتقر إلى الدقة حيث يتركون

الأمر للتجارب المقبلة، التي وفقًا لفكرة النمو كغاية أخلاقية تتراكم فيها الخبرات والتجارب، فينتقي منها المرء أفضلها وأنجعها وأصلحها. ومن دون شك، يستند هذا المفهوم إلى شروط أساسية أهمها: البعد البراغماتي الذي يعتمد على تحكيم النتائج في الحكم الأخلاقي، وليس المعرفي فحسب، كما أنه يركّز على التوجه دومًا إلى

الأمام (المستقبل) بدلًا من الركون إلى الوراء (الماضي)، وفي هذا تمُّثُلٌ للنظرة العلمية التي تهدف إلى التنبؤ. وفي هذا السياق، لا تختلف البراغماتية عن غيرها من المذاهب الفلسفية المناهضة للميتافيزيقا واللاواقعية؛ فهي لا تريد إفراغ المذهب من كل مضمون مادي واقتصادي، فالقيم تحدّدها الشروط الاقتصادية، أو كما قال ديوي: "ومن ثم ليس أن نتوقع مذهبًا أخلاقيًا يتجاهل الشروط الاقتصادية دون

أن يكون متعاليًا فارغًا". لا ترغب فلسفة ديوي في أن تقدّم أفكارًا من دون محتوى مادي، وأن تلتزم بالجانب الشكلي على

حساب المضمون، وهو ما يفرغ الفلسفة من محتواها وينزع عنها كل قيمة إنسانية/ اجتماعية. ويعتقد ديوي أن للفلسفة أهميةً لا تقل قيمة ورفعة عن العلم والفن وسائر أشكال التعبير الإنساني، إن هي التزمت بما يساعد الإنسان على تحقيق شروطه الأساسية في الوجود من حرّية ورفاه وسعادة. وهذا

بطبيعة الحال ما تصبو إلى تجسيده التصورات الأخلاقية البراغماتية.

ثانيًا: أولوية التجديد الأخلاقي والمنهج العلمي

تجافي البراغماتية، مثل تيارات أخرى واسعة في الفلسفة المعاصرة، الجانب النظري، وتعادي التنظير في مجال الأخلاق (نموذجه الفيلسوف برنارد وليامز)، وتستبعد إمكان القول بمبادئ جوهرية، أو بآراء تنظيرية للأخلاق تدور حول طبيعة العبارات الأخلاقية أو المعيارية، التي يمكن انطلاقًا منها إقامة أنماط من التبرير أو التأصيل. رأى ديوي، ضمن مسعاه لتجديد الفكر الفلسفي أو إعادة البناء في الفلسفة Reconstruction in Philosophy كما أسماه، أن هذا التجديد سيظل منقوصًا، ولن يكتمل إذا لم يشمل الجانب

(26) Rorty, L’espoir au lieu du savoir , p. 24.

(2((جون ديوي، البحث عن اليقين، ترجمة أحمد فؤاد الأهواني (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية؛ نيويورك: مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، 9601)، ص.284 (2((هانز غاوبه ومحمد الشيخ، الفلسفة الأخلاقية، ترجمة محمد الشيخ (مسقط: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، 2016)، ص.691 (2((تجديد في الفلسفة، أو إعادة البناء في الفلسفة، هو عنوان كتاب لديوي، ألّفه بعد الحرب العالمية الثانية وأعاد مراجعته بعد

ذلك في طبعات متجددة في أربعينيات القرن العشرين.

الأخلاقي: "باختصار تحولت مسألة إعادة البناء في الفلسفة، بصرف النظر عن الزاوية التي نبدأ منها، إلى بداية عملية اكتشاف للحركات العلمية الجديدة وكيفية تحقيق عملية اكتمالها، ومعرفة النتائج الاجتماعية والسياسية المترتبة عليها. ولا يمكن أن تتحقق عملية اكتمال هذه الحركات ومعالجة النتائج التي ترتبت عليها، وأزالت اللبس والغموض عنها إلا في ضوء مجموعة من الغايات والقيم الإنسانية التي تشكّل نظامًا أخلاقيًا جديدًا". وبالمثل، يؤمن رورتي بضرورة إصلاح الفلسفة، مثل ديوي، ولذا كان منطلقه الرئيس في كتابه العمدة الفلسفة ومرآة الطبيعة، نقد الإبستيمولوجيا بوصفها الجزء الغالب على اهتمامات الفلاسفة حتى عصره. "إن رورتي، مثل ديوي من قبله، منزعج من مثل هذه الجوانب في الوضعية الفلسفية المعاصرة، ويرى عبثية التركيز الضيق على ما أسماه ديوي 'مشاكل الفلاسفة'، ويدعو، مثل ديوي من قبله، إلى إعادة البناء من أجل التوصل إلى فلسفة جديدة وأفضل".

1. استكمال التجديد الفلسفي

في الدعوة إلى فلسفة جديدة ما يوحي بأن نقد رورتي للتصور الكلاسيكي للفلسفة، المتمركز حول الإبستيمولوجيا، يفضي إلى استتباعات على مستوى الأخلاق والاجتماع والفن، و"إذا كان رورتي يقترح، في نظرية المعرفة، اختزال الحقيقة في التبرير، فهو يقترح في الأخلاق اختزال الأخلاق في الحكمة: واجبنا يتكون من قبول أفعالنا بطريقة لا تتعارض مع أفعال أولئك الذين نعتبرهم إخواننا من البشر". يمرّ تجديد الأخلاق، بطبيعة الحال، عبر تجديد المنظور الكلي للفلسفة. وفي تقدير رورتي، يستند

هذا التجديد من جهة إلى ديوي باعتباره مصدرًا أوليًا، ومن جهة أخرى إلى فهمه لهذا المصدر وقراءته

له في ضوء المستجدات العلمية والسياسية والثقافية التي شهدتها الولايات المتحدة والعالم نهاية القرن العشرين. من البداهة، إذًا، أن يمتد تصور جانب الإصلاح الفلسفي إلى الأخلاق، بعد أن حاول رصد تحولات الحركة العلمية وآثارها في الإنسان والمجتمع، ليس من الناحية المادية فحسب، بل على مستوى المنظومة القيمية كذلك. وفي هذا بدا موقف ديوي صريحًا من جهة اعتماد المنهج العلمي دليلًا على

توجيه إعادة البناء في المجال الأخلاقي؛ ذلك أن الأخلاق في تقديره "ليست عبارة عن قائمة بالأفعال والقواعد التي يمكن تطبيقها، مثل وصفات الأدوية ووصفات الأطعمة في كتب الطبخ. تحتاج الأخلاق إلى مناهج بحث وإلى التدبر والابتكار. يتم بمناهج البحث تحديد مواضع الصعوبات وأماكن الشر.

(3((جون ديوي، إعادة البناء في الفلسفة، ترجمة وتقديم أحمد الأنصاري (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010)، ص.38

(31) Campbell, p. 176.

ينظر ((3:(

Benoît Peuch, "À bas l’autorité! À propos de: Richard Rorty, Pragmatism as Anti–Authoritarianism , Belknap Press, 2021," La vie des idées , 21/10/2021, accessed on 29/9/2024, at: https://bit.ly/3A81rYi (33) Campbell, p. 176.

وتحاول عملية الابتكار تشكيل الخطط التي يتم استخدامها كفروض عاملة لمعالجة هذه الصعوبات. ويهدف المعنى البراجماتي من منطق الحالات الفردية أو لكل موقف علاجه الخاص به، تحويل انتباه النظرية الخلقية من الانشغال بالمفاهيم العامة المسبقة إلى الانشغال بمشكلة تطوير مناهج البحث المفيدة والمؤثرة". يقترب المذهب البراغماتي من المنهج العلمي، ويرى نفسه أقرب التيارات الفلسفية إلى العلم المعاصر، مثله مثل النزعات الوضعية والتجريبية المنطقية والعلمية؛ ذلك أنه اهتدى بطروحات العلم ومناهجه في البحث عن الحقيقة، ومدّد نطاق هذا البحث إلى مضمار القيم والإنسانيات، إذ يقول: "عندما يتم نقد كل العيوب الاجتماعية القائمة وفحصها بدقة، ربما يتعجب المرء ويتساءل عمّا إذا كانت المشكلة الحقيقية والعيب الأصلي لا تكمن في الفصل بين الأخلاق والعلم الطبيعي. فحين تساهم الفيزياء والأحياء، والطب، في تحديد مصائب البشرية، وتقوم بتطوير الخطط لعلاجها، وتحقق الرفاهية للبشرية، تصبح علومًا أخلاقية وجزءًا من البحث الأخلاقي أو العلم الخلقي. فتفقد

الأخلاق حرفيتها ولهجتها الآمرة وتتخلص من التزمّت ولغتها التاريخية، وتقضي على هشاشتها

وتصبح واضحة وفعالة. ومع ذلك لا تقتصر المكاسب فقط على الجانب الأخلاقي، وإنما تمتد إلى العلوم الأخرى، فيقضي العلم الطبيعي على عملية فصله عن الإنسانية. يصبح علمًا إنسانيًا في حد

ذاته، لا يتم البحث فيه بطريقة متخصصة وفنية عن ما يسمى الحقيقة في ذاتها، بل البحث عن دورها الاجتماعي ومسؤوليتها تجاه المجتمع، ويصبح علمًا فنيًا فقط، بمعنى أنه يمدّ المجتمع بفن الهندسة

الأخلاقية والاجتماعية". لا يدعو ديوي الأخلاق، في الفقرة السابقة، إلى التنازل عن عليائها التاريخية ومنطقها الآمر، بل إلى التوافق مع العلم، ولا سيما في منظوره الحديث والمعاصر، الذي خفف من معاناة الإنسان عبر جهوده ونتائجه في فهم الطبيعة وتسخيرها لفائدة الإنسان، وهو ما يمكن اعتباره استباقًا لربط العلم بالأخلاق، وإعادة اللحمة لعلاقة ما فتئت تتماسف بفعل انفراد العلم من خلال تقدّمه المتعاظم في القرنين التاسع عشر والعشرين، وانفصاله شبه التام عن الشؤون الاجتماعية والأخلاقية للإنسان. لكن إن كان هذا الأمر صحيحًا واقعيًا، فإن ديوي بحكم تأثره بالعلم الطبيعي، وخاصة علم الحياة، ما لبث

يطالب بتبنّي التصوّر العلمي الحياتي في الشأن الإنساني والأخلاقي منه خاصة.

2. البناء الحضاري والتقدم

إذا كانت مسألة التجديد الأخلاقي ضرورية لاستكمال البناء الحضاري بعد التقدم العلمي، الذي بُذلت فيه جهود سابقة، فإن أجيال الحاضر يقع على عاتقها "القيام بعمل مماثل للمساهمة في تقدّم

(3((ديوي، إعادة البناء في الفلسفة، ص.151–150 ((3(المرجع نفسه، ص.153–152 ((3(أي ذلك الانبعاث في الانشغال بعلاقة العلم بالأخلاق في نهاية القرن العشرين، وهو ما أثمر بروز حقل البيوتيقا وتأسيسه في الولايات المتحدة على يد الطبيب فان رانسيلايير بوتر Van Rensselaer Potter.)2001–1911(

البحث الأخلاقي". ويكون هذا بالسعي لبعث علم إنساني أخلاقي جديد، لا يقتصر على دراسة الطبيعة وما يُكتشف فيها، بل يشمل إدراج البعد الإنساني القيمي ضمن مسعاه في "إعادة بناء الحياة

الإنسانية وتنظيمها، وتهيئة الظروف لحياة مستقبلية أفضل لم ينعم بها الإنسان من قبل". وكأن ديوي بحسّه الإنساني مدرك أن التقدم العلمي وحده لن يجسّد الوعد بالسعادة البشرية، إذ يحتاج التقدم

المذكور إلى آخر أخلاقي تكون مسيرة التنوير من دونه عرجاء ومنقوصة. ولدى رورتي كذلك تصور مماثل لهذا التقدم الشامل، إذ إن التقدم الثقافي، الفني الفلسفي، العلمي والسياسي هو نتيجة تلاقي إرادتَين أو إتيقتَين؛ إحداهما تتعلق بالكمال (الخاص) والأخرى بالتكيف (العام)، وهو ما يجعل التقدم ممكنًا، ويجعل التحول الثقافي نحو الأفضل ممكنًا. يتخّذ ديوي من العصر الحديث؛ أي العصر الذي تبلور فيه مفهوم العلم وحصلت فيه اكتشافات وابتكارات غيرّت وجه الحياة البشرية الحديثة، حدًا فاصلًا بين مرحلتين في تاريخ البشرية ونموذجًا

تحرريًا للإنسان، لكن ليس بالقدر الكافي أو مثلما طمح إليه، وحيث أراد أن يمتد هذا التأثير؛ أي

التأثير العلمي، إلى جوانب قيمية في حياة الإنسان، وليس الجوانب المادية فحسب. فهو، مثل فريدريش نيتشه Friedrich Nietzsche (900–18441)، رأى أن القيم والشؤون الإنسانية ظلت حبيسة فترة ما قبل العلم، ولذا دعا إلى توسيع نطاق الشكوك ليشمل المعتقدات الخلقية ما قبل عصر العلم، ويشير إلى أن هذه الارتيابات "إذا ما تمّت دراستها، فإنها تشكّل دافعًا لتطوير نظرية أخلاقية جديدة.

تبيّن للإنسان الاتجاه الفكري الإيجابي الذي يتم به تطوير الأخلاق العملية النافعة بالفعل". في منظور ديوي يجب أن تلامس هذه الشكوك ثلاثة أمور: أولًا: الهجوم على العلم الطبيعي؛ أي يمتد الشك إلى من انتقدوا العلم الطبيعي وجعلوه مسؤولًا عن كل مساوئ الإنسان. ثانيًا: أن ينتقل الشك إلى أصحاب الرأي القائل إن الإنسان بطبيعته فاسد، ومن ثم يتعذّر توجيه سلوكه

نحو نشدان الحرية والمساواة. ثالثًا: أن يتسرب الشك إلى مزاعم المؤسسات التقليدية في قدرتها وحدها على ضبط سلوك الأفراد وصناعة الأخلاق الملائمة لذلك. ونلمس هذا الأمر على وجه التحديد في دعوة ديوي إلى اصطناع المنهج العلمي في دراسة الشؤون الإنسانية، حيث يقول: "وليس التجديد المنشود الذي ندعو إليه مجرد تطبيق 'الذكاء' هذا، من حيث هو أداة جاهزة، ولكنه تجديد يقتضينا أن ننقل إلى البحث في الشؤون الإنسانية والأخلاقية الطريقة

(3((ديوي، إعادة البناء في الفلسفة، ص.36

(38) Marc Van Den Bossche, Ironie et solidarité: Une introduction au pragmatisme de Richard Rorty (Paris: L’Harmattan, 2004), p. 95.

(3((ديوي، إعادة البناء في الفلسفة، ص.34 ((4(المرجع نفسه، ص.35

التي أوصلتنا إلى فهم الطبيعة الفيزيقية على النحو الذي نفهمها به الآن، أي طريقة الملاحظة واعتبار النظرية بالاختبار التجريبي". فلا يكتفي ديوي بالدعوة إلى اصطناع المنهج العلمي في مسائل الشؤون البشرية؛ أي في مجال القيم والإنسانيات، بل إنه يستغرب موقف من يثقون بقدرة هذا المنهج في عالم العلوم الطبيعية وينكرون عليه ذلك عند كل مسعى لمقاربته العالم القيمي. وهنا ينبغي أن يُدرَك أن المنهج العلمي، الذي أضحى قوة وسلطة، بمعناه التقني المعاصر (أي العلاقة:

الوسائل = الغاية) هو الذي يصبح عقيدة التفكير، وهو قبل كل شيء في العمل أو النشاط التجريبي (على مستوى ما يسميه "العواقب") الذي يحدد الطابع المعياري لهذه الممارسة، مثل أيّ ممارسة

أخرى في هذا الشأن. وبهذا، تصبح التربية ميدانًا ومختبرًا جيدًا لتطبيق القيم الأخلاقية، أو وضعها

تحت مجهر المنهج العلمي في قضايا التربية والتعليم وطرائق التدريس والتنشئة الاجتماعية التي عبرها تُلقَن قيمُ الأخلاق ومبادؤها.

ثالثًا: الأخلاق في مختبر التربية

تحتل الأخلاق مكانة مميزة في فلسفة ديوي بصورة عامة، وفي التربوية والسياسية منها بصورة خاصة، إذ أخذت – أي الأخلاق – من فلسفته (التربوية خاصة) قدرًا لا يستهان به، لأنه نمّى

مذهبه الأخلاقي تنمية واسعة بفضل نزعته الاجتماعية وعنايته الكبيرة بالجمهور ومشكلاته، فقد انتبه، مثل فلاسفة آخرين على مر تاريخ الفلسفة، إلى أهمية التربية بوصفها ميدانَ اختبارٍ حقيقيٍ لفكر الفيلسوف، لا يخلو من البعد القيمي، الذي يتشكل به مذهب الفيلسوف. وهكذا فكل فيلسوف سعى للتأكد من واقعية طروحاته الفكرية وموضوعيتها وقدّمها ضمن تصوره التربوي الذي يكون بمنزلة محكّ جاد تقاس من خلاله صحة طروحات وصدقيتها. عُرف ديوي باهتماماته التربوية، التي تكاد تفوق اهتماماته الفلسفية، فاشتُهر بكونه منظّرًا تربويًا

وصاحب مقاربات تربوية بقدر ما اشتهر بكونه فيلسوفًا أو أكثر. فما علاقة التربية بالأخلاق عنده؟

((4(المرجع نفسه، ص.14–13

(42) Jean–François Côté, "Le néo–pragmatisme et l’interprétation postmoderne de la culture américaine contemporaine," Cahiers de recherche sociologique , no. 15 (1990), pp. 11–26.

((4(مثل هذه النقطة لا تمثّل اتفاقًا تمامًا بين ديوي ورورتي الذي يستند إلى ديوي في رؤاه الفلسفية. والواقع أنه يؤكد صراحة أن

ليبراليته "متواصلة تمامًا مع ليبرالية ديوي"، ويحدد اختلافاته مع ديوي في المقام الأول في "الوصف الذي يتناول العلاقة بين العلوم

الطبيعية وبقية أشكال الثقافة، وفي بيان مشكلة النزعة التمثيلية في مقابل مناهضة النزعة التمثيلية من حيث الكلمات والجمل، وليس من حيث الأفكار والخبرات". ينظر: Shusterman, p. 391. وبعبارة أكثر صراحة، يرفض رورتي ما يراه من تفضيل ديوي للعلوم الطبيعية على الثقافة الأدبية. (4((يكفي أن نستحضر في هذا الصدد كتابه المبادئ الأخلاقية في التربية، ينظر:

John Dewey, Moral Principles in Education (Boston, MA: Houghton Mifflin, 1909).

(4((محمد جديدي، فلسفة الخبرة: جون ديوي نموذجًا (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2004)، ص.263 (4((الجمهور ومشكلاتهعنوان كتاب لديوي نُشر في عام، ينظر 927:1

John Dewey, The Public and its Problems (New York: Holt Publishers, 1927).

1. التطبيق الأخلاقي

يبدو أول وهلة أن من الصعب التمييز بين التربية والأخلاق في النظر والتطبيق. فكلتاهما على صلة وطيدة بالحياة التي تستوجب أخلاقًا، مثلما تستوجب تربية. هذا فضلًا عن تكاملهما الوظيفي والغائي؛ فالتربية هي جملة مبادئ أخلاقية توجّه الكائن في الحياة، أو هي قيم يكون لها حق توجيه السلوك

وفق تعبير ديوي، تمامًا مثلما أن الأخلاق هي تمرّس وتعوّد على اختيار أفضل ما يبدو للمرء مناسبًا

لمواجهة المواقف والوضعيات الصعبة. لا تزيد الأخلاق، من منظور ديوي، على كونها تربية تمامًا مثلما أن التربية أخلاق، لأن الأخيرة

نمو، أو بتعبيره "الأخلاق والنمو شيء واحد. فالتنمية والنمو هما الحقيقة نفسها عندما تمتد في الواقع أو عندما يفحصها التفكير". فهل يكفي مثل هذا الجواب للتخفيف من حدة التوتر الفكري وتوالد الأسئلة المحرجة من قبيل: "ما الذي يمكن أن يوجّه قراراتنا الأخلاقية والسياسية إذا لم تكن هذه

المجالات خاضعة للإدراك، وإذا لم يكن لدينا منظور لاختيار الفعل الأكثر صحة؟". إن الفعل الأكثر صحة وبمنطق براغماتي هو الأكثر فائدة، وهو ما تبرزه النتائج والعواقب وفق ما يقوله ديوي: "الواقع أن شيئًا ما يمتعنا، أو أنه موافق لنا يثير مشكلة الحكم؛ كيف نقيس الإرضاء؟ أهو قيمة

أو ليس قيمة؟ أهذا الشيء مما يجب أن نمتدحه، ونستحسنه، ويجب أن نستمتع به؟ وليس رجال الأخلاق وحدهم، بل التجارب اليومية تخبرنا أن شعورنا بإرضاء الشيء لنا قد يكون تحذيرًا ودعوة

للنظر في العواقب". وفي هذا الصدد، لا يحيد رورتي عن المنطق العواقبي لأستاذه ديوي، ويستمر في إجلاء سمات هذا المنطق عبر الابتعاد عن الفهم المطلقي والموضوعي، والاكتفاء بما يعود على الكائن البشري بالفائدة. وبما أن الحقيقة كما يتصورها البراغماتيون لا تتأسس على معايير موضوعية ومطلقة بقدر ما هي تنتج من الفعل والسلوك اللذين يرتضيهما الفرد، فإن الصراع القيمي داخل الفرد أو الجماعة لا يُفصل

فيه إلا بناءً على عواقبه. ولذلك فبالنسبة إلى رورتي، كما هو الشأن بالنسبة إلى براغماتيين آخرين

من أمثال ريتشارد برنشتاين Richard Bernstein (2022–1932)، وهيلاري بوتنام Hilary Putnam (2016–1926)، وجوزيف مارغوليس Joseph Margolis وغيرهم، لا يمكن الاحتكام عند المعضلات الأخلاقية إلى الأسس والماهيات، إنما يُنظر إلى نتائج السلوك. إذًا، فالأمر سيان، سواء لدى البراغماتيين الكلاسيكيين أم الجدد، إذ إنهم يحتكمون إلى المفيد والمستقبل. فالمفيد والنافع هما ما ينتج من الفعل، بمعنى أنْ تُقاس صدقيته بما يثمره وما يمكن أن

(4((ديوي، البحث عن اليقين، ص.284 ((4(في شرحه لهذا الوصل بين الاثنتين واعتباره "الأخلاق هي التربية، إذ هي [التي] تعملنا معنى ما نستهدفه؛ واستعمال هذا

المعنى في العمل"، ينظر: ديوي، الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني، ص.333 ((4(المرجع نفسه.

(50) Proulx, p. 89.

(((5 ديوي، البحث عن اليقين، ص.283

(52) Proulx, pp. 89–90.

يفيد فيه مستقابلًا؛ أي إمكانية تحسينه وتطويره لاحقًا، بحيث إن الحكم يترك دومًا لهذه الإمكانية القابلة

لتغيير المعطى الآني لصالح الحقيقة. ويحيل الاحتكام في الفكر والسلوك إلى النتائج والعواقب إلى الالتفات إلى الأمام لا إلى الخلف؛ أي إلى الجدوى والنتيجة، لا إلى الأصل والجذر، والنظر إلى ما يمكن أن يصبح عليه العالم والحياة، لا إلى ما كانا عليه. وفي الوقت الذي يرى فيه ديوي أن الذات تتقوم بناءً على الخبرة وتفاعل الفرد مع محيطه عن طريق

العادة والتجريب وتراكم الخبرات، يذهب رورتي إلى القول بعارضية الذات، كما هو الشأن في عارضية الجماعة وكذلك في عارضية اللغة لديه، إذ تلجأ الذات في طموحها إلى بلوغ الكمال الخاص بها إلى اللغة، من خلال تكريس خطاب ومفردات جديدة تطوّر من خلالها تجربتها وتصوغها

على نحو مستحدث تقدّم فيه هويتها الأخلاقية.

2. التربية والمستقبل

على الرغم من مطالبة رورتي الملحة بانتسابه إلى خط ديوي الفلسفي، فإنه لم يكترث كثيرًا للقضايا

التربوية خلافًا لديوي الذي فاقت اهتماماته التربوية بقية الاهتمامات الفلسفية الأخرى. ومع ذلك، لا تخلو نصوص رورتي من اعتناء بالتربية؛ ففي انتقاله النقدي من الإبستيمولوجيا إلى السياسة، تتداخل مسائل التعليم ومناهجه وأهدافه ونجاعته الاجتماعية بمناقشات الحقيقة والعدالة والتقدم ضمن أفق ثقافة علمانية (ما بعد علمانية) لا تقدّم نفسها من دون قيم جديدة وأخلاق ليست بالضرورة ذات جواهر وماهيات مطلقة. ومثل هذه الثقافة اللادينية، التي يدعو إليها رورتي، تشكّل بالنسبة إليه نموذجًا لثقافة مهّد لها أستاذه

ديوي في مقاربته التربوية والداعية إلى تحرر الإنسان من كل قيد، بدءًا بالعمل على تكريس قيم تربوية

جديدة تأخذ في الاعتبار ميول الناشئة ورغباتها في الجدية الكافية بدلًا من قمعها، كما كانت تفعل النظريات التربوية التقليدية. إن البراغماتية عند ديوي، كما تطورت في صيغتها الجديدة مع رورتي، وضعت قائمة بتفضيلاتها الأخلاقية والفلسفية، وأعلنت تبعًا لذلك أولوية التضامن على الموضوعية، ودعت إلى علم بلا سلطة، واعترضت على الكونية لصالح الوطنية المفتوحة، والتقدم لصالح التقدمية، وأكدت على السياسة بدلًا من الميتافيزيقا وأهمية المستقبل عوضًا عن الارتباط بالماضي. وعلاوة على ذلك، شهدت البراغماتية تطورات عديدة رسخت طابعها الأميركي، ولا سيما في جانبها السياسي والديمقراطي، إذ اعتبرت الديمقراطية مشروعًا أخلاقيًا في الحياة يجب التعامل معه بالجدية اللازمة حتى يتحقق التقدم

الأخلاقي الذي يؤمن به رورتي، ويستوحي فكرته من ديوي صاحب فكرة النمو غاية في الأخلاق.

5(((ديوي، البحث عن اليقين، ص.313

(54) Proulx, p. 94. (55) Brigitte Frelat–Kahn, "La philosophie de Rorty, un paradigme de la pensée américaine," Recherches en éducation , no. 5 (2008), accessed on 29/9/2024, at: https://bit.ly/3YuGlNc

يستلهم رورتي درس الديمقراطية من أستاذه ديوي، الذي يُعدّ فيلسوف الديمقراطية في الولايات

المتحدة من دون منازع، ويعود كلاهما إلى توماس جيفرسون Thomas Jefferson 1) 826–1743(الذي اعتبر الديمقراطية "ملكة أخلاقية مشتركة بين المؤمن النموذجي وغير المؤمن النموذجي تكفي من أجل الفضيلة المدنية". وبناءً على ذلك، تنبني الديمقراطية على التسامح والتضامن. وهنا إذا

كانت الديمقراطية هي المهمة التي تنتظرنا كما عبّر عنها ديوي ومنحها رورتي الأولوية، فهي مهمة

أخلاقية في الأساس. تكون مهمة الأخلاق في الديمقراطية هي بناء ذات، بما هي شبكة من الرغبات والاعتقادات متقاسمة بين بقية الذوات بعيدًا عن التعصب والعنف؛ أي ما يتيح بناء مواطن صالح داخل دولة ديمقراطية ليبرالية يعي حدود حرياته ويفي بواجباته تجاه الدولة والجماعة التي ينتمي إليها، بمثل ما له من واجبات.

رابعًا: الديمقراطية مشروع أخلاقي

يقترح رورتي، ضمن تصوره الخاص بالبراغماتية باعتبارها فلسفة لممارسة تفكرية تحررية، نهجًا

فكريًا يستند أيضًا إلى تصور هيغلي، مبررٍ بفلسفة الأنوار والتجارب التاريخية، ليتخذ بعدُها الإنساني

توجهًا نحو سياسة ديمقراطية. وهو ما يمكن عدّه انتق لًا من أرض معرفية ونظرية إلى أرض عملية

تطبيقية. يتمثل تحويل الديمقراطية إلى مشروع أخلاقي في توجيه براغماتية رورتي للفلسفة نحو معنى أخلاقي واجتماعي، حيث جعل من أولوياته الثلاث ركائز لمشروعه الفكري عمومًا، وأقصد هنا: أولوية

الديمقراطية على الفلسفة، وأولوية الأمل على المعرفة، وأولوية التضامن على الموضوعية. ولم يكن هذا التحويل ممكنًا إلا بناء على إرث ديوي الذي جنح بالبراغماتية صوب التربية والأخلاق

والسياسة، ونقل المحك البراغماتي صوب مناطق ظٍّلٍ بقيت غير مكتشفة بالنسبة إلى رواد البراغماتية الآخرين.

1. الديمقراطية بوصفها سلوكًا وحياة

ليست الديمقراطية مجرد نظام حكم، أو ذات مضمون ومعنى سياسي فحسب، بل إنها في الأساس معنى أخلاقي. وهذا ما يقوله ديوي في نصه: "وإذا كان للديمقراطية معنى أخلاقي، فإنه يعني أن الحكم على كل النظم السياسية والمؤسسات الصناعية والتعليمية يكون وفق مدى نجاحها في تنمية كل فرد من أفراد المجتمع وفق قدراته". ومن يتأمل هذا القول سيدرك أن الديمقراطية لم تكن

(5((ريتشارد رورتي، "في أولويّة الديمقراطية على الفلسفة:)1(التسامح هو فصل السياسة عن الحقيقة"، ترجمة فتحي المسكيني،

مقالات، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2019/3/22، شوهد في 2024/9/29، في: https://bit.ly/40jxAXL

(57) Peuch.

5(((ديوي، إعادة البناء في الفلسفة، ص.161

بالنسبة إلى ديوي موضوعًا يفضّله على غيره من مواضيع للنقاش والبحث، وإنما كانت الموضوع الذي انشغل به طوال حياته، وحتى عندما تجاوز العقد الثامن من عمره، ظل يعتبر أن الديمقراطية على الدوام هي المهمة المنتظرة. وكذلك سار رورتي على خطى ديوي، مانحًا الديمقراطية الأهمية

القصوى، ومعتبرًا إياها أولوية حتى على الفلسفة. وليس هذا مستغربًا، إذ إنها تجربة رائدة في التنظيم

والاجتماع البشري. إنها كما يقول أحد تلامذة ديوي، وهو ريتشارد برنشتاين، واصفًا تصور أستاذه للديمقراطية: "ليست في الأساس مجموع مؤسسات، إجراءات شكلية، أو ضمانات قانونية. فما يؤكد عليه ديوي هو ثقافة وممارسة الديمقراطية في الحياة اليومية. فالديمقراطية هي اعتقاد [...] في قدرة كل فرد بشري على أن يحكم، وأن يفكر ويتصرف بذكاء حينما تتوافر لديه الشروط الملائمة". وفي إطار الديمقراطية، يتجلى مشروع الأخلاق بوصفه حرية وتعاونًا بشريًا. كل فلسفة حديثة في تصور ديوي تنغمس في الحياة، ولا تريد أن تُتهم بالانعزال عن شؤون الإنسان اليومية تعتبر أن "مشكلة إعادة التوحيد والتعاون بين معتقدات الإنسان عن العالم الذي يعيش فيه، وبين معتقداته عن القيم والأغراض التي يجب أن توجّه سلوكه، أعمق مشكلة في الحياة الحديثة".

وبحسب ديوي، لا تزال هناك هوة دائمة بين معتقداتنا عن عالم الطبيعة التي نثق بها، ومعتقداتنا عن عالم القيم التي لا تزال متأخرة عن معتقدات العالم الطبيعي، علمًا أن ديوي يستخدم كلمة قيم للدلالة

على "كل ما له حق في توجيه السلوك". ويرى ديوي، في سياق حديثه عن نظرية الخبرة، أن الفلسفة ورثت منذ العهد اليوناني تقسيمًا ثنائيًا

يتضمن أيضًا تلك المتعلقة بالواقع والتي هي مفارقة له. وتبعًا لهذا التصنيف، اعتبر العالم الفوقي، الذي تُستمد منه قيم مثل الاقتداء والسلوك، أسمى من العالم الأرضي، إذ يقول: "فهذه الخيرات والشرور لأنها من جملة الخبرة الإنسانية فينبغي أن تقدر قيمتها بالنسبة لمعايير ومثل عليا مستمدة من حقيقة أقصى، ينسب إليها أيضًا ما يوجد في الخيرات والشرور من نقائض وشذوذ، علينا أن نصحح ونضبطها باصطناع مناهج للسلوك مستمدة من الولاء لمطالب الوجود المطلق". ويناهض ديوي هذه النظرة الأفلاطونية، ويرى أنها لا تزال تكبح كل نمو وتطور فلسفي، معتبرًا إياها متخلفة وغير

مواكبة للحركية العلمية الحديثة.

2. الديمقراطية برؤية علمية

تُعدّ الرؤية العلمية من المساهمات المشتركة بين ديوي ورورتي، التي تخص الديمقراطية في علاقتها بالأخلاق. ونظر كلاهما إلى الديمقراطية من زاوية علمية، أو بمنهجية علمية بتعبير أصح، وهي

(59) Richard Bernstein, "Creative Democracy: The Task before us," American Journal of Theology & Philosophy , vol. 21, no. 3 (September 2000), pp. 215–228.

(6((ديوي، البحث عن اليقين، ص.283 ((6(المرجع نفسه، ص.284 ((6(المرجع نفسه.

"أن الديمقراطية تمشي جنبًا إلى جنب مع التحقيق؛ ذلك أن ديوي يحاجّ بأن الديمقراطية هي استخدام

المنهج التجريبي من أجل حل المشكلات العملية؛ إنها تطبيق للذكاء التعاوني أو التحقيق". ويعبّر هذا

المفهوم عن مشروع المحادثة الفلسفية/ الأخلاقية الذي يدافع عنه رورتي، والذي يؤكد على أخلاقيات النقاش، أو الوصول إلى اتفاق من دون قيود أو ضغوط Agreement without Constraints. ومع ذلك، لا يتماهى رورتي مع ديوي في توجهه لصالح الخطاب العلمي، إذ لا يعدّه رورتي الوحيد في وصف الحياة الديمقراطية بعيدًا عن العناصر الثقافية الأخرى من آداب وفنون. بدا جليًا أن رورتي، في مناهضته للفكرة الأخلاقية الكانطية، يرجع إلى ديوي؛ بطله الفلسفي

كما يسمّيه، مستلهمًا منه نقده للأساس الكانطي المشِّدِد على عقلنة التصورات الأخلاقية. "كان ديوي

يأمل بأن يتضاءل عدد المنجذبين بالخطاب الكانطي حول الخيار الأخلاقي. واعتبر ديوي أن فكرة فصل الأخلاقية عن الحصافة فكرة سيئة جدًا، وبالأخص في الاعتقاد بأن الأوامر الأخلاقية مصدر مختلف عما تنصح به هذه. لقد بدا له من المستحيل انسجام النظرة الكانطية للإنسانية مع النظرية الطبيعانية الداروينية لأصولنا. بالنسبة إلى ديوي، ومن وجهة نظر ما بعد داروينية Post Darwinian، لا يمكن أن تكون هناك قطيعة تامة بين المعرفة الإمبريقية والمعرفة غير الإمبريقية، بالقدر نفسه الذي لا تكون بين الاعتبارات العملية الإمبريقية وغير الإمبريقية، أو بين الوقائع والقيم"، بل إن هناك دعوة مسبقة نعثر عليها لدى ديوي للتقريب بين عالم القيمة وعالم الواقع، وهو تقريب يراه ضروريًا

وأوليًا لكل تقدّم حقيقي متكامل محتمل. يستشهد رورتي بقول ويلفريد سيلارس Wilfrid Sellars (989–19121) الذي ينص على أن "المعرفة الإمبريقية، وأيضًا امتدادها المتطور، العلم، هما بالفعل عقلانيان لا لكونهما يمتلكان أساسًا،

وإنما لكونهما عملية تصحّح ذاتها بذاتها، ويمكنها أن تضع أيّ تأكيد موضع الخطر، وإن لم يكن ذلك

مع جميع التأكيدات في وقت واحد". ويشير رورتي إلى العقلانية في تصور سيلارس باعتبارها إجراءً،

وليست خاصية باطنية للشيء، أو لقدرة من القدرات الإنسانية، التي قد توحي بأن هذه العقلانية هي فعل

(6((شيريل ميساك، البراغماتيون الأميركيون، ترجمة جمال شرف (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.259 ((6(يرى رورتي في المحادثة أفضل كيفية لبلوغ التوافق بعيدًا عن التعصب والعنف، بل إنه يحرص على الدعوة إليها في خاتمة

كتابه الأساسي الفلسفة ومرآة الطبيعة، فكتب: "فالنقطة الوحيدة لباي أود الإلحاح عليها هي أن اهتمام الفلاسفة الأخلاقي يجب أن يكون الاستمرار في محادثة الغرب، وليس في الإلحاح على محل للمسائل التقليدية الخاصة بالفلسفة الحديثة، في داخل تلك

المحادثة". ينظر: رورتي، الفلسفة ومرآة الطبيعة، ص 15.3 ((6(يقول رورتي: "يتعلق الأمر بمعرفة إذا ما كان ممكنًا أن يأخذ مفهوما 'اتفاق من دون قيود' و"حوار حر ومفتوح" باعتبارهما توصيفين

لوضعيات اجتماعية، مكانًا لهما في حياتنا الأخلاقية، ويعوضا مفاهيم مثل 'العالم'، و'إرادة الله'، و'القانون الأخلاقي'، وكذلك

ما 'يجعل اعتقاداتنا حقيقية'". ينظر:

Richard Rorty, Science et solidarité: La vérité sans le pouvoir , Jean–Pierre Cometti (trad.) (Paris: Editions de l’éclat, 1990), p. 59.

((6(رورتي، "الوضعية الحالية للفلسفة الأخلاقية"، ص.439

(67) Willfid Sellars, Empirisme et philosophie de l’esprit , Richard Rorty (Pré.), Fabien Cayla (trad.) (Paris: L’Eclat, 1992), p. 83.

معطى مسبقًا، ولكنها إجراء وصيرورة يتماشيان مع فعل البحث بلغة ديوي، حتى يحوز هذا الإجراء الإجماع المرغوب فيه من خلال "الاختبار الذي يكون للإنسان وسط جماعات من المتخاطبين باعتراف متبادل بينهم حول صلاحية أحكامهم"، وما يترتب عليها في الواقع من خير أو شر. ومع أن رورتي يتفق في نظريته الليبرالية مع أستاذه ديوي حول أهمية الديمقراطية للمجتمع الذي وصفه بالمجتمع الليبرالي البرجوازي ما بعد الحداثي، فإنه لا ينظر إلى المثال الديمقراطي الذي تبنّاه

ديوي بالنظرة نفسها ولديه شكوك فيما آمن به أستاذه. فلماذا يرفض رورتي المثل الديمقراطي الذي يتبنّاه ديوي، والذي يحدد في نهاية المطاف بين تحقيق الذات الشخصية والعمل العام من أجل الصالح

العام، والذي يربط أخلاقيات الذات بسياسات الآخر؟ ولماذا يصرّ على أن الأفراد في المجتمع

الليبرالي لا يحتاجون إلى "غراء اجتماعي" آخر لربطهم معًا سوى الرغبة في تنظيم اجتماعي "يتركهم وحدهم ليجرّبوا رؤاهم الخاصة للكمال في سلام"؟ ولماذا يشكّ خاصةً في الادعاءات الفلسفية

بتوحيد السعي للكمال الخاص والديمقراطية العامة؟". وفي الإجابة التي يقدّمها شوسترمان، نلمس أحد الاختلافات التفصيلية بين الفيلسوفين، والتي تنبني على مسألة الحرية، ومفادها أولًا أن رورتي لا يريد أن يعطي الطرحَ الفلسفي مساحةً على حساب الجانب العملي للحرية، بما يجعل

حرية الذات رهينة هذه الهيمنة الفلسفية، وثانيًا لأن مبتغى رورتي من مشاركة الذات في الديمقراطية

والصالح العام لا ينبغي أن يتم على حساب كمال الذات، في الوقت الذي يرى فيه ديوي أن الحرية السلبية ليست حرية كافية لضمان الديمقراطية الحقيقية. ومع ما في هذه المسألة من تعقيد بين العثور على توازن يضمن حق الفرد في الكمال الذاتي، وحق المجتمع في الصالح العام من خلال المشاركة الديمقراطية التي أبرزت نقاط اختلاف بين الفيلسوفين، فإن هذا لا يمنع من اتفاقهما بتفاؤل على تغير المجتمع من خلال التجربة الديمقراطية نحو الأفضل. يؤمن رورتي، مثل ديوي، بتقدّم أخلاقي واجتماعي، وبنمو يكون هدفًا دائمًا، على عكس مثقفين

آخرين لا يُقرّون بأيّ تقدّم خارج ميدان العلم والتقنية. ولم يتوقف عن الإيمان بأن بلده سيتجاوز

معضلاته الاجتماعية والسياسية. ففي عام 9971، كتب: "إنه لا يمكنه أن يُتصور أن الولايات المتحدة

لن تشهد أثناء القرن المقبل تطورًا أخلاقيًا كبيرًا". إن هذا الأمل الذي فضّله دومًا على المعرفة هو ما دفعه إلى التغاضي أحيانًا عن النظر بعمق، كما دعا

هو نفسه، إلى التضامن مع مختلف الفئات الهشة في بلاده التي تعاني تفاوتًا وظلمًا اجتماعيًا وعدم

تكافؤ في الفرص، ما حال دون أن تكون خير سند للطبقة الوسطى واليسار، وداعمًا أساسيًا لمسار

الديمقراطية.

(68) Jacques Poulain, "Le partage de l’héritage anticartésien de C.S. Peirce: D. Davidson, H. Putnam et R. Rorty," Rue Descartes , no. 5–6 (Novembre 1992), p. 29. (69) Shusterman, p. 401. (70) Richard Rorty, Achieving our Country: Leftist Thought in Twentieth–century American , 2 nd  ed. (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1998), p. 106

وفي هذا، يكون رورتي في انسجام مع نظرته التحسينية وإيمانه بأنه يمكن تحسين الواقع المأزوم وتجاوز مساوئ بعض سياسات الليبرالية.

خامسًا: التضامن فعلا أخلاقيًا

هل يكون للتضامن القدرة على تجاوز ما يخشاه الليبرالي؟ بمعنى التخوف من القسوة التي لا يملك معها المثقف المتهكم أو الساخر سوى السعي نحو تخطيها عبر آلية التضامن، ومن دون الغوص في تحديد ماهيته وطبيعته. والأهم أن يكون التضامن فعلًا أخلاقيًا يكتشف التعبير عن نفسه عمليًا

وبعيدًا عن كل تنظير؛ ذلك أن التضامن بحسب رورتي ينبغي النظر إليه بوصفه مصنوعًا Made، وليس شيئًا نعثر عليه Found؛ شيئًا منتوجًا في مجرى التاريخ، وليس معتبرًا بوصفه واقعة لاتاريخية.

يقول رورتي: "التضامن لا يكتشف، بل يُخلق، إنه يُخلق، عندما نشعر أكثر بتفاصيل دقيقة لمعاناة،

وإهانة نماذج أخرى لبشر ليسوا مقرّبين منا". لكن هل يكفي خلق التضامن لتعميمه وعولمته،

وهو في الأساس ينطلق من وجهة نظر مركزية عرقية؟ وهل حينما يتسع ويتمدد سيعمّ كل الإنسانية؟

هذان السؤالان الشائكان هما اللذان يرهقان محاولة رورتي في سعيه لردم هوة القسوة الليبرالية عبر التضامن.

1. من الموضوعية إلى التضامن

يشير الحديث عن أخلاق التضامن لدى رورتي إلى تفضيله التحول من الموضوعية إلى التضامن؛ ذلك أن البشر، وفقًا له، دائمًا ما يمكنهم أن يعطوا معنى للحياة في سياق اجتماعي بطريقتين. الأولى

أن يعمل الأفراد على سرد تاريخ مساهماتهم ضمن الجماعة التي ينتمون إليها، والثانية تتأسس على ارتباط أفراد المجامع بعلاقة غير بشرية، وهو ما يجعل إطار ما يقومون به يتجاوز إطار أفعالهم. بتعبير آخر، إذا كانت الكيفية الأولى تنبني ضمن علاقات بشرية وبين بشرية تنتهي بتضمينها فعلًا تضامنيًا، فإن الثانية تستمد نشاطها من مصدر خارجي Ab extra، الشيء الذي يحيلها إلى موضوعية؛

أي إلى بحث دائم عن الحقيقة خارج النشاط والفكر الإنسانَّيَين. دعا رورتي، في مشروعه الفلسفي، إلى التأكيد على مبدأ التضامن بوصفه سندًا كفيلًا للحد من مساوئ النظام الليبرالي، أو للتقليل من سلبياته. فالنظام المذكور بعد هيمنته وفرض نفسه، ظلت تلازمه جملة مشكلات وسلبيات كان يجب تجاوزها، وبدا أن مبدأ التضامن قد يساعد في الحد من ظواهر سلبية لطالما لازمت الليبرالية وجعلتها عرضة لانتقادات كبيرة. كان رورتي يدعو، في مجمل كتاباته، إلى التحلي بروح تضامنية تسمح، بلا شك، بتجسيد نموذج

(7((ريتشارد رورتي، المتهكم الليبرالي: عرضية، وتهكم، وتضامن، ترجمة فتحي المسكيني (الرياض: صفحة سبعة للنشر والتوزيع، 2022)، ص.358

(72) Richard Rorty, Contingency, Irony, and Solidarity (Cambridge: Cambridge University Press, 1989), p. 16. (73) Bossche, p. 95.

المشروع المجتمعي اليوتوبي الذي تتوّجه الحرية، حرية أفعالنا؛ ذلك أن نسج الأفعال البشرية وبناءها

في العالم يخضعان للعارضية، وبما أن هذه العارضية قائمة، فإنها تتبع حرية أفعالنا. لقد شكّل التضامن هاجسًا لفيلسوف البراغماتية الجديدة، وهو يدرك أن دفاعه عن الليبرالية – وهو

العامل المشترك الذي يتشاركه مع نخبة من الفلاسفة المعاصرين أمثال يورغن هابرماس Jürgen Habermas وتشارلز تايلور Charles Taylor وبرنشتاين وآخرين – لن يكتمل من دون سد الثغرة، أو بالأحرى الثغرات التي تفرزها الآليات الليبرالية الرأسمالية من فرط في الحرية الاقتصادية، كالملكية الخاصة والربح اللامحدود والاحتكار وفرض قوانين اقتصاد السوق وغيرها. لكن ما يُتوقع في وَضْع اجتماعي خاضع لمثل هذا الاقتصاد أن تطفو على السطح اختلالات في

النسيج الاجتماعي، تفرز مظاهر من التهميش والإقصاء لفئات اجتماعية واسعة تعاني أصلًا الهشاشة، فتسبب في بعث أجواء من التوتر الاجتماعي يستحيل معها بلوغ السعادة بالنسبة إلى الفئتين الفقيرة والثرية. فالتضامن بوصفه سلوكًا وفعلًا ينبنيان بدءًا بالأساس السيكولوجي الممزوج بدافع التعاطف

وحافز الفعل، الذي إن بدا في أصله فرديًا، فإنه في غايته اجتماعي، وهذا ما عبّر عنه ديوي في تفسيره

للنظرية الأخلاقية التي تعتمد على وجهين يتمثلان فيما هو سيكولوجي وما هو اجتماعي. لا يبتعد رورتي أيضًا كثيرًا عن تفسير أستاذه ديوي للنظرية الأخلاقية، متخذًا من النهج البراغماتي

لا حلطصم وأ ةملك لولدم مهف يف لاوًااأ هينيع بصن هعضي لايًاالد لوقي ذإ، همادختسا ةيفيك ىلع ديزي: "إن فهم تصور ليس أكثر من معرفة كيفية استعمال كلمة"، ثم ثانيًا "للنظر في نتائج هذا الاستخدام".

ويضيف منتقدًا موقف كانط الأخلاقي ومعلّقًا عليه بقوله: "لكن بالنسبة لمن لم يقرأ كانط، أو لمن

لم تستهوِه أفكاره، كما هو الحال معي، فإن مبدأ أخلاقيًا لا يمكنه مطلقًا تقديم سوى جملة حدوس

أخلاقية. تتيح المبادئ تلخيص مجموع ردّات الفعل الأخلاقية، لكنها لا تملك قوّة مستقلة، تمكنها من

تصحيح ردّات الفعل هذه. إنها تستمد كل قوّتها من الحدوس المتعلقة بنتائج الأفعال التي تثيرها".

وبهذا، لا يسعى رورتي من وراء هذا النقد لنزع تلك الخبرة الأخلاقية المزعومة من القساوسة ومنحها مرةً أخرى للفلاسفة، كما خُيّل إلى كانط في محاولته لجعلهم خبراء ومحترفين في دراسة المفاهيم

الأخلاقية دون سواهم، ولتصير الدراسات الأخلاقية حكرًا عليهم.

2. التضامن سلوك

يعوّل رورتي كثيرًا على خلق أشكال جديدة من التضامن ضمن الثقافة ما بعد الدينية التي كان يدعو

إليها، وقد استمد وفق ما ذكره من ديوي أولًا، ومن هابرماس ثانيًا، إذ يقول: "إن آرائي الخاصة حول

هذه المسائل مستمدة من هابرماس وديوي. في العقود الأولى من القرن العشرين، ساهم ديوي في

(74) Ibid., p. 105.

(7((ديوي، الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني، ص.20 ((7(رورتي، "الوضعية الحالية للفلسفة الأخلاقية"، ص.435 ((7(المرجع نفسه، ص.437

خلق ثقافة أصبح فيها يمكن الأميركيين أن يستعيضوا عن التدين المسيحي بالتعلّق الشديد بالمؤسسات الديمقراطية (والأمل المتواصل على نحو مماثل لتحسين تلك المؤسسات). وفي العقود الأخيرة، كان هابرماس يُثني على تلك الثقافة، وأوصى بها الأوروبيين. وفي معارضة الزعماء الدينيين مثل

بندكتوس السادس عشر وآيات الله، يؤيد هابرماس أن البديل من العقيدة الدينية ليس 'النسبية' أو 'اللاتجذير'، إنما الأشكال الجديدة من التضامن التي أصبحت ممكنةً بفضل التنوير". لا يجعل رورتي من فكرة البحث عن الحقيقة، التي كانت هدفًا ومسارًا طويلًا للفكر الغربي، أولويةً،

بل إنه يفضّل الحرية التي هي أسّ كل الفضائل الأخرى، ويرى أن الاعتناء بها أهم من التركيز على

الحقيقة. وإذا كانت الأخيرة تمثل الموضوعية، فإن الحرية تجسد التضامن. هذا ما يعبّر عنه رورتي في خلاصته عن طريقتَي البحث اللتين انتهجهما الإنسان، استنادًا إلى نصٍ

ما كأن يكون الكتاب المقدس أو البيان الشيوعي، إذ يقول: "لقد اكتسب كلا النصين قوة أكبر في مجال الإلهام مع مرور السنين، لأن كلًا منهما يُعدّ وثيقة تأسيسية للحركة التي قدّمت الكثير من أجل

حرية الإنسان والمساواة بين البشر. في تلك المرحلة، وبفضل زيادة عدد السكان في عام 8481، ربما ألهم كلاهما أعدادًا متكافئة من الرجال والنساء الشجعان الذين خاطروا بحياتهم وثرواتهم، من أجل الوقوف ضد إدامة تحمّل الأجيال القادمة معاناةً لا داعيَ لها". وسيكون أيّ نص يوظّفه

الفيلسوف بمنزلة حجة يتكئ عليها فلاسفة الأخلاق لتبرير وجهات نظرهم، وسواء أتمّ ذلك بالسند

الديني أم العقلي، فهم باحثون عن تمتين القول الفلسفي للسلوك بأفضل حجة، ما قد يرجّح كفة أحد

الطرفين: كفة أنصار الموضوعية من الواقعيين، أو كفة مؤيدي التضامن من البراغماتيين. وفي الوقت الذي يسعى فيه الشخص المنتمي إلى جماعة بشرية لتعزيز سبل التعاون والتضامن بين أفراد الجماعة، بما في ذلك الجماعة العلمية التي يتطلب فيها البحث العلمي هذا المعنى من التساند والتآزر، فإن الشخص المنشغل بالبحث عن الحقيقة سيكون همّه الكبير بلوغ الموضوعية لإبراز

صدقية توجهه البحثي ومشروعيته. فالشخص الباحث عن التضامن لا يتساءل عن صلة ما يكون من انتخاب داخل الجماعة وعلاقة ذلك بما هو خارج عنها. أما الشخص الذي يبحث عن الموضوعية، فإنه يتخذ مسافة فاصلة لنفسه عن الأشخاص الحقيقيين المحيطين به، ليس لأنه يعتقد انتماءه إلى

جماعة أخرى واقعية أو متخيلة، وإنما لكونه يرتبط بشيءٍ ما يمكن وصفه من دون مرجعية إلى أيّ

كائن إنساني. حتى في تصور البحث الجماعي من خلال مخبر أو نادٍ، ثمّة ما يشي برغبة إنسانية في التعاون وإرادة

حقيقية في التضامن، إذ يعلم الفرد أن جهده الذاتي أمام آفاق المعرفة، وإن كان مثمرًا جزئيًا، فسيظل

(78) Danny Postel, "Last Words from Richard Rorty," The Progressive Magazine , 11/6/2007, accessed on 29/9/2024, at: https://bit.ly/40fqIKW (79) Richard Rorty, "Failed Prophecies, Glorious Hopes," Constellations , vol. 2, no. 6 (1999), p. 217. (80) Richard Rorty, "Solidarité ou Objectivité," in: Objectivisme, relativisme et vérité , Jean–Pierre Cometti (trad.) (Paris: PUF, 1994), p. 35.

منقوصًا ومحدودًا وبطيئًا زمنيًا، لذا تتجه الروح الجماعية في طموحها المعرفي إلى تكريس صيغة

التضامن؛ ومن هنا تتجسد الصبغة الأخلاقية في العلم. لم تكن هذه الصبغة مجرد طرح نظري، بقدر ما كانت فكرة عملية جسدتها الفلسفة البراغماتية في أولى بداياتها، حينما تشكّلت على أعتاب نادٍ كان يضم مجموعة من المثقّفين من تخصصات شتى، من علماء وفلاسفة ومحامين... إلخ، تحلّقوا حول أسوار النادي الميتافيزيقي ليُخرجوا لعالم الفلسفة

رؤية أخرى للحقيقة مميزة من غيرها من الرؤى الموجودة حتى حدود نهاية القرن التاسع عشر، وكان ذلك مع ما تبنته من قاعدة تجعل من النتائج الجيدة معيارًا لكل حقيقة. ويعكس هذا البعد التاريخي

لنشأة البراغماتية تجسيدًا لمبدأ التضامن والتعاون الجماعي في البحث وتحقق الإرادة الجمعية. بيد أن هذه الإرادة الجمعية مختلفة بين الواقعيين والبراغماتيين، ففي حين يُقيمها الواقعي على

الموضوعية، فإن البراغماتي يسعى لها في الفائدة، وهذا ما يعبر عنه رورتي بقوله: "إذا ما بحثنا عن تأسيس التضامن على الموضوعية – كما يفعل من أسميتهم ب 'الواقعيين' Realists –  فيجب علينا بناء حقيقة تتطابق مع الواقع [...] في المقابل، إذا اختُزلت الموضوعية في التضامن – ولنصطلح عليهم

ب 'البراغماتيين' Pragmatists –  فمن العبث (من دون جدوى) اللجوء إلى ميتافيزيقا أو إبستيمولوجيا. إن الحقيقة، بحسب تعبير وليام جيمس William James، هي إذًا، بالنسبة إلينا، ما هو جيد لنعتقده. وللسبب نفسه لسنا في حاجة إلى علاقة مسماة 'مطابقة' Correspondance بين الاعتقاد والموضوع، ولا إلى قدرة معرفية تضمن للبشر سلطة النفاذ إلى هذه العلاقة". يُبيّن رورتي، سواء في المعرفة أو الأخلاق، بجلاء الطريقة البراغماتية التي تحاول نظرته أن تمدّنا

بصورة عن أنفسنا، تميزنا من الكائنات الحية الأخرى وطروحات الفلاسفة السابقين. وتهدف هذه الرؤية إلى تقليص دوائر الخوف والقسوة والألم الإنساني، أخلاقيًا ومعرفيًا. وقد سعى رورتي

لتوضيح هذا المفهوم، وإن لم يسلك دومًا طرائق الفلسفة حينما يلجأ إلى فلاسفة مثل نيتشه وفوكو

لتبيان أن المرء يمكنه أن يكون إنسانيًا (أخلاقيًا) ومتضامنًا من دون شرط الكونية والعقلانية. وهذا تحديدًا ما يناقشه رورتي في مقاله "أخلاق من دون مبادئ" المنشور في كتابه الفلسفة والأمل الاجتماعي، تبعًا لرؤية داروين للسلوك المبني على التكيف، التي دافع عنها ديوي وجعلها مقبولة في الأوساط الأميركية، والتي ترى أن الفرق الوحيد المميز لسلوكنا من مثيله الحيواني يكمن في درجة التعقيد فحسب. لم يكن أمام رورتي، بوعيه العميق بعيوب الليبرالية وتوحشّها وقسوتها، أن يعالج معضلتها هذه في التفاوت واللاعدالة من زاوية سياسية بحتة، وإنما رأى أن معالجتها لا تتم إلا وفق مقاربة أخلاقية

(81) Rorty, "Solidarité ou Objectivité," p. 37. (82) Rorty, Essays on Heidegger and others , p. 198. (83) Richard Rorty, "Ethics without Principles," in: Philosophy and Social Hope (New York: Pinguin Books, 1999), p. 72.

كامنة في التضامن، الذي يحيل بدوره إلى تربية يسارية أنشئ عليها منذ صغره ضمن توجهات أسرتهُ. ولنعترف قبل ذلك بأن التضامن فضيلة إنسانية قد تبدأ بُعدًا وجدانيًا سيكولوجيًا متمثلًا في التعاطف،

لكنه يغدو اجتماعيًا عندما يوسع من دائرة ال "نحن" ليس بتقليص القسوة فحسب، بل بإتاحة الحظوظ

والفرص نفسها لمختلف أفراد المجتمع، وربما هنا تبرز هشاشة المقترح الأخلاقي للتضامن بديلًا أو إجراءً لا يلزم الفرد بضرورة التضامن، ولا يفرضه القانون إلا في حدود دنيا وفي ظل نظام ليبرالي

يؤمن بحرية أفراده شرطًا أوليًا. وفي هذه المسألة تحديدًا، يبرز الجدل بين الأخلاق والقانون؛ أي

بين الوعي والإلزام.

خاتمة

في نهاية هذه الدراسة، يمكن القول إن ديوي سعى، على غرار رورتي، لتصور اجتماعي تتحقق فيه الأخلاق بالعواقب، كما تحتكم فيه المعارف والحقائق إلى النتائج. ولم يكن مثل هذا التصور متاحًا

من دون استلهام لدرس الأخلاق النفعية مع نقدها ونقد الواجبية الكانطية وأخلاق أخرى. وفي مثل هذا التصور الأخلاقي البراغماتي، تنبني الأخلاق على الخبرة والتربية لتُفضي إلى مجتمع ديمقراطي يتعاون فيه الأفراد على تحقيق سعادة الكل. وتظل السعادة هاجسًا ليبراليًا منطلقه الحرية ومنتهاه

التضامن؛ ذلك أن التضامن، الذي يعدّ جوهريًا في أخلاق الجماعة، لا يُكتشف بتعبير رورتي بقدر

ما ينجز، بفعل توسيع دائرة ال "نحن" البشرية. يرمي رورتي، ومعه ديوي بلا شك، في مقاربتهما الأخلاقية، إلى تشكيل هوية أخلاقية لجماعة لا تتسم في طبيعتها البشرية بتلك السمة الجوهرية، التي أرادت الفلسفات التقليدية ترسيخها، ومنها الكانطية. لذا، يروم رورتي بعد رفضه النزعة الكونية استبدال سؤال "ما" (ما الإنسان مثلًا؟)، الذي يحيل مباشرة إلى الماهية، بسؤال "من" (من نحن مثلًا؟). وإذا كان السؤال الأول ذا طبيعة ميتافيزيقية، فإن الثاني ذو طبيعة سياسية، لا يهدف سوى إلى تشكيل الإنسان والجماعة البشرية على أساس أخلاقي، وتوجّهه

المنفعة والتضامن. وعلى الرغم من محاولة البراغماتيين التملص من المنهج في الفلسفة كما في الأخلاق، فإن هذا التوجه لا تصدّقه الفرضيات الفلسفية، سواء من خلال جهود ديوي في إعادة البناء في الفلسفة والخبرة، أو من خلال مقاربة رورتي للأخلاق من دون مبادئ كونية، وللبراغماتية من دون منهج؛ إذ في صميم عدم الإقرار بالركون إلى منهج، تتضح أهمية المنهج البراغماتي في صيغته العملية. تبنّى البراغماتيون في جهودهم لبناء يوتوبيا تكون قاطرتها الأخلاق خطابًا نقديًا إصلاحيًا يدعو إلى

تقويض خلفيات الفكر الاجتماعي التقليدي القائم على الطبيعة الإنسانية المشتركة والقيم البالية، وتكريس سردية بناء هوية أخلاقية تتّسم بمزيد من التسامح وتقليص دائرة الألم والقسوة على قدر الإمكان.

(84) Ibid., pp. 73–74.

وفي إطار اليوتوبيا البراغماتية التي يدعو إليها رورتي، لا يكون هناك معنى لطبيعة إنسانية متحررة بقدر ما تتاح لكل فرد فرصة المساهمة بطريقته في بناء مجتمع عالمي Cosmopolite، يهجر فيه البراغماتي الخطاب الثوري للتحرر ويتبنى خطابًا إصلاحيًا يدعو إلى مزيد من التسامح وإلى أقل قدر ممكن من

الألم. وتتشكل في هذه اليوتوبيا ال "نحن" من منطلق زماني مكاني قابل للتوسع مع من يحملون قيمها ويوافقون عليها، ولا يجدون حرجًا في عدم تبرير مواقفهم أمام الآخرين إذا لم يكونوا معتقدين أفكارهم. البراغماتية في نظر رورتي هي الواجهة الفكرية للّيبرالية السياسية، أو هي إحدى الطرائق لجعل السياسة الاجتماعية الديمقراطية مقبولة. وهي، كما مثّلها ديوي وتبعه في ذلك رورتي، الجهود الفلسفية المبذولة لتقويض خلفيات الفكر الاجتماعي من قبيل الطبيعة الإنسانية والأسس الفلسفية. وفي اعتقاد رورتي، قدّم لنا جهد ديوي صيغةً من تاريخ الغرب، وخاصة الديمقراطية الأميركية، هي بمنزلة تاريخ للتقدّم جمع أفضل معالم الغرب، وصنع قيمًا تتقاطع مع رفض الروايات الكبرى وتتيح

كتابة تاريخ كوني أظهرت فيه السياسة الليبرالية المعاصرة تلاؤمًا مع التمرد على القيم البالية المتسربة

من الإقطاع والعبودية والتوليتارية (الشمولية). وبالنسبة إلى رورتي، لا ترتبط المعايير الأخلاقية بالعالم الثابت المتعالي وفقًا لمُثل أفلاطون أو أوامر

كانط، بل إنها أنماط من الأوصاف لتجارب وخبرات يعيشها الإنسان؛ أي في كونها عادات يألفها الناس وتخضع للتغير الذي تتحكم فيه الرغبات والاعتقادات، التي تتحكم بدورها في سلوك الإنسان. ومثل هذا الموقف يعني أّلا وجود لمعايير ثابتة راسخة ترشدنا إلى الحقيقة كما ترشدنا في السلوك. وبناءً عليه، فنحن أمام مبدأ وليم جيمس الذي ينص على أن ما هو حقيقي هو الاعتقاد المبرر على

مستوى الفكر والسلوك، أو على الأقل في كيفية التوحيد بين الفكر والعمل. وهذا ما طرحه رورتي، في نهاية مقاله "أخلاق من دون مبادئ"، استنادًا إلى رأي ما بعد دارويني لديوي، يدعو إلى التغيير في مقابل الموقف اليوناني المنادي بالثبات. خلاصة القول، إن السلوك الإنساني يُقَيَّم وفق المنهج البراغماتي بناءً على نتائجه وأهدافه ومدى فائدته

للإنسان، وبهذا تغدو قاعدة الخيرية الأخلاقية صناعة بشرية. وإن الأخلاق البراغماتية، كما طرحها ديوي ورورتي، هي أقرب إلى الإتيقا التطبيقية التي تمثّل جزءًا من الفلسفة التطبيقية وتبلورت من

اختبار الإنسان لواقعه اليومي المعيش، الذي تجلت فيه إتيقا الصحة والرعاية والبيئة والاقتصاد والتعليم والثقافة، وانتهت عمومًا إلى بيوتيقا (ولا غرابة أن نرى في الأخيرة المنبت الأميركي مثل

البراغماتية) أو أخلاق الراهن والآن.

References

المراجع

العربية

جديدي، محمد. فلسفة الخبرة: جون ديوي نموذجًا. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.2004

________. الحداثة وما بعد الحداثة في فلسفة ريتشارد رورتي. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الجزائر: منشورات الاختلاف؛ دبي: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم،.2008 ________. "براغماتية رورتي السياسية بين اليوتوبيا الليبرالية والمنحى الساخري". تبين. مج 11، العدد 42 (خريف.)2022 جيمس، وليام. البراجماتية. ترجمة محمد علي العريان. القاهرة: آفاق للنشر والتوزيع،.2015 دروا، روجيه بول. الأخلاق. ترجمة نهلة بسيوني. القاهرة: دار العين للنشر،.2017 ديوي، جون. البحث عن اليقين. ترجمة أحمد فؤاد الأهواني. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية؛ نيويورك: مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر،.1960 ________. المبادئ الأخلاقية في التربية. ترجمة عبد الفتاح السيد هلال. القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة،.1966 ________. إعادة البناء في الفلسفة. ترجمة وتقديم أحمد الأنصاري. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2010 ________. الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني. ترجمة محمد لبيب النجيحي. القاهرة: أقلام عربية للنشر والتوزيع،.2021 رامبيج، بيورن. "فلسفة ريتشارد رورتي وأعماله الكاملة". ترجمة محمد جديدي. حكمة (2018). في:

https://bit.ly/3NBXfTG

رورتي، ريتشارد. الفلسفة ومرآة الطبيعة. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2009 ________. "الوضعية الحالية للفلسفة الأخلاقية: بين كانط وديوي". ترجمة محمد جديدي. نماء. العدد 7–6 (شتاء–ربيع.)2018 ________. "في أولويّة الديمقراطية على الفلسفة:)1(التسامح هو فصل السياسة عن الحقيقة".

ترجمة فتحي المسكيني. مقالات. مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث. 2019/3/22. في:

https://bit.ly/40jxAXL

________. المتهكم الليبرالي: عرضية، وتهكم، وتضامن. ترجمة فتحي المسكيني. الرياض: صفحة سبعة للنشر والتوزيع،.2022 غاوبه، هانز ومحمد الشيخ. الفلسفة الأخلاقية. ترجمة محمد الشيخ. مسقط: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية،.2016

ميساك، شيريل. البراغماتيون الأميركيون. ترجمة جمال شرف. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020

الأجنبية

Bernstein, Richard. "Creative Democracy: The Task before us." American Journal of Theology & Philosophy. vol. 21, no. 3 (September 2000). Campbell, James. "Rorty’s Use of Dewey." The Southern Journal of Philosophy. vol. 22, no. 2 (Summer 1984). Côté, Jean–François. "Le néo–pragmatisme et l’interprétation postmoderne de la culture américaine contemporaine." Cahiers de recherche sociologique. no. 15 (1990). Dewey, John. Moral Principles in Education. Boston, MA: Houghton Mifflin, 1909. ________. The Public and Its Problems. New York: Holt Publishers, 1927. ________. Theory of the Moral Life. New York: Holt, Rinehart and Winston, 1960. Dostie–Proulx, Pierre–Luc. "Le point de vue moral dans la philosophie éthico–politique de Richard Rorty." Revue philosophique étudiante de l’université Laval. vol. 8 (2008). at: https://bit.ly/3Uhjm5E Frelat–Kahn, Brigitte. "La philosophie de Rorty, un paradigme de la pensée américaine." Recherches en éducation. no. 5 (2008). at: https://bit.ly/3YuGlNc Peuch, Benoît. "À bas l’autorité! À propos de: Richard Rorty, Pragmatism as Anti–Authoritarianism , Belknap Press, 2021." La vie des idées. 21/10/2021. at: https://bit.ly/3A81rYi Postel, Danny. "Last Words from Richard Rorty." The Progressive Magazine. 11/6/2007. at: https://bit.ly/40fqIKW Poulain, Jacques. "Le partage de l’héritage anticartésien de C.S. Peirce: D. Davidson, H. Putnam et R. Rorty." Rue Descartes. no. 5–6 (Novembre 1992). Rorty, Richard. Contingency, Irony, and Solidarity. Cambridge: Cambridge University Press, 1989. ________. Science et solidarité: La vérité sans le pouvoir. Jean–Pierre Cometti (trad.). Paris: Editions de l’éclat, 1990. ________. Essays on Heidegger and others. Philosophical Papers 2. Cambridge: Cambridge University Press, 1991. ________. Objectivisme, relativisme et vérité. Jean–Pierre Cometti (trad.). Paris: PUF,

________. L’espoir au lieu du savoir: Introduction au pragmatism. Paris: Editions Albin Michel, 1995. ________. Achieving our Country: Leftist Thought in Twentieth–century American. 2 nd  ed. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1998.

________. "Failed Prophecies, Glorious Hopes." Constellations. vol. 2, no. 6 (1999).

Sellars, Willfid. Empirisme et philosophie de l’esprit. Richard Rorty (Pré.). Fabien

Shusterman, Richard. "Pragmatism and Liberalism between Dewey and Rorty." Political

Van Den Bossche, Marc. Ironie et solidarité: Une introduction au pragmatisme de

________. Philosophy and Social Hope. New York: Pinguin Books, 1999.

Cayla (trad.). Paris: L’Eclat, 1992.

Theory. vol. 22, no. 3 (August 1994).

Richard Rorty. Paris: L’Harmattan, 2004.