Return to Article Details Education as the Founding of Universal Ethics: Edgar Morin’s Wagers on Ethics for Humankind

التربية بوصفها مؤسِّسة لأخلاق كونية: رهانات إدغار موران على أخلاق للجنس البشري

Education as the Founding of Universal Ethics: Edgar Morin’s Wagers on Ethics for Humankind

خديجة زتيلي *

Khadidja Zetili *

الملخّص

تجادل هذه الدراسة في أطروحات الفيلسوف الفرنسي إدغار موران، الذي لا يخفي امتعاضه من طرائق التربية المعاصرة التي فاقمت أزمات الإنسان بمناهجها، والتي لم تستطع أن تقدم خطابًا عقلانيًا ينتصر للإنسان أينما كان؛ فسقطت بذلك في امتحانها الأخلاقي. وفي هذا السياق، يقدم مقترحاته وبدائله المعرفية لإصلاح التعليم الذي يجب أن تتواصل فيه العلوم، لا أن تتباعد. ويقترح لتنفيذ مشروعه، من أجل أخلاق للجنس البشري أو أخلاق كونية، خريطة طريق تتضمن المبادئ الأساسية التي لا يمكن أن تستغني عنها أي منظومة تربوية مستقبلية، مؤكدًا ضرورة مراعاة خصوصيات المجتمعات وثقافاتها وقواعدها الأخلاقية للحفاظ على إنسانيتنا على هذا الكوكب المشترك "الأرض".

Abstract

Abstract: This research paper discusses the propositions of the French philosopher Edgar Morin, who expresses dissatisfaction with contemporary educational methods. These methods, according to Morin, have exacerbated human crises by failing to provide a rational discourse that champions humanity, thus failing their moral test. In this context, Morin offers his intellectual alternatives and proposals for educational reform, suggesting that sciences should continue to connect rather than diverge. To implement his project for an ethics of humanity or a universal ethics, Morin proposes a roadmap that includes fundamental principles essential for any future educational system. He also emphasizes the importance of considering the particularities of societies, their cultures, and moral codes to preserve humanity on our shared planet Earth.

الكلمات المفتاحية:
  • التربية
  • التربية المستقبلية
  • أخلاق كونية
  • الصدام الحضاري
  • المنظومة التربوية
Keywords:
  • Education
  • Future Education
  • Universal Ethics
  • Civilizational Clash
  • Educational System

مقدمة

اشتبك إدغار موران Edgar Morin (المولود في عام 9211) مع قضايا مجتمعه والقضايا التي طرحها الفكر المعاصر بعامة، وتبدو عنايته بالسياقات التاريخية واضحة من خلال استعراض أزمات الفكر والحضارة والسياسة والتعليم وغيرها؛ وإذ يفعل ذلك باقتدار، فمن أجل أن نفهم رغبته في ضرورة إصلاح الفكر وإعادة فهم الشرط الإنساني للبقاء على قيد الحياة والكرامة. وواضح أن الاتجاه نحو التركيز على تلك السياقات، من خلال عناوين هذه الدراسة، من شأنه أن يفسح مج لًا للقارئ حتى يستوعب نقده للحضارة المعاصرة والغربية بخاصة، ولفهم المسوغات التي جعلته يصر على إصلاح التعليم وإعادة النظر في التربية المعاصرة التي رسّخت، في نظره، القيم المشوهة والأيديولوجيات الفاسدة والعنصرية، وقد حان الوقت لتغييرها بتربية أخرى تراهن على التعقيد، وعلى مبادئ تربوية جديدة، تصلح الواقع وتتيح فرصة ترسيخ فكرة الإنسان الواحد – المتعدد The One – The Multiple في نسيج الثقافات والحضارات الإنسانية بعيدًا عن كل تراتبية هرمية.

أولا: الذاكرة الحديثة المثخنة بالجراح

ليس من باب المبالغة القول إن الذاكرة الحديثة مثخنة بالجراح، وإنها راكمت على مدى القرون الأخيرة الماضية أفع لًا بربرية وحروبًا مؤلمة دمرت الشعوب واستولت على أوطانها، مع ما يصحب تلك الأفعال الهمجية من تصفية وتجهيل ومسح للهويات واستيلاء على المقدرات الطبيعية، فضلًا عن الإبادة، مثل ما حصل للسكان الأصليين في أستراليا الذين هم اليوم شبه منعدمين، ولسكان أميركا الجنوبية في جنوب تشيلي الذين جرت تصفيتهم كلًّيًا، وللهنود الحمر في أميركا الشمالية، وغيرها من الأمثلة. تغلبت الأطماع الاستعمارية ولم تصمد عقول أصحابها أمام امتحان الضمير والأخلاق والعفة، فأزهقت كثيرًا من الأرواح للوصول إلى تلك المآرب. والمفارقة العجيبة في كل ما حدث أن تلك البربريات كانت من صنع الغرب الأوروبي الذي بشّر الإنسانية قبل أزيد من أربعة قرون بقيم الحداثة والتنوير، ووعد في مشروعه بالانتصار لحرية الإنسان التي جعلتها الأفكار الظلامية للعصور السابقة مرتهنة لغير إرادته وحكمته. ليتبين لاحقًا أن النسق الحداثي لم يكن وفيّا بشأن وعوده التي قطعها، وأن الشعوب غير الأوروبية لم تدخل يومًا في دائرة اهتماماته وحساباته، وكل يوم يمر يؤكد صحة هذه القناعة التي تتمظهر على الصعيد السياسي في ازدواجية الخطاب الغربي إزاء القضايا المصيرية للشعوب وفي عنصريته، فتتسع من جراء ذلك الفجوة بين سكان شمال الكرة الأرضية وجنوبها.

ثانيًا: البربرية داخل الحضارة وسؤال التناقضات

ما من شك في أن التقدم العلمي قد أتاح فرصة تجويد الحياة المعاصرة والراهنة، تحديدًا، بما جلبه من التقنيات والمعارف الجديدة التي تسبر أغوار الجسد الإنساني ودماغه ومحيطه وحياته، لكنه

جلب معه، في الوقت ذاته، بربريته الخاصة بفعل "تقنية تنفلت من عقالها بتخلصها من الإنسانية المنتجة لها"1. وهنا يشتد السجال المعاصر بين مقاومة هذا النوع من البربرية Barbarism الجديد وصعوبة ذلك؛ بوصفه جزءًا من الحضارة المعاصرة والمآل لتلك التطورات والاكتشافات العلمية، فالعلم اليوم كما آلت إليه تأملات موران "يطرح بشقين أساسين: فهو ينتج معارف جديدة تثور معرفتنا بالعالم وتمدنا بالمقدرات الهائلة لتنمية حيواتنا وتطويرها، لكنه في الوقت نفسه يطور قدرات هائلة للموت"2. فقد أفضى العلم والحماسة والمغامرة إلى صنع الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية، التي ارتدّت على الإنسان لاحقًا وساهمت في تدهور حياته ومحيطه الحيوي؛ إذ أخذ تجار الحروب ورجال السياسة المتهورون يختبرون فاعليتها وقوتها من خلال افتعال الأزمات وإنشاء مناطق صراع قائمة على أسس أيديولوجية، وعرقية، وإثنية، ولغوية، وجغرافية. ويؤلبون الأطراف بعضها على بعض لتظل الحروب، التي تدرّ عليهم أرباحًا طائلة، مشتعلة بلا نهاية. نما خطاب الكراهية وتعزز في هذه السياقات التاريخية، فقد اتسعت دائرة العنف بأشكاله المختلفة، وازداد الأغنياء غنى والفقراء فقرًا، وتفاقمت الأزمات الروحية والنفسية، ولم يشمل ذلك الغبن الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية؛ مرتع الأطماع والصراعات والحروب فحسب، بل شمالها أيضًا؛ نتيجة التطور المهول في مجال التقنية والإفراط في الحضارة المادية وتضخم الفردانية الذي أدى إلى عزلة الناس واغترابهم المجتمعي وفراغهم الروحي؛ ما جعل انبثاق وعي إنساني جديد يؤمن بفكرة الأرض – الوطن Earth–homeland وبأنّ المواطنة العالمية Global Citizenhip مسؤولية الجميع، ونحن ركاب "سفينة واحدة"، ونواجه جميعنا أخطارًا كبرى محدقة بنا، وعلينا أن نعي حقيقة أن "الأرض ليست جماع كوكب مادي ومحيط حيوي وبشرية. بل الأرض كلية مركبة مادية وحياوية [حيوية] وإنسانية، حيث الحياة انبثاق عن تاريخ الأرض والإنسان انبثاق عن تاريخ الحياة الأرضية. ولا يمكن تصور العلاقة بين الإنسان والطبيعة بطريقة اختزالية ولا بطريقة منفصلة. فالإنسانية كنه كوكبي وحيوي"3. وإن استيعاب هذا التداخل والتفاعل والترابط والتركيب بين كل ظاهرة وسياقاتها من أجل إصلاح الفكر، لكفيل بإدراك الكنه الحقيقي للهوية الأرضية؛ لأن ما يحدث على هذا الكوكب هو في نهاية المطاف حصيلة "التداخل بين التطورات الاقتصادية، والاجتماعية، والدينية، والقومية، والميثولوجية، والديموغرافية"4.

ثالثًا: ضرورة إصلاح الفكر بوعي جديد

ركّز موران على أهمية فهم التداخل بين الأحداث وحرص في أكثر من سياق، في نصوصه ومحاضراته وندواته، على شرح منهاجه الذي يسعى من خلاله لتكريس التكامل الحضاري والتنوع الثقافي وتطوير

  1. إدغار موران، ثقافة أوروبا وبربريتها، ترجمة محمد الهلالي (الرباط: دار توبقال للنشر، 2007)، ص.6
  2. إدغار موران، هل نسير إلى الهاوية؟ ترجمة عبد الرحيم حزل (الرباط: أفريقيا الشرق، 2012)، ص.26
  3. المرجع نفسه، ص.59–58
  4. جان بودريارد وإدغار موران، عنف العالم، ترجمة عزيز توما، تقديم إبراهيم محمود (دمشق: دار الحوار للنشر والتوزيع، 2005)، ص.73

جودة الحياة. فقد دعا إلى الاهتمام بالكمّ والكيف معًا، لا بالحساب البارد، والفكر التكنوقراطي الذي "لا يتصور ما هو حي بشكل أنثروبولوجي واجتماعي [بل] حسب منطق تبسيطي للآلات الصناعية"5، مؤكدًا ضرورة أخلقة الحياة بالتوسل ب إناسة سياسية Political Humanism توطن فكرة اشتراك البشرية، بتنوعها الثقافي، في مصير واحد هو الحياة والموت؛ ففي وسع هذه السياسة الجديدة أن تفكك الممارسات البربرية المعادية للإنسانية والحضارة. ومن أجل تحقيق هذا المبتغى اقترح موران نسقًا معرفيًا يتطلع من خلاله إلى المستقبل، وقد أطلق عليه الفكر المركب الذي ينأى بنفسه عن التجزئة والاختزال وينحو صوب فكر متعدد الأبعاد، يأخذ في الحسبان سياق الأحداث وصيرورتها ومقدماتها من أجل فهمها في كلّيتها فيما يسميه بإبستيمولوجيا التعقيد والتبسيط، وحسبه "إذا لم يكن التعقيد مفتاحًا للعالم، بل التحدي الذي ينبغي مواجهته، فإن الفكر المركب ليس هو ما يتجنب أو يزيل التحدي، بل هو الذي يساعد على رفعه، وأحيانًا يساعد على تجاوزه"6. إن المشكلة التي تواجه عالمنا اليوم ليست هي المعارف في حد ذاتها وإنما تشظي المعارف؛ لأنها لم تعد مرتبطة فيما بينها، ولم يعد فهمنا لها شاملًا وعميقًا وجامعًا، فغدت هشة وناقصةً بفعل الاختزال والتجزيء والتبسيط. فقد أفسد التخصص المعرفة ونأى بها عن سياقاتها الكلية؛ لأنه لم يكن في إمكانه النظر إلى المعضلات العلمية والمعرفية والإنسانية من زواياها المتعددة وإدراك أن الحقيقة الإنسانية معقدة ولا تتجلى دفعةً واحدةً. إنّ التركيز مثلًا، عند دراسة الإنسان، على الجانب النفسي وحده، أو الاجتماعي، أو الأنثروبولوجي أو التشريحي، يعطي صورة باهتة عنه مقسمة إلى شظايا متناثرة ومنفصلة عن صيرورات أخرى ذات صلة وأهمية بالموضوع، واتساقًا مع هذا الطرح، فإن أخطاء العقل لا تأتي، بحسب موران، من الجهل والتفكير المذهبي الضيق الأفق فحسب، بل أيضًا من إغفال التعقيد الذي لا تعيره العلوم والتقنية اليوم أهمية فيختفي من حياتنا المعاصرة تدريجيًا.

رابعًا: التبسيط والتعقيد (الفصل والوصل)

عطفًا عمّا سبق طرحه، فإن مصطلحَي التبسيط Simplicity والتعقيد Complexity من أقوى المصطلحات التي يدور في فلكها فكر موران، فقد أعاد صياغتهما بطريقة لا علاقة لها بالمجال التداولي الكلاسيكي ولا المعاصر؛ لكي يستجيبا لمشروعه الفكري الذي يهدف من خلاله إلى إصلاح العقل والمعرفة ونظام التعليم. وينبغي التذكير، هنا، بأن مقولة التبسيط هيمنت على الفلسفة الحديثة والإبستيمولوجيا المعاصرة، سواء أكان ذلك في مجال العلوم الطبيعية والفيزيائية والتقنية أم في ميدان العلوم الاجتماعية والإنسانية، وجرى بموجبها اختزال الكون والإنسان في أجزاء مبسطة لُفّت بمفاهيم غير قابلة للنقاش، تقوقع داخلها الوجود بمصلحات شتى؛ مثل الثبات، أو الجوهر، أو الخلود، أو الهوية، أو الأصل، أو عدم التناقض. وقد انصاعت الفلسفة الغربية، من خلال أنساقها، لمنظومة التبسيط وسارت على هديها

  1. إدغار موران، إلى أين يسير العالم؟ ترجمة أحمد العلمي (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2009)، ص.35
  2. إدغار موران، الفكر والمستقبل: مدخل إلى الفكر المركّب، ترجمة أحمد القصوار ومنير الحجوجي (الرباط: دار توبقال للنشر، 2004)، ص.11

منذ رينيه ديكارت René Descartes (650–15961) الذي فصلت فلسفته بين الروح والجسد. ومنذ ذلك الوقت، أوجدت تلك الفلسفة مفاهيمها ومبادئها التي ترتكز على أسس ثلاثة، هي: الفصل والاختزال والتعميم، ومن جرّاء ذلك اختزلت منظومة البساطة الكون في مبدأ أو قانون معين، وأصبحت بحسب تقدير موران "ترى إما الواحد وإما المتعدد، ولكنها لا ترى أن الواحد قد يكون في الوقت ذاته متعددًا. يكمن عمل البساطة إما في فصل ما هو مرتبط (الفصل) أو توحيد ما هو متعدد (الاختزال")7. ولا شك في أن منظومة التبسيط أدت إلى تبسيط كثير من الحقائق. درست منظومة التبسيط الإنسان بدعوى التخصص؛ إما بوصفه كائنًا بيولوجيًا يهتم به علم التشريح وإما بوصفه ثقافيًا واجتماعيًا يهتم به الأدب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، وفصلت، بذلك، بين العالمين الطبيعي والإنساني، متجاهلة أن الإنسان هو، في نهاية المطاف، كل هذه المكونات معًا. وبناءً على ما قيل، فإن التبسيط ينجم عنه تشويه العلوم والمعارف والحقائق؛ لأن المعارف المعزولة والمفصولة ليس باستطاعتها أن تملك نظرة شاملة وعميقة للأشياء. لذلك صار لزامًا على الفكر اليوم أن يصحح مساره ويزيل تلك الغشاوات باستحداث فكر جديد أطلق عليه موران التفكير المعقد والمركب، وتعني كلمة تعقيد Complexus عنده "مرتبط" أو "نسيج مشترك"، ف "الفكر المعقد فكر يرتبط، من جهة بالسياق، ومن جهة أخرى يحاول فهم ما يعنيه النظام. ويسلط الفكر المعقد الضوء على ما تعنيه اليوم الكلمة الغريبة: النشوء. يعني النشوء الحدوث، فلكي نقدر على التفكير في شمولية المجتمع، من الضروريّ النظر في العلاقة الموجودة بين الأجزاء والكل"8. من الأهمية التنبيه، في هذا المقام، إلى أن مهمة التعقيد عند موران ليست أن يقضي على التبسيط كما قد يتبادر إلى الذهن، في الوهلة الأولى، بل أن يشمله بالإيضاح ويراقب صيغه المنحرفة والمشوهة والأيديولوجية التي تفضي إلى قصور في المعاني أو فسادها. ثمّ إنه لا يعتني بالتنوع فقط، بل بتلك العلاقة الموجودة بين الجزء والكل وبين الأجزاء والكل أيضًا، كما أن فكر التعقيد لا يعني، فضلًا عما قيل، أنه كامل وتام ومطلق، بل هو شامل لعدة معارف ويتوفر على نشاط مستمر لإنتاج فهمٍ واضح وعميق ومتعدد الأبعاد حول الإنسان ومحيطه. وهذا الفكر الجديد المقترح هو على استعداد دائم للإبحار في اللايقينيات9. فالتحدي الذي تواجهه منظومة التعقيد اليوم هو كيفية الفصل بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية في مجال الدراسة والتخصص من جهة، وإعادة الوصل بينها وبين تخصصات أخرى وسياقات تاريخية معينة من جهة أخرى، مع إدراكنا لأهمية هذا الفعل وضرورته في حياتنا، فأنْ نملك القدرة والوعي على الفصل والوصل معًا هو ما يراهن عليه التعقيد. إذ تكمن مهمة الفكر اليوم في إعادة صياغة العالم وكسر فكرة الهويات الكلاسيكية النموذجية الجاهزة، وفي مناهضة المناهج الكلاسيكية التي قدمت لنا الفيزياء والبيولوجيا والأنثروبولوجيا وعلم النفس وعلم

  1. موران، الفكر والمستقبل، ص.61
  2. Edgard Morin, Penser global: L’homme et son univers (Paris: Éditions Robert l’affont, 2015), p. 116.
  3. إدغار موران، "يجب أن نتعلم الإبحار في محيط اللايقين"، الفينيق ميديا، 2023/7/10، شوهد في 2024/10/27، في: https://linksshortcut.com/dALht

الاجتماع والآداب الإنسانية مجزوءة، في الوقت الذي وجب فيه أن تطرحها بصيغة التعقيد، بوصفه جملةً من الأحداث والتفاعلات والارتدادات والمصادفات وردود الأفعال والتحديات التي تحكم تلك المعارف وعالمنا وحياتنا، وتتيح فرصة ثمينة للفهم. فلا يعقل، مثلًا، دراسة الاقتصاد بمنأى عن السياسة، أو الأنثروبولوجيا باستبعاد التاريخ، أو الطب من دون الرجوع إلى تاريخ الطب والأوبئة، أو العمران، من دون العودة إلى تاريخ الثقافة والفنون، كما لا يعقل أن تشق العلوم والتقنية، بتطوراتها المعاصرة المذهلة، طريقها نحو المستقبل من دون أن تهتدي بفلسفة أخلاقية ترشدها وتحد من غلواء انفصال المعرفة عن الأخلاق والقيم النبيلة. لا شك في أنها أسئلة وجيهة وتستدعي فتوحات علمية جديدة.

خامسًا: تجديد الإنسانية والعيش المشترك

قبل سبعين عامًا دشن موران طريقته في المعرفة المتداخلة التخصصات Inter–Disciplinarity في كتابه الإنسان والموت L’Homme et la mort الصادر في عام 9511، ويعد هذا الكتاب أول منجز فكري له ينخرط في هذا الموضوع كما اعترف هو بذلك في أحدث مقابلاته الصحافية ل  مجلة العلوم الإنسانية Sciences Humaines الفرنسية: "يجب أن نتعلم الإبحار في محيط من اللايقينيات"10. لكن كتاب الإنسان والموتلم يُعتنَ به ولم يخضع لانتقادات من المتخصصين؛ فلم يتطرق أحد حتى ذلك الوقت إلى مواقف إنسانية في مواجهة الموت بالربط بين علمَي النفس والاجتماع، منبهًا في المقابلة الصحافية ذاتها إلى أنه اشتغل تلقائيًا بالربط بين الدين والتحليل النفسي والبيولوجيا، مستعينًا بميراث الفلسفة الجدلية الذي مكنه من مواجهة التناقضات الظاهرة في مختلف مجالات المعرفة، وهذا ما أطلق عليه التفكير المعقد. بدأ موران مشروعه عبر كتابه المنهج La Méthode، لكنه قوبل بانتقادات من بعض الباحثين الذين وصفوه بالسطحية ونقص الكفاءة، ولا شك في أن مواقفهم السلبية تلك أثرت فيه وبقيت عالقة في ذهنه إلى حدّ جعله يستعيد ذكراها في كتابه: دروس قرن من الحياة Leçons d’un siècle de vie الذي صدر بمناسبة عيد ميلاده المئة. يقول موران في قسمه الأول: "كان يُنظر إليّ غالبًا بنظرة سيئة من بعض المتخصصين في حقول المعرفة، وكان يندّد بي لكوني غير كفء أو مبتذل، في الوقت الذي كنت فيه أعيد تفسير المعارف المشتتة والمتفرقة وربطها ببعضها وبناء طريقة تعالج التعقيدات"11. وقبل صدور دروس قرن من الحياة بستة أعوام، كان موران يواصل في كتابه من أجل فكر شامل: الإنسان وعالمهتطوير مشروعه وشرح أبعاده المعرفية والإنسانية، ويركز فيه على أهمية الوحدة مع الكون الفيزيائي التي تؤكدها كلماته الواردة في خاتمة كتابه: "نحن جزء من عالمنا الفيزيائي والبيولوجي والكوني، في الوقت الذي نختلف فيه بثقافتنا ووعينا وازدواجية هويتنا البيولوجية والأنثروبولوجية،

  1. ينظر: Edgar Moran, "Nous devons apprendre à naviguer dans un océan d’incertitudes," Revue des Sciences Humaines , no. 342 (Décembre 2021).
  2. Edgard Morin, Leçons d’un siècle de vie (Paris: Éditions Denoël, 2021), p. 26.

وبازدواجية هويتنا الأنثروبولوجية والبيوكونية"12. إن العبارات الواردة في هذه الفقرة تحيل إلى ضرورة الوعي بالوحدة والاختلاف معًا، ومن شأن هذا الوعي أن يسهم في تحقيق ثقافة السلام والعيش المشترك.

سادسًا: الإنسان هو الكائن ال "بيو -سوسيو-أنثروبولوجي" ودور التربية في ترسيخ هذا المفهوم

يهتدي موران في سياق طموحاته لتجديد الإنسانية، انطلاقًا من مبدأ التعقيد، إلى مفهوم مركب للإنسان أو إلى تعريف ثلاثي له يوجزه في عبارة الكائن: البيو–سوسيو–أنثروبولوجي bio–socio– Anthropological، وهو يعني أن الإنسان فرد بالدرجة الأولى (الأنا)، وثانيًا هو داخل المجتمع (النحن)، وثالثًا هو كائن بيولوجي، بمعنى الإنسان بوصفه فردًا ومجتمعًا ونوعًا في صيغة أخرى. ويوضح موران غرضه من هذا التعريف الثلاثي للإنسان في عبارته: "وإذ أتطرق إلى هذا الثالوث فلكي أشير إلى العلاقة المتينة التي تجمع بين هذه المواضيع الثلاثة"13. وإن تلك العلاقة غير القابلة للفصل والاختزال والتبسيط يكرسها التعقيد ويدافع عنها، غير أن النظام التربوي المعاصر، بحسبه، يفصل بين هذه الأقطاب الثلاثة فيفسد التعليم وينأى به عن مبادئه النبيلة، ولا مناص من إصلاح برامجه واقتراح مبادئ جديدة لتربية مستقبلية تكون أكثر فهمًا وعمقًا وإحاطة بالإنسانية الرحبة. يقول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط Emmanuel Kant (804–17241) في تأملاته التربوية: "لا يستطيع الإنسان أن يصير إنسانًا إلا بالتربية. فهو ليس سوى ما تصنع به التربية. ولا بد من ملاحظة أن الإنسان لا يربى إلا من أُناس، ومن أُناس رُبّوا أيضًا"14. يستعيد موران روح هذا النص الكانطي في منجزه الفكري حول التربية حين يقول: "إن إصلاح المعرفة والتفكير رهن إصلاح التربية الذي هو بدوره مرتبط بإصلاح المعرفة والتفكير. [إن] تجديد التربية مرتبط بتجديد الفهم، كل الإصلاحات، إذن، مرتبطة"15. راهن موران، منطلقًا من مفهوم التعقيد، على إصلاح التعليم وتغيير نظرتنا إلى المعرفة ونظم التفكير، من أجل المضي بالعالم إلى حال أفضل من حاله اليوم وهو يجتاز أزمة أخلاقية غير مسبوقة تشابكت عوامل عدة في صنعها، منها العولمة. ولعل أفضل ما ينبه إليه، في هذه المسألة، حاجة الإنسان الملحّة إلى معرفة المعرفة Knowledge of Knowledge التي تطرحها إبستيمولوجيا التعقيد، وإلى إدراك أهميتها في بناء المفاهيم التي يكون في إمكانها إصلاح أعطاب المنظومات التربوية الحديثة. فبحسب

  1. Morin, Penser global, p. 22.
  2. Ibid., p. 12.
  3. 1إيمانويل كانط، ثلاثة نصوص: تأّملّات في التربية، ما هي الأنوار؟ ما التوجّه في التفكير؟ ترجمة محمود بن جماعة (تونس: دار محمد علي للنشر، 2005)، ص.14
  4. إدغار موران، تعليم الحياة، بيان لتغيير التربية، ترجمة الطاهر بن يحي (باريس/ بيروت: الملحقية الثقافية السعودية في فرنسا؛ منشورات ضفاف، 2016)، ص.167

تقديره، "تخضع أفكارنا إلى بردايم الاختزال والفصل، وهو الأمر الذي لا نعيه لكنه، في حقيقة الأمر، يوجه كل نظام تعليمنا ومنظومتنا المعرفية والفكرية، ما عدا بعض الاستثناءات الهامشية. وفي ظل هيمنة هذا البردايم تتراءى لنا كل الأشياء منفصلة ومختزلة إلى عناصرها البسيطة"16. وربما تتبع الإشارة إلى مشكلات التربية في ظل بردايم الفصل والاختزال أزمات أخرى إذا غابت عن الفعل استراتيجية تعمل على تكريس فكر عابر للاختصاصات وتأمين مستقبل قابل للعيش الأرضي المشترك.

سابعًا: في صياغة نظرية تربوية جديدة: مبادئ التربية المستقبلية الأساسية

انصرف موران في كتابه المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل Les sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur، الذي استهل به الألفية الثالثة، إلى عرض المشكلات التي تجاهلها التعليم، واقتراح "خريطة طريق" تتضمن المبادئ الأساسية التي لا يجب أن تتجاهلها، أو تحيد عنها، كل منظومة تربوية مستقبلية. فقد نبه إلى ضرورة مراعاة خصوصية المجتمعات وثقافاتها وقواعدها الأخلاقية، ووضح كيف يمكن أن تكون التربية قوة المستقبل وأداة فاعلة من أدوات التغيير الاجتماعي والحضاري، وكيف يمكنها أن تواجه التحديات الراهنة والمستقبلية وتبني إنسانًا متصالحًا مع ذاته ومع الذوات الأخرى. وتتمثل تلك المبادئ فيما يلي:

المبدأ الأول

على التربية، وفقًا لموران، أن تؤكد أنّ المعرفة عمومًا لا يمكنها أن تكون بمنأى عن الخطأ والوهم Error and Illusion، وأنها "ليست مرآة للأشياء وللعالم الخارجي، فكل الإدراكات هي، في الوقت ذاته، ترجمات وإعادات بناء"17. وإضافة إلى الخطأ الإدراكي "هناك الخطأ العقلي "18، فإنّ المعرفة وبناء التصورات عمليةٌ تأويلية سواء في جانبها التشكيلي البنائي أو أثناء عملية الترجمة، وهو الأمر الذي يتيح إمكانيات وقوع الذات في الخطأ، رغم بذلها الجهد حتى لا يحدث ذلك، وممارستها الرقابة الذاتية الصارمة. وعلاوة على مواطن الخطأ التي يذكرها موران، يضيف أن "أنظمتنا الفكرية (نظريات، مذاهب، أيديولوجيات) ليست فقط معرضة للوقوع في الخطأ ولكنها تقوم، أكثر من ذلك، بحماية أخطائها وأوهامها"19. وعلى صعيد ثانٍ، يعتني موران بمفهوم العقلانية الذي أصبح يشوبه الغموض والمبالغة، فالعقلانية ليست حكرًا على أحد أو على نسق فكري ما؛ وبناءً عليه، يجب تحيين مفهومها وتخليصه من المضامين القديمة التي تسيء إلى سمعته. إن العقلانية لا يجب أن تكون ضد الحياة والوجدان، بل عليها أن

  1. Morin , Penser global , pp. 126–127.
  2. 1إدغار موران، تربية المستقبل: المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل، ترجمة عزيز لزرق ومنير الحجوجي (الرباط/ باريس: دار توبقال للنشر؛ منشورات اليونيسكو، 2002)، ص.22–21
  3. المرجع نفسه، ص.22
  4. المرجع نفسه، ص.23

"تعي جيدًا حدود المنطق والنزعة الحتمية والنزعة الآلية [و] أن العقل الإنساني لا يمكنه معرفة كل شيء"20. ولعل في هذه العبارة ما يعرب عن النفور من الأحكام المطلقة والمفاهيم الناجزة. ثم إن العقلانية ليست حكرًا على العلماء والتخصصات التقنية، فقد يتحول هؤلاء في مجالات أخرى كالحياة الخاصة والسياسة إلى أشخاص غير عقلانيين وتتبدل الأحوال وفقًا للسياق. يسترسل موران في هذا الباب في نقد العقلانية التي ظل الغرب يتشدق بها ويتصور أنها ملك له وحكر عليه، وينظر إلى الحضارات والثقافات الأخرى التي تقع خارج الثقافة الغربية نظرة دونية، واصفًا إياها باللاعقلانية وباستشراء الأوهام والخرافات فيها. لكن العقلانية في تصور موران هي أوسع من ذلك كثيرًا وموجودة في كل المجتمعات الإنسانية بما فيها المجتمعات البدائية، وتتجلى بعض صورها في "طريقة صياغة الأدوات وتقنيات الصيد ومعرفة النباتات والحيوانات والمحيط بموازاة الأسطورة والسحر والدين"21. وانطلاقًا من هذه النقاشات، فإن من مهمات التربية تدريب الناشئة على استيعاب فكرة الخطأ والوهم، ومناقشة الأفكار العنصرية المتطرفة، وبناء معرفة تتجدد باستمرار وتضع نصب عينيها فكرة عدم يقينية المعرفة Uncertain Knowledge.

المبدأ الثاني

يتضمن هذا المبدأ ضرورة وضع المعرفة في سياقيها الخاص والعالمي Particular and Global من أجل فهم الأشياء فهمًا أعمق؛ لأن "العصر الكوكبي يتطلب موضعة كل شيء في السياق"22، وهو الأمر الذي يستدعي تنظيم المعرفة والمحافظة على علاقة الكل بالأجزاء. والتربية تنبه إلى هذه المسائل، فكل محاولة لفهم المعرفة بمعزل عن سياقاتها ستظل منقوصة وبلا معنى، فكلمة "حب"، مثلًا، "يتغير معناها بحسب ما إذا كنّا في سياق ديني أو سياق دنيوي"23، كما يتغير معناها من ثقافة إلى أخرى، ولهذا يغدو الشرط السياقي ضروريًا للوصول إلى المبتغى. وفي هذا المبدأ، يجري تأكيد ترسيخ فكرة الكائن المتعدد الأبعاد Multidimensional، ف "هو في الوقت ذاته كائن بيولوجي ونفسي، واجتماعي، ووجداني وعقلي. ويضم المجتمع أبعادًا تاريخية واقتصادية وسوسيولوجية ودينية"24. وعلى المعرفة أن تقر بهذا التعدد وترسخه في البرامج التربوية بوساطة منهجيات تعليمية مقترحة، وأن تنبه إلى أن الفصل بين المعارف تكون عواقبه وخيمة. ومن المهمات التي يجب على التربية القيام بها، عطفًا عما قيل، مواجهة ما هو مركب Complex من خلال "علاقة الترابط والتفاعل والارتداد بين موضوع المعرفة وسياقها، بين الجزء والكل، بين الكل

  1. موران، المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل، ص.25
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه، ص.35
  4. المرجع نفسه، ص.36
  5. المرجع نفسه، ص.37

والأجزاء، والأجزاء فيما بينها"25. ويقع على كاهل التربية شرح هذه التفاعلات والتنبيه إلى أهميتها في عملية المعرفة والتحصيل العلمي من خلال تطوير مهارات المتعلمين، فليس كافيًا التنبيه إلى دور السياقَين الخاص والعام في عملية الفهم، بل يجب أيضًا شرح الفكر المركب الذي ينتج منهما معًا من جراء كل التفاعلات الممكنة. وللأهداف نفسها، يستدعي الأمر من البرامج التربوية أن تطور قدرات الطالب ومهاراته الخاصة، وأن توقظ فيه ما تحاول البرامج التعليمية، عمومًا، أن تقضي عليه، متحججة بالتخصص أو قيم ما، أو بمقررات دراسية رسمية، غير عابئة بالمواهب والقدرات الخارقة لدى بعض الطلاب ولا بمناهج بديلة. على البرامج أن تنشئ فردًا لا يتقوقع في اختصاصه، بل يكون شغوفًا بالمعرفة ويستطيع أن يدرك ما يحيط به ويجادل في تخصصات أخرى، فتنمي فيه هذه العملية قيم المسؤولية والتضامن والتعاطف واحترام الغير، بدلًا من تربية تعلم الفصل والاختزال والتجزئة، ذلك أن "الرؤية المقطعة والمبعثرة والآلية والاختزالية والعازلة [تقوم] بتشتيت مركب العالم إلى قطع مفصولة عن بعضها البعض وبتجزيء المشاكل وبفصل ما هو مرتبط وبإضفاء الطابع الأحادي على المتعدد الأبعاد"26. وهذه الرؤية، في نظر موران، "قصيرة النظر غالبًا ما تتحول إلى رؤية عمياء. فهي تقتل في المهد إمكانات الفهم والتأمل وتقلل من فرص بناء الأحكام السديدة أو الرؤى البعيدة النظر"27. ويتطلب الأمر، في ضوء هذا النقاش، ميلاد عقلانية جديدة تستطيع سد الثغرات وتجاوز الصعاب.

المبدأ الثالث

يشترط هذا المبدأ في التربية المستقبلية تعليم الشرط الإنساني الشرط الإنساني Human Condition الذي يعترف بالتنوع الفردي والثقافي؛ فالإنسانية، بلا منازع، هي الإطار الموحد للبشر ولها مداخلها التي يحددها موران في مدخلين: "واحد حيوي فيزيائي، وآخر نفسي، واجتماعي وثقافي. وكلا المدخلين يحيلان إلى بعضهما"28. وهما يحققان في النهاية الأنسنة Humanisation التي هي عماد الدرس التربوي المقترح من طرف موران، حيث تتداخل فيها هذه العناصر: الفرد – المجتمع – النوع – الثقافة، وهي تنبه إلى إمكانية وجود "وحدة إنسانية بقدر ما يوجد تنوع إنساني"29. وتفضي هذه العبارة إلى أن الكائن الإنساني واحد ومتعدد في الوقت نفسه، فعلى الصعيد الفردي نجده يتميز بخصائصه الجينية والتشريحية والفيزيولوجية والدماغية والنفسية والعقلية، وهي خصائص مشتركة بين البشر. وعلى الصعيد الاجتماعي، تنطبق فكرة الوحدة والتعدد على التنظيمات الاجتماعية والثقافية، والتربية هي التي تستطيع ترسيخ فكرة الوحدة والتنوع.

  1. المرجع نفسه.
  2. المرجع نفسه، ص.41
  3. المرجع نفسه.
  4. المرجع نفسه، ص.48
  5. المرجع نفسه، ص.51

في ضوء هذا العرض لفكرتي الوحدة والتنوع، ينبغي للقرن الحادي والعشرين، بحسب موران، "أن يتخلى عن الرؤية الأحادية التي تنظر إلى الإنسان من وجهة نظر عقلانية (الإنسان العاقل)، وتقنية (الإنسان الصانع)، ونفعية (الإنسان الاقتصادي)، ومن وجهة نظر حاجاته الضرورية (الإنسان النثري). إن الإنسان كائن مركب يتشكل من أزواج من الخاصيات المتعارضة. العقل/ الجنون، العمل/ اللعب، الواقع/ الخيال، لا يحيا فقط بالعقلانية والتقنية، ولكنه يجهد نفسه وينذرها للرقصات وللجذبات وللأساطير"30. إنه مركب من كل الوضعيات المتناقضة التي تشكل إنسانيته. ومن هذا المنطلق، يكون من مهمات التربية دراسة التعقيد الإنساني والتمظهرات المختلفة له والمتداخلة به.

المبدأ الرابع

ينخرط هذا المبدأ في تعليم الهوية الأرضية Learning Earth Identity، فكوكبنا اليوم مع كل التغيرات التي طرأت عليه – نتيجة الثورة التقنية والتواصلية والعولمة – ازداد تعقيدًا، وأصبح الأمر يتطلب تفكيرًا جديدًا ورؤية كونية تعي تمامًا جدوى تعدد الشرط الإنساني واستيعاب الثقافات المختلفة. فلا مراء في أن البشر، اليوم، يتقاسمون مصيرًا أرضًّيًا مشتركًا؛ ولذلك، فإنهم مطالَبون بالتفكير بأسلوب يجعلهم ينتبهون إلى علاقة الكل بالأجزاء والبنية المركبة للعصر الكوكبي، وإلى إدراك الخاص والشامل والمتعدد والبنية المعقدة للأفكار. وغاية التربية أن تعمل على "تشكيل الهوية والوعي الأرضيين"31. صحيح أن الهوة اليوم تتوسع بين البشر بسبب انتعاش الهويات العرقية والطائفية التي تقاتل لتكريس هيمنتها وأيديولوجياتها، لكن الأمل معقود على هوية إنسانية مستقبلية لا تلغي الخصوصية والتفرد، بل تعلم احترامهما وتقديرهما في إطار التعددية التي هي "كنز الإنسانية"32، وتسعى لتحقيق فكرة الأرض الوطن. يتوقف موران في هذا المبدأ عند العولمة Globalisation ذات الصلة بالموضوع، فيرى أنها في الوقت الذي وحدت فيه العالم قسمته أيضًا، وهذه مفارقة عجيبة للعصر الكوكبي. فقد سيطرت دول قوية على دول ضعيفة، وازداد السباق نحو التسلح، وتفاقمت الصراعات وازدادت الحروب، وتزامن ذلك مع تصاعد النزعة العنصرية والصراعات الإثنية والطائفية والثقافية، وتوحش العالم وتراجعت قيمة الإنسان، ولم يعد خافيًا على أحد أننا نمرّ بأزمة حضارية شائكة ومركّبة ليس لها مثيل. وإن مثل هذا الأمر يستدعي دورًا فع لًا للتربية لتعميق الشعور بمسؤوليتنا تجاه ما يجري من حولنا، وبخطورته على وجودنا واستمرارنا بوصفنا جنسًا بشريًا. ولذلك، "على التربية أن ترسخ فكرة وحدة التنوع البشري دون ضرب فكرة التنوع الذي يطبعه. كما ينبغي لها أن تعلم فكرة التنوع دون المساس بفكرة الوحدة. توجد وحدة إنسانية بقدر ما يوجد تنوع إنساني"33.

  1. المرجع نفسه، ص.54
  2. المرجع نفسه، ص.58
  3. المرجع نفسه، ص.59
  4. المرجع نفسه، ص.51

إن الاتجاه نحو التركيز على التنمية فقط من منظورها التقنو–اقتصادي ينطوي على مخاطر لا يحسب لها الفكر العولمي أي حساب، وقد حان وقت الاستعانة بمفاهيم أكثر غنى تأخذ في الحسبان الجوانب العقلية والوجدانية والأخلاقية. وعلى صعيد آخر، يأتي القلق من المغالاة في تبجيل التقنية وكل ما هو قابل للحساب، في مقابل عدم الاكتراث بالمشاعر والأحاسيس والقيم الروحية، إضافة إلى مخاطر أخرى تتعلق بالبيئة والموت الذي يزحف عليها ويهدد بفناء الكائنات الحية بسبب الإشعاعات والنفايات الصناعية وجفاف منابع المياه، ومن المفيد التذكير بأن "احتمال الفناء – الذاتي سيظل شيئًا مرافقًا لمسيرة الإنسانية"34. ويتعاظم هذا الشعور في ظل التنامي المخيف للسلاح النووي وتدهور المحيط الحيوي وانتشار الفيروسات وازدياد ظاهرة تعاطي المخدرات وغيرها من الظواهر السلبية. ولذلك، على التربية أن تحمل على عاتقها مهمة فتح نقاش جاد وعميق يعرض مخاطر الحضارة المعاصرة ويبحث لها عن مخارج نجاة بترسيخ إرادة التغيير وإعداد المواطن الكوكبي الذي يؤمن بالمواطنة العالمية ويتصرف وفق ما يقتضيه العصر الكوكبي، وتنضوي هذه الجهود إلى إصلاح الفكر والتغلب على الموت والاستعباد والفناء؛ لذلك، "علينا أن نتعلم كيف نكون هنا فوق الكوكب. ونعني بقولنا أن نكون هنا، أن نتعلم كيف نعيش، كيف نتقاسم الأشياء بيننا، وكيف نتواصل، وكيف نتوحد فيما بيننا"35. وهذا من أجل هوية كوكبية متعددة تستطيع أن "تدمج بداخلها كل من الهوية العائلية، والهوية المحلية، والهوية الإثنية، والهوية الوطنية، والهوية الدينية أو الفلسفية، والهوية القارية، والهوية الأرضية"36.

المبدأ الخامس

يتعلق هذا المبدأ المقترح بشأن تعزيز التربية المستقبلية بمواجهة اللايقينيات. وأكبر الإنجازات التي يقوم بها العقل الإنساني، في هذا المضمار، قدرته على دحض أوهام التنبؤ بالمستقبل وأساطير الحتميات. إن المهمات المنوطة بالتربية هي تعليم الناشئة أن المستقبل مفتوحٌ على كل الاحتمالات ولا يمكن التنبؤ به، وأن اللايقين يطبع التاريخ والمستقبل بسبب السرعة الفائقة للتطورات والتحولات الحاصلة اليوم في مجالات الحياة والعلوم والتقنية، وبسبب تسارع السيرورات التي يصعب اللحاق بها ورصدها بدقة في هذا العصر الكوكبي. ووفقًا لذلك، على البرامج التربوية أن تعلم اللايقين التاريخي Historical Uncertainty، ف "التاريخ لا يتقدم بشكل انسيابي، مثل تدفق النهر، بل يسير على شكل انحرافات مصدرها سواء أنواع التجديد والابتكار الداخلية، أو الأحداث أو الطوارئ الخارجية"37. ولا يسير خطًّيًا؛ لأن أحداثه تتراوح بين فترات قارة وأخرى مضطربة تتشابك فيها كل التناقضات والمصادفات الممكنة؛ لأن له دائمًا "وجهين متناقضين: الحضارة والوحشية، البناء والهدم، البذور الجنينية للحياة وقوى التقتيل"38.

  1. المرجع نفسه، ص.64
  2. المرجع نفسه، ص.69
  3. المرجع نفسه، ص.71
  4. المرجع نفسه، ص.75
  5. المرجع نفسه، ص.77

ففضلًا عن لايقينية المعرفة Uncertain Knowledge التي يشوبها الخطأ والوهم، وقد جرت الإشارة إليها في سياق سابق، ولايقينية التاريخ؛ إذ لا يمكن التنبؤ بما سيحصل في المستقبل على نحو مطلق، هناك أيضًا لايقينية الواقع، فلا يمكن أن تكون النظريات انعكاسًا له، فهي تتفاعل معه، لكنها قد لا تتطابق معه بالضرورة، وعلى التربية أن ترسخ في الأذهان أن الواقع هو إمكانية مفتوحة على كل الاحتمالات، وأن قراءته معقدة وليست نهائية، مع الانتباه، في الوقت نفسه، إلى إمكانية صواب بعض التوقعات في المدى المنظور أو القريب، انطلاقًا من مقاربة مستقبلية أو استراتيجية، لكن تلك الاستشرافات، أو التوقعات، ربما لا تصلح للمدى البعيد. واستنادًا إلى ما سبق، فإن رفض التقدم الحتمي في التاريخ "لا يعني التخلي عن التقدم ككل، بقدر ما يعني الاعتراف بطابعه اللايقيني والهش"39.

المبدأ السادس

يتعلق هذا المبدأ ب الفهم Understanding. يقول موران في كتابهتعليم الحياة: "إن عدم الفهم مصدر للصراعات الدموية التي تعد مصدرًا لعدم الفهم. وإن عدم الفهم يحمل في صلبه بذور الموت"40. ولتجنب المآسي التي قد تصدر عن سوء الفهم، وجب في كل أطوار التعليم تنمية الفهم لإصلاح العقل، ويتم الأمر بالانفتاح على الآخر والتعاطف معه، وبالمشاركة الوجدانية وقبول الاختلاف، وتلك شروط قبلية للفهم. ولتجاوز ما يطرحه الفهم من مشكلات، وجب أن تأخذه التربية على محمل الجد، وأن تفرق بين طبيعة الفهم في العلوم الطبيعية والرياضيات وطبيعته في العلوم الاجتماعية والإنسانية، يقول موران لتوضيح الفرق: "يحيل الفهم الإنساني على معرفة الذات للذات. هكذا فإذا رأيت طفلًا يبكي سأفهمه، ليس اعتمادًا على قياس درجة ملوحة دموعه، ولكن اعتمادًا على الغوص في أعماقي واستخراج كل الشدائد التي عشتها في طفولتي، إذ أجعل هذا الطفل متماهيًا معي كما أجعل نفسي متماهية معه. إننا لا ندرك الغير إدراكًا موضوعًّيًا فقط، بل إننا ندركه كذلك كذات أخرى نتطابق معها أو نجعلها متطابقة معنا، إنه أنا آخر"41. وفضلًا عن ذلك، على التربية أن تركز على الرسالة الأخلاقية التي يحملها الفهم، وعلى وصاياه المتمثلة في الاهتمام بالذات والسياق والنص معًا وتجنب الأحكام المطلقة. ومن شدّة اهتمام موران بمسألة الفهم الإنساني Human Understanding، فإنه يجعل التقدم مرهونًا بهذا المبدأ الذي يختلف عن التفسير؛ فبينما ينجح التفسير في الفهم العقلي والموضوعي المتعلق بالأشياء المادية والمجردة، فإنه يخفق في الإحاطة بالمسائل الإنسانية والتعمق فيها نظرًا إلى محدودية قدراته. ويرصد هذا الباحث عوائق الفهم Obstacles to Understanding، وتتمثل العوائق الخارجية في "تعدد معاني مفهوم ما، الجهل بطقوس وعادات الغير، عدم فهم اتجاه الإلزامات الأخلاقية الخاصة

  1. المرجع نفسه، ص.85
  2. موران، تعليم الحياة: بيان لتغيير التربية، ص.71
  3. موران، المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل، ص.88

بثقافة ما، واستحالة فهم بنية عقلية لبنية عقلية مغايرة"42. أما بخصوص العوائق الداخلية، فهي تتمثل في نزعة التمركز حول الذات، Anthropocentrism، ونزعة التمركز حول العرق Ethnocentrism، وفي الفكر الاختزالي الذي يختزل المركب إلى أحد عناصره، الأمر الذي يشوه المعرفة وخاصة في مجال الإنسانيات. واتساقًا مع ما قيل، فإن أخلاق الفهم Ethics of Understanding، هي طريقنا إلى الأنسنة؛ لأنها تعلمنا فن العيش، وتنمي فينا الوعي بالطابع المركب للإنسان، وتحثنا على المضي نحو أخلاق كوكبية لا تتكبر فيها ثقافة على أخرى أو جنس على آخر، وتلك مهمات نبيلة على التربية أن تتولاها بعنايتها.

المبدأ السابع

يؤكد هذا المبدأ في التربية المستقبلية أخلاقًا للجنس البشري تأخذ في الحسبان الشرط الإنساني أو الإنسان في أبعاده الثلاثة المتسقة: (الفرد – المجتمع – النوع)، على نحو يدفع في اتجاه نضج الإنسانية واحترام الغير وتطوير أخلاق الفهم. ويركز هذا المبدأ على ضرورة تعليم الديمقراطية الحقيقية التي تستثمر العلاقة بين الفرد والمجتمع ولا تختزل ما هو سياسي فيما هو تقني، أو ما هو اقتصادي في مسألة النمو. كما يركز هذا المبدأ على إعادة إحياء قيم التضامن وترسيخ الإنسانية مفهومًا أخلاقيًا يساهم الجميع في تحقيقه لإنقاذ الأرض التي هي وطن الجميع. وإن تجديد التربية لَهُو مرتبط بتجديد الفهم وإصلاح الفكر والمعرفة من أجل أخلاق كونية للجنس البشري تحدّ من أنانيته وفردانيته ومغامراته العشوائية.

خاتمة

حاول موران، في ضوء قراءته للفكر المعاصر، وللتاريخ عمومًا، أن يراهن على التربية لتوجيه الإنسان نحو مستقبل أقل ظلمًا وظلامًا وبشاعة وتراجيدية، وتحقيق آماله في توطين ثقافة تعليمية جديدة تكرس أخلاقًا كونية نبيلة للجنس البشري. ولا نجد في مبادئ التربية المستقبلية المقترحة غلوّا أو مبالغة أو ترفًا فكريًا، لكن السؤال الملحّ هو: أيجري الإنصات لدرس موران التربوي في دوائر صنع القرار – بوصف التعليم لا ينفصل عن السياسة – وتفعيل مضامينه في المؤسسات التربوية في الشرق والغرب على حد سواء، أم أن العوائق – مثل الأيديولوجيات المتطرفة والسياسات الاستعمارية والإمبريالية المتوحشة والعولمة – يمكن أن تحول دون تحقيق ذلك؟

References

المراجع

العربية

بودريارد، جان وإدغار موران. عنف العالم. ترجمة عزيز توما. تقديم إبراهيم محمود. دمشق: دار الحوار للنشر والتوزيع،.2005

  1. المرجع نفسه، ص.89

كانط، إيمانويل. ثلاثة نصوص: تأملات في التربية: ما هي الأنوار؟ ما التوجه في التفكير؟ ترجمة محمود بن جماعة. تونس: دار محمد علي للنشر،.2005

موران، إدغار. تربية المستقبل: المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل. ترجمة عزيز لزرق ومنير الحجوجي. الرباط/ باريس: دار توبقال للنشر؛ منشورات اليونيسكو،.2002

______. الفكر والمستقبل: مدخل إلى الفكر المركب. ترجمة أحمد القصوار ومنير الحجوجي. الرباط: دار توبقال للنشر،.2004

______. ثقافة أوروبا وبربريتها. ترجمة محمد الهلالي. الرباط: دار توبقال للنشر،.2007

______. إلى أين يسير العالم؟ ترجمة أحمد العلمي. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2009 ______. هل نسير إلى الهاوية؟ ترجمة عبد الرحيم حزل. الرباط: أفريقيا الشرق،.2012

______. تعليم الحياة: بيان لتغيير التربية. ترجمة الطاهر بن يحي. باريس/ بيروت: الملحقية الثقافية السعودية في فرنسا؛ منشورات ضفاف،.2016

الأجنبية

Morin, Edgard. Penser global: L’homme et son univers. Paris: Éditions Robert l’affont,

_______. Leçons d’un siècle de vie. Paris: Éditions Denoël, 2021.

_______. "Nous devons apprendre à naviguer dans un océan d’incertitudes." Revue des

Sciences Humaines. no. 342 (Décembre 2021).