Return to Article Details Book Review: Biopolitics from the Perspective of Social Philosophy (Studies on Body, Disease, Racism, and Health Justice in the New International System)

مراجعة كتاب السياسة الحيوية من منظور الفلسفة الاجتماعية (دراسات في الجسد والمرض والعنصرية والعدالة الصحية في النظام الدولي الجديد)

Book Review: Biopolitics from the Perspective of Social Philosophy (Studies on Body, Disease, Racism, and Health Justice in the New International System) by Zwawi Beghoura

زبيدة مونية بن ميسي

Zoubeida Mounya Benmissi

الملخّص

عنوان الكتاب: السياسة الحيوية من منظور الفلسفة الاجتماعية (دراسات في الجسد والمرض والعنصرية والعدالة الصحية في النظام الدولي الجديد). المؤلف: الزواوي بغورة. الناشر: دار سؤال للنشر، بيروت. سنة النشر: 2023. عدد الصفحات: 344.

Abstract

Title of the Book: Biopolitics from the Perspective of Social Philosophy (Studies on Body, Disease, Racism, and Health Justice in the New International System) Author: Zawawi Bghoura Publisher: Dar Su’al Publishing, Beirut Year of Publication: 2023 Number of Pages: 344

عنوان الكتاب: المؤلف: الزواوي بغورة. الناشر: بيروت: دار سؤال للنشر. سنة النشر: عدد الصفحات:

يقدم الزواوي بغورة في هذا الكتاب قراءة فلسفية اجتماعية لقضايا معاصرة، تتناول أحداثًا وتحّولّات عالمية، مثل جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–وموضوعات)، أخرى، مثل العزلة والشعبوية والعنصرية والعدالة الصحية في إطار النظام الدولي الجديد. يتألف الكتاب من ثمانية فصول، يُعالج المؤلف من خلالها قضايا جوهرية في الفلسفة الاجتماعية، موضحًا علاقتها بالفلسفة الحيوية وأبعادها النظرية والعملية.

أولا: السياسة الحيوية

يقدم بغورة تحليلًا شاملًا للوضع الصحي الراهن والسياسات المتّبعة لإدارته، مشيرًا إلى أهمية هذا المفهوم، المُشَّكَل من التفاعل بين الفعل وردّة الفعل، في فلسفة ميشال فوكو Michel Foucault (1926–1984) السياسية، وفي التحليلات السياسية والاجتماعية المعاصرة للظواهر الراهنة، مثل الصحة العامة والسكان والإنتاج الزراعي والاقتصادي والبحث الطبي والتقنيات الحيوية، إضافة إلى مختلف الوسائل التي تسعى لتحسين شروط الحياة. هدف هذا الفصل هو تقديم مقاربة نظرية أولية ترتكز على الفلسفة الاجتماعية، من خلال الإجابة عن ثلاثة أسئلة رئيسة (ص:)10 • ما الذي تعنيه السياسة الحيوية عند فوكو؟ • كيف جرى توظيفها في التحليلات الفلسفية والسياسية والاجتماعية المختلفة؟ وما النتائج التي ترتبت عليها (مع الإشارة إلى مرحلة ما بعد السياسة الحيوية)؟ • ما علاقة هذه المقاربات بالدولة القومية، خصوصًا من جهة الأمن وحفظ الحياة وتحقيق العدالة والحرية؟ أجاب بغورة عن هذه الأسئلة من خلال طرح عدد من المقاربات، أبرزها:

1. المقاربة الوصفية الفرنسية

ركّزت هذه المقاربة على مشكلة الحي التي تتحدّد من خلال عاملين رئيسين (ص:)12 • العامل العلمي الذي يتمثل في التطورات التي شهدتها علوم الحياة والبيولوجيا وتقنياتها المختلفة. • العامل الفلسفي الذي يتعلق بإسهامات (1904–1995) في تاريخ العلوم وعلوم الحياة، وتأثيره العميق في تلامذته، مثل فوكو (ص. 13) تختلف السياسة الحيوية عن السلطتين السيادية والانضباطية بتركيزها على الممارسات الحكومية التي تهدف إلى الحفاظ على صحة السكان ورفاههم من خلال (ص:)15 • تنظيم السكان عبر مراقبة معّدلّات المواليد والوفيات وضبطها. • مكافحة الأوبئة التي تُهدّد حياة الأفراد من خلال تقديم الخدمات الصحية اللازمة. • تعويض الضحايا، مثل دعم ضحايا حوادث المرور والعمل، أو الذين يعانون التشوّهات والإعاقات من خلال المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية.

• الاهتمام بالبيئة الطبيعية لضمان استقرار الجسم الاجتماعي والحفاظ عليه. وبسبب تركيز السياسة الحيوية على صحة السكان في فضاء المدينة، تشكّلت السياسة الحيوية للسكان، كما أدى تركيزها على الأفراد بصفتهم أجسادًا حية إلى ظهور مفهوم "التشريح السياسي للجسد البشري" (ص. 17). وارتبط هذا التوجّه بما يسمى الحكمانية الليبرالية التي تُعدّ جزءًا من ما بعد السياسة الحيوية. خلال تحليل هذه المقاربة، قدّم بغورة دراستين بارزتين: الأولى للأنثروبولوجي وعالم الاجتماع الفرنسي ديدييه فاسين Didier Fassin الذي تناول كيفية تدخل السلطة العمومية في الأجساد والأحياء، وما يترتب على ذلك من إنتاج أشكال جديدة من السياسة الحيوية (ص. 18)؛ والدراسة الثانية للفيلسوف الفرنسي غيوم لو بلان Le Blanc Guillaume الذي ركّز على أعمال كانغيلام المتعلقة بالمفاهيم الفلسفية حول السوي والمرضي والمعياري (ص. 24). ودرس لو بلان أيضًا العلاقة بين الحيوي والاجتماعي، من خلال مفهوم الحياة الهشّة والموت الاجتماعي (ص. 25)، حيث استنتج مصطلح "الذوات المسدودة"، وهي الذوات التي تعوّق المجتمع وتُثقل حركته، فتعيش حياة قائمة على الألم والمعاناة (ص. 24)

2. المقاربة التحليلية الأميركية - الإنكليزية

تناول بغورة هذه المقاربة، من خلال دراسة أعمال بول رابينوف Paul Rabinow بالتعاون مع نيكولاس روز Nikolas Rose. وقد توصل الأول، نتيجة أبحاثه الميدانية، إلى وجود ملامح متعددة للسياسة الحيوية، يتمثّل أهمها في تزايد اندماج العلوم بالسوق (ص. 33) الذي أدّى إلى ظهور نموذجين لإنتاج العلم: الأول مندمج بالسوق، ويخضع لمتطلباته الاقتصادية؛ أما النموذج الثاني، فيحافظ على قدر من الاستقلالية، على الرغم من تحالفه مع الصناعة. ويعكس هذا الوضع صراعًا بين العلم والاقتصاد، بعيدًا عن القيم الأخلاقية (ص. 33) وسّع روز مفهوم السياسة الحيوية في مجال علم الاجتماع واعتبرها سياسة جُزيئية (نتيجة التطورات الحاصلة في مجال الطب الحيوي)، تتّسم بالمجازفة والمخاطرة بسبب التطورات المتعلقة بالمشكلات الأمنية الخاصة بالحياة والصحة والراحة (ص  35 بطابع)، وتتميز أخلاقي وسياسي. ونتيجة لما سبق، صاغ مفهومًا جديدًا هو "المواطنة البيولوجية" (ص. 36)

3. المقاربة التاريخية الألمانية

أشار بغورة إلى محاولة توماس ليمكي Thomas Lemke الذي أكّد، من خلال وصل فوكو بكارل ماركس، والسياسة الحيوية بالحكمانية اللبيرالية (ص. 39)، أن السياسة الحيوية تتطلّب معرفة منظمة بالحياة والكائنات الحيّة (ص. 40)، وركّز على تأثير الذوات في ذاتها، ولا سيما في تفاعلها مع السلطات العلمية، مثل الأطباء وعلماء الأخلاق والدين. ويُبرِز هذا التفاعل ارتباطَ نظام الحقيقة ب "نظام السلطة"؛ ما يؤدي إلى إبراز الدور النقدي للسياسة الحيوية. ويرى ليمك أن الظواهر التي تعالجها السياسة الحيوية ليست معزولة، بل مرتبطة بالممارسات الاجتماعية والإجراءات السياسية. يعرض بغورة المقاربة النقدية الإيطالية التي تتميز بتأسيس مراكز بحث لدراسة هذا المفهوم، مشيرًا

إلى الفلاسفة الذين قدّموا إسهامات فلسفية رائدة، مثل جيورجيو أغامبين Giorgio Agamben الذي يرى أن مفهوم "تسييس الحياة" (ص. 41) يجمع بين السلطتين الحيوية والسياسية، معتبرًا المعتقل نموذجًا للسياسة الحيوية الحديثة المرتبطة بسياسة الحياة والموت معًا (ص. 42). ولتحديد السياسة الحيوية للدول الكبرى في القرن العشرين، تسعى العلوم الإنسانية والاجتماعية لفهم الحياة العارية (ص. 45). أما روبرتو إسبوزيتو Roberto Esposito، فقد وظّف مفهوم تدبير الحياة أو حكومة الحياة، وأشار إلى قدرة السياسة الحيوية على بناء حياة أو تدميرها (ص. 48). بينما ربط موريزيو لازاراتو Maurizio Lazzarato بين السياسة الحيوية والاقتصاد الليبرالي، موضحًا أن الحكم الليبرالي لا يقتصر على الاعتراف بالقوانين الاقتصادية ورصدها فحسب، بل يستهدف المجتمع ككل. فالسياسة الليبرالية سياسة اجتماعية تمارس قواعدها عبر السوق، وتُطَبَّق على الإنسان الاقتصادي الذي يختلف عن الإنسان القانوني (ص. 54) اقترح بغورة الفلسفة الاجتماعية للتعبير عن وحدة الاستعمالات المتعددة للفلسفة الحيوية، واستنتج بعد عرض مختلف المقاربات أنها اعتمدت على خطوات أساسية تُحيل إلى "ما بعد السياسة الحيوية"، وبعدها أثار بعض التساؤلات المنهجية: • العودة إلى المفهوم الأصلي الفوكوي. • نقد مفهوم السياسة الحيوية وإعادة صوغها بحسب السياقات الجديدة. • محاولة تطبيق المفهوم في مجال البحث المستهدف. أما التساؤلات فهي الآتية: • هل تُعتبر السياسة الحيوية عند فوكو مفهومًا مستقلًا، أم جزءًا من منظومته المفاهيمية (علبة أدوات)؟ (ص. 55) • كيف يمكن فهم السياسة الحيوية بمعزل عن السلطة الانضباطية والحكمانية؟ • ما العلاقة بين الدولة والسياسة الحيوية في فكر فوكو والدراسات اللاحقة حول "ما بعد السياسة الحيوية"؟ • هل توجد أرضية مشتركة تجمع هذه التحّولّات المختلفة للمفهوم، وتكون الفلسفة الاجتماعية أساسًا لها، بوصفها مبحثًا فلسفيًا جديدًا يعالج التجارب الاجتماعية والسياسية الواقعية، كعلاقة السياسة بالمجتمع (الأمن والحرية والدولة)، وعلاقة الدولة بالسلطة، والسلطة بالمجتمع؟ (ص. 56) أكدت الدراسات السابقة ارتباط السياسة الحيوية بالعدالة والحرية (ص. 61)، ولم تكتف بالتحليل والنقد والتطبيق، بل قدّمت حلولًا بديلة تتماشى وأهداف الفلسفة الاجتماعية لتغيير الواقع، من خلال توظيف السياسة الحيوية في فهم الحاضر واستشراف المستقبل (ص. 62). وكشفت الدراسات أيضًا عن أن هذا المفهوم ثنائي القيمة؛ إذ يساهم في التنمية والازدهار، ويُستخدَم أيضًا لضبط السكان ومراقبتهم، وربما لإبادتهم (ص. 63). ليختم بغورة الفصل الأول بتساؤل حول إمكانية فهم طبيعة الدولة في المجتمعات العربية، من خلال توظيف السياسة الحيوية المعاصرة (ص. 64)

ثانيًا: الجسد في الفلسفة الاجتماعية المعاصرة

يُبرِز بغورة أهمية الجسد في فلسفة فوكو، وفي العلوم الإنسانية والاجتماعية، مثل التاريخ والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم السياسة، لكن الجسد لم يحظَ بالاهتمام الكافي في الفلسفة السياسية التي أهملت دراسته من حيث هو ظاهرة سياسية جديدة، وتابعت بحثها في الدولة وأنظمة الحكم والقيم المرتبطة بالنظام السياسي، مثل الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية بطريقة تقليدية (ص. 71) ونظرًا إلى أن الفلسفة الاجتماعية المعاصرة تسعى لتجاوز النماذج التقليدية، عرض بغورة دراسات فوكو حول الجسد، وأجاب عن أسئلة مثل: ما الجسد؟ ما أشكاله؟ ما علاقته بالسلطة؟ وما دوره في الفلسفة الاجتماعية؟ (ص. 75) أسفرت هذه الإجابات عن فرضية تتكوّن من عنصرين: الأول، أن الجسد يشغل مكانة بارزة في أبحاث فوكو؛ والثاني، يُعتبر الجسد موضوعًا محوريًا في الفلسفة الاجتماعية المعاصرة (ص. 76) ولإثبات العنصر الأول، تتبّع بغورة حضور مفهوم الجسد في أعمال فوكو كرونولوجيًا، مؤكدًا استمراريته بصفته عنصرًا أساسيًا في تحليلاته الأركيولوجية والجينيالوجية، سواء في كتاباته التي تسبق المراقبة والمعاقبة – ولادة السجن، وفي هذا الكتاب أو ما بعده (ص. 88). وقد أبرز خضوع الجسد لمختلف السلطات السياسية والانضباطية والحيوية، محاولًا في الوقت ذاته مقاومتها. وفي تحليل بغورة لعلاقة الجسد بالسلطة، بدأ بجسد الحاكم، ثم انتقل إلى تقنيات السلطة الانضباطية والحيوية، وانتهى بفنون الحكم (الحكمانية) القديمة والجديدة (ص. 101). وفي خصوص العنصر الثاني من الفرضية (ص  102 أكد)، أغامبين توسيع مفهوم الجسد عند فوكو، معتبرًا جسد العبد وسطًا بين الحياة الحيوانية والحياة Bio (ص. 107)، وهما أساس تحليله للسياسة الحيوية والحياة العارية، فساهمت دراساته في توسيع الفلسفة الاجتماعية لتشمل الفلسفة السياسية والأخلاقية. ووظّف أغامبين في كتابه الإنسان المستباح Homo Sacer (ص. 108)، مفهوم جسد العاهل في نظرية الحالة الاستثنائية، حيث يخضع للجاهزية؛ ما يجعله عرضة للحياة العارية، من دون حماية من السلطة. هذه الجاهزية مفهوم مركزي في نظرية السلطة، وتتجلّى في مراقبة سلوك الأفراد وآرائهم، مثل السجون والمدارس والمصانع والقوانين والكتابة والأدب ووسائل التكنولوجيا. أما بالنسبة إلى أكسل هونيث Axel Honneth، فقد أكد بغورة أهمية تحليله للجسد من منظور الفلسفة الاجتماعية، خاصة في ما يتعلق بالاعتراف (ص. 112)، واللامرئي (ص. 114)، والتشيّؤ (ص. 115). ليستخلص في ختام الفصل الثاني عشر نقاط (ص 122–118)، توضح القيمة الفلسفية لتحليل الجسد في فلسفة فوكو، وفي الفلسفة الاجتماعية المعاصرة.

ثالثًا: المرض بوصفه تجربةً وخطابًا

يطرح بغورة مجموعة من الأسئلة في مقاربة منهجية لتحليل موضوع المرض، سعيًا منه للوصول إلى إجابات واضحة ومحددة: ما المرض؟ ما أشكاله؟ ما علاقته بالمجتمع والسلطة والحياة؟ ما تأثير التحليلات التي قدّمها فوكو حول المرض في الدراسات اللاحقة؟

وما علاقتها بالفلسفة الاجتماعية المعاصرة؟ (ص. 130) ركّز فوكو على دراسة موضوع المرض من خلال علاقته بالمؤسسات الطبية والاجتماعية والسياسية أو السلطة (ص  132 مستخدمًا)، مفاهيم متعددة، مثل المرض والصحة، والمرض العقلي والعضوي، والطب النفسي والبدني، والسوي والمرضي، والمرض والمجتمع... إلخ (ص. 133)، ومشيرًا إلى انتقال التركيز في القرن الثامن عشر من التمييز بين المرض والصحة، إلى ثنائية المرضي والسوي في القرن التاسع عشر (ص. 146)؛ ما جعلها مركزية في مجال الطب والإبستيمولوجيا. وقد أبرز بغورة في تحليله الفوكوي للمرضي والسوي نقاطًا عدة مهمة: • تتجاوز اللاسوية المجال الطبي إلى القانوني والاجتماعي والسياسي. • يخضع اللاسوي لمعارف وسلطات لتشخيصه وإعادة تأهيله. • اهتم فوكو بالجسد المتشنّج واعتبره نموذجًا في الطب العقلي. • يؤكد فوكو ترابط المعرفة والسلطة تاريخيًا واجتماعيًا. • قدّم فوكو "السياسة الحيوية" التي تُعنى بالمرض على أنها ظاهرة تصيب الأفراد أو المجتمعات. • أكد فوكو، في كتابه الشجاعة في قول الحقيقة، وجود صلة بين المرض والصحة والحياة والفلسفة (ص. 157) تحظى مفاهيم فوكو وتحليلاته بأهمية في الفلسفة الاجتماعية، وهذا ما أثبته بغورة، بالإشارة إلى فاسين الذي أحدث تجديدًا في الأنثروبولوجيا السياسية الحيوية (ص. 158)، مشيرًا إلى ارتباطها بحياة الناس وعلاقتهم بالحكم، وإشارته إلى لو بلان الذي طوّر مفهوم الهشاشة (ص. 166) بصفتها بعدًا وجوديًا وبناء اجتماعيًا يرتبط بالمرض، يمكن التعرف إليه من مطالب هذه الفئات للمؤسسات الاجتماعية قصد الحصول على الحماية والمساعدة. على الفيلسوف الإجابة عن أسئلة، مثل: كيف نُعرّف الحياة الهشّة؟ وكيف ترتبط هذه التعريفات بالتجارب التي تصفها؟ وما السبيل إلى تحرير الحياة من الهشاشة؟ (ص. 171)، وهذا ما يُبرِز أهمية البعد الأخلاقي في المسألة الاجتماعية؛ ما يُميّز الفلسفة الاجتماعية من العلوم الإنسانية والاجتماعية  (ص. 172). وفي الختام، خلص بغورة إلى أن المرض ظاهرة معقدة، تتداخل فيها الأبعاد الاجتماعية والتاريخية والطبيعية والعضوية؛ ما يستدعي تكامل العلوم في تشخيصها وتحليلها.

رابعًا: العزلة في زمن كورونا

تناول بغورة في هذا الفصل موضوع العزلة خلال جائحة فيروس كورونا، كما تساءل فيه عن طبيعتها: أهي عزلة حقيقية أم مجرد حظر صحي؟ وكيف يمكن للفلسفة تفسيرها؟ (ص). 183 وهنا، في رأيه، تبلور موقفان في الفكر الفلسفي المعاصر: الأول يتبنّى تعميم المبادئ التفسيرية القبلية، حيث يرى أغامبين أن الجائحة حالة استثناء لا تُمثّل خطرًا، ما يستدعي فرض الحظر الصحي، مؤكدًا أن حماية الصحة استُغلّت لتقييد

الحريات، مثلما يُستخدم الإرهاب (ص. 185) في المقابل، يرى إدغار موران Edgar Morin أن الجائحة ظاهرة معقدة، تستوجب إعادة التفكير في أسلوب حياتنا، وفي العلم الذي فشل في السيطرة عليها. ويشير يورغن هابرماس Jürgen Habermas إلى أن الجائحة كشفت عن ضعف السياسات النيوليبرالية نتيجة الأضرار التي لحقت بالاقتصاد والسياسة الاجتماعية، ولا سيما الصحة (ص. 186)، كما سلّط الضوء على اتخاذ القرارات السياسية والصحية في ظل غياب المعرفة الكاملة لدى الخبراء. وإضافة إلى ما سبق، وتماشيًا مع فلسفته الاجتماعية، طالب هابرماس بتطبيق مبدأ المساواة في الرعاية الصحية وتعزيز التضامن والوحدة الأوروبية (ص. 188). في حين استعان الموقف الثاني التأويلي التاريخي والأخلاقي بالتراث الإنساني، ومنه الفلسفي، لدراسة أبعاد الإنسانية وقيمة العزلة في تقليل آثار الجائحة، مع الاستفادة من تاريخ الأوبئة والقيم الأخلاقية ومواكبة تطورات الجائحة (ص. 189) وقد حدد بغورة أنواعًا للعزلة، منها الاختيارية والإجبارية، والمفروضة والمرغوبة... إلخ (ص. 190)، وعرض رأيين بشأنها: الأول يمثله –1874(Nicolas Berdiaev نيقولا بيرديائيف 1948) الذي يرى في كتابه العزلة والمجتمعأن العزلة لا تكتمل إلا بوجود الآخر، وأن العزلة الفردية تعني الجحيم والعدم (ص. 191). أما الرأي الثاني، فيمثله فوكو الذي عرض تاريخ العزلة عند أفلاطون والرواقيين، حيث كانت وسيلة لتشكيل الذات، وأصبحت مع الرواقيين مبدأ للحياة: ارجع إلى نفسك، واعتن بذاتك (ص. 192) ما العلاقة بين العزلة الفلسفية الوجودية الاختيارية، وتلك التي عشناها خلال فترة جائحة فيروس كورونا؟ العزلة التي مررنا بها كانت إجبارية، فرضتها الظروف الصحية والموضوعية، وتقبّلها الناس بوصفها إجراءات سياسية وإدارية تهدف إلى حمايتهم، كانت جسدية؛ إذ لم تعزلنا فكريًا أو ثقافيًا أو روحيًا، بفضل التواصل الرقمي، ما مكنّنا من الاستمرار في أعمالنا ولقاءاتنا ومؤتمراتنا، ولهذا تحوّلت من عزلة مفروضة إلى عزلة اختيارية مبنية على إرادتنا الحرة، وأصبحت مسؤولية فردية وجماعية، تتطلّب منّا الاعتناء بأنفسنا والحفاظ عليها، وهو ما يستلزم الالتزام بقواعد مستمدة من فلسفة الأخلاق، وفي الأخص الأخلاق الطبية. إن جائحة فيروس كورونا عند بغورة هي وباء عالمي، انتشر بسرعة فائقة، وجرى إحصاؤه عالميًا ويوميًا بطريقة منظمة ودقيقة. وأثارت هذه الجائحة العديد من القضايا، مثل التفكير في التقدم الطبي: أيبقى خطّيًا، أم سيأخذ في الحسبان تعقيد الحياة وأسرارها ومفاجآتها، وإعادة النظر في علاقة الإنسان بالطبيعة والبيئة؟ واقترح بغورة حلولًا ذات طابع أخلاقي (ص:)201–198 • العناية بمن هم تحت مسؤوليتنا. • الاهتمام بالجوانب العاطفية والانفعالية للإنسان. • الاعتناء بالآخر بضمير ومسؤولية، ما يوطّد العلاقات الإنسانية. • تعزيز العلاقات الإنسانية القائمة على التكفل والرعاية المتبادلة. العزلة ضرورية من حيث هي إجراء وقائي، إّلا أن هناك عوائقَ متعددةً تحول دون تطبيقها تطبيقًا صحيحًا، مثل عدم توافر السكن الصحي لبعض الفئات الاجتماعية الفقيرة، والعمال، وسكان

الأحياء الشعبية المكتظة، والسجناء؛ ما يعكس الهشاشة الاجتماعية والتفاوت.

خامسًا: مسألة الشعبوية

في السياق ذاته، يتناول بغورة في الفصل الخامس مسألة الشعبوية في الفكر السياسي المعاصر، وأطلق عليها "اللحظة الشعبوية" (ص). 205 ويتّفق العديد من المحلّلين السياسيين على أن الشعبوية تعكس أزمة الديمقراطية في المجتمعات المعاصرة (ص. 209)، وهي ظاهرة سياسية معاصرة لا يتجاوز تاريخها قرنًا ونصف القرن، ظهرت أولًا في عام 1890 مع ظهور الشعبوية الفلاحية المناهضة للرأسمالية، ثم في عام 1912 حين صدر البيان الشعبوي (ص. 210)، وانتشرت في الفترة ما بين الحربين العالميتين، مع النازية والفاشية. أما المرحلة الثالثة، فكانت مع انهيار المعسكر الاشتراكي وسقوط جدار برلين، حيث تميّزت بمعاداتها النخب والعولمة (ص. 211)، وشاع صيتها مع نجاح الثلاثي: دونالد ترامب، مارين لوبان، واتفاقية البريكست (انسحاب المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية من الاتحاد الأوروبي والمجموعة الأوروبية للطاقة)، في عام 2016 (ص. 205) اهتم الباحثون في العلوم الإنسانية والاجتماعية بدراسة هذه الظاهرة، من منظورين: • منظور نظري يُحلّل المميزات الخاصة بالشعبوية ومقارنتها بالشمولية Totalitarisme التي سادت في القرن العشرين. • وصف تجارب شعبوية برزت في عدد من دول أميركا اللاتينية وأوروبا والولايات المتحدة الأميركية من القرن التاسع عشر إلى الوقت الحاضر. فإذا كانت الشعبوية لفظًا مشتقًا من الشعب الذي يعتبر عنصرًا محوريًا أو منطوقًا مركزيًا يستخدمه الخطاب الشعبوي، فإن من مميزات هذا الخطاب (ص:)208–207 • الانحياز إلى الشعب والعودة إليه في مواجهة النخب الفاسدة وتجاوز المؤسسات السياسية. • تقليد الديمقراطية المباشرة التي ميّزت المجتمعات البسيطة. • الاعتماد على الزعيم الكارزمي الذي قد يكون سياسيًا أو مضلّلًا أو ديماغوجيًا للتواصل مع الشعب. • استخدام الشعب الذي يصوّر بصفته أصيلًا ضد الأجانب. • التحريض ضد الفئات التي تعتبر تهديدًا للشعب. • السعي للقطيعة مع النظام السياسي القائم، باستخدام تعابير، مثل التنظيف والكنس والمسح والطرح. • الخطاب الشعبوي احتجاجي، يعتمد على المظاهرات التي قد تتّسم بالعنف الرمزي أو المادي. • هو خطاب قائم على مشاعر الخوف، يجمع أفكارًا متناقضة في الكثير من الأحيان، ويُعبّر عن فشل الأيديولوجيات التقليدية. ويمكن تصنيفه إلى:

1. الخطاب التأسيسي

يؤكد ممثلو الخطاب التأسيسي أن الشعبوية أسلوبٌ سياسي قادر، في شروط معيّنة، على إنتاج نسخة راديكالية من الديمقراطية. ومن ممثليه

أرنستو لاكلو Ernesto Laclau الذي قدّم نموذجًا نظريًا لتحليل الشعبوية والأساس الأنطولوجي لهذه الظاهرة (ص. 219)، وشانتال موف Chantal Mouffe، وهما يمثلان الشعبوية اليسارية.

2. الخطاب النقدي

يرى أتباع الخطاب النقدي أن الشعبوية خطاب غامض يوظّفه مختلف القوى السياسية، وهي ليست أيديولوجيا سياسية متّسقة ومنسجمة، بل أداة لرسم صورة عن شعب ما (ص. 224)، ويُمثّله جاك رانسيير Jacques Roncière. وعرض بغورة Pierre Rosanvallon روزنفالون بيير موقف الذي أكد أن الشعبوية تعني تعددية صوتية للشعب الواحد، ويجب أن تتجلّى في ديمقراطية تُمثّل هذا الشعب. وعرض أيضًا موقف جان فيرنر مولر Jan Werner Muller الذي يرى من خلال كتابه: ما الشعبوية؟ أنها مناهضة للنخب وللتعددية بشعارهم: نحن ونحن وحدنا الذين نمثل الشعب الحقيقي (ص. 230) وعن قيمة الخطابات الشعبوية وحدودها (ص:)235–232 • تُعتبَر الشعبوية موقفًا إقصائيًا تجاه ما يخالفها؛ ما يجعلها تُشكل تهديدًا للديمقراطية، كما تكشف عن أزمة تمثيل في الديمقراطية، وتؤكد على الشعب الذي يعرف عودة في الخطابات الشعبوية على اختلافها. • فقدت النخب السياسية صلتها بالشعب بصفة مأساوية؛ إذ يستبعد الشعبويون الديمقراطيين باسم تصور للشعب، ويستبعد الديمقراطيون الشعبويين باسم الشعب نفسه، في الوقت الذي عليهم أن يحاوروا الشعبويين ما داموا ملتزمين بالديمقراطية. • ضرورة التمييز بين أنواع الشعبوية: شعبويات الجنوب والشمال، وشعبويات العالم الثالث وأوروبا، والشعبويات اليسارية واليمينية، كما عليها تحديد علاقتها بالديمقراطية التي من الضروري تجديدها حتى تستوعب مطالب الفئات المهمشة ومواجهة الخطابات الشعبوية المهددة الديمقراطية التمثيلية.

سادسًا: العنصرية تاريخها ومحدّداتها

تناول بغورة في الفصل السادس مسألة العنصرية التي أصبحت ميزة المجتمعات المعاصرة، والتي ظهرت مجدّدًا ليس في الولايات المتحدة فحسب، إنما في العالم بأسره بعد مقتل جورج فلويد George Floyd (2020–1973)، في 25 أيار/ مايو 2020، وتزامن ذلك مع تفشّي ظاهرة كورونا؛ ما  كشف عن التفاوت والمظالم الاجتماعية، ولا سيما في مجال الصحة. وفي هذا السياق، قدّم بغورة بعض الرؤى التي أكدت إعادة طرح مسألة العنصرية، على الرغم من تحقيق الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية، وتحوّل بعض القضايا المحلّية، مثل الاحتجاجات، إلى قضايا عالمية (ص. 242). وعرض أبرز محطات تاريخها، ليثبت أنها تقوم على التعصّب العرقي والنظرة الدونية إلى الأعراق المخالفة لها، ولا تؤمن بالاعتراف المتبادل بين البشر، ولا بوحدة الإنسانية، إنما بالعرقية المنغلقة والإقصائية؛ ما يُبرّر الكراهية، ويُعزّز المواقف العدائية. ولتفادي هذا الخطر، دعا إلى دراسة نقدية لهذه الظاهرة، والعمل على تعزيز المواطنة الديمقراطية (ص. 250) استشهد بغورة بفلاسفة مثل فاسين الذي ناقش مسألة العنصرية من خلال "الحدود الداخلية" للمجتمع التي قد تبدو لا مرئية كالتمييز العرقي

والديني... إلخ (ص. 248). وأشار إلى أن دراسة العنصرية في إطار الحداثة تتطلب فهم العلاقة العضوية بينها وبين النظام الرأسمالي من حيث هو نظام اجتماعي، وهو ما تناولته الفيلسوفة الاجتماعية نانسي فرازر في تحليلها للرأسمالية الكانيبالية. تُوجّه الفلسفة الاجتماعية المعاصرة عنايتها إلى دراسة التجارب الاجتماعية القائمة، وتحليل العلاقة بين الأبعاد السياسية والاجتماعية محليًا ودوليًا وكونيًا. وتطرح عدة قضايا، أبرزها العدل وعلاقته بالظلم والتفاوت والمعاناة الاجتماعية، سواء على مستوى الأفراد أم الجماعات أم المؤسسات. ولا تكتفي هذه الفلسفة بتشخيص الأمراض الاجتماعية والهشاشة التي تطبع الحياة الإنسانية، بل تعمل على تعديلها وتحسينها بغية تحقيق حياة كريمة للإنسان.

سابعًا: مفهوم النظام الدولي الجديد وعلاقته بالأزمة الصحية العالمية

تتيح هذه الفلسفة طرح عدة تساؤلات، نذكر منها: هل ستؤدّي هذه الأزمة إلى إعادة التفكير في نموذج الدولة القومية، وفي نموذج جديد للنظام الدولي؟ أتمثل جائحة كورونا دليلًا كافيًا للعودة إلى نظام الدولة القومية، أم أن الأزمات المتعلقة بالأمن والبيئة والاقتصاد والطاقة والهجرة والأوبئة تستدعي التفكير في بدائل من النظام الدولي الحالي؟ وماذا عن علاقة السياسة الحيوية بهذا النظام؟ وما موقف الفلسفة السياسية من مسألة الصحة بين واقع التفاوت ومطلب العدالة الدولية؟ (ص. 258) اهتمت الفلسفة الاجتماعية المعاصرة بهذه التساؤلات من خلال أعمال أنطونيو نيغري Antonio Negri (2023–1933) ومايكل هاردت Michael Hardt اللذين يُعتبران من رموز الفلسفة الاجتماعية. وقد قدّما محاولة فلسفية راعت المعطيات الموضوعية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، وركزت على دور المجتمعات والجماهير في تحقيق المطالب العادلة، و اهتمت فرازر بالمجال العمومي دوليًا، وركز موران على مفهوم المجتمع الدولي.

ثامنًا: أي مستقبل للنظام الدولي الجديد؟

وتبعًا لما جرت مناقشته في الفصل السابق، يطرح بغورة في الفصل الأخير من كتابه تساؤلًا محوريًا: إلى أين يتّجه النظام العالمي في أثناء الصراع على الريادة بين الولايات المتحدة التي انفردت بالقيادة منذ تسعينيات القرن العشرين وروسيا الاتحادية على المستوى العسكري، والصين التي تقود التنافس الاقتصادي منذ ثمانينيات القرن الماضي؟ (ص. 291). يقوم النظام العالمي الجديد على قوى سياسية عسكرية اقتصادية تتباين في إنجازاتها وإمكانياتها: الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، وكندا، والاتحاد الأوروبي، واليابان. وفي هذا السياق، برزت مقاربات نظرية سعت لفهم التحولات التي يشهدها النظام العالمي وعلاقاته وتوازناته، وكشفت عن الأسس النظرية التي تعتمدها الدول في صراعها على الريادة العالمية؛ فأي مقاربة يمكنها حل معادلة الأول بين متساويَين في السياسة والاقتصاد؟ تتمثل هذه المقاربات في الواقعية التي تؤكد القوة والصراع في العلاقات الدولية، مع إعطاء الأولوية لمصالحها الخاصة في نظام دولي تنافسي، داعية إلى تجاهل المعايير الأخلاقية في السياسة

الخارجية، والالتزام بها في الشؤون الداخلية فحسب، مع التركيز على تعزيز قوّتها العسكرية لضمان الريادة في العالم (ص. 294). وتبقى هذه المقاربة معتمدة من الدول على اختلاف قوّتها، على الرغم من التحديات التي فرضتها العولمة على مفهوم السيادة والتحولات التي طرأت، مثل ظهور الشركات المتعددة الجنسيات. في حين تركز المقاربة الليبرالية (ص  299 على) سيادة القانون وحقوق الإنسان، مؤكدة أن السلام العالمي هو الوضع الطبيعي بين الدول، وأن الحروب هي صناعة الدول المستبدّة. في المقابل، تتبنّى المقاربة النقدية (ص. 304) الفصل بين التحليلين الواقعي والمثالي؛ فهي تربط بين المعرفة والمصلحة، وتسعى لتحقيق التغيير والتحرر من القيود التي تعوّق التقدم، مع التركيز على فهم الأسباب التي قادت النظام العالمي إلى حالته الراهنة، ولهذا فهي نظرية معرفية إبستيمولوجية أكثر من كونها سياسيةً اقتصاديةً. خلص بغورة بعد تحليل هذه المقاربات وتقييمها إلى أنها قابلة لتشخيص الوضع العالمي الحالي، وهي ضرورية لفهم ديناميات النظام الدولي المعقّد؛ إذ تشير المعطيات الحالية إلى ظهور عالم متعدد الأقطاب، مع هيمنة نسبية للولايات المتحدة وصعود قوى أخرى، مثل الصين وروسيا. ومع ذلك، فإن هذا التحليل لا يكفي لتحديد الزعامة العالمية في ظل العولمة التي أحدثت تحّولّات عميقة في العلاقات الدولية. وعلى الرغم من محاولات النزعة الليبرالية الجديدة والشعبوية السياسية إعادة الحدود وتعزيزها، فإن العولمة فرضت واقعًا جديدًا تجلّى بوضوح في جائحة كورونا التي أظهرت تعاونًا بين الدول، على الرغم من التوترات. لذا من الضروري مساءلة الأسس الاقتصادية والسياسية والنفسية والبيئية التي تقوم عليها العولمة من منظور نقدي، لكشف حدودها وفتح آفاق جديدة أمام الإنسانية. هل انتهى القرن الأميركي؟ هل هو زمن الانحدار الأميركي؟ هل يمكن التفكير في عولمة جديدة شاملة؟ هذا ما تسعى المقاربة الكونية لتشخيصه، حيث تعمل جميع القوى غير المستفيدة من العولمة الرأسمالية على تغييره؟ أسئلة تبقى قائمة، وقد يُجاب عنها مستقبلًا (ص. 310) لكن ما موقف بغورة من جائحة كورونا وما بعدها؟ وهنا أوضحَ أن هذه الجائحة تختلف عن الأوبئة السابقة، لأنها شملت العالم بأسره، وتسببت في شلل العديد من الدول، وألحقت أضرارًا بالغة بالبشرية في مجالات متعددة، وأسفرت عن وفاة الملايين. ثم اقترح حلولًا للخروج من الأزمة، مشدّدًا على أهمية العلم في تشكيل المستقبل، وضرورة منحه اهتمامًا أكبر، خاصة في العالم العربي، وأكد دور الإدارة الحسنة، وضرورة التحلّي بالإرادة والتصميم. وعن الدروس المستفادة من الجائحة، رآها تتمثل في التالي: • غياب التضامن العالمي الذي كشف حدود العولمة. • غياب العدالة الصحية التي أدّت إلى ارتفاع معدلات الوفيات. • ساهم فشل العولمة الليبرالية في تعزيز الدولة القومية والوطنية. • إعادة النظر في النماذج التقليدية، خاصة في المجال الفني والأدبي، ما قد يساهم في إحياء السينما والرواية.

• أهمية الاعتماد على العلم، خاصة في المجال الطبي لمواجهة الأزمات الصحية. • التحليل النقدي لمختلف المشكلات التي يعانيها الوطن العربي.

خاتمة

بعد عرض الأفكار الرئيسة الواردة في كتاب السياسة الحيوية من منظور الفلسفة الاجتماعية لبغورة، نستنتج ما يلي: 1. يُبرز بغورة أهمية هذا المبحث الفلسفي الجديد في القرن الحادي والعشرين وقيمته، ويوضح دور الفلسفة الاجتماعية في معالجة واقع المجتمعات والدول والعالم وتحليلها علميًا ومنهجيًا، بدليل اهتمامها بالإشكالات والقضايا الراهنة، مثل الأمراض والشعبوية والعنصرية والريادة العالمية والنظام الدولي الجديد وما بعد الجائحة؛ أي إنها تهتم بما يحدث في العالم في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتسعى لتقديم الحلول للتحديات التي تواجه البشرية وتحقيق رفاهية الأفراد والمجتمعات والحفاظ على الجسم الاجتماعي (السياسة الحيوية). 2. يعتبر الكتاب إضافة قيّمة إلى المكتبة الفلسفية العربية، لثراء جهازه المفاهيمي المُوظَف وجِدّته في الكثير من جوانبه، كما يتضمن مفاهيم جديدة، ويستعين بمفكرين وفلاسفة غربيين معاصرين؛ ما يتيح للقارئ العربي فرصة التعرف إليهم. ولهذا يُعَدّ هذا الكتاب مرجعًا مهمًا للتعريف بالعديد من الفلاسفة المتخصصين في علم الاجتماع وفي الفلسفة السياسية والاجتماعية المعاصرة، كما يظهر في فهرسي الأعلام والمصطلحات. إضافة إلى ما سبق، يستند بغورة إلى المصادر والنصوص الأصلية؛ ما يضفي عليه قيمة معرفية وصدقية علمية. على الرغم مما لهذا الكتاب من المزايا، فإننا نسجل الملاحظات التالية: 1. العنوان طويل ومفصل، فإذا كان الكتاب موجّهًا إلى المتخصصين، يمكن اختصاره بالتركيز على عدد أقل من المتغيرات مع الحفاظ على شموليته. أما إذا كان موجهًا إلى غير المتخصصين، فمن الأفضل تبسيطه ليكون أكثر جاذبية وسهولة في الفهم. 2. اعتمد بغورة في غالبية الكتاب على العرض والوصف والتحليل، مع غياب النقد للكثير من الأفكار الواردة فيه، خاصة أفكار فوكو، التي اعتبرها بغورة مسلّمات غير قابلة للدحض. 3. ارتكز هذا الكتاب على فوكو مرجعيةً وحيدةً، اعتمد عليها الفلاسفة اللاحقون في مجال السياسة الحيوية، متجاهلًا مرجعيات فلسفية أخرى تناولت هذه الموضوع. 4. على الرغم من أهمية موضوع السياسة الحيوية في الفلسفة الاجتماعية بصفة عامة، فإن بغورة لم يسلّط الضوء على السياقات العربية لمختلف الإشكالات التي بحثها في الكتاب، والأمثلة كلها تخص الآخر. وهو ما يعطي انطباعًا بأنه لا يمكن الحديث عن السياسة الحيوية في الوطن العربي، أو عن الفلسفة الاجتماعية العربية.