مفهوم بورديو للدولة
Bourdieu’s Conception of the State
الملخّص
تهتم هذه الدراسة بتصور السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو، الذي تأسست معالم نظريته النقدية في الجزائر الفرنسية إبان أدائه الخدمة العسكرية، وتبلورت في السياق الفكري المتحرر، الذي أنتجه الجيل الذي عاش أحداث ثورة أيار/ مايو 1968 في مرحلة ثانية، لمفهوم الدولة وأشكال تلقيه ونقده من معارضيه وخصومه الذين ينتمون إلى مدارس فكرية وحقول معرفية قريبة من السوسيولوجيا، كالأنثروبولوجيا. وتبيّن الدراسة الأسسَ والخلفيات التي قام عليها هذا التصور، من خلال استحضار أهم المقاربات الفلسفية التي استلهمها أو دخل معها في نقاشات نقدية، نظريًا وعمليًا، حول مفهوم الدولة. إذ اعتبر الدولة بمنزلة حيلة قانونية وتخيّل فقهي، وأنّها غير موجودة لأنها تمثّل وهمًا أو توهّمًا قانونيًا أنتجه فقهاء، قاموا في الآن ذاته بإنتاج أنفسهم بوصفهم فقهاء وقانونيين بإنشائهم الدولة.
Abstract
Abstract: This article is concerned with the perception of the French sociologist Pierre Bourdieu’s concept of the State and the forms of its reception and critique by readers and opponents belonging to related schools of thought and disciplines such as anthropology. Bourdieu’s theory took shape in French Algeria during his military service and emerged in the liberated intellectual climate of the May 1968 generation. The paper highlights the foundations and backgrounds of this conception by reviewing the most important philosophical approaches from which he drew inspiration or with which he engaged in critical debates (both theoretical and practical) about the concept of the state which he saw as a legal ploy and a fantasy of jurisprudence. Bourdieu argued that the state does not exist; that it is a legal illusion produced by jurists who, by creating the state, simultaneously produced themselves as jurists and lawyers.
- بيير بورديو
- نظرية الممارسة
- الدولة
- السوسيولوجيا النقدية
- Pierre Bourdieu
- State
- Critical Sociology
- Praxis Theory
نظٍريته النقدية في الجزائرٍ الفٍرنسية إبان أدائه الخدمة العسكٍرية، وتبلورت في السياق الفكٍري
المتحٍرر، الذي أنتجه الجيل الذي عاش أحداث ثورة أيار/ مايو 968(في مٍرحلة ثانية، لمفهوم
الدولة وأشكال تلقيه ونقده منٌ معارضيه وخصومه الذينٌ ينتمون إلى مدارس فكٍرية وحقول
معٍرفية قٍريبة منٌ السوسيولوجيا، كالأنثٍروبولوجيا. وتبيّنٌ الدراسة الأسسَ والخلفيات التي قام
عليها هذا التصور، منٌ خلال استحضار أهم المقاربات الفلسفية التي استلهمها أو دخل معها
في نقاشات نقدية، نظٍريًا وعمليًا، حول مفهوم الدولة. إذًاعتبرٍ الدولة بمنزلة حيلة قانونية
وتخيّل فقهي، وأنّها غيرٍ موجودة لأنها تمثّل وهمًا أو توهّمًا قانونيًا أنتجه فقهاء، قاموا في الآن
ذًاته بإنتاج أنفسهم بوصفهم فقهاء وقانونيينٌ بإنشائهم الدولة.
"كل دولة هي بالبديهة اجتماع، وكل اجتماع لا يتألف إلا لخيرٍ ما دام الناس أًّيًا كانوا لا يعملون أبدًا شيئًا إلا وهم يقصدون إلى ما يظهر لهم أنه خير، فبيّنٌ إذًا أن كل الاجتماعات ترمي إلى خير
من نوعٍ ما، وأن أهم الخيرات كلها يجب أن يكون موضوع أهم الاجتماعات [...] وهذا هو الذي يسمى بالضبط الدولة أو الاجتماع السياسي". أرسطو "ما عادت قراءة أرسطو تهدف إلى الإفاضة والإنشاء، وإنما إلى معرفة [ماهية] الدولة". بيير بورديو "لم يُفصّل بورديو بين التأريخ لنشوء الدولة الحديثة وتعريفها، وُأرجّح أنه اعتبر القراءة في نشوئها
هي عمليّة تبُّيُن سماتها". عزمي بشارة
مقدمة
تعدّدت اهتمامات بيير بورديو (002–19302) وتمددت حتى بلغت حدود ملامسة تفاصيل التفاصيل التي يخفيها المجتمع الحديث، وذلك إلى الحد الذي دفع البعض إلى وصفه بالفيلسوف الذي يعمل في السوسيولوجيا، والسوسيولوجي الذي أنجز عملًا ميدانيًا
في الفلسفة Fieldwork in Philosophy. فمن خلال استكناه الحقول، والنبش في الأصول، وعبر الاحتكاك بمختلف الشرائح والفئات التي يتشكّل منها البناء الاجتماعي (مزارعون، ومثقفون، وفلاسفة، وفنانون، ومديرون، وأساتذة، وعمال، وصحافيون، ومهاجرون، وطلاب، ونساء... إلخ)، استطاع بورديو أن يفكّك آليات الهيمنة الاجتماعية Social Domination بمستوييها "الماكرو " Macro و"الميكرو " Micro. تركز هذه الدراسة على الجزء الأول (الماكرو)، وذلك انطلاقًا من نقطة مركزية لا تخلو من حمولة إشكالية، تلتقي بالإشكال
(((أرسطو، السياسة، ترجمة أحمد لطفي السيد (بغداد/ بيروت: منشورات الجمل، 0092)، ص.96–95 (((بيار بورديو، عن الدولة: دروس في الكوليج دو فرانس (1989–1992)، ترجمة نصير مروة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 0162)، ص.219 (((عزمي بشارة، مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 0232)، ص.132
(4) Marie–Anne Lescourret (ed.), Pierre Bourdieu: Un philosophe en sociologie (Paris: Presses Universitaires de France, 2009); Pierre Bourdieu, Choses dites (Paris: Minuit, 2015 [1987]), pp. 12–46;
للمزيد حول تأثير الفلسفة في فكر بيير بورديو وكتاباته الفلسفية، ينظر:
Louis Pinto, Pierre Bourdieu et la théorie du monde social (Paris: Seuil, 2002), pp. 21–48; Pierre Bourdieu, Méditations pascaliennes (Paris: Seuil, 1997); Pierre Bourdieu, L’Ontologie politique de Martin Heidegger (Paris: Minuit, 1988).
الأساسي، ولا تنفصل عنه، أي تفكير علماء الاجتماع في مسألة الدولة State وعلاقتهم بها من زاوية انعكاسية نقدية سواء في السياقات الغربية أو في السياقات العربية. تحلّل الدراسة تصور بورديو لمفهوم الدولة من خلال الرجوع إلى أولى مؤلفاته التي تبلور فيها هذا التصور، مثل الحسّ العملي وأسباب عملية التي أكّد فيهما زيف المشكلات التي ينتجها جسدٌ خيالي Fictional Body اسمه الدولة، ومن خلال الرجوع كذلك إلى دروسه التي حذّر فيها من
تحوّل أيّ تفكير نقدي في مسألة الدولة إلى استعدادٍ لعرض فكرها، لأن ذلك من شأنه أن يتسبب
في السقوط في كمين يتشكّل من مقولات تنتجها الدولة وتتكفل بإقحامها في العقول، وهذا تحديدًا ما يحول دون تحصيل معرفة حقيقية بهذا الكيان الوهمي (الدولة). لتفكيك هذه الأطروحة النقدية التي تحظى بالكثير من الأهمية، سنعزز التحليل بالمؤلفات التي سبقت كتاب أسباب عملية أو أعقبته، كالدروس التي قدّمها بورديو في الكوليج دو فرانس في الفترة 992–19891، والتي نشرها طلبته بعد عشر سنوات من وفاته، علاوةً على الكتاب الجماعي الذي أشرف عليه، والذي تضمّن مساهمات
له خصّص بعضها لمسألة الدولة. تهدف الدراسة إلى تبيّن النقد الذي وجّهه بورديو إلى التصورات الفلسفية الحديثة والمعاصرة
لمفهوم الدولة، والتي انطلقت مع توماس هوبز (679–15881) وجون لوك (04–163217) اللذين نظرا إلى الدولة بوصفها مؤسسة هدفها خدمة المصلحة العامة المشتركة، في حين تهدف الحكومة
(((ينظر على سبيل المثال: مولدي الأحمر، "ذكرى في وداع عالم الاجتماع الكبير عبد الباقي الهرماسي: عندما تستهلك الدولة
المغاربية مفكريها"، إنسانيات، العدد 94 (0212)، ص 11–7؛ عز الدين الفراع، "الدولة التسلطية في المجتمعات العربية بين خلدون
النقيب وعبد الله حمودي: مساهمة مشرقية – مغربية في النظرية الاجتماعية النقدية"، عُمران، مج 11، العدد 41 (صيف 0222)،
ص 59–137 1؛ بشارة، مسألة الدولة؛ عزمي بشارة، الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2024 (((يهتم هذا الكتاب، بحسب بورديو، بموضوعة الدولة، على الرغم من أن القصد من كتابته في البداية كان دراسة المشكلات الطقوسية والمنظومات الأسطورية. يقول بورديو عن كتابه على هامش دروسه حول الدولة في الكوليج دو فرانس: "إنه يصحّ لمشكلة
الدولة حيث نجدنا في مواجهة ضروب من المنطق العملي، يصيبها التدمير إذا ما عرضت على المنطق المنطقي". ويقصد بالمنطق العملي المنطق الذي يتبعه الفاعلون الاجتماعيون والمؤسسات الاجتماعية. أما المنطق المنطقي، فهو الذي يمكن مصادفته نظريًا
في بعض العوالم العلمية، والذي يمارس الإرهاب والدكتاتورية على العلوم الإنسانية، بتعبير بورديو الذي استنتج أنّ مفارقات العلوم
الاجتماعية تكمن في أنها لا تملك الأدوات لوصف المنطق العملي ما عدا تلك التي يتيحها المنطق المنطقي الذي تشكّل بجهد
تاريخي ثابت وبالغ الصعوبة وتم تركيبه ضدّ المنطق العملي. ينظر: بورديو، ص 164–163، 661؛
Pierre Bourdieu , Le sens pratique (Paris: Minuit, 1980). (7) Pierre Bourdieu, Raisons Pratiques, sur la théorie de l’action (Paris: Seuil, 1994), p. 59;
للاطلاع على الترجمة العربية لهذا الكتاب ينظر: بيير بورديو، أ سباب عملية: من أجل إعادة النظر بالفلسفة، ترجمة أنور مغيث (القاهرة: آفاق للنشر والتوزيع،.)2018
(8) Pierre Bourdieu, Sur l’État: Cours au Collège de France (1989–1992) (Paris: Seuil, 2012).
في عام 0162، أصدر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الترجمة العربية لهذه المحاضرات التي ألقاها بورديو في الكوليج دو فرانس في الفترة 992–19821، وهي ترجمة أنجزها نصير مروة عن النسخة الفرنسية الصادرة عام 0122 عن دار النشر سوي،
كما أعقبها المترجم بمراجعة نشرت في دورية عُمران. للمزيد ينظر: بورديو، عن الدولة؛ نصير مروة، "عن الدولة: دروس في الكوليج
دو فرانس (992–1989 1)، مراجعة لكتاب بيار بورديو"، عُمران، مج 6، العدد 23 (شتاء 0182)، ص.205–197
(9) Pierre Bourdieu (dir.), La misère du monde (Paris: Seuil, 1993).
إلى خدمة مصلحة الشعب وخيره بتعبير جان جاك روسو (8–1712177) وحريته بحسب باروخ سبينوزا Baruch Spinoza)1777–1732(. وإذا كان بورديو لا يُخفي استغراقه في التحليلات والتقاليد والسّنن التي تغطي المدة الزمنية الواقعة ما بين فريدريش هيغل Georg Wilhelm Friedrich Hegel (831–17701) وكارل ماركس Karl Marx (883–18181) وإميل دوركهايم لأنها 1) 976–1889(Martin Heidegger 1) ومارتن هايدغر 917–1858(Émile Durkheim قامت على البحث باستفاضة عن نظرية في الدولة، فإنه أكّد مرارًا وتكرارًا أن هذه التحليلات بمنزلة انعكاس للتمثلات التي يحملها الناظر أو المنظّر لدوره في العالم الاجتماعي. يقدم بورديو في هذا السياق مثال دوركهايم، لأنه يعبّر عن القياس الخاطئ الذي وقع فيه علماء الاجتماع الذين عكسوا في الموضوع وبنوا عليه فكرتهم عنه. وبما أنّ الدولة نتاج للموضوع، فإنه يجب على عالم الاجتماع، لكي يتلافى التفكير في الدولة بفكر أنتجته الدولة نفسها، أن يتحاشى التفكير في المجتمع بفكرٍ أنتجه هذا المجتمع. لكنّ المفارقة Paradox هي أننا لا نملك لتفكر العالم الاجتماعي سوى الفكر الذي أنتجه العالم الاجتماعي الذي يشمل الحس المشترك العامّي Public Common Sens والحس المشترك العلمي Scientific Common Sens. وقد شدد بورديو، على غرار كتاباته الأخرى، من منطلق سوسيولوجيا نافية، على أهمية القطيعة مع النظريات الكبرى وأفكار الحس المشترك، والحذر من الفهم الفوري المباشر. فكلما فهم الباحث أكثر عقل أقل، وكلما كثر فهمه كان عليه الحذر. يتعلق الأمر بقطيعة مفرطة تشبه عملية مسح الطاولة Tabula Rasa والشك الجذري المنهجي عند ديكارت (650–15961) ما دام الإنسان يبالغ في الاعتقاد
1(((بورديو، عن الدولة، ص 21؛ للمزيد ينظر:
Thomas Hobbes, Leviathan The Matter, Forme And Power of a Common Wealth Ecclesiasticall and Civil (London: Andrew Crooke, 1651); John Locke, Two Treatises of Government , 3 rd ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 1988 [1689]); Jean–Jacques Rousseau, Du contrat social (Paris: Flammarion, 2011 [1772]);
باروخ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة حسن حنفي (بيروت: دار التنوير، 0052)، ص.444–435 (((1 حاول بورديو، في كتابه حول هايدغر الذي أنجز ثورة محافظة في الفلسفة أن يبرهن أن الميتافيزيقا، في أحيان كثيرة، علم اجتماع متخلق بخلقة أخرى. وأشار إلى أشدّ التضمينات السياسية في فلسفته، وخصوصًا إدانته لدولة الرعاية المخَّبَأة في قلب نظرية
الزمانية، وذلك من منطلق تأثر هايدغر بفلسفته كما يتجلى ذلك في سياق حديثه عن الطرق التي لا تؤدي إلى أيّ مكان وتنقّله
المتكرر إلى كوخه وسط الغابة السوداء إلى جانب المزارعين وبعيدًا عن الأكاديميين؛ الأمر الذي دفع بورديو إلى العمل على فكرة
الرقابة داخل الحقل العلمي أو الفلسفي، حيث أصرّ على فكرة العلاقة بين الرقابة التي يمارسها حقل ما، والموضعة التي يمارسها
أولئك الذين يسعون لتحقيق الاعتراف بهم بوصفهم أعضاء كاملي العضوية في هذا الحقل. وبما أنّ هايدغر قال قولًا مضاًّدًا بعمق
للفلسفة المضمرة للفلاسفة، فقد زعم بورديو أنّه قد تمكّن من إثبات وجود علاقة بين الرقابة الممارسة على حقل علمي أو فلسفي،
وعمليتين هما الوضع في شكل أو فرضه mettre en forme ثم وضع الأشكال أو وضع الشكل [الرسمي] أو الشكليات أو "الأصول"
mettre des formes. للمزيد ينظر: بيير بورديو، الأنطولوجيا السياسية عند مارتن هايدغر، ترجمة سعيد العليمي (القاهرة: المركز
القومي للترجمة، 0052)، ص 8–27 2، 127؛ بورديو، عن الدولة، ص.111–110 (((1 بورديو، عن الدولة، ص 1.88–187 (((1 المرجع نفسه، ص.199
بالمظاهر التي تؤيد المظاهر. يقول في هذا السياق: "لا نستطيع الدخول في الدولة كيفما اتفق؛ لأن الدولة قائمة في أفكارنا، لا بد من زرع شك جذري بصدد الدولة". لا ينفصل تصور بورديو ومفهومه للدولة عن مسيرته الفكرية وإنتاجاته السوسيولوجية التي كتب حولها الكثير باللغة الفرنسية والإنكليزية والألمانيةوغيرها من اللغات الحية. خصوصًا أن هذه المسيرة قد شهدت تطورًا ملحوظًا تَّوَجه بورديو بتشييد نظرية نقدية هي نظرية الممارسة Practice
Theory، أو نظرية العالم الاجتماعي Social World Theory، وذلك قبل أن ينتقل، بعد مسيرةٍ فكرية حافلة، من الدعوة إلى إبعاد السوسيولوجيا الأكاديمية عن غمار الحياة العامة حتّى لا يتحول
(((1 المرجع نفسه، ص 902؛ للمزيد حول منهج الشك وتطبيقاته عند ديكارت ينظر:
René Descarte, Méditations métaphysiques (Paris: Flammarion, 2021 [1641]); René Descartes, Discours de la méthode (Paris: Flammarion, 2024 [1637]).
1(((بورديو، عن الدولة، ص.571
(16) Bernard Lahire (ed.), Le travail sociologique de Pierre Bourdieu: Dettes et critiques (Paris: La Découverte, 2001); Pierre Mounier, Pierre Bourdieu, une introduction (Paris: Pocket/ La Découverte, 2001); Bonnewitz Patrick, Premières leçons sur la sociologie de Pierre Bourdieu (Paris: Presses Universitaires de France, 2002); Yvette Delsaut & Marie– Christine Rivière, Bibliographie des travaux de Pierre Bourdieu, suivi d’un entretien sur l’esprit de la recherche (Pantin: Temps des cerises, 2002); Jacques Bouveresse & Daniel Roche, La Liberté par la connaissance: Pierre Bourdieu (1930– 2002) (Paris: Odile Jacob, 2004); Patrick Champagne, Pierre Bourdieu (Toulouse: editions Milan, 2008); edouard Louis (ed.), Pierre Bourdieu, L’insoumission en héritage (Paris: Presses Universitaires de France, 2016); Jean Louis Fabiani, Pierre Bourdieu, Un Structuralisme Héroïque (Paris: Seuil, 2016); Gisèle Sapiro (dir), Dictionnaire International Bourdieu (Paris: CNRS editions, 2020); Tassadit Yacine, Pierre Bourdieu en Algérie (1956–1961): Témoignages (Paris: editions Du Croquant, 2022); Victor Collard, Pierre Bourdieu: Genèse d’un sociologue (Paris: CNRS editions, 2024); Gérald Mauger, Avec Bourdieu. Un parcours sociologique (Paris: Presses Universitaires de France, 2023). (17) Bridget Fowler, Pierre Bourdieu and Cultural Theory: Critical Investigations (New York: Sage Publications, 1997); Nicholas Brown & Imre Szeman (eds.), Pierre Bourdieu: Fieldwork in Culture (Lanham/ Boulder/ New York/ Oxford: Rowman and Littlefield Publishers, 1999); Jeannine Verdes–Leroux, Deconstructing Pierre Bourdieu: Against Sociological Terrorism from the Left (New York: Algora Publishing, 2001); David Swartz, Culture and Power: The Sociology of Pierre Bourdieu (Chicago: University of Chicago Press, 1997); Michael Grenfell (ed.), Pierre Bourdieu: Key Concepts (Stocksfield: Acumen, 2012 [2008]); Simon Susen & Bryan S. Turner (eds.), The Legacy of Pierre Bourdieu: Critical Essays (London: Anthem Press, 2011); Chris Sanders, Karen Robson & Chris Sanders (eds.), Quantifying Theory: Pierre Bourdieu (New York: Springer, 2010). (18) Barbara Friebertshäuser, Markus Rieger–Ladich & Lothar Wigger (eds.), Reflexive Erziehungswissenschaft: Forschungsperspektiven im Anschluss an Pierre Bourdieu (Wiesbaden: VS Verlag für Sozialwissenschaften, 2006); Barbara Friebertshäuser, Markus Rieger–Ladich & Lothar Wigger (eds.), Reflexive Erziehungswissenschaft: Forschungsperspektiven im Anschluss an Pierre Bourdieu, 2–durchgesehene und erweiterte Auflage (Wiesbaden: VS Verlag für Sozialwissenschaften, 2009); Markus Rieger–Ladich & Christian Grabau (eds.), Pierre Bourdieu, Pädagogische Lektüren (Wiesbaden: Springer VS, 2017); Lisa Gromala, Kämpfe von Schulen um Selbstbehauptung: Eine Analyse mit Pierre Bourdieu und der Grounded Theory (Wiesbaden: Springer VS, 2019); Olaf Schnur (ed.), Quartiersforschung, Zwischen Theorie und Praxis (Wiesbaden: Springer VS, 2014); Wolfgang Lempert (ed.), Soziologische Aufklärung als moralische Passion: Pierre Bourdieu. Versuch der Verführung zu einer provozierenden Lektüre (Wiesbaden: Springer VS, 2010); Claudia Rademacher & Peter Wiechens (eds.), Geschlecht – Ethnizität – Klasse: Zur sozialen Konstruktion von Hierarchie und Differenz (Leske/Budrich: Opladen, 2001). (19) Pinto; Pierre Bourdieu, Esquisse d’une théorie de la pratique: Précédé de Trois études d’ethnologie kabyle (Paris: Point, 2015 [1972]).
علماء الاجتماع إلى شخصيات ثقافية تنشط في الحياة العامة والشأن السياسي العام، إلى الانخراط في النقاش العمومي وتداعياته السياسية، بل إنّه فضلًا عن ذلك، أقدم على الشروع في نقد المواقف الداعية إلى إبقاء السوسيولوجيا شكلًا من المُتعة الفكرية أو علمًا صارمًا يتّسم بالطبيعة العلمية.
يذكّرنا عبد الرحمن يتيم بأن الصراعات والمساجلات العامة التي انخرط فيها بورديو قد جعلته يمارس دورًا شبيهًا بدور جان بول سارتر Jean–Paul Sartre (980–19051) وميشيل فوكو Michel Foucault 986–1926(1) في الحياة السياسية الفرنسية، التي لا يمكن فصلها عن ثورة الشباب في أيار/ مايو 9681 التي كان لطلاب الفلسفة والعلوم الاجتماعية وأساتذتهم دور كبير في تشكّلها؛ ما دفع بورديو إلى تخصيص عشر سنوات لتحليلها، وهو ما تجلّى في كتابه الإنسان الأكاديمي، الذي تأسّس
على منهجيّة نقديّة تعرف ب "الانعكاسية العلمية" أو "الموضعة المشاركة".
أولا: الدولة وعلم الاجتماع وعلم اجتماع الدولة
عندما عالج بورديو إشكالية العلاقات القائمة بين علم الاجتماع والدولة، أشار إلى أننا نوشك أن نطبّق على الدولة فكر دولة، وألحّ على واقعة كون فكرنا، بل هياكل وعينا وبناه التي نبني عبرها العالم
الاجتماعي، هي ذاتها، ومعها ذاك الموضوع الخاص الذي هو الدولة، توشك كلها أن تكون منتجًا
من منتوجات الدولة. وهذا ما لخّصه عندما قال "الدولة موجودة أصلًا في أفكارنا، ولأننا لا ننفك نطبق على الدولة فكر دولة. ففكرنا هو في جانب كبير منه نتاج موضوعه، بحيث إنه لا يعود يرى الأمر الأساس، وخصوصًا علاقة انتماء الفاعل/ الذات إلى الموضوع". ووفقًا له، فإنّ الدولة حيلة قانونية وتخيّل فقهي، لذا فهي غير موجودة؛ إنها توهّمٌ قانوني أنتجه فقهاء، كما أنتجوا أنفسهم بوصفهم فقهاء
وقانونيين بإنشائهم الدولة؛ ما يجعلنا أمام عدد من الوكلاء الذين صنعوا الدولة، وصنعوا أنفسهم بوصفهم صانعي دولة أو فاعلين داخلها عندما أنتجوها، فهم قد صنعوها ليجعلوا من أنفسهم أصحاب سلطان فيها. يشبّه بورديو هذه المعادلة المعقّدة بمنظور سبينوزي – نسبة إلى باروخ سبينوزا – بقوله
إن هناك الدولة بوصفها خالقًا؛ أي طبيعة طابعة Natura naturans، والدولة بوصفها مخلوقًا، أو طبيعة
مطبوعة Natura naturata.
(20) Pierre Bourdieu, Interventions, 1961–2001: Science sociale et action politique (Marseille: Agone, 2022).
(((2 عبد الله عبد الرحمن يتيم، "بيير بورديو أنثروبولوجيًا"، إضافات، العدد 14 (ربيع 0112)، ص.64
(22) Pierre Bourdieu, Homo academicus (Paris: Minuit, 1984); Pierre Bourdieu, "L’objectivation Participante," Actes de la recherche en sciences sociales , vol. 5, no. 150, (2003);
للاطلاع على الترجمة العربية للعمل الثاني، وهو في الأصل خطاب ألقاه بورديو على هامش منحه ميدالية ألدوس هكسلي من طرف المعهد الملكي للأنثروبولوجيا بلندن عام 0002، ينظر: بيير بورديو، "الموضعة المشاركة، أو في الشروط الاجتماعية للموضعة"،
ترجمة الحبيب درويش، عُمران، مج 9، العدد 34 (خريف 0202)، ص.154–139 (((2 بورديو، عن الدولة، ص.17 (((2 المرجع نفسه، ص.162–161 (2((المرجع نفسه، ص 66، 6 21؛ للمزيد حول الطبيعة الطابعة والطبيعة المطبوعة عند سبينوزا، ينظر: باروخ سبينوزا، علم
الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 0092)، ص.64–63
من واجب عالم الاجتماع قول هذه الحقيقة، على غرار العديد من الحقائق التي تفضي به إلى القول إنها غير موجودة على النحو الذي نعتقد أنها موجودة عليه، للاستدلال على أنها موجودة، ولكن بطريقة مغايرة تمامًا؛ ذلك أنّ أحد المبادئ الأساسية لعلم الاجتماع، كما يتصوّره بورديو، يقضي
بأن لا نأخذ المشكلة كما هي، وإنما أن نرى المشكلات ذات إشكالية وتطرح هي نفسها مشكلة، وأن ثمة ولادة أو نشأة تاريخية للمشكلات. ومن واجبه أيضًا أن يعرف: كيف تألّفت اللجان؟ وكيف رُكّبت؟ ومن اختار الآخر؟ ولماذا؟ ثمّ لماذا يطلب إلى فلان أن يكون رئيسًا؟ وأيّ خاصية يملك؟
وكيف جرى الانتخاب الداخلي؟هنا، يدخل عالم الاجتماع في موقف صعب؛ وذلك لأنّه فوّض
نفسه بنفسه، بكفاءته النوعية، المعروفة والمعترف بها، ليقول أشياء يصعب التفكير فيها. وبناءً عليه،
يقوم عالم الاجتماع بأشياء مقلقة ومخيّبة للآمال في آن؛ فبدلًا من أن يؤدي هذا العمل مع الرسمي،
فإنّه يقول ماهية العمل الرسمي، أو ما القيام بالعمل الرسمي. إنه ما وراء ما وراء كما يقول بورديو الذي ذهب صعودًا نحو ما وراء الدولة. فإذا كان صحيحًا أنّ الدولة ما وراء، فإن عالم الاجتماع هو
بعدها بما وراء. وعلى هذا الأساس، فإنه مزعج، بحيث تتملّك الجميع الرغبة دائمًا في أن يقال له
"وماذا عنك؟". يقول بورديو عن عالم الاجتماع "إنه ما وراء الوراء [...] إنّه لا يؤدي دور الحكيم، بل يقول ما يصنعه أولئك الذين يصنعون الحكماء. وربما كان هذا شكلًا من أشكال الحكمة". ولذلك، كثيرًا ما يجد علماء الاجتماع أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه؛ ذلك أن عملهم سيفضي
بهم بطبيعة الحال ذات يوم إلى كشف أشياء من هذا القبيل، ومن ثم الظهور بمظهر من ينكر ويندّد بهذه الأشياء التي هي أشياء تلامس المقدس، وإن كان مقدّسًا يندسّ في تفاهات. ما تلبث الصعوبة تزداد عندما ننظر في الكتابات التي تزعم أنها تفكر في الدولة؛ إذ إن معظمها، بحسب بورديو، قد تورّط – بوعي أو من دونه – في الإعلاء من هذا البناء الزائف، وهذا ما نجده بين ثنايا الأعمال
المنضوية تحت لواء العلم الاجتماعي. هنا سيبلغ بورديو أقصى درجات الإحراج عندما سيطرح تساؤلًا عن المسافة التي اتخذها علم الاجتماع مع الدولة. فمن خلال رصده المقارن لتطور العلوم الاجتماعية، حاول بورديو أن يقيّم المسار الذي اتّخذه الطلب الاجتماعي على "براءات الاكتشاف" التي يتم التوصل
إليها في "مختبرات" العلوم الاجتماعية. فهذا الطلب، وإن كان في إمكانه أن يضمن ظروفًا تلقى
2(((بورديو، عن الدولة، ص.74 (((2 المرجع نفسه، ص.57–56 (2((المرجع نفسه، ص.55 (2((يرى بورديو أن الرسمي لعبةٌ يكذب فيها الجميع، كل على نفسه، وعلى آخرين، مع علمهم أنهم جميعًا كاذبون. وفي
المجتمعات التي لا دولة فيها ولا كتابة، ولا ضامنون رسميون للرسمي، ولا عاملون مفوضون رسمًّيًا لقول الرسمي في اللحظات
الرسمية، وحيث لا موظفون لأنه ليس هناك دولة، هناك في تلك المجتمعات السابقة على الرأسمالية أشخاص آخرون، بحسب
بورديو، هم الشعراء، وحظ هؤلاء هو أنه ليس عليهم أن يقدموا حجاجًا متماسكًا، لأنهم يقولون ما يريدون بمعادلة أو بتركيبة لغوية.
ينظر: المرجع نفسه، ص –221.64 (3((المرجع نفسه، ص.105 (((3 المرجع نفسه، ص.71
(32) Bourdieu , Raisons Pratiques , p. 54.
استحسان الإنسان الأكاديمي Homo Academicus، فإنّه سيجعل علم الاجتماع، خاضعًا لإشكالات الدولة، تابعًا لتوجيهاتها، خانعًا، منفّذًا ومنزّلًا لقراراتها، في غياب تام لأي مقاومة فلسفية أو نقد علمي. في هذا السياق، سيثير بورديو إشكالية محورية تمركزت عليها العديد من أعماله السوسيولوجية، وهي متعلقة بمحاولاته الدائبة لقياس المسافات، ورصد التمفصلات، التي تجمع الحقلين العلمي والتعليمي وتفرقهما عن الحقلين الاقتصادي والسياسي، حيث نجده يؤكّد أنّ "الاستقلال يفترض نموًا قويًا
للحركات الاجتماعية، وللنقد الاجتماعي للسّلط [...] كما يفترض استقلال المختصين في دراسة هذه
الحركات". لكن المفارقة تكمن في أنّ التاريخ يُبرِز لنا معطى أساسيًا لا يمكن تجاهله، وهو أن "العلوم
الاجتماعية لا تستطيع أن تنمّي استقلالها تجاه ضغوط الطلب الاجتماعي، باعتباره شرطًا أوليًا لتحقيق
العلمية، إلا إذا استندت إلى الدولة". وبفعلها ذاك، فهي تخاطر بفقدان استقلاليتها. من أجل الخروج من هذا المأزق، يجب على العلوم الاجتماعية أن ترسم مقابل الدولة حدود الحرية (النسبية) التي تضمنها لها هذه الأخيرة من جهة، والاهتمام بالمعركة الضارية التي تخوضها الدولة – الأمّة مع اقتصاد السوق والخوصصة، من جهة أخرى؛ ذلك أنّ فحص المسافة بين الليبرالية
والدولة، التي طالما شغلت بعض الكتاب، لا يصمد لحظة واحدة أمام الملاحظة، بحسب بورديو. فالدولة تتدخّل بطريقة مباشرة في إنشاء السوق العقارية عبر الرقابة التي تمارسها على هذه السوق، ومن خلال شكل المعونة التي تقدّمها لشراء المساكن أو كرائها، ما دام أنّ إنشاء الأسواق بمنزلة وظيفة من وظائف الدولة. وبما أن التضامن في دول الرعاية الاجتماعية أو دولة الرفاه Welfare State في الغرب قد جرى اختزاله في تعويضات مالية، الهدف منها إتاحة الاستهلاك (أو التحريض على المزيد منه)، من دون السعي لتوجيهه أو هيكلته؛ ما يؤدي إلى الانتقال من سياسة الدولة التي تستهدف التأثير في بنى التوزيع، إلى سياسةٍ تحاول تصحيح آثار التوزيع اللامتكافئ لرؤوس الأموال الاقتصادية والثقافية، فقد جرى اعتباره بمنزلة هبة تقدّمها الدولة إلى الفقراء المستحقّين لها، كما كان الأمر في الزمان الغابر للإحسان الديني؛ إذ عرفت بعض الدول الأوروبية أشك لًا أوليّة من الحماية
الاجتماعية، تجسدت في قنوات تقليدية، كالمساعدة الخيرية (الإحسان) باعتبارها تقليدًا متجذّرًا في
المجتمعات المسيحية ما قبل العلمانية، التي كانت تنظر إلى مساعدة الفقراء باعتباره واجبًا أخلاقيًا
بمفهوم إيمانويل كانط Immanuel Kant (804–1724.)1 وبما أننا نعيش في سياقٍ يضعف فيه العمل النقابي، وتتراجع فيه القوى المقاوِمَة، وتساهم فيه الأشكال الجديدة، التي يتخذها عمل الدولة، في
تحويل المجتمع إلى جماعات متنافرة من الفقراء المبعدين كما تصفهم التشكلات الخطابية الرسمية،
(33) Bourdieu, Homo academicus , pp. 57, 62–63. (34) Bourdieu, Raisons Pratiques , p. 54. (35) Ibid., p. 57.
3(((يؤكد بورديو، في هذا الصدد، أنّ "تكوين هيئات بيروقراطية مستقلة عن العائلة والدين والاقتصاد هو شرط ظهور ما يسمى
الدولة الأمة، انطلاقًا من المسار الذي تحقق فيه التكون التدريجي لهذه الهيئات، وفقًا له". ينظر: بورديو، عن الدولة، ص.76 (((3 المرجع نفسه، ص.48
(38) Bourdieu, La misère du monde , p. 343.
التي تتصاعد، تارةً عندما يسبّبون المشكلات، وتارةً أخرى لتذكير "المحظوظين" بالامتيازات المتمثلة
في حيازتهم على وظائف دائمة، فإن التعرض للدولة ولقراءاتها السياسية يبقى خطوة أساسية لفهم مظاهر الهشاشة Precarity التي يجد العاملون الاجتماعيون Social Workers أنفسهم فيها؛ ذلك أن الدولة نفسها توكل إليهم مهمة ضمان الخدمات الأساسية العامة، كالصحة والتربية والسكن، لفائدة الفئات الأقل حظّا من المتكدّسين في الأحياء والضواحي التي تهجرها الدولة أكثر فأكثر. يعتبر بورديو أن الشعور بسلطان الدولة State Power، يجري بوجه خاص في مجال الإنتاج الرمزي Symbolic Production؛ ذلك أن الإدارات العامة وممثليها، بحسبه، من كبار منتجي المشكلات الاجتماعية التي تقوم العلوم الاجتماعية بالتصديق عليها عندما تأخذها لحسابها وتعتبرها بمنزلة مشاكل فعلية. وللتحقّق من ذلك، يكفي قياس نصيب الأبحاث التي انكبّت على مشكلات الدولة
التي اكتسبت، إلى حدّ ما صبغة علمية. وعندئذٍ، يصير تفكيك السلسلة السببية، التي تبدأ من الدوائر الأكثر مركزية في الدولة، وتنتهي إلى المناطق الأكثر بؤسًا وإملاقًا في العالم الاجتماعي – مع
التشديد في الوقت نفسه على الدور البارز للحقل السياسي في السلسلة – خطوةً مهمةً لفتح الطريق أمام عمل عقلاني، يستهدف تقويض ما صُنع عبر التاريخ، وإعادة صنعه من جديد. فإذا كان التاريخ قد
نجح في جعل نفسه لامفَّكَرًا فيه، فإنّ معرفة ماهيّة الدولة وأسسها وعدم الاقتصار على معرفة الوظائف
التي يفترض أن تشغلها (كما تفعل التقاليد الماركسية)، وكشف العمليات التي تقوم بها وتحديدها وشروطها، كل ذلك يمكّننا من استنطاق التاريخ. وبذلك، سيصير ممكنًا تشبيه مسار تركيز شكلٍ خاٍّصٍ وتجميعه من الموارد بمسار نشوء الدولة ومماثلته معه. هنا، يجد عالم الاجتماع نفسه مجدّدًا أمام مشروع لا يخلو من الهوس، ألا وهو وضع نظرية عامة للدولة أساسها المقارنة بين عدد كبير من المغامرات التاريخية للدولة. ولذلك، فقد شبّه بورديو ما يفعله
عالم الاجتماع بالاقتحام الذي تقوم به الدولة عندما يتعلّق الأمر باحتكار بناء التمثيل Presentation والتمثّل Representation المشروعَين للعالم الاجتماعي، ومصادرة فعالية من الفعاليات، أو ما يدّعيه وكيل من الوكلاء الاجتماعيين عندما يدّعي بناء تمثل شخصي للدولة، بزعمه قول الحق والحقيقة حول هذا الكيان الذي يبني العقول ويحتكر الرساميل والحقول.
ثانيًا: من بناء العقول إلى احتكار الرساميل والحقول
يرى بورديو أن موضوع التحليل الحقيقي الذي ينبغي بناؤه – ضد الظواهر وضدّ أولئك الذين يصدّقون عليها على حد سواء – هو البناء الاجتماعي عمومًا والسياسي خصوصًا، المعروض على
الحدوس والتمثلات، الصحافية منها، والبيروقراطية والسياسية. فهذه الحقول مجتمعةً تساهم في إحداث تأثيرات واقعية في العالم السياسي، وذلك بصنعها وتوجيهها لبنية النقاش ومساره منذ البداية؛
(39) Bourdieu, Raisons Pratiques , p. 55.
4(((بورديو، عن الدولة، ص.124–123 (((4 المرجع نفسه، ص.79
وهي هيمنةٌ تمتدّ إلى الحقل العلمي Scientific Field أيضًا كما ذكرنا من قبل. ومن أجل فهم الإذعان الذي يحصل عليه نظام الدولة، بحسب بورديو، فإنه ينبغي إحداث قطيعة مع ثقافوية Culturalism التراث الكانطي الجديد Neo–Kantian Heritage، وإدراك أن البنى المعرفية ليست أشك لًا للوعي، بل هي استعدادات للجسد. فالطاعة التي نتّصف بها أمام إيعازات الدولة لا يمكن فهمها إلا بوصفها
خضوعًا آلًّيًا لقوّةٍ لامرئيّةٍ، وليست رضًا واعيًا لنظامٍ ما. إنّ العالم الاجتماعي حاملٌ لشعارات، لا تعمل
بما هي كذلك؛ وقد يقبض عليها من هم على استعداد لإدراكها، لأنها توقظ استعدادات جسدية كامنة في الأعماق، من دون المرور بطريق الوعي أو الحساب العقلي. ثمّ إنّ أفعال الخضوع والطاعة هي
أفعال معرفية، تُستخدم وتُشَغَّل بصفتها كذلك؛ أي بما هي أفعال معرفية ومقولات وترسيمات ومبادئ للرؤية والتقسيم وجملة من الأشياء التي أعطتها السّنن الكانطية الجديدة الأولوية. إنّ الحيّز الكبير الذي خصّصه بورديو للتحليل النقدي للتمثلات ليس الغرض منه التلذذ بطعم السجال،
بل له أهميته نظرًا إلى أن البناءات الجماعية تشكّل جزءًا من الواقع الذي علينا أن نفهمه، وهي مسؤولة
عن جزء كبير منه. ففي المجتمعات حيث التمييز محدود، تتأسس في العقول Minds والأجساد Bodies مبادئ عامة للرؤية والتفرقة، تنضوي تحت لواء بردايم Paradigm قائمٍ على التقسيم والتعارض بين ثنائيات المذكر والمؤنث، والتنظيم الزمكاني للحياة الاجتماعية، من خلال أشكال ذات خصوصية، من قبيل طقوس العبور Rite of Passage التي تقيم فروقًا نهائية بين من كابد الطقس ومن لم يكابده. أما في المجتمعات التي ينتشر فيها التمييز Distinction، فإن الدولة هي المسؤولة عن إنتاج Production أدوات بناء الواقع الاجتماعي وإعادة إنتاجها Reproduction. إنّها البنية التنظيمية، والهيئة المنظّمة للممارسات، والمشكّلة للاستعدادات عبر الضوابط الجسدية والعقلية التي تفرضها بنمط موحّد على مجمل الفاعلين والوكلاء. وعلاوةً على ذلك، فهي تفرض مبادئ التصنيف وتكرّسها
بحسب الجنس والسن و"الكفاءة" اعتمادًا على ما كان يصفه بورديو بأيديولوجيا الموهبة. باختصار، إن الدولة هي محرّك الفعالية الرمزية وطقوس التأسيس، وتحديدًا "الطقوس التي تزاول في المدرسة،
باعتبارها فضاءً لتكريس التفاوتات الاجتماعية". في مجتمعات التمييز، يكون للدولة القدرة على أن تفرض بنى معرفية وتقييمية متعادلة ومتشابهة وتُرسّخها بطريقة كونية. وقد حاول التياران الفينومينولوجي Phenomenology والإثنوميثودولوجي
Ethnomethodology، وصف هذه الخبرة، غير أنّ كليهما لم يستطع أن يعلّل أطروحاته، أو أن يؤسّس لتصوّر جديد. فأنصارهما – بحسب بورديو – يستبعدون طرح سؤال البناء الاجتماعي
(42) Bourdieu, La misère du monde , p. 338. (43) Bourdieu, Raisons Pratiques , p. 66.
(((4 يعتبر بورديو أن الإثنومنهجيين لم يطرحوا قطّ مسألة معرفة إن كان ثمة بناء من الدولة أو بناء دولتي لمبادئ البناء التي يطبّقها
الفاعلون على العالم الاجتماعي، وذلك بسبب تولّد فكرهم ونشوئه. وينطبق هذا الأمر على الظواهريين/ الفينومينولوجيين الذين
لا يطرحون مسألة شروط تجربة العالم المعيش ذي اليقينيات الأولية، ولا يتساءلون في المقابل كيف صار الوكلاء يطبّقون على
العالم مقولات تجعل العالم يبدو بديهيًا أو "تحصيلَ حاصل"، ومن ثم فهم يغفلون طرح مشكلة ولادة هذه المقولات ونشوئها، وهو
ما سيحاول بورديو القيام به. ينظر: بورديو، عن الدولة، ص 2.96
الذي يجهدون أنفسهم لتوضيحه، ولا يتساءلون عن إسهام الدولة في بناء مبادئ التكوين التي يوظفها الوكلاء Agents في إنتاج هذا البناء؛ ذلك أن الدولة ترسّخ – من خلال الأطر التي تفرضها على
الممارسات – أشك لًا ومقولات مشتركة للإدراك والتفكير والفهم، وأطرًا اجتماعية للذاكرة، وبنى
عقلية وصيغًا للتصنيف. وبهذا، فهي تخلق نوعًا من التنظيم المباشر للسيمياء الاجتماعية، الذي يصبح
لاحقًا نوعًا من الإجماع حول جملةٍ من البديهيات المشتركة التي تكوّن الحس المشترك. فما يبدو
اليوم على أنّه بديهي يتجاوز الوعي والاختيار، كان في أغلب الأحيان موضعًا للصراعات، لم يتأسس إلا بعد مواجهة بين المهيمنين والمهيمَن عليهم. يسمح تحليل نشأة الدولة كتأسيسٍ لمبادئ الرؤية والتفرقة المستخدمة على امتداد نطاق اختصاصها بفهم الانضمام العقائدي للوكلاء إلى النظام الذي تقيمه، ويمكّن من استيعاب الأسس السياسية لهذا الانضمام الذي يبدو طبيعيًا. ويبرز أيضًا أنّ الرأي Doxa ما هو إلا وجهة نظر، يحتكرها من
يهيمنون على الدولة. يحيل هذا الأمر، بحسب بورديو، إلى الإشكالية الكبرى المتعلقة بشرعية الدولة عندما يقول "إن مسألة شرعية الدولة، والنظام الذي تقيمه، لا تطرح إلا في أوقات الأزمة؛ ذلك أن الدولة لا تحتاج إلى أن تصدر قرارًا، أو أن تمارس قهرًا جسديًا لكي تنتج عالمًا اجتماعيًا
منظّمًا. ويستمرّ هذا مع استمرار قدرتها على إنتاج بنى معرفية مندمجة، تتوافق مع البنى الموضوعية؛
ومن ثم تؤكّد الرأي الذي كان يتحدث عنه ديفيد هيوم David Hume (6–1711177): الخضوع العقائدي للنظام القائم". وبناءً عليه، ليست الدولة مجرّد منتج لخطاب شرعية أو مشروعية، لأننا
عندما نفكر في المشروعية، فإنّنا نفكر في خطاب إضفاء المشروعية. وهو ليس خطاب دعايةٍ سياسيةٍ تبرّر به الدولة والذين يحكمون عبرها وجودهم بوصفهم غالبين مسيطرين؛ إنها أكثر من ذلك كثيرًا. لقد جرى التركيز على رأس المال المادي عند تفسير نشأة الدولة، بدءًا بالماركسية التي اعتبرت الدولة
أداةً للقهر، إلى ماكس فيبر Max Weber (920–18641) وتعريفه التقليدي للدولة باعتبارها الجهاز الذي يحتكر العنف المشروع، مرورًا بنوربرت إلياس Norbert Elias (990–18971) ورصده للأصل الأوروبي لهذا البنيان أو الكيان، وصولًا إلى تشارلز تيلي Charles Tilly)2008–1929( الذي استمر على هذا التوجّه. وفي المقابل، فإن الدولة، في رأي بورديو، نتاج تراكمٍ تدريجي لمختلف
أنواع رؤوس الأموال، الرمزي والاقتصادي والثقافي، علاوة على رأس مال القوة المادية/ الفيزيقية.
(45) Bourdieu, Raisons Pratiques , p. 65. (46) Ibid., p. 66. (47) Ibid., p. 68.
(4((لتحديد الفرق بين الشرعية والمشروعية ينظر: مجدي عبد الحافظ صالح، "الشرعية والمشروعية بين الفلسفة السياسية،
وفلسفة القانون، والأخلاق"، تبُّيُن، مج 11، العدد 94 (صيف 0242)، ص.91–71 (4((يرى بورديو أن مساهمة تشارلز تيلي تكمن في أنه حاول انتزاع بناء أنموذج نشوء الدولة من النموذجين الخالدين المتمثلين في الحالتين الفرنسية والإنكليزية ليصل به إلى المستوى الأوروبي. لكنه ظلّ، على الرغم من جهده، متمحورًا أوروبيًا؛ ذلك أن مختلف
دول العالم لم تتولّد وفق أنموذج الدول الغربية. ثمّ إنّ النقاش غالبًا ما يكون مثقلًا بالأيديولوجيا، لأن البداية الأولى هي أولوية،
والأولوية امتياز. ينظر: بورديو، عن الدولة، ص 23.5
وقد حصلت هذه المراكمة تحت جنح ولادة الدولة السلالية، أما الحكم على المؤسسات المكلّفة بحفظ النظام بأنها منفصلة عن العالم الاجتماعي، وأنّ العنف الجسدي لا يمكن أن يطَّبَق إلا بواسطة
مجموعة متخصّصة، مكلّفة بهذه الغاية، ومميّزة بوضوح داخل المجتمع، فهو طرح ناقص وفقًا
لبورديو؛ ذلك أنّ احتكار الدولة للعنف المادي Physical Violence والعنف الرمزي Symbolic Violence، وضعٌ ملازم للحقول وما تنبض به من أشكال الصراع لجني الامتيازات المرتبطة بها. ثمّ
إنّ التوحيد والكونية النسبية المرتبطة بانبثاق الدولة، يعادلهما في الكفة المقابلة احتكار بعض الأفراد لهذه المصادر الكونية التي تنتجها الدولة وتحصل عليها. من المعروف أنّ رأس المال الرمزي Symbolic Capital عند بورديو هو ذلك الشكل من رأس المال الذي يولد من العلاقة بين نوعٍ ما من رأس المال، ووكلاء اكتسبوا الطابع الاجتماعي، بحيث يعرفون هذا النوع من رأس المال ويتعرفون إليه، ويعترفون به. يقع رأس المال الرمزي بين نطاقَي المعرفة Knowledge والاعتراف Recognition. ومن بين الأشكال الخالصة أو شبه المحضة من هذا الشكل من رأس المال هناك النبالة التي تقترن بالدولة كما بيّن بورديو في كتابه نبالة الدولة، لأن كلمة
Nobilis تعني معروفًا ومعترفًا به، أو واحدًا من الأعيان Notables. يعتبر بورديو أن الحقل السياسي Political Field هو حيّز ممارسة رأس المال الرمزي بامتياز. فهو الحيّز الذي يكون الوجود فيه وجودًا
قيد الرؤية؛ كما يكون الكون [أو الكينونة] فيه مساويًا لكون السياسي تحت الأنظار وقيد الإدراك.
إن رجل السياسة هو في الجانب الأعظم منه رجل معروف ومعترف به؛ ومن هنا، يمكن أن نفهم هشاشة رجال السياسة وحساسيتهم إزاء الفضائح، لأن الفضيحة تؤدي إلى أفول الحظوة، ما يؤثر في مراكمة رأس المال الرمزي. ينطبق التحليل نفسه على رأس المال الاقتصادي Economic Capital، فالثروة لا تُحدث تأثيرًا بما هي
ثروة فحسب؛ فهناك شكل متغيّر ومتنوّع من الاعتراف الذي يُمنح للثروة، يتغير تبعًا للمجتمعات
واللحظات، ممّا يسمح للقوة الاقتصادية بممارسة تأثير رمزي نوليه للثروة باعترافنا بها. ثمّ إنّ رأس المال
الاجتماعي Social Capital ورأس المال الثقافي Cultural Capital يشتملان أصلًا على الرمزي. إلا أنّ نزوع رأس المال الثقافي إلى العمل بوصفه رأسَ مالٍ رمزيًا يحظى بقوّة تؤثّر في التحليلات العلميّة التي
كوّنت رأس المال الثقافي بوصفه رأسَ مالٍ ثقافيًا؛ ذلك أنّ رأس المال الثقافي يتداخل مع الهبة Gift
التي تمنحها إيّاه الطبيعة إلى حدّ التماهي. وبناءً عليه، يصير حائز رأس المال الثقافي، بلاغةً وذكاءً وعلمًا،
منظورًا إليه تلقائيًا بوصفه حائزًا سلطةً شرعيّة أو مشروعة. ويؤدي هذا الأمر إلى تشكّلٍ وانتشارٍ لما يصفه
بورديو في سياق آخر بعنصرية الذكاء؛ أي تلك العنصرية التي تمارسها طبقة سائدة يُعاد إنتاجها اعتمادًا
على نقل رأس مال ثقافي موروث مندمج تم إلصاقه بمالكيه إلى حد أنه صار يبدو طبيعيًا وفطريًا.
(50) Pierre Bourdieu, La noblesse d’état, Grandes écoles et esprits de corps (Paris: Minuit, 2016 [1989]).
(5((بورديو، عن الدولة، ص.332 ((5(المرجع نفسه، ص.332–331
(53) Pierre Bourdieu, Questions de sociologie (Paris: Minuit, 2002 [1984]), pp. 264–268.
لقد أغفل ماكس فيبر ونوربرت إلياس وشموئيل نوح آيزنشتادت Shmuel Noah Eisenstadt)2010–1923( وتشارلز تيلي، بحسب بورديو، مسار تكوين رأس مال الدولة State Capital والمسار الذي اتخذه هذا التكوين. فالدولة حصيلة لتراكم أشكال مختلفة من رؤوس الأموال، المادية والاقتصادية والثقافية والرمزية، وهذا التراكم تدعمه الدولة نفسها التي تحتكر "الميتا–رأسمال" Meta Capital. يمنح هذا الموقع الدولةَ سلطةً تخوّلها الهيمنة على الأشكال الأخرى من رؤوس
الأموال، وعلى من يحوزونها. ثمّ إنّ تركيز أشكال رأس المال المختلفة، الذي يوازيه تركيز الحقول المتعلّقة بها، يؤدّي إلى انبثاق رأس مال دولتي Etatique، يسمح للدولة بالهيمنة على الحقول، وعلى الأشكال المختلفة من رؤوس الأموال.
ثالثًا: الهيمنة الرمزية وسلطة إضفاء الشرعية والمشروعية
إن الدولة، كما هو شائع، بمنزلة سلطة سيّدة تمارَس على شعبٍ وإقليمٍ محَّدَدين، وهي جملة من
الدوائر والخدمات العامة لأمّة، أو دوائر خدمات عموميّة. ثَّمَ إنّها تهيمن على السيرورة التي يتخذها
توزيع المجال، عبر احتكارها لتوزيع مختلف الفئات الاجتماعية بحسب الانتماءات وقيمة رؤوس الأموال التي يحوزونها. ولفهم سلطة الدولة في أخصّ خصائصها، وكشف الهيمنة الرمزية التي تمارسها، ينبغي مساءلة أنماط ثقافية يُنظر إليها على أنها متنافرة، ومقابلة النظرة الطبيعية للعالم الاجتماعي، التي تعتبر العلاقات الاجتماعية علاقات قوى طبيعية، بناءً على النظرة "السيبرنيطيقية" أو
"السيميولوجية" التي تجعل من هذه العلاقات علاقات قوى رمزية؛ علاقات معنى وعلاقات تواصل. فعلاقات القوّة هي في الوقت نفسه علاقات رمزية، وأفعال الخضوع والطاعة هي أفعال معرفية.
وباعتبارها كذلك، فهي تؤسس لبنى ذهنية، ولأشكال ولمقولات إدراكية، ولمبادئ الرؤية والتفرقة. وبما أنّ الوكيل يشيّد العالم الاجتماعي من خلال بنى معرفية وأشكال رمزية كما بيّن إرنست كاسيرر
Ernst Cassirer (945–18741)، وعبر نماذج للتصنيف بحسب دوركهايم، فإنّ هذا الأمر يضع الدولة في موقعٍ يتيح لها أن تفرض على نحو كليّ جامعٍ؛ أي بطريقة لا استثناء فيها، على صعيد نطاقٍ
إقليميٍ ما، مبادئ رؤية، وأن تملي الأشكال الرمزية ونماذج التصنيف.
((5(بحسب بورديو، فإن نوربرت إلياس يترك البعد الرمزي [الاعتباري] لسلطان الدولة يُفلت منه، ويستبقي أساسًا تَكُوُّنَ احتكارٍ
مزدوج؛ احتكار العنف المادّي واحتكار الضريبة. ثمّ إنّه يثابر على وصف مسار العملية الاحتكارية الذي يسير جنبًا إلى جنب مع
مسار استحالة أو تحوّل الاحتكار الخاصّ إلى احتكار عمومي. ينظر: بورديو، عن الدولة، ص.223 ((5(يقول آيزنشتادت إن الدولة تظهر مع تراكم الموارد "المشتّتة" وتجميعها وتركّزها؛ موارد من فضة وذهب وتقنيات. ويضيف
بورديو الموارد الرمزية، لأن للدولة صلتها بهذه الموارد الرمزية المشتّتة. ينظر: المرجع نفسه، ص.140 ((5(يعرض بورديو لمستصفى تصنيف تيلي "الفذّ والفريد" لأصناف نشوء الدولة ونماذجها، مُقارِنًا بينه وبين تصنيف نوربرت إلياس
لهذه الأصناف والنماذج، ومُنبّهًا على نحو نقدي لإغفال تيلي للبعد الرمزي في تشكّل الدولة، وهو المنطلق نفسه الذي اعتمده
بورديو لنقد طرح مجموعة من علماء الاجتماع حول الدولة. ينظر: المرجع نفسه، ص 32.5–230
(57) Bourdieu, Raisons Pratiques , p. 58. (58) Bourdieu, La misère du monde , pp. 249–262. (59) Bourdieu, Raisons Pratiques , p. 57.
ليست الدولة مجرد هيئة تضفي الشرعية أو المشروعية على نظامٍ قائمٍ بفعل نوعٍ من "الدعاية السياسية"، أو هيئة تقول إنّ النظام الاجتماعي هو على هذا النحو، وهكذا ينبغي أن يكون. ثمّ إنّها
ليست إضفاءً لصفة الكلي الجامع على المصلحة الخاصة التي تعود إلى الغالبين المسيطرين الذين
يتوصّلون إلى فرض أنفسهم على المغلوبين والمقهورين كما في التعريف الماركسي، وإنّما هي
هيئة تُنشئ العالم الاجتماعي وفق بعض البنى؛ حيث تصنع بنية النظام الاجتماعي نفسه، والبنية الزمنية، وطرق التفكير. فكل الحياة الاجتماعية هيكلتها الدولة وأعطتها بنيتها، كما أنّها شيّدت
فكرنا وأنتجت بنيته. يتطلّب هذا الأمر أخذ العوامل الثقافية ورأس المال الثقافي في الاعتبار. وهو يتطلّب من عالم الاجتماع أيضًا أن يعيد تملك مقولات فكر الدولة، والمقولات التي أنتجتها الدولة ورسّختها فينا لأنّها نتجت في اللحظة التي كانت فيها الدولة في طور الإنتاج والحدوث،
والتي نطبّقها على الدولة لكي نفكّر فيها إلى الحد الذي تبقى معه مغيّبةً عن التفكير ما دامت
بمرتبة المبدأ المغيّب لأغلبية أفكارنا والمسكوت عنه في فكرنا، بما في ذلك في أفكارنا وفكرنا
عن الدولة. إذا كانت الماركسية قد اعتبرت أنّ الدولة ليست جهازًا يوجّه نحو المصلحة المشتركة وأنها على
العكس من ذلك جهاز قسر وإكراه وحفاظ على النظام العام على نحو يخدم مصلحة المسيطرين، فإن بورديو اعتبر أن السنن الماركسية، بدءًا بماركس نفسه مرورًا بلوي ألتوسير Louis Althusser
(980–19181) وصولًا إلى أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci)1937–1881(، لم تطرح مشكلة الدولة بقدر ما قامت بتوصيفها من خلال ما تقوم به وبالناس الذين تقوم بما تقوم به من أجلهم؛ ما يؤدي إلى إغفالها للميكانيزمات التي يفترض أنها تنتج ما يؤسس الدولة. وللتفكير في سيطرة الدولة وتعُّقُلها، وهي مسألة لا تتوقف الماركسية عن الإلحاح عليها، يجب إدخال التقليد الدوركهايمي بحسب بورديو؛ وذلك لأنّ الماركسية لا تتوفر على الوسائل النظرية لتفكير سيطرة الدولة وتعقلها وغلبتها، أو للتفكير في أيّ شكل من سائر أشكال السيطرة. فالماركسية والنظريات
التي يمكن وضعها في خانة الاقتصادوية، مثل نظريات تشارلز تيلي ونوربرت إلياس، تُقلّص الدولة لتصبح أداة قمع وتُحوّلها إلى انعكاس للسلطان الاقتصادي. وبما أنّ الُّسُنّة الماركسية لا تمتلك
وسائل الفهم الكامل لمفاعيل الأيديولوجيا التي لا تتوقّف عن الإشارة إليها والإحالة عليها على الرغم من أنها كلمة مبهمة وغامضة، فقد ألغاها بورديو واستبدلها بكلمة تفوقها بربرية، لكنها أشد وضوحًا ودقّة في رأيه. يتعلق الأمر هنا بمفهوم سوسيوديسيه (العدل الاجتماعي) الذي استلهمه من
مفهوم لايبنتز Gottfried Wilhelm Leibniz (6467–1171) ثيوديسيه (العدل الإلهي). ينطبق
(6((بورديو، عن الدولة، ص.290–190 ((6(على الرغم من استفادة بورديو من مفهوم الهيمنة الذي طوّره غرامشي في كتاباته الأساسية، فإنه يتحفظ بخصوص دور
غرامشي على مستوى الماركسية، فيقول "ثمة كثير ممّا ينبغي قوله في دور غرامشي الذي يجري تقديمه كبطليموس المنظومة
الماركسية وكمن يظهر بمظاهر طريق الخلاص خارج هذه المنظومة، في حين أنه هو من يزيد في الإقفال عليها في هذا الطريق المسدود". ينظر: المرجع نفسه، ص.245
((6(المرجع نفسه، ص 411؛ , p. 264 Questions de sociologie Bourdieu,.
هذا الأمر على الديالكتيك Dialectic الذي اعتبره بورديو بمنزلة "ساتر عورة نظري" ومأوى للجهل بتعبير سبينوزا؛ ذلك أنّنا لا نحلّ المشكلة بمجرد أن نسمّيها على الرغم من أنّ في التسمية فضلًا كبيرًا وكثيرًا من الجدارة. لقد فرض ماركس إشكاليته على الذين طرحوا على أنفسهم مثل هذا الضرب من المشكلات كافة، وكذلك على أولئك الذين فكّروا ضدّه وبمواجهته كالبنيويين الوظيفيين الذين يعارضونه سياسيًا كلًّيًا، لكنهم يلحّون على فكرة التناقض في عملية تجميع الموارد وتركيزها، وهي تجري ضد الإقطاعيين ومن أجلهم في آٍن. ولذلك، انتقل بورديو إلى معارضة الرؤية الماركسية بالرؤية الهيغلية للدولة، على الرغم من أنّ الرؤيتين تمثلان قطبين متضادين/ متناقضين على مستوى أنثروبولوجيا الدولة، معتبرًا أن هاتين الرؤيتين المتناقضتين على المستوى الظاهري وجهان لعملة واحدة، لأننا لا نستطيع الوصول إلى الدولة الهيغلية من دون الوصول إلى الدولة الماركسية؛ إذ يقول: "الدولة هي مثل جانوس [الإله الروماني ذو الوجهين]، بحيث إنه لا يمكن أن ننطق بخاصية إيجابية لها من دون أن نثني في الحين ذاته بخاصية سلبية، أو نورد خاصية هيغلية من دون خاصية ماركسية، أو خاصية تقدمية من دون خاصية رجعية قمعية". "لا يمكن تجاوز الماركسية لكن، شريطة تجاوزها" أو "لا يمكننا أّلا نمر عبر ماركس، لكن يجب علينا أن نتجاوزه". هذه هي المقولة التي كان بورديو يُردّدها في صيغتها الأولى أو الثانية نكاية
في سارتر أولًا، وعندما يشرع في نقد الماركسية التي ملأت الرؤوس، بحسبه، مشكلاتٍ مزيفةً من خلال تناقضات وتمييزات وتمحكات مستحيلة وغير قابلة للتجاوز أيضًا. فالتمييز بين الأيديولوجيا والحقيقة العينية هو أحد التقسيمات الدرامية التي تحول دون فهم مسارات أخرى، كالمسار الذي وصفه فيبر، وتبنّاه بورديو باعتباره أحد أهم قرّائه، والذي يقوم على الانتقالات الدائمة من الخطاب إلى الحقيقة العينية للشعائر والطقوس. لقد تميز فيبر من ماركس، بحسب بورديو، دائمًا عندما طرح السؤال الذي سبق أن طرحه هيوم: كيف حدث أنّ الغالبين المسيطرين يسيطرون؟ وقصد الإجابة والتفسير، فقد قدّم فيبر حجّة الاعتراف بالمشروعية (أو الشرعية) التي أنشأها وكوّنها سوسيولوجيًا.
(6((بورديو، عن الدولة، ص.476 ((6(المرجع نفسه، ص.140 ((6(المرجع نفسه، ص.154 ((6(المرجع نفسه، ص.177 ((6("لا يمكننا أّلا نمر عبر ماركس، لكن يجب علينا أن نتجاوزه"، ينظر:
Pierre Bourdieu & Loïc Wacquant, Réponses, Pour une réflexive (Paris: Seuil, 1992), p. 67.
(6((بورديو، عن الدولة، ص.459 ((6(المرجع نفسه، ص.300
إن الدولة بهذا المعنى بمنزلة بناء اجتماعي مؤسّس منطقيًا ولسانيًا بطريقة ناقصة، ومنتوج لعملٍ
معياري ومشفّر. إنها وهمٌIllusion ذو أساس مكين، وحيّزٌ موجود أساسًا بسبب أنّنا نعتقد أنه
موجود. فهي تساهم في الحين والآن ذاتيهما، في إنتاج تراتبيات، ومبادئ تَراتُب موافقة ومطابقة لهذه التراتبيات. ومن بين مبادئ التراتب هذه "الأطر الاجتماعية للذاكرة" بتعبير موريس هالفاكس Maurice Halbwachs 945–1877(1)، ومنظومات القيم وتراتبية الميادين والأنواع. إنّها بهذا المعنى فكرة تتطلّب التحديد من خلال جرد خصائصها؛ كاحتكار الاستخدام الشرعي للعنف المادي والرمزي، على رقعة جغرافية محدّدة، وعلى مجمل سكانها. فإذا كانت الدولة قادرة على ممارسة العنف الرمزي، فذلك لأنها تتجّسد في شكل بنى وآليات خاصة، وتتسرب إلى الذوات والأدمغة؛ أي إلى البنى العقلية، وخطاطات الإدراك والتفكير. إنها حصيلة لسيرورة من البناء الاجتماعي والعقلي المتكيّف الذي يُبنى بالموازاة مع بناء حقل السلطة باعتباره الحلبة التي يتصارع داخلها أصحاب
رؤوس الأموال بهدف احتكار رأس المال الدولتي الذي يمنح سلطة إنتاج رؤوس الأموال وإعادة إنتاجها (من خلال المؤسسات التعليمية). وهنا يشدّد بورديو على أنّ كل الظواهر تدعو إلى التركيز
على رأس المال الرمزي لسلطةٍ معترف بها، تجاهلته كل نظريات نشأة الدول. فالدولة التي تمتلك وسائل فرض وترسيخ المبادئ المستدامة للرؤية والتقسيم المرافقين لبناها الخاصة، هي مكان لتركيز السلطة الرمزية وممارستها بامتياز. وعندما تعلن الدولة بنفوذها عن حقيقة كائن، شيء أو فاعل، في تعريفه الاجتماعي الشرعي؛ أي ما هو مصرّحٌ له بأن يكونه، وما له الحق في أن يكونه، وتمنح له الوجود الاجتماعي الذي له الحق
في المطالبة به، أو الإعلان عنه، أو ممارسته (في مقابل الممارسة غير الشرعية)، فإنها عندئذٍ تمارس سلطة أخلاقية Moral Authority. ثمّ إنّ عددًا من الصراعات Struggles التي تبدو في المظهر موجّهة ضدّها، وتقرّ لها بهذه السلطة، عندما تطالبها بالترخيص لفئة معينة من الوكلاء أن يكونوا رسميًا؛
أي علنيًا وكونيًا، ما هم عليه بالنسبة إلى أنفسهم، فهي عندئذٍ لا تخرج عن عملية التسمية والتعيين،
باعتبارها لعبة، تخضع لمنطق شبيه بمنطق السحر كما وصفه مارسيل موس Marcel Mauss 1–872(950 1). فإذا كان ثمّة فعل دولةٍ أو فعل "دولتيّ" حًّقًا، فهو التسمية أو التعيين لجملةٍ من الناس
المعترف بحذاقتهم، والمعروفين بأهليّتهم اجتماعًّيًا لتولّي وظيفةٍ ما وإنجازها. ثمّ إنّ لعبة التقسيم،
والتراتبية الاجتماعية المتصلة بها، من تشكيل الدولة التي تكرّس هذا التقسيم في الواقع، وفي عقول
الوكلاء المشكّلين لبناء هذا الواقع، ليصير بذلك الاستبداد الثقافي عاديًا وطبيعيًا.
(70) Bourdieu, Raisons Pratiques , p. 55.
(((7 بورديو، عن الدولة، ص.30
(72) Bourdieu, Raisons Pratiques , p. 62. (73) Ibid., p. 64.
(((7 بورديو، عن الدولة، ص.53
(75) Bourdieu, Raisons Pratiques , p. 55.
يمارس بناء الدولة بوصفها حقلًا سلطانَ تحويل القوة المادية والقوة الرمزية إلى قوة مركزية. وسلطان المركزة هذا هو ما يجعلها موضع رهان وبؤرة صراع، وكلّما تمدّد، صعب على حائزه مراقبته، وزاد ارتهانه لتابعيه والمرتهنين له، بوصف ذلك حصيلةً لاحتكاره. يقول بورديو في هذا السياق: "الدولة حيّز سلطانٍ معترف به يحشد وراءه [أو وراءها] إجماعًا اجتماعيًا. إنّه إجماع
ممنوح لهيئة تتولّى تعريف المصلحة العامة وتحديدها؛ أي ما هو خير للعموم، في العموم وأمام العموم، ولجملة الناس الذين يعرفون ويحدّدون العموم والعمومي". هنا، تطرح تناقضات لها علاقة بنشوء الدولة، وهي تناقضات مهمّة لفهم "ما الدولة؟". فحائز السلطة يزداد ارتهانًا للمرتهنين
له، كلما ازداد هؤلاء عددًا؛ إذ تنبثق الدولة، إن في بدايات النشوء، أو بعد حال المأسسة، بوصفها
ضربًا من مخزنٍ "احتياطيّ" أو مدّخرٍ للموارد الرمزية، ولرأس المال الرمزي. وبهذه الصفة، تصير
أداةً لصنف معيّن من الوكلاء، ورهانًا، في آنٍ، للصراع بين هؤلاء الوكلاء. يستحضر بورديو هنا
سبينوزا في سياق حديثه عن الطاعات واللياقات، التي لا تعني احترام الأشخاص والصيغ والناس، بقدر ما تحيل إلى شيء جوهري جدًا هو: الاحترام الذي يتوجّه عبر هذا كله إلى الدولة أو إلى
النظام الاجتماعي؛ أي أفعال المجاملة المفرطة والمراعاة البالغة المشتملة على الاحترام الخالص للنظام الرمزي كما يبديها الوكلاء الاجتماعيون في المجتمع، بما في ذلك أكثرهم نقدية وأعظمهم فوضوية وأشدهم تمردًا. فهو يرى أن هؤلاء يقومون بما يقومون به تجاه النظام القائم من دون أن يعلموا أنهم يقومون به. إنّنا بصدد طرحٍ، يبدو راديكاليًا بالحد الأدنى، سجاليًا بالحد الأقصى. مع العلم أن صاحبه قد كان
واعيًا بصعوبة تنزيله وبسطه وتبيينه، والسبب في رأيه يعود إلى الأفكار الراسخة، والأحكام الجاهزة
المتحكّمة في أذهان "الوكلاء". يقول بورديو في هذا الصدد "يساء غالبًا فهم العمل الشاق واللانهائي
اللازم، من أجل تحقيق القطيعة مع المواضيع التي لم تُطرح مطلقًا بصفتها فرضيّات فقط، إلى حدّ أنها
صارت محفورة في البديهيات وليدة التجربة الاعتيادية". وبناءً عليه، يصير إحداث القطيعة مع فكر
الدولة مثل معركة ضارية تتطلب من عالم الاجتماع، الذي يسعى لتحليله وتفكيكه وتجاوزه، جهدًا كبيرًا. والسبب في ذلك يرجع أساسًا إلى البناء المعقّد لهذا الفكر من جهة، والتطبيع الذي أحدثه
مع أذهان الوكلاء Les Agents/ Agents المكونين للحقل الاجتماعي، من جهة أخرى. ثمّ إنّه من
بالغ الصعوبة أن تؤلف ذهنيًا وعقليًا، وأن تجمع بين الوصف والتحليل معًا، وتقدّم اقتراحات عامة
حول الدولة، عندما يتعلق الأمر بوضع الدولة كما نلاحظه اليوم. فكون الدولة مسارًا من التركيز
والمراكمة يجعلها عصيّةً على التفكير، لأنه لا بد من التفكير في أشياء عدة في آن. وهذا ما جعل
7(((بورديو، عن الدولة، ص.215 (((7 المرجع نفسه، ص.154 (7((المرجع نفسه، ص.226 (7((المرجع نفسه، ص.71
(80) Bourdieu, Raisons Pratiques , p. 54.
(8((بورديو، عن الدولة، ص.52
بورديو يشعر دائمًا شعور الطفل الذي يتحدث عنه أفلاطون Platon (/428 8–427/34 437 ق. م).،
والذي يريد أن يمسك بثلاث تفاحات بيدين اثنتين.
رابعًا: نقد علم الاجتماع النقدي وعلم اجتماع النقد
يضطلع العلم الاجتماعي بمجموعة من المهمات التي تتطلب من الباحث تنفيذها، من بينها كشف الرهانات والمصالح Interests والنزاعات Conflicts التي تحرّك المواقف التي يحللها الباحث
الاجتماعي، والتي تتغير على نحو لانهائي مع تغيّر الزمان والمكان. فهذه الرهانات بمنزلة آثار
وتغييرات ناتجة من العمل الجماعي من جهة، ومن المعايير والقيم الذي يستند إليها من جهة أخرى. إنّها تنبثق من النزاعات والنقاشات التي يخوضها الأفراد جزئيًا بحسب السوسيولوجيا النقدية. وفي
المقابل، كما يؤكد أنصار السوسيولوجيا التداولية للنقد، من غير الممكن إدراك هذه الرهانات على نحو واضح والتعبير عنها من دون تبنّي نشاط بحثي يكشف اللامرئي واللامفَّكَر فيه. فالعلوم الاجتماعية لا تكون ضرورية إلا حين تبدو الوقائع غير مفهومة، وغير مفيدة، وتمنح هذه العلوم هذه الوقائعَ شيئًا من الوضوح. تقوم السوسيولوجيا النقدية على الربط بين البنية والفعل، وكشف التفاوتات وطرق إعادة إنتاجها. وفي المقابل، تتأسّس السوسيولوجيا التداولية للنقد على تأكيد الاعتراف بوعي الوكلاء، ودراسة
الاختبارات والنزاعات، والانتباه للظلم وأشكال تبريره. في هذا الإطار، يرى ديدييه فاسان Didier Fassin 950(–1) أن هاتين "السوسيولوجيتين" تتجنّبان الموضوع الرئيس للنقد. فالأولى تعمل على تحليل التنافسات والصراعات التي تحدث في حقل اجتماعي معيّن. أما الثانيّة، فتصف
البراهين المستخدمة والاختبارات التي تجري مواجهتها. وبناءً عليه، فإنّ كل سوسيولوجيا تكشف
على طريقتها لعبة الوكلاء، من دون أن تُحدّد الهدف على نحو حقيقي (على المستوى الاجتماعي). وفي المقابل، يهتمّ العمل النقدي، كما يقترح فاسان، بهذه الرهانات التي تظهر في جزء منها في
النزاعات والنقاشات كما يفترض ذلك علم اجتماع النقد؛ لكنها تنتج أيضًا من عمل البحث الذي يظهر اللامرئي والمسكوت عنه، كما يوحي بذلك علم الاجتماع النقدي. تحمل هذه الرهانات دلالة تجاه عملية تعبئة ثنائية للتاريخ والإثنوغرافيا بخاصة؛ فالتاريخ يسمح بإدراك جينيالوجيا هذه الرهانات والطريقة التي تندمج فيها في الممارسات الفردية والجماعية، في الوقت نفسه. أما الإثنوغرافيا، فتؤسس فهمًا للعالم الاجتماعي يعتمد على ما يفهمه الوكلاء منه،
((8(المرجع نفسه، ص.338
(83) Bourdieu, Choses dites , pp. 124–131.
(8((ديدييه فاسان، "على عتبة المغارة: الأنثروبولوجيا باعتبارها ممارسة نقدية"، في: باسكال هاغ وسيريل لوميو، دراسة العلوم
الاجتماعية: النقد (بيروت: دار الفارابي، 0162)، ص.264–263 ((8(للمزيد ينظر: سيمون سوزن، "هل يمكن التوفيق بين بيير بورديو ولوك بلطنسكي؟ من أجل حوار بين السوسيولوجيا النقدية
والسوسيولوجيا التداولية للنقد"، ترجمة محمد مرشد، عُمران، مج 11، العدد 44 (ربيع 0232)، ص.171–133
من دون أن يختزلوا فيه. وبناء عليه، فإن توضيح العلوم الاجتماعية للرهانات، في رأي فاسان، لا يتطلّب الاقتصار على الإثنوغرافيا من أجل إدراك ما يفهمه الوكلاء من وراء تلك الرهانات، ولجعلهم مدركين للطريقة التي يفهمونها بها. ولذلك، يدعو الطبيب والباحث الفرنسي إلى الجمع بين الإثنوغرافيا والتاريخ. يوجّه فاسان نقده إلى علم الاجتماع النقدي وعلم اجتماع النقد على حد سواء. فإذا كان مؤسس الأول
(بورديو) قد اعتبر أنّ شمولية علم الباحث تأتي لتُسقط أقنعة المسيطرين وترفع جهل المسيطر عليهم،
فإن فاسان يرى، من وجهة نظرٍ إثنوغرافية، أن هذا الوضع غير كافٍ، لأنّ الباحث لا يستطيع أن ينكر أنه يحصل من المستجيبين على جزء كبير من معلوماته، التي تساعده على الفهم. في المقابل، تقوم المنهجية التي ينادي بها علم اجتماع النقد، كما أسّسه لوك بولتانسكي Luc Boltanski (940–1)،
على وصف النزاعات وصياغتها من جانب رجل العلم، الذي يقدّم القواعد التي تستند إليها التبريرات
التي يعلن عنها الوكلاء عندما يحاولون تفسير أفعالهم. يرى فاسان كذلك أن هذه المقاربة غير كافية من وجهة نظر أنثروبولوجية. فكلّ ما يجتهد الباحث من أجل القيام به هو وضع الخطابات ضمن سياقها الثقافي والتاريخي، وإضفاء صفة الموضوعية عليها في ضوء المواقع التي يحتلها الوكلاء في الحيز الاجتماعي. وبناءً عليه، يدعو فاسان إلى تجاوز ما قُدّم على أنه تناقض لا بدّ منه بين
علم الاجتماع النقدي وعلم اجتماع النقد. وهنا، تملك الأنثروبولوجيا، وفقًا له، قدرةً من نوع خاص، تخوّلها "طبيعة الممارسة الخاصة بها"؛ وهي الجمع بين الملاحظة القريبة والنظرة البعيدة.
وهو ما يتطلب اكتسابًا للوعي النقدي.
خاتمة
بدأ اهتمام عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بالدولة في مؤلفاته المتأخرة؛ أي تلك المؤلفات المنشورة خلال التسعينيات من القرن العشرين، فقدّم بخصوصها دروسًا في الكوليج دو فرانس على
امتداد ثلاث سنوات، وتكفّل طلبته بنشرها بعد وفاته بعشر سنوات. يرجع سبب هذا التأخّر إلى الحذر الذي طبع تعامل بورديو مع هذا المفهوم الميتافيزيقي أو الجسد الخيالي الذي يُنتج مشكلات زائفة
بحسب تعبيره. لكن هذا الأمر لم يمنعه من الرجوع إلى أهمّ الأدبيات التي تناولته، مع تركيز على
الأدبيات الأنكلوفونية، وذلك من منطلق موقفه الصريح تجاه الأدبيات الفرنكوفونية وأصحابها الذين نادرًا ما استشهد بهم في كتاباته المتأخّرة. لقد أغفلت جل التصورات الفلسفية والسوسيولوجية
التي قاربت مفهوم الدولة مجموعةً من الخصائص، أهمها احتكار هذا الكيان الوهمي للعنف الرمزي
((8(فاسان، ص 285. ((8(المرجع نفسه، ص 270. ((8(المرجع نفسه، ص.271–270 ((8(المرجع نفسه، ص.267 ((9(يقول بورديو في هذا السياق: "كلما تقدّمت في السنّ ورحت أشتغل حول مانيه أو فلوبير أو حول الثورة الفرنسية... إلخ،
انحصرت قراءاتي في اللغة الإنجليزية [...] وهذا يعني ما يعنيه حول حالة البحوث الفرنسية". ينظر: بورديو، عن الدولة، ص.529
والرساميل والحقول، علاوةً على العقول. ينطبق هذا على ماكس فيبر ونوربرت إلياس وتشارلز تيلي، كما ينطبق إلى حدّ ما على شموئيل نوح آيزنشتادت وبيري أندرسون وبارينغتون مور وفيليب كوريغان وديريك ساير وغيرهم. يتوَّزَع مفهوم بورديو للدولة ومساهمته في النقاش النظري الدائر حولها منذ العصر الحديث ويحضر في مجموعة من كتاباته وحواراته ودروسه التي نشرها بنفسه أو نشرها بعض تلامذته بعد وفاته. تتميّز هذه المفهمة، علاوة على نهلها من مختلف الأدبيات والتقاليد والنظريات، بارتكازها
على العمل الميداني الطويل الذي أنجزه سواء بمفرده أو مع مجموعته البحثية في المركز الأوروبي للسوسيولوجيا الذي كان يصدر منه مجلّته الشهيرة وثائق البحث في العلوم الاجتماعية Acte de la Recherche en sciences sociales، والتي نشر في مجموعة من أعدادها بعض الأوراق التي تدخل في صميم مفهومه للدولة. وبما أنّ تصوّره كان يَّتَصف بالتعقيد والغموض، بل بالمبالغة
أيضًا، فقد خصّص دروسه في الكوليج دو فرانس التي منحته كرسي السّوسيولوجيا خلفًا لرايمون
آرون Raymond Aron (983–19051) لموضوع الدولة خلال الفترة الممتدّة ما بين 9899921 و.1 وبما أنّ سوسيولوجيا بورديو النقدية نفسها لم تسلم من الفحص والمراجعة النقدية، فقد عرضت الدراسة للنقد الموَّجَه لهذه السوسيولوجيا. حيث ركزت على نقد ديدييه فاسان الذي شدد على
أهمية الأنثروبولوجيا والحوار بين السوسيولوجيا النقدية التي تزعّمها بورديو والسوسيولوجيا
التداولية للنقد التي مثّلها لوك بولتانسكي في فرنسا، وعلى أهمية الانعكاسية النقديّة نظرًا إلى
دورها في بناء الحقيقة العلميّة عبر الاعتماد على التاريخ والإثنوغرافيا بدلًا من البقاء في الإطار
الضيق للسوسيولوجيا. حظيت مساهمات بورديو العلمية ومواقفه السياسية باهتمام كبير من الباحثين في العلوم الاجتماعية والدراسات الفلسفية والنظريات النقدية، وذلك بقدر ما جرى النهل من نظريته المعروفة بنظرية الممارسة واستلهامها في العديد من الأبحاث التي لا تنتمي بالضرورة إلى السوسيولوجيا السياسية. لم يشمل هذا الاهتمام تصور بورديو لمفهوم الدولة الذي حضر بقوة في الدراسات الفلسفية والنظريات النقدية منذ فجر العصر الحديث إلى اليوم، نظرًا إلى الوظائف المهمة التي
تقوم بها على مستوى التنظيم الاجتماعي واحتكار العنف المادي والرمزي والسيطرة على الموارد
والهيمنة على الحقول والعقول والثروات. وبما أنّ تحليلاته ومناقشات نقّاده لم تأتِ على ذكر المساهمات العربية في حقل التنظير النقدي لمفهوم الدولة، فإن استحضار عيّنة من هذه المساهمات
المسكوت عنها في السياقات الغربية يصير مهمّة أساسية بالنسبة إلى الأبحاث والدراسات العربية،
وهو ما يتطلّب القيام بعودة إلى هذه المساهمات في أفق فحصها ونقدها وتطويرها من أجل فهمٍ أعمق لإشكالية العلاقة بين النظرية الاجتماعية النقدية والدولة، ليس في السياقات الشمالية والأورو–أميركية فحسب، بل في الأوساط الجنوبية أيضًا، خصوصًا أنّنا "لا نجد في جعبة نظريات
نشوء الدولة الحديثة في أوروبا الكثير المفيد بشأن منشأ دول ما بعد الاستعمار في آسيا وأفريقيا،
((9(بعد وفاة بورديو ونهاية مرحلة إدارته للمعهد صار اسمه "المركز الأوروبي للسوسيولوجيا والعلوم السياسية."
ولا في أميركا اللاتينية، كما أنها لم توضع بغرض تشخيص الوصل والفصل بين الدولة الحديثة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينيّة والبنى الاجتماعيّة التي كانت قائمة قبل نشوئها، وكذلك بينها وبين
الكيانات السياسية التي وجدت قبل الاستعمار".
References
المراجع
العربية
الأحمر، مولدي. "ذكرى في وداع عالم الاجتماع الكبير عبد الباقي الهرماسي: عندما تستهلك الدولة المغاربية مفكريها". إنسانيات. العدد 2).021(94 أرسطو. السياسة. ترجمة أحمد لطفي السيد. بغداد/ بيروت: منشورات الجمل،.2009 بشارة، عزمي. الدولة العربيّة: بحث في المنشأ والمسار. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث
ودراسة السياسات،.2024 ________. مسألة الدولة: أطروحة في النظرية والفلسفة والسياقات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 بورديو، بيير. الأنطولوجيا السياسية عند مارتن هايدغر. ترجمة سعيد العليمي. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2005 ________. عن الدولة: دروس في الكوليج دو فرانس (1989–1992). ترجمة نصير مروة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 ________. أسباب عملية: من أجل إعادة النظر بالفلسفة. ترجمة أنور مغيث. القاهرة: آفاق للنشر والتوزيع،.2018 ________. "الموضعة المشاركة، أو في الشروط الاجتماعية للموضعة". ترجمة الحبيب درويش. عُمران. مج 9، العدد 34 (خريف.)2020
(9((بشارة، مسألة الدولة، ص 811؛ في كتابه هذا، يتّفق عزمي بشارة مع بورديو في أن المناقشات بين نظريات الدولة وحولها
لا تنتهي، لأنها تدور في مجال نظريّ قائم بذاته، منبتّ الصلة مع "أشياء العالم العيني والحياة اليوميّة"، وحتى مع مقولته التي يشوبها
بعض السخرية، ومفادها أنّ التطلّعات والرغبات الاجتماعية للباحثين والقرّاء هي سبب الأفضلية التي تتمتع بها النظرية على التجربة
والعلوم التجريبية، لكنّه يُوجّه نقده لبورديو الذي كرّر، بحسب بشارة، تحليلات نوربرت إلياس في محاضراته حول الدولة خصوصًا،
والنظريات الغربيّة التي لا تصلح لتناول مسألة الدولة في سياقاتنا عمومًا، إذ يقول بشارة: "على الرغم من اتفاقي معه [أي بورديو
وكتابه حول الدولة]، فإنني أرى جواز التفكير الفلسفي ليس فقط كتمرين عقلي، بل أيضًا لفائدته العمليّة في سياق البحث في الدولة
حين يتطرق إلى قضايا السلطة والحرية والشرعيّة والطاعة والأخلاق. ولمن شاء أن يطلق على هذه التأملات تسمية 'فلسفة سياسية'
أو 'فلسفة اجتماعية'، لكن مع إدراك أنه قد يشمل نظرية في الدولة، وذلك بمعنى النموذج التفسيري فحسب، من دون أن يكون
بالضرورة نظرية علمية". بشارة، 62–61 مسألة الدولة، ص، 134؛ بشأن منزلة كتابَي مسألة الدولة والدولة العربية في مشروع بشارة،
ينظر: محمد عثمان محمود، "الدولة والدولة العربية في مشروع بشارة الديمقراطي: مقاربات فلسفية سياسية"، تبُّيُن، مج 13،
العدد 52 (ربيع 0252)، ص.37–9
سبينوزا، باروخ. رسالة في اللاهوت والسياسة. ترجمة حسن حنفي. بيروت: دار التنوير،.2005 ________. علم الأخلاق. ترجمة جلال الدين سعيد. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2009 سوزن، سيمون. "هل يمكن التوفيق بين بيير بورديو ولوك بلطنسكي؟ من أجل حوار بين السوسيولوجيا النقدية والسوسيولوجيا التداولية للنقد". ترجمة محمد مرشد. عُمران. مج 11، العدد 44 (ربيع 2).023 صالح، مجدي عبد الحافظ. "الشرعية والمشروعية بين الفلسفة السياسية، وفلسفة القانون، والأخلاق". تبُّيُن. مج 11، العدد 94 (صيف.)2024 الفراع، عز الدين. "الدولة التسلطيّة في المجتمعات العربية بين خلدون النقيب وعبد الله حمودي:
مساهمة مشرقية – مغربية في النظرية الاجتماعية النقدية". عُمران. مج 11، العدد 41 (صيف 2).022 محمود، محمد عثمان. "الدولة والدولة العربية في مشروع بشارة الديمقراطي مقاربات فلسفية سياسية". تبُّيّن. مج 13، العدد 52 (ربيع.)2025 مروة، نصير. "عن الدولة: دروس في الكوليج دو فرانس (992–19891)، مراجعة لكتاب بيار بورديو". عُمران. مج 6، العدد 23 (شتاء.)2018 هاغ، باسكال وسيريل لوميو. دراسة العلوم الاجتماعية: النقد. بيروت: دار الفارابي،.2016 يتيم، عبد الله عبد الرحمن. "بيير بورديو أنثروبولوجيًا". إضافات. العدد 14 (ربيع 2).011
الأجنبية
Bonnewitz, Patrick. Premières leçons sur la sociologie de Pierre Bourdieu. Paris: Presses Universitaires de France, 2002. Brown, Nicholas & Imre Szeman (eds.). Pierre Bourdieu: Fieldwork in Culture. Lanham/ Boulder/ New York/ Oxford: Rowman and Littlefield Publishers, 1999. Bourdieu, Pierre. Le sens pratique. Paris: Minuit, 1980. ________. Homo academicus. Paris: Minuit, 1984. ________. L’Ontologie politique de Martin Heidegger. Paris: Minuit, 1988. ________(dir.). La misère du monde. Paris: Seuil, 1993. ________. Raisons Pratiques, sur la théorie de l’action. Paris: Seuil, 1994. ________. Méditations pascaliennes. Paris: Seuil, 1997. ________. Questions de sociologie. Paris: Minuit, 2002 [1984]. ________. "L’objectivation Participante." Actes de la recherche en sciences sociales. vol. 5, no. 150 (2003). ________. Sur l’État: Cours au Collège de France (1989–1992). Paris: Seuil, 2012.
________. Choses dites. Paris: Minuit, 2015 [1987]. ________. Esquisse d’une théorie de la pratique: Précédé de Trois études d’ethnologie kabyle. Paris: Point, 2015 [1972]. ________. La noblesse d’état, Grandes écoles et esprits de corps. Paris: Minuit, 2016
________. Interventions, 1961–2001: Science sociale et action politique. Marseille: Agone, 2022. Bourdieu, Pierre & Loïc Wacquant. Réponses. Pour une anthropologie réflexive. Paris: Seuil, 1992. Bouveresse, Jacques & Daniel Roche. La Liberté par la connaissance: Pierre Bourdieu (1930–2002). Paris: Odile Jacob, 2004. Swartz, David. Culture and Power: The Sociology of Pierre Bourdieu. Chicago: University of Chicago Press, 1997. Champagne, Patrick. Pierre Bourdieu. Toulouse: editions Milan, 2008. Collard, Victor. Pierre Bourdieu: Genèse d’un sociologue. Paris: CNRS editions, 2024. Delsaut, Yvette & Marie–Christine Rivière. Bibliographie des travaux de Pierre Bourdieu, suivi d’un entretien sur l’esprit de la recherche. Pantin: Temps des cerises,
Descartes, René. Méditations métaphysiques. Paris: Flammarion, 2021 [1641]. ________. Discours de la méthode. Paris: Flammarion, 2024 [1637]. Fabiani, Jean Louis. Pierre Bourdieu, Un Structuralisme Héroïque. Paris: Seuil, 2016. Fowler, Bridget. Pierre Bourdieu and Cultural Theory: Critical Investigations. New York: Sage Publications, 1997. Friebertshäuser, Barbara, Markus Rieger–Ladich & Lothar Wigger (eds.). Reflexive Erziehungswissenschaft: Forschungsperspektiven im Anschluss an Pierre Bourdieu. Wiesbaden: VS Verlag für Sozialwissenschaften, 2006. ________. Reflexive Erziehungswissenschaft: Forschungsperspektiven im Anschluss an Pierre Bourdieu, 2–durchgesehene und erweiterte Auflage. Wiesbaden: VS Verlag für Sozialwissenschaften, 2009. Grenfell, Michael (eds.). Pierre Bourdieu: Key Concepts. Stocksfield: Acumen, 2012
Gromala, Lisa. Kämpfe von Schulen um Selbstbehauptung: Eine Analyse mit Pierre Bourdieu und der Grounded Theory. Wiesbaden: Springer VS, 2019. Hobbes, Thomas. Leviathan The Matter, Forme And Power of a Common Wealth Ecclesiasticall and Civil. London: Andrew Crooke, 1651. Lahire, Bernard (ed.). Le travail sociologique de Pierre Bourdieu: Dettes et critiques. Paris: La Découverte, 2001.
Lempert, Wolfgang (ed.). Soziologische Aufklärung als moralische Passion: Pierre Bourdieu. Versuch der Verführung zu einer provozierenden Lektüre. Wiesbaden: Springer VS, 2010. Lescourret, Marie–Anne (ed.). Pierre Bourdieu: Un philosophe en sociologie. Paris: Presses Universitaires de France, 2009. Locke, John. Two Treatises of Government. 3 rd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 1988 [1689]. Louis, edouard (ed.). Pierre Bourdieu, L’insoumission en héritage. Paris: Presses Universitaires de France, 2016. Mauger, Gérald. Avec Bourdieu. Un parcours sociologique. Paris: Presses Universitaires de France, 2023. Mounier, Pierre. Pierre Bourdieu, une introduction. Paris: Pocket/ La Découverte, 2001. Pinto, Louis. Pierre Bourdieu et la théorie du monde social. Paris: Seuil, 2002. Rademacher, Claudia & Peter Wiechens (eds.). Geschlecht – Ethnizität – Klasse: Zur sozialen Konstruktion von Hierarchie und Differenz. Opladen: Leske/ Budrich, 2001. Rieger–Ladich, Markus & Christian Grabau (eds.). Pierre Bourdieu, Pädagogische Lektüren. Wiesbaden: Springer VS, 2017. Rousseau, Jean–Jacques. Du contrat social. Paris: Flammarion, 2011 [1772]. Verdes–Leroux, Jeannine. Deconstructing Pierre Bourdieu: Against Sociological Terrorism from the Left. New York: Algora Publishing, 2001. Sanders, Chris, Karen Robson & Chris Sanders (eds.). Quantifying Theory: Pierre Bourdieu. New York: Springer, 2010. Sapiro, Gisèle (dir). Dictionnaire International Bourdieu. Paris: CNRS editions, 2020. Schnur, Olaf (ed.). Quartiersforschung, Zwischen Theorie und Praxis. Wiesbaden: Springer VS, 2014. Susen, Simon & Bryan S. Turner (eds.). The Legacy of Pierre Bourdieu: Critical Essays. London: Anthem Press, 2011. Yacine, Tassadit. Pierre Bourdieu en Algérie (1956–1961): Témoignages. Paris: editions Du Croquant, 2022.