Return to Article Details Education in the Anthropocene Age: Toward a Responsibility-Based Educational Model

التربية في عصر الأنثروبوسين: نحو نموذج تربوي قائم على المسؤولية

Education in the Anthropocene Age: Toward a Responsibility–Based Educational Model

أحمد صديقي *

Ahmed Sadiki *

الملخّص

تتناول هذه الدراسة مشكلة التربية في ظل تهديد الأنثروبوسين من جرّاء هيمنة الحضارة التكنولوجية على كل مناحي الحياة، وذلك من خلال استثمار تصور هانس يوناس لإيتيقا المسؤولية من أجل إبراز معالم مقاربة تربوية جديدة تتجاوز حدود النموذج الديمقراطي للتربية، وتستجيب لشروط الحياة الإنسانية المعاصرة التي تقع تحت نير التهديد التكنولوجي. وتتّبع البشرية اليوم نماذج تربوية متعددة ومتباينة: تقليدية وحديثة، لا تنفصل عن المشروع المجتمعي الذي يؤطرها، غير أن أي نموذج تربوي لا يكتسب قيمته سوى من تطبيقاته العملية ونتائجها وإجاباته عن الإشكالات المجتمعية والوجودية للكائن البشري. لهذا، فإن نقد النموذج الديمقراطي للتربية نابع من عجز هذا النموذج عن رفع التحدي التقني.

Abstract

Abstract: This study investigates the problem of education in light of the threat posed by the Anthropocene due to the dominance of technological civilization over all aspects of life. To this end, we draw on Jonas’s conception of the ethics of responsibility to highlight the features of a new pedagogical approach that transcends the limits of the democratic model of education and responds to the conditions of contemporary human life, which is under the yoke of technological threat. However, humanity today adopts multiple and diverse educational models (traditional, modern, etc.) which are inseparable from the societal project that frames them. However, educational models gain value only from their practical applications, results, and responses to the societal and existential problems facing human beings. Therefore, critique of the democratic education model stems from its inability to meet the challenge of technology.

الكلمات المفتاحية:
  • التربية
  • المسؤولية
  • النموذج الديمقراطي
  • هانس يوناس
  • الأنثروبوسين
Keywords:
  • Education
  • Democracy
  • Responsibility to Protect
  • Hans Jonas
  • Anthropocene

الحضارة التكنولوجية على كل مناحي الحياة، وذلك من خلال استثمار تصور هانس يوناس

لإيتيقا المسؤولية من أجل إبراز معالم مقاربة تربوية جديدة تتجاوز حدود النموذج الديمقراطي

للتربية، وتستجيب لشروط الحياة الإنسانية المعاصرة التي تقع تحت نير التهديد التكنولوجي.

وتتّبع البشرية اليوم نماذج تربوية متعددة ومتباينة: تقليدية وحديثة، لا تنفصل عن المشروع

المجتمعي الذي يؤطرها، غير أن أي نموذج تربوي لا يكتسب قيمته سوى من تطبيقاته العملية

ونتائجها وإجاباته عن الإشكالات المجتمعية والوجودية للكائن البشري. لهذا، فإن نقد

النموذج الديمقراطي للتربية نابع من عجز هذا النموذج عن رفع التحدي التقني.

مقدمة

تمثل التربية رهانًا مشتركًا بين الأسرة والدولة والمجتمع؛ فهي تستهدف الفرد والجماعة، وتتعدد أبعادها بتعدد الغايات منها، لا بوصفها تأثيرًا فحسب، بل بوصفها تأثرًا أيضًا. لهذا، يوجد مفهوم التربية أمام تعارض بين إرادة الفرد وقانون الجماعة، أو بين ذاتية القرار والإكراه الموضوعي؛ ما يفرض البحث في معيارية النموذج التربوي وأهميته والآثار المترتبة عليه. فكيف يمكن حل معضلة التربية في أوضاع تعدد المعايير من جهة، وتعارض الحرية والإكراه – كما هو الأمر في سياق الحضارة التكنولوجية – من جهة أخرى؟ أتكون التربية فعلًا ذاتيًا أم موضوعيًا؟ أهي شأن

أسري خالص أم وظيفة مجتمعية؟ ثم أرهان التربية أخلاقي أم سياسي؟ وما علاقة التربية بنظام القيم وسلم الغايات؟ وهل يفرض عصر الأنثروبوسين الحاجة إلى تصور تربوي جديد؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فما معالمه وركائزه؟ أيشهد طرح مشكلة التربية على أزمة في التربية الحالية، أم على أزمة نموذجها الذي يؤطرها، أم يرجع الأمر إلى أزمة أخرى تستدعي الحل التربوي؟

أولا: التربية بين الحرية والمسؤولية

1. التربية بوصفها تحررًا

يمثّل كتاب إميللجان جاك روسو (8–1712177) مرجعًا أساسيًا للتربية الحديثة، وهناك من اعتبره "ثورة كوبرنيكية في مجال البيدوغوجيا عندما جعل الطفل أساس العلاقة التربوية"، فقد أراد من خلاله صاحبه تجاوز النموذج التربوي التقليدي القائم على الإكراه والتوجيه والتلقين والتقييد والتبعية. وكان روسو وفيّا في كتابه لتصوره الخاص عن الطبيعة البشرية بوصفها طيّبة Bonne.

(1) Michel Faber, Un avenir problématique: education et responsabilité d’après Hans Jonas (Dijon: Raison et passions, 2021), p. 235.

(((مَّثَل اليسوعيون هذا النموذج التقليدي للتربية، وهو في جوهره يقوم على التضحية بحاضر الطفل من أجل مستقبله، في حين

أن الطفولة – في نظر روسو – حياة، وليست مجرد تهيئة للحياة. ينظر: 236 Ibid., p.. (((فضّلنا ترجمة "طيّبة" خلافًا لترجمة "خيّرة" التي دأب العديد على استعمالها، ويرجع ذلك إلى أن الإنسان الطبيعي، كما شرح

روسو في كتاب أصل التفاوت، ليس كائنًا خيّرًا Être du bien، ولكنه طيّب Bon؛ فهو لا يعرف الخير ولا الشر، وهو طيّب لأنه

محكوم بغريزة فطرية سماها روسو غريزة الشفقة أو الرأفة، وهي التي تدفعه إلى النفور غريزيًا من الألم وإلى إسكات نزعاته. إن

الإنسان الطبيعي فقدناه إلى الأبد؛ لأنه عاش في حالة الطبيعة فحسب. ولم تصبح للإنسان فكرة عن الخير والشر إلا في حالة الثقافة (المجتمع)، حيث نشأت المعايير الثقافية والأخلاقية والقانونية، وهي الحالة التي صار فيها الإنسان في حاجة إلى التربية للتغلب على مساوئ الاجتماع البشري وشروره. يقول روسو: "بداية يظهر أن الناس في هذه الحالة [يقصد حالة الطبيعة] لم يكن لديهم أي شكل للرابطة الأخلاقية، ولا واجبات معروفة، ليسوا أشرارًا وليسوا أخيارًا، لا رذائل لهم ولا فضائل". ويضيف في سياق آخر: "من

الأكيد أن الشفقة la pitié إحساس طبيعي يعدل في كل فرد نشاط حب ذاته، وتقود لحفظ كل نوع بشكل متبادل، فهي التي تحملنا من دون تفكير على إنقاذ من يتألمون [...]. توحي الشفقة لكل الناس بمبدأ الطيبوبة الطبيعية la bonté naturelle الذي يقول: 'افعل خيرك بأقل قدر ممكن من الشر نحو الغير'". ينظر:

Jean Jacques Rousseau, Discours sur l’origine et les fondements de l’inégalité parmi les hommes (Paris: Flammarion, 1992 [1755]), pp. 196–215.

ولذلك، ينبغي لفعل التربية أن يستند إلى هذا المبدأ، ويرسخ تلك الطبيعة البشرية في الطفل بما يستدعيه ذلك من تكريس للحرية والتلقائية واحترام مَيله الطبيعي الفطري، وهذا ما سماه روسو

بالتربية السلبية Négative. إن وظيفة التربية الحقيقية، بحسب روسو، هي تحرير الطفل من القيود، لكن التربية التقليدية نحت منحى ضد الحرية الإنسانية منذ ولادة الطفل، وساهمت في إفساد الطبيعة البشرية بوصفها طبيعة طيبة، فقد كانت تربية همجية Education barbare؛ لأنها اهتمت بالنمو العقلي للطفل على حساب رغباته وانفعالاته، ورسخت فكرة الواجب قبل فكرة الحرية، وضحت بحاضر الطفل (الفرد) من أجل مستقبل المجتمع، وارتهنت لرهان السرعة والسباق الزمني هربًا من التلقائية والنمو الطبيعي؛

أي إنها أثقلت كيان الطفل بالقيود والأغلال التي لا تلائم طبيعته؛ ما جعلها سببًا في المشكلة لا طريقًا

للحل، في حين أن الطبيعة قدمت قواعدها للتربية، ولا ينبغي السير عكسها، وفي مقدّمتها عدم التدخل في نمو الطفل (جسديًا ونفسيًا وعقليًا) وتلقائيته في الفعل، ف "الطبيعة تريد للأطفال أن يكونوا

أطف لًا قبل أن يصبحوا رج ل "، وإلا سنحصد ثمارًا غير ناضجة. ولمّا كان من غير الممكن أن

يكون الطفل سعيدًا في ظل هذا النموذج التقليدي للتربية، فإنه لا بد من أساس آخر للفعل التربوي، ولن يكون هذا الأساس إّلا الأساس الطبيعي الذي يسمح له بالنمو الطبيعي جسديًا ونفسيًا وعقليًا

من دون تدخل قسري من السلطة المجتمعية. يعني ذلك أن تستجيب التربية لنداء الطبيعة والفطرة الإنسانية، ولا ينبغي أن تتجاوز سقف الحماية والإشراف والتحفيز على التعلم.

2. نقد الحرية المزعومة

يمثل تصور حنة أرندت Hanah Arendt (975–19061) مث لًا معاصرًا لنقد التربية الحديثة والوقوف

على مساوئها، وهي تتلخص في الأزمة. تؤكد أرندت فكرة تحرير التربية من أي نموذج قائم، وتدعو إلى الابتكار التربوي الذي لا يرهن التربية بالبرامج السياسية؛ أي إنها ترفض ربط التربية بالسياسة؛

(4) Jean Jacques Rousseau, Emil ou l’éducation , tome1 (Paris: La renaissance du livre, 1820 [1762]), p. 86. (5) Ibid., p. 87.

(((حيث يجري تقييد جسده. يُنظر: 19 Ibid., p.. (((مبدأ روسو في ذلك هو أن كل ما خرج من أيدي مبدع الأشياء خير، أما الفساد فهو ناتج من تدخل الإنسان. لذلك، ينبغي ترك الطبيعة على حالها، والحال نفسه أيضًا بالنسبة إلى الطبيعة البشرية. ينظر: 11 Ibid., p..

(8) Ibid., 66. (9) Ibid., p. 25. (10) Ibid., p. 83.

(((1 تكمن سعادة الإنسان، بحسب روسو، في العيش وفق الفطرة والانسجام مع الطبيعة، حيث تتقلص المسافة بين طاقته ورغباته، إنها التمتع بالحرية. وبما أن العالم الحقيقي محدود في مقابل لا محدودية الخيال (عالم الرغبات)، فإنه لا بد من تضييق عالم الرغبة حتى لا تتحول إلى احتياج ومصدر للتعاسة. ويعتبر موقف روسو هذا امتدادًا للموقف الرواقي القديم وموقف ديكارت أيضًا الذي

دعا إلى تغير الرغبة بدلًا من تغيير العالَم في حالة تعارضهما. ينظر: Ibid., pp. 66–69. (((1 تمثل البادية، في نظر روسو، أفضل مكان لتربية الطفل بعيدًا عن قيود المدينة وواجباتها، فقد قال: "رُّبُوا [أولادكم] في الريف

بكل ما فيه من بساطة ريفية". ينظر: 61 Ibid., p..

إذ "لا يمكن للتربية أن تقوم بأي دور سياسي لأننا لا نتعامل، في مجال السياسة، إلا مع من سبق لهم أن تلقوا تربية. كل من يريد تربية الراشدين، إنما يريد أن يكون وصًّيًا عليهم ويصرفهم، إذاك، عن كل

نشاط سياسي. وبما أننا لا نستطيع تربية الراشدين، فإن لفظ التربية في السياسة يحدث صدى سيئًا.

فنحن ندعي أننا نربّي في الوقت الذي لا نريد سوى ممارسة الإكراه دون استعمال القوة"، ثم إنّ

"إرادة تكوين جيل جديد، من أجل عالم جديد، ليست، في الواقع، سوى رغبة في حرمان الوافدين الجدد من فرص الابتكار". لكن أرندت تتخذ لنفسها مسافة نقدية من طرائق التربية الحديثة، وترجع بأزمة التربية الحديثة إلى ثلاثة جذور؛ هي: أولًا، الإقرار بوجود عالم خاص بالطفل؛ ما يؤدي إلى عزله عن الراشدين. ثانيًا، ربط التربية بتصور معين للتعليم يقوم على التحرر من مادة التعلم وسلطة

المعلم وتكوينه. ثالثًا، الطابع البراغماتي للتربية الحديثة، الذي يقوم على مقولة الممارسة، ويستهدف "الأثر العملي" معيارًا للمعرفة والفهم. وهكذا، تصبح المهارة أكثر أهمية من المعرفة، ويجري استبدال

الفعل بالتعلم. وهي كلها أفكار تؤدي إلى تقليص دور الراشد وتهميشه وجعله عاجزًا أمام الطفل،

و"تحطيم العلاقات الواقعية والعادية بين الأطفال والراشدين الناتجة عن كوننا نعيش في عالم فيه جميع الأجيال". بيد أن غاية التربية الحديثة في تحرير الطفل عن طريق تخليصه من سلطة الراشدين، انتهت إلى إخضاعه لسلطة أكثر رعبًا واستبدادًا، وهي سلطة الأغلبية التي تمثلها جماعة الأطفال.

ثمّ إنّ التركيز على بعد الكفاية في التعليم عوضًا عن المعرفة، أنتج أطف لًا (تلاميذ) من دون تكوين،

إضافة إلى أن البعد البراغماتي للتربية، حوّل الطفل إلى آلة تفعل ولا تفكر، تجيب ولا تسأل، تنفّذ

ولا تقرر. بناءً على ذلك، تؤكد أرندت أن التربية لا تستطيع أن تتجاهل السلطة والتقليد، فهي مطالبة باستلهام

الماضي واستشراف المستقبل، في الوقت الذي يجب أن تمارَس في عالم لا تهيكله سلطة ولا يضبطه

تقليد؛ لذلك "يجب على التربية أن تكون محافظة حتى تتمكن من صيانة ما هو جديد وثوري في كل طفل، يجب عليها أن تحمي هذا الجديد وتدرجه كخميرة جديدة في عالم قديم يعتبره الجيل اللاحق، مهما كانت أفعاله ثورية، عتيقًا وآيلًا للسقوط". وتُعدّ التربية حماية للطفل وللعالم، فهي تطوير للأول وبناء للثاني عوضًا عن أن يهدم الواحد الآخر. وقد عبّرت أرندت عن هذه العلاقة بين

تربية الطفل والمسؤولية تجاه العالم بقولها: "يجب على من يرفض تحمل مسؤولية العالم ألا ينجب أطف لًا، كما يجب ألا يكون له الحق في المساهمة في تربيتهم". ولا ترجع "أزمة التربية" إلى عدم امتلاك المسؤول عن التربية لبرنامج أو رؤية للفعل التربوي، بل إنّها ترجع إلى أزمة المجال السياسي

(((1 حنة أرندت، "أزمة التربية"، ترجمة حماني أقفلي وعز الدين الخطابي، الأزمنة الحديثة، العدد 4–3 (تشرين الأول/ أكتوبر 0112)، ص.9 (((1 المرجع نفسه. (1((المرجع نفسه، ص.11 (1((المرجع نفسه. (((1 المرجع نفسه، ص.17 (1((المرجع نفسه، ص.14

Le politique نفسه، ولا يمكن حل أزمة التربية إلا من خلال النظرية السياسية للحرية القائمة على التعدد والتداول والقدرة على الفعل السياسي الديمقراطي. توجد، إذًا، مشكلة التربية في علاقتنا ببعضنا، غير أن هانس يوناس Hans Jonas (993–19031) يفكر في هذه العلاقة من خلال البعد الإيكولوجي؛ أي علاقتنا بالبيئة وما تقتضيه من مسؤولية أخلاقية.

3. الحرية المسؤولة

جعل يوناس من الأساس الطبيعي معيارًا للتربية، مثل روسو، لكنه حدد هذا الأساس في الحياة بما هي وحدة كلية تراتبية وقيمة وغاية في ذاتها. إنها أيضًا تأكيد للحرية في ظل الضرورة، وانتصار للكينونة على اللاكينونة، لكن ذلك لا يعني أنه امتداد لتصور روسو في التربية، وهو تصوّر شكّل مرجعًا ملهمًا

لنموذجها الديمقراطي؛ لأن شرطية الإنسان تغيرت بين الفترة الحديثة والفترة المعاصرة؛ أي بين يوتوبيا التقدم ويوتوبيا التحرر من نتائجه السلبية، ثم إن الإنسان الطبيعي، الذي افترضه روسو، رحل إلى غير رجعة نتيجة انتقال الإنسانية من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع والثقافة. لهذا، لم يعد من الممكن مماثلة الطفل الحالي ب "إميل" روسو، ولا أن تكون الطبيعة مُربية أو فضاء للتربية. غيّرت

التقنية الفاعلية الإنسانية وسطح الأرض، وأدخلتنا عصرًا جديدًا سمي بالأنثروبوسين. وإذا لم يكن

الاجتماع طبعًا إنسانيًا، فإنه صار اليوم قدرًا؛ لأن الإنسان يولد ويعيش ويموت داخل المجتمع ومع

الغير، وهذا يعني أن تضطلع التربية بوظائف أخرى غير تلك التي حدّدها روسو، بل إن تأسيس فكرة التربية على فكرة الحرية، بالمعنى الذي نجده عند صاحب كتاب إميل، يمكن أن يكرس الطريق نحو الكارثة المتمثلة في تهديد الحياة؛ إذ إن الفاعلية البشرية، كما أشرنا، تغيرت وأصبحت تقنية مهددة للحياة والطبيعة. نسعى في هذه الدراسة، التي تستلهم المقاربة اليوناسية، لنقد النموذج الديمقراطي للتربية بناءً

على مصادرة مفادها أن تصور يوناس للتربية، يندرج ضمن تصوره الفلسفي العام للحياة. وإذا كان النموذج الديمقراطي للتربية قد قدّم نفسه على أنه أكثر النماذج نجاعة وانسجامًا مع الطبيعة العاقلة

(1((تناولت أرندت نًّصًا حمل العنوان نفسه "أزمة التربية" في الولايات المتحدة الأميركية؛ نظرًا إلى أنها قبلة العديد من المهاجرين

من بلدان وثقافات ولغات أخرى. وعلى الرغم من راهنية النص في تشخيص مشكلة/ أزمة التربية، وهي متمثلة في وهم خلق عالم جديد (العالم الأميركي مث لًا) عن طريق التربية، وذلك نتيجة عدم الاهتمام بالحس المشترك السليم في الطرائق الحديثة للتربية،

والتركيز على عزل الطفل عن الراشدين، والإعلاء من المهننة على حساب المعرفة في التعليم، وتكريس الطابع البرغماتي للتربية، فإن احتفاءه بدور الولايات المتحدة في ضمان الحق والحرية والمساواة للجميع داخليًا وخارجيًا، صار يتعارض مع واقع يفنّد هذا

الادعاء؛ إذ يكشف عن تدخلاتها السياسية والعسكرية وغيرها في العديد من البلدان (العراق وأفغانستان... إلخ)، ودعمها للاستيطان الصهيوني والأنظمة الموالية لها. ويطرح ذلك، من وجهة نظر فلسفة التربية على القيم، مشكلة المعيارية الأخلاقية والقانونية لمفاهيم الحق والحرية والمساواة بين الخصوصية والكونية، والعلاقة بينهما داخل سياقات تداولية مختلفة. (2((مصطلح استعمله عالم البيولوجيا الأميركي أ. ف. ستويمر E. F. Stoermer، وبعده الهولندي الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء ب. ج. كرووتن، للدلالة على مرحلة جيولوجية جديدة بدأت مع الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، وقد تمكن فيها الإنسان من التدخل في الطبيعة وتغيير نظامها البيئي؛ إذ "تعرض ما بين ثلاثين إلى خمسين في المئة من سطح الأرض إلى التغير نتيجة الفعل الإنساني"، وامتد النشاط الإنساني، أيضًا، إلى المجال الجوي، ينظر:

P. J. Crutzen & E. F. Stoermer, "The 'Anthropocene'," Global Change Newsletter , no. 41 (May 2000), p. 17.

للإنسان وإرادته الحرة؛ أي بوصفه بديلًا من النموذج الاستبدادي التقليدي القائم على الإكراه، فإن هذا النموذج نفسه أبان عن ضعف نجاعته وانحسار مجالات تطبيقه. ومن ثم، سنعمل على معالجة مشكلة التربية بين الحرية من حيث هي اختيار وقرار، والإكراه بوصفه واجبًا وإلزامًا، وذلك من خلال

فكرة التربية على المسؤولية التي تمثل تكريسًا للحرية في ضوء تحول الفاعلية البشرية التي أضحت

فاعلية تكنولوجية. لم يفرد صاحب كتاب مبدأ المسؤولية عملًا لمشكلة التربية؛ حيث راوح متنه الفكري – الفلسفي بين الغنوصية والبيولوجيا الفلسفية والإيتيقا، إلا أن ذلك لا يمنع من محاولة التنقيب عن معالم تصوره للتربية في أطروحته حول إيتيقا المسؤولية بما هي إيتيقا للحياة، لا سيما أنه استعمل المفهوم ووظفه أكثر من مرة في تسويغه لمبدأ المسؤولية. ثمّ إنّه لا حاجة إلى التذكير بأن التربية، بوصفها مشكلة

فلسفية، لا تهم العقل النظري فحسب، بل إنها تهم العقل العملي أيضًا؛ أي المجال التداولي الذي تسعى فلسفات الأخلاق والسياسة والتربية للتفكير فيه. غير أن أهمية هذه الحاجة تزداد اليوم في مجتمع يعرف نماذج تربوية متباينة برهانات مختلفة مثل مجتمعنا، وكذا نتيجة التحول النوعي الذي عرفه المجتمع الإنساني عامة ومعه الوسط الطبيعي والحياة بصفة عامة. بيد أن نتائج التقدم التقنو–علمي، التي فرضت على يوناس طرح السؤال الإيكولوجي: "أيّ أرض سنتركها للأجيال

القادمة؟"، تقتضي سؤ لًا بيداغوجيًا، هو: "أيّ أجيال سنتركها للأرض القادمة؟".

ثانيًا: في أهمية التربية على المسؤولية

يشكل النموذج التربوي "الليبرالي" أحد النماذج الأساسية للتربية داخل عصر الأنثروبوسين، ويقوم في أصله على الحرية العقلية Intellectuelle، ونظرًا إلى أهميته وراهنيته، يسعى أصحابه لتأسيس

شروط إمكانية منهاج مكَّيَفٍ لغاياته، وهي تتمثل في التربية على النقاش الديمقراطي الحر، وتقديم

المعلومات العلمية الجادة والحجج النقدية بخصوص "القضايا الحية اجتماعيًا"؛ مثل التخطيط

والصحة والمشكلات البيئية. ويفرض هذا النموذج نفسه؛ لأنه يتميز من "النموذج التراكمي" الذي

(21) Hans Jonas, The Imperative of Responsibility: In Search of an Ethics for the Technological Age , Hans Jonas & David Herr (trans.) (Chicago: University of Chicago Press, 1984).

(((2 لا يمكن الحديث اليوم في الغالب الأعم عن مجتمع منعزل وبعيد عن التحولات العالمية: اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا

وثقافيًا. ولهذا، فإن النموذج التربوي لا يندّ عن هذه القاعدة؛ إذ يمكن التفكير في معايير كلّية وكونية للتربية. وسيكون هذا الأمر

متعارضًا مع أنصار الموقف الجماعاتي Communitarian Position الذي يرى أصحابه أن النموذج الكلّي يلغي حق الأقليات في

الاختلاف، لكن يمكن أن يكون هذا الموقف الجماعاتي أيضًا مبررًا للانغلاق على الذات وتقديسها وفرض معاييرها التي تتعارض

مع ما هو إنساني وما هو بيئي. (((2 تناول ميشيل فابر تمييز ج. م. لانغ وَ ص. كبايلي Jean–Marc Lange et Sonia Kebaïli بين ثلاثة نماذج تربوية من نماذج

الأنثروبوسين هي: أ. النموذج التراكمي، وهو عمودي يُبنى على تكديس المعارف؛ ب. النموذج التقنو–اقتصادي، وهو يختزل

الفاعلية في تقنيات عملية لها غايات لا تقبل النقاش ومفروضة على الجميع؛ ج. النموذج الليبرالي، وهو نموذج ذو غاية تحررية ونقدية يتضمن مناقشات قائمة على حجج، ويستند إلى معلومات علمية جادة. وفي هذا التمييز، يكتسي النموذج الثالث "الليبرالي" أهمية كبرى؛ لأنه يعكس روح الفكرة الديمقراطية القائمة على الحرية. ينظر: Faber, pp. 258–259.

(24) Ibid., p. 259.

"يُعَِّلِم" ولا "يُكِوِّن"، ذلك أن التكوين يقتضي تحفيز عادة العقلانية Habitus de rationalité والحفاظ

على نشاطها. ثمّ إنّه يتجاوز الأبوية التربوية المبثوثة في النموذج "التقو–صناعي"، وهي تختزل

التحول في غرس سلوكي لتطبيقات جيدة في ذهن التلميذ/ الفرد. وتكمن ميزة النموذج الليبرالي في قدرته على تمكين التلاميذ من تملك المعرفة وبناء عادة الأشكلة لمختلف القضايا، والتفكير فيها؛ أي مواجهة المشكلات لإضفاء البعد الحقيقي على المعرفة. ويعني ذلك – بحسب المتخصص في فلسفة وعلوم التربية ميشيل فابر – أن مواجهة الإشكالات تتطلب معلومات علمية صلبة؛ إذ تصبح المعرفة العلمية في خدمة الإشكال، وهذا ما يجعل منها معرفة تكوينية. لكن ما موقع نموذج التربية الليبرالي في عصر الأنثروبوسين؟ وإلى أي حد يمكنه أن يواجه مشكلاته؟ تكمن خصوصية مشكلات عصر الأنثروبوسين، في نظر فابر، في انتقالها من بردايم الخطر إلى بردايم الكارثة؛ أي زيادة طبيعة التهديد الذي ينم عن نجاح التقنية في تدمير الطبيعة، وهي مشكلة غير مسبوقة، وتعود في جوهرها إلى مفارقة الحرية الإنسانية نفسها، فالحرية بوصفها قدرة على الإدراك والحركة، أو على المعرفة والفعل، تعبير عن قدرات الإنسان المعرفية والتقنية. لهذا، يشكل التدخل التقني في الطبيعة وتغيير سطح الأرض تجسيدًا لتلك الحرية ونتيجة لها في الوقت نفسه، إنها مقاومة للضرورة. غير أن الحرية تقتضي أيضًا دفعًا إلى مدى أبعد تصبح فيه تحكمًا في نفسها؛ أي إنها تفرض القدرة

على إدراك الإلزامات الضرورية وفرضها، ويمكن أن يكون التقييد/ الإلزام التربوي أحد مستوياتها. لكن أيتحدّد الإشكال التربوي في المعرفة (الإدراك) أم في السلوك (الفعل)؟ ثم أتُعد التربية مشكلة نظرية أم عملية؟ يمكن القول إن لمبدأ المسؤولية بالمعنى الذي بلوره يوناس أهميته في حل المأزق النظري لمشكلة التربية الناتج من التعارض بين الحرية والإكراه، أو الإرادة والإلزام؛ ذلك أن المربي (أسرة أو دولة) حرّ ومُكرَه في الوقت نفسه، بيد أن حريته ليست مطلقة مثلما أن إكراهه ليس بالقدرية المطبقة. ثمّ إنّه

مساهم في حل المعضلة العملية المرتبطة بتهديد الحياة الإنسانية الأصيلة على الأرض، فكيف ذلك؟ تقتضي الحرية الاختيار بين النماذج الممكنة لمسار التربية، ويتحدد الإكراه في الضرورة التي تفرضها قيمة الحياة الأصيلة على الأرض. وفي أوضاع هذا التعارض بين الحرية والإكراه، حيث لا حرية إلا في إطار الضرورة، يقدّم يوناس مفهوم المسؤولية لحل مشكلة التربية؛ إذ ينبغي لوسائل التربيةومؤسساتها

(25) Ibid., p. 260.

(2((استلهم فيه يوناس التمييز الذي أقامه ماكس فيبر بين أخلاق الاقتناع The Ethic of Conviction؛ حيث مبادئ الفعل هي الموجهة للسلوك الأخلاقي، وأخلاق المسؤولية The Ethic of Responsibility؛ حيث نتائج الفعل هي الموجهة له. يقول فيبر: "يمكن لكل سلوك موجه أخلاقيًا أن يخضع لقاعدتين مختلفتين تمامًا، ومتعارضتين إلى حدّ لا يقبل الحل: قد يكون السلوك قائمًا

على 'إيتيقا أخلاق الاقتناع' حيث لا يجري النظر إلى عواقب السلوك القائمة على القرار. وقد ينبني على إيتيقا المسؤولية حيث يجري استباق عواقب الأفعال المطلوبة وتحمّل المسؤولية". ويضيف: "وهذا لا يعني أن إيتيقا أخلاق الاقتناع تماثل انعدام المسؤولية

أو أن إيتيقا المسؤولية خالية من الأيديولوجيا. لا شيء من ذلك صحيح، ولا يمكن لأي أحد أن يقول ذلك". ينظر:

Max Weber, "Politics as a Vocation," in: Weber’s Rationalism and Modern Society , Tony Waters & Dagmar Waters (trans.) (New York: Palgrave Macmillan, 2015), pp. 187–188.

أن تربي الناس على مبدأ المسؤولية، وفي هذا اعتراف بحريتهم التي ينبغي أن تصل إلى حد تحُّمُل

تبعاتها. وإلى جانب هذا المستوى النظري، تكمن أهمية المسؤولية في الإجابة عن سؤال عملي هو سؤال الأزمة الراهنة المتمثلة في عدمية الحضارة التكنولوجية الناتجة من الأنثروبوسين، والتي تشكّل تهديدًا للحياة وخطرًا على الطبيعة وعلى حق الأجيال القادمة في بيئة تضمن شروط البقاء. فصلت

هذه العدمية التي بدأت مع العصر الحديث بين الكينونة وواجب الكينونة، وبين الحياة والمعرفة، ونَفت كل غائية وقيمة ومعنى عن الطبيعة. وهي عدمية لم تعد منحصرة في مجتمعات بعينها (الغرب)، وإنما صار لها طابع كوكبي بفعل الميزة التكنولوجية نفسها. لذلك، لا تكفي معرفة الخطر لتجنبه، ذلك أن الوعي بالتهديد التكنولوجي يتعاظم يومًا بعد يوم، غير أن التهديد يزداد أيضًا كل يوم. وبناءً

عليه، لا بد من الفعل، أخلاقيًا وسياسيًا وتربويًا. هناك من يتحدث عن الوظيفة التحسيسية للتربية، التي تتمثل في تعبئة الرأي العام حول أهمية الحياة الكريمة والتهديد الذي يتربص بها جراء الفاعلية الإنسانية. لكن توجد إلى جانبها وظيفة أخرى حيوية، تكمن في بلورة البدائل والحلول لتفادي الكارثة وحفظ الحياة، وهذا ما يجعل من التربية على المسؤولية وعيًا بالأزمة ومسبباتها، وبسُبل الخروج منها مستقبلًا. فعلى أي أساس يُبنى مبدأ التربية

وفقًا لتصور يوناس؟

ثالثًا: التربية بين الأساسَين الطبيعي والتعاقدي

تقترن التربية بالمسؤولية في إيتيقا الحياة عند يوناس، وهذا الاقتران يمنح التربية أساسَين ينسجم

كل واحد منهما مع طبيعة المسؤولية وطرفيها؛ حيث يمكن الحديث عن فعل التربية داخل الأسرة وداخل المجتمع. ويمكن التمييز في معيارية التربية بين الأساس الطبيعي المُشِكِّل للأسرة، والأساس

التعاقدي المُنِظِّم للمجتمع. يضطلع الوالدان بدور التربية في الحالة الأولى، كما يضطلع بها رجل

السياسة (الدولة) في الحالة الثانية، وفي هذا يقول يوناس: "حددنا نوعَين مختلفَين من المسؤولية؛ الأولى والديّة والثانية سياسية، تتميزان بخصائص بارزة هي 'الكلية' و'الاستمرارية' و'المستقبل'

لتجعل منهما أكثر من غيرهما مث لًا تامًا لطبيعة المسؤولية كما هي". فعلى الرغم من الاختلاف

القائم بينهما، فإنهما تشتركان في الطابع الكلي لموضوع المسؤولية؛ إذ "إن هاتَين المسؤوليتَين تغطيان الكينونة الكلية لموضوعاتهما، بمعنى كل المظاهر المتعلقة بكل منهما. ابتداء من الوجود البسيط إلى المصالح العليا"، وذلك إلى جانب الصيغة العمودية لشكل العلاقة داخل كل واحدة منهما (والدان/ أبناء، رجل دولة/ مواطنون)، وكذا انفتاحهما على المستقبل وعواقب الفعل الحاضر. فكيف يكون كل نموذج منهما أساسًا للتربية؟

(27) Virginie Schoefs, Hans Jonas: Ecologie et démocratie (Paris: L’Harmattan, 2009), p. 50.

(2((مَّيَز يوناس بين نموذجَين رئيسَين للمسؤولية؛ الأول: المسؤولية الوالدية، والثاني: المسؤولية السياسية. يُنظر: Jonas, p. 98.

(29) Ibid., p. 101. (30) Ibid.

1. الأساس الطبيعي للتربية على المسؤولية

يقوم فعل التربية داخل الأسرة على أساس طبيعي متمثل في الإنجاب، فهو الذي يخلق علاقة بين والد مسؤول وولد سائل. ولهذا، تتسم علاقة المسؤولية هذه بكونها مسؤولية طبيعية، أي معطاة بالطبيعة؛ ذلك أن الوالد حر في أن ينجب، لكنه غير حر في التخلي عن مسؤولية رعاية من أنجب. وداخل هذه الرعاية توجد التربية التي تمثل حًّقًا من حقوق المولود. إن المسؤولية الوالدية التي يعتبرها يوناس "في الزمن وبالماهية – الأصل النوعي لكل مسؤولية"، هي التي تجعل الطفل موضوعها في كلّيته وفي كل إمكاناته، وليس في حاجاته المباشرة فحسب؛ إذ يقول: "من الطبيعي أن يكون الجانب الجسدي في المقدمة، ويمكن أن يكون حصريًا في البداية؛ لكن بعد ذلك ينضاف دائمًا ما يندرج تحت 'التربية'

بمعناها الواسع: القدرات والسلوك والعلاقة والصفة والمعرفة، بما في ذلك التدريب الذي ينبغي مراقبته وتشجيعه؛ وعلى العموم مع كل هذا إن أمكن السعادة أيضًا. وفي إيجاز: إن الكينونة المحضة كما هي، الكينونة الأفضل للطفل إذًا، هي أساس الانشغال الأبوي". بناءً على ذلك، نجد أن طبيعة الحق داخل المعيار الطبيعي للمسؤولية تقوم على فعل الولادة وفكرة

القدرة ومبدأ الأولوية؛ إذ إن تعددية الحقوق تجد حلها في الاختلاف القائم بينها والتراتب الذي يحكمها. بيد أن حق الطفل في الحياة أكثر قوة من حقه في العيش في بيئة رائعة، فالحق الأول حق غير مشروط (بوعد أو تعاقد مثلًا)، لكن الحقّ الثاني مشروط بقدرة الوالدين (والسياسة العامة للحق العام من جانب الدولة) على توفيرها. ولذلك، يوجد تلازم بين مستوى الحق ودرجة القدرة على الالتزام به، وكلما زادت القدرة زادت المسؤولية عن الحق؛ أي إن الحق لا يملك طابعًا مجردًا،

وإنما يتحدد في إطار علاقة. ومثلما أن الحرية تتحقق في علاقتها بالضرورة، كذلك الحقوق "تمشي بالموازاة مع الاستعداد على التنازلات والقدرة على ذلك". ولهذا فهي تمارس في إطار العلاقة مع الغير التي تتحدد هنا بوصفها علاقة طبيعية. لكن هل يستقل هذا المعيار بذاته عن كل مرجعية أخرى؟

(((3 حدّدت حنة أرندت، في سياق تناولها أزمة التربية، مسؤولية مزدوجة للآباء تجاه أبنائهم بوصفهم وافدين جدد إلى العالم، وهي

تتمثل في: مسؤولية رعاية حياة الأطفال وتحقيق نموّهم، ومسؤولية ضمان استمرارية العالم. وهما، في نظرها، غير متطابقتين، بل

يمكن أن تتعارضا بسبب التعارض القائم بين الطفل والعالم، فكل واحد منهما يمثّل مصدر تهديد للآخر. من أجل ذلك، ينبغي أن

تتأسس التربية على مفهوم الحماية، من خلال العناية بالطفل لكيلا يدمّر العالم، كما أن العالم في حاجة إلى العناية حتى لا تدمّره

أمواج الوافدين الجدد. إنها، إذًا، تربية ذات اتجاهَين؛ الأول هو تحقيق نمو الطفل، والثاني هو ضمان استمرارية العالم. ويمكن

القول، أيضًا، إن وظيفة التربية هي بناء الانسجام بين "ظلمة" الطفل و"نور" العالم. يُنظر: أرندت، ص.13

(32) Jonas, p. 101.

(((3 في هذا الإطار يميّز يوناس في الحقوق بين ما يسميها "حقوقًا قوية" و"حقوقًا ضعيفة"؛ الأولى تبرر مطلبًا تجاه الغير، مثل

مساعدته على اقتناء خير قانوني، ويسميها أيضًا بالحقوق "المتعدية" Transitives التي تنجم عنها واجبات وضعية من جهة الغير.

أما الثانية أو "اللازمة" Intransitive، فهي التي لا تطلب شيئًا من الغير، ولا يترتب عليها أيّ واجب – اللهم عدم عرقلتها – بما هو

واجب سلبي. وبناء على هذا التمييز، يندرج الحق في الحياة في خانة الحقوق القوية؛ لأنه يفرض واجبات على الآباء. لكن حق الطفل في أن يقضي عطلته الصيفية في أجمل مكان هو حق "لازم" ليست له القوة نفسها لكي تترتب عليه مسؤولية؛ لأن الوالدين غير ملزمين بذلك. يُنظر:

Hans Jonas, "Les droits, le droit et l’éthique," Évolution et liberté , Sabine Cornille & Philippe Ivernel (trad.) (Paris: Rivages, 2005), p. 167. (34) Jonas, "Les droits, le droit et lʼéthique," p. 166.

إذا كان حق التربية داخل الأسرة ناتجًا من المسؤولية الطبيعية للوالدين، فإن النموذج التربوي المرتبط

بها لا يمكن أن يكون مستقلًا عن التصور العام لفعل التربية؛ إذ لا توجد حرية مطلقة للوالدين في تربية الأبناء، بمعنى أن الإنجاب لا يعني الحيازة أو التملك، ذلك أن للدولة حق التدخل في حالة انتهاك الحق أو التعارض مع التوجه العام لفعل التربية؛ إذ إن طفل الأسرة هو نفسه مشروع مواطن المجتمع. قد يحصل باسم الحرية أن يربي الوالدان أطفالهما على التعصب والعنف وكل القيم المرفوضة أخلاقيًا. لهذا، لا بد لهذه "الحرية" من سلطة فوقها تحد من خطرها، حيث "يضطلع البيت في معظم

المجتمعات بالمرحلة الأولى، لكن بعد كل شيء تأتي الدولة بالمراقبة والتنظيم والمساعدة – وهنا يمكن الحديث عن 'سياسة عمومية للتربية'، بمعنى أن الدولة لا تريد أن تتحمل مواطنيها بشكل مكتمل فحسب، وإنما تريد أن تساهم في تكوينهم، حتى إن تطلب الأمر تحمّل مسؤولية الدفاع عن الطفل

ضد والديه، إذ يمكنها أن تفرض الواجبات الوالدية، وهكذا دواليك". يعني ذلك أن التربية داخل الأسرة لا تستقل عن السياسة العامة للدولة في التربية. ومن أمثلة تدخل الدولة، نجد فرض "التعليم المدرسي للجميع"؛ إذ لا يحق للوالدين منع الطفل أو حرمانه من الحق في التعليم، بل إن التعليم الإلزامي، وفقًا لمبدأ المسؤولية، يصبح واجبًا على الأسرة والدولة. من هنا، يرتبط الحق في التربية،

والحق بوجه عام، بالشأن العمومي Res Publica، ذلك أن الحق في الإنجاب، مثلًا، حق طبيعي، لكن يمكن أن تتدخل الدولة عندما يتعارض مع الحق العام، وفي هذا يقول يوناس: "في وضعية ديموغرافية للأزمة، وأمام خطر الانفجار الديموغرافي، يمكن أن تستدعي الدولة تحديدًا عدديًا

لممارسة هذا الحق الطبيعي بالقانون". وبهذا، لا يمكن تصور فعل التربية داخل الأسرة إلا في إطار التصور السياسي العام للتربية داخل المجتمع، وهنا يبرز دور الدولة ومعه الأساس التعاقدي لفعل التربية بما يفرضه من غايات وما يوفره من وسائل.

2. الأساس التعاقدي للتربية على المسؤولية

لا تقتصر مهمة التربية وما تفرضه من رعاية وتوفير شروط إمكان الحياة والسعادة على الأسرة، وإنما تمتد وتفترض، كما أسلفنا، تدخل الدولة؛ ما يعني أن الانشغال الأبوي بالمسؤولية الوالدية يوازيه انشغال آخر سياسي اعتبره أرسطو – كما يورد يوناس – علّة كينونة الدولة نفسها، فقد "وُجدت لكي تصير الحياة

الإنسانية ممكنة وتستمر في الوجود لكي تكون الحياة الجيدة ممكنة. وهكذا، فإن هذا أيضًا هو قلق رجل الدولة الحقيقي". وإذا كانت مسؤولية التربية في الأسرة تقع على عاتق الوالدين لصالح الأبناء، فإنها

(35) Jonas, The Imperative of Responsibility , p. 102. (36) Jonas, "Les droits, le droit et lʼéthique," p. 169;

في مقابل ذلك، يطرح يوناس فرضية وضعية ديموغرافية معاكسة؛ أي الوضعية التي تكون فيها قلة الولادات؛ ما يهدّد الهرم

الديموغرافي بالاختلال ويخلق مجتمعًا يعاني الشيخوخة. ويعتبر أنه في وضعية مثل هذه لا بد للدولة من أن توافق على مِنَح لتحفيز

الإرادة الخيرة على الإنجاب، ومعاقبة الإرادة السيئة بالغرامات؛ أي تلك التي لا تستجيب لهذا الحق الطبيعي، وهذا يمثل في نظره نقلًا للحق إلى واجب صريح؛ ما يكشف في نظرنا عن نوع من فرض إرادة الدولة على إرادة الأفراد وتسلط الدولة على المجتمع

وانتهاك لحرية الاختيار، ومن ثم الطابع الاستبدادي لتصور يوناس للحق وتبريره فلسفيًا.

(37) Jonas, The Imperative of Responsibility , p. 101.

في المجتمع تقع على عاتق رجل الدولة (الذي يمكن الاستعاضة عنه بالفريق الحكومي) لمصلحة أفراد المجتمع وجماعاته (مواطنين أو مهاجرين). بمعنى أن الأساس الطبيعي للمسؤولية لا يكفي ولا يصلح لكي يشمل كل مجالات المسؤولية وما تفرضه من تربية. فالحاكم أو رجل الدولة ليس أبًا (والدًا)

ولا ينبغي أن يكون (رغم وجود أنظمة سياسية عبر التاريخ تدعي ذلك)، غير أن اتساع نطاق المسؤولية السياسية يجعلها أقرب ما تكون إلى المسؤولية الوالدية؛ إذ "تمتد من الوجود المادي لتصل إلى المصالح الأكثر سموًا، من الأمن إلى وفرة الحياة، ومن السلوك الجيد إلى السعادة". يقوم المجال السياسي على تباين الأهداف والمصالح والقوى، ولهذا قدّم نموذج التدبير الديمقراطي فكرة التعاقد بوصفه اتفاق له طابع الإلزام بين الناس على قاعدة تفويض أمر تدبير المجتمع وشؤونه لجهة عليا هي الدولة، سواء كان على رأسها حاكم مطلق (توماس هوبز) أو كانت إرادة عمومية (روسو). وهذه الصيغة التعاقدية تبرر ممارسة الدولة لفعل التربية بوصفه حًّقًا من حقوقها، وهي الممارسة التي تجري عبر مؤسساتها وقوانينها. غير أن عيب التدبير الديمقراطي الذي جاء بفكرة التعاقد يكمن في الصيغة الليبرالية التي منحها لها؛ لأنه ينبغي لمرجعية التعاقد ألا تخضع لعبارة "العقد شريعة المتعاقدين"، ذلك أن المتعاقدين يمكن أن يبرموا عقدًا ضد حقوقهما أو ضد الطبيعة والحياة. ومن ثم، لا بد من غائية Finality موجهة إلى التربية على المسؤولية في التدبير السياسي تجاه الأجيال الحالية والقادمة؛ أي إن مرجعية الأساس التعاقدي للتربية قائمة على إيتيقا المسؤولية تجاه الطبيعة وحق الإنسانية في الحياة. ولهذا، لا بد للدولة من تهيئة أجيال جديرة بالعيش على الأرض، وبالحفاظ على الحياة، وذلك من خلال الفاعلية التربوية.

3. في تكامل المعيارَين الطبيعي والتعاقدي

نحن، إذًا، إزاء مستويَين في التربية المؤسساتية أسريًا وسياسيًا، وعلى الرغم من أنهما متمايزان،

حيث إن الأول خاص وحميمي، والثاني عام وكوني، فإنهما يشتركان في أمور كثيرة في مقدّمتها: كلية الموضوع وهو الطفل، حيث "تشمل تربية الطفل التنشئة الاجتماعية، بدءًا من الكلام وتدريجيًا

بنقل مدونة القناعات الاجتماعية والمعايير، التي يصبح الفرد من خلال تملّكها عضوًا في الجماعة

الواسعة. [...] بتعبير آخر، يكون 'المواطن' هدفًا جوهريًا للتربية، فهو جزء من المسؤولية الأبوية".

بيد أن الأسرة لا تعمل على تلبية حاجات الطفل فحسب، وإنما تعمل على إعداده لينفتح على العالم وينخرط في الجماعة الأكثر شساعة (المجتمع)؛ أي أن يصبح مواطنًا. وهذا يعني أن يصير الخاص عن طريق التربية شأنًا عاًّمًا ومسؤولية سياسية، ومثلما أن الوالدين يربيان الأبناء "من أجل الدولة" (ومن أجل أشياء أخرى أيضًا)، تتحمل الدولة كذلك مسؤولية تربية الأبناء. بالنسبة إلى يوناس، تمثل التربية شكلًا متميزًا لتقاطع المسؤولية الأبوية مع المسؤولية السياسية. وإذا

كان النمط الأول هو الذي ساد في الماضي، أي في المجتمعات التقليدية والقبلية؛ حيث لا سلطة

(38) Ibid., p. 102. (39) Ibid.

سوى للوالدين والعادات وتقاليد المجتمع، فإن المجتمعات الشمولية (كالنازية مثلًا) قامت على النمط الثاني. ويقدّم النموذج الديمقراطي الليبرالي نفسه بديلًا من النمطَين التقليدي والشمولي، إلا أنه يعاني عطبَين: فقد أدى، من جهة، إلى تغير نوعي في الفاعلية البشرية تجاه الطبيعة والأجيال

القادمة والحياة عندما جعل من الحرية مبدأ وغاية، ونظر إلى الإنسان العاقل على أنه ذات حرة، وإلى العالم بوصفه موضوعًا وأداة؛ ما أدى بالنموذج التربوي الديمقراطي إلى تكريس النظرة التقنية التي هيمنت على الحضارة التكنولوجية، وتجاهلت معايير الحياة وغائية الطبيعة وحق "من ليس بعد" في كينونة أصيلة. ومن جهة أخرى، يكشف تاريخ السياسة عن أن النظام السياسي الديمقراطي الحديث (ونموذجه التربوي) لم ينفلت من نخبوية السلطة وزيادة تدخل الدولة على حساب الفرد والأسرة؛ لأنه ساهم شيئًا فشيئًا في نقل المسؤولية الأبوية إلى المسؤولية السياسية للدولة، فقد جعل "الدولة الحديثة، سواء كانت رأسمالية أو اشتراكية أو ليبرالية أو استبدادية أو مساواتية – ديمقراطية أو نخبوية، 'ذات نزعة أبوية' أكثر من أي وقت مضى". وهذا يعني أن الديمقراطية ونموذجها التربوي لا يعكسان حًّقًا إرادة الأغلبية أو قرارها داخل المجتمع. وهو سبب آخر للتفكير في بردايم جديد للتربية هو نموذج التربية على المسؤولية.

رابعًا: أسس التربية على المسؤولية وغاياتها

تنطلق غائية فلسفة التربية في فلسفة يوناس من غائية الحياة نفسها، وهي الغائية التي تستدعي أسسًا

بعينها تقوم على إيتيقا المسؤولية، وتقوم عليها التربية على المسؤولية. ومصادرة يوناس في ذلك هي أن هناك غايات في الطبيعة أسماها غاية الحياة، وهي قيمة في ذاتها. ولهذا، لا بد من نموذج تربوي يحقق هذه الغاية ويبلغ تلك القيمة. ويتحقق ذلك عبر هدف آخر يتمثل في أن يصل الطفل إلى شخص "بالغ"؛ أي مستقل وقادر على اتخاذ القرار وتنفيذه وتحمل تبعاته، ف "لتربية الأطفال هدف جوهري محدد هو استقلال الفرد الذي يندرج بشكل جوهري في قدرته على المسؤولية"، وهنا تشترك المسؤولية الوالدية مع المسؤولية السياسية رغم أن كل مسؤولية تجري وفقًا لصيرورة مختلفة عن الأخرى. غير أن المسؤولية الوالدية تنتهي عندما يصير الابن شخصًا بالغًا على المستويَين البيولوجي

والعقلي. في حين أن بلوغ المواطن لا يعفي الدولة من مسؤوليتها السياسية؛ لأنها مسؤولية تعاقدية تشمل عدة مجالات. بيد أن هدف تهيئة الطفل وجعله ناضجًا أو شخصًا بالغًا يفرض ما يمكن

تسميته ب "مسؤولية التربية على المسؤولية"؛ إذ إن بلوغ الفرد "يتضمن في الأساس القدرة على تحمل المسؤولية". تنطلق فكرة التربية على المسؤولية من أسس إيتيقا المسؤولية لكي تشكل بردايم التربية الذي يقوم على ما يلي:

(40) Ibid., p. 103. (41) Ibid., p. 108. (42) Ibid.

1. بيداغوجيا الخوف ومبدأ الاحتراس: لا ينبغي فهم الخوف، في هذا السياق، بمعناه السيكولوجي أو المرَضي، وإنما بوصفه مفهومًا فلسفيًا يرتبط بالوعي والقلق الوجودي، إنه استباق الكارثة والعمل

على تفاديها. ولهذا فهو خوف "لا يحذر من الفعل، بل على العكس من ذلك، يستدعيه"، إنه جزء من المسؤولية ودافع لها ومحفز على الفعل؛ لأنه يقود إلى ضرورة اتخاذ الحيطة والحذر، والقيام بالمتعيّن. لهذا، يُبنى الخوف على مبدأ الاحتراس ليكون قاعدة موجهة للفعل التربوي حتى يتأهل

المرء لتحمل المسؤولية ويكون جديرًا بها. إن بيداغوجيا الخوف تبني إنسانًا مسؤولًا مالكًا للحكمة

والتبصر؛ لأنه يعرف قيمة ما يملكه أو ما يحتاج إليه فيحافظ عليه ويتفادى الأسوأ، بمعنى أن الخوف، بوصفه وعيًا، يسمح باستشعار الخطر وتوقع الأثر السلبي للفعل. ومن خلال مبدأ الاحتراس، يتبين

أن النتائج غير مضمونة، وأن اليقين غير ثابت. ويجد مبدأ الاحتراس تبريره في إمكان التهديد الدائم (المادي والمعنوي على حد سواء). 2. بيداغوجيا الأزمات والانفتاح على المستقبل: للأزمة داخل المنظور اليوناسي دور أساسي في التربية، فهي مُعلم أيضًا أو مُرٍَّبٍ، ولهذا يتحدث يوناس عن "التربية بتوسط الكوارث"؛

إذ يقول: "بشكل مفارق، يبقى الأمل في نظري في التربية بتوسط الكوارث. فقد تكون هذه الشرور في الوقت نفسه مناسبة لتأثير مفيد". إن وضعية الأزمة أكبر اختبار تشخيصي للقدرة على تحمل تبعات السلوك من جهة، وفرصة للتعلم والاحتراس من أزمات أو كوارث أخرى خصوصًا عندما لا يستقيم السلوك الإنساني (الفردي أو الجماعي) مع مبادئ حفظ الحقوق والكرامة الإنسانية من جهة أخرى. ولهذا لا يمكن فهم مبدأ الاحتراس في النموذج التربوي القائم على المسؤولية إلا في سياق ربطه بالزمنية، فالحذر احتياط من القادم أو النتيجة. ومن ثم، فهو موقف تجاه المستقبل، أي تجاه ما ليس بعد أو الممكن في جانبه الخطير؛ لأنه الأولى بالاهتمام والتأمل. 3. ثقافة المسؤولية والتضحية: لا يوجد نموذج تربوي من دون مرجعية ثقافية أو بردايم ثقافي يُلهمه ويكرسه. ولا نقصد الثقافة هنا بالمعنى الأنثروبولوجي أو الأكاديمي، وإنما بمعنى آخر فلسفي؛ أي الثقافة بوصفها وعيًا. إذا كان النموذج التقليدي للتربية مبنًّيًا على تقديس التقليد

والعادة وتكريس قوى الاتكالية والتسليم بقدرية من طبيعة ما، وكان النموذج الديمقراطي ينهل من ثقافة ليبرالية الفرد، ويرى في الحرية مبدأ وغاية، وفي التقدم مسارًا خطيًا متصاعدًا يتميز

فيه اللاحق من السابق، فإن النموذج التربوي المبني على المسؤولية يكرس للحرية المسؤولة، ولثقافة إيكولوجية تضع البيئة في مركز الاهتمام والرعاية؛ أي ثقافة متحررة من نزعة التمركز الإنسانية، كما أنه يزكي "تربية أخلاقية جماعية" لا تستهدف الفرد بقدر ما تتوجه إلى النوع

(43) Raymond Matand Makashing, Michel Serres, Hans Jonas, edgar Morin et l’écologie profonde (Paris: l’Harmattan, 2020), p. 125. (44) Hans Jonas, "Au plus proche d’une issue fatale," entretien avec Mattias Matussek & Wolfgang Kaden, Der Spiegel , 11/5/1992; Hans Jonas, Une éthique pour la nature , Sylvie Courtine–Denamy (trad.) (Paris: Arthaud Poche, 2000), p. 39.

الإنساني The Human Race. ولهذا، تكرس التربية على المسؤولية، بوصفها تربية إيكولوجية Édu–écologie، منظورًا للهوية المنفتحة والمتحررة من كل أشكال التعصب الديني والعرقي

والمذهبي. ثمّ إنّ هذا المنظور التربوي الإيكولوجي المنفتح على الآخر، يقتضي الإيمان

بمبدأ التضحية؛ أي التنازل عن الأنانية بالتخلي عن الرغبات الطبيعية غير الضرورية أو غير الطبيعية وغير الضرورية، حيث يصير الاعتدال في الاستهلاك سبيلًا تربويًا، ويصبح الزهد فيما قد

يستنزف الأرض أو يهدد الحياة واجبًا أخلاقيًا. وهكذا، تقوم فكرة التضحية على استحضار

المستقبل والإحساس بالمسؤولية تجاهه. ولا ينبغي أن نفهم من ذلك أن التربية على المسؤولية إحياء للتقليد اليسوعي القائم على التضحية بحاضر الطفل والإنسانية من أجل حفظ مستقبلهما، وإنما هي تأمين لمستقبل الحاضر؛ أي نهج مسار ثالث بين مسارَي التضحية بالحاضر من أجل

المستقبل أو التضحية بالمستقبل من أجل الحاضر. تستلهم بيداغوجيا المسؤولية إيتيقا المستقبل عند يوناس؛ فالحفاظ على الحياة بما هي غاية، يفترض نموذجًا تربويًا في مستوى تحدي الشرط التاريخي الحالي، ومنه يستمد راهنيته. ولا يمكن أن يتجاهل فعل

التربية أثر التكنولوجيا المعاصرة (وانعكاساتها في مجالات الإعلام والتواصل والتعلم والطب... إلخ) في إدراك الإنسان وسلوكه ومستقبله، وعلاقته بذاته وبالآخرين وبالطبيعة. ومن هنا، لا يمكن أن يحلّ النموذج التربوي الديمقراطي المشكلات التي ولدها العصر التقني، فمشكلة هذا النموذج أنه يجعل من الحرية مبدأ وغاية، وهذا ما جعل الحرية تنقلب إلى أضدادها؛ أي إلى ارتهان وخضوع وتهديد، في حين ينبغي أن تكون غاية التربية هي نفسها غاية الفعل الأخلاقي برمته، وهي حفظ الحياة وشروطها. على خلاف أرندت التي دعت إلى فصل التربية عن السياسة، يؤكد يوناس ضرورةَ ابتكارِ بردايم سياسي للتشريع التربوي يتجاوز عيوب المنظور الديمقراطي الليبرالي، وأساس هذا البردايم هو إيتيقا المسؤولية التي تقتضي، من جهة، اختبار الحرية الإنسانية ذاتها، وهو الاختبار الذي يصبح ممكنًا

بفضل توجيه الفعل الإنساني إلى الحفاظ على الحياة الأصيلة بوصفها أولوية. ومن جهة أخرى، فرض تدخل الدولة قرارًا وتنفيذًا عبر إجراءات قانونية وسياسية، وهذا يعني الانتقال من التربية على

الحرية إلى التربية على المسؤولية، أو التربية على الحرية المسؤولة. يمكن القول إن نقد النموذج الديمقراطي للتربية لا يعني رفض الحرية الفردية من حيث المبدأ، فهي أحد أسس الحياة الأصيلة، وشرط أنطولوجي للمسؤولية، وإنما يهدف إلى إعادة بناء نموذج تربوي

(45) Jonas, The Imperative of Responsibility, p. 165. (46) Makashing, p. 14.

(((4 على الرغم من ذلك، كان يوناس ضحية الموقف الأيديولوجي العنصري للحركة الصهيونية، حيث انتمى إليها مبكرًا ودافع

عن فكرة إنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين. قال في مذكراته: "بدأت مرحلتي الصهيونية، على أبعد تقدير، بعد نهاية الحرب العالمية الأولى عندما كنت في السنتين الدراسيتين الأخيرتين. كان والدي مذعورًا. وباستثناء ابن عمي في ليخنيخ، كنتُ

الصهيوني الوحيد في عائلتي"؛

Hans Jonas, Memoirs , Krishna Winston (trans.) (Hanover/ London: Brandeis University Press, 2008), p. 24. (48) Schoefs, p. 50.

آخر للحرية قائم على مبدأ المسؤولية بما تتطلبه من احتراس وروح جماعية وانفتاح على المستقبل، وذلك انطلاقًا من مصادرة نمذجة الفعل الإنساني مع غائية الطبيعة.

خامسًا: قيمة النموذج اليوناسي وحدوده

كان هدف روسو في إميلتخليص حرية الطفل (الفرد) من قيد الراشد (الجماعة)، وتحرير التربية من نموذجها التقليدي. بيد أن تصور يوناس للتربية هو إعادة إحياء لهذا النموذج الذي يدفع بالحرية إلى مدى تحدّ فيه نفسها. وإذا كان تصور روسو منسجمًا مع فرضيته حول حالة الطبيعة والطبيعة البشرية،

فإن مقاربة يوناس خاضعة لفلسفته الأخلاقية حول الحياة الأصيلة؛ فالإنسان الأصيل أو الحقيقي هو نفسه في كل حالاته، "وُجِدَ على الدوام، بكل تناقضاته وتقلباته، بسموّه وانحداره، بعظمته وبؤسه،

بسعادته وعذابه، بعدله وجوره، وباختصار بكل غموضه الذي لا ينفصل عن إنسانيته". ولهذا، يمكن القول إن تصور يوناس يتسم بطابعه الواقعي البراغماتي، ليس بالمعنى الضيق الذي يفيد تأهيل الطفل ليكون قادرًا على اكتساب مهارات والقيام بكفايات وممارسات، وإنما بالمعنى العميق الذي

يعني إعداده لتحمّل المسؤولية حاضرًا ومستقبلًا. من المعلوم أن للتربية وسائل؛ إذ تبدأ بالأسرة، وتنتهي بالمؤسسات العمومية الوطنية والدولية، وهذا التأكيد التقليدي يتعارض مع النظرة النيتشوية لنموذج التربية عن طريق المؤسسات (الدولة،

(4((يقوم تصور يوناس هنا على نقده للتصورين الديمقراطي (الرأسمالي) والماركسي على حد سواء، فالمجتمع القائم على الحرية (الليبرالي) يمكن أن يجعل من المبدأ غاية، ولا يرى من غائية للفعل غير تحرّره أو تقدّمه، إلى حدّ يسمح فيه بأكبر قدر ممكن

من تنافس قوى المجتمع. وهكذا تنتقل الحرية داخله من استعمال جيد إلى استعمال سيئ؛ ذلك أن الديمقراطية الرأسمالية إطلاقٌ

لعنان إرادة المنفعة الخاصة؛ ما يجعلها عاجزة عن مواجهة خطر الفعل الحر. كذلك، لا يمكن أن يكون المجتمع القائم على المساواة (الفاضل) مشتلًا للفضائل الأخلاقية بالضرورة، حتى إن كان ينطلق من شعار أن علاقات الاستغلال في حد ذاتها غير

أخلاقية؛ ليس لأن المستغِلين مذنبين فحسب، بل لأن روح المستغلين أيضًا تقع تحت نير ظروف قاسية وتصبح سيئة. ويكمن عيب

هذه المقاربة الماركسية – في نظر يوناس – في أنها تربط فضيلة الفرد بالفضيلة العامة أو الجماعية وكأنه ذرة كما لو أنّ تغيير بنية

المجتمع الطبقي ونمط إنتاجه سيؤدي، على نحو جذري، إلى جعل الفرد أخلاقيًا أكثر فأكثر. وهذا ما يسميه يوناس باليوتوبيا

الماركسية للإنسان الذي لم يأتِ بعد. وفي مقابل ذلك، يراهن على ضرورة التربية على إيتيقا المسؤولية على نحو دائم ومستمر لا يستكين لأي انتظارية أو تنبؤ، ويؤكد أن الدولة الجيدة لا تخلق بالضرورة مواطنين صالحين أو أخلاقيين. لكن هذا لا يعني أنه يؤيد الفكرة المكيافيلية؛ ف "منذ مكيافيلي اختفت الفكرة الكلاسيكية للدولة بوصفها 'مؤسسة أخلاقية' لمصلحة تزايد النظرية الحديثة للدولة. لقد أصبح التصور المهيمن في العالم الغربي هو التصور الليبرالي للدولة بوصفها مؤسسة متوافقة مع غايات". ينظر: Jonas, , p. 173 The Imperative of Responsibility. إنه لا يتفق مع الطرح الذي ينفي صفة الأخلاقية عن الدولة أو يفصل الأخلاقي عن السياسي، كما أنه لا ينفي الحرية؛ لأنها جزء من ماهية الكينونة العضوية وقيمة أخلاقية في ذاتها، غير أنه يرى أن الامتداد الفعلي للحرية هو الذي يراهن على تغلّب الاستخدام الجيد لها على الاستخدام السيئ؛ أي أن تصبح الحرية قوة من الدرجة الثالثة، وفي

هذا يقول يوناس: "سنعتبر (مع الحكم المسبق للغرب من جانبنا من دون شك) أن نظامًا تحرريًا في كل مجالات النشاط الإنساني،

ما دام قادرًا على حماية نفسه ضد تجاوزاته الخاصة، أفضل لأسباب أخلاقية من نظام آخر لخوصصة الحرية، حتى عندما يمكنه

تقديم بعض المصالح الإنسانية المهمة على نحو أفضل وبطريقة آمنة". ينظر: 174 , p.  , The Imperative of Responsibility Jonas. وهكذا، ثمّة أفضلية لنظام سياسي على نظام سياسي آخر من الناحية الأخلاقية، غير أنه يظل دائمًا محفوفًا بالمخاطر.

(50) Jonas, The Imperative of Responsibility , p. 200.

((5(من ناحية أخرى، تأتي التربية من الطبيعة (عن طريق النمو الداخلي لقدراتنا وأعضائنا)، أو الناس (بفضل ما نتعلمه باستعمال ذلك النمو)، أو الأشياء (بوساطة ما نكتسبه من تجربتنا الخاصة في تعاملنا مع الأشياء التي تؤثر فينا). يُنظر:

Rousseau, Emil ou l’éducation , pp. 12–13.

الكنيسة، المدرسة... إلخ)، الذي أدى إلى تحريف الدور التحريري للتربية، وبموجبه "أصبحت في خدمة ' القوى الارتكاسية ' بعد أن مكنتها من الهيمنة على الإنسان "، وكرست لتربية ارتكاسية ولثقافة الانغلاق. في حين أن النموذج الفاعل للتربية، بحسب فريدريش نيتشه، يكرس ثقافة الانفتاح باعتبارها "نشاطًا يروم 'روحنة' الكائن الإنساني"، وذلك عن طريق ترويض الغرائز واصطفاء الرغبات لكي يتمكن الإنسان من السيطرة على قواه الارتكاسية وجعلها تحت إمرة قواه الفاعلة عبر استثمار العديد من الوسائل والإجراءات. وإذا كان هدف هذا النموذج الفاعل هو تكوين الإنسان المنفتح الحر والفاعل والمسؤول عن ذاته وتجاه الآخرين، فإن بلوغه، بحسب يوناس، لا يمكن أن يتحقّق إلا في إطار آخر للتربية هو الإطار المؤسساتي؛ أي التربية بوصفها توجيهًا وتأطيرًا وتبصرًا للتحرر من الأنانية

ولتفادي الكارثة، من دون أن يعني ذلك حرمان الطفل حقه في اللعب، أو المرح والتعبير والانفعال. لا ينبغي لنقد يوناس للنموذج الديمقراطي وتصور روسو الملهم له، أن يحجب عنّا أن روسو نفسه لم يتجاهل دور المسؤولية في نموذجه التربوي، فقد جعل من قانون الجزاء الطبيعي القائم على تحمل تبعات حرية الفعل أحد أسس التربية السلبية أو الحرة، وهو يهدف من خلاله إلى أن يكتشف الطفل بنفسه خطأ اختياره/ قراره ويصححه؛ إذ "تقوم التربية الحقيقية على التمرين أكثر من التعليم"، هتيبرت نع لاوًااؤسمو لاعًاااف لفطلا حبصي نأ ىنعمب. ويشكل تصور يوناس، في هذا الصدد، امتدادًا لتصور روسو. غير أن التربية عند يوناس لا تقتصر على وظيفتيها التكوينية أو القيمية، وإنما تملك وظيفة أخرى احترازية – تحسيسية، إنها طريق لبناء إنسان حر ومسؤول تجاه الحاضر والمستقبل، أو إنسان المستقبل، بتعبير نيتشه، المختلف في المعنى عنه. إنسان المستقبل عند نيتشه، هو الإنسان الأعلى المتحرر من نوع معيّن من الأخلاق (مرض القيود)، والمنفلت من المسؤولية بما هي إحساس

بالذنب والَّدَين الذي لا ينتهي سداده، إنه الإنسان الذي تخلص من العدمية بوصفها انحطاطًا ليتسلح بالعدمية أفقًا. في حين أن إنسان المستقبل عند يوناس هو المحمل بالمسؤولية بوصفها التزامًا تجاه

الطبيعة والحياة وحق الأجيال القادمة، هو الإنسان المتسلح بالخوف من الكارثة والمنفتح على

(5((محمد أندلسي، نيتشه ومعضلة التربية، سلسلة شرفات 83 (الرباط: منشورات الزمن، 0142)، ص.25–24 ((5(المرجع نفسه، ص.19 ((5(المرجع نفسه، ص.21–20

(55) Rousseau, Emil ou l’éducation , p. 18. (56) Stéphane Martineau & Alexandre A. J. Buysse, "Rousseau et l’éducation: Apports et tensions," Revue Phronesis , vol. 5, no. 2, (2016), p. 17.

((5(إضافة إلى ذلك، يلتقي يوناس مع روسو في تأكيد عنصر العاطفة، سواء في عملية التربية أو في التأسيس الأخلاقي، فالطفل، والإنسان عمومًا، قابل للتعلم بفضل استعداده الطيب، بحسب روسو، كما أن الإنسان قابل للامتثال الأخلاقي بفعل دافع الإحساس

. Jonas, The Imperative of Responsibility , p. 105:أو القدرة على التأثر بشدائد الآخرين. ينظر

((5(يشكل مفهوم الاحتراز La prudence أحد المفاهيم الأساسية التي بنى عليها يوناس تصوره لإيتيقا المسؤولية بما هي إيتيقا للخوف، ليس بمعناه السيكولوجي (المرضي) الذي ورد عند هوبز بوصفه حالة مسيطرة على الإنسان في حالة الطبيعة، وإنما بمعناه

الواعي الذي يفيد توقع الخطر واستباق التهديد. يتطلب إحساس/ وعي الخوف، إلى جانب مبدأ الاحتراس، مبدأً آخر هو التحسيس La sensiblisation؛ أي التعبئة الجماعية لتعميق هذا الإحساس وتحمّل المسؤولية تجاه الفاعلية البشرية. وهذا ما نعنيه بالوظيفة

الاحترازية – التحسيسية للتربية عند يوناس.

المستقبل. وهكذا، فإنّ الحرية والاستقلال عنده لا يتحققان إلا بالقدرة على تحمل المسؤولية وليس من التحلل منها، وليس المقصود معناها السيكولوجي، وإنما المعنيان القانوني والأخلاقي. وعلى الرغم من أهمية تصور يوناس للتربية على المسؤولية، فإنه لا يشكل نظرية متكاملة حول التربية، ولا نعثر على نظرية متكاملة في الفلسفة السياسية داخل إيتيقا المسؤولية عنده. والحال أن ما أشار إليه بخصوص التربية، يمكن أن يكون أرضية لتأسيس تصور متكامل على غرار ما نجده عند روسو أو إيمانويل كانط. إن التحدي التكنولوجي واحد فقط من بين تحديات كثيرة توجه الفعل التربوي، إضافة إلى أن التربية لا تتعامل مع الطفل بوصفه كيانًا واحدًا أو مقولة عامة، بل هو عبارة عن فترات عمرية تفترض تعاملًا خاصًا وملائمًا كما بين روسو، ولذلك يمكن القول إن يوناس وضع إطارًا أخلاقيًا

للتفكير في مشكلة التربية، ثمّ إنّه لا يستهدف في تصوره التربوي مرحلة الطفولة، وإنما يتوجه به إلى

الجميع؛ فالكل في حاجة إلى تربية دائمة على المسؤولية، صغارًا وكبارًا.

خاتمة

سعى يوناس، مثل روسو، لإعادة الإنسان إلى حضن الطبيعة، فهو منها، وهي شرط كينونته، بعد أن عملت المدنية عند الأول، والحضارة التكنولوجية عند الثاني، على انتزاع السلوك الإنساني من جذوره الطبيعية وإدخاله في دوامة التقدم الصناعي. لكن محاولة كل واحد منهما جرت وفقًا لنموذج مختلف للتربية، بسبب اختلاف الشرط التاريخي بين عصر الأنوار والتقدم من جهة، وعصر نتائجهما من جهة أخرى، وبسبب تباين الخلفية الفلسفية لكل واحد منهما، وهي فرضية حالة الطبيعة عند روسو، وأنطولوجيا الحياة عند يوناس. لا تمثل التربية غاية، بل وسيلة لها أهمية كبرى وحاسمة، ولهذا اعتبرها روسو وسيلة سياسية للمساهمة في "التحديث"، واعتبر السياسة ذاتها شكلًا من أشكال التربية أيضًا. يمكن أن تكون التربية حًّلا للعديد من المعضلات ومن بينها المعضلة البيئية، ويمكنها أن تتحول ذاتها إلى معضلة بفعل التحولات المجتمعية والبيئية. لذلك – في أثناء كل التحديات الراهنة – لا بد من الانتقال من التربية على المسؤولية إلى المسؤولية عن التربية؛ أي التعامل معها بوصفها رهانًا أيضًا. وهكذا، فالأسرة والدولة مسؤولتان عن التربية بحسب الاختصاص والإمكانات في إطار التكامل. ولا ينفي هذا القول طابعه الكلياني، بل يؤكده؛ لأنه واقع حتى في تجارب البناء الديمقراطي، ولأنها أيضًا نقد للنموذج الديمقراطي الذي أغفل غائية الحياة وقيمة الطبيعة؛ أي ينبغي أن يكون هدف التربية اليوم هو "تكوين مواطن مسؤول في مستوى تحديات الأنثروبوسين".

((5(فُهِمَ عصر التقدم على أنه "إمكانية للفعل في الطبيعة والتحكم في العالم الاجتماعي، وقد شكّلت فكرة تقدّم العلوم النواة

الصلبة لهذه العقلانية. وسيكون هذا التقدم، بطبيعة الحال، مساهمة إيجابية للإنسان والمجتمع". ينظر:

Martineau & Buysse, p. 15.

((6(أرندت، ص.9

(61) Faber, p. 274.

لا تقوم فلسفة التربية عند روسو على خلفية أخلاقية كيفما كانت، بل إن نموذجه التربوي السلبي قائم على التحرر من الثقافة والأخلاق. في حين أن يوناس جعل من إيتيقا المسؤولية مرجعية أساسية – بعد أن برر أساسها الأنطولوجي – لتصوره التربوي، فالتفكير في التربية اليوم ينبغي أن يكون من داخل نظرية الأخلاق، وجزءًا من البرنامج السياسي للدولة. وفيه سيكون للمدرسة دورها

الأساسي والمحوري. لا ينبغي التنكر لتاريخية الفعل التربوي، فلكل عصر رهاناته التربوية وتحدياته. ولهذا، لا يمكن أن تبقى التربية رهينة الحرية الإنسانية، ولا بد من الذهاب بهذه الحرية إلى مدى يقيها أخطارها، وهذا المدى هو القدرة على تحمل المسؤولية والقيام بما يلزم، والتربية على أخلاق البيئة وحق الآخرين (حاليين أو قادمين، فعليين أو محتملين) في الحياة الأصيلة (الكريمة) على الأرض، والتمرين على المسؤولية التي تقضي بأن يكون كل واحد منا مثل طائر الكوليبري. إنها تربية تؤكد الحياة بدلًا من أن تنفيها، وهي مهمة مفادها أن أساس التربية أخلاقي، وإطارها سياسي، وهدفها حيوي. يتخذ الفعل التربوي، وفقًا لإيتيقا المسؤولية، طابعًا كونيًا، فالتهديد التكنولوجي عالمي أو إنساني.

وبناءً عليه، لا ينبغي القبول بالمعايير الثقافية للأخلاق والتربية إلا إذا كانت تساهم في تشكيل "الكوني"

القادر على مجابهة التهديد. من هنا، تمثل التربية على المسؤولية مقاومة للعدمية؛ لأنها تربية على الوعي بالخطر ومقاومته. إن التربية فعل أخلاقي في جوهره؛ لأنها تتوجه إلى السلوك؛ ولذلك فهي مضادة للغنوصية. يضاف إلى ذلك أنّ أفقها موجه بفكرة توقع الكارثة أو التهديد الذي يتربص بمسار الحياة الإنسانية في عصر الأنثروبوسين، وهو التهديد التقني. لهذا، تتحدد مهمة التربية في المساهمة في التحكم في التقدم التقني، وليس إيقافه. تشكّل التربية على المسؤولية مساءلة لدور المدرسة ومناهجها التعليمية، ف "إذا أرادت المدرسة أن تكون وفية لنفسها، فلا بد لها من أن تنشغل بتجهيز الشباب على مواجهة المشكلات التي يطرحها الأنثروبوسين"، وإعادة توجيه لمسار الإنسانية فكرًا وسلوكًا. إنها تأهيل للناس للعيش

في عالم وصفه ميشيل فابر، المتخصص في فلسفة التربية، بأنه "عالم إشكالي"، يحمل "قضايا

(6((قصة أوردها بيير رابحي في كتيب بعنوان: نصيب طائر الكوليبري: النوع الإنساني أمام صيرورته. تقول القصة: "في يوم اندلع

حريق مهول في الغابة شاهدته كل الحيوانات المرعوبة وهي عاجزة، ما عدا طائر الكوليبري الصغير الذي بحث عن ماءٍ، ثم جعل يأخذ منه قطرات بمنقاره ليرميها على النار. وفي أثناء ذلك، قال له حيوان المدرع Le tatou بطريقة منزعجة: 'الكوليبري! هل أنت مجنون؟ أتعتقد أنك تستطيع أن تطفئ النار بتلك القطرات؟'. فأجاب طائر الكوليبري: 'أعلم، ولكنّني أقوم بدوري'". ينظر:

Pierre Rabhi, La part du colibri: L’espèce humaine face à son devenir (La Tour–d’Aigues: edition de l’aube, 2009), p. 10.

((6(لا يمكن التحكم في التقدم العلمي – التقني بإيقافه، فهذه مهمة مستحيلة نظريًا وعمليًا، بل إن التقدم العلمي نفسه شرط لهذا

التحكم في نظر يوناس، لكن ينبغي أن يكون تقدّمًا مسؤولًا من الناحية الأخلاقية، وهذا ما يعنيه يوناس بالمسؤولية العلمية بوصفها

توجهًا مضاًّدًا للنزعة الوضعية التي قالت بالتحييد القيمي للعلم.

(64) Fabre, p. 255. (65) Michel Faber, "Est–il possible d’éduquer dans un monde problématique?" Revue internationale de philosophie , vol. 3, no. 257, (2011), p. 97.

حية اجتماعيًا"، ولا يتوقف عن طرح التحديات والإشكالات على التربية ومؤسساتها، وعلى

الإنسانية.

References

المراجع

العربية

أرندت، حنة. "أزمة التربية". ترجمة حماني أقفلي وعز الدين الخطابي. الأزمنة الحديثة. العدد 4–3 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2011 أندلسي، محمد. نيتشه ومعضلة التربية. سلسلة شرفات 8.3 الرباط: منشورات الزمن،.2014

الأجنبية

Chauvigné, Céline & Michel Fabre. "Questions socialement vives: Quelles approches possibles en milieu scolaire?" Carrefours de l’éducation 2, no. 52 (2021). Crutzen, P. J. & E. F. Stoermer. "The 'Anthropocene'." Global Change Newsletter. no. 41 (May 2000). Fabre, Michel. "Est–il possible d’éduquer dans un monde problématique?" Revue internationale de philosophie 3, no. 257 (2011). ___________. Un avenir problématique: education et responsabilité d’après Hans Jonas. Dijon: Raison et Passions, 2021. Jonas, Hans. Une éthique pour la nature. Sylvie Courtine–Denamy (trad.). Paris: Arthaud Poche, 2000. ___________. Memoirs. Krishna Winston (trans.). Hanover/ London: Brandeis University Press, 2008. ___________. The Imperative of Responsibility: In Search of an Ethics for the Technological Age. Hans Jonas & David Herr (trans.). Chicago: University of Chicago Press, 1984. ___________. "Les droits, le droit et l’éthique." Évolution et liberté. Sabine Cornille & Philippe Ivernel (trad.). Paris: Rivages, 2005.

(66) Céline Chauvigné & Michel Fabre, "Questions socialement vives: Quelles approches possibles en milieu scolaire?" Carrefours de l’éducation , vol. 2, no. 52, (2021), p. 15.

((6(من بينها: قضايا الحقيقة في عالم المعرفة المتسارعة والريبية، والبيئة، والسياسة الطاقية، والنوع الاجتماعي، والأقليات، والذكاء الصناعي... إلخ. وعلى سبيل المثال، يشير بعضهم إلى الرهانات التي تطرحها السياسة الطاقية بالقول: "في حين يتعلق بالسياسة الطاقية، حال الخروج التدريجي من الطاقة النووية، فإن المعطيات المرتبطة بالجدوى التقنية أو المزايا والسلبيات الاقتصادية أو الاجتماعية، تكون أقل تحديدًا، وهي مثيرة للجدل. إضافة إلى ذلك، لا نصغي للشروط القيمية التي ستحكم القرارات،

فبعضهم يفضل القيم الإيكولوجية، وبعضهم يفضّل الاستقلال الطاقي للبلد، في حين يهتم آخرون بالاستعمال". ينظر:

Chauvigné & Fabre, p. 9.

وفي ضوء ذلك، ينتمي يوناس إلى الاتجاه الذي يراعي القيم الإيكولوجية. وبهذا، ينبغي للتربية أن تكون إعادة تأهيل للفاعلية

الجماعية لكي تصبح قادرة على إنقاذ البشرية من الكارثة، بما يتطلبه ذلك من موقفٍ تجاه السياسيات العمومية ومن بينها الطاقية.

Makashing, Raymond Matand. Michel Serres, Hans Jonas, edgar Morin et l’écologie

Martineau, Stéphane & Alexandre A. J. Buysse. "Rousseau et l’éducation: Apports et

Rabhi, Pierre. La part du colibri: L’espèce humaine face à son devenir. La Tour–

Rousseau, Jean–Jacques. Discours sur l’origine et les fondements de l’inégalité parmi

___________. Émile ou de l’éducation. vol. 1. Paris: La Renaissance du livre, 1820

Schoefs, Virginie. Hans Jonas: Ecologie et démocratie. Paris: L’Harmattan, 2009. Weber, Max. Weber’s Rationalism and Modern Society. Tony Waters & Dagmar Waters

profonde. Paris: L’Harmattan, 2020.

tensions." Revue Phronesis 5, no. 2 (2016).

d’Aigues: Éditions de l’Aube, 2009.

les hommes. Paris: Flammarion, 1992 [1755].

(trans.). New York: Palgrave Macmillan, 2015.