لغة زمور
Book Review: La langue de Zemmour by Cécile Alduy
الملخّص
عنوان الكتاب: لغة زمور. عنوان الكتاب في لغته الأصلية: La langue de Zemmour المؤلفة: سيسيل ألدوي. الناشر: باريس: منشورات سوي. سنة النشر: 2022. عدد الصفحات: 60.
Abstract
PhD Candidate in Political Science at the Faculty of Legal, Economic and Social Sciences – Souissi, Mohammed V University, Rabat, Morocco. achraftahria@gmail.com
- اللغة
- الخطاب السياسي
- العنف الرمزي
- اليمين المتطرف
- Language
- Political Discourse
- Éric Zemmour
- Symbolic Violence
مراجعة كتاب:
لسيسيل ألدوي
عنوان الكتاب:
لغة زمور.. La langue de Zemmour عنوان الكتاب في لغته: المؤلف ة:
سيسيل ألدوي. الناشر:
. Paris: Seuil Editions
سنة النشر: عدد الصفحات:
الرباط، المغرب.
إريك زمور، اليمين المتطرف، اللغة، العنف الرمزي، الخطاب
مقدمة
شهدت الحياة السياسية في فرنسا، خلال العقود الأخيرة، تحوّلًا نوعيًا
في بنية الخطاب العام، فقد انتقلت تيارات اليمين المتطرف من الهوامش الأيديولوجية إلى صدارة المشهدَين الانتخابي والإعلامي. ولم يعد الخطاب المتشدد يقَّدَم بوصفه هامشًا احتجاجيًا، بل أخذ يصوغ ذاته بلغة تحليلية
مؤَّسَسة تغلّف مضمونًا هوياتيًا إقصائيًا داخل
معجم مألوف. ضمن هذا السياق، برز إريك زمور Éric Zemmour بوصفه أحد أبرز رموز هذا التحول، ليس من خلال مواقفه الصدامية فحسب، بل عبر هندسة خطاب مشبع بمفردات الصراع، يستند إلى سردية درامية مغلقة، وإلى توظيف واعٍ للغة بوصفها أداةً لصياغة الإدراك الجمعي (ص. 12) وقد عالجت الباحثة الفرنسية سيسيل ألدوي هذه الظاهرة في كتابها لغة زمور انطلاقًا من منهج يجمع بين تحليل الخطاب السياسي في بعده اللساني – الدلالي والمقاربة الرمزية للسلطة
(1) Jean–Yves Camus & Nicolas Lebourg, Les droites extrêmes en Europe (Paris: Seuil, 2015), pp. 43–48.
(((كاتب وصحافي وسياسي فرنسي، من أصول جزائرية يهودية. اشتهر بخطابه اليميني المتطرف، لا سيما مواقفه المعادية للهجرة والإسلام، ودعوته إلى استعادة الهوية القومية الفرنسية. ترشح للانتخابات الرئاسية سنة 2022 بعد تأسيسه حزبَ الاسترداد Reconquête. يُعدّ من أبرز رموز الشعبوية
اليمينية في فرنسا المعاصرة. (((أستاذة الأدب الفرنسي بجامعة ستانفورد، وباحثة مشاركة في مركز البحوث السياسية التابع لمعهد الدراسات السياسية بباريس Sciences Po – CEVIPOF. اشتهرت خلال السنوات
(((ينظر:
الأخيرة بأعمالها حول السيميائيات المعاصرة، وبمساهماتها النوعية في حقل تحليل الخطاب السياسي الفرنسي، لا سيما من خلال دراساتها حول مارين لوبان، وكتابها عن إريك زمور.
والمعنى؛ ما يضفي عليه طابعًا متميزًا. فالكتاب لا يكتفي بوصف محتوى خطاب زمور، بل ينفذ إلى بنيته العميقة، كاشفًا أن اللغة تتحول إلى أداة لإنتاج التهديد وصياغة العدوّ الرمزي داخل الديمقراطيات الغربية. يلاحظ أنّ اختيار ألدوي لكلمة "اللغة" في عنوان كتابها ليس اعتباطيًا، بل يعكس رهانها التحليلي
الأساسي الذي يفيد أنّ زمور لا يصوغ خطابًا سياسيًا فحسب، بل ينتج لغة كاملة بمعجمها
وبناها واستعاراتها؛ لغة تسعى إلى إعادة تشكيل الإدراك الجمعي وترسيخ عالم رمزي مغلق. ويتقاطع تحليل ألدوي مع تراث نقدي فرنسي غنيّ، يستلهم ميشيل بيشو في تحليل البنى
الأيديولوجية للغة، وباتريك شارودو في تفكيك علاقة المتكِّلِم بالسياق والجمهور، كما يحضر مفهوم الهيمنة الرمزية لدى بيير بورديو، وأيضًا تحليلات فيكتور كليمبرر الألماني، لا سيما في تفكيك التطبيع التدريجي لألفاظ العنف والاستبعاد كما درسه في لغة الرايخ الثالث.
(((يُعدّ بيشو من أوائل من نبّهوا إلى أن الأيديولوجيا ليست
خارج اللغة، بل في قلبها. ينظر:
Michel Pêcheux, Analyse automatique du discours (Paris: Dunod, 1969).
Le discours politique: Les (يحلل شارودو في كتابه ((masques du pouvoir (2005)، الخطاب السياسي بوصفه ممارسة تواصلية مؤسسية، يُعيد فيها السياسي بناء صورته من
خلال أدوار رمزية (أو "أقنعة تمثيلية") تحَّدَد وفق مقتضيات
السياق والإقناع. (((يناقش بورديو في كتابه Ce que parler veut dire (1982)، الهيمنة الرمزية بوصفها سيطرة غير مرئية تمارس عبر فرض لغة مشروعة داخل سوق لغوية تحددها مواقع المتكلمين؛ ما يؤدي
إلى إعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي عبر تواطؤ لا واعٍ.
Victor Klemperer, LTI – La langue du Troisième Reich (Paris: Albin Michel, 1996).
وتبرز أهمية الكتاب بالنسبة إلى القارئ العربي في أنه يكشف استخدام خطاب اليمين المتطرف في فرنسا، خاصة تجاه المسلمين، لإعادة تعريف مفاهيم مثل "الهوية" و"الأمن" و"الجمهورية" باعتبارها أدوات ناعمة للإقصاء. ويساعد على فهم الأثر الرمزي والواقعي لهذه الخطابات في مجتمعات المهاجرين وقضايا الانتماء والتمثيل في السياق الأوروبي. تعتمد هذه المراجعة منهجًا تحليليًا – تركيبيًا
يستند إلى قرا ةء داخلية متأنّية لفصول الكتاب، مع استخلاص البنية العامة لتحليل ألدوي، وإبراز منطقها في تفكيك الخطاب الزموري، واستثمار أدوات تحليل الخطاب السياسي والرمزي، استنادًا إلى مفاهيم مركزية، من قبيل العنف الرمزي والإقصاء الدلالي وإنتاج المعنى، وذلك من دون اختزال مضمون الكتاب في التلخيص، بل بهدف إبراز رهاناته النقدية وسياقاته الثقافية. ينقسم الكتاب إلى ستة فصول قصيرة ومكثفة تتقدّم بنسق تحليلي تصاعدي، يفكّك كل منها بُعدًا من أبعاد الخطاب الزموري؛ ما يتيح مقاربة
تركيبية متكاملة للخطاب من مستواه المعجمي إلى مستوى إعادة تشكيل الإدراك الجمعي. في مستهل الكتاب (ص 9–7)، تعتمد الباحثة مدخلًا رمزيًا مكثفًا يضع القارئ مباشرة أمام
طبيعة الخطاب الذي تتولى تحليله، مقتبسة نًّصًا كتبه زمور خلال الحجر الصحي في آذار/ مارس 2020؛ إذ يصوّر باريس الخالية كما لو كانت
مدينة محتلة، مستحضرًا مشهد تجوال هتلر في
العاصمة عقب الاحتلال النازي. ولا يقتصر زمور على هذا الاستحضار الصادم، بل يعمّقه عبر تماهيه الشخصي مع صورة
الاحتلال، قبل أن يلجأ إلى أسلوبه المعهود في التهكم والسخرية، محاولًا التخفيف من وطأة الصورة عبر الإحالة إلى أفلام كوميدية شعبية. لكن ألدوي ترى أن هذا التهكم لا يلغي العنف الرمزي بل يموّهه؛ ما يكشف عن نزعة أعمق
في خطابه تتمثل في التلاعب بالذاكرة الجماعية عبر رموز الانهيار والحرب، وصياغة عالم رمزي مغلق تحكمه الانفعالات والسرديات الأحادية. من خلال هذا التقديم المركّز والمثير، تهدف ألدوي إلى تنشيط الانتباه النقدي لدى القارئ، ودفعه إلى تجاوز القرا ةء السطحية لخطاب زمور، والانخراط في تحليل أعمق لطبيعته الملتبسة والاستبعادية. كما تهيئ لفرضيتها المركزية، ومفادها أنّ زمور لا يخوض معركة أفكار تقليدية بل معركة رمزية يُعاد فيها تطويع اللغة والذاكرة
الجماعية لمصلحة مشروع قومي مغلق يستبعد الآخر ويُشرعن الإقصاء. وهكذا تفتح ألدوي، من الفقرات الأولى، سؤال الكتاب كلّه: كيف تتحول اللغة إلى أداة لبناء عالم رمزي يُقصي المختلف، ويعيد هندسة الهوية
الوطنية تحت وطأة الخوف والانغلاق؟
أولا: عنف الكلمات وتطبيع مفهوم العرق
تحلل ألدوي في الفصل الأول تحليلًا دقيقًا معجم العنف في خطاب زمور، بوصفه أحد الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها مشروعه الرمزي المغلق. فهي لا تقتصر على تعداد الألفاظ العنيفة، بل تسعى إلى الكشف عن هندسة ذهنية كاملة يعاد من خلالها بناء الإدراك الجمعي. فخطاب زمور لا يقتصر على تصوير مظاهر الانحدار الاجتماعي كما قد يبدو أول
وهلة، بل ينخرط في عملية شاملة لإعادة تشكيل الواقع عبر لغة مشبعة بالحرب والصراع والتهديد الوجودي. وتشير إلى أنّ مفردات، مثل "الحرب" و"الموت" و"العدو" و"الخوف" و"المعركة"، لها موقع مركزي في خطابه؛ إذ تشغل كلمة "حرب" المرتبة الثالثة من حيث التكرار في كتاباته. ولا يعبّر هذا
الاستخدام المكثف عن رؤية متشائمة فحسب، بل يفرض أيضًا قسرًا إطارًا ذهنيًا وحيدًا يرى أنّ
كل العلاقات الإنسانية، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو ثقافية، تتلخص في معادلة صراع صفري لا مكان فيه للحوار أو المساواة أو التعدد. تُظهر القرا ةء التحليلية لهذا المعجم أنّ زمور يهدف إلى بثّ مشاعر الخوف، ويسعى إلى استنهاض ما يمكن تسميته بالبُعد الذكوري
المقاتل لدى الفرنسيين. ومن خلال الربط المتكرر بين الرجولة والعنف والسيطرة، يدعو الفرنسيين إلى استعادة هوية قتالية متصلبة، ترى في كل مظاهر الاختلاف تحديًا وجوديًا ينبغي سحقه لا التفاوض معه. فالذكورة، في هذا التصور، ليست قيمة اجتماعية أو ثقافية، بل هي فعل صدامي دائم مع "الآخر"، الذي يتمثل هنا، بصورة رمزية متكررة، في المسلم الفرنسي. من هذا المنظور، يصبح خطاب زمور أكثر من سردية سياسية محافظة، إنه مشروع قيمي بديل يقوم على إعادة تعريف معنى العيش المشترك، حيث يتحول الخلاف إلى حرب، والتنوع إلى تهديد وجودي. وهكذا يُختصر الوجود الوطني إلى معادلة قاتمة: إمّا أن تكون منتصرًا ومسيطرًا،
وإمّا أن تكون مهَّدَدًا بالاجتثاث والانقراض.
ويرى جاك إيلول أن هذه البنية اللغوية تؤدي إلى ما هو أخطر من تغيير الأفكار، بل إلى إثارة أفعال غريزية مباشرة. فخطاب زمور لا يهدف إلى إقناع العقل، بل إلى تحفيز الجسد الاجتماعي نحو ردود انفعالية، قد تبدأ بتصويت غريزي، وقد تتطور إلى استعداد يثير القلق لممارسة العنف الفعلي ضد هذا "الآخر". وفي الفصل الثاني، تتابع ألدوي تحليلها لخطاب زمور، مركّزةً على محاولته المنهجية لإعادة تطبيع مفهوم "العرق" في المجال السياسي الفرنسي. وتشير إلى أنه استخدم هذه الكلمة في مؤلفاته أكثر من 135 مرة منذ عام 2006، وهو رقم يفوق ما استخدمه حتى كبار رموز اليمين المتطرف مثل مارين لوبان، في مسعى واضح لكسر المحرّم اللغوي المرتبط بالكلمة منذ الحرب العالمية الثانية. وفي ذلك، يستند زمور إلى آليتين: أولًا، الإشباع بالتكرار؛ إذ يكرّر الكلمة بجرعات صغيرة ومستمرة، لإحداث الإرهاق العقلي الذي تحدثه الدعاية المكثفة؛ ما يُضعف القدرة على نقد المفهوم. ثانيًا، التلاعب بالمرجعيات التاريخية
من خلال استدعاء أسماء، مثل رينان وديغول، بطريقة انتقائية تخدم فكرة "النقاء العرقي". تكشف ألدوي مسعى زمور إلى فرض تصور عرقي للانتماء الوطني، حيث تُربط المواطنة
(8) Jacques Ellul, Histoire de la propagande (Paris: Presses Universitaires de France, 1967), pp. 36–37.
(((حول فكرة الإرهاق العقلي الناجم عن التكرار في الخطاب الدعائي، ينظر:
Serge Tchakhotine, Le Viol des foules par la propagande politique (Paris: Gallimard, 1939).
بالدم والهوية بالعرق. ففي هذا البناء الخطابي، تتحول فرنسا إلى كيان عرقي متجانس ينبغي الدفاع عنه ضد ما يصوّره زمور كاجتياح
ديموغرافي صامت تقوده الهجرات، وخصوصًا
الهجرة الإسلامية. في هذا الإطار، تتحول الجمهورية، في خطابه، من مشروع اندماج مدني إلى آلية استبعاد رمزي. وتُظهر ألدوي أن هذا التحول لا يعكس انحرافًا سياسيًا فحسب، بل يعكس أيضًا هندسة رمزية
شاملة تهدف إلى إعادة تعريف الانتماء الوطني، وتطبيع خطاب الإقصاء في لبّ اللغة السياسية
الفرنسية.
ثانيًا: تفكيك اللغة وإذابة المعنى
في الفصل الثالث من الكتاب، تدخل ألدوي إلى قلب البنية الرمزية لخطاب زمور عبر تبّعها
لمحاولته إعادة تأويل المفاهيم التأسيسية للجمهورية الفرنسية نفسها؛ إذ إنه لا يهاجم الحرية أو المساواة أو العلمانية من الخارج، بل ينفذ إليها من الداخل، ويعيد صوغ معانيها لا ليوسّعها، بل ليُفْرغها من بعدها التعددي
ويحمّلها مضامين إقصائية. فعندما يتحدث
عن الحرية، لا يقصد حرية الجميع، بل حرية الفرنسي "الأصيل" في أن يرفض الآخر "غير الأصيل". والعلمانية، بدلًا من أن تكون مبدأ حياد الدولة تجاه الدين وضمانًا لحرية ممارسة الشعائر الدينية، تتحوّل إلى سيف موَّجَه حصريًا
((1(في بيان كيفية انزلاق بعض الخطابات القومية إلى ربط
الهوية بالدم والنسب، ينظر مثلًا: بندكت أندرسون، الجماعات
المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة ثائر ديب (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، خصوصًا الفصل الثامن المعنون ب "الوطنية والعنصرية".
ضد الإسلام دون غيره من الديانات، كالمسيحية أو اليهودية. وتُمارَس هذه التصفية المفهومية
بلغة تبدو مألوفة، بل محايدة أحيانًا، لكنها تعيد توزيع القيم على نحو منحاز ومقصود. لا يكتفي زمور بهذا، بل يُفرغ المفاهيم التعددية،
كالمساواة والتعايش وحقوق الإنسان، من شرعيتها، ويحيلها إلى خانة الأوهام أو الشعارات
الساذجة، عبر استخدامٍساخرٍ لعناوينها، حين يضع كلمات مثل "المساواة" أو "الحوار" بين علامتَي تنصيص، فإنه لا ينكرها صراحة، بل يجرّدها من معناها، ويعيد تقديمها باعتبارها
أدوات فكرية عطّلت الأمة عن حماية نفسها. هكذا يتحوّل الدفاع عن التعدد إلى شكل من الخيانة،
والانفتاح إلى غفلة، والتسامح إلى استسلام. وتعود ألدوي إلى مفهوم العرق لتبيّن أنّ زمور
وظّفه في تحوير مفهوم الشعب؛ إذ لم يعد جماعة قانونية متساوية في الحقوق، بل يُعاد تعريفه على
أساس هذا الانتماء العرقي – الثقافي: أبيض، مسيحي، لاتيني، ناطق بالفرنسية الفصحى. وكل من لا يندرج ضمن هذا النموذج، لا سيما المسلم، يُقصى من المعنى الرمزي للمواطنة، حتى إن كان
حاملًا للجنسية. المسلم، هنا، لا يُقَدَّم بوصفه
فردًا، بل باعتباره إشارة ثقافية، ورمزًا مشحونًا،
ونفيًا دلاليًا للمواطنة ذاتها. وهو ليس موضوعًا
ضمن الجماعة، بل علامة على حدودها. يعد هذا الفصل من المحطات التحليلية المهمة في الكتاب؛ لأنه يُظهر بوضوح أنّ أخطر ما يفعله
اليمين المتطرف ليس ما يقوله فحسب، بل أيضًا
((1(للتوسع في التحول الدلالي للعلمانية في خطاب اليمين المتطرف الفرنسي، ينظر:
Jean Baubérot, La laïcité falsifiée (Paris: La Découverte,
طريقته في إعادة تشكيل اللغة ذاتها بحيث تصبح الأداة الطبيعية لتطبيع الإقصاء. وحين تتحول الجمهورية إلى هوية ضيقة، وتصبح المساواة تمييزًا، والعلمانية استئص لًا، فإننا لا نكون أمام
اختلاف سياسي، بل أمام مشروع استبدالي يطمح إلى قلب النظام الرمزي الذي تأسست عليه الديمقراطية نفسها. والمسلم، في قلب هذا المشروع، ليس ضحية بل هو اللازم السلبي الذي تُعاد بوساطته صياغة كل شيء. وفي الفصل الرابع، تكشف ألدوي عن البنية السردية العميقة لخطاب زمور، متجاوزةً المعجم والاستعارة والتلاعب بالمفاهيم إلى مستوى الحكاية السياسية الكبرى. فهي لا تتعامل مع خطاب زمور باعتباره مجموعة من المواقف أو الأفكار، بل باعتباره مشروعًا رمزيًا سرديًا يعيد
تشكيل الوعي الجمعي الفرنسي من خلال قصة وطنية مغلقة، قائمة على ثنائيات الأسطورة والانهيار، الأصالة والانحراف، البطل والعدوّ. لا يخاطب زمور، في هذا المنظور، مواطنًا يفكّر،
بل جمهورًا يبحث عن انتماء مهدد، ويطلب
حكاية تفسّر له الشعور بالخسارة والقلق والضياع.
هكذا، تصبح السياسة عنده مسرحًا ملحميًا
لا تُدار فيه المصالح، بل تُروى فيه أساطير الأمة المظلومة التي يتآمر عليها الداخل والخارج معًا. ترتكز بنية السردية التي يبنيها زمور على نموذج
بسيط لكنه فعّال: ماضٍ مجيد يمثل الحقيقة النقيّة
للأمة الفرنسية البيضاء والمحاربة، مقابل حاضر فاسد موبوء بالهجرة والانحلال والخيانة الثقافية. يعيد هذا البناء السردي تفسير كل ما يجري في
تدريجيًا
فرنسا بوصفه مؤشرات على انحدار لا بدّ من وقفه؛ إذ تُقَدَّم النخب السياسية والفكرية الداعمة للتعدد على أنها خائنة، غير جديرة بحمل ذاكرة
فرنسا. أما المسلمون، سواء عبر رمز "الضاحية" أو "الاسم العربي" أو "اللباس الإسلامي"، فيصَّوَرون
باعتبارهم مشروعَ استعمار مضادًا، واختراقًا ثقافيًا
إسلاميًا، يمهّد ل "الاستبدال الكبير". يكشف هذا الفصل أن زمور يحاول احتكار اللغة والحكاية الوطنية أيضًا، فهو يحِّدِد من له الحق في أن يُروى ومن يُمحى، ومن ينتمي إلى المتن ومن
يُدفَع إلى الهامش. وضمن هذه البنية السردية،
يصبح الفرنسي المسلم غائبًا عن النص الوطني،
لا بوصفه موضوع نزاع مباشر، بل باعتباره عنصرًا
لا يندرج أصلًا في الحكاية الجماعية. وغيابه ليس قرارًا ظاهرًا، بل أثرًا سرديًا ناتجًا من طبيعة
الحبكة ذاتها.
ثالثًا: الثورة المضادة والمانوية الهوياتية
تُبرز ألدوي في الفصل الخامس أحد أكثر مستويات خطاب زمور إثارة، وهو إعادة كتابة التاريخ الفرنسي بمعايير انتقائية، بهدف تفكيك المرجعية التاريخية للجمهورية وإحلال مرجعية متوهمة مغلقة مكانها؛ إذ إنه لا يكتفي في هذا الإطار بتمجيد الماضي، بل يعيد تشكيله رمزيًا،
في لمسة مزدوجة: يلمّع رموزًا بعينها، مثل
كلوفيس وسان لوي ونابليون، ويشوّه في المقابل
رموز الحداثة والعقلانية، مثل فولتير وديغول وسيمون دي بوفوار.
((1("الاستبدال الكبير" نظرية مؤامرة صاغها الكاتب الفرنسي رونو كامو، تزعم أن السكان الأوروبيين الأصليين يُستبدلون
ليحل محلّهم مهاجرون غير أوروبيين،
لا سيما المسلمين؛ ما يمثّل تهديدًا وجوديًا للهوية الثقافية
والحضارة الأوروبية. ينظر:
Renaud Camus, Le Grand Remplacement (Neuilly–sur– Seine: David Reinharc, 2011).
يسعى زمور في مشروعه التأريخي إلى تبرئة فترات الماضي الإقصائي العنيف في التاريخ الفرنسي، وكذلك منح خطابه الحاضر شرعية رمزية كاملة، من خلال إقناع الجمهور بأن مشروعه الهوياتي يمثل استمرارًا طبيعيًا لتاريخ فرنسا، لا انحرافًا
عنه. ومن هنا تأتي محاولته الدائمة لتلميع الرموز السلطوية التاريخية، وتنقيتها من وصمات التواطؤ والنكوص، بغرض تقديمها باعتبارها بدائل "مشروعة" للمرجعية الجمهورية. فزمور يسعى إلى تحرير اليمين المتطرف من عقدته التاريخية، عبر تصويره امتدادًا لخٍّطٍ زمني قومي نقيّ، لا باعتباره قوة انفصلت عن روح جمهورية
الأنوار. وهو بذلك يهدف إلى شلّ القدرة النقدية لدى الجمهور؛ فتصبح مقاومة خطابه معادلة ضمنيًا
برفض تاريخ فرنسا كما يصوغه. ويتحول الخلاف السياسي إلى خيانة وطنية، والتفكير النقدي إلى تهديد للهوية. إنها "ثورة مضادة" كما تسمّيها
ألدوي، لا تُخاض عبر الدبابات أو القوانين، بل
عبر الكلمات، وتحاول أن تسكت حقائق التاريخ حتى تتكلم الأيديولوجيا المتطرفة. في هذا السياق، تعتمد لغته على تقنية الحكي التاريخي بصيغة الحاضر، والربط الآلي بين وقائع الماضي وتوترات الزمن الحالي، ليوهم القارئ بأنه يعيش داخل منطق تكراري للتاريخ، لا مجال فيه للتحليل أو التفكيك، بل للتسليم بالحتمية فقط. ويلجأ إلى التشبيهات المقلوبة التي تمزج المفاهيم المتضادة، مثل "ديغول صار بيتانيًا وبيتان صار ديغوليًا"، ليهدم أسس التمايز
التاريخي بين البطولة والوضاعة. وفي الفصل الأخير من الكتاب، تبلغ ألدوي ذروة التحليل البنيوي للغة السياسية التي ينتجها زمور، من خلال ما تسميه بالمانوية الهوياتية؛
أي ذلك الميل الثنائي المغلق إلى تقسيم العالم إلى معسكرين لا لقاء بينهما: "نحن" و"هم"، "الأصليون" و"الدخلاء"، بما يعيد رسم الواقعين السياسي والثقافي على أساس معادلة صفرية لا تقبل التعايش أو التعدد. ولم تعد اللغة هنا وسيلة للتعبير عن أفكار سياسية، بل أصبحت أداة مركزية لإنتاج عالم رمزي متوتر ومغلق، يُنزع
فيه عن المفاهيم والسياسات طابعها الجدلي، ويُفرض عليها منطق الحرب الوجودية. تشخّص ألدوي كيفية استخدام هذه البنية الثنائية لا لوصف التعدد الفرنسي، بل لنفيه بالكامل. كل عنصر من عناصر التنوّع، سواء العرقي
أو الديني أو الثقافي، يُعاد تأطيره ضمن هذه
الثنائيات المطلقة: الفرنسي/ غير الفرنسي، النقيّ/
المختلط، المواطن/ الغريب. وهي ثنائيات لا تقف عند حدود الوصف، بل تؤسس لإدراك رمزي للواقع يجعل من كل اختلاف علامة على تهديد وجودي. والمسلم، في هذا النظام الإدراكي لا يحتاج إلى أن يُذكر صراحة؛ لأنه حاضر ضمنيًا
بوصفه التجسيد الأكثر اكتم لًا لهذا الآخر الكلّي الذي يهدّد بقاء الأمة. وفي قلب هذا النظام الرمزي، لا يعود المسلم فردًا يمكن أن يتكلم أو يمثل نفسه، بل يتحول إلى علامة أيديولوجية تُستدعى لتأكيد السردية القومية الانحدارية. يظهر فقط داخل خطاب الأزمة، ويمثل دائمًا، مهما كان السياق، ما يخالف الأمة أو يهددها. ولا يُمنح أيّ موقع إنتاجي في المعنى، بل يُحاصَر في موقع رمزي سلبي يُنتج عبره الخوف والحنين وطلب الأمن.
(1((يقترب مما ذهب إليه إدوارد سعيد في الاستشراق، حيث، يُبنى الآخر داخل منظومة خطابية تجرّده من التعدد والتاريخ
ويُعاد تقديمه كآخر كلّي يكثّف الخوف ويهدّد تماسك الذات.
تنجح ألدوي في كشف أنّ زمور لا يصوغ أطروحات يمينية فحسب، بل يُنتج أيضًا نمطًا من
الإدراك السياسي للأمة، يقوم على نزع الحق في الانتماء عن كل من لا يتوافق مع نموذج ثقافي واحد. إنه لا يقول فقط: "أنا ضد الإسلام"، بل يعيد تعريف كل مقوّمات الأمة بطريقة تجعل الإسلام
ومظاهر وجوده أمرًا يستحيل التعايش معه على
المستوى الرمزي، حتى إن كانت قانونية أو واقعية.
خاتمة
يمكن اعتبار كتاب ألدوي تحذيرًا صارمًا، ودعوة
ملحّة لاستعادة المعنى قبل أن يُختطف نهائيًا.
وكما جاء في الطروحات المعاصرة في تحليل الخطاب، خصوصًا أعمال جاك دريدا حول قابلية
المعنى للانزياح، ونورمان فيركلف في دراساته عن السيطرة عبر اللغة، فالمعركة لم تعد تدور حول من يقول ماذا، بل حول من يمتلك اللغة ذاتها، ومن ينجح في إعادة تشكيل مفاهيمها وتوجيهها واستعمالها سلاحًا رمزيًا. إنّ أخطر ما تكشفه ألدوي لا يتمثل في العنف الرمزي الصريح لخطاب زمور، بل في تحوّل
الكراهية إلى رأي مشروع يُقَدَّم بلغة محايدة يصعب
التصدي لها، فتدخل النقاش العمومي متخفّية في صورة خطاب "معقول"، أو تتسلل عبر ما يُعرف
ب "اللغة الطبيعية"، فتُتداول على أنها بداهات لغوية، في حين أنها مشبعة بأيديولوجيا خفيّة،
المراجع
العربية
أندرسن، بندكت. الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها. ترجمة ثائر ديب. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 سعيد، إدوارد. الاستشراق. ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية،.1981
كما نبّه رولان بارت في كتابه Mythologies،
حين كشف كيف تُقَدَّم اللغة المؤدلجة بوصفها مألوفة لا تستدعي مساءلة. وهنا تبرز الحاجة الملحّة إلى نقد لغوي – سياسي صارم يتجاوز حدود الرقابة أو الردود الأخلاقية الظرفية، نحو مساءلة المفاهيم ذاتها والتشكيك في ما يُقَدَّم بوصفه بداهة لغوية محايدة. فحماية اللغة الديمقراطية لا تتم من خارجها، بل من داخل بنيتها الدلالية. وإن السماح لخطاب إقصائي بإعادة تشكيل اللغة السياسية من دون مقاومة فعّالة، يُفضي إلى صعود شخصيات مثل زمور، وتفكيك القدرة الجماعية على التفكير في مفاهيم أساسية، كالحرية والعدل والمساواة؛ ما يُفرغ النقاش العمومي من مضمونه الديمقراطي، ويعيد تشكيله على أسس رمزية إقصائية مغلقة. ولعل كتاب ألدوي يحمل في عمقه نداءً موجّهًا
إلى كل الشعوب المعنيّة بقيم التسامح والعيش
المشترك، سواء داخل فرنسا أو خارجها، مفاده أن الخطر لا يكمن في مضمون الخطاب الإقصائي فحسب، بل أيضًا في الأدوات الرمزية التي يُعاد من خلالها تشكيل اللغة وإنتاج المعاني. فإذا لم تواجه هذه الشعوب تلك الاستراتيجية الرمزية، ربما تجد نفسها تتحدث بلغة لا تشبهها، وتعيد إنتاج مفاهيم لم تَعُد تسيطر على معناها، وتعبّر عن ذاتها بكلمات
خُِّصِصت مسبقًا لخدمة مشروع لا يمثّلها.
References
الأجنبية
Alduy, Cécile. La Langue de Zemmour. Paris: Seuil, 2022. Baubérot, Jean. La laïcité falsifiée. Paris: La Découverte, 2012. Bourdieu, Pierre. Ce que parler veut dire: L’économie des échanges linguistiques. Paris: Fayard, 1982. Camus, Renaud. Le Grand Remplacement. Neuilly–sur–Seine: David Reinharc, 2011. Charaudeau, Patrick. Le discours politique: Les masques du pouvoir. Paris: Vuibert,
Ellul, Jacques. Histoire de la propagande. Paris: Presses Universitaires de France, 1967. Klemperer, Victor. LTI: La langue du Troisième Reich. Paris: Albin Michel, 1996. Pêcheux, Michel. Analyse automatique du discours. Paris: Dunod, 1969. Tchakhotine, Serge. Le Viol des foules par la propagande politique. Paris: Gallimard,