نقد نانسي فريزر للفضاء العمومي البرجوازي عند هابرماس والتحدي الديكولونيالي
Nancy Fraser’s Critique of Habermas’s Bourgeois Public Sphere and the Decolonial Challenge
الملخّص
تستكشف هذه الدراسة تصوّر يورغن هابرماس للفضاء العمومي، وتختبر حدوده من خلال نقد نانسي فريزر لجوهره البرجوازي ومسلّماته حول الحياد الأخلاقي والنقاش الإجرائي، وما نتج منه من إقصاء جندري وطبقي وعنصري. وتتساءل عن ملاءمة هذا التصوّر لتحديات التعددية الثقافية والديمقراطية الجماهيرية، وكذلك عن وجاهة حلول فريزر كالمشاركة المتكافئة والفضاءات العمومية المنافسة. وتعتمد منهجية نقدية تتجاوز نقد فريزر، لإعادة تشكيل النموذج وفقًا لعدسة معرفية تنتقد هيمنة إبستيمولوجيا الشمال الاستعماري، من دون التخلّي عن فكرة الفضاء العمومي.
Abstract
Abstract: This study explores Habermas’ conception of the public sphere and examines its limitations through Nancy Fraser’s critique of its bourgeois essence and its assumptions regarding ethical neutrality and procedural discourse, as well as the resulting gender, class, and racial exclusion. The study questions the compatibility of this conception with the challenges of multiculturalism and mass democracy, and the validity of Fraser’s solutions, such as "participatory parity" and competing public spheres (counterpublics). The study adopts a critical methodology that goes beyond Fraser’s critique to problematize the model through an epistemic lens that challenges the hegemony of the epistemology of the colonial North, without abandoning the concept of the public sphere.
- الفضاء العمومي
- هابرماس
- المشاركة المتكافئة
- نانسي فريزر
- التعددية الثقافية
- Public Sphere
- Habermas
- Participatory Democracy
- Nancy Fraser
- Multiculturalism
من خلال نقد نانسي فريزر لجوهره البرجوازي ومسلّماته حول الحياد الأخلاقي والنقاش
الإجرائي، وما نتج منه من إقصاء جندري وطبقي وعنصري. وتتساءل عن ملاءمة هذا التصوّر
لتحديات التعددية الثقافية والديمقراطية الجماهيرية، وكذلك عن وجاهة حلول فريزر
كالمشار ةك المتكافئة والفضاءات العمومية المنافسة. وتعتمد منهجية نقدية تتجاوز نقد فريزر،
لإعادة تشكيل النموذج وفقًا لعدسة معرفية تنتقد هيمنة إبستيمولوجيا الشمال الاستعماري، من
دون التخلّي عن فكرة الفضاء العمومي.
الثقافية.
مقدمة
يُعتبر مفهوم الفضاء العمومي عند يورغن هابرماس Jürgen Habermas (1929–) حجر الزاوية في النظرية النقدية الحديثة، حيث يُصِوِّر هذا الفضاء على أنه مجال عقلاني للمناقشة بين أفراد متساوين، يُسهم في تشكيل الرأي العام داخل الديمقراطيات الليبرالية. بيد أنّ هذا التصوّر واجه انتقادات لاذعة من اتجاهات فلسفية مختلفة؛ ولعل نقد نانسي فريزر Nancy Fraser –) 1947(لهذا التصوّر يمثّل مقاربة مختلفة وفريدة، من جهة الكشف عن الطبيعة البرجوازية المُستبطَنة في نموذج هابرماس، معتبرةً إياه إقصائًّيًا ولا تاريخًّيًا؛ إذ ترفض فكرة الإجماع العقلاني، وتؤكد أنّ الفضاء
العمومي هو ساحة صراع بين مجموعات ذات قوى غير متكافئة. وبدلًا من افتراض حياد الفضاء العام، يُنظَر إليه بوصفه مج لًا تُترجَم فيه أشكال السلطة الاقتصادية والاجتماعية إلى نفوذ خطابي؛ إذ تشير فريزر إلى أنّ هابرماس يتجاهل الديناميكيات الطبقية والجندرية التي تشكّل بنية الفضاء العمومي. وتعتبر أنّ النموذج الهابرماسي للفضاء العمومي، على الرغم من ادعائه الكونية، يستند إلى شروط برجوازية، مثل الإلمام بالثقافة المكتوبة، والتفرغ للنقاش، وامتلاك رأس مال ثقافي. وهي شروط تؤدي إلى إقصاء النساء والعمال والأقليات الذين حُرموا تاريخيًا من الوصول إلى هذه
الموارد. وهنا يفقد الفضاء العمومي عموميّته على جهة تحوّله إلى مجال لتكريس هيمنة النخب. تستكشف هذه الدراسة خصائص التصوّر الهابرماسي للفضاء العمومي، وتختبر حدوده الفكرية
والعملية، من خلال نقد فريزر لجوهره البرجوازي ومسلّماته الأخلاقية والسياسية، في علاقة بما يفترضه من مبادئ الحياد الأخلاقي والنقاش الإجرائي، وما ترتّب عليه من نزوع إقصائي على أساس جندري وطبقي وعنصري. وتسعى للكشف عن الحلول التي تقترحها فريزر، من أجل تجاوز إخفاقات هذا النموذج الليبرالي للفضاء العمومي عبر مبدأ المشار ةك المتكافئة، التي تضمن الشروط الرمزية والاقتصادية والسياسية لمشار ةك ندّية لكل الفئات الاجتماعية في تأويل الحاجات والمطالب، وعبر مبدأ الفضاءات العمومية المنافسة التي تضمن إمكان ترجمة المطالب والحقوق ضمن مجالات لا يمكن أن يسمح بها الفضاء العمومي البرجوازي. لكن ما تراهن عليه هذه الدراسة يتجاوز هذين الهدفين، لينخرط ضمن التزام فكري يروم طرح مسألة الفضاء العمومي الهابرماسي ونقد فريزر لحدوده داخل سياق التحدي الديكولونيالي، وما يقترحه من منظورات تضع المشكل على أرضية فكرية تعيد تشكيل هذا النموذج الفكري، وفقًا لعدسة معرفية تنتقد الطابع المهيمن لإبستيمولوجيا الشمال الاستعماري وما يفرضه من عنف إبستيمي على الجنوب المستعمَر. وهكذا، سنتناول مسألة الفضاء العمومي عند هابرماس ونقد فريزر لحدود هذا التصوّر، معتمدين في ذلك تقسيم الدراسة إلى ثلاثة عناصر. نعمل، في العنصر الأول، على بسط مفهوم الفضاء العمومي عند هابرماس وتحديد نموذجه الفلسفي الذي اقترحه في إطار بحثه التاريخي لمسارات تشُّكُله
داخل سياق بناء أنماط التدبير السياسي والمدني للعيش بوصفها صيغة حداثية ارتبطت بظهور مبادئ العمومية والحياد والعقل الإجرائي والفصل بين المجالَين العام والخاص، وما أحدثه هذا الاكتشاف من آثار فلسفية عميقة في تطور النظرية الاجتماعية النقدية. ثم نشير إلى الانحرافات التي شابت الوظائف النقدية للفضاء العمومي، من جهة فقدان الرأي العام لدوره النقدي، ومن جهة سيطرة الوعي التكنوقراطي الذي ساهم في نزع التسييس عن الفضاء العمومي. وننتهي عند الحلول التي يقترحها هابرماس لتغذية هذا الفضاء بمنابع شرعية، تحرّره من هيمنة نسقَي المال والإعلام، وتعيد له جوهره النقدي. أمّا في العنصر الثاني، فنشتغل بنقد فريزر لنموذج هابرماس للفضاء العمومي من جهة التأكيد على طابعه البرجوازي والنخبوي والمثالي والذكوري، حيث يستبعد النساء والعمال والمهمّشين من مجال المناقشة والتداول العقلاني، ومن جهة التركيز على الحيادية ومبدأ المساواة الليبرالية الشكلية، من دون الانتباه إلى مفاعيل "النزاعية" في تمثّل تأويل الحاجات الاجتماعية. وسنحاول بيان طبيعة النموذج الذي تقترحه فريزر بديلًا من الفضاء العام البرجوازي، والذي يتمثّل في مفهوم الفضاءات العمومية المضادّة Counter–publics، ذلك أنّ المجموعات المهَّمَشة تشكّل فضاءاتها الخاصة (كالحركات النسوية، والنقابات العمالية) لتعويض إقصاء الفضاء البرجوازي لها؛ إضافةً إلى ما يقدّمه مبدأ المشار ةك المتكافئة بشروطها الرمزية والموضوعية والتمثيلية من إمكان إزاحة كل العقبات التي تمنع بعض الأفراد من المشار ةك على قدم المساواة في تأويل الحاجات الاجتماعية. ونركّز، في العنصر الثالث، على توسيع أشكال الفضاءات العمومية المضادّة في عصر العولمة، حيث يقدّم مفهوما الفضاءات العمومية المضادة والفضاء العالمي العابر للأوطان عند فريزر إطارًا نظريًا ثريًا لفهم كيفية تحقيق مواطنة عالمية، وحدود هذه المقاربة. ويتقاطع هذا الطرح مع تحليلات فكرية حديثة، مثل أفكار آصف بيات عن تأثير حركات المقاومة اليومية في الشرق الأوسط، وكيفية مساهمة فضاءات مضادة خارج السيطرة الرسمية، تبتدعها الجماعات المهمّشة في العالم العربي، في مقاومة الهيمنة الثقافية والسياسية، التي تمارسها الأنظمة السلطوية أو النخب التقليدية أو الخطابات السائدة. وتستحضر هذه المقاربة إسهامات الأبحاث الديكولونيالية من منظورات تتجاوز نقد فريزر للفضاء العمومي البرجوازي، لتكشف عن البعد الاستعماري والهيمني لهذا النموذج من جهة، ودوره في تدمير أشكال التدبير وأنماط العيش في دول الجنوب العالمي من جهة أخرى. ويقود ذلك إلى تأكيد الحاجة إلى إعادة تحديد دلالة الفضاء العمومي، وتغذيته بمنابع تدبير مدني مغايرة، بما يتلاءم مع خصوصيات مجتمعات الجنوب العالمي.
أولا: الفضاء العمومي عند هابرماس
1. المصادر التكوينية والمبادئ التأسيسية
يقدّم كتاب التحوّل الهيكلي للمجال العام سردًا تاريخيًا وسوسيولوجيًا لظهور الفضاء العمومي
البرجوازي وتحولاته وانحطاطه الجزئي. وسعى فيه هابرماس لتحديد السياقات الاجتماعية، التي سمحت للخطاب العقلاني حول القضايا العامة الذي يديره أشخاص عاديون مستعدون للسماح للحجج، وليس للمكانة أو سلطة التقاليد، بأن تكون حاسمة. وهو يعتبر هذا المبدأ بمنزلة مركز الثقل
المعياري للتصوّر الحديث للنظام السياسي الديمقراطي، قد أطِلُِق عبر تطوّرات وتحولات في مستوى
تشُّكُل نمطٍ خاص من تدبير العيش المدني، تأسس على مبدأ العمومية التي أرجعها هابرماس إلى فكرة الاستعمال العمومي للعقل كما تحدّث عنها إيمانويل كانط Emmanuel Kant) 1804–1724(في مقالته الشهيرة: "ما الأنوار؟". وهنا ارتبط ظهور الفضاء العمومي بمجموعة من الوقائع يحدّدها هابرماس على النحو التالي: أ. الثورة الاجتماعية التي أعقبت انبثاق اقتصاد ديناميكي جديد قائم على السوق؛ حيث قوّضت
التجارة والتسويق التجاري الاقتصاد الأُ سري وخلقت ضغطًا نحو سوق السلع الأساسية التي فكّكت قبضة الأنظمة السياسية التقليدية على النشاط الاقتصادي. ومع نزع الطابع السياسي عن الاقتصاد وتزايد مركزية السلطة السياسية، سعى الأفراد الذين تشكّلوا حديثًا للبحث بعضهم عن بعض، مدركين استقلاليتهم الجديدة والمشتر ةك، ومتنبّهين أيضًا في الوقت نفسه إلى هشاشتها. ب. الوعي بظهور جمهور جديد، مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتطوّر ثقافة حضرية نابضة بالحياة،
شكّلت بيئة مكانية للفضاء العمومي: قاعات المحاضرات والمتاحف والحدائق العامة والمسارح ودور الاجتماعات والمقاهي، وما شابه ذلك. وارتبطت بهذه التغييرات بنية تحتية
ناشئة من المعلومات الاجتماعية الجديدة التي أُنشئت بوساطة مؤسسات، مثل الصحافة ودور النشر ومكتبات الإعارة والجمعيات الأدبية؛ إذ "خلافًا لنظيراتها الأرستقراطية السابقة، وسّعت الصالونات الجديدة مبدأ الحميمية الأصلي، بالكشف عن ذاتية كل فرد في حضور
الآخر، ومن ثمّ ربط الخاص بالعمومي". ج. تأكيد مبدأ الاستقلالية من جهة أنّ الفضاء العمومي البرجوازي الكلاسيكي كان قادرًا على
الاستناد إلى القيم المتضَّمَنة في مفهوم معيّن للذاتية، والتعبير عنها من خلال هذا المبدأ؛ حيث
برّر الفضاء العمومي البرجوازي، الذي صوّر نفسه مج لًا للنقاش والجدال بين الأفراد، سبب
(1) Jürgen Habermas, The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a Category of Bourgeois Society , Thomas Burger & Frederick Lawrence (trans.) (Cambridge, MA: Polity, 1989).
(((ينظر: إيمانويل كانط، ثلاثة نصوص: تأملات في التربية، ما الأنوار؟، ما التوجه في التفكير؟ تعريب محمد بن جماعة (تونس: دار محمد علي للنشر،.)2005
(3) Jean L. Cohen & Andrew Arato, Civil Society and Political Theory (Cambridge: MIT Press,1992), p. 214.
وجوده بمسِّوِغَين: يتمثّل الأول في الدفاع عن مبدأ الاستقلالية المرتبطة بمفهوم جديد للإنسان
على أنّه شخص أخلاقي؛ ويتحقّق الثاني في إمكان التوصل إلى إجماع ليس على أساس قمع الاستقلالية الخاصة لأعضائه، بل على أساس أنّه معيار لالتزامهم المشترك بمبدأ الاستقلالية الخاصة لكل منهم. وهكذا، وفقًا لنموذج هابرماس، نشأ الفضاء العمومي السياسي أول مرة في بريطانيا العظمى في مطلع القرن الثامن عشر. وقد عجّلت به ثلاثة أحداث في منتصف تسعينيات القرن الثامن عشر، وهي: تأسيس بنك إنكلترا، وإلغاء مؤسسة الرقابة، وتشكيل أول حكومة وزارية. وقد شكّلت هذه التطوّرات الثلاثة مراحل جديدة في تطوّر الرأسمالية، وفي ظهور الصحافة الحرة العقلانية والنقدية، وفي ولادة نظام الحكم البرلماني. إضافةً إلى ذلك، ساهم بروز المجال الأدبي العام في أواخر القرنين السابع عشر والثامن عشر مع ظهور جمهور القراءة وانفجار الثقافة المطبوعة والمؤسسات الاجتماعية الجديدة، مثل المقاهي والصالونات، في التطوّر الكمّي والنوعي للمجال العمومي في أوروبا؛ وقد أدى ذلك إلى ظهور هذا الفضاء العمومي مج لًا متميّزًا من الدولة، ومن الاقتصاد. يؤكد هابرماس أنّ مفهومَي الرّأي العام والفضاء العمومي يمّثلّان مقولتين وَجدَتا تطبيقهما العملي مع ظهور الدولة الحديثة؛ حيث لم تكن الحداثة "تعبيرًا عن نمط حياة بقدر ما كانت تعبّر عن بدايات تنفيذ المشروع الحضاري البرجوازي الليبرالي الذي لم يكفّ منذ ذلك الوقت، عن التحوّل والتبلور في أشكال أكثر حداثة دومًا". فقد رأى هابرماس أنّ مسألة تحييد السياسي لم تكن فكرة ليبرالية، تهدف إلى فرض مبدأ الحياد الأخلاقي على السلوك السياسي للدولة أو الاحتفاء بالنقاش وساطةً لتهدئة
الصراعات السياسية، بل كانت نتاجًا لحدثِ ىضتقم ىلع سسّأتي، لاّقًااتسم لا جم داصتقلاا لُكُّشت التوسّع الرأسمالي بوصفه نمط الإنتاج الأكثر حداثة وقوّة دافعة، والذي أعاد تنظيم المجتمع على قاعدة مستويات متغايرة، وحقّق استقلالية اقتصادية للأفراد، دفعت بهم نحو المجال الخاص من دون حرمانهم من حقوقهم المدنية ومن القدرة على المشار ةك السياسية. ومن هنا يمكن استخلاص ثلاث خصائص للفضاء العمومي البرجوازي كما نظّر له هابرماس، وهي:
أ. مبدأ العمومية
يمثّل مبدأ العمومية أحد أهمّ الأسس الروحية والميتافيزيقية للمذهب الليبرالي، التي تُعتبر بمنزلة النواة التكوينية للتصوّر الليبرالي للنقاش العمومي من حيث إنّ جوهر النظام البرلماني يكمن أساسًا في "الديناميكا الجدالية" بوصفها مسارًا للنّقاش العمومي، حيث تتواجه الأفكار المتعارضة والآراء المتنافسة لإنتاج الإرادة الحقيقية للدولة. وهذا المبدأ يعيد صياغة تصوّر جديد للحقيقة غير
(((محمد نور الدّين أفاية، الحداثة والتّواصل في الفلسفة النقديّة المعاصرة (نموذج هابرماس) (الدار البيضاء: أفريقيا للنشر،
1991)، ص.11
ميتافيزيقي هو جوهر العقلانية النسبية والإجرائية؛ ومن هنا يؤكد مُسلّمة الطابع العمومي للحياة السياسية، حيث يلتحف الطابع العمومي للعقل بقيمة مطلقة على الرغم من أنّه كان في البدء علاجًا تقنيًا إجرائيًا ضدّ الطابع القسري للشمولية السياسية: البيروقراطية والتقنية للقرن الثامن عشر. ويعني
هذا الطابع العمومي للرأي داخل التفكير الليبرالي حرّية الرأي، بكل ما تعنيه كلمة حرّية من ثراء
داخل هذا النسق، بل هو بالنسبة إلى هابرماس ميزة أساسية تشَكَّل على قاعدتها ما نسمّيه الفضاء العمومي البرجوازي.
ب. مبدأ الحياد
لم تكن عمليات الجدل والنقاش المفتوحة في المجال العمومي البرجوازي، في بدايات القرن التاسع عشر، تتطلب تلك التضحية بالذاتية التي كانت الليبرالية في القرن التاسع عشر ستفرضها على المواطن غير المهتم. ولأنّ المجال العمومي البرجوازي حافظ على افتراض وجود مصلحة مشتر ةك، فإن عدم حياد المشاركين فيه لا يُفهَم بوصفه نتاجًا لمنافسة بين الإرادات الخاصة، التي يُفترَض تعليقها أو
وضعها بين قوسين، بل باعتباره نتيجة شكلٍمن الحياد المفتعل. ويرتبط هذا الأمر كذلك بمفهوم حياد الدولة تجاه تصوّرات الخير الذي بدأ مع الإصلاح الديني والحروب الدينية، وانتهى إلى القبول بمبدأ
الحرية الدينية والتسامح؛ ومن ثمّ أدّى، بحسب هابرماس، إلى فقدان "المجتمع الذي أصبح مختلفًا عن الدولة ملامحه المتشكّلة سياسيّا".
ج. الطابع الإجرائي للعقل
يتمثّل الطابع الإجرائي للعقل في التعبير الخطابي عن وجهات النظر المختلفة للذوات المتكلّمة، حيث يطالب الفاعل في الفضاء العمومي السياسي بالاعتراف بعقلانية ادعاءاته وشرعيتها. وهنا، تشكّلت الخصوصية، بوصفها حالة طارئة تعتمد على الحفاظ على نمط محدّد من الإجماع، وكان عليه أن يسعى ل "إعادة تشكيل العلاقة في كل مرة يعبّر فيها عن ادعاءاته، حيث جسّدت الإجراءات
الخطابية نفسها قيم الطوعية والاستقصاء النقدي والقدرة على رد الفعل الذاتي الضرورية للتعبير عن مبدأ الاستقلالية الخاصة والدفاع عنها". وهكذا ربط هابرماس، في مرحلة لاحقة من تفكيره الفلسفي، فكرة الاستعمال العمومي للعقل بالنظرية الليبرالية؛ حيث يشتغل المسار السياسي في إطار دولة الحق الديمقراطية بوساطة النقاش والمداولة، ليس داخل البرلمانات والمؤسسات التمثيلية فحسب، بل في كلّ المستويات المتعدّدة
(((عماد الجميعي، السيادة والاستثناء في الفكر الليبرالي المعاصر: كارل شميت ويورغين هابرماس (تونس: دار الجيل للنشر والتوزيع، 2024)، ص.36 (((يورغن هابرماس [وآخرون]، قوة الدين في المجال العام، ترجمة فلاح رحيم (بيروت/ بغداد: دار التنوير للطباعة والنشر، 2013)، ص.48
(7) Pauline Johnson, "Habermas’s Search for the Public Sphere," European Journal of Social Theory , vol. 4, no. 2 (May 2001), p. 221.
للفضاء العمومي السياسي والمدني. ويتمّ ذلك على قاعدة علاقة بين التشكّل المُمأسس والرسمي للإرادة السياسية والتكوين غير الرسمي للرأي داخل الفضاءات العمومية الموجّهة ثقافيًا. ولا تتحقّق
هذه العلاقة، بافتراض وجود تجانس مسبق للشعب، ولا بهوية الإرادة الشعبية، ولا بهوية عقل يمكن أن تحيل إليه ملَكة الاكتشاف بوجود مصلحة متجانسة كامنة بصورة مسبقة؛ وبالفعل إنّ "وحدة عقل إجرائي بصورة تامّة سيتجسّد داخل البنية الخطابية للممارسات التواصلية العمومية".
2. انحراف الوظائف النقدية للفضاء العمومي
يصف هابرماس الفضاء العمومي، باعتباره المجال الذي يؤدّي دور الوساطة بين الدولة والمجتمع، حيث يكون في إمكان المواطنين التعبير عن حاجاتهم بصورة علنية. ويستمر هذا التوسّط إلى حدود القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في الإجراءات والبنى الدستورية والنقاشات البرلمانية؛ حيث يرى أنّ ضبابية التمييز بين المجالين العام والخاص في القرن التاسع عشر عجّلت بتفكّك الجمهور الناقد والمشارك سياسيًا، ومع "توسّع الفضاء العمومي، لا سيما مع ثورات عام 1848 في فرنسا وبروسيا
والنمسا، فقد هذا الفضاء تماسكه". وهنا، يرى هابرماس أنّ جدلية إضفاء الطابع المجتمعي
التدريجي على الدولة، بالتزامن مع إضفاء الطابع الحكومي على المجتمع على نحوٍ متزايد، دمّرت تدريجًّيًا أساس الفضاء العمومي البرجوازي؛ ونعني الفصل بين الدولة والمجتمع. وفي النتيجة، وبحلول مطلع القرن العشرين، أصبح المجال الخاص موضوع تسييس مفرط باختزاله في الممارسات الاستهلاكية للأسرة من جهة أولى، وتحويل المسائل العائلية مثل قضايا الهوية والدين والجندر والجنسانية إلى موضوعات نقاش عمومي وتنازع سياسي. يضاف إلى ذلك نزع التسييس عن المجال العام، بسبب انحصار فعل الدولة المشكّلة سياسيًا داخل إدارة بيروقراطية، أي بوصفها
نظامًا فرعيًا إلى جانب أنظمة فرعية أخرى ولا تمثّل المركز المُوِلِّد للقرار السيادي للدولة والجماعة
السياسية، وكذلك بسبب اختطاف آلة الدعاية الإعلامية للفضاء العمومي وهيمنة نسق المصالح الاقتصادية والمالية. وهكذا يهتم هابرماس، من خلال فكرة الفضاء العمومي، بالبحث عن البقايا المعيارية المرتبطة بفكرة القرن الثامن عشر المميّزة للمجال العام السياسي؛ وهو يفترض أنّ هذا المضمون المعياري موجود
ضمن المعايير الإجرائية التي يحققها نمط التواصل الذي يروّج له الفضاء العمومي البرجوازي عبر عمليات النقاش، من أجل صياغة شروط للتوفيق بين مبدأين رئيسين من مبادئ النظام الديمقراطي الحديث، وهما: افتراض تعدّد وجهات النظر التأويلية من جهة أولى، والولاء المشترك المفترض لمجموعة مشتر ةك من القيم وتغذيتها بمنابع شرعية معيارية، عبر مبدأ النقاش العمومي والعقلانية التواصلية، من جهة ثانية.
(8) Jürgen Habermas, Droit et démocratie: Entre faits et normes (Paris: Gallimard, 1997), p. 208. (9) Habermas, The Structural Transformation of the Public Sphere , p. 131.
لكنّ افتراض هابرماس أنّ المُثل المعيارية للفضاء العمومي البرجوازي قد تكون هي نفسها معفاة من أّي محتوى أيديولوجي يبدو مشوّهًا، كما أنّ تفسير تراجع القوة المعيارية لهذه الفكرة، على أساس ضعفها
أمام تلك التغيرات الاجتماعية المنطقية الهائلة التي ميّزت تطوّر المجتمعات الرأسمالية الحديثة،
سيثبُت أنّه مثير للجدل على نحوٍ خاص بالنسبة إلى نقّاده من النسويات، لا سيما بالنسبة إلى التساؤل
عن مدى قدرة الفضاء العمومي على إعادة تشكيل مؤسساته الداعمة لاستيعاب هذه التطوّرات أو إذا
ما كانت العمليات التاريخية نفسها ستطغى على التأثير المحدود الذي يمارسه. وهنا، ترى فريزر أنّ فكرة الفضاء العمومي بمفهوم هابرماس هي "مورد مفاهيمي يمكن أن يساعد في التغلب على مثل هذه المشكلات؛ فهو يعيّن مج لًا في المجتمعات الحديثة تُفَعَّل فيه المشار ةك السياسية بوساطة الكلام ".
وهكذا، يسمح لنا هذا المفهوم للفضاء العمومي بإبقاء الفروق بين أجهزة الدولة والأسواق الاقتصادية والجمعيات الديمقراطية نصب أعيننا؛ وهي فروق ضرورية للنظرية الديمقراطية في صيغتها التداولية.
ثانيًا: نقد فريزر للفضاء العمومي الهابرماسي
على الرغم من تأكيد فريزر أنّ فرضية الفضاء العمومي عند هابرماس لا غنى عنها للنظرية الاجتماعية النقدية وللممارسة السياسية الديمقراطية، من جهة الإشارة إلى أنّ "أيّ محاولة لفهم حدود الديمقراطية الرأسمالية المتأخرة القائمة بالفعل لا يمكن أن تنجح من دون الاستفادة منها بطريقة ما"، فإنّها تسلّم بأنّ الصيغة الهابرماسية للفضاء العمومي ليست مرضيةً تمامًا، بل هي تحتاج إلى إخضاعها لبعض المساءلة النقدية وإعادة البناء إذا ما أريد التأسيس لفئة تحليلية تكون قادرة على التنظير لحدود الديمقراطية القائمة بالفعل، وخصوصًا أنّ هابرماس خلص إلى نتيجة مفادها أنّه في سياق الظروف المتغيّرة في أواخر القرن العشرين والديمقراطية الجماهيرية لدولة الرعاية، لم يعد النموذج البرجوازي
أو الليبرالي للفضاء العمومي ممكنًا، من دون أن يجترح لنفسه عناصر ممكنة لنموذج جديد ما بعد برجوازي للفضاء العمومي، يكون قادرًا على "إنقاذ الوظيفة النقدية لذلك المجال وإضفاء الطابع المؤسسي على الديمقراطية".
1. ملامح نقدية للفضاء العمومي البرجوازي
تنطلق فريزر من حقيقة أنّ فكرة الفضاء العمومي عند هابرماس تتأسس على تعريف له بوصفه هيئة من الذوات العادية التي تجتمع لمناقشة مسائل حول المصلحة العامة، ومن حقيقة أنّ الفكرة اكتسبت قوّتها
وواقعيتها في أوروبا الحديثة المبكرة، في تشكيل الفضاءات العمومية البرجوازية ثقلًا موازنًا للدول الاستبدادية. وفي وقت لاحق، تعتبر أنّ المصلحة العامة المعتبرة للمجتمع البرجوازي قد "نُقلت إلى الدولة بأشكال من حرية التعبير المضمونة قانونًا وحرية الصحافة وحرية التجمع، وفي نهاية المطاف
(10) Nancy Fraser, "Rethinking the Public Sphere: A Contribution to the Critique of Actually Existing Democracy," Social Text , no. 25–26 (1990), pp. 56–80, 57. (11) Ibid., p. 57. (12) Ibid., p. 58.
عبر المؤسسات البرلمانية للحكومة التمثيلية". وهكذا، كانت فكرة الفضاء العمومي آلية مؤسسية لعقلنة الهيمنة السياسية، بجعل الدول مسؤولة أمام مواطنيها في مستوى محَّدَد من التفاعل الخطابي، حيث تكون المناقشة مفتوحة ومتاحة للجميع ضمن نموذج مثالي للنقاش العقلاني غير المقيّد حول
المسائل العامة. وعلى الرغم من أنّ فريزر تشير إلى تفطّن هابرماس لحدود هذا النموذج الخطابي من جهة أنه ظل في جوهره استبعادًّيًا ومغلقًا، وأنّ مشروعيته سرعان ما تآكلت وخبت جذوته بسبب وصول الطبقات
غير البرجوازية إليه وتفتّت الجمهور إلى كُتل من جماعات المصالح المتنافسة، وأخيرًا بسبب ظهور
الديمقراطية الجماهيرية لدولة الرعاية التي أفسحت المجال للدعاية ل "صناعة الرأي العام والتلاعب به"، فإنّها اعتبرت أنّ السردية الهابرماسية منقوصة ومشَّوَهة. واستنادًا إلى باحثين، مثل جوان لانديز
Joan Landes وماري ريان Mary Ryan وجيف إيلي Jeoff Elly، استطاعت أن تعيد النظر في هذه الرواية، وأن ترسم ملامح نقدية لفكرة الفضاء العمومي لهابرماس، من خلال استنتاج مجموعة من الخصائص البنيوية يتميّز بها، ويمكن اختزالها في: أ. الطابع المثالي – العقلاني: تعتقد فريزر أنّ رواية هابرماس تضفي طابعًا مثاليًا على الفضاء
العمومي الليبرالي، وأنّ هذه المثالية نابعة من اختزال شكل المشار ةك المواطنية في النقاش الخطابي والعقلاني؛ والتي تحصر أنماط التفاعل البينذاتي في التواصل القائم على طرح آراء والادعاء بأنّها صالحة أو قابلة لامتحان صلاحيتها اعتمادًا على النقاش العقلاني. إضافةً إلى ذلك، ترى أنّ المشكلة تكمن في أنّ هابرماس لا يكتفي بإضفاء الطابع المثالي على الفضاء العمومي الليبرالي، كما أنّه يفشل في فحص الفضاءات العمومية الأخرى غير الليبرالية وغير البرجوازية والمنافسة. بل ثمة مفارقة تفشل رواية هابرماس عن صعود الفضاء العمومي في تقديرها تمامًا؛
ومفادها أنّ خطاب العمومية الذي يروّج للمبادئ الأساسية، المتمثّلة في الإمكان المفتوح
والمتساوي لكل الأفراد وفي الطابع العقلاني لشكل النقاش وفي تعليق التسلسل الهرمي للمكانة، هو نفسه يُستخدَم بوصفه استراتيجية للتمييز. وفي النتيجة، تشير فريزر إلى أنّ "العلاقة بين الدعاية
والمكانة أكثر تعقيدًا ممّا يلمّح إليه هابرماس، وأنّ إعلان الساحة التداولية فضاءً توضع فيه تمييزات
المكانة القائمة بين قوسين وتحييدها لا يكفي لجعلها كذلك". ب. الطابع الاستبعادي – الجندري: تجادل فريزر بأنّه، على الرغم من خطاب العمومية وسهولة الوصول إلى الفضاء العمومي، فإنّ هذا الفضاء الرسمي استبعادي، ويمثّل الجندر المحور الرئيس للاستبعاد؛ إذ تعتبر أنّه في مقابل روحية الفضاء العمومي الجمهوري الجديد في فرنسا الذي بُني في تعارض متعمّد مع ثقافة الصالونات الأكثر انفتاحًا على النساء التي وصمها الجمهوريون
بأنّها "متكلّفة" و"أنثوية" و"أرستقراطية". ونتيجة لذلك، رُِّوِج لأسلوب جديد صارم في الخطاب
(13) Ibid. (14) Ibid., p. 59. (15) Ibid., p. 60.
والسلوك العام، وهو أسلوب اعتُبر "عقلانيًا" و"فاضلًا " و"ذكورًّيًا". وهكذا، ضُِّمِنت البنى
الجندرية الذكورية في هذا النموذج واستُبعِدت النساء رسميًا من الحياة السياسية؛ إذ كانت المعايير
الجديدة المتعلقة بالجنسين التي تفرض الطابع الأنثوي المنزلي والفصل الحاد بين المجالين العام والخاص بمنزلة دلالات رئيسة على التمييز الجذري بين الطبقة البرجوازية وبقية الطبقات الاجتماعية العليا والدنيا على حد سواء. إضافة إلى ذلك، تؤكد أنّ الاستبعاد، على أساس الجندر في جميع هذه البلدان، كان مرتبطًا بعمليات استبعاد أخرى متجذّرة في عمليات التكوين الطبقي؛ حيث تزعم أن المجتمع المدني هو في النهاية "قاعدة لسلطة طبقة من الرجال البرجوازيين الذين كانوا يرون أنفسهم 'طبقة عالمية' ويستعدون لتأكيد أهليّتهم للحكم". وهكذا، ترى فريزر أنّ السرد التاريخي لريان وآخرين يُظهر أنّ الجمهور البرجوازي لم يكن هو الجمهور الوحيد، بل على العكس من ذلك، فقد نشأت في وقت معاصر تقريبًا للفضاء العمومي
البرجوازي مجموعة من الفضاءات المضادة والمنافسة، بما في ذلك الجماهير القومية، وجمهور الفلاحين الشعبي، وجمهور النساء النخبوي، وجمهور الطبقة العاملة. وهنا، لم يعد في وسعنا أن نفترض أنّ "المفهوم البرجوازي للفضاء العمومي كان مث لًا طوباوًّيًا غير متحقّق فحسب، بل كان أيضًا مفهومًا أيديولوجيًا ذكوريًا يعمل على إضفاء الشرعية على شكل ناشئ من أشكال الحكم
الطبقي"، أو بمنظور أنطونيو غرامشي هو "الأداة المؤسسية لتحوّلٍ تاريخي كبير في طبيعة الهيمنة السياسية". وتذهب فريزر إلى التشكيك في أربعة افتراضات أساسية للفضاء العمومي بمفهومه البرجوازي، وهي: أ. في إمكان المتحاورين أن يضعوا الفوارق في المكانة جانبًا، وأن يتداولوا بصورة متكافئة
اجتماعيًا؛ ومن ثمّ الافتراض بأنّ المساواة المجتمعية ليست شرطًا ضروريًا للديمقراطية السياسية. ب. تعدّد الفضاءات العمومية المتنافسة هو بالضرورة خطوة بعيدة عن الديمقراطية، والفضاء العمومي الواحد والشامل هو الأفضل دائمًا. ج. يجب أن يقتصر الخطاب في المجالات العمومية على التداول حول الصالح العام، وظهور "المصالح الخاصة" و"القضايا الخاصة" أمر غير مرغوب فيه دائمًا. د. الفضاء العمومي الديمقراطي الفعال يتطلب فصلًا حاًّدًا بين المجتمع المدني والدولة.
(16) Ibid. (17) Ibid. (18) Mary P. Ryan, Women in Public: Between Banners and Ballots, 1825–1880 (Baltimore: The John Hopkins University Press, 1990); Joan Landes, Women and the Public Sphere in the Age of the French Revolution (Ithaca NY: Cornell University Press, 1988). (19) Fraser, p. 62. (20) Ibid.
وهكذا، تنتهي فريزر إلى تأكيد أنّ رواية هابرماس حول الفضاء العمومي، بوصفه ساحة مفتوحة ومتاحة للجميع على قاعدة مبدأ العمومية، لم تتحقق في الواقع؛ إذ استُبعدت النساء من جميع الطبقات والأعراق من المشار ةك السياسية الرسمية على وجه التحديد على أساس الوضع الجندري المنسوب إليهن، بينما استُبعد الرجال من عامة الشعب رسميًا بسبب مؤهلات الملكية. إضافةً إلى ذلك، استُبعد
في العديد من الحالات النساء والرجال من جميع الطبقات على أساس عنصري؛ إذ بدلًا من ذلك، كان التفاعل الخطابي داخل المجال العام البرجوازي محكومًا ببروتوكولات الأسلوب واللياقة التي كانت
في حدّ ذاتها مرتبطة بأشكال من عدم المساواة في المكانة.
2. الأشكال العلاجية للفضاء العمومي
من المعلوم أنّ فريزر تقترح شكلَين علاجَّيَين لانحرافات الفضاء العمومي في صيغته البرجوازية: يتمثّل الأول
في مبدأ المشار ةك المتكافئة بصفته حّلًا ممكنًا لأشكال التحيّز الجندري والعرقي والطبقي داخل الفضاء
العمومي الواحد، والتي تمنع بعض الأفراد من أن تكون لهم المكانة المتساوية حتى يتمكّنوا من المشار ةك الندّية في تأويل الحاجات والمطالب؛ ويتعلق الثاني بمبدأ تعدّدية الفضاءات العمومية وتنوعها، عبر ابتكار مفهوم الفضاءات العمومية المضادّة، باعتباره حًّلا لتجاوز هيمنة الفضاء العمومي البرجوازي.
أ. مبدأ المشاركة المتكافئة
إذا كان المفهوم البرجوازي للفضاء العمومي يتطلب في صيغته المثالية وضع التفاوتات في المكانة بين قوسين، حيث من المفترض أن يكون ساحةً يضع فيها المتحاورون جانبًا خصائص مثل الاختلافات في
المولد والثروة، ويتحدثون فيما بينهم، كما لو كانوا أقرانًا اجتماعيين واقتصاديين متساوين في المكانة، فإنّ الواقع الفعلي ومسارات تشكّل الفضاء العمومي وسياقات التفاعل الخطابي داخله لا تؤكد هذه
الفرضيات؛ ففي المجتمعات الطبقية، تميل الفئات الاجتماعية غير المتمتعة بالتمكين على نحوٍ متساوٍ إلى تطوير أنماط ثقافية غير متساوية القيمة. وفي النتيجة تتصاعد أشكالٌ من الضغوط غير رسمية تؤدي إلى تهميش إسهامات أعضاء الجماعات الخاضعة في سياقات الحياة اليومية وفي المجالات العامة الرسمية على حد سواء. وهنا تتحدّث فريزر عن العوائق غير الرسمية أمام المشار ةك المتكافئة التي يمكن أن تستمر حتى بعد أن يحصل الجميع على ترخيص رسمي وقانوني للمشار ةك، حيث لا تستطيع المجموعات التابعة في بعض الأحيان العثور على الصوت أو الكلمات المناسبة للتعبير عن أفكارها؛ وعندما يفعلون ذلك، يكتشفون أنّ صوتهم غير مسموع. وهكذا، تشكّل هذه العوائق تحديًا
أكثر خطورة للمفهوم البرجوازي للفضاء العمومي؛ حيث وثّقت الأبحاث النسوية، استنادًا إلى أنواع التجارب، أنّ "المداولات يمكن أن تكون بمنزلة قناع للهيمنة". ومن ثمّ، فهي ترى أنّه من الواجب البحث عن الوسائل والأشكال العلاجية لهذه العوائق التي تمنع الأفراد من إمكان المشار ةك المتكافئة في ساحات خطابية، تقع في "سياق مجتمعي أكبر تسوده علاقات الهيمنة والتبعية البنيوية".
(21) Ibid., p. 64. (22) Ibid., p. 65.
من الواضح أنّ معيار المشار ةك المتكافئة هو النواة المعيارية لنظرية العدالة؛ إذ تتمثّل العدالة هنا في مجموع الإجراءات التي تمكّن الأفراد الرّاشدين من المشار ةك بصفتهم أندادًا في الحياة الاجتماعية.
فهذه الإجراءات متفرّعة، ولكنّها تصبّ داخل نموذجَين يمّثلّان شرطين أساسيّين لذلك، وهما: الشرط
الموضوعي، الذي يتمثّل في التوزيع العادل للثروات والموارد والحقوق، بما يدعم الاستقلالية المادية للأفراد ويمكّنهم من منزلة الشريك المتساوي في النقاش العمومي؛ والشرط البينذاتي الذي يتمثّل في وجود نماذج ممأسسة للقيم الثقافية تدعم الاحترام لكل الأفراد وبصورة متساوية، بما يعني إمكان الحصول على التقدير الاجتماعي، وبما يحطّم كلّ الصور النمطية السلبية حول الأفراد أو المجموعات التي تعوقهم عن المشار ةك الندّية. وتضيف فريزر إلى هذين الشرطين شرطًا ثالثًا، يتمثّل في توافر الإجراءات والقوانين والسياسات التي تمكّن الأفراد من التمثيل السياسي العادل، وتمنحهم القدرة على المشار ةك في صنع القرارات السياسية؛ ما يعطي الفضاء العمومي الأهمية التداولية والثقل المعياري للسياسي المشتق من أهمّية المشار ةك المتكافئة، والذي يشكّل جوهر الأنطولوجيا الاجتماعية التي
تؤسس لها فريزر. إضافةً إلى ذلك، ومن خلال التأكيد على الديمقراطية التداولية وإحالة الفضاء العمومي إلى المشار ةك المتكافئة، بصفتها نمطًا مثاليًا للعقل العمومي، تؤسس هذه الرؤية لنظرية حوارية متجذّرة في العالم
المعيش؛ ما يمنح نظرية الفعل التواصلي لهابرماس "لحمًا ودمًا"، حتّى لا تبقى معلّقة ضمن إطار
التفاهم اللغوي المجرّد. وذلك يعني أنّ مفهوم المشار ةك المتكافئة يحيل إلى الممارسة أو النشاط
السياسي، أي التداول الاجتماعي والسياسي للاستحقاقات المرتبطة بالعدالة؛ حيث ارتبط صعود هذا المبدأ عند فريزر بتحليلها الفضاء العمومي الديمقراطي منذ البواكير الأولى لنظريتها السياسية، واقترن في دلالته بالقدرة على "تأويل وتمثيل الحاجات والمصالح والمظالم التي ظل النمط البرجوازي للفضاء العمومي الديمقراطي عاجزًا عن إدراكها والتعبير عنها خاصة بالنسبة إلى النساء والملونين والمثليين".
ب. الفضاءات العمومية المضادة
حين تنتهي فريزر من مناقشة ما تسمّيه العلاقات بين الجمهور داخل فضاء عمومي معيّن، التي تتسم
عادة بالتفاوت بين المتحاورين بسبب انعدام الاعتراف أو نقص التمثيل أو التوزيع غير العادل للخيرات المادية، ومن افتراض المشار ةك المتكافئة أساسًا لتحقيق المساواة في المكانة بين الفئات المهيمنة
داخل الفضاء العمومي والفئات الخاضعة والتابعة، فإنها تتوجه بالتفكير نحو ما تسمّيه شكل العلاقة
الممكنة بين الفضاءات العمومية المتعدّدة. وهنا، تعتبر أنّ سردية هابرماس للفضاء العمومي البرجوازي تستند إلى "افتراض تقييمي أساسي مفاده أنّ حصر الحياة العامة في فضاء عمومي واحد وشامل هو
(23) Nancy Fraser, Qu’est–ce que la justice sociale ? Reconnaissance et Redistribution , E. Feraresse (trad.) (Paris: La Découverte, 2005), p. 49.
(2((عماد الجميعي، "المشار ةك المتكافئة: الثقل المعياري للسياسة عند نانسي فريزر"، تبين، مج 11، العدد 44 (ربيع 2023)، ص 113–91،.103
حالة إيجابية ومرغوبة، في حين أنّ انتشار تعدّد الفضاءات العمومية يمثّل ابتعادًا عن الديمقراطية وليس تقدمًا نحوها". واعتمادًا على اختبار هذا الافتراض المعياري في مستوى تقييم المزايا النسبية للفضاء العمومي الواحد الشامل مقابل الفضاءات العمومية المتعددة في نوعَين من المجتمعات الحديثة، المجتمعات الطبقية والمجتمعات المتعددة الثقافات القائمة على المساواة، تزعم أنّ الترتيبات التي تستوعب التنافس بين عدد كبير من الفضاءات المتنافسة تعزّز بصفة أفضل المثل الأعلى للمشار ةك المتكافئة، أكثر مما يعزّزه وجود فضاء عمومي واحد وشامل. ففي هذه الحالة، لن تتوافر لأعضاء الجماعات التابعة ساحات للتداول فيما بينهم حول احتياجاتهم وأهدافهم واستراتيجياتهم، ولن يجدوا أماكن للتواصل لا تخضع لإشراف الجماعات المهيمنة، ما يجعل قدرتهم على التعبير عن مصالحهم والدفاع عنها في المجال العمومي الشامل أقل من غيرهم. وتبعًا لذلك، تتحوّل الفضاءات العمومية المضادة عند فريزر إلى ساحات خطابية موازية تشِّكِلها الجماعات المهَّمّشة (العمال، والنساء، والأقليات)، لتعبّر من خلالها عن مطالبها بعيدًا عن الهيمنة
الذكورية والرأسمالية؛ إذ يبتكر أفراد هذه الفئات الاجتماعية الخاضعة خطاباتٍ مضادّةً، تسمح لهم
بصياغة تأويلات معارضة، تُترجِم هويّاتهم ومصالحهم واحتياجاتهم. وهكذا، فهي ترى أنّ الفضاء المضاد النسوي الأميركي المثال الأكثر لفتًا للنظر، بمجموعته المتنوعة من المكتبات وشركات النشر وشبكات توزيع الأفلام والفيديو وسلسلة المحاضرات ومراكز الأبحاث والبرامج الأكاديمية والمؤتمرات والمهرجانات وأماكن اللقاءات المحلّية. وفي هذا الفضاء العمومي، اخترعت النسويات مصطلحات جديدة لوصف الواقع الاجتماعي، مثل: "التحيز الجنسي" و"التحرش الجنسي" و"الاغتصاب الزوجي". وبهذه اللغة، استطعن أن يُعدن صياغة احتياجاتهن وهوياتهن، ومن ثمّ التقليل من أشكال الحرمان الذي تعرّضن له في الفضاءات العمومية الرسمية. وهكذا، تحاجّ فريزر بأنّ المثل
الأعلى للمشار ةك المتكافئة يتحقق على نحوٍ أفضل، في تعدد الفضاءات العمومية أكثر من تحقيقه من جانب فضاء عمومي واحد؛ وهو أمر ينطبق على المجتمعات الطبقية والمجتمعات المتعددة الثقافات القائمة على المساواة، من خلال الدفاع عن إمكانية الجمع بين المساواة الاجتماعية والتنوع الثقافي والديمقراطية التداولية. لقد أظهرت فريزر أنّ التصوّر البرجوازي للفضاء العمومي، كما وصفه هابرماس، ليس ملائمًا لنقد حدود الديمقراطية القائمة بالفعل في المجتمعات الرأسمالية المتأخرة؛ حيث بيّنت في لحظة أولى
أنّ التصوّر المناسب لا يستدعي وضع التفاوت الاجتماعي بين قوسين، بل يتطلب القضاء على كل أشكال التفاوت الاجتماعي في مستوياته المادية والرمزية والتمثيلية. وأكّدت في مرحلة ثانية أنّ تعدّد الفضاءات العمومية أفضل للمجتمعات الطبقية والمجتمعات التي تسودها المساواة. ثمّ في لحظة ثالثة، أشارت إلى أنّ المفهوم القابل للاستمرار للفضاء العمومي عليه أّلا يقصي القضايا التي تعتبرها الأيديولوجيا البرجوازية الذكورية خاصة.
(25) Fraser, "Rethinking the Public Sphere," p. 66.
ثالثًا: نزع الاستعمار عن الفضاء العمومي الهابرماسي: في حدود نقد فريزر
من الواضح أنّ فريزر، في إطار توسيع نقدها للفضاء العمومي الهابرماسي، نبّهت إلى الطابع الوستفالي
للفضاء العمومي المرتبط بمسارات تشُّكُل الدولة–الأمة في التاريخ الأوروبي الحديث، التي تفترض سيادة دولة على إقليم جغرافي محدّد ومواطنة قومية ونواة ثقافة متجانسة؛ وقد أكّدت حدود هذا التصوّر، خاصة مع التحولات العالمية التي أحدثتها العولمة في مستوى ظهور مشكلات ذات طابع
عابر للدول، على غرار مسائل التعدّدية والهجرة والمواطنة الدستورية وتقلّص أدوار الدول القومية. ومن هنا، اقترحت فكرة فضاء عمومي عابر للأوطان تتحقق من خلاله مواطنة عالمية، ويكون قادرًا على مأسسة السلطات العالمية الجديدة وإخضاعها لمراقبة كونية من جهة، وعلى إضفاء الطابع المؤسسي على المواطنة العالمية بتأسيس فضاءات كونية تسمح بإنتاج أنماط تضامن تتجاوز العرق والدين والقومية. وقد مثّل نقد فريزر للفضاء العمومي البرجوازي، وتأكيدها المعياري لأهمية الفضاءات العمومية المضادّة، ودعوتها إلى فضاء عمومي عابر للأوطان، إطارًا نظريًا مناسبًا لمقاربة هذه المسائل، في
سياقات جغرافية مختلفة، وضمن منظورات إبستيمولوجيا الجنوب المغايرة. ومن هنا، نحاول الاستناد
إلى الأساس النقدي، لكي نفتح أفقَين فكرَّيَين لاستكشاف معانٍأخرى مرتبطة بفكرة الفضاء العمومي،
حيث نهدف في لحظة إلى تحرير نموذج الفضاء العمومي من طابعه الرسمي والمثالي القائم على مبدأ النقاش العقلاني الهادف إلى التفاهم، استنادًا إلى الأفكار النظرية لبيات، التي تؤكّد أنّ الناس العاديين في بلدان الشرق الأوسط يشكّلون السياسة ويغيّرون الواقع الاجتماعي عبر ممارسات يومية
غير رسمية، غالبًا خارج نطاق المؤسسات السياسية التقليدية، ومن خلال استنباط أطر وأساليب
لا ترتبط بالفضاءات العمومية كما نظّر لها هابرماس. وفي لحظة ثانية، نعمل على الكشف عن الطابع الاستعماري لمقولة الفضاء العمومي، والسعي لنزع البعد الاستعماري الكامن في بنيته الاستبعادية المرتبطة بإبستيمولوجيا الشمال، وذلك استنادًا إلى المفكر البيروفي، أنيبال كيخانو Aníbal Quijano، أحد أبرز المنظرين الديكولونياليين الذين كشفوا عن العلاقة العضوية بين الحداثة الغربية والاستعمار. ونؤكد أننا لا ندّعي أن هذا النقد مسوّغٌ لتقويض فكرة الفضاء العمومي، باعتباره موردًا مفاهيمًّيًا لا غنى
عنه لتعزيز الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ولا نفترض وجود بدائل فكرية جاهزة نستطيع من خلالها التشريع لنمط محدّد من التدبير السياسي.
1. سياسة غير رسمية: المقاومة بالوجود
يقدّم بيات رؤية مختلفة لأشكال التغيير في سياق الأنظمة الاستبدادية لدول الشرق الأوسط، التي تعمل على التقليص من مساحة الفضاءات العمومية، حيث يدفع هذا التقليص الفئات الحضرية المهَّمَشة
والفقيرة والشباب المعولم إلى التعبير عن مطالبهم، بإبداع أساليب للنضال مثل الزحف الهادئ للمعتاد
(2((آصف بيات، الحياة سياسة: كيف يغيّر بسطاء الناس حياتهم، ترجمة أحمد زايد (القاهرة: المركز القومي للترجمة،.)2014
والنضال من أجل العيش والّلا حركات الاجتماعية. وهو يعتمد في رؤيته التفسيرية على هذه المقولات التحليلية، التي يقترح من خلالها فهمًا مغايرًا لنموذج الفضاء العمومي الرسمي، ويبيّن محدودية
النظرية السوسيولوجية الغربية في مقاربة مجتمعات شرق أوسطية ببنى مجتمعية مختلفة وسياقات تاريخية مغايرة وتجارب حكم فريدة، لأنّ "هذه النماذج لها سياقات تاريخية مختلفة، ومن ثم فإنّها لا تقدّم لنا سوى مساعدة قليلة لشرح النسيج والديناميات المعقدة للتغيير والمقاومة في هذا الجزء من العالم". ويُجمل بيات ما يسميه "سياسة الشارع" أو "شارع السياسة" في المقولات الثلاث التالية: أ. الّلا حركات الاجتماعية: تتمثّل في الحراك الاجتماعي الذي يقوم به أفراد لا ينتمون إلى فئة
واحدة أو طبقة واحدة، بل إلى جماعات حضرية مهَّمَشة وغير منظّمة نتيجة لإفرازات العولمة،
حيث تتبنى هذه الفئات أشك لًا من النضال والتعبير عن الحاجات والمطالب وممارسات من دون مرجعية أيديولوجية أو قيادة واضحة، وهي تستمدّ قوّتها ومبرّرات حراكها من روابط القرابة
والصداقة وتشابه الظروف والأوضاع المزرية في شكل زحف هادئ عبر الأرصفة والطرق والشوارع. ب. الزحف الهادئ للمعتاد: يتمثّل في طرق التعبير في الساحات العامة، عبر استخدام الأرصفة والشوارع، وممارسة البيع غير الرسمي ضمن ما يسمّى "الاقتصاد الشارعي". ومع مرور
الوقت، يمكن أن يؤدي هذا النشاط المتكرر إلى دفع الدولة لإعادة النظر في سياساتها تجاه هذه التصرفات، وقد يفتح المجال لإحداث تغييرات تدريجية في القوانين والممارسات. ج. المقاومة بالوجود: وهي ضرب من الممارسة التي تتأسس على فكرة أنّ الوجود نفسه مقاومة في سياقات القمع، حيث يصرّ الناس على العيش بحرّية نسبية على الرغم من القيود، ضمن
سياسة للتشبّث بالأمل في التغيير أمام فشل المشاريع الفكرية والسياسية والسرديات الأيديولوجية
في تقديم رؤية بديلة لمسارات توُّسُع النموذج الليبرالي الجديد. هكذا، ينتقد بيات فكرة أنّ التغيير يجب أن يكون ثوريًا أو عنيفًا، ويكشف أنّ التكتيكات اليومية قد تكون أكثر استدامة. وهي تكتيكات يُظهر فيها الناس أشك لًا من التعبير عن مطالبهم المرتبطة بالعدالة أو بالاعتراف، من خلال التنازع على مجالات الهيمنة التي تسعى الدولة الاستبدادية المطلقة لاحتكارها.
2. الفضاء العمومي: أسطورة برجوازية غربية
تواجه فكرة الفضاء العمومي البرجوازي عند هابرماس انتقادات حادّة من المنظور ما بعد الكولونيالي والديكولونيالي، الذي يرى أنه نموذج يعكس تحيّزات استعمارية غربية وإقصائية؛ فإذا كان هابرماس
يتحدث عن فضاء عمومي مثالي نشأ في أوروبا القرن الثامن عشر، فإنّه يتجاهل في المقابل أنّ هذا
((2(بيات، ص.25 (2((ينظر: سفيان بن جاب الله، سوق نهج إسبانيا أو منهاج الاقتصاد الشارعي في تونس: مقاربة سوسيو–أنثروبولوجية، المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (تونس: منشورات الفينيق،.)2022
الفضاء كان حصرًّيًا مقتصرًا على الذكور البيض البرجوازيين مع استبعاد النساء والعمال والمستعمرين،
وأنّه حتى داخل أوروبا توافرت فضاءات مضادة، مثل نوادي العمال والصحف النسوية، لم يُعترف بها. وهكذا، يُعدّ كيخانو أحد أبرز المنظرين الديكولونياليين الذين كشفوا عن العلاقة العضوية بين الحداثة الغربية والاستعمار؛ إذ يركز، في نقده هابرماس، على فكرة أنّ الفضاء العمومي العقلاني ليس محايدًا أو كونيًا، بل هو نتاج سلطة استعمارية، أي نظام الهيمنة الذي أنتجه الاستعمار الأوروبي وبقيت آثاره
حتى بعد زواله الرسمي. وتبعًا لذلك رأى منظّرو الدراسات الديكولونيالية أنّ الفضاء العمومي "أسطورة برجوازية غربية"، حيث لم تتحقق في المستعمرات فضاءات عمومية حقيقية، بل إنّ الاستعمار شوّه
الفضاءات العمومية المحلّية بفرض أنماط غربية هجينة، كانت سببًا في تقسيم الفضاء العمومي في
الجنوب العالمي إلى فضاءات متعادية. وهكذا، يرفض كيخانو افتراض هابرماس أنّ العقلانية التنويرية يمكن أن تكون أساسًا للتحرّر؛ لأنها هي
نفسها أداة استعمارية فصلت بين العقلاني الأوروبي واللاعقلاني غير الأوروبي؛ إذ فرض "المستعمرون أيضًا صورة غامضة لنمطهم في إنتاج المعرفة والمعنى"، ثم حينما أصبحت الثقافة الأوروبية نموذجًا ثقافيًا عالميًا، كان "الخيال في الثقافات غير الأوروبية لا يكاد يوجد اليوم، وخصوصًا أن يعيد إنتاج نفسه
خارج هذه العلاقات". فكيخانو، في نقده فكرة المساواة بين المتحاورين داخل الفضاء العمومي، يوضح أنّ المساواة الشكلية تخفي تسلسلًا هرميًا عرقيًا ومعرفيًا؛ إذ يعتبر أنّ المعايير العقلانية، مثل
الحجة المنطقية واللغة الأكاديمية، هي معايير أوروبية التمركز تُستبعَد على أساسها أنماط التعبير غير الغربية، على غرار السرد الشفوي والرموز الثقافية المحلّية؛ ذلك أنّ الخطاب السياسي في المجتمعات الأصلية، في أميركا اللاتينية، يعتمد على الذاكرة الجماعية والرواية الأسطورية، والتي تُرفض في الفضاء العمومي البرجوازي، باعتبارها غير عقلانية. وفي هذا السياق، يربط كيخانو بين الفضاء العمومي البرجوازي والنظام الرأسمالي العالمي الذي نشأ مع الاستعمار؛ فهو يعتبر أنّ هابرماس يتجاهل حقيقة أنّ الفضاء العمومي في أوروبا تشكّل عبر نهب الموارد الطبيعية للمستعمرات واستغلال عمالتها الزهيدة واحتقار أنماط المعارف المحلّية. وهكذا تستبعد الديمقراطية التداولية الهابرماسية الأشكال الجماعية للتداول، مثل المجالس المحلّية في بوليفيا أو المكسيك، لأنها لا تتوافق مع النموذج الفرداني الغربي. ومن ثمّ، من الواضح أنّ النقد الديكولونيالي يمزّق الوهم الهابرماسي في افتراض وجود فضاء عمومي عقلاني وكوني، ويكشف أنّه كان أداة لإضفاء الشرعية على الهيمنة الغربية من خلال مبدأ الحياد والكونية الزائفة؛ لأنّه متأسّس على قيم غربية مثل الفردية والعلمانية والعقلانية الأداتية، عملت على تهميش المعارف المحلّية ضمن مشروع استعماري لفرض الحداثة الأوروبية.
(29) Aníbal Quijano, Foundational Essays on the Coloniality of Power , Walter D. Mignolo (ed.) (Durham: Duke University Press, 2024), p. 75. (30) Dipesh Chakrabarty, Provincialiser l’Europe. La pensée postcoloniale et la différence historique , O. Ruchet & N. Vieillescazes (trad.) (Paris: Éd. Amsterdam, 2009 [2000]), p. 381.
خاتمة
انطلقنا في هذه الدراسة من تأكيد الأهمية الفكرية التي احتلّها مفهوم الفضاء العمومي، الذي نظّر له هابرماس في مجال النظرية النقدية، حيث اعتبر أنّ هذا الفضاء العمومي البرجوازي هو ساحة للنقاش العقلاني الذي يسمح للمواطنين بالتعبير عن آرائهم بحرّية ويمكّنهم من مساءلة السلطة السياسية في الوقت
ذاته. ومع ذلك، يرتكز هذا النموذج على سياق تاريخي محدّد هو أوروبا الغربية، حيث نشأ في ظروف اقتصادية واجتماعية مرتبطة بصعود الرأسمالية وتطوّر المؤسسات الديمقراطية. وحاولنا تحليل الأسس
النظرية لمفهوم الفضاء العمومي الهابرماسي وتقديم تقييمٍ نقدي للإسهامات والحدود النظرية والعملية لهذا النموذج، مستندين إلى النقد الذي وجّهته إليه فريزر مع نقاش إمكانية تطبيقه في سياقات اجتماعية
وسياسية متنوعة، سواء بالحديث عن "سياسات شارعية" تتحقق من خلالها أشكالٌ من المقاومة وترجمة فئات من النساء والمهمّشين للمطالب، أو عبر استدعاء العدسة الديكولونيالية التي تنظر إلى الفضاء
العمومي على أنه نمط استعماري وأسطورة برجوازية تخفي نوازع هيمنة غربية على الجنوب العالمي. وهكذا، إذا كانت فريزر تركز على الطبقة والجندر محورَي هيمنة داخل الفضاء العمومي، وتكتفي بالبحث عن سبل تجاوز طابعه الإقصائي من خلال فكرة المشار ةك المتكافئة التي تتيح لكل الفئات الاجتماعية إمكان المشار ةك في تأويل الحاجات من دون تمييز، فإنّ كيخانو يسلّط الضوء على البعد العرقي – الاستعماري والفضاءات المضادة، مثل حركات السكان الأصليين التي لا تقاوم الهيمنة البرجوازية فحسب، بل تعيد تعريف العقلانية نفسها خارج الإطار الغربي. وهنا، يمكن إعادة قراءة هابرماس اليوم في ضوء الحركات المناهضة للعنصرية؛ حيث تقترح مقاربات نزع الاستعمار مفاهيم بديلة: على غرار فكرة التعددية الجذرية للفضاء العمومي والاعتراف بأنّ الفضاءات العمومية تختلف باختلاف السياقات الثقافية مثل "المجالس القبلية" في أفريقيا مقابل البرلمانات الأوروبية، وفكرة المقاومة عبر إعادة التخيّل التي يقترحها التفكير ما بعد الاستعماري. على الرغم من ذلك، من الضروري الإشارة إلى أنّ غياب بدائل فكرية جاهزة ومناهج تفسيرية قادرة على تقديم نظريات تأويلية خارج دائرة النقد الجذري للبردايمات الغربية يضعنا أمام تحدّي الاعتراف بأنّ الدعوة إلى تقويض فكرة الفضاء العمومي لن تسعفنا في فهم مسارات الفشل في تدبير سياسة ديمقراطية وفي تعزيز العدالة داخل مجتمعاتنا العربية؛ لأن الحاجة إلى استئناف النظر في مسألة الفضاء العمومي، من خلال نقد فريزر، تبقى أمرًا ملًّحًا وواعدًا، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار ما قدّمته
من آفاق نقدية في علاقة بمقترحها حول الفضاء العمومي العابر للحدود الوطنية، وما تطرحه من إمكان توسيع التمثيلية السياسية في اتجاه دول الجنوب العالمي.
المراجع References
العربية
أفاية، محمد نور الدّين. الحداثة والتّواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة (نموذج هابرماس). الدار البيضاء: إفريقيا للنشر،.1991
بن جاب الله، سفيان. سوق نهج إسبانيا أو منهاج الاقتصاد الشارعي في تونس: مقاربة سوسيوأنثروبولوجية. المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. تونس: منشورات الفينيق،.2022 بيات، آصف. الحياة سياسة: كيف يغيّر بسطاء الناس حياتهم. ترجمة أحمد زايد. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2014 الجميعي، عماد. "المشار ةك المتكافئة: الثقل المعياري للسياسة عند نانسي فريزر". تبين. مج 11، العدد 44 (ربيع.)2023 _______. السيادة والاستثناء في الفكر الليبرالي المعاصر: كارل شميت ويورغين هابرماس. تونس: دار الجيل للنشر والتوزيع،.2024 كانط، إيمانويل. ثلاثة نصوص: تأملات في التربية، ما الأنوار؟ ما التوجه في التفكير؟. تعريب محمد بن جماعة. تونس: دار محمد علي للنشر،.2005 هابرماس، يورغن [وآخرون]. قوة الدين في المجال العام. ترجمة فلاح رحيم. بيروت/ بغداد: دار التنوير للطباعة والنشر،.2013
الأجنبية
Chakrabarty, Dipesh. Provincialiser l’Europe. La pensée postcoloniale et la différence historique. O. Ruchet & N. Vieillescazes (trad.). Paris: Éd. Amsterdam, 2009. Cohen, Jean L. & Andrew Arato. Civil Society and Political Theory. Cambridge: MIT Press, 1992. Fraser, "Nancy. Rethinking the Public Sphere: A Contribution to the Critique of Actually Existing Democracy." Social Text. no. 25–26 (1990). _______. Qu’est–ce que la justice sociale? Reconnaissance et Redistribution. E. Feraresse (trad.). Paris: La Découverte, 2005. Habermas, Jürgen. The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a Category of Bourgeois Society. Thomas Burger & Frederick Lawrence (trans.). Cambridge, MA: Polity, 1989. _______. Droit et démocratie: Entre faits et normes. Paris: Gallimard, 1997. Johnson, Pauline. "Habermas’s Search for the Public Sphere." European Journal of Social Theory. vol. 4, no. 2 (May 2001). Landes, Joan. Women and the Public Sphere in the Age of the French Revolution. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1988. Quijano, Aníbal. Foundational Essays on the Coloniality of Power. Walter D. Mignolo (ed.). Durham: Duke University Press, 2024. Ryan, Mary. Women in Public: Between Banners and Ballots, 1825–1880. Baltimore: The John Hopkins University Press, 1990.