Return to Article Details Philosophy and biography

الفلسفة والسيرة الذاتية

Philosophy and Biography

بول أوجرادي *

Paul O’Grady *

ترجمة: صلاح إسماعيل **

Salah Ismail **

الملخّص

هل لسيرة الفيلسوف الذاتية أيّ صلة بتقييم فلسفته؟ بعد استعراض ثلاث معالجات مختلفة لهذا السؤال ورفضها، تُطرح هنا إجابة مختلفة. تجادل هذه الدراسة، من خلال التمييز بين مضمون النص الفلسفي ومقاربته، بأن السيرة الذاتية ذات صلة بتقييم مقاربات النصوص من ثلاثة جوانب: سياقه الاجتماعي والتاريخي، وسياقه الفلسفي، وسياقه الشخصي في حياة الفيلسوف. وتقدّم هذه الاستراتيجية طرقًا جديدة لمقارنة نصوص متباينة إلى حد بعيد، وتقييمها في ضوء الأهداف التي سعى إليها الفيلسوف عند كتابتها.

Abstract

Abstract: Does the biography of a philosopher have any relevance to assessing their philosophy? After considering and rejecting three distinct treatments of this question, a different answer is articulated here. Distinguishing between the content and approach of a philosophical text, this article argues that biography is relevant to assessing the approach of the text in three ways: in its socio–historical context, its philosophical context, and its personal context in the life of the philosopher. Such a strategy offers New ways of comparing very different texts and assessing them in terms of the aims of the philosopher writing them.

الكلمات المفتاحية:
  • المقاربة
  • السيرة الذاتية
  • نزعة التقسيم
  • السياق
  • النزعة الردية
Keywords:
  • Approach
  • Biography
  • Context
  • Reductivism
  • Compartmentalism

بول أوجرادي| Paul O’Grady * ترجمة: صلاح إسماعيل | Salah Ismail **

مختلفة لهذا السؤال ورفضها، تُطرح هنا إجابة مختلفة. تجادل هذه الدراسة، من خلال التمييز

بين مضمون النص الفلسفي ومقاربته، بأن السيرة الذاتية ذات صلة بتقييم مقاربات النصوص

من ثلاثة جوانب: سياقه الاجتماعي والتاريخي، وسياقه الفلسفي، وسياقه الشخصي في

حياة الفيلسوف. وتقدّم هذه الاستراتيجية طرقًا جديدة لمقارنة نصوص متباينة إلى حد بعيد،

وتقييمها في ضوء الأهداف التي سعى إليها الفيلسوف عند كتابتها.

مقدمة

يجد كثير من الناس أن سيرة الفلاسفة فاتنة. ولودفيغ فتجنشتين (1951–1889) مثال جيد على ذلك؛ إذ إن حياته مثيرة للاهتمام في جوهرها. فمن خلفيته العائلية ذات الثروة الطائلة والإنجازات الثقافية الرفيعة في فيينا، وانتحار ثلاثة من إخوته، وصلات عائلته بيوهانس برامس Johannes Brahms (1897–1833) وغوستاف كليمت Gustav Klimt (1918–1862)، ومسيرة شقيقه الباقي عازف البيانو (بذراع واحدة)، وهروب شقيقاته من النازيين، وتصُّدُقه بثروته على الآخرين، كلها أمور خليقة بالاهتمام. أضف إلى ذلك علاقته ببرتراند رسل Bertrand Russell (1970–1872) وجامعة كامبريدج، ومسيرته المهنية المنحوسة مدرّسًا في مدرسة ابتدائية، وبناءه منزلًا على الطراز الحديث في

فيينا، وعمله مساعدًا في مستوصف مستشفى "غاي" Guy’s Hospital أثناء شغله كرسي الفلسفة في كامبريدج، وعيشه في عزلة في النرويج وكونيمارا، وصداقاته العديدة، وعبارته الأخيرة الشهيرة: "قولي لهم لقد عشت حياة رائعة". وهناك قصة طريفة حول منشوراته؛ إذ نشر كتابه التراكتاتوس (رسالة منطقية فلسفية) بصعوبة عام 1922، في حين ترك بقية أعماله لتُنشر بعد وفاته. واهتم الباحثون بدور المحررين، والمترجمين، والقائمين على تنفيذ وصايا الأدب في إنتاج النصوص وتشكيلها. وفضلًا عن ذلك، أثير جدل شهير حول إذا ما  كان مثلًّيًا، وهو جدل يعكس الأعراف في عصر محافظ إلى حد بعيد، مستندًا

إلى تحليل نصيّ لمذكراته. ولكن هل لكل هذا صلة بفلسفته؟ إذا كان فتجنشتين شخصية بارزة في ما يُسمى بالتقليد الأنكلو–أميركي، فإن مارتن هايدغر Martin Heidegger (1976–1889) شخصية بارزة في التقليد القاري. وقد حظيت سيرته الذاتية باهتمام واسع. وعلى الرغم من أنها أقل تنوعًا وإثارةً من سيرة فتجنشتين، فإن المسألة المحورية التي تستحوذ على الاهتمام هي علاقته بالنازيين؛ إذ إنه انحاز إليهم بوضوح عندما  كان رئيسًا لجامعة فرايبورغ عام 1933،

ولكن يبقى سبب استقالته في العام التالي غامضًا؛ ذلك أنه لم يُدنهم صراحةً قط. صحيح أنه حذف الإهداء إلى الفيلسوف اليهودي إدموند هوسرل Edmund Husserl (1938–1859) من الطبعة الثانية لكتاب الوجود والزمان، كما أن علاقته بالفيلسوفة اليهودية حنة أرندت Hannah Arendt –1906(1975) تثير الانتباه. ويبدو أن سلسلة المذكرات السوداء التي ظهرت بعد وفاته تُظهر بوضوح معاداته للسامية. لماذا أو كيف يبدو هذا الأمر ذا صلة بفلسفته؟ ربما يكون الارتباط هنا أوضح مما هو عليه في حالة فتجنشتين، نظرًا إلى أن الأصالة موضوع رئيس في أعمال هايدغر، ولأن الوجودية تأثرت به

كأشد ما يكون التأثر. ولذلك، فإن القلق من أن حياته الشخصية انطوت على مبادئ فاسدة، مثل الرشوة والانتهازية والنفاق والتحيز، قد يكون ذا صلة بتقييم ذلك العمل الفلسفي. وما يزال سيل السير والتراجم للفلاسفة العظام متدفقًا بكامل قوته. فقد كتبت سو بريدو Sue Prideaux (1946–) سيرة غيرية لفرديدريش نيتشه Friedrich Nietzsche (1900–1844) حازت جائزة عام 2018. وكتبت شيريل ميساك Cheryl Misak (1961–)، المعروفة بأعمالها في البراغماتية والوضعية، أول سيرة للفيلسوف فرانك رامزي Frank Ramsey (1930–1903) من جامعة كامبريدج عام 2020. وأصدر توم جونز Tom Jones سيرة غيرية جديدة لجورج بيركلي George Berkeley (1753–1685) عام 2021،

بالتزامن مع ظهور تساؤلات حول استخدامه للعبيد في الولايات المتحدة الأميركية في عشرينيات القرن الثامن عشر. ومن الواضح أن الفلاسفة، ولا سيما الباحثين المختصين بهذه الشخصيات، سيقرؤون هذه الأعمال باهتمام وتقدير. لكن يبقى السؤال مطروحًا: إلى أيّ مدى ترتبط المعلومات والتحليلات السير الذاتية بالتقييم الفلسفي للشخصية قيد البحث؟ هناك ردّان محددان بوضوح ومتناقضان على هذا السؤال، أناقشهما في القسم الأول. أما في القسم الثاني فأناقش ردّا مختلفًا، مستلهمًا على نحو غير مباشر من فلسفة فتجنشتين المتأخر، وقد مثّلته بطرائق مختلفة أطاريح جيمس كونانت وراي مونك. وأقترح في القسم الثالث طريقة أخرى لربط السيرة الذاتية بالفلسفة، وأميز بين مقاربة عمل فيلسوف ومضمونه. وفي القسم الخامس، أفحص الطرائق المختلفة التي يمكن أن تؤثّر بها الملامح السيرية في مقاربة الفيلسوف.

أولا: ردّان إشكاليان

قدّم كونانت ورقة بحثية في ندوة عُقدت في فرجينيا عام 1999، ونُشرت في ما بعد في كتاب فتجنشتين: السيرة الذاتية والفلسفة عام 2001، من تحرير جيمس سي. كلاج، يطرح فيها تساؤلًا حول إذا ما  كان في مقدور السيرة الذاتية تقديم أيّ إضافة للفهم الفلسفي للشخصية التي تتناولها. وفي معرض بحثه في هذا التساؤل، يميز كونانت بين موقفين تجاه السيرة الذاتية والفلسفة يرى أنهما خاطئان. أولهما، النزعة الردية Reductivism، حيث تختار سمة محددة من حياة الفيلسوف وتعدّها مفتاحًا لبقية أعماله. غير أن هذه الطريقة تعامل السمة المختارة بوصفها سببًا خارجًّيًا لا يرتبط حقًا بمضمون الفلسفة. ويقدّم كونانت مثالين على ذلك: القراءات التحليلية النفسية، والقراءات الماركسية لمختلف الفلاسفة. وتراه لا يقول إن عمليات إعادة بناء الفلاسفة من منظور التحليل النفسي خاطئة أو كاذبة، أو إن التحليلات الماركسية غير مفيدة، وإنما يقول بالأحرى إن طريقة استخدامها غالبًا ما تفتقر إلى الحساسية وتكون غريبة عن الفلسفة الحقيقية، الأمر الذي يجعل القراءة في النهاية تشويهًا للفلسفة والماركسية/ التحليل النفسي. وتوجد مثل هذه التحليلات، لكنها لا تلقى قبولًا واسعًا، وتُعامل بوصفها قراءات قلقة أكثر من كونها بحوثًا علمية مستنيرة. ويرى كونانت أنه ردّ فعلٍعلى مثل هذه الإجابات، بات بديل "نزعة التقسيم " Compartmentalism الأكثر رواجًا بين الفلاسفة، حيث يُنظر إلى سيرة الفيلسوف على أنها غير ذات صلة لفهم عمله. ويعتقد القائل بنزعة التقسيم، بحق، أن مجرد النظر إلى التحليل السببي لكيفية تفكير الفيلسوف وتصرّفه على النحو الذي فعل (على سبيل المثال، "كان فتجنشتين مهووسًا بقضايا الطهر Purity بسبب تدريبه على استخدام المرحاض في طفولته") هو أمر خاطئ. وإضافة إلى ذلك، فإن "هناك شيئًا خاطئًا في

(1) James Conant, "Philosophy and Biography," in: James C. Klagge (ed.), Wittgenstein: Biography and Philosophy (Cambridge: Cambridge University Press, 2001), pp. 16–50. (2) Ray Monk, Ludwig Wittgenstein: The Duty of Genius (London: Jonathan Cape, 1990).

تقييم عمل المؤلّف بناء على معايير مستمدة بالكامل من خارج ذلك العمل". ويؤيد كونانت هذه الانتقادات للنزعة الردية، ولكنه يتساءل عمّا إذا كان للسيرة الذاتية دور في التحليل الفلسفي لعمل الفيلسوف. ويستخدم مثالين قويين للإجابة عن هذا السؤال بالإيجاب. الأول هو سقراط، الذي يتميز بأنه لم يكتب قط، وأن حياته وفلسفته متضافرتان. ومن ثم، يبدو من المستحيل دراسة فلسفة سقراط بمعزل عن حياته. ويمضي كونانت في تأمله في الفلسفة الهلنستية، لا سيما من خلال كتابات بيير هادو Pierre Hadot (2010–1922)، حيث تُعدّ حياة الفيلسوف التعبير الدقيق عن فلسفته؛ إذ يحقق الجانب النظري غايته وهدفه في أسلوب الحياة. ويقر كونانت باحتمال أن يعترض أحدهم قائلًا إنه في حين قد يكون ذلك صحيحًا في الفلسفة القديمة، فإنه لم يعد يصف الفلسفة الحديثة بدقة. ثم يقدّم فتجنشتين مث لًا ثانيًا، مستشهدًا باقتباسات عديدة منه، مثل: "العمل في الفلسفة [...] هو في الحقيقة

عمل على الذات"، ويفسّر ذلك بالقول إن روح الشخص تتجلى في روح فلسفته، والتي تتجلى في أسلوبه في التفلسف. ولا يرغب كونانت في تأسيس أطروحة عامة حول علاقة الفلسفة بالسيرة الذاتية، وإنما يجادل بأن تجاهل معلومات السيرة الذاتية، على الأقل في حالة فتجنشتين، يُفوّت جانبًا مهمًا من

الفهم الفلسفي لعمله. ولا يهدف هذا إلى تقديم تفسير سببي ردي، وإنما يهدف بالأحرى إلى التفاعل مع جانب جوهري وداخلي في طريقة فتجنشتين لممارسة الفلسفة.

ثانيًا: ردود فتجنشتينية

كان لآراء فتجنشتين حول المنطق واللغة والمعنى وعلم النفس ونظرية المعرفة وغيرها تأثير واسع النطاق في الأوساط الفلسفية. ولكنّ آراءه حول طبيعة الفلسفة لم تكن بالقدر نفسه من التأثير، بل واجهت مقاومة شديدة من جهات مختلفة (يشير هانز يوهان غلوك إلى أن رأي فتجنشتين في الفلسفة "يُعدّ عمومًا أضعف جزء في عمله المتأخر)". وقد عبّر فتجنشتين، في فترتيه المبِّكِرة والمتأخرة، عن آراء تختلف اختلافًا

ملحوظًا عن الممارسة العادية في طرح الدعاوى وتقديم الحجج الصريحة. وتفارق مقاربات كتابَيه رسالة منطقية فلسفية وبحوث فلسفية مع نوع العمل الذي أنتجه، على سبيل المثال، غوتلوب فريجه Gottlob Frege (1925–1848) ورسل، ومعظم التقليد الفلسفي السابق. وتتباين تفسيرات كتاباته تبعًا لمدى جدية تناولها لآرائه حول طبيعة الفلسفة. فعلى سبيل المثال، تأخذ القراءة الحازمة Resolute Reading لكتاب الرسالة على محمل الجد الرأي القائل إن العمل "عديم المعنى " Nonsensical، وتسعى إلى فهم هذا الزعم المُستغرَب، وهو ما يختلف تمامًا عن الطريقة التي تناول بها موريتز شليك Moritz Schlick

(1936–1882) أو رودولف كارناب Rudolf Carnap (1970–1891) ذلك العمل. تتوافق مقاربة كونانت للفلسفة مع مقاربة فتجنشتين غير النسقية أو العلاجية. ولذلك، فإن طرحه عن علاقة الفلسفة والسيرة الذاتية متأثر به. ولا يقدّم كونانت زعمًا عامًا، ولا يَعدّ وجهة نظره معيارية

(3) Conant, p. 18. (4) Ludwig Wittgenstein, Culture and Value (Chicago: University of Chicago Press, 1980), pp. 34, 39. (5) Hans–Johann Glock, A Wittgenstein Dictionary (Oxford: Blackwell, 1996), p. 294.

لما ينبغي أن تكون عليه الأشياء؛ بل هي أقرب إلى أن تكون وصفية. ويستشهد بالسيرتين اللتين كتبهما راي مونك (1957–) لفتجنشتين ورسل، ويبيّن الطرق المختلفة التي يمكن أن تتفاعل بها حياة

المرء مع تصوره للفلسفة. ثمة صلابة واتساق في فكر فتجنشتين يتناقضان مع الثنائيات والتقلبات في فكر رسل. ويمكن ملاحظة التأرجح الوجداني في حياة رسل نفسه من خلال تأرجح تصوراته عن الفلسفة. ولا يشيد كونانت بهذا الجانب من حياة رسل وعمله ولا ينتقده، وإنما يتمسك بأن فهمه من خلال سيرته يُثري فهم الفيلسوف. وثمة بُعد تقييمي في هذا الأمر؛ إذ إن نوع الفهم الذي تدعمه السيرة الذاتية يتعلق بالفلسفة في كليتها (لا بتساؤلات تفسيرية محددة أو معضلات تقنية). وفي ضوء هذا الفهم، يلاحظ كونانت أن "التبدل الناتج في المنظور سيكون من شأنه أن يجعل عمل الفيلسوف يبدو، إذا جاز التعبير، كأنه يزداد سطوعًا أو يخبو في كلّيته". ويزخر مقال كونانت بمثل هذه الأحكام التقييمية؛ إذ يشير إلى ألبير كامو Albert Camus (1960–1913) بوصفه فيلسوفًا ضئيل الشأن نسبًّيًا، ويتحدث عن سيرة ويلارد فان أورمان

كواين الذاتية W. V. O. Quine (2000–1908) بوصفها لا تمنح القارئ سوى لمحات سطحية طوال الوقت، ويؤكد: "بمعايير أيّ شخص ذي بصيرة ناقدة، ينبغي الحكم على معظم محاولات كتابة

السيرة الفلسفية بالفشل". ويؤيد رأي إرنست بلوخ Ernst Bloch (1977–1885) بأن من يعجز عن تمييز الفرق بين نوتة موسيقية وأخرى في كورال باخ ليس موسيقًّيًا، مضيفًا تعقيبًا لاذعًا "ثمة الكثير من

المهن الشريفة، صناعة الأحذية على سبيل المثال". يوضح مونك، كاتب سيرة فتجنشتين، وجهة نظر مختلفة بعض الشيء حول السيرة الفلسفية، لكنها تظلّ مدينة أيضًا للآراء الفلسفية لفتجنشتين المتأخر. ويرى أن هناك غاية فلسفية واضحة لكتابة سيرة الفلاسفة، كما أن طريقة القيام بذلك واضحة أيضًا. فالسيرة تساعد المرء على فهم "النبرة" التي يقال بها شيء ما، كما أن الحقائق الشخصية عن المتحدث تسهم في فهم ما يقال. وفي مثال بسيط، يوضح مونك أن صيغة التعجب "هناك فأر تحت الكرسي" ستُفهم على نحو مختلف تمامًا إذا كانت النبرة

للبهجة أو للرعب. وقد اعتقد مونك أن كثيرًا مما قاله فتجنشتين بالفعل في أعماله قد فهمه الفلاسفة

الذين اشتبكوا معه على نحو خاطئ، وأنه "من خلال إدراك العلاقات بين اشتغالاته الروحية والثقافية وعمله الفلسفي، ربما يكون المرء قادرًا على قراءة هذا العمل بالروح التي أريد له بها". وإضافة إلى ذلك، فإن الطريقة التي يرى بها مونك وجوب كتابة السيرة الذاتية تدين بالكثير لفتجنشتين؛ فهي نشاط "غير نظري"، ينطوي على العرض بدلًا من الزعم؛ [حيث يورد]، "وكما هو حال فلسفة فتجنشتين

(6) Conant, p. 37. (7) Ibid., p. 35. (8) Ibid., p. 47. (9) Ibid., p. 40. (10) Ibid., p. 41. (11) Ray Monk, "Philosophical Biography: The Very Idea," in: Klagge (ed.), p. 4. (12) Ibid., p. 5.

المتأخر، أن السيرة وصفية وليست تفسيرية، وهذا يعني أن قيمتها التوضيحية معرّضة دائمًا لأن تظل

مراوغة ويساء فهمها". ويستشهد مونك بالسيرة التي كتبها سارتر لشارل بودلير Charles Baudelaire (1867–1821) مث لًا على السيرة التي تصرّ على صياغة نظرية معيّنة، تقول للقارئ ما هي شخصية بودلير وكيف ينبغي

فهمها، بدلًا من السماح للقارئ باكتشاف ذلك من خلال الوصف. ومن أجل كتابة سيرة عظيمة حقًا، يقول مونك إنه يلزم قدر معيّن من "تواري الذات" Self–effacement؛ إذ يجب على الكاتب أن

يكفّ عن ممارسة "التنظير البروكروستي" Procrustean Theorizing. ويشبه نوع الفهم المكتسب بهذه الطريقة "خبرة المتذوق" Connoisseurship، فهو لا يتقيّد بسهولة بقواعد أو لغة، ومع ذلك فإنه

يلتقط سمات حقيقية يمكن أن يراها المتذوقون الآخرون. تتشابه هذه المقاربات المتبصرة للسير الفلسفية في الاتفاق مع مقاربة "فتجنشتين المتأخر" لطريقة ممارسة الفلسفة، وهو ما وصفه غلوك بأنه الجزء الأضعف في منجزه الفكري، في حين يراه القائلون به الجزء الأهم على الإطلاق. وقد يعارض المرء هذا المنهج في الفلسفة، ومع ذلك يظل يعتقد بوجود صلة فلسفية وثيقة لسيرة الفلاسفة. ولكن لمَ المعارضة؟ لا تسعى هذه المقاربة إلى تأسيس نظريات أو مذاهب، وإنما تسعى إلى استمالة القارئ بقوتها الوصفية وبداهة ما يُطرح. وثمة ثلاثة أسباب لمعارضتها: أولًا، تنطوي المقاربة العلاجية غير النسقية في الفلسفة على زعم جوهري هائل يستتر في ممارستها، ألا وهو غياب مقاربة بنّاءة وإيجابية قابلة للتطبيق في الفلسفة. فجميع الفلاسفة الكبار للمدونة الفلسفية الذين نظروا إلى أنفسهم على أنهم يصفون الطبيعة العميقة للواقع أو يحددون شروط المعرفة لم يكونوا مخطئين في نظرياتهم فحسب، بل كان المشروع الذي اضطلعوا به خاطئًا في جوهره. لماذا؟ حسنًا، إن تقديم حجة عامة لإثبات ذلك سيتعارض مع الرغبة في عدم تقديم مزاعم إيجابية، ولذلك فإن هذا الخيار غير متاح. وبدلًا منه، ثمة تعامل مجَّزَأ مع كل موقف على حدة، في محاولة لإظهار مدى ضلاله. غير أن هذه المقاربة القائمة على الاعتباطية والارتجال من غير المرجح أن تكون مقنعة لأيّ شخص غير مُقتنع مسبقًا بهذه الرؤية، ولذلك يفتقر الزعم نفسه إلى دعامة حجاجية، فهو مسألة إيمانية، وهو ما قد يفسر تقييم غلوك الدقيق لشعبيته. ثانيًا، يثير هذا الفعل الإيماني ([القائل] بأن كل جهد إيجابي وبَّنَاء في الفلسفة محكوم عليه بالفشل

اقبسم)ام لوح لاؤًاااست  ةفسلفلا يف لاشًااف وأ احًاجن دّعي.ةبسنلاب حاجنلل اسيئر ارًايعم نأ ايّلج ودبيو

إلى شخص مثل كارناب هو "الإجماع"، كما هو الحال في العلوم الفيزيائية. ومن هنا، جاء رفضه للميتافيزيقا المثيرة للجدل، باعتبارها فلسفة زائفة. ومن الواضح أن هذا المعيار قابل للنقاش. وبالمثل، تبدو معايير النجاح في فلسفة فتجنشتين المبكرة قابلة للنقاش أيضًا؛ فالنقاء المطلق الذي اشترطه في

(13) Ibid., p. 5. (14) Ibid., p. 11.

الفلسفة، كما في الحياة، قد رفضه لاحقًا. وإذا كان هذا هو النوع الوحيد المتاح من الفلسفة الإيجابية، فلا بد من أن تكون بدلًا من ذلك علاجًا فلسفًّيًا تفكيكيًا وغير نسقي. لكن ربما قد تكون ثمة أشكال

أخرى من النجاح النسقي، وإن كانت أقل انضباطًا. وبناء عليه، تظل معايير نجاح الفلسفة مفتوحة للنقاش، ولا تجبر المرء على استنتاج أن تاريخ هذا التخصص هو تاريخ من الفشل. أخيرًا، يتمثل أحد دوافع معارضة هذه المقاربة في التناقض الظاهر بين تبنّي هذا الرأي وتدريس

الفلسفة. وقد أدرك فتجنشتين هذا الأمر، وتصارع مع هويته بصفته أستاذًا، حيث نصح طلابه بالعمل في المصانع أو القيام بأعمال مفيدة. ويُدخل دعاةُ فلسفة فتجنشتين العلاجية في الأوساط الأكاديمية طلابَهم، الذين يفتقرون إلى المعرفة الفلسفية، في تخصص يسعون هم أنفسهم بعد ذلك إلى تفكيكه. فلماذا يفعلون ذلك؟ ربما يكون الميل إلى التفكير الفلسفي متأصلًا، ومن ثم يجب الحذر منه. ولكن إذا كان متأصلًا بالفعل، فهذا يدعم رؤيةً إيجابيةً بنّاءة، ربما المقاربة الأرسطية القائمة على الدهشة. ولكن حتى لو كان صحيحًا أن الدافع الفلسفي لا يمكن استئصاله، وأن الرؤية السلبية صحيحة، فلماذا إذًا نسعى إلى إتقانه أو تدريب الآخرين عليه؟ لدى دعاة فلسفة فتجنشتين إجابات جاهزة لهذه التحديات، ولكن بدلًا من الخوض في هذا الجدل، أعتقد أن التمييز الحقيقي بين الآراء الفلسفية الجوهرية والطريقة التي يمارس بها المرء الفلسفة مفيد لفهم قيمة السيرة الفلسفية. ولذلك، أتناول هذا التمييز في القسم التالي، وأبين فيما يلي أن السيرة الذاتية وثيقة الصلة بفهم الطريقة التي يمارس بها المرء الفلسفة وتقييمها. ومن خلال ذلك، أقدم معالجة غير فتجنشتينية؛ أي معالجة تسعى إلى تفسير العلاقة بين الفلسفة والسيرة، وتوضيح العناصر المتضمنة، والبحث عن فهم نظري لهذه العلاقة.

ثالثًا: المقاربة والمضمون

ثمة العديد من السُبل المتباينة لتصُّوُر الفلسفة. فقد يتحدث المرء، في عرض تقديمي نموذجي لطلاب السنة الأولى، عن الحجة المنطقية، والمقدمات، والنتائج، والأطروحات، والتفنيدات، والميتافيزيقا، ونظرية المعرفة، والأخلاق، والمنطق. غير أن ثمة عددًا من الفلاسفة المعترف بهم والذين لا ينسجمون مع هذا التصُّوُر بسهولة، مثل فتجنشتين، وجاك دريدا Jacques Derrida (2004–1930)، وناجارجونا Nagarjuna (نحو 250–150 م)، وسورن كيرككَورد Søren Kierkegaard (1855–1813)، وبليز باسكال Blaise Pascal (1662–1623)، ومن شابههم؛ فهم يرفضون بناء الحجج الصورية والأطروحات والمواقف المقدمة سلفًا. كما توجد تقاليد أو مقاربات كاملة تعمل بمعزل عن بعضها البعض. ولا يزال هناك انقسام كبير بين من يعتبرون أبطالهم الفلسفيين هم هيغل Georg Wilhelm Friedrich Hegel (1831–1770) وهوسرل وهايدغر، وأولئك الذين يفضّلون فريجه ورسل وفتجنشتين. ولا يقتصر هذا الانقسام على من يقرؤه المرء، بل يتعلق أيضًا بغرض الفلسفة، ومناهجها، وأهدافها، وقيمتها، وكيفية ارتباطها بفروع المعرفة الأخرى.

توجد اختلافات حول نقطة الانطلاق الصحيحة للفلسفة. فيرى بعض الباحثين أن نقطة الانطلاق هي العالم المحيط بهم؛ أي التعامل مع الأمور اليومية البسيطة، كما وصفها جون لانجشو أوستن (1960–1911). ويتبنى أرسطو هذه المقاربة، وكذلك كواين (الذي يبدأ من صميم الموضوع In medias res). أما بالنسبة إلى آخرين، فإن وجود هذه الأمور نفسها موضع شك. ولذلك، يعتقد رينيه ديكارت René Descartes (1650–1596) أنه يجب أن يبدأ بمعطيات الوعي وسيلةً لتجاوز الشك الارتيابي. كما أن لدى هوسرل دوافع مماثلة لمقاربته الظاهراتية. في حين يرى آخرون أن اللجوء إلى معطيات الوعي أمر مشكوك فيه في حد ذاته؛ ذلك أن الوصول إلى العقل أقل سهولة وأكثر غموضًا من العالم الذي نتشاركه. فاللغة ظاهرة اجتماعية مشتر ةك، ولذلك ينبغي أن تكون هي نقطة البداية لممارسة الفلسفة. ما يمكن أن يفعله المرء بنقطة الانطلاق هو أيضًا أمر مفتوح للنقاش. أتُعدّ المناهج الفلسفية قبلية a Priori على نحو خالص؛ أي إنها إدراك عقلي محض، أم تؤدي المدخلات التجريبية دورًا فيها؟ وإن كان الأمر كذلك، فكيف تؤدي هذا الدور؟ وهل ثمة فرق بين المنهج الفلسفي والمنهج العلمي؟ يؤكد الفلاسفة الطبيعيون على اتصال الفلسفة بالعلم، في حين يرفض الفلاسفة الإنسانيون ذلك. أينبغي أن تكون الفلسفة نسقية أم يمكن ممارستها على نحو مجَّزَأ؟ ما الأدوار الخاصة بالتحليل والتركيب؟ أتوجد أسس يجب البحث عنها أم أن اتساق الكل Coherence هو ما يضمن الصدق والصحة Validity؟ إن النتائج التي يُتوخى بلوغها من الفلسفة مثيرة للجدل أيضًا: أنسعى إلى الحقيقة أم إلى توضيح المعاني؟ أتوجد معرفة فلسفية أو مجال من الحقائق الفلسفية التي يجب اكتشافها، أم أن مهمة الفلسفة أقرب إلى "الصحة العقلية"؛ إذ تساعد الآخرين في سعيهم وراء الحقيقة؟ لعلّ غاية الفلسفة هي كبح جماح الميل الخاطئ إلى التفلسف، أو توضيح الطريق لمقاربة أخرى للحقيقة، ربما تكون علمية أو لاهوتية. وهذا يثير مسألة علاقة الفلسفة بفروع المعرفة الأخرى؛ أهي ملكة العلوم أم مجرد تابع لها؟ كيف ترتبط بالتاريخ على سبيل المثال؟ أينبغي لنا رفض تاريخ الفلسفة (كما يُنسب إلى فيلسوف برنستون الشهير)، الذي هو في الواقع فرع من التاريخ، أم أن التاريخ جزء لا يتجزأ من الفلسفة على نحو قد لا يكون كذلك بالنسبة إلى الكيمياء على سبيل المثال؟ أينبغي فصل الاعتقاد الديني عن الفلسفة، أم أنه من المشروع البدء بموقف ديني واستخدام الفلسفة لتحسينه؟ كل هذه المسائل – نقطة الانطلاق، والمنهج، والهدف، والعلاقة بفروع المعرفة الأخرى – محل خلاف. ولذلك، يمكن أن يختلف التصور الأساسي للممارسة الفلسفية اختلافًا كبيرًا بين الفلاسفة.

والأمر المهم والمثير للاهتمام في هذا هو الكيفية التي يمكن أن يؤثر بها في ما يبدو أنها خلافات من المستوى الأول. فقد يصبح الخلاف الجدلي البسيط ظاهرًّيًا أكثر تعقيدًا وإشكالية عند النظر إلى

((1(يقصد بذلك غيلبرت هارمان Gilbert Harman (2021–1938)، أستاذ الفلسفة في جامعة برنستون في الفترة 2017–1963، والمعروف بموقفه المعادي لتدريس تاريخ الفلسفة؛ إذ وضع لافتة على باب مكتبه يقول فيها "قل 'لا' لتاريخ الفلسفة". (المترجم)

المواقف الأساسية تجاه طبيعة الفلسفة. وقد قدّمت مث لًا على ذلك في موضع آخر عند التفكير في النقاش بين كارناب وكواين حول التحليلية. وعلى هذا النحو، يمكن أن نضع تمييزًا مفيدًا بين ما يمكن تسميته "مقاربة" ممارسة الفلسفة و"مضمون" الموقف الفلسفي المعَّبّر عنه في تلك المقاربة. وهذا ليس تمييزًا قاطعًا؛ إذ قد يظن المرء أن الآراء حول المقاربة تشكّل مواقف جوهرية غنية بالمضمون؛ كما يلاحظ فتجنشتين: "لا يوجد حد فاصل واضح بين القضايا المنهجية Methodological Propositions والقضايا ضمن منهج Propositions within a Method ". ومع ذلك، أعتقد أن تشبيه فتجنشتين، في كتابه في اليقين، للنهر وضفافه يساعد في توضيح التمييز الذي أحاول وضعه، [إذ يقول]: "قد يُتصَّوّر أن بعض القضايا، في صيغة القضايا التجريبية، قد تصلّبت وأصبحت بمنزلة قنوات لقضايا تجريبية أخرى لم تكن صلبة، بل سائلة؛ وأن هذه العلاقة تتغير بمرور الزمن، حيث تتصلب القضايا السائلة، وتصبح القضايا الصلبة سائلة. ربما تتحول الأساطير مرة أخرى إلى حالة من التدفق، وقد يتغير مجرى الأفكار. لكنّي أميز بين حر ةك المياه في مجرى النهر وتغير المجرى نفسه، مع أنه لا يوجد فصل حاد بينهما". يبدو هذا تمييزًا سياقًّيًا. ويجوز التعامل مع الافتراضات المتعلقة بالمنهج، والأهداف، ونقاط الانطلاق، والعلاقات بوصفها موضوعات للبحث الفلسفي، ولكن دائمًا على نحو نسبي لافتراضات منهجية أخرى. قد يكون ما يبحث فيه المرء والكيفية التي يبحث بها مرنَين بمرور الوقت، ولكن عادةً ما يكون هناك ثبات في المنهج والمقاربة. يجيب بعض الفلاسفة عن سؤال "ما الحقيقة؟" عن طريق النظر إلى استعمالنا للّغة وأمثلة الحديث عن الحقيقة، ويلجأ آخرون إلى روائع الكتب ويناقشون تاريخ تطور المفهوم. وهذا يشير إلى اختلاف واضح في المقاربة. أودّ أن أحاجّ بأن القضايا المتعلقة بالسيرة وثيقة الصلة بالنظر في الأسئلة الخاصة بمقاربة ممارسة الفلسفة؛ فهي ذات صلة من حيث فهم الغرض من المقاربة، وإدراك سبب عمل الفيلسوف بالطريقة

التي يعمل بها. وإضافة إلى ذلك، فإن هناك جانبًا مهمًا يستطيع المرء من خلاله تقييم نجاح مقاربةٍ فلسفية ما انطلاقًا من سيرة الفيلسوف الشخصية. ومع افتراض أهدافه، وقيمه، ومزاجه، وظروفه، هل تناسب المقاربة الفلسفية ما يريد تحقيقه؟ وهل تحقق النجاح فعلًا وفقًا لمعاييره الخاصة؟ وعلى هذا النحو، لا تتصل سيرة الفيلسوف بما يفعله الفيلسوف فحسب، بل تتصل بتقييم مدى نجاح ما يفعله أيضًا.

ينظر ((1:(

Paul O’Grady, "Carnap and Two Dogmas of Empiricism," Philosophy and Phenomenological Research , vol. 59, no. 4 (1999), pp. 1015–1027. (17) Ludwig Wittgenstein, On Certainty (Oxford: Blackwell, 1969), p. 318. (18) Ibid., secs. 96–97.

رابعًا: السيرة الذاتية والمقاربة

من التحركات المألوفة في النقاشات الفلسفية التشكيك في الإطار أو الافتراضات الخاصة بالخصم. ولتوضيح ذلك، يمكن النظر في واحدة من أكثر الحجج التي نوقشت في التراث الفلسفي، وهي حجة توما الأكويني عن "المحرك الذي لا يتحرك" (من كتاب الخلاصة اللاهوتية Ia Summa Theologiae q.2.a.3.). وكثيرًا ما عورضت هذه الحجة [من خلال حجج] من المستوى الأول، إما بوصفها مصادرة

على المطلوب، أو غير صحيحة، أو أنها تقفز قفزة كبيرة في استنتاجها. ويشير المدافعون عن الأكويني إلى أنه يمكن تجنّب كل هذه الاعتراضات إذا فُسرت تفسيرًا صحيحًا في سياق الكتاب، ويستنكرون "العنف

التأويلي" لبعض الانتقادات. ويجب تفسير مفهومَي السببية Causality والتراجع (التسلسل اللانهائي)

Regress تفسيرًا صحيحًا، ويمكن النظر إلى الاستنتاج الذي يبدو مبالَغًا فيه على أنه تعريف اسمي يُفَّصّل

في مناقشات لاحقة، كما يجب التمييز بين "التراجع العرضي" و"التراجع الجوهري"، وتفنيد الأمثلة المضادة لتحليل الحر ةك. ومع ذلك، بعد إنجاز كل هذا الجهد الجدلي، تأتي الحر ةك الأخرى، وهي رفض الإطار الذي تُناقش فيه حجة الأكويني ذاتها، ألا وهو إطار الأرسطية في العصور الوسطى. فربما يتعارض هذا الإطار مع الفيزياء الحديثة، أو يستخدم مفاهيم غائية عفا عليها الزمن، أو يستعين بمفاهيم "الجوهر" و"الماهية" التي باتت مرفوضة. وهذا رفض من المستوى الثاني للحدود والألفاظ التي يُصاغ بها النقاش من المستوى الأول. وإلى جانب هذا النقاش من المستوى الثاني – حول كيفية فهم الفلسفة، وما يُعدّ فلسفة جيدة، وكيفية فهم المنهج والأهداف، والحجة المناسبة – تبرز أهمية الاعتبارات المتعلقة بالسيرة الذاتية. وأودّ أن أقترح طريقة للتفكير في سياق الفيلسوف تسلّط الضوء على ثلاثة عوامل بارزة: أولها السياق الاجتماعي التاريخي، وثانيها السياق الفلسفي، وثالثها السياق الشخصي. ينظر السياق الاجتماعي التاريخي إلى الفيلسوف في بيئته الاجتماعية والتاريخية العامة. وإذا شاء المرء أن يفهم سقراط، مثلًا، فهو في حاجة إلى معرفة شيء عن دولة المدينة اليونانية، والبيئة السياسية، والنظام الطبقي، والحرب البيلوبونيسية. ولفهم الأكويني، يحتاج المرء إلى معرفة أساليب الكتابة الجامعية في العصور الوسطى، والعقيدة المسيحية، والألبيج (الكاثار)، واللاهوت الأوغسطيني. ويزعم المعارضون لهذا الرأي أن الحجة هي الحجة، وأنه يمكن تقييمها وفقًا لقواعد المنطق من دون الحاجة إلى بحث غير ضروري في التاريخ أو المجتمع. ومع ذلك، يتطلب فهم مصطلحات الحجة قدرًا كبيرًا من التمهيد، وتجاهل ذلك يعني في كثير من الأحيان الاشتباك مع "أهداف وهمية"؛

وهي شكوى شائعة ضد نوع معيّن من المناهج التحليلية. وعلى هذا النحو، يعدّ الفيلسوف عضوًا في

مجتمع في حقبة تاريخية معيّنة، وهذا يصبغ طريقة تفكيره في الفلسفة. والافتراضات هي تلك الأمور

التي تعدّ من المسلمات، والتي يوفّرها السياق الاجتماعي التاريخي. وبناء عليه، ثمة طريقة أخرى للتفكير في الفلسفة ترى أنه لا يجب التسليم بشيء، وأن كل شيء قابل للنقاش. لكنّ هذه الطريقة سرعان ما تتحول إلى شكّية مطلقة، أو إلى جمود فكري؛ فبعض الأمور تُفترض دائمًا ضمنًّيًا. وقد

((1(سكان ألبي في جنوب فرنسا من الخارجين على الكنيسة الكاثوليكية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، واعتقدوا أن العالم يسيطر عليه مبدآن هما الخير والشر (المترجم.)

تكون هذه الأمور من أمور الحس المشترك، أو أمور تجريبية بسيطة، مثل سخرية فتجنشتين من فكرة إمكانية سير أيّ شخص على سطح القمر، أو قد تكون استنادًا إلى علوم العصر، من قبيل مثال

الأكويني المتكرر عن دور حرارة الشمس في السببية في العالم "تحت القمري" Sublunar Causality. وهناك أيضًا افتراضات اجتماعية أكثر عمومية، على سبيل المثال، حول دور المرأة، وفي هذا الصدد تُذكَر المقولة الشهيرة في أكسفورد وكامبريدج بشأن من يرتدي السراويل الرجالية في النقاش. ولكل فيلسوف مجموعة من الافتراضات، قد تكون ضمنية أو صريحة، لكن لا بد من الإقرار بها. ويمكن أن تؤثّر العوامل الاجتماعية والتاريخية في الفلاسفة تأثيرًا إيجابًّيًا أو سلبًّيًا. ففي النصف الأول من القرن

العشرين، أيد كارناب بحماس ثقافة علمية عالمية. وفي الوقت نفسه، استنكر فتجنشتين هذه الثقافة وبحث عن أماكن (مثل كونيمارا) لم تتأثر بها نسبًّيًا، ليشعر بقدرة أفضل على التفلسف. يعدّ السياق الفلسفي أضيق نطاقًا، ويشير إلى آراء محددة حول الفلسفة التي يتبنّاها الفيلسوف، وغالبًا

ما ترتبط بتدريبه أو تقاليده أو أساتذته. ومن جوانب هذا السياق "توقّع الفلسفة"؛ أي ما يعتقد المرء أن الفلسفة يمكن أن تنجزه. ويرى بعضهم أنها تتيح إمكانية تقديم حقائق عن الواقع، بل أهم الحقائق وأعمقها. يقول الأكويني إنه حتى الفهم الناقص لهذه الحقائق العميقة يُعدّ مصدرًا لفرح عظيم (كتاب

رسالة إلى الوثنيين , 1.8. Summa Contra Gentiles iucundissimum est"; "). وفي مقابل هذا،

ثمة من يعتقد أن مهمة الفلسفة هي مساعدة الآخرين في سعيهم وراء الحقيقة؛ أي أن تكون أداة مساعدة، لا ملكة للعلوم. ولذلك، فبدلًا من اكتساب حقائق حول الطبيعة العميقة للواقع، توضح الفلسفة مسائل المعرفة والمنطق والمعنى التي قد تنشأ في العلوم. ويقلّل آخرون من تصور الفلسفة إلى حد أنها لا تقدّم حتى آراء جوهرية حول المنطق واللغة والمعرفة، وإنما تبدد الخلافات الزائفة التي تنشأ حول هذه المسائل. ويسعى المتشكّكون من مختلف الأنواع – البيرونيون الكلاسيكيون أو ما بعد الحداثيين – إلى دحض المزاعم الزائفة للمعرفة من دون إثبات مزاعم جديدة بدلًا منها. ويرى بعضهم أن على الفلسفة أن تتخلى عن مزاعمها للمعرفة لصالح تخصصات أخرى، ربما للعلوم الطبيعية، أو العلوم الاجتماعية، أو اللاهوت، أو الحدس الصوفي. ويقودنا هذا إلى جانب آخر من السياق الفلسفي، ألا وهو "شريك الحوار". فمن نراه جديرًا بالتحدث

إليه يحدد الطريقة التي نمارس بها الفلسفة. فإذا كان الأشخاص الرئيسون الذين نتحدث إليهم هم علماء، مثلًا، فإن مناهجهم وأهدافهم ستؤدي دورًا مهمًا في كيفية ممارستنا للفلسفة. وتؤدي قضايا

مثل الإجماع، وقابلية التكرار، ومعرفة الخبراء أدوارًا مهمة في العلم. ومن هنا، ينبع قلق بعض الفلاسفة

من غياب الإجماع في الفلسفة، وهو ما أشار إليه كانط ب "الفضيحة". وعلى نحو مماثل، كان اعتراض كارناب الرئيس على الفلسفة التقليدية هو الافتقار إلى إجراء واضح لاتخاذ القرارات. وإذا كان العلم هو الفيزياء الرياضية، فإن إضفاء الطابع الصوري على الفلسفة يصبح مهمًا، وهذا أقل أهمية بالنسبة

إلى أولئك الذين يتعاملون مع العلوم البيولوجية. ويبقى السؤال مطروحًا على مصراعيه حول مدى

تأثير المعطيات التجريبية في الفلسفة. وتتخذ الصورة منحى مختلفًا حين يكون "شريك الحوار" هو

(20) Wittgenstein, On Certainty , sec. 286.

الدين، سواء أكان المسيحية، أم اليهودية، أم الإسلام، أم دينًا غير توحيدي. ويمكن أن تُشكّل السياسة أيضًا الأمور بطريقة مختلفة. فالماركسية لا تسعى إلى تفسير العالم، بل إلى تغييره. ويجادل المهتمون

بالبيئة ضد ما يرونه هدرًا غير مُجدٍ للطاقة في مساعٍيعدّونها أقل أهمية، في وقتٍ تشهد فيه البيئة تدهورًا متسارعًا. ويرى ريتشارد رورتي Richard Rorty (2007–1931) أساس فلسفته التنويرية في التزامه بالديمقراطية الليبرالية. ولذلك، يحدد السياق الفلسفي؛ أي مجموعة العوامل التي تشكّل تصور المرء لمهمة الفلسفة وقيمتها ومنهجها، جليًا الطريقة التي يمارَس بها التفلسف. ولا يكون هذا عادة واضحًا

من النصوص المكتوبة، وإنما يُجمع من معلومات السيرة الذاتية. وأخيرًا، هناك السياق الشخصي؛ أي قيم الفلاسفة ومزاجهم. وتشير القيم إلى نطاق من التفضيلات أوسع

من القضايا الأخلاقية. وفي هذا السياق، تتعلق الفلسفة بما يجده الفيلسوف مهمًا وخليقًا بالبحث. غير أن التحدي الذي يواجه بعض أنواع الفلسفة التحليلية هو ضيق تركيزها. فعلى سبيل المثال، قد

تكون مسألةٌ اختصاصية في فلسفة اللغة محور اهتمامٍمستمر لفيلسوف لا يولي اهتمامًا كبيرًا للقضايا

الكبرى. ويُنظر إلى هذا على أنه ذو قيمة في حد ذاته. لماذا؟ حسنًا، يفضّل هذا التقليد الدراسات الدقيقة والمحكمة، ويقدّرها أكثر من الاهتمامات الأوسع. بينما لا يشارك آخرون هذا الشعور بالقيمة، ويجدون صعوبة في إدراك جدوى مثل هذه الدراسات. قد تُبذل محاولات لربط قضية محددة بقضايا أوسع، وقد لا يُصار إلى ذلك، تبعًا لمفهوم الفلسفة وما يعدّ ذا قيمة. فقد يكون [الاهتمام] منصبًا على

الدقة الاختصاصية والتركيز التحليلي، أو متجهًا نحو اهتمام أوسع بمعنى الحياة. وغالبًا ما يُفاجأ الناس

خارج مجال الفلسفة بقلة اهتمام الفلاسفة بالقضايا الوجودية الكبرى، في ظل تركيزهم الأكاديمي على المسائل الاختصاصية. وربما يُمكن قول شيء هنا حول الدراسة الاجتماعية للبحث الجامعي ومكانة العلوم الفيزيائية. ويلاحظ سكوت سومز (1945–) أن الفلسفة التحليلية المعاصرة "أصبحت مجموعة من البحوث المترابطة، ولكنها شبه مستقلة، شأنها في ذلك شأن التخصصات الأكاديمية الأخرى"، ويضيف "انتهى زمن الشخصيات المركزية الكبيرة، التي كانت أعمالها متاحة ويقرؤها كل الفلاسفة التحليليين. لقد أصبحت الفلسفة تخصصًا دقيقًا جدًا، يمارسه متخصصون في المقام الأول لمتخصصين آخرين". ويعلق ألسدير ماكنتاير Alasdair MacIntyre (2025–1929) على هذا بقوله: "صار تفتت البحث والفهم أمرًا مسلّمًا به"، وهي خطوة يعارضها على أساس مجموعة

مختلفة من القيم؛ إذ إن ما يعدّه المرء مهمًا يشكّل فلسفته. ويقودنا ذلك إلى التفكير في "المزاج" Temperament، بوصفه مج لًا للاهتمامات والتفضيلات والميول الفردية؛ إذ يسهم في تحديد ما يراه المرء جديرًا بالبحث، وما يعدّ من الأسئلة المهمة. وفي

هذا السياق، يشير ريتشارد فولي (1947–)، في دراسته عن الاختلافات بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، إلى أن: "الأسئلة في العلوم الإنسانية غالبًا ما لا تقبل إجابات قاطعة، بل تظل أسئلة مفتوحة،

(21) Scott Soames, The Analytic Tradition in Philosophy, vol. 2: The Age of Meaning (Princeton: Princeton University Press, 2003), p. 463. (22) Alasdair MacIntyre, God, Philosophy, Universities (London: Rowman and Littlefield, 2009), p. 18.

يتعين على مختلف العصور والثقافات والأفراد صياغة إجابات مناسبة لظروفهم". ومن ثمّ، يحرك المزاج الاهتمام الكامن وراء هذه التساؤلات، ويحدد أيضًا طرق الإجابة عنها. وقد أشار كثير من الفلاسفة في الماضي إلى دوره في ممارسة الفلسفة، مثل وليام جيمس William James –1842(1910) ويوهان غوتليب فيشته Johann Gottlieb Fichte (1814–1762). ولا يتعلق الأمر بردّ أهمية أو قيمة أو حتى حقيقة موقف فلسفي إلى مزاج صاحبه، بل يتعلق بالأحرى بالكيفية التي يؤدي بها المزاج دورًا في طريقة تطوير هذه المواقف. توفّر هذه السياقات مجتمعةً مدخلًا لفهم الكيفية التي يعمل بها الفلاسفة، وأهدافهم وغاياتهم، وكيف تنعكس في فلسفاتهم. ويمكن توضيح ذلك من خلال النظر إلى عمل كارناب في الفلسفة الصورية وتطويره للأطر اللغوية؛ إذ تأثر إلى حد بعيد بإعجابه بالعلوم الفيزيائية ومناهجها (السياق الاجتماعي التاريخي)، وكان أساتذته من الفلاسفة معجبين أيضًا بالفلسفة العلمية، وكان شركاؤه في الحوار من علماء الفيزياء والرياضيات والمناطقة (السياق الفلسفي). وإلى جانب ذلك، أسهم نفوره الشخصي من النقاش الفلسفي التقليدي ونزعته السلمية في تبنّيه موقفًا متسامحًا تجاه مجموعة متنوعة من صيغ اللغة

(السياق الشخصي). وقد تفاعل فتجنشتين ضد البيئة الاجتماعية التاريخية نفسها، رافضًا تأثير العلم في الفلسفة. وعارض الفلسفة العلمية عند رسل، وأثار استياء حلقة فيينا بإعجابه بليو تولستوي Leo Tolstoy (1910–1828)، وروبندرونات طاغور (1941–1861)، وأوغسطين (0–35443 م)، وغيرهم من الشخصيات ذات التوجه الديني. وكانت قيمه ومزاجه مختلفَين تمامًا عن قيم كارناب ومزاجه. وعلى

الرغم من إمكانية قراءة كتابي البنية المنطقية للعالمورسالة منطقية فلسفية من دون معرفة شيء عن الفيلسوفين اللذين ألّفاهما، فإن هذه المقاربة تفضي إلى فهم قاصر على نحو خطير لهذين العملين، وإلى تفسيرات قد يخفق المؤلفان في إدراكها. ويتيح لنا فهم الظروف الاجتماعية والتاريخية، والسياق الفلسفي المباشر، والقيم والتفضيلات الشخصية مجتمعة، تطوير تقييمات أعمق للأعمال الفلسفية. وهذه طريقة جادة ترتبط بها السيرة الذاتية بالفلسفة.

خاتمة

بعد رفضي ل "النزعة الردية" و"نزعة التقسيم"، وكذلك الإجابة الفتجنشتينية التي طرحها مونك وكونانت، اقترحتُ في هذه الدراسة طريقة مختلفة للتفكير في دور السيرة الذاتية. فبدلًا من الإسهام المباشر في المناقشات من المستوى الأول First–order Debates، فإنها تسهم عوضًا عن ذلك في الخلفية أو التصور الفلسفي من المستوى الثاني، والذي يشكّل كيفية إدارة تلك المناقشات من المستوى الأول. [وهنا يبرز السؤال]، ما فائدة هذه الدراسة؟ أولًا، تقدّم الدراسة طريقة للتفكير في الفلاسفة أو الأنساق الفلسفية تحترمهم وفقًا لشروطهم الخاصة ولا تسعى إلى حصرهم أو اختزالهم في نموذج قسري (بروكرستي). فهذه الطريقة تحترم خصوصيات

(23) Richard Foley, "The Epistemologies of the Humanities and the Sciences," in: Stephen R. Grimm (ed.), Varieties of Understanding (Oxford: Oxford University Press, 2019), p. 62.

أسلوب العرض، وتراعي السياقات الواسعة التي ترفد العمل، وتعتبر "المقاربة" جزءًا لا يتجزأ من

المضمون. ثانيًا، تتيح المقارنةَ بين عدد من المقاربات المختلفة، لوجود عامل مشترك في كل حالة،

ألا وهو شخص الفيلسوف وكيفية ارتباط فلسفته بأهدافه وقيمه وطموحاته، ولا يمكن تحقيق هذا إلا بمعرفة سيرة الفيلسوف. ثالثًا، تقترح نمطًا جديدًا لتقييم النصوص الفلسفية: هل تنجح الفلسفة وفقًا للمعايير التي وضعها الفيلسوف؟ وهل تسهم في تحقيق أهدافه؟ يمكن استكشاف هذه الأهداف من خلال دراسة سياق السيرة الذاتية للكاتب. وأخيرًا، تقدّم إطارًا للتأمل الذاتي لنا نحن الممارسين

المعاصرين [للتفلسف]. لماذا نمارس الفلسفة بالطريقة التي نمارسها؟ من هم أبطالنا وبطلاتنا؟ ما القضايا التي تحفّزنا وتستثير حماسنا؟ ومع افتراض تنوع الخيارات المتاحة، هل يمكننا تقديم تسويغ منطقي للاختيارات الكامنة في ممارساتنا؟ يبدو في واقع الأمر أن كثيرين منا يتبنّون طريقةً في التفلسف

لم تخضع للتأمل على نحو وافٍ، بل هي نتاج للتعليم وعوامل عرضية مثل الاهتمامات السائدة، والموضات، وفرص التمويل. وإذا أخذنا في الحسبان أن الفلسفة نشاط إنساني يبتكره أشخاص، فإن النظر في الطريقة التي يتفاعل بها الشخص مع الفلسفة من شأنه أن يعمّق فهمنا لما نقوم به بوصفنا

فلاسفة.

المراجع References

Glock, Hans–Johann. A Wittgenstein Dictionary. Oxford: Blackwell, 1996. Grimm, Stephen R. (ed.). Varieties of Understanding. Oxford: Oxford University Press,

Klagge, James C. (ed.). Wittgenstein: Biography and Philosophy. Cambridge: Cambridge University Press, 2001. MacIntyre, Alasdair. God, Philosophy, Universities. London: Rowman and Littlefield,

Monk, Ray. Ludwig Wittgenstein: The Duty of Genius. London: Jonathan Cape, 1990. O’Grady, Paul. "Carnap and Two Dogmas of Empiricism." Philosophy and Phenomenological Research. vol. 59, no. 4 (1999). Soames, Scott. The Analytic Tradition in Philosophy, vol. 2: The Age of Meaning. Princeton: Princeton University Press, 2003. Wittgenstein, Ludwig. On Certainty. Oxford: Blackwell, 1969. ________. Culture and Value. Chicago: University of Chicago Press, 1980.