Return to Article Details The Political in the Ethics of Emmanuel Levinas

مراجعة كتاب السياسيّ في إتيقا إمانويل ليفيناس لسامي الغابري

The Political in the Ethics of Emmanuel Levinas By Semi Al–Ghebri

عُمَر بدري *

Omar Badri *

الملخّص

عنوان الكتاب : السياسيّ في إتيقا إمانويل ليفيناس. المؤلّف سامي الغابري. الناشر : مخبر فيلياس بجامعة صفاقس/ مجمع الأطرش للكتاب المختصّ بتونس. سنة النشر : 2026. عدد الصفحات : 227.

Abstract

Professor of the modern and contemporary philosophy, Department of Philosophy, University Tunis–Almanar. Email: badriomar25@yahoo.fr

الكلمات المفتاحية:
  • الفلسفة السياسية
  • الفلسفة الأخلاقية
  • مفهوم السياسة
  • الفلسفة الفرنسية
  • إيمانويل ليفيناس
Keywords:
  • Levinas
  • Political Philosophy
  • The Political
  • Moral philosophy
  • French Philosophy

عنوان الكتاب: المؤلّف:

سامي الغابري. الناشر: بتونس. سنة النشر: عدد الصفحات:

السياسيّ في إتيقا إمانويل ليفيناس. مخبر فيلياس بجامعة صفاقس/ مجمع الأطرش للكتاب المختصّ

مقدمة

تَفتح آثار الفيلسوف الفرنسي إمانويل ليفيناس آفاقًا مهمّة للبحث في قضايا لازمت الفلسفة منذ محطّاتها الأولى، ولا تزال تؤثّر اليوم على الصعيدي النظرية والواقع، من قبيل مسائل الذات والغيرية والوعي والحرية والمسؤولية والحرب والسلم والعنف والتواصل. وتأتي أهمّية كتاب السياسيّ في إتيقا إمانويل ليفيناسفي سياق تطرّقه إلى المضمون السياسي

للإتيقا الليفيناسية، مع ما يرتبط بذلك من تعميقٍ للنظر في صلة فلسفة ليفيناس المفترضة بقضايا الدولة والنظام السياسي وطبيعة الحكم، وفي صلتها المعضلية بمضامين قومية وأيديولوجية تفجّر بداهة التماسك المعلَن بين الإتيقي الإنساني والأيديولوجي العنيف أيضًا. وذاك خيارٌ خاص قد انتهجه المؤلّف في قراءة ليفيناس، يمكن أن يُعدّ تجديدًا مميّزًا في الدراسات الليفيناسية العربية. يُنظَر عادةً إلى فلسفة ليفيناس باعتبارها تمثّل سياقًا فكرًّيًا أصيلًا تكوّن في سياق المدرسة الفينومينولوجية الألمانية (إدموند هوسرل Edmund Husserl، 1938–1859، ومارتن هايدغر Martin Heidegger، 1967–1889)، وتبلور داخل الحوار مع تيارات الأدب الروسي (فيودور دوستويفسكي، 1881–1821، وألكسندر بوشكين،

(((إمانويل ليفيناس (1995–1906) فيلسوف فرنسي من أصول ليتوانية، اشتهر بجهده البارز في إقحام الفلسفة الفينومينولوجية في الوسط الفرنسي، وبفلسفته الإتيقية التي تعيد تنزيل مسألة الغيرية وتأهيلها في ضوء تفكيك صارم للبنية الشمولية المتعلقة بالفكر الأنطولوجي الغربي. ترك آثارًا مهمّة ألّفها على مدى ستة

عقود (1990–1930) شاهدة على نشاطه في التدريس والتأليف،

مثل اكتشاف الوجود مع هوسرل وهايدغر والكلّية واللانهائي

وآخر الكينونة أو ما وراء الماهية والحرّية الصعبة.

1837–1799)، ومع نصوص التراث الديني اليهودي. ولذلك، تعدّدت الضروب والوجهات التي جرَت من خلالها مقاربة فكر ليفيناس واستقباله، سواء كان ذلك في الأدبيات الفرنسية أو في مستوى الدراسات العربية المتخصّصة فيه؛ إذ يمكن أن نرصدَ على الأقلّ ثلاث وجهات قد ذهب فيها تلقّي فلسفة ليفيناس عمومًا، وهي التلقّي الفينومينولوجي، والاستقبال الإتيقي، والقراءة الثيولوجية في ضوء فلسفة الدين: يقع التركيز في التلقّي الفينومينولوجي على العلاقة الأكيدة التي عقدت في عشرينيات القرن العشرين بين ليفيناس الشاب وكل من هوسرل وهايدغر، تتلمذًا وترجمةً. والاعتماد على هذا المعطى، يجعل ليفيناس وريثًا كبيرًا للفينومينولوجيا وممهّدًا لاختبار منهجها ومقولاتها في فرنسا، بناءً على إقدامه – عَقبَ متابعته دروس هوسرل في فرايبورغ (بين صيف 1928 وشتاء /1928 1929) – على إنجاز أطروحة موضوعها هوسرل، وترجمته كتاب التأّملّات الديكارتية، في مطلع الثلاثينيات. وقد بقيت شهادات ليفيناس متواترةً على أهمّية المنهج الفينومينولوجي بالنسبة إليه، وذلك إلى حدود أطروحة عام 1961، التي كانت في سياق عنوان الكلّية واللانهائي؛ إذ أقرّ بأن فلسفته الإتيقية إنما تتّخذ من آلية النظر الفينومينولوجي أساسًا منهجيّا مميّزًا لها.

(2) Emmanuel Levinas, La théorie de l’intuition dans la phénoménologie de Husserl (Paris: Alcan, 1930). (3) Edmund. Husserl, Méditations cartésiennes. Introduction à la phénoménologie , traduit de l’allemand par E. Levinas & G. Peiffer (Paris: Vrin, 1931). (4) Emmanuel Levinas, Totalité et Infini: Essai sur l’extériorité (La Haye: M. Nijhoff, 1961), p. 12.

أما الاستقبال الإتيقي، فهو مبنيّ على اعتبار أّن

كتابات ليفيناس الأولى، على مدى ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته، ليست إّلا طورًا تكوينًّيًا وتحضيرًّيًا يُمهّد لظهور مرحلة النضج الفكري لليفيناس، وهو ما كشفت عنه كتاباته الأساسية من قبيل مؤلّف الكلّية واللانهائي (1961) وآخر الكينونة (1974)؛ إذ يفترض أنّ هذه الكتابات تشهد باستقلال الشخصية الفكرية للفيلسوف، وأنه يجب الاعتماد عليها لفهم إشكاليّته المركزية التي تتمثّل في المحور الإتيقي، استبد لًا لفكر الكينونة الأنطولوجي بإتيقا الغيرية الميتافيزيقية واستعاضةً عن الذاتية الواعية والحرّة بذاتية راعية وحارسة للوجه الآخر. وأما التلقّي الثيولوجي، فهو صيغة مخصوصة في قراءة إتيقا ليفيناس في ضوء قراءاته التفسيرية لنصوص التوراة والتلمود، على أساس أنّ مَشغلَ فلسفته يتعدّى الحوار مع الفينومينولوجيا، ويتجاوز مستوى نقد النظام الأنطولوجي، ليتمظهر تأسيسًا للإتيقا من خلال استنطاق النص الديني، بمعنى التركيز على إخفاق الأنطولوجيا الغربية في توليد سؤال الغيرية، ومن ثمّة اجتهاد ليفيناس في تنشيط هذا السؤال من

داخل تراث آخر موازٍ؛ هو التراث العبراني. تبرز هذه الأشكال المتنوعة في قراءة الأثر الليفيناسي، بلا شك، الهوية المتعدّدة لفيلسوف الإتيقا، وهو تعدّدٌ لا يعدم مع ذلك ثراء هذه

(((لقد اعتبر دومينيك جانيكو نص الكلّية واللانهائيبمنزلة "أوّل أثر في الفلسفة الفرنسية يضطلع بتجذير المنعرج الثيولوجي

لتيّار الفينومينولوجيا". ينظر:

Dominique Janicaud, Le tournant théologique de la phénoménologie française (Paris: L’Eclat, 1991), p. 26.

الفلسفة وتنوّع مداخلها. ومن هنا، تأتي قيمة كتاب السياسي في إتيقا إمانويل ليفيناسالذي نروم قراءته؛ إذ الطريف في هذا المؤلّف أنه لا ينخرط كثيرًا في السجال السائد بخصوص هوية ليفيناس، أكان فينومينولوجيًا، أم مفكّرًا ما بعد هوسرليّا، أم مفكّرًا يهوديّا قارئًا للتراث التلمودي، بل هو يسلك منحى قلّما ذهبت فيه دراسات المتخصصّين في هذا الشأن، وهو البحث في العلاقات البنيوية الصريحة والمضمرة بين الإتيقا والسياسة، متّخذًا من السؤال عن السياسي، على هذا النحو، سبيلًا هاديًا إلى الرهانات الحقيقية لفلسفة ليفيناس. والحقيقة أنّ هذا الخيار الخاص الذي أراده سامي الغابري في التفكير مع/ ضدّ ليفيناس قد يتحوّل، أيضًا، إلى صيغة أخرى مغايرة في تلقّي آثار هذا الفيلسوف، صيغة تتّخذ من مسألة السياسي مدخلًا مميّزًا لها، وهو أمرٌ يكاد يكون غائبًا في سياق الدراسات العربية. وحتى الدراسات

الليفيناسية

(((كنّا قد خضنا، أيضًا، في هذا السجال الدائر حول إمكانية

التفكير في وحدة ممكنة لفكر ليفيناس في ما وراء تعدّد الوجوه

ذاك، وذلك بأن شدّدنا على قراءة تعتني بالأطوار والمنعطفات

الحادثة ضمن تلك الوحدة عينها، فهي وحدة تطوّرية مفتوحة تبنى

على منعرجَين حاسمين في مسار تفكير ليفيناس: المنعرج الإتيقي

للفينومينولوجيا؛ والمنعرج الثيولوجي للإتيقا. ينظر: عمَر بدري،

إمانويل ليفيناس نصوص مختارة: المنعرج الإتيقي للفينومنولوجيا (صفاقس: علاء الدين للنشر، 2012)، ص.36–11 (((من بين أهمّ الدّراسات العربية التي تشتغل بالأبعاد العملية

لفلسفة ليفيناس، يمكن أن نذكرَ: رشيد بوطيّب، نقد الحرية مدخل

إلى فلسفة إمانويل ليفيناس (بيروت: منشورات ضفاف؛ الجزائر: منشورات الاختلاف، 2018) التي ركّز فيها على الطاقة النقدية

التي ميّزت قراءة ليفيناس لكل من هوسرل وهايدغر، وعلى

الطريقة التي أعاد من خلالها ليفيناس مقاربة قضايا الحرية والحرب والسّلم. غير أنّ هذه الدراسة لم تخلص على نحو واضح

إلى مساءلة الخلفية السياسية والأيديولوجية للفكر الإتيقي.

الفرنسية، لا يتخطّى معظمها – حين معالجته البعد السياسي لفلسفة ليفيناس – مستوى التفسير والتبرير، من دون أن يتعلّق السؤال بإمكانية تورّط المشروع الإتيقي في خدمة أغراض أيديولوجية تتعارض من جهة المبدأ مع قواعد الإتيقا.

أولا: بنية الكتاب ومنهجه

يشتمل الكتاب على خمسة فصول ومقدمة وخاتمة وقائمة بيبليوغرافيا في المصادر والمراجع، وفيه يشدّد المؤلّف، بدايةً من المقدمة، على ضرورة قراءة فصول الكتاب المتسلسلة من جهة لكونها تعكس مسارَ بناء المشكلة الرئيسة وتبلورها بوضوح؛ ذلك أنّ التفكير في سياسي

الإتيقا Le politique de l’éthique؛ أي الأمر

السياسي الذي تتضمّنه الإتيقا الليفيناسية، قد حتّم على المؤلّف أن يفرّع إشكالية الكتاب وفقًا

الإتيقي.

لخطاطة تتسلسل فيها الفصول بطريقة تخدم تطوّرَ المشكلة وتعمّقَها. ووفقًا للمسار الذي اختاره المؤلّف، فإنّ الفصول الخمسة قد أتت مناسبات متتابعة لبحث السياسي المتضمّن في الإتيقا، في ضوء امتحان الطاقة السياسية التي تحملها أربعة مفاهيم ليفيناسية أساسية: المسؤولية والعدالة والسلم والضيافة.

(((كثيرةٌ هي الأبحاث المنصبّة على فلسفة ليفيناس عمومًا،

وعلى جوانبها العملية والسياسية خصوصًا، والطابع الغالب

عليها هو البعد التحليلي والتفسيري الذي لا يمتدّ إلى المكوّن

الأيديولوجي والعنصر القومي اليهودي المتخلّل النظرية

الإتيقية، ويمكن أن نذكرَ منها على سبيل المثال:

Catherine Chalier, La trace de l’infini: Emmanuel Levinas et la source hébraïque (Paris: Cerf, 2002); Miguel Abensour, Emmanuel Levinas, l’intrigue de l’humain: Entre métapolitique et politique (Paris: Hermann, 2012).

وينطلق المؤلّف من إقرار فرضية ينبّه فيها إلى

خصوصية عمله وتفرّد الاتجاه البحثي الذي يذهب فيه. فقد اختار بحث "السياسي في الإتيقا"، بدلًا من الفلسفة السياسية عند ليفيناس، وهو اختيارٌ يبرّره بالإشارة إلى أنّه لا وجود لسياسة صريحة عند هذا

الفيلسوف، ولا وجود عنده أيضًا لتساوق، أو توازٍ، بين الإتيقا والسياسة، بل يرى أنّ هناك علاقة تضمّن فحسب؛ أي سياسة ضمنية في الإتيقا: "هناك شيء سياسي حاضر في الإتيقا، هناك سياسة لم يكتبها ليفيناس أو أراد أن لا يكتبها، يتعيّن إظهارها وبناء

حوار حولها" (ص. 9). ومن أجل الدفاع عن هذا الخيار، يعتمد المؤلّف على ركيزة نظرية تدعم فرضيّته يسمّيها ليفيناس نفسه "الحضور الفجائي

للطّرف الثالث داخل العلاقة بين الأنا والآخر"، بمعنى أنّ لحظة حدوث الطرف الثالث، هي عينها لحظة الوعي بالشيء السياسي الذي يتخلّل الفعل

لم يكن ليفيناس إذًا – في ما يرى المؤلّف – فيلسوفًا سياسيّا. ومع ذلك، يبقى مشروعه الإتيقي منبثقًا من خلفيّات سياسية، وحاملًا رؤى سياسية؛ إذ لو

اتّفق أنه "لا وجود لفلسفة سياسية واضحة المعالم عند ليفيناس"، فإنه "من المؤكّد وجود آراء سياسية تثبت جدارة الاهتمام بالمسألة" (ص. 10). ومن أجل الإيفاء بمطلوب هذه الفرضية، ينبّه المؤلّف

إلى مسألة المنهج وقضية القراءة، وهي مسألة استغرق في بحثها ثلاث صفحات من المقدمة (ص 15–13). فبناءً على خصوصية المبحث

السياسيّ وحساسيته الفائقة عند ليفيناس،

(((إيمانويل لفيناس، الكلّية واللامتناهي: بحث في البرّانية،

ترجمة وتقديم وتعليق عبد العزيز بومسهولي (المملكة العربية السعودية: صفحة 7 للنشر، 2021)، ص.73

يشترط المؤلّف أنّه "لا بدّ من منهج مرنٍ يحقّق مطلب الفهم والتفسير ويتلاءم مع خصوصية البحث ليجعل تلقّي فلسفة ليفيناس أمرًا ممكنًا ووجيها"  (ص. 14). ويبنى هذا المنهج، كما يحدّده المؤلّف، على التحليل من جهة، والتأويل من جهة أخرى. ويفترض التحليل الاعتماد على نصوص ليفيناس ومتابعة تولّد أفكاره، حتى ينشدّ البحث إلى "ما يقوله ليفيناس"، وليس إلى "ما يقال عنه"؛ وذلك ل "نتحرّر من وصاية القرّاء الذين لدى بعضهم مآرب أخرى، وليكون النصّ الأصلي حجّة في حال تباين القراءات أو تناقضها" (ص. 14). أمّا الحاجة إلى التأويل، فنابعة من المنزلة المضمرة التي يشغلها سؤال السياسيّ ضمن الفلسفة الإتيقية، وهو ما دفع

المؤلّف إلى تحديد مجالين أساسيّين تَعمَل

فيهما الآلية التأويلية: أولًا استنطاق المدلول السياسي الذي تحمله المفاهيم الإتيقية، وثانيًا

"تأويل عدم اهتمام ليفيناس نفسه بالسياسة، قياسًا إلى اهتمامه الواسع بالإتيقا، للنظر في فرضية تعمّده إظهار نوع من اللامبالاة والصمت تجاه المسألة السياسية" (ص  15 الطريقة،). وبهذه يشدّد المؤلّف على أهمّية انضباطه في هذا المنهج التحليلي التأويلي الذي لا يقفز على قيمة النظرية الإتيقية، فيسقط هكذا في تبنّي أحكام مسبقة، تكذّبها القراءة المتأنّية، مثلما لا يغفل في الوقت نفسه عن تصوّرات ليفيناس ومواقفه السياسية التي تتخفّى وراء نظام فلسفته الإتيقية.

ثانيًا: عرض أهمّ أفكار المؤلّف

في الفصل الأوّل من فصول الكتاب الخمسة، تحت عنوان "الإتيقا وتقاطعاتها"، يَعرض المؤلّف

خلاصة نقد ليفيناس للأنطولوجيا وطريقة تفكيكه فكر "الهو هو" La pensée du même، أو فكر الماهية الذي هيمن على الفلسفة الغربية، على

اعتبار أنّ هذه الفلسفة "قد مثّلت دومًا فلسفة تماهٍ، فهي فلسفة إمبريالية"، لا تعترف بمقام الغيرية. وفي أفضل الأحوال التي تطرّقت فيها الفلسفة الغربية إلى مسألة الغير عبر محطّات مختلفة؛ مثل أفلاطون (427 ق. م 347–. ق. م.) في السفسطائي؛ أو فريدريش هيغل) 1831–1770(في فينومينولوجيا الروح؛ أو هوسرل في التأملات الديكارتية؛ أو هايدغر في الكينونة والزمان، عملت على احتواء مسألة الغير واستيعابها ضمن منطقها الداخلي حيث فكر الكينونة هو الفكر النموذجي المهيمن. لذلك، يعرض المؤلّف حصيلة هذا النقد، ليَخلص إلى استكشاف أنّ ليفيناس قد

عثر على سندٍ نظري للإتيقا من خارج منطق الأنطولوجيا الغربية؛ أي في سياق الثيولوجيا اليهودية. بمعنى آخر، رصد المؤلّف كيفية تحوّل ليفيناس، انطلاقًا من نقده الفكر الأنطولوجي نحو السياق الثيولوجي، باعتباره سندًا مرجعيّا للمشروع الإتيقي. أمّا الفصل الثاني "مقوّمات الفعل الإتيقي"، فقد توقّف فيه المؤلّف عند أهمّ العناصر المفهومية المشكّلة للإتيقا: الغيرية الإتيقية التي تنتمي إلى أفق الخارجية L’extériorité، في مقابل الذاتية الواعية ذات الحضور المهيمن، والوجه وما يحمله من طاقة تعبيرية ورمزية، تتجاوز مستويات الإدراك والوجود معًا، والمسؤولية المطلقة بوصفها رابطة إتيقية بين الذات والغير؛

((1(المرجع نفسه، ص.34

أي المسؤولية بما هي صيغة لانهائية في التعلّق

بالآخر، من دون حساباتٍ، ولا انتظارٍ لأيّ مقابل نفعي. وأما الفصل الثالث، "في التمفصل بين الإتيقا والسياسة"، فقد ركّز على تحليل فكرتين محوريّتين يمكن انطلاقًا منهما افتراض وجود

قول ليفيناسي في المسألة السياسية. تتمثّل الفكرة الأولى في ما يشير إليه ليفيناس نفسه من جهة أنّ "العلاقة الميتافيزيقية بين الأنا والآخر إنّما تحتّم تدخّل أطراف ثالثة هي النحن"،

أو الجماعة المتطلّعة إلى الدولة والقوانين والمؤسّسات. وهذا الطّرح الذي يؤكّد العلاقة

بالآخر بوصفها علاقة اجتماعية – ناتجة من التحوّل من الفرديّ إلى الجماعيّ؛ ومن الآخر

إلى الآخرين – إنّما يستثمره المؤلف ليستلهم منه معنى سياسيّا للعلاقة الإتيقية. أمّا الفكرة الثانية

التي ركّز عليها، فهي تشديد ليفيناس على رهن الفعل السياسي بالإحاطة الإتيقية؛ أي المراقبة الإتيقية للسياسيّ من حيث هي ضمانة تمنع

السياسات من أن تتحوّل إلى طغيان وهيمنة. تعميقًا لهذا النظر، أثار المؤلف، في الفصل الرابع "قضايا الإتيقا ومباحث السياسة" جنسًا

من القضايا الليفيناسية هي في الأصل مفاهيم سياسية واجتماعية، مثل الحرّية والتحرّر والعنف

والعدالة والمأسسة والنظام، ليبيّن كيف تحضر

هذه المقولات وتوَّظَف في الفكر الإتيقي، وكيف يمكن أن نتأوّلها بوصفها شواهد وعلامات

واضحة على سياسيّ الإتيقا الذي لا يخضع مع

ذلك لمنطق الفلسفة السياسية، أو علوم السياسة بالمعنى الكلاسيكي؛ ما يدلّ على أنّ سياسيّ

الإتيقا لا يعني تنظيرًا أو تشريعًا للفعل، أو للنظام،

((1(المرجع نفسه، ص.325

بقدر ما هو وجه يكشف حياة الإتيقا، وحركية ما هو مشتركٌ فيها. ولمّا غلَب البعد التحليلي والتأويلي على

أسلوب الكتابة والبحث في الفصول الأربعة، فقد برز البعد النقدي مهيمنًا على الفصل الخامس (الأخير) "الإتيقا السياسية بين الإنساني والأيديولوجي". فقد حاول المؤلّف أن يحدّق في النظرية الإتيقية بعين أخرى، بأن تعرّض نقديّا

لتبعية الإتيقا الليفيناسية للتراث الديني اليهودي، وهو ما يفهَم منه افتراض هيمنة العنصر القومي على المشروع الإتيقي. فالخطر في المسألة هو – كما أشار إليه المؤلّف – لا يتمثّل في ارتباط الفلسفة الإتيقية بمرجعية دينية يهودية فحسب، بل في تورّطها في تمجيد الصهيونية والدفاع عن

"دولة" إسرائيل أيضًا، وهذا ما تثبته فعلًا نصوصٌ

عديدة لليفيناس؛ إذ كيف يمكن القبول بفلسفة إتيقية تجمع بين تأهيل أسئلة الآخر والضيافة وحظر القتل وحراسة الغير، إلى حدّ الاستعداد للاستعاضة عنه حتى في الموت (التضحية بالذات من أجل الآخر)، وتمجيد المشروع الصهيوني والانتصار لثقافة قومية تزعم أفضلية ميتافيزيقية وعرقية لشعب اليهود على حساب الشعوب الأخرى؟ إنّ هذا السؤال قد اعتنى المؤلّف، على نحو جدّي، بتحليل أبعاده عبر الصفحات الأخيرة من كتابه. لذلك، فإنّ إحدى المسائل التي تدعم أهمّية هذا الكتاب تتمثّل في

كونه لم يكتفِ بتحليل تشخيصي لعناصر الفلسفة الليفيناسية عبر استكشاف عناصرها فحسب، بل تعدّى ذلك إلى مستوى التفكير ضدّ ليفيناس

(12) Emmanuel Levinas, Humanisme de l’autre homme (Montpellier: Fata Morgana, 1972), p. 60; E. Levinas, "Politique après!," in: L’au–delà du verset: Lectures et discours talmudiques (Paris: Minuit, 1982), pp. 223–225.

نفسه، عن طريق اختبار البعد الإنساني الكوني لهذه الفلسفة؛ إذ انتهى إلى قراءة نقدية أسهمت في تعرية الوجه المظلم الذي تخفيه إتيقا الغيرية والمحبّة والإيثار. ف "ما تتضمّنه إتيقا ليفيناس

يخفي مزاعم أيديولوجية تصدر عن معتقداته اليهودية التي تلزمه بالتعاطف مع قضية شعبه، تعاطف يَحدّ بالضرورة من الأفق الإنساني الذي

يدّعيه لفلسفته الأولى بما هي غيرية قصوى وانفتاح على اللانهائي" (ص  206 وتعالق)، حميمي مقدّس بين كلّ أنا وكلّ آخر. نستطيع أن نفهم الخطّة المتّبعة في الكتاب في ضوء بنية منطقية ثلاثية اختارها المؤلّف، وهي خطّة اقتضت الجمع بين الفصلين الأوّل والثاني من أجل موضعة المشروع الليفيناسي واستكشاف أسس الفلسفة الإتيقية تهيئة للعدد المنهجية والمفاهيمية التي ستسمح بإيضاح مفهوم السياسيّ

وتأوّل طريقة تضمّنه في الإتيقا. واقتضت الخطّة، أيضًا، جمعًا بين الفصلين الثالث والرابع استهدافًا لتأوّل المضمون السياسيّ للإتيقا، ومن ثمّ إفراد

الفصل الخامس، للتفكير ضدّ ليفيناس نقدًا وتفكيكًا للعنصر الأيديولوجي الثاوي في هذا المشروع؛ أي التوجّه نحو نقد الطبيعة التبريرية والعنصرية لتصوّرات ليفيناس، سواء تعلّق ذلك بالفكر الإتيقي أو بأطروحاته السياسية أو بطريقة فهمه التاريخ.

ثالثًا: ملاحظات نقدية

في هذا الكتاب طرافة الكتاب، وفي مبحثه جدّة، ولكن فيه بعض المسائل النقدية التي تتصل به، ومن ذلك مسألتان؛ إحداهما تتعلق بالمضمون، والأخرى تتعلق بالناحية التقنية.

من ناحية المضمون، اعتمد المؤلّف على مفهوم الطرف الثالث بوصفها علامة أساسية دالّة على ظهور السياسي في الفلسفة الإتيقية. غير أنّ الاقتصار على المدلول السياسي لهذا المفهوم قد يحجب عنّا دلالة أخرى راسخة جًّدًا عند ليفيناس؛

مفادها أنّ مفهوم الطرف الثالث لا يحمل دلالة سياسية واجتماعية فحسب، فهو في الأصل عنصر ميتافيزيقي، يحيل على فكرة الألوهية نفسها، باعتبارها الآخر بإطلاق L’absolument autre، وهو أمر لا يفتأ ليفيناس يردّده في أكثر من موضع من نصوصه. وفي سياق آخر، أشار المؤلّف إلى فصل مهمّ (ص 32–30) يقوم به ليفيناس بين

الأنطولوجيا والميتافيزيقا، ليستنتج أن "ليفيناس يبحث عن صيغة لاستبقاء الميتافيزيقا بعد نقد الأنطولوجيا" (ص. 31)، وكأنّ الأمر يتعلّق عند ليفيناس بإنقاذ العنصر الميتافيزيقي الغربي من هيمنة الأنطولوجيا الغربية. وفي تقديرنا، لا يجري الأمر مجرى لعبة النقد والاستنقاذ من داخل سياق التراث الغربي نفسه؛ إذ إنّ الميتافيزيقا التي ينتصر لها ليفيناس هي شيء غير غربي وغير يوناني كلًّيًا، شيء يستمدّ خطابه من

المرجعية العبرانية. أما الناحية التقنية، فتتعلق بسؤال ليفيناس عن تركيزه على عناصر تفكيك الأنطولوجيا وبناء الإتيقا بالإشارة المعمّقة والوجيهة إلى حوار ليفيناس النقدي مع هايدغر (الممثّل المعاصر لفكر الكينونة)، وعدم تعرّضه لقيمة فكر

فرانز روزنزفايغ باعتباره أحد مصادر ليفيناس الأساسية في تفكيك فكر الكلّية/ الشمولية، وفي تحرير فكرة الخارجية من هيمنة الإمبريالية الأنطولوجية؛ هذا إذا لم نتطرّق، أيضًا، إلى فكرة

(1((ليفيناس، الكلّية واللامتناهي، ص  218،.242–237

الخير الأفلاطونية، وفكرة الكمال الديكارتية، باعتبارهما من الاستثناءات الفارقة في تاريخ الفكر الغربي من منظور ليفيناس، وهو ما لم يتعرّض له تحليل المؤلّف أيضًا. أمّا في ما يتّصل بالفصل الخامس، فقد تمكّن المؤلّف من دفع آلية التفكير ضدّ ليفيناس إلى مداها الأقصى، وهذا ما يُعَدّ عنصرًا تثمينًّيًا في كتابه. غير أنّه لم ينفتح على بعض الأعمال التي تسبقه وتشاركه في هذا الاتجاه؛ ومن ذلك، على سبيل المثال، ما ذهب إليه المؤلّف مصطفى كمال فرحات، منذ  2007 عام، إثارة لنقد المكوّن العنصري لإتيقا ليفيناس، فضلًا عن أهمّية نقد جوديث

((1(مصطفى كمال فرحات، "صروف الكينونة بين ليفيناس

وهيدغير: حرب الإيطيقا ضدّ الأنطولوجيا"، أوراق فلسفية،

العدد 17 (2007)، ص.156–109

المراجع References

العربية

بدري، عمَر. إمانويل ليفيناس نصوص مختارة: المنعرج الإتيقي للفينومنولوجيا. صفاقس: علاء الدين

للنشر،.2012 بوطيّب، رشيد. نقد الحرّية: مدخل إلى فلسفة إمانويل ليفيناس. بيروت: ضفاف؛ الجزائر: الاختلاف، فرحات، مصطفى كمال. "صروف الكينونة بين ليفيناس وهيدغير: حرب الإيطيقا ضدّ الأنطولوجيا." أوراق فلسفية. العدد).2007(17 لفيناس، إيمانويل. الكلّية والّلا متناهي. ترجمة عبد العزيز بومسهولي. المملكة العربية السعودية: صفحة 7،.2021

الأجنبية

Abensour, Miguel. Emmanuel Levinas, l’intrigue de l’humain: Entre métapolitique et

Butler, Judith. Parting Ways: Jewishness and the Critique of Zionism. New York:

بتلر العميق والمطوّل للخيارات السياسية التي تضمّنتها هذه الإتيقا بما هي إتيقا تؤسّس "شرعية" الوجود الإسرائيلي على سردية الاضطهاد والنفي، وتتجاهل في الوقت نفسه نفي الشعب الفلسطيني وتشريده. بوجهٍعاٍّمٍ، يبقى كتاب السياسيّ في إتيقا إمانويل

ليفيناسمحتفظًا بقدر كبير من الطرافة والأصالة، تجعلان منه مرجعًا مهًّمًا في سياق الدراسات الليفيناسية باللسان العربي؛ فهو يتضمّن تجديدًا واضحًا من الناحية المنهجية والإشكالية قلّما يتوفّر في كثير من القراءات والبحوث المتخصصة في الشأن الليفيناسي.

(15) Judith Butler, Parting Ways: Jewishness and the Critique of Zionism (New York: Colombia University Press, 2012), pp. 57–68.

politique. Paris: Hermann, 2012.

Colombia University Press, 2012.

Chalier, Catherine. La trace de l’infini: Emmanuel Levinas et la source hébraïque. Paris: Cerf, 2002. Husserl, Edmund. Méditations cartésiennes. E. Levinas & G. Peiffer (trans.). Paris: Vrin, 1931. Janicaud, Dominique. Le tournant théologique de la phénoménologie française. Paris: Editions de l’éclat, 1991. Levinas, Emmanuel. La théorie de l’intuition dans la phénoménologie de Husserl. Paris: Alcan, 1930. _______. Humanisme de l’autre homme. Montpellier: Fata Morgana, 1972. _______. L’au–delà du verset: Lectures et discours talmudiques. Paris: Minuit, 1982.