في المفهوم الفلسفي والقانوني لحالة الطوارئ: جدلية الدولة والمجتمع

المؤلفون

  • المؤلف

  • المصطفى الشادلي

DOI:

https://doi.org/10.31430/pafs6308

الكلمات المفتاحية:

حالة الطوارئ، دولة الحق، الشرعية، المشروعية، المجتمع

الملخص

تحاول هذه الدراسة أن تسلط الضوء على مفهوم حالة الطوارئ الذي يستعمل اليوم بكثرة في سياق ما يعيشه العالم بسبب جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، سواء على مستوى بسيط في الحياة اليومية أو في الكتابات الصحفية، أو على مستوى التحليل الفلسفي والقانوني والتاريخي العميق. ويتصل هذا المفهوم بمفاهيم أخرى، لعل أبرزها مفهوم "دولة الحق"، التي توجد في بؤرة النقاش حول قدرتها على الوجود في حالات الاستثناء. ويقودنا ذلك إلى التفكير في العلاقة المعقدة بين الدولة والمجتمع؛ إذ تُعاد أشكال التعاقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، أو بين السلطة والأفراد، وحول تأثير هذا التعاقد في مفهوم الشرعية والمشروعية. لذلك، تركز الدراسة على تناول مجموعة من المفاهيم التي تترابط فيما بينها؛ لتشكّل نظيمة يمكن أن نجيب بها عن مفارقات، ترتبط أساسًا بالعلاقة بين المجتمع والدولة أو بين الحرية والقانون.

المراجع

  1. يعتبر عمل فقيه القانون الألماني كارل شميت (1985–1888) الكنيسة المرئية، واحدًا من الدراسات المهمة في فهم الكنيسة مؤسسةً قانونية للممارسة السياسية، وليست مجرد مؤسسة روحية خالصة. ينظر: Carl Schmitt, La visibilité de l’église, Catholicisme romain et forme politique, Donoso Cortés, quatre essais , André Doremus (trad.) (Paris: la nuit surveillé, cerf, 2011).
  2. نظرية السلطة المطلقة لا ترتبط فقط بالسلطة الدينية، بل تستمد هذه الأخيرة فكرتها من مفهوم القيصر الروماني الذي يملك سلطة الدولة كاملة بعد الانقلاب على سلطة الجمعية العمومية، كما كان الحال في الجمهورية الرومانية، حيث تقسم السلط بين القناصل. أما مع القيصرية فإن قاعدة الحكم هي: "ما يعجب القيصر هو القانون".
  3. Jean Bodin, Les six livres de la République (Paris: Le Livre de Poche, 1995).
  4. التحول المهم هو أن السلطة المطلقة في القرون الوسطى تجري داخل مجال سياسي غير محدد، هو الإمبراطورية المسيحية، حيث تخرج السلطة من الكنيسة المفوضة للحكم، بموجب تفويض صريح أو ضمني من الله. لكن السلطة المطلقة مع مطلع القرن السادس عشر، جاءت لتبرير سيادة الدولة القومية ضد التجزيئات والتقسيمات في أوروبا؛ بسبب الحكم الاقطاعي العائلي، الذي يجعل أوروبا مقسمة إلى عائلات تضعف من بنيان الدول. لهذا كان تبرير ماكيافيللي وبودان لسلطة الدولة المطلقة، ردًّا على هذه الفوضى الإقطاعية. إن إطلاقية السلطة في القرون الوسطى لا حدود لها. أما في العصر الحديث، فالسلطة تكون للدولة داخل حدودها لا غير. وعليه، جاء تبرير السلطة المطلقة؛ للحفاظ على قوة الدولة القومية الناشئة، أو في مواجهة أشكال تشتيت السيادة السياسية بين الملك والكنيسة والهيئات الإقطاعية، التي تداعت مشروعيتها أمام الدفاع عن سيادة سياسية موحدة.
  5. نستعمل مفهوم "الدينونة" أو "الدنونة"، مكان العلمانية؛ باعتبار أن الثانية هي نتيجة للأولى التي تمس كل مجالات الوجود، بادئة من الفكر ورؤية الأشياء، مرورًا بالمجتمع ثم السياسة؛ وفي الحصيلة: ما كان ممكنًا أن تُعلمَن السياسة من دون أن تخضع فيها باقي المجالات إلى تصور جديد يربطها بالعالم الدنيوي، مصدرًا وحيدًا لكل مشروعية جديدة.
  6. "تظهر سيرورة الدنونة، التي تنتشر بسرعة، الآن ليس فقدانًا كمّيًّا [للأشياء] ولكن تعبيرًا عن تحولات كيفية وطفْرات خاصة". ينظر: Hans Blumenberg, La Légitimité des temps modernes , Marc Sagnol, Jean–louis Schlegel, Denis Trieweilr & Marianne Dautery (trads.) (Paris: NRF/Gallimard, 1988), p. 12.
  7. "تخلص النظام السياسي، من حيث هو كذلك، من تحديده وتكونه الروحيين والدينيين؛ أي ‘دنونته’، بمعنى الخروج خارج عالم موجود بشكل موحد، [تخلصه] من الطابع السياسي–الديني، لصالح أهداف ومشروعية ("سياسية") مستقلة، لكي يصل بالنهاية إلى الانفصال عن الدين المسيحي". ينظر: Ernst–Wolfgang Böckenförde, le Droit, l’État et la Constitution démocratique, essais de théorie juridique, politique et constitutionnelle , Olivier Jouanjan de Willy Zimmer et Olivier Beaud (trads.) (Belgique: éditions Bruylant, 2000), p. 102.
  8. سواء مع الإنسيين humanistes Les المدافعين عن أفكار الحرية والمساواة والتسامح، وعن سلطة الملك المقيدة. ثم دور المذهب الدستور constitutionalisme Le في القرن السادس عشر في صياغة نظرية "لا سيادة غير سيادة القانون"، قبل ظهور نظرية فصل السلط مع مونتوسكيو.
  9. اعتمدنا هنا على: عبد الله العروي، مفهوم الدولة (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.)1996
  10. للاطلاع أكثر على تحولات مفهوم السيادة، ومجال ممارستها، يمكن العودة إلى: Carl Schmitt, Le nomos de la terre, dans le droit des gens du jus publicum europaeum , Lilyane Deroche–Gurcel, révisé (trad.) (Paris: Quadrige/ PUF, 2012).
  11. يعرِّف سبينوزا المشروعية بأنها: الحق الطبيعي لكل سلطة في الوجود، مثلما لكل موجود عاقل أو غير عاقل حق طبيعي في الحفاظ على بقائه (الكوناتوس). ومعنى هذا أن كل دولة عليها البحث عما ينفعها ويفيدها؛ للحفاظ على وجودها الذي هو سيادتها.
  12. استندنا هنا في تمييزنا للمشروعية والشرعية، على عملين مهمين، يرفعان لبس تداخل المفهومين: Max Weber, Le savant et le Politique , Julien Freund (trad.) (Paris: bibliothèque 10/18, 2014), pp. 126–127; Carl Schmitt, Du politique "légalité et légitimité" et autres essais , Alain de Benoit (trad.) (Puiseaux: Pardés, 1990).
  13. نشير إلى أنه المفهوم الحديث للنظام، حيث أدرِكت كل الأشياء (جسم الإنسان، المجتمع، الدولة، الطبيعة)، بمنطق ميكانيكيُ، يحددها بوصفها آلةً تحركها قوانين ثابتة قابلة للإدراك العقلي.
  14. Hans Kelsen, La théorie pure du droit , Charles Eisenman (trad.) (Paris: Dolloz, 1962).
  15. "الاستثناء هو ما لا يمكن أن نصنفه؛ فهو لا يرتبط بأية قاعدة قانونية عامة". ينظر: كارل شميت، اللاهوت السياسي، ترجمة رانية الساحلي وياسر الصاروط (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.29
  16. قد يكون الطبيعي كونيًا لأنه يستمد من مبادئ الحق الطبيعي المؤسس لحقوق الإنسان، متعاليًا عن كل الخصوصيات الثقافية والسياسية والتاريخية، في حين يأخذ الوضعي طابع احترام الخصوصية، حيث تتماهى القوانين مع العرق أو الدم أو التاريخ (الفكرة النازية).
  17. هو التمييز الذي أعمله جون لوك في عمله الرئيس رسالة في الحكم المدني، حينما وضع فصلً عن المجال الخاص (المجتمع=الاقتصاد)، حيث جعل الحرية والملكية حدًّا لسلطة الدولة التي تنتمي إلى المجال العام. وهو ما سيسير عليه ممثلو الليبرالية (شميت على الخصوص)، في دفاعهم عن استقلالية الاقتصاد عن سلطة الدولة، انطلاقًا من قدرته على التنظيم الذاتي Auto–organisation دون الحاجة إلى تدخل الدولة.
  18. "الاستبداد الشرعي لا يعني، إذًا، استبدادًا مرتبطًا بقوانين وضعية، ولكن سلطة سياسية مركزة إلى أبعد الحدود، تخدم العبور نحو وضعية تحكم فيها القوانين الطبيعية وحدها". ينظر: Carl Schmitt, La dictature , Mira Köller & Dominique Séglard (trads.) (Paris: éditions du Seuil, 2000), p. 11.
  19. كانت فرنسا أول من أدرج الاستثناء في الممارسة القانونية والسياسية، عام 1791، بإعلانها حالة حرب.
  20. Montesquieu, De l’esprit des lois , tome 1, 2 (Paris: GF–Flammarion, 1994), p. 294.
  21. من مبادئ الممارسة الديمقراطية: التداول العمومي للقرار قبل تطبيقه، انطلاقًا من أن القرار نتيجة إجماع بين كل سلط الدولة. نجد هذه القاعدة في مبدأ البرلمانية parlementarisme Le. وللنظر أكثر، يمكن العودة إلى واحد من الأعمال القانونية–الفلسفية المهمة في هذا الموضوع: Carl Schmitt, Parlementarisme et démocratie, suivi d’une étude de Léo de Strauss sur la notion de politique de Carl Schmitt , Jean–Louis Schlegel (trad.) (Paris: éditions du Seuil, 1988).
  22. بل الأكثر من ذلك أن الدكتاتورية هي ذاتها حالة الاستثناء أو تحملها بين ظهرانيها. ينظر: جورجو أغامبين، حالة الاستثناء: الإنسان الحرام (2،1)، نقله إلى العربية ناصر إسماعيل، تقديم جوليانا سكوتو، تصدير ساري حنفي (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2015 ص)،.95
  23. مثلةَّ هذا الصراع على المستوى النظري كارل شميت، المدافع عن دولة سياسية قوية، وهانس كلسن، المدافع عن دول القانون. وهو صراع بين المذهب القراري décisionnisme Le، والمذهب القانوني الوضعي juridique positivisme Le.
  24. تحضر فكرة الدولة القوية، أو الدولة صاحبة السيادة، أو الدولة المطلقة، في كتابات ماكيافيللي وهوبز وبودان، دفاعًا عن سلطة متحررة من كل قيد أو اعتبار قانوني غير إرادتها المطلقة في التشريع. وهي الفكرة التي أعاد مفكر قانون، مثل شميت، في القرن العشرين توظيفها في أفق الدفاع عن دولة تركز جميع السلط في يدها، وتكون قادرة على حماية وحدة المجتمع في وجه كل طارئ. ومنه، تكون الدولة صاحبة السيادة في النقطة المتعارضة مع الدولة البرلمانية أو الدولة الليبرالية المتعددة السلط، بتعدد المؤسسات من دون أن تميل كفة سيادة سلطة على حساب الأخرى. أي إن ماكيافيللي وهوبز وبودان، هم في مقابل لوك ودو توكفيل ومونتوسكيو؛ فهم ينتقدون كل مبدأ متعالٍ عن الدولة لصالح سيادة موحدة تمثلها الدولة، تعبيرًا عن وحدة المجتمع.
  25. لم يعلن المشرع المغربي إعلانًا صريحًا عن حالة الطوارئ أو حالة الطوارئ الصحية، بل أشار، فحسب، إلى حالة الحصار في الفصل 74 من دستور 2011، بعد التداول فيها وفق الفصل 49 من دستور 2011. ثم عاد المشرع المغربي في الفصل 59 لينص على حالة الاستثناء وفق مجموعة من الشروط.
  26. طُرحت مسألة مدى احترام الدولة لحرية العقيدة والتدين في سياق "الحرب على الإرهاب"، بزيادة الضغط على الأقليات المسلمة في بعض الدول الغربية (خصوصًا أميركا)، التي اشتكت من تأثير الصورة النمطية عن المسلمين، في المجتمع والإعلام، في حياتهم الدينية الطبيعية. والنقاش الذي أثير في فرنسا، كذلك، بإعلان الدولة عزمها إسقاط الجنسية أو صفة المواطنة عن كل من تورط في جرائم ضد الإرهاب، هو نقاش بين مؤيد ومعارض، بحجة تعارض ذلك مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
  27. يمكن العودة إلى عمل مهم في تعريف مفهوم السلطة: جورج بالانديي، الأنثروبولوجيا السياسية، ترجمة علي المصري (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.)1990
  28. لئن كان أرسطو ماهَى بين الدولة والمجتمع، فاعتبر الدولة طبيعية، والاجتماع طبيعيًا، لتكون الدولة والمجتمع الشيء نفسه، واضعًا الدولة مقابل الأسرة فقط، فإن الفلسفة السياسية الحديثة والمعاصرة، فصلت الدولة عن المجتمع، واعتبرته سابقًا عليها وشرطًا لميلادها ولمشروعيتها.
  29. قوضت الأنثروبولوجيا السياسية فكرة اختزال المجتمع السياسي أو السياسي في الدولة، ومن ثم وضع المجتمعات البدائية أو المجتمعات الأقل تقدمًا في هامش الوجود السياسي. وتركز الأنثروبولوجيا على اعتبار أن السياسة لا تُختزل إلى الدولة (أي: المجتمع المدولن étatisée société)La، بل ترجع في الأساس إلى وجود جماعة منظمة محكومة بسلطة ما. تنبه إلى هذه الفكرة كذلك، من قبل، ماكس فيبر في دراسته عن أشكال المشروعية، حينما عاد إلى الوراء، نحو المجتمعات البدائية والتقليدية، واعتبر أنها تملك شكلً من المشروعية السياسية. ينظر: بالانديي.
  30. قد نتفهم هذا بمبرر أن الدولة أو السلطة السياسية لم تستطع أن تضمن لها الإجماع، فتكون بذلك مشروعة، إما لأنها دولة مستبدة قمعية مصادرة لحقوق الأفراد وحرياتهم، وإما لأنها تمثل طبقة بعينها (كما عرفها ماركس: "الدولة مجموع الأجهزة والوسائل التي تحمي البرجوازية")، أو لأن حضور الدولة ضعيف في الوجود الجماعي للناس؛ لعدم قدرتها على القيام بأدوارها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
  31. يقوم رئيس الدولة (أو السلطة العسكرية في بعض الدول) بتعليل حالة الطوارئ بإعادة بناء دستور جديد، يتجاوز فيه رئيس الدولة كل القيود التي تفرض عليه في ما قبل حالة الطوارئ. وقد يصل الأمر إلى تدمير كل المؤسسات الدستورية أو إضعاف سلطة البرلمان وتحويل القضاء إلى وسيلة للعقاب والانتقام، ويدمر المجتمع المدني ومؤسساته الوسيطة. وضْعٌ تكون الحرية والعدالة ضحيتَيه؛ لأنه يتخذ من قانون الطوارئ مبررًا لإلغاء القانون لا تعليقه. حدث هذا الأمر في الكثير من دول أميركا اللاتينية وأفريقيا، ودول نا العربية. ويجد بداياته التاريخية مع حكم سولاِSola الروماني. وهو أمر يختلف عمّا سمي في التاريخ الحديث ب "المستبد العادل أو المستنير" كما أشار إلى ذلك فولتير أو محمد عبده.
  32. تُطابق الليبرالية بين الاقتصاد والمجتمع وليس بين المجتمع والسياسة. وذلك لأن القرن الثامن عشر عرف تحولً مع هيمنة الاقتصاد على كل شيء وتراجع عصر الميتافيزيقا، بحيث لم يعد السؤال حول فهم الطبيعة البشرية لفهم المجتمع، وعليه، فهم طبيعة النظام السياسي. وإنما صارت المعرفة الاقتصادية مصدرًا لكل معرفة سياسية واجتماعية ممكنة (الاقتصاد السياسي). وأمام هذا، سينظر إلى الاقتصاد بوصفه ما يمد المجتمع بقدرته الذاتية على التنظيم من دون الحاجة إلى تدخل سيادي للدولة. وأمام سيطرة الاقتصاد وتقليص دور الدولة، تراجعت المعارف المرتبطة بها، مثل القانون، والفلسفة السياسية وعلم السياسة، لصالح هيمنة للمعارف التقنية والاقتصادية؛ علوم تدبير المالية العامة أو علم التدبير الحكومي، وهي معارف تعيد بناء تصور جديد لقوة الدولة في قوتها ورفاهيتها الاقتصاديتين وليس في القوة السياسية والعسكرية.
  33. هو جوهر أطروحة جون رولز Rawls John عن العدالة كإنصاف.
1إجمالي الاستشهادات
1من دوريات المركز
0من مصادر خارجية

مقالات مُستشهِدة من دوريات المركز العربي (1)

  1. (2024) حالة الاستثناء والإنسان المستباح عند جورجيو أغامبين. تبيُّن https://doi.org/10.31430/nlgj4088

المصادر: Crossref Cited-by، ومراجع مقالات دوريات المركز (الهوامش وقوائم المراجع)

التنزيلات

منشور

2021-11-01

تواريخ المقالة

الاستلام: ديسمبر 14, 2020 التعديل: يناير 5, 2021 القبول: فبراير 7, 2021

إحصاءات الاستخدام

28 مشاهدة 46 تنزيل

إصدار

القسم

دراسات