نقد منهج التأريخ الكولونيالي للفكر العلمي في الصين: مفارقة جوزيف نيدهام

المؤلفون

DOI:

https://doi.org/10.31430/gomp2110

الكلمات المفتاحية:

جوزيف نيدهام، الفكر العلمي، الصين، الكولونيالية، أندريه غوندر فرانك، جاك غودي

الملخص

شهدت العقود القليلة الماضية ازدهارًا لحقل فلسفة تاريخ العلم. وتبحث هذه الدراسة في مدى الإسهام في هذا المجال، وتركز على نقد منهج التأريخ الكولونيالي للفكر العلمي في الصين الذي انتهجه المؤرخ الإنكليزي جوزيف نيدهام (1900–1995) في المجلد الثاني من كتابه العلم والحضارة في الصين: تاريخ الفكر العلمي (1956). وقد استند نيدهام في تأريخه للفكر العلمي في الصين إلى منهج تأريخي كولونيالي أيديولوجي، يكشف عن تحيزات للمركزية الأوروبية الغربية. وتحاول هذه الدراسة أن تبيّن أن نيدهام على الرغم من أنه قدّم جهدًا تأريخيًا كبيرًا للعلم والحضارة في الصين، فإن هذا الجهد كان يحمل فرضيات مسبقة، تفترض غياب الفكر العلمي عن هذه الحضارة؛ الأمر الذي جعل منهجه يتعرض لنقد مؤرخين وعلماء اقتصاد وأنثروبولوجيين، منهم على سبيل المثال أندريه غوندر فرانك، وجاك غودي (1919-2015).

المراجع

  1. ثيرت إشكالية الحتمية في العلوم الطبيعية، وخاصة في الفيزياء، نتيجة التصور الآلي الميكانيكي الذي قدمه إسحاق نيوتن (أ Newton Isaac (1727–1643) المتعلق بالظواهر الطبيعية، إذ يفترض أن الطبيعة مجرد آلة ترتبط أجزاؤها بعاقات سببية، بحيث تمثّل السببية القانون المفسر للظواهر الطبيعية على اختافها، بغض النظر عن المكان والزمان الذي تحدث فيه الظاهرة. لقد حقق العلم الغربي الحديث، من خال هذا القانون، تقدمًا هائلً عندما استند إلى تصور ميكانيكي حتمي، وحققت الفلسفة الحديثة أيضًا تقدمًا عندما أسس الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724) نسقه الفلسفي على الأسس العلمية النيوتنية، وذلك من خال سؤاله الشهير الذي طرحه بحثًا عن أساس فلسفي جديد للعلم الجديد: كيف تكون الرياضيات والفيزياء ممكنتين؟ بشأن تفاصيل هذه الإشكالية، ينظر: خالد قطب، أنسنة العلم: مقال جديد في العقلانية العلمية (القاهرة: دار نيو بوك للنشر والتوزيع، 2018)، ص 1–53.6
  2. Ranajit Guha & Gayatri C. Spivak, Selected Subaltern Studies (Delhi: Oxford University Press,1988), pp. 3–34; ينظر أيضًا: ديبيش شاكرابارتي، "دراسات التابع والتأريخ ما بعد الكولونيالي"، ترجمة ثائر ديب، أسطور، العدد 3 (كانون الثاني/ يناير 2016)، ص.8–7
  3. سارة ميلز، "نظرية الخطاب الكولونيالي وما بعد الكولونيالي"، ترجمة ألكسندر غريب، مجلة العرب والفكر العالمي، العددان 34–33 (شتاء 2015)، ص.39–38
  4. بيل أشكروفيت وجاريث جريفيث وهلين تيفين، دراسات ما بعد الكولونيالية: المفاهيم الرئيسية، ترجمة أحمد الروبي وأيمن حلمي وعاطف عثمان (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010)، ص 93.
  5. إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد عناني (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2006)، ص 111.
  6. أشكروفيت وجريفيث وتيفين، ص.164
  7. روبرت يانج، أساطير بيضاء: كتابة التاريخ والغرب، ترجمة أحمد محمود (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2003)، ص.59
  8. عمرو عثمان، "التاريخ العالمي: موضوعه ومناهجه ودراسته من خال تاريخ الأشياء"، أسطور، العدد 1 (كانون الثاني/ يناير 2015)، ص.8
  9. أشكروفيت وجريفيث وتيفين، ص.101
  10. وائل حاق، قصور الاستشراق: منهج في نقد العلم الحداثي، ترجمة عمرو عثمان (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2019)، ص.15
  11. لوي ألتوسير، "ما هي الأيديولوجيا؟"، في: الأيديولوجيا، محمد سبيا وعبد السام بنعبد العالي (إعداد وترجمة)، سلسلة دفاتر فلسفية، نصوص مختارة 8، ط 2 (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2006)، ص.8
  12. Mansel Davies, "Joseph Needham (1900–95)," The British Journal for the History of Science , vol. 30, no. 1 (March 1997), pp. 95–100.
  13. Ibid., pp. 95–96.
  14. Robert Multhauf, "Joseph Needham (1900–1995)," Technology and Culture , vol. 37, no. 4 (1996), pp. 880–891.
  15. Gregory Blue, "Joseph Needham—A Publication History," Chinese Science , no. 14 (1997), pp. 90–132, accessed on 4/4/2022, at: https://bit.ly/3sLxQfN
  16. Robert Finally, "China, The West, and World History in Joseph Needham’s Science and Civilization in China," Journal of World History , vol. 11, no. 2 (2000), pp. 267, 265–303.
  17. Brook Timothy, "The Sinology of Joseph Needham," Modern China , vol. 22, no. 3 (July, 1996), pp. 340–341, 348.
  18. كان للفيلسوف البريطاني الشهير برتراند راسل تأثيره الكبير في منهج التأريخ الأيديولوجي الذي انتهجه نيدهام خال تأريخه للفكر العلمي في الصين. فأثناء زيارة راسل للصين، وهي زيارة استغرقت تسعة أشهر، نشر كتابًا بعنوان مشكلة الصين، في عام 1922، قدّم فيه رؤيته الفلسفية عن الفكر الصيني والتعارض بين هذا الفكر والفكر الأوروبي الغربي الحديث. زار راسل الصين بعد أن أصيب بخيبة أمل بسبب النظام الرأسمالي الغربي، من جراء ما خلفته الحرب العالمية الأولى، وكذلك بعد زيارته لاتحاد السوفياتي قبل عدة شهور من زيارته للصين، إذ وجد دولة شيوعية تتعامل مع المواطنين على أنهم عبيد. ورغم أنه وجد في الصين بديلً جذابًا في مقابل الغرب الرأسمالي، فإنه في هذا الكتاب يدعو مرارًا وتكرارًا إلى ضرورة الأخذ بالعِلم الغربي، اعتقادًا منه أن العقل الصيني لم يكن يومًا قادرًا على إنتاج علم أو معرفة علمية. ويرجع ذلك إلى سيادة التقاليد الصينية التي تحول دون إنتاج العلم، وهي تقاليد تجعل من الصين، بحسب تعبيره، "أمة فنانة" لاعتقاده "أن الأمة الصينية تمتلك قيمًا وفضائل أخاقية جعلتها قادرة على إنتاج فنون وصناعات، على عكس الحضارة الغربية التي تمتلك العقلية الاستدلالية التي ساعدت شعوبها في إنتاج علمٍ ومعرفة علمية، إضافة إلى تمتع شعوب الحضارة الغربية بالنظم السياسية الديمقراطية التي رسخت قيم المساواة والحرية الفردية والتعليم، وهي قيمٌ تفتقر إليها الأمة الصينية، وهو ما جعل الحضارة الغربية قادرة على إنتاج العلم دون غيرها من الحضارات وخاصة الشرقية، التي تميل في طريقة تفكيرها إلى الطريقة الحدسية. ينظر: Bertrand Russel, The Problem of China (London: George Allen & Unwin LTD, 1922). p. 12.
  19. Joseph Needham, History of Scientific Thought, vol. 2: Science and Civilization in China (Cambridge: Cambridge University Press, 1956), p. 2.
  20. الطاويون هم المؤمنون بالطاوية، وهي فلسفة أخاقية ترجع إلى مؤسسها طاو تي تشينغ Ching Te Tao في القرن السادس قبل المياد. تخاطب هذه الفلسفة الجانب الروحي في الإنسان من خال تأكيد حالة التوازن التي ينبغي أن تكون بين الإنسان والطبيعة، ولا تتحقق هذه الحالة إلا إذا تحقق القانون الطبيعي الذي يعني، وفقًا للطاوية، الخميرة الفاعلة في الكون من داخله، والنظام الضمني الذي يدفع صيرورة عمليات الطبيعة. ينظر: فراس السواح، لاو تسو التاو تي – تشينغ، إنجيل الحكمة التاوية في الصين (دمشق: دار عاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة،.)1998
  21. تنتمي الكونفوشيوسية إلى كنغ جنغني Zhangani Kong المعروف لدى الغرب ب كونفوشيوس Confucius، وهي الصفة الاتينية للقبه الصيني الشهير كنغ فُزي Fuzi Kong. الكونفوشيوسية هي فلسفة تعني الطريق (داو) المؤدي إلى تحقيق التناغم في المجتمع والعالم من خال تهذيب النفس وصقلها بالفضائل الأخاقية حتى يصل الفرد إلى الكمال. ينظر: جون كولر، الفلسفات الآسيوية، ترجمة نصير فليح (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2013)، ص 38–437.4
  22. Needham, pp. 12–15.
  23. طائفة دينية كاثوليكية رومانية قامت بحمات تبشيرية إلى الصين في القرن الثامن عشر، واستمرت هذه الحمات حتى أوائل القرن العشرين حتى عام 1911 على وجه التحديد؛ إذ قامت الثورة التي أطاحت الحكم الملكي الإمبراطوري وتأسيس الجمهورية الصينية. مارست طائفة اليسوعيين، أو الجزويت، العديد من النشاطات الدينية التبشيرية لنشر العقيدة المسيحية في الصين، إضافة إلى قيامها بدور في نشر مناهج تعليمية أوروبية في الصين. ينظر: Diogo Ramada Curto, "The Jesuits in China: A New Perspective," Portuguese Studies , vol. 19 (2003), pp. 213–219.
  24. Needham, pp. 390–392.
  25. Joseph Needham, "Science and Society in East and West," Science & Society , vol. 28, no. 4 (Fall 1964), pp. 385–
  26. Kapil Raj, "Beyond Postcolonialism and Postpositivism: Circulation and the Global History of Science," Isis , vol. 104, no. 2 (June 2013), pp. 337–347.
  27. ساعد توبي هاف، عالم الاجتماع البولندي المولد، الأميركي الجنسية ومؤرخ العلوم، أيضًا، في ترسيخ هذه القراءة عندما طرح سؤاله الذي جعله محور كتاباته التأريخية، وهو: لماذا لم تحدث الثورة العلمية في حضارة أخرى غير الحضارة الغربية؟ يزعم هاف أن الحضارة المؤهلة لأنْ ينشأ العلم فيها، هي تلك الحضارة التي لديها تصور عقاني عن العالم، والوسائل التي تجعل الإنسان قادرًا من خالها على إعمال عقله وإنتاج الفكر النظري القادر على التفسير، فضلً عن وجود المؤسسة العلمية القادرة على اتخاذ الإجراءات المنهجية المناسبة، مثل إتاحة الحرية للبحث العلمي حتى تتحقق المنفعة لبني البشر، وسنّ القوانين والتشريعات التي تحقق هذه الغاية. ويزعم أنه على الرغم من أن الصين كانت أقرب الحضارات إلى إنجاب العلم الحديث، مقارنةً بغيرها، فإن هذا لم يحدث بسبب اهتمام الفكر العلمي الصيني بالجانب التقاني أكثر من اهتمامه بالجانب النظري. وبعبارة أخرى، لم يسعَ هذا الفكر إلى وضع منهج لاكتشاف الخطأ، الذي هو من وجهة نظر هاف، المنهج المائم لإنتاج المعرفة العلمية/ النظرية. وهو منهج غاب عن الفكر العلمي الصيني (استند هاف إلى المنهجية التكذيبية التي قال بها كارل بوبر، تلك المنهجية التي تقول إن العلم يتقدم من خال البحث عن مكذبات النظرية)، إضافة إلى غياب الحرية على المستوى الاجتماعي الثقافي الذي حال دون وجود فضول فكري يوجه الفكر العلمي الصيني إلى التفكير في الطبيعة؛ الأمر الذي حال دون وجود فلسفة طبيعية على غرار الفلسفة التي نجدها عند الإغريق والأوروبيين في العصور الوسطى. ويذكر هاف أن القرن السابع عشر الأوروبي شهد ازدهارًا غير عادي لاكتشافات والابتكارات، منها ابتكار غاليليو غاليلي للمجهر عام 1608، فقد كان هذا الابتكار السبب في وضع العلم الأوروبي الحديث ضمن الإطار العالمي. ورغم أن المجهر قد انتقل إلى الصين والهند المغولية والإمبراطورية العثمانية، فإن هذه الحضارات لم تستطع الاستجابة لهذا الابتكار الجديد كما فعل الأوروبيون. ففي أوروبا، كان هناك العديد من الابتكارات "غير العادية" نتيجة وجود هذا المجهر؛ منها علم التشريح البشري والبصريات والميكانيكا والدراسات الكهربائية، وكان هذا المجهر هو الذي ساعد في ظهور الثورة العلمية التي أحدثها نيوتن، والتي تكمن في هذا التركيب بين الفيزياء الأرضية والسماوية تحت قانون الجاذبية الكونية، وكان لهذا الإنجاز آثار هائلة في كل مظاهر العلم الحديث والتقانة والتنمية الاقتصادية. أما في المناطق الأخرى من العالم، وخاصة الصين، فقد أظهرت مقاومة للتقدم العلمي وعلى وجه الخصوص المجهر الغاليلي (نسبة إلى غاليلي)، الأمر الذي حال دون أن تحقق هذه المناطق تقدمًا، أو أن يظهر لديها العلم الحديث. ويتساءل هاف: هل يمكن أن تقدّم الكونفوشيوسية شيئًا ضروريًا وجوهريًا في القرن الحادي والعشرين يكون أساسًا لاقتصاد ب حدود أو ديمقراطية حديثة؟ إن أي شخص في هذا العالم الواسع، فيما يزعم هاف، لا بد أن يصل إلى جواب عن هذه التساؤلات على نحو لا يدع مجالً للشك، وهو أن العديد من المظاهر الموجودة في النمو التقاني والاقتصادي غير العادية التي تبدو في القرن الحادي والعشرين كانت بفضل التقدم العلمي والتقاني في الغرب. ينظر: Toby Huff, Intellectual Curiosity and the Scientific Revolution: A Global Perspectives (Cambridge: Cambridge University Press, 2011), p. 10.
  28. Timothy, pp. 342–343.
  29. من الكتابات العربية التي تناولت فكرة المركزية الأوروبية بالتحليل والتفكيك محاولة عبد الله إبراهيم الذي قدّم حيثيات هذه الفكرة وإشكالياتها المتعددة. فقد سعت نخبة من المثقفين الغربيين إلى التأسيس المعرفي لهذه المركزية من خال التأصيل لمفهوم "النقاء" و"الأصل"، فضلً عن "الكونية" التي يتصف بها الفكر الغربي؛ لكونه، بحسب ذلك الزعم، فكرًا واحدًا يملك مقومات استمراره وإعادة إنتاج ماضيه (الإغريقي القديم). وقد بينت هذه المقاربة كيفية مساهمة العلماء والفاسفة في تأسيس الأطر الفلسفية والعلمية لهذه الفكرة، من أمثال فرنسيس بيكون Bacon Francis (1626–1561)، ورينيه ديكارت Descartes René (1650–1596)، وجون لوك Locke John (1704–1632)، وديفيد هيوم Hume David (1776–1711)، وجورج بيركلي Berkeley George –1685(1753)، وفريدريش هيغل Hegel Friedrich (1770–1831)، وغيرهم. ينظر: عبد الله إبراهيم، المركزية الغربية (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2010)، ص 11 وما بعدها.
  30. أندريه غوندر فرانك، الشرق يصعد ثانية: الاقتصاد الكوكبي في العصر الآسيوي، ترجمة شوقي جال (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000)، ص.43
  31. المرجع نفسه، ص.44
  32. Gregory Blue, "Joseph Needham, Heterodox Marxism and the Social Background to Chinese Science Science & Society," Guilford Press , vol. 62, no. 2 (Summer 1998), pp. 195–217.
  33. فرانك، ص.287–286
  34. المرجع نفسه، ص.281
  35. Timothy, p. 495.
  36. Ricardo Duchesne, "Between Sinocentrism and Eurocentrism: Debating Andre Gunder Frank’s Re–Orient: Global Economy in the Asian Age," Science & Society , vol. 65, no. 4 (Winter 2001/2002), p. 429.
  37. المرجع نفسه، ص.302
  38. 4جاك جودي، سرقة التاريخ، ترجمة محمد محمود التوبة (الرياض: مكتبة العبيكان، 2010)، ص.198
  39. المرجع نفسه، ص.200
  40. المرجع نفسه، ص.202
  41. المرجع نفسه، ص.229
  42. المرجع نفسه، ص.228
  43. المرجع نفسه، ص.236
  44. المرجع نفسه، ص.161
  45. عبد الله إبراهيم، التخيل التاريخي: السرد، والإمبراطورية، والتجربة الاستعمارية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2011) ص.10

التنزيلات

منشور

2022-11-01

تواريخ المقالة

الاستلام: مايو 26, 2021 التعديل: فبراير 17, 2022 القبول: مارس 7, 2022

إحصاءات الاستخدام

47 مشاهدة 52 تنزيل

إصدار

القسم

دراسات