التربية في عصر الأنثروبوسين: نحو نموذج تربوي قائم على المسؤولية

المؤلفون

  • المؤلف

  • أحمد صديقي

DOI:

https://doi.org/10.31430/zpxg7068

الكلمات المفتاحية:

التربية، المسؤولية، النموذج الديمقراطي، هانس يوناس، الأنثروبوسين

الملخص

تتناول هذه الدراسة مشكلة التربية في ظل تهديد الأنثروبوسين من جرّاء هيمنة الحضارة التكنولوجية على كل مناحي الحياة، وذلك من خلال استثمار تصور هانس يوناس لإيتيقا المسؤولية من أجل إبراز معالم مقاربة تربوية جديدة تتجاوز حدود النموذج الديمقراطي للتربية، وتستجيب لشروط الحياة الإنسانية المعاصرة التي تقع تحت نير التهديد التكنولوجي. وتتّبع البشرية اليوم نماذج تربوية متعددة ومتباينة: تقليدية وحديثة، لا تنفصل عن المشروع المجتمعي الذي يؤطرها، غير أن أي نموذج تربوي لا يكتسب قيمته سوى من تطبيقاته العملية ونتائجها وإجاباته عن الإشكالات المجتمعية والوجودية للكائن البشري. لهذا، فإن نقد النموذج الديمقراطي للتربية نابع من عجز هذا النموذج عن رفع التحدي التقني.

المراجع

  1. Michel Faber, Un avenir problématique: education et responsabilité d’après Hans Jonas (Dijon: Raison et passions, 2021), p. 235.
  2. مَّثَل اليسوعيون هذا النموذج التقليدي للتربية، وهو في جوهره يقوم على التضحية بحاضر الطفل من أجل مستقبله، في حين أن الطفولة – في نظر روسو – حياة، وليست مجرد تهيئة للحياة. ينظر: 236 Ibid., p..
  3. فضّلنا ترجمة "طيّبة" خلافًا لترجمة "خيّرة" التي دأب العديد على استعمالها، ويرجع ذلك إلى أن الإنسان الطبيعي، كما شرح روسو في كتاب أصل التفاوت، ليس كائنًا خيّرًا Être du bien، ولكنه طيّب Bon؛ فهو لا يعرف الخير ولا الشر، وهو طيّب لأنه محكوم بغريزة فطرية سماها روسو غريزة الشفقة أو الرأفة، وهي التي تدفعه إلى النفور غريزيًا من الألم وإلى إسكات نزعاته. إن الإنسان الطبيعي فقدناه إلى الأبد؛ لأنه عاش في حالة الطبيعة فحسب. ولم تصبح للإنسان فكرة عن الخير والشر إلا في حالة الثقافة (المجتمع)، حيث نشأت المعايير الثقافية والأخلاقية والقانونية، وهي الحالة التي صار فيها الإنسان في حاجة إلى التربية للتغلب على مساوئ الاجتماع البشري وشروره. يقول روسو: "بداية يظهر أن الناس في هذه الحالة [يقصد حالة الطبيعة] لم يكن لديهم أي شكل للرابطة الأخلاقية، ولا واجبات معروفة، ليسوا أشرارًا وليسوا أخيارًا، لا رذائل لهم ولا فضائل". ويضيف في سياق آخر: "من الأكيد أن الشفقة la pitié إحساس طبيعي يعدل في كل فرد نشاط حب ذاته، وتقود لحفظ كل نوع بشكل متبادل، فهي التي تحملنا من دون تفكير على إنقاذ من يتألمون [...]. توحي الشفقة لكل الناس بمبدأ الطيبوبة الطبيعية la bonté naturelle الذي يقول: 'افعل خيرك بأقل قدر ممكن من الشر نحو الغير'". ينظر: Jean Jacques Rousseau, Discours sur l’origine et les fondements de l’inégalité parmi les hommes (Paris: Flammarion, 1992 [1755]), pp. 196–215.
  4. Jean Jacques Rousseau, Emil ou l’éducation , tome1 (Paris: La renaissance du livre, 1820 [1762]), p. 86.
  5. حيث يجري تقييد جسده. يُنظر: 19 Ibid., p..
  6. مبدأ روسو في ذلك هو أن كل ما خرج من أيدي مبدع الأشياء خير، أما الفساد فهو ناتج من تدخل الإنسان. لذلك، ينبغي ترك الطبيعة على حالها، والحال نفسه أيضًا بالنسبة إلى الطبيعة البشرية. ينظر: 11 Ibid., p..
  7. تكمن سعادة الإنسان، بحسب روسو، في العيش وفق الفطرة والانسجام مع الطبيعة، حيث تتقلص المسافة بين طاقته ورغباته، إنها التمتع بالحرية. وبما أن العالم الحقيقي محدود في مقابل لا محدودية الخيال (عالم الرغبات)، فإنه لا بد من تضييق عالم الرغبة حتى لا تتحول إلى احتياج ومصدر للتعاسة. ويعتبر موقف روسو هذا امتدادًا للموقف الرواقي القديم وموقف ديكارت أيضًا الذي دعا إلى تغير الرغبة بدلًا من تغيير العالَم في حالة تعارضهما. ينظر: Ibid., pp. 66–69.
  8. تمثل البادية، في نظر روسو، أفضل مكان لتربية الطفل بعيدًا عن قيود المدينة وواجباتها، فقد قال: "رُّبُوا [أولادكم] في الريف بكل ما فيه من بساطة ريفية". ينظر: 61 Ibid., p..
  9. حنة أرندت، "أزمة التربية"، ترجمة حماني أقفلي وعز الدين الخطابي، الأزمنة الحديثة، العدد 4–3 (تشرين الأول/ أكتوبر 0112)، ص.9
  10. المرجع نفسه، ص.11
  11. المرجع نفسه، ص.17
  12. المرجع نفسه، ص.14
  13. تناولت أرندت نًّصًا حمل العنوان نفسه "أزمة التربية" في الولايات المتحدة الأميركية؛ نظرًا إلى أنها قبلة العديد من المهاجرين من بلدان وثقافات ولغات أخرى. وعلى الرغم من راهنية النص في تشخيص مشكلة/ أزمة التربية، وهي متمثلة في وهم خلق عالم جديد (العالم الأميركي مث لًا) عن طريق التربية، وذلك نتيجة عدم الاهتمام بالحس المشترك السليم في الطرائق الحديثة للتربية، والتركيز على عزل الطفل عن الراشدين، والإعلاء من المهننة على حساب المعرفة في التعليم، وتكريس الطابع البرغماتي للتربية، فإن احتفاءه بدور الولايات المتحدة في ضمان الحق والحرية والمساواة للجميع داخليًا وخارجيًا، صار يتعارض مع واقع يفنّد هذا الادعاء؛ إذ يكشف عن تدخلاتها السياسية والعسكرية وغيرها في العديد من البلدان (العراق وأفغانستان... إلخ)، ودعمها للاستيطان الصهيوني والأنظمة الموالية لها. ويطرح ذلك، من وجهة نظر فلسفة التربية على القيم، مشكلة المعيارية الأخلاقية والقانونية لمفاهيم الحق والحرية والمساواة بين الخصوصية والكونية، والعلاقة بينهما داخل سياقات تداولية مختلفة.
  14. مصطلح استعمله عالم البيولوجيا الأميركي أ. ف. ستويمر E. F. Stoermer، وبعده الهولندي الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء ب. ج. كرووتن، للدلالة على مرحلة جيولوجية جديدة بدأت مع الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، وقد تمكن فيها الإنسان من التدخل في الطبيعة وتغيير نظامها البيئي؛ إذ "تعرض ما بين ثلاثين إلى خمسين في المئة من سطح الأرض إلى التغير نتيجة الفعل الإنساني"، وامتد النشاط الإنساني، أيضًا، إلى المجال الجوي، ينظر: P. J. Crutzen & E. F. Stoermer, "The 'Anthropocene'," Global Change Newsletter , no. 41 (May 2000), p. 17.
  15. Hans Jonas, The Imperative of Responsibility: In Search of an Ethics for the Technological Age , Hans Jonas & David Herr (trans.) (Chicago: University of Chicago Press, 1984).
  16. لا يمكن الحديث اليوم في الغالب الأعم عن مجتمع منعزل وبعيد عن التحولات العالمية: اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا. ولهذا، فإن النموذج التربوي لا يندّ عن هذه القاعدة؛ إذ يمكن التفكير في معايير كلّية وكونية للتربية. وسيكون هذا الأمر متعارضًا مع أنصار الموقف الجماعاتي Communitarian Position الذي يرى أصحابه أن النموذج الكلّي يلغي حق الأقليات في الاختلاف، لكن يمكن أن يكون هذا الموقف الجماعاتي أيضًا مبررًا للانغلاق على الذات وتقديسها وفرض معاييرها التي تتعارض مع ما هو إنساني وما هو بيئي.
  17. تناول ميشيل فابر تمييز ج. م. لانغ وَ ص. كبايلي Jean–Marc Lange et Sonia Kebaïli بين ثلاثة نماذج تربوية من نماذج الأنثروبوسين هي: أ. النموذج التراكمي، وهو عمودي يُبنى على تكديس المعارف؛ ب. النموذج التقنو–اقتصادي، وهو يختزل الفاعلية في تقنيات عملية لها غايات لا تقبل النقاش ومفروضة على الجميع؛ ج. النموذج الليبرالي، وهو نموذج ذو غاية تحررية ونقدية يتضمن مناقشات قائمة على حجج، ويستند إلى معلومات علمية جادة. وفي هذا التمييز، يكتسي النموذج الثالث "الليبرالي" أهمية كبرى؛ لأنه يعكس روح الفكرة الديمقراطية القائمة على الحرية. ينظر: Faber, pp. 258–259.
  18. استلهم فيه يوناس التمييز الذي أقامه ماكس فيبر بين أخلاق الاقتناع The Ethic of Conviction؛ حيث مبادئ الفعل هي الموجهة للسلوك الأخلاقي، وأخلاق المسؤولية The Ethic of Responsibility؛ حيث نتائج الفعل هي الموجهة له. يقول فيبر: "يمكن لكل سلوك موجه أخلاقيًا أن يخضع لقاعدتين مختلفتين تمامًا، ومتعارضتين إلى حدّ لا يقبل الحل: قد يكون السلوك قائمًا على 'إيتيقا أخلاق الاقتناع' حيث لا يجري النظر إلى عواقب السلوك القائمة على القرار. وقد ينبني على إيتيقا المسؤولية حيث يجري استباق عواقب الأفعال المطلوبة وتحمّل المسؤولية". ويضيف: "وهذا لا يعني أن إيتيقا أخلاق الاقتناع تماثل انعدام المسؤولية أو أن إيتيقا المسؤولية خالية من الأيديولوجيا. لا شيء من ذلك صحيح، ولا يمكن لأي أحد أن يقول ذلك". ينظر: Max Weber, "Politics as a Vocation," in: Weber’s Rationalism and Modern Society , Tony Waters & Dagmar Waters (trans.) (New York: Palgrave Macmillan, 2015), pp. 187–188.
  19. Virginie Schoefs, Hans Jonas: Ecologie et démocratie (Paris: L’Harmattan, 2009), p. 50.
  20. مَّيَز يوناس بين نموذجَين رئيسَين للمسؤولية؛ الأول: المسؤولية الوالدية، والثاني: المسؤولية السياسية. يُنظر: Jonas, p. 98.
  21. حدّدت حنة أرندت، في سياق تناولها أزمة التربية، مسؤولية مزدوجة للآباء تجاه أبنائهم بوصفهم وافدين جدد إلى العالم، وهي تتمثل في: مسؤولية رعاية حياة الأطفال وتحقيق نموّهم، ومسؤولية ضمان استمرارية العالم. وهما، في نظرها، غير متطابقتين، بل يمكن أن تتعارضا بسبب التعارض القائم بين الطفل والعالم، فكل واحد منهما يمثّل مصدر تهديد للآخر. من أجل ذلك، ينبغي أن تتأسس التربية على مفهوم الحماية، من خلال العناية بالطفل لكيلا يدمّر العالم، كما أن العالم في حاجة إلى العناية حتى لا تدمّره أمواج الوافدين الجدد. إنها، إذًا، تربية ذات اتجاهَين؛ الأول هو تحقيق نمو الطفل، والثاني هو ضمان استمرارية العالم. ويمكن القول، أيضًا، إن وظيفة التربية هي بناء الانسجام بين "ظلمة" الطفل و"نور" العالم. يُنظر: أرندت، ص.13
  22. في هذا الإطار يميّز يوناس في الحقوق بين ما يسميها "حقوقًا قوية" و"حقوقًا ضعيفة"؛ الأولى تبرر مطلبًا تجاه الغير، مثل مساعدته على اقتناء خير قانوني، ويسميها أيضًا بالحقوق "المتعدية" Transitives التي تنجم عنها واجبات وضعية من جهة الغير. أما الثانية أو "اللازمة" Intransitive، فهي التي لا تطلب شيئًا من الغير، ولا يترتب عليها أيّ واجب – اللهم عدم عرقلتها – بما هو واجب سلبي. وبناء على هذا التمييز، يندرج الحق في الحياة في خانة الحقوق القوية؛ لأنه يفرض واجبات على الآباء. لكن حق الطفل في أن يقضي عطلته الصيفية في أجمل مكان هو حق "لازم" ليست له القوة نفسها لكي تترتب عليه مسؤولية؛ لأن الوالدين غير ملزمين بذلك. يُنظر: Hans Jonas, "Les droits, le droit et l’éthique," Évolution et liberté , Sabine Cornille & Philippe Ivernel (trad.) (Paris: Rivages, 2005), p. 167.
  23. Jonas, "Les droits, le droit et lʼéthique," p. 166.
  24. Jonas, The Imperative of Responsibility , p. 102.
  25. Jonas, "Les droits, le droit et lʼéthique," p. 169; في مقابل ذلك، يطرح يوناس فرضية وضعية ديموغرافية معاكسة؛ أي الوضعية التي تكون فيها قلة الولادات؛ ما يهدّد الهرم الديموغرافي بالاختلال ويخلق مجتمعًا يعاني الشيخوخة. ويعتبر أنه في وضعية مثل هذه لا بد للدولة من أن توافق على مِنَح لتحفيز الإرادة الخيرة على الإنجاب، ومعاقبة الإرادة السيئة بالغرامات؛ أي تلك التي لا تستجيب لهذا الحق الطبيعي، وهذا يمثل في نظره نقلًا للحق إلى واجب صريح؛ ما يكشف في نظرنا عن نوع من فرض إرادة الدولة على إرادة الأفراد وتسلط الدولة على المجتمع وانتهاك لحرية الاختيار، ومن ثم الطابع الاستبدادي لتصور يوناس للحق وتبريره فلسفيًا.
  26. Jonas, The Imperative of Responsibility , p. 101.
  27. Raymond Matand Makashing, Michel Serres, Hans Jonas, edgar Morin et l’écologie profonde (Paris: l’Harmattan, 2020), p. 125.
  28. Hans Jonas, "Au plus proche d’une issue fatale," entretien avec Mattias Matussek & Wolfgang Kaden, Der Spiegel , 11/5/1992; Hans Jonas, Une éthique pour la nature , Sylvie Courtine–Denamy (trad.) (Paris: Arthaud Poche, 2000), p. 39.
  29. Jonas, The Imperative of Responsibility, p. 165.
  30. Makashing, p. 14.
  31. على الرغم من ذلك، كان يوناس ضحية الموقف الأيديولوجي العنصري للحركة الصهيونية، حيث انتمى إليها مبكرًا ودافع عن فكرة إنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين. قال في مذكراته: "بدأت مرحلتي الصهيونية، على أبعد تقدير، بعد نهاية الحرب العالمية الأولى عندما كنت في السنتين الدراسيتين الأخيرتين. كان والدي مذعورًا. وباستثناء ابن عمي في ليخنيخ، كنتُ الصهيوني الوحيد في عائلتي"؛ Hans Jonas, Memoirs , Krishna Winston (trans.) (Hanover/ London: Brandeis University Press, 2008), p. 24.
  32. يقوم تصور يوناس هنا على نقده للتصورين الديمقراطي (الرأسمالي) والماركسي على حد سواء، فالمجتمع القائم على الحرية (الليبرالي) يمكن أن يجعل من المبدأ غاية، ولا يرى من غائية للفعل غير تحرّره أو تقدّمه، إلى حدّ يسمح فيه بأكبر قدر ممكن من تنافس قوى المجتمع. وهكذا تنتقل الحرية داخله من استعمال جيد إلى استعمال سيئ؛ ذلك أن الديمقراطية الرأسمالية إطلاقٌ لعنان إرادة المنفعة الخاصة؛ ما يجعلها عاجزة عن مواجهة خطر الفعل الحر. كذلك، لا يمكن أن يكون المجتمع القائم على المساواة (الفاضل) مشتلًا للفضائل الأخلاقية بالضرورة، حتى إن كان ينطلق من شعار أن علاقات الاستغلال في حد ذاتها غير أخلاقية؛ ليس لأن المستغِلين مذنبين فحسب، بل لأن روح المستغلين أيضًا تقع تحت نير ظروف قاسية وتصبح سيئة. ويكمن عيب هذه المقاربة الماركسية – في نظر يوناس – في أنها تربط فضيلة الفرد بالفضيلة العامة أو الجماعية وكأنه ذرة كما لو أنّ تغيير بنية المجتمع الطبقي ونمط إنتاجه سيؤدي، على نحو جذري، إلى جعل الفرد أخلاقيًا أكثر فأكثر. وهذا ما يسميه يوناس باليوتوبيا الماركسية للإنسان الذي لم يأتِ بعد. وفي مقابل ذلك، يراهن على ضرورة التربية على إيتيقا المسؤولية على نحو دائم ومستمر لا يستكين لأي انتظارية أو تنبؤ، ويؤكد أن الدولة الجيدة لا تخلق بالضرورة مواطنين صالحين أو أخلاقيين. لكن هذا لا يعني أنه يؤيد الفكرة المكيافيلية؛ ف "منذ مكيافيلي اختفت الفكرة الكلاسيكية للدولة بوصفها 'مؤسسة أخلاقية' لمصلحة تزايد النظرية الحديثة للدولة. لقد أصبح التصور المهيمن في العالم الغربي هو التصور الليبرالي للدولة بوصفها مؤسسة متوافقة مع غايات". ينظر: Jonas, , p. 173 The Imperative of Responsibility. إنه لا يتفق مع الطرح الذي ينفي صفة الأخلاقية عن الدولة أو يفصل الأخلاقي عن السياسي، كما أنه لا ينفي الحرية؛ لأنها جزء من ماهية الكينونة العضوية وقيمة أخلاقية في ذاتها، غير أنه يرى أن الامتداد الفعلي للحرية هو الذي يراهن على تغلّب الاستخدام الجيد لها على الاستخدام السيئ؛ أي أن تصبح الحرية قوة من الدرجة الثالثة، وفي هذا يقول يوناس: "سنعتبر (مع الحكم المسبق للغرب من جانبنا من دون شك) أن نظامًا تحرريًا في كل مجالات النشاط الإنساني، ما دام قادرًا على حماية نفسه ضد تجاوزاته الخاصة، أفضل لأسباب أخلاقية من نظام آخر لخوصصة الحرية، حتى عندما يمكنه تقديم بعض المصالح الإنسانية المهمة على نحو أفضل وبطريقة آمنة". ينظر: 174 , p. , The Imperative of Responsibility Jonas. وهكذا، ثمّة أفضلية لنظام سياسي على نظام سياسي آخر من الناحية الأخلاقية، غير أنه يظل دائمًا محفوفًا بالمخاطر.
  33. Jonas, The Imperative of Responsibility , p. 200.
  34. من ناحية أخرى، تأتي التربية من الطبيعة (عن طريق النمو الداخلي لقدراتنا وأعضائنا)، أو الناس (بفضل ما نتعلمه باستعمال ذلك النمو)، أو الأشياء (بوساطة ما نكتسبه من تجربتنا الخاصة في تعاملنا مع الأشياء التي تؤثر فينا). يُنظر: Rousseau, Emil ou l’éducation , pp. 12–13.
  35. محمد أندلسي، نيتشه ومعضلة التربية، سلسلة شرفات 83 (الرباط: منشورات الزمن، 0142)، ص.25–24
  36. المرجع نفسه، ص.19
  37. المرجع نفسه، ص.21–20
  38. Rousseau, Emil ou l’éducation , p. 18.
  39. Stéphane Martineau & Alexandre A. J. Buysse, "Rousseau et l’éducation: Apports et tensions," Revue Phronesis , vol. 5, no. 2, (2016), p. 17.
  40. إضافة إلى ذلك، يلتقي يوناس مع روسو في تأكيد عنصر العاطفة، سواء في عملية التربية أو في التأسيس الأخلاقي، فالطفل، والإنسان عمومًا، قابل للتعلم بفضل استعداده الطيب، بحسب روسو، كما أن الإنسان قابل للامتثال الأخلاقي بفعل دافع الإحساس. Jonas, The Imperative of Responsibility , p. 105:أو القدرة على التأثر بشدائد الآخرين. ينظر
  41. يشكل مفهوم الاحتراز La prudence أحد المفاهيم الأساسية التي بنى عليها يوناس تصوره لإيتيقا المسؤولية بما هي إيتيقا للخوف، ليس بمعناه السيكولوجي (المرضي) الذي ورد عند هوبز بوصفه حالة مسيطرة على الإنسان في حالة الطبيعة، وإنما بمعناه الواعي الذي يفيد توقع الخطر واستباق التهديد. يتطلب إحساس/ وعي الخوف، إلى جانب مبدأ الاحتراس، مبدأً آخر هو التحسيس La sensiblisation؛ أي التعبئة الجماعية لتعميق هذا الإحساس وتحمّل المسؤولية تجاه الفاعلية البشرية. وهذا ما نعنيه بالوظيفة الاحترازية – التحسيسية للتربية عند يوناس.
  42. فُهِمَ عصر التقدم على أنه "إمكانية للفعل في الطبيعة والتحكم في العالم الاجتماعي، وقد شكّلت فكرة تقدّم العلوم النواة الصلبة لهذه العقلانية. وسيكون هذا التقدم، بطبيعة الحال، مساهمة إيجابية للإنسان والمجتمع". ينظر: Martineau & Buysse, p. 15.
  43. قصة أوردها بيير رابحي في كتيب بعنوان: نصيب طائر الكوليبري: النوع الإنساني أمام صيرورته. تقول القصة: "في يوم اندلع حريق مهول في الغابة شاهدته كل الحيوانات المرعوبة وهي عاجزة، ما عدا طائر الكوليبري الصغير الذي بحث عن ماءٍ، ثم جعل يأخذ منه قطرات بمنقاره ليرميها على النار. وفي أثناء ذلك، قال له حيوان المدرع Le tatou بطريقة منزعجة: 'الكوليبري! هل أنت مجنون؟ أتعتقد أنك تستطيع أن تطفئ النار بتلك القطرات؟'. فأجاب طائر الكوليبري: 'أعلم، ولكنّني أقوم بدوري'". ينظر: Pierre Rabhi, La part du colibri: L’espèce humaine face à son devenir (La Tour–d’Aigues: edition de l’aube, 2009), p. 10.
  44. لا يمكن التحكم في التقدم العلمي – التقني بإيقافه، فهذه مهمة مستحيلة نظريًا وعمليًا، بل إن التقدم العلمي نفسه شرط لهذا التحكم في نظر يوناس، لكن ينبغي أن يكون تقدّمًا مسؤولًا من الناحية الأخلاقية، وهذا ما يعنيه يوناس بالمسؤولية العلمية بوصفها توجهًا مضاًّدًا للنزعة الوضعية التي قالت بالتحييد القيمي للعلم.
  45. Michel Faber, "Est–il possible d’éduquer dans un monde problématique?" Revue internationale de philosophie , vol. 3, no. 257, (2011), p. 97.
  46. Céline Chauvigné & Michel Fabre, "Questions socialement vives: Quelles approches possibles en milieu scolaire?" Carrefours de l’éducation , vol. 2, no. 52, (2021), p. 15.
  47. من بينها: قضايا الحقيقة في عالم المعرفة المتسارعة والريبية، والبيئة، والسياسة الطاقية، والنوع الاجتماعي، والأقليات، والذكاء الصناعي... إلخ. وعلى سبيل المثال، يشير بعضهم إلى الرهانات التي تطرحها السياسة الطاقية بالقول: "في حين يتعلق بالسياسة الطاقية، حال الخروج التدريجي من الطاقة النووية، فإن المعطيات المرتبطة بالجدوى التقنية أو المزايا والسلبيات الاقتصادية أو الاجتماعية، تكون أقل تحديدًا، وهي مثيرة للجدل. إضافة إلى ذلك، لا نصغي للشروط القيمية التي ستحكم القرارات، فبعضهم يفضل القيم الإيكولوجية، وبعضهم يفضّل الاستقلال الطاقي للبلد، في حين يهتم آخرون بالاستعمال". ينظر: Chauvigné & Fabre, p. 9. وفي ضوء ذلك، ينتمي يوناس إلى الاتجاه الذي يراعي القيم الإيكولوجية. وبهذا، ينبغي للتربية أن تكون إعادة تأهيل للفاعلية الجماعية لكي تصبح قادرة على إنقاذ البشرية من الكارثة، بما يتطلبه ذلك من موقفٍ تجاه السياسيات العمومية ومن بينها الطاقية.

التنزيلات

منشور

2025-02-01

تواريخ المقالة

الاستلام: ديسمبر 26, 2024 التعديل: يونيو 1, 2025 القبول: يونيو 4, 2025

إحصاءات الاستخدام

39 مشاهدة 67 تنزيل

إصدار

القسم

دراسات