العودة إلى تفاصيل المؤلَّف السلطة القضائية في العراق: إشكاليات الاستقلالية غير المقيدة

السلطة القضائية في العراق: إشكاليات الاستقلالية غير المقيدة

Iraq's Judiciary: Problems of Unrestricted Independence

فراس مكية | Firas Mekkiya

الملخّص

ملخص: تستهدف هذه الورقة، بعد استعراض تاريخي لاستقلالية القضاء في العراق منذ 1921، تسليط الضوء على الانحرافات والإشكالات التي نشأت في العراق منذ تجربة الانتقال الديمقراطي عام 2003، والتي نجمت جرّاء فصل السلطة القضائية بصورة تامة وغير متوازنة عن بقية السلطات، ومنحها استقلاليةً "مفرطةً" وغير مسؤولة. ترى الورقة أن هذا النمط من الاستقلال أوجد عدة صراعات داخل القضاء ذاته، كم أدخل القضاء قرْس ا ضمن العملية السياسية ومعادلاتها؛ ما أدى إلى تسييسه. انتهت الورقة إلى اقتراح عدد من الإصلاحات المؤسسية داخل القضاء، كم أوردت عدة نماذج مقترحة لإعادة هيكلة السلطة القضائية من الداخل، ولضبط علاقتها بالسلطات الأخرى، وذلك على أساس متوازن، يؤسس لقضاء مستقل ومسؤول، ويكبح تسييس القضاء، ويجنب البلاد نشوء "أوليغارشيات أو دكتاتوريات قضائية".

Abstract

Abstract: Following a historical assessment of judicial independence in Iraq since 1921, this paper examines the deviations and challenges that the Iraqi judiciary has encountered since 2003. It investigates the judiciary's absolute and uneven separation from other authorities, as well as its excessive and irresponsible independence. This pattern of independence has resulted in several clashes within the judiciary and has compelled it to get involved in the political process, resulting in its politicization. The paper offers a variety of approaches to achieve institutional reform in the judiciary, as well as models for a fair allocation of branches within the judiciary and between the judiciary and executive and legislative authorities. Such measures will help to establish an independent and accountable judiciary, reduce judicial politicization, and prevent the formation of "judicial oligarchies or dictatorships".

الكلمات المفتاحية:
  • القضاء العراقي
  • فصل السلطات
  • النخبة السياسية
  • الانتقال الديمقراطي
  • استقلال القضاء
Keywords:
  • Iraqi Judiciary
  • Separation of Powers
  • Political Elite
  • Democratic Transition
  • Judical Independence

المقدمة

تُلقي التجربة العراقية، في ما يتعلق باستقلال القضاء، الضوء على تجربة فريدة في التاريخ القضائي العربي. فقد عانى القضاء والقضاة في الدول العربية كلها، تاريخيًا، هيمنة السلطة التنفيذية، وحال ذلك دون قيام القضاء بدوره بحيادية وتجرّد، خصوصًا في ما يتّصل بإشكالات الحكم والسياسة، ويمكن أن يُقدَّم القضاء العراقي مث لً على مخاطر الاستقلال المؤسسي غير المنضبط، حيث أصبح القضاء مستقلًاستقلالً غير متوازن، وخلق هذا الأمر إشكالات مستجدّة في الوضع القضائي في الوطن العربي. ونتيجة لهذا الاستقلال، أدّى القضاء، بخاصة المحكمة الاتحادية العليا، أدوارًا سياسية مهمة لم تعهدها التجارب السياسية العربية المعاصرة. وأثارت هذه الأدوار الكثير من اللغط في المجتمع العراقي والنخبة السياسية، وبين القضاة أنفسهم. تستهدف ورقة السياسات هذه – من خلال دراسة التجربة العراقية – تسليط الضوء على الانحرافات والإشكالات التي يمكن أن تنشأ من جرّاء فصل السلطة القضائية بصورة تامة عن باقي السلطات، بصورة غير متوازنة، تمنحها استقلاليةً مفرطةً غير مسؤولة. كم تقترح الورقة بعض المعالجات التي تضمن توزيع السلطات داخل السلطة القضائية وخارجها، بصورة متوازنة، يمكنها تفادي نشوء "أوليغارشيات أو دكتاتوريات قضائية"، وتكبح تسييس القضاء1. أدّى انهيار النظام السلطوي في العراق في عام 2003 إلى انهيار الدولة بالكامل، وأُريد لعملية إعادة بناء الدولة أن تكون تأسيسًا لدولة جديدة تختلف جذريًا عن الدولة الأولى، ويتجسّد هذا الاختلاف في المقوّمات الديمقراطية مثل التداول السلمي للسلطة ومنظومة فصل السلطات وتوازنها وضمن الحريات السياسية. ويمكن القول إن عملية التحوّل الديمقراطي كانت أشبه بالصدمة المفاجئة بالانتقال فورًا من نظام استبدادي يُعدّ من أعتى الأنظمة الدكتاتورية، إلى نظام يسعى لأن يكون ديمقراطيًا وبدرجة مثالية، وقد انعكس ذلك على شكل حالة من الفوضى كانت أشبه بانعدام الجاذبية وفقدان الرؤية في عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة. أسفر الانتقال الديمقراطي عن تحوّل فوري ومفاجئ من وضع التبعية، أي "المؤسسة القضائية"، إلى حالة الاستقلال "سلطة قضائية"، مع ما في هذا التحوّل من تبعات دستورية وقانونية وسياسية. وخلال هذا الانتقال من مجرد هيئات قضائية خاضعة إداريًا بالكامل للسلطة التنفيذية وتحت مسؤوليتها، إلى سلطة قضائية، عانت السلطة القضائية الصراع لبسط النفوذ والاستحواذ على السلطة داخل السلك القضائي الذي شهد بروز مناصب ومواقع لها وزنها الدستوري، مع ما فيها من امتيازات، بدلً من محدودية الصراع البيروقراطي السابق في حدود التدرّج المهني. كم أُدخِلت السلطة القضائية قسرًا ضمن العملية السياسية ومعادلاتها، وأُقحمت في الصراعات والتوازنات بين القوى السياسية، ما أدّى إلى تسييس القضاء والتأثير في حياديته. وامتدّ توريط القضاء بالسياسة إلى حد زجّه المباشر في الصراعات الانتخابية، بدءًا من حسم الطعون الانتخابية والمصادقة على نتائج الانتخابات، وصولً إلى تولّ مسؤوليات تنفيذية مباشرة في إدارة مفوضية الانتخابات التي يُفترَض

  1. ناقشت هذه الورقة واقع السلطة القضائية في العراق لغاية تعديل قانون "أمر" تشكيل المحكمة الاتحادية العليا في 2021/3/18 الذي كان مجرد توافق سياسي مؤقت لمعالجة الفراغ الدستوري الناجم عن تعطّل المحكمة في أثر تقاعد أحد أعضائها. وكان الاتفاق على التشكيلة الجديدة لأعضاء المحكمة بمنزلة الإعلان الرسمي لمرحلة جديدة من مراحل المحكمة الاتحادية وأدوارها، فقد خضعت المحكمة بالكامل لسلطة مجلس القضاء الأعلى الذي تمركزت بيده سلطات مطلقة غير محدودة، أهّلته للقيام بدور سياسي، برز بجلاء بعد الانتخابات البرلمانية في خريف 2021 وقرارات المحكمة – وقد أباحت لنفسها مراجعة قرارات المحكمة السابقة – التي كانت حاسمة في تقرير مصير النظام السياسي، بدءًا من حسم نتائج الاقتراع، مرورًا بتثبيت التوازنات السياسية للنظام التوافقي وما رافق تشكيل الحكومة الجديدة من اضطرابات وصدامات كانت المحكمة نفسها عرضةً لها. وأخيرًا الاصطدام مع إقليم كردستان بعد توجّه المحكمة المباشر نحو تقوية الحكومة المركزية، وهو ما سنحاول بحثه في دراسة مقبلة.

أنها هيئة مستقلةٌ عن السلطات الثلاث. وعلى صعيد تغيير النظام، فقد عانت السلطة القضائية "المستحدثة " "الاستقلالية المفرطة" التي أخذت تتمتّع بها فجأةً، وانعكس ذلك في الارتباك الواضح الذي بدا على تشكيلات السلطة ومؤسساتها والتشابك في توزيع المسؤوليات والصلاحيات. يمكن القول إنه في التجربة العراقية بعد عام 2003 كانت المعادلة هي ببساطة: تسييس القضاء في مقابل استقلاليته، وكلم تمتّع القضاء بدرجة أكبر من الاستقلالية، تكرّس بوصفه سلطة دستورية. وبهذا أصبح أكثر عرضةً للتسييس، أي إن تسييس القضاء هو ثمن استقلاليته إذا ما كانت هذه الاستقلالية مفرطة بصورة تجعلها غير مسؤولة وغير خاضعة للرقابة أو المحاسبة من السلطات الأخرى تحت مفهوم ضيّق ومتطرف لاستقلالية القضاء. وبدلً من الصراع من أجل حيادية القضاء واستقلاليته عن نزعات السلطة التنفيذية، سواء كانت استبدادًا فئويًا "أوليغارشية" Oligarchy أم فرديًا "أوتوقراطية" (مثل الرئيس أو الدكتاتور في الدول العربية وتدخلّاته لفرض مصالحه ومصالح سلطته الخاصة)، سيتحوّل الصراع داخليًا من أجل موضوعية القضاء وحياديته تجاه النزعات والمصالح الشخصية للقضاة أنفسهم، أي الانتقال من الأوليغارشية السياسية أو الحزبية إلى أوليغارشية القضاة داخل مواقع السلطة القضائية. وبدلً من مقاومة الرئيس الدكتاتور – رأس السلطة التنفيذية عادةً – الذي يهيمن على الدولة كلها، سيكون على القضاء مقاومة القاضي الدكتاتور رأس السلطة القضائية الذي يهيمن على السلطة القضائية. موضوع هذه الورقة إذًا هو الاستقلال غير المنضبط للسلطة القضائية في العراق منذ عام 2003، وسبل معالجة تداعياته. وباستخدام المدخل القانوني على نحو رئيس، سيجري تشخيص خصائص ذلك الاستقلال غير المقيد، فضلً عن أسبابه وآثاره. وتتضمن الورقة ثلاثة أقسام، يناقش أولها وضعية استقلال المؤسسة القضائية في الدولة العراقية الأولى 2003-1921، في مراحلها المختلفة (حيث تعاقبت عليها أنظمة أوليغارشية ثم عسكرتارية ففردية ثم نظام الحزب الواحد، فنظام سلطوي، فنظام عبادة الفرد). ويقدم القسم الثاني تشخيصًا تفصيليًا لمشكلة الاستقلال غير المقيد للسلطة القضائية في العراق منذ 2003، وذلك من حيث أبعادها، وأسبابها، وتداعياتها القانونية والسياسية والقضائية. وتتناول الورقة في هذا القسم: 1. استقلالية السلطة القضائية خلال المرحلة الانتقالية، 2. إعادة هيكلة السلطة القضائية في دستور 2005، 3. الإشكاليات العملية في التشريع والممرسة. أما القسم الثالث والأخير، فيقدم عددًا من المعالجات المقترحة للإشكاليات التي أنتجتها الاستقلالية غير المقيدة، وهي: 1. الإصلاحات المؤسسية للقضاء، 2. نماذج مقترحة لإعادة هيكلة السلطة القضائية من حيث تصميمها الداخلي، ومن حيث علاقتها بالسلطتين التشريعية والتنفيذية. وفي نهاية الورقة خاتمة تتضمن أبرز النتائج.

أولً: واقع استقلال القضاء يف الدولة العراقية الأولى

على الرغم من الاختلافات البنيوية والأيديولوجية والمؤسسية بين الأنظمة المختلفة، ملكية كًانت أم جمهورية خلال هذه المرحلة الممتدة، فإن وضع المؤسسات القضائية لم يختلف في الواقع كثيرًا. ولذلك ولضمن سلاسة التحليل، جرى عرض هذه المرحلة على أنها حقبة متميزة من مرحلة الاحتلال التي شهدت إعادة تأسيس السلطة القضائية بصورة كاملة.

في المرحلة الأولى لبناء الدولة (1958-1921)، نص القانون الأساسي للمملكة العراقية (دستور 1925)2على تأليف "محكمة عليا"، تتولّ محاكمة الوزراء وأعضاء مجلس الأمة على الجرائم السياسية أو المتعلقة بوظائفهم ومحاكمة قضاة التمييز، وتتولّ تفسير الدستور والبت بدستورية القوانين (المادة 81)، وهي صلاحيات مهمة جدًا، خصوصًا أن المحكمة عبارة عن مجلس سياسي يجري اختياره إما من مجلس الأعيان (الغرفة الثانية) (المادة 3/82)، وإما من مجلس الوزراء (المادة 83) في حال عطلة المجلس. وتتألف المحكمة من أربعة من أعضاء مجلس الأعيان، إضافة إلى رئيسه الذي يترأس المحكمة، ومن أربعة من كبار القضاة (المادة 3/82). وعلى الرغم من هذا الدور الخطر كله للمحكمة العليا في النظام السياسي، فإن السلطة القضائية لم تتبلور في العهد الملكي بوصفها سلطة دستورية ثالثة، لأن المحكمة العليا كانت محكمة مؤقتة، تُعقد بقرار اتهامي من مجلس النواب في ما يتعلق بمحاكمة أعضاء السلطتين التنفيذية والتشريعية، وبقرار من مجلس الوزراء أو أحد مجلسي الأمة، بالنسبة إلى تفسير الدستور ودستورية القوانين (المادة 2-1/82)، ولذلك لم تتشكل المحكمة العليا بوصفها مؤسسةً لها كيانها وهيكلها الثابت. وبناء عليه، لم تُفضِ إلى نشوء سلطة قضائية موازية للسلطتين التنفيذية والتشريعية، واقتصر القضاء على المحاكم والمؤسسات القضائية التي خضعت بصورة تامة لوزارة العدلية مع صلاحيات مطلقة للوزير، تهيمن على لجنة أمور الحكّام والقضاة وقرارتها في التعيين والترقية والنقل والعقوبات والعزل (قانون الحكام والقضاة /31 1929 وقانون الخدمة القضائية 1945/27). وقد جرى الحدّ من سلطة الوزير المطلقة في نهاية العهد الملكي، مع استمرار هيمنة السلطة التنفيذية، ولا سيم في تعيين رؤساء القضاة بقانون الخدمة القضائية /58 1956 الذي بقي نافذًا طوال عهد الجمهورية الأولى (1963-1958) التي نص دستورها المؤقت و"الوجيز" في عام 1958 على استقلال القضاء والقضاة (المادة 23)، من دون التأسيس لسلطة قضائية أو محكمة دستورية، والتي اندثرت بانتهاء العهد الملكي، وغابت بغياب الدستور الدائم طوال العهد الجمهوري.)2003-1958(منح دستور الجمهورية الثانية (1968-1963) المؤقت 1964 استقلالية أوسع للقضاء والقضاة (المادتان 85 و 89)، كم بدأ تنظيم المؤسسات القضائية والنص دستوريًا، أول مرة، على الادّعاء العام ومجلس الدولة المختص بالقضاء الإداري والتفسير القانوني (المواد 93-91). وقد تمتّع القضاء باستقلال متزايد، مقارنةً بالعهد السابق؛ إذ أُوكلت شؤون القضاة بالكامل بحسب قانون السلطة القضائية /26 1963 ل إلى مجلس القضاء الذي بدأ يتشكّ بموجبه بوصفه مؤسسة، وإن تدخّل في صلاحياتها وزير العدل أحيانًا، بيد أن السلطة التنفيذية استمرت في هيمنتها الكاملة على تشكيل مجلس القضاء نفسه والاستئثار بتعيين رؤساء القضاة، ولذا لا يمكن اعتبار القضاء مستقلً إلّ بصورة نسبية جدًا. استنسخ دستور عام 1968 المؤقت مواد الفصل الرابع "السلطة القضائية" من الباب الرابع "سلطات الحكم"، بنصها وتسلسلها من دستور عام 1964، مضيفًا إليها المادة 87 التي تنص على تشكيل "محكمة دستورية عُليا"، تتولّ تفسير الدستور وتفصل في دستورية القوانين وتفسيرها وقانونية الأنظمة وإلزامية قراراتها، وقد كان هذا

النص تطوّرًا خطرًا في وضع السلطة القضائية وخطوةً لتأسيسها بصورة دستورية ثابتة، بيد أن هذا المسار الذي كان استثناءً من نظام الجمهورية الثالثة (2003-1968) لم يتحقّق؛ إذ لم تتشكّل هذا المحكمة، وبقيت حبرًا على ورق حتى إلغاء دستور عام 1968 المؤقت، بعد أقل من سنتين على إصداره. وقد أسفر دستور عام 1970 المؤقت عن تبيان طبيعة النظام الحقيقية؛ إذ لم يكتفِ بإلغاء نص المحكمة الدستورية العليا، إنما تراجع تراجعًا كبيرًا عن النصوص كلها الواردة في دستوري عام 1964 و 1968 المؤقتين التي شكّلت في حينها تطوّرًا في مسيرة السلطة القضائية، مكتفيًا بمادتين فقط، إحداهم للقضاء والأخرى للادّعاء العام في الفصل الرابع الذي، للمرة الأولى والوحيدة، جرى تغيير عنوانه من السلطة القضائية إلى "القضاء"، بما يفسّ نيّة النظام في تشريع قانون وزارة العدل /101 1977 لاحقًا، الذي قضى تمامًا على استقلالية القضاء وجعل المؤسسات القضائية والمحاكم كلها والقضاة تحت إشراف وزارة العدل بالمطلق، ومحوّلً مجلس القضاء إلى مجلس العدل. ولم يكن هذا الوضع "التاريخي" الشاذ الذي اختزل السلطة القضائية إلى مجرد مؤسسات تابعة لوزارة العدل وجعلها مجرد فرع صغير للسلطة التنفيذية، مستغربًا على النظام السلطوي الذي جمع السلطات الثلاث كلها بيد مجلس قيادة الثورة الذي تولّ السلطة التنفيذية، وعمليًا السلطة التشريعية أيضًا، وألغى السلطة القضائية، بل إن دستور عام 1970 المؤقت لم يصنّف الباب الرابع "مؤسسات الجمهورية العراقية" إلى السلطات الثلاث أصلً، كم هو معتاد في الهندسة الدستورية، وقد استمر النظام القضائي هذا لأكثر من ربع قرن (2003-1977) حتى انهيار الجمهورية الثالثة والدولة العراقية الأولى.

ثانيًا: السلطة القضائية يف العراق منذ 2003

استقلالية السلطة القضائية خلال المرحلة الانتقالية

افتتحت "سلطة الاحتلال" مرحلةً تاريخيةً جديدةً في مسار القضاء العراقي، بإعلان استقلالية القضاء عن وزارة العدل مجددًا وإعادة تشكيل مجلس القضاء "بدون أن يخضع لأي سيطرة أو رقابة أو إشراف من وزارة العدل" (أمر سلطة الائتلاف المؤقتة: "إعادة تشكيل مجلس القضاء" رقم /35 2003 في 2003/9/18)، ليتولّ مجلس القضاء بصورة حصرية ومستقلة فعليًا الشؤون الإدارية للقضاة والمدّعين العاميّن من التعيينات والترقيات والعقوبات والعزل. في الواقع، قفز أمر سلطة الائتلاف المؤقتة بالقضاء العراقي إلى مرحلة الاستقلال التام الضروري لتأسيس سلطة قضائية حقيقية، ولم يكتفِ بالعودة إلى مرحلة 1964-1963 التي شهدت تطوّرًا متصاعدًا وملحوظًا في تعزيز استقلال القضاء عن القبضة المحكمة للسلطة التنفيذية منذ تأسيس الدولة الحديثة في العراق، كم لم يكتفِ بالاقتصار على إنهاء الوضع الشاذ الذي "قضى على القضاء" بفعل قوانين عامي 1979-1977. منح أمر سلطة الائتلاف الهيمنة في مجلس القضاء الأعلى للقضاة عبر تركيبته التي يُهيمن عليها القضاة (أكثر من 90 في المئة من تركيبة المجلس)، مهمّشًا باقي فروع القضاء، أي الادّعاء العام والقضاء الإداري الذي يتحكم مجلس القضاء في مفاصلهم كلها، كم جعل جهاز الإشراف القانوني3 تحت سلطة مجلس القضاء، ممثلً فيه بعضو وحيد (أقل من 3 في المئة من تركيبة المجلس)، والمفارقة أنه أخضع جهاز الإشراف مع خطورة دوره الرقابي على القضاة لسلطة القضاة أنفسهم، بدلً من منحه السلطة عليهم، وهذا يعني من الناحية العملية إلغاء الرقابة على القضاء، وأن يكون القضاء غير مسؤول، وهذا اختلالٌ فظيعٌ في التصميم الدستوري.

  1. يعرف جهاز الإشراف القضائي عادة بإدارة التفتيش القضائي في دول عربية أخرى.

كانت سلطة الائتلاف بصدد تصميم كامل للسلطة القضائية في الأمر /35 2003، اتّضحت معالمه مع إصدارها قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية في 2004/3/8. نصّ قانون إدارة الدولة – الذي كان يفتقر إلى الشرعية الدستورية، لكنه أصبح أمرًا واقعًا الدستور المؤقت4 – بالتفصيل على استقلال القضاء والاستقلال المؤسسي والمالي للسلطة القضائية والأمان الوظيفي للقضاة والتشدّد بتطرف في إمكانية عزلهم، وأسس، لأول مرة في تاريخ العراق، "المحكمة الاتحادية العليا" وهي محكمة دستورية لها صلاحية البت "الحصري والأصيل" بدستورية القوانين والأنظمة والتعليمت، وتقسيم السلطة القضائية دستوريًا ووظيفيًا إلى قسمين: المحكمة الاتحادية العليا التي تقوم بمهمت المحكمة الدستورية، والمحكمة الاتحادية معًا (أي "القضاء السياسي")، ومجلس القضاء الأعلى الذي يمثل مجلس القضاة (أي "القضاء التقليدي") وتنظيم التوازن بينهم؛ إذ يرشح مجلس القضاء الأعلى أعضاء المحكمة الاتحادية العليا من دون حق التعيين ولا العزل، ويترأس رئيس المحكمة الاتحادية العليا، في المقابل، مجلس القضاء الأعلى. وهنا يبدو بعض الارتباك في تصميم السلطة القضائية، فمع تقسيمها فرعين متميزين، كان من المفترض أن يستقل كل فرع بإدارته، وأن يرأس مجلس القضاء الأعلى رئيس محكمة التمييز وليس رئيس المحكمة الاتحادية، كم في الأمر 35 الذي أشار إلى المحكمة قبل النص على تأسيسها بستة شهور، وهو ما يبدو أن النيّة كانت متّجهةً إليه؛ إذ يُستشَفّ من قانون إدارة الدولة أن نيابة رئيس محكمة التمييز لرئاسة مجلس القضاء توحي برئاسته الفعلية له، وهو ما ينسجم مع طبيعته الوظيفية، وأن رئاسة رئيس المحكمة الاتحادية لمجلس القضاء، إما تشريفية بغرض توكيد رئاسته للسلطة القضائية، ومن ثم توكيد موقع المحكمة الاتحادية في النظام السياسي، وهو ما كان يكفي فيه النص على أن يكون رئيس المحكمة الاتحادية رئيسًا للسلطة القضائية من دون هذا الخلط بين وظائف المحكمة والمجلس، وإما جاء لأسباب شخصية، كم سيتضح. بعد انهيار الدولة في عام 2003، شكّلت سلطات الاحتلال لجنة للمراجعة القضائية لتصفية القضاة المتّهمين بالانتمء إلى حزب البعث، أو بالفساد أو عدم الكفاءة، واستبعدت نحو 20 في المئة منهم، وأعادت التعيينات في المناصب القضائية، ومنها محكمة التمييز. وقد اختار قضاة محكمة التمييز الذين عيّنتهم لجنة المراجعة القضائية رئيس اللجنة نفسه رئيسًا للمحكمة، بعد أن ثبّت نفسه عضوًا فيها، بينم كان من المفترض أن يتنحّى عن المناصب القضائية المكلّف بتصفيتها لضمن عدم تضارب المصالح الشخصية. ثم أعادت سلطة الائتلاف تشكيل مجلس القضاء بعد فك تبعيته لوزارة العدل ومنحه الاستقلالية الكاملة، بناءً على تعيينات لجنة المراجعة، وترأسه مرةً أخرى رئيس محكمة التمييز حكمً. قامت الحكومة المؤقتة التي تفتقر أيضًا إلى الشرعية الدستورية، حيث عيّنتها سلطة الائتلاف المؤقتة، بتشريع قانون المحكمة الاتحادية العليا 2005/30؛ إذ كانت تجمع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وقد قامت هذه السلطة بتشريع أهم قوانين السلطة

  1. واجهت سلطة الائتلاف المؤقتة معارضة شعبية واسعة، قادها آية الله علي السيستاني لمحاولتها، بوصفها سلطة احتلال وبغياب أي سلطة وطنية شرعية، تمرير دستور عراقي وعقد اتفاقية تحدد وضع قوات الاحتلال، وفي نهاية الأمر كتبت قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية ووقعته عبر مجلس الحكم المعيّ من قبلها ليكون دستورًا مؤقتًا بحكم الأمر الواقع، من دون أن يتمتع بأي اعتبار قانوني شرعي، كما فشلت سلطة الائتلاف بالحصول على اعتراف الأمم المتحدة به. حول تفاصيل كتابة قانون إدارة الدولة وملابساته، يُنظر: فراس طارق مكية، قصة الانتخابات: الثورة الدستورية في العراق -2003 05 0 2 (بيروت: دار المؤرخ العربي، 2015؛ بغداد: منتدى الحوار المدني، 2014)، ص.98-76 وحول المآخذ والطعون في شرعيته، ينظر: Jamal Beomar, "Constitution Making After Conflict: Lessons for Iraq," Journal of Democracy , vol. 15, no. 2 (April 2004), pp. 93.

القضائية، ثم تعيين أعضائها في تناقض صارخ مع الأسس الديمقراطية لفصل السلطات، وأطلقت ولاية أعضاء المحكمة مدى الحياة، ثم عيّنت الحكومة المؤقتة قضاة المحكمة الاتحادية العليا، بناءً على ترشيحات مجلس القضاء الأعلى، وكان ضمن المرشحين – وخلافًا لمضمون قانون إدارة الدولة – رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس محكمة التمييز الذي رشّح نفسه بنفسه (عبر مجلس القضاء الأعلى الذي عيّ أعضاءه عبر لجنة المراجعة القضائية، وعبر المحكمة الاتحادية الذي عيّ أعضاءها عبر مجلس القضاء)، ليصبح، إضافة إلى ذلك رئيسًا للمحكمة الاتحادية العليا. وقد صدر المرسوم الجمهوري رقم /398 2005 الخاص بتعيين رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية عن مجلس رئاسة الجمهورية، المنقوص الشرعية، حيث عيّنته سلطة الائتلاف المؤقتة أيضًا، لكن بعد انتهاء ولايته، في خرق دستوري آخر، بيد أن مجلس الرئاسة الذي انتخبته الجمعية الوطنية المنتخبة تدارك التعيينات بالإقرار بالقرار الجمهوري رقم /2 2005. يمكن التبرير لمجمل التعيينات بأنها كانت عبر إجراءات قانونية، أو بالأحرى مقنّنة، ولقضاة يتمتع معظمهم بسيرة مؤهلة وكفاءة مشهودة، لكن الإشكالية أن العملية افتقدت الشفافية بصورة ملحوظة، وأن شخصًا ما تمتّع بالهيمنة على مجمل التعيينات بصورة تعاظمت، ليجمع بيده السلطات كلها داخل السلطة القضائية التي تحوّلت إلى دكتاتورية قضائية، وحصل مجمل العملية في مرحلة انتقالية تفتقد الشرعية في ظل الاحتلال والقوانين الصادرة عنه والسلطات المعيّنة منه، كم جرت العملية بصورة فردية على يد رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة أولً، ثم ترويكا رئاسة الجمهورية ورئيس الوزراء المؤقتين5. في الحقيقة، إن ما قامت به سلطة الائتلاف المؤقتة (2004-2003) شكّل التصميم الفعلي للبنية الدستورية التحتية لهيكل الدولة العراقية بتفاصيلها كلها التي استقرت عليها بعد سن الدستور الدائم وتشكيل الحكومة الشرعية المنتخبة (2006-2005). ويمكن تلخيص الملامح الأساسية بصدد تصميم السلطة القضائية في: أولً، أسّست سلطة الائتلاف المؤقتة السلطة القضائية برؤية ناضجة ومتكاملة، لأول مرة. ثانيًا، استهدفت بشكل أساسي ضمن استقلالية القضاء (التقليدي) والتطرّف في ضمن استقلاليته، خارجًا عن أي إطار للرقابة، مع منح القضاة سلطات مطلقة غير محدودة في مجال القضاء، وهذا اختلالٌ في توازن التصميم الدستوري حتى وإن كان في سياق ردة فعل تصحيحية لتبعية القضاء المطلقة للسلطة التنفيذية في النظام السابق. ثالثًا، تأسيس المحكمة الدستورية، لأول مرة، أيضًا ومنحها الموقع المناسب والقوة الدستورية الكافية لتأسيس نظام ديمقراطي، وبالتوازن المناسب مع السلطة التنفيذية. رابعًا، الافتقار إلى الشفافية في تأسيس السلطة القضائية. خامسًا، الارتباك في التصميم الداخلي للسلطة القضائية.

إعادة هيكلة السلطة القضائية يف دستور 2005

جرى التصديق على دستور عام 2005 الذي سنّته الجمعية التأسيسية المنتخبة بالاستفتاء العام في 2005/11/15، ليصبح الدستور الدائم لجمهورية العراق (وهو أول دستور دائم في الدولة العراقية الثانية، وأول دستور دائم في العهد الجمهوري منذ حوالى نصف قرن). خصّص دستور عام 2005 الفصل الثالث من الباب الرابع ل "السلطة القضائية"، وقد جاءت نصوصه مرتبكةً جدًا في تصميم السلطة القضائية، فقد عدّد ما لا يقل عن ستة فروع للسلطة القضائية، لم يتناول منها إلّ فرعين فقط، وقد غفل عن تعداد الفرع السابع،

  1. ينظر: فراس طارق مكية، لمحات استراتيجية حول قانون المحكمة الاتحادية (السويد: المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات؛ تونس: المنظمة العربية للقانون الدستوري، 2017)، ص.11-7

وهو محكمة القضاء الإداري (مجلس الدولة) التي أشار إليها في مادة ختامية عامة متناقضة، هي الأخرى، وعلى سبيل التخيير (المادة 101)6، كم أنه لم يتناول طبيعة العلاقة بين الفرعين الرئيسين، أي مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا والتوازن بينهم، ولم يبتّ في مسألة فصل أو دمج رئاستي مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا التي أصبحت محل نزاع شديد لاحقًا، ومن ثم توحيد السلطة القضائية أو توزيعها أسوةً بالسلطتين التنفيذية (رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء) والتشريعية (مجلس النواب ومجلس الاتحاد) وإضافة إلى ذلك، أوكل تشكيل كل من مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا إلى تشريع قانوني، متغاضيًا عن تفصيل تركيبة المجلس وطريقة تشكيله وطريقة تشكيل المحكمة، وهذا ما شكّل خللً في تصميم السلطة القضائية، انعكس لاحقًا على التناقض والتخبّط في مجمل هيكلية السلطة. فصّل دستور عام 2005 في المحكمة الاتحادية واختصاصاتها بوصفها محكمة دستورية واتحادية حصرية تخضع لأحكامها السلطات كلها. فقد توسّع المشرع الدستوري العراقي – على غير عادته في الإيجاز – في المادة 93، في تحديد اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا. فإضافة إلى الاختصاص الأصيل في الرقابة على دستورية القوانين والتشريعات، عهد المشرع للمحكمة بتفسير نصوص الدستور، والفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية والقرارات والأنظمة والتعليمت والإجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية، وكذلك الفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية، والفصل في المنازعات التي تحصل في ما بين حكومات الأقاليم أو المحافظات، والفصل في تنازع الاختصاص بين القضاء الاتحادي والهيئات القضائية الأخرى، والفصل في تنازع الاختصاص في ما بين الهيئات القضائية المختلفة، وأضاف إلى اختصاصات المحكمة مهمة الفصل في الاتهامات الموجّهة الٕى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء7، والتصديق على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب، التي تشمل إقرار عضوية النواب والبتّ في طعونات العضوية. أدّى هذا التوسع في صلاحيات المحكمة إلى منحها قوةً دستوريةً رسّخت – مع انخراطها عمليًا في تفسير المواد محل الجدل في توزيع السلطة وتداولها – مكانتها اللائقة في النظام السياسي، حيث أصبحت مرجعيةً حقيقيةً، بيد أن تغاضي الدستور عن آلية تشكيل المحكمة وإيكالها لقانون يُسَنّ بغالبية معزّزة، أنتج شللً في تشكيل المحكمة التي لم تؤسّس إلى وقت كتابة هذه الدراسة، على الرغم من مرور أكثر من خمسة عشر عامًا على إقرار الدستور. فقد اشترط الدستور غالبية الثلثين لتشريع قانون المحكمة الاتحادية العليا (المادة 92/ثانيًا) لضمن أغلبية توافقية بين المكوّنات الرئيسة بسبب أجواء انعدام الثقة والتوجّس المتبادل بينها. وقد تسبّب ذلك في عرقلة تشريع القانون، على الرغم من المحاولات المتعدّدة في الدورات البرلمانية كلها التي وصلت إلى مرحلة التصويت في بعضها8، ولا يلوح في الأفق أيّ احتمل لتجاوز عقبة التوافق مع خطورة هذا القانون، ليس على مستوى السلطة القضائية فحسب، بل على مستوى النظام السياسي كله، بسبب الدور الحسّاس المناط بالمحكمة الاتحادية لضبط العملية السياسية، وهكذا استمرت المحكمة الاتحادية "الانتقالية" - التي

  1. نصّت المادة على: "يجوز بقانون، إنشاء مجلس دولة يختص بوظائف القضاء الإداري والإفتاء والصياغة، وتمثيل الدولة وسائر الهيئات العامة أمام جهات القضاء، إلّ ما استُثني منها بقانون."
  2. في المقابل لم تمنح السلطة التنفيذية مثل هذا الحق؛ إذ يتمتّع جميع القضاة وليس قضاة المحكمة الاتحادية فحسب بالحصانة من العزل، إلّ عبر الإجراءات القضائية.
  3. طرحت مشاريع عدة للنقاش عبر الدورات البرلمانية الثلاث في عام 2008، ثم لاحقًا في عام 2011، وقد جرت تعديلات على مسوّدة المشروع الأخير الذي واجه انتقادات واسعة وطُرح للنقاش بصيغة معدلة في الدورة البرلمانية الأخيرة في عام.2015

تشكّلت بموجب قانون إدارة الدولة في عهد الحكومة المؤقتة التي عيّنتها سلطات الاحتلال – بوصفها أمرًا واقعًا. وخلق هذا وضعًا فريدًا، حيث أصبحت المحكمة التي أُسّست قبل كتابة الدستور والتصديق عليه هي المناط بها تفسيره والحفاظ على سموّه. وبهذا، اضطرت القوى السياسية إلى اعتبار المحكمة المؤقتة المشكّلة بموجب قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية بمنزلة المحكمة الاتحادية العليا بحكم الأمر الواقع، مع أن المحكمة المؤقتة اختصّت بتفسير نصوص قانون إدارة الدولة فحسب (المادة 442//ب)، وليس الدستور أو الدساتير اللاحقة، كم أن ظروف تشكيلها الاستثنائية والمطعون في شرعيتها وشفافيتها جعلها محل جدل، حيث تآكلت قوّتها الدستورية التي اكتسبتها بعد أن أصبحت ميزةً مهمةً جدًا للنظام الديمقراطي، خصوصًا أن دستور عام 2005 مفصّلٌ على مقاسات المحكمة المؤقتة، ولم يُصمّم برؤية متكاملة، كم في قانون إدارة الدولة، وتحديدًا في ما يخص رئاسة السلطة القضائية ورئاسة المحكمة ومجلس القضاء، حيث كان من الواضح أن دستور عام 2005 جاء للمحافظة على واقع احتكار السلطة القضائية وتركيزها بيد رئيسها المؤقت، وسيؤدي قصر النظر هذا مع مرور الوقت إلى تفتيت السلطة القضائية بصورة فاضحة. عكس دستور عام 2005 من دون مبرّر ترتيب فروع السلطة القضائية مقدّمًا مجلس القضاء الأعلى على المحكمة الاتحادية العليا على عكس قانون إدارة الدولة، بينم كان من المفترض وهو يؤسّس لسلطة قضائية قوامها الأساس المحكمة الاتحادية أن يقدّم الأخيرة لتكريس دورها الحيوي في الديمقراطية الناشئة. وبينم تطرّق دستور عام 2005 إلى تركيبة المحكمة الاتحادية عمومًا التي ستشتمل، بحسب نص الدستور، على فقهاء دين وفقهاء قانون ولا تقتصر على القضاة، كرّس استمرار الهيمنة المطلقة للقضاة على تركيبة مجلس القضاء الأعلى9 الذي سيتولّ إدارة باقي الهيئات القضائية، ما أدّى إلى تذويب جهاز الادعاء العام وتمييع وظيفته والقضاء تمامًا على هيئة الإشراف القضائي وإطلاق يد القضاء، من دون أي شكل أو مستوى من الرقابة أو المساءلة، الأمر الذي سيؤسس لدكتاتورية القضاة أو "أوليغارشية القضاة" – إلى جانب تغاضيه عن دكتاتورية القاضي الأول والتشكيلة الموجودة للسلطة والمناصب القضائية التي جاءت بآليات غير شفافة في ظل الظروف الانتقالية – هذه الأوليغارشية التي سيكرّسها دستور عام 2005 رسميًا عبر حصر ترشيحات الأعضاء البارزين في مجلس القضاء (تحديدًا رئيس محكمة التمييز ونوابه ورئيس جهاز الادعاء العام ورئيس هيئة الإشراف القضائي) بمجلس القضاء نفسه، وهذا ما يجعلها تدور في حلقة بيروقراطية مقفلة على فئة محددة بعينها في نص يخرق البدهيات الديمقراطية لشفافية تداول المناصب ومبادئ المساواة أو تكافؤ الفرص في الترشّح للوظائف العامة. نصّ دستور عام 2005 على استقلالية كلّ من القضاء والقضاة والسلطة القضائية، وهو الأمر الذي أصبح تقليديًا، بيد أنه ومع هذه التأكيدات "النصّية" كلها، وفي الوقت الذي كفل فيه الاستقلالية المالية، فقد انصاع في ما يتعلّق باستقلالية القضاء الإدارية لفخّ النظام التوافقي الخطر الذي أعقب انهيار النظام السلطوي. وهو تطوّر متوقّع بفعل هيمنة أجواء انعدام الثقة والتوجّس المتبادل بين المكوّنات التي ستفتقد الهوية الوطنية المشتركة التي قوّضتها أعوام الحكم المطلق، ومن ثم، فقد أخضع تعيينات المناصب القضائية المهمة كرئيس

  1. يتردد جدل مماثل في الجزائر حول هيمنة القضاة على المجلس الأعلى للقضاء، ينظر: ياسين مزوزي، "دور المجلس الأعلى للقضاء في تعزيز استقلال السلطة القضائية"، مجلة الباحث للدراسات الأكاديمية، العدد 11 (حزيران/ يونيو.)2017

وأعضاء محكمة التمييز ورئيس جهاز الادعاء العام وهيئة الإشراف القضائي لسلطة مجلس النواب، بعد ترشيحهم من مجلس القضاء الأعلى. كان لا بد من موازنة الاستقلالية المفرطة التي منحها دستور عام 2005 للسلطة القضائية، بهدف استخلاصها من براثن السلطة التنفيذية التي تمتّعت بها لأكثر من ربع قرن، لكن لا يمكن موازنتها بالسلطة التنفيذية مرةً أخرى كم فعل قانون إدارة الدولة في ما يخص المحكمة الاتحادية لأغراض سياسية دولية10. بيد أن ذلك لا يعني موازنة السلطة القضائية بالسلطة التشريعية؛ إذ إن النتيجة الطبيعية هي تسييس القضاء وتعريض أخطر المناصب القضائية الحساسة للصفقات والمساومات السياسية، ومن ثم تقويض الحيادية الحزبية للقضاء التي هي من أهم معاييره لتحقيق العدالة، وقد كان في الإمكان إيجاد موازنة بين استقلالية "السلطة القضائية" ومساءلتها من دون المساس ب "استقلالية القضاء".

. 3 الإشكاليات العملية يف التشريع والممرسة

صدر قانون مجلس القضاء الأعلى /112 2012 ونصّ على أن يكون رئيس محكمة التمييز رئيسًا له ومستثنيًا من عضويته رئيس المحكمة الاتحادية، ليفصل بين رئاستي المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء. وبالفعل جرى تعيين نائب رئيس محكمة التمييز القاضي حسن إبراهيم الحميري رئيسًا لمجلس القضاء الأعلى في 2013/2/11، إلّ أن المحكمة الاتحادية العليا نقضت القانون في 2013/9/16 بالقرار 2013/8711، ليعود رئيسها رئيسًا لمجلس القضاء. وفي 2016/2/10 صوّت مجلس النواب على القاضي فائق زيدان رئيسًا أصيل لمحكمة التمييز التي تُدار وكالةً منذ عام 2004، وبذلك جرى فصل هذا المنصب عمليًا عن منصب رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس المحكمة الاتحادية العليا، تمهيدًا لفصل الأخيرين. وفي 2017/1/12 صوّت مجلس النواب العراقي بصورة مفاجئة ووسط جدال شديد على قانون مجلس القضاء الأعلى /45 2017 الذي استثنى من عضويته مجددًا رئيس المحكمة الاتحادية، أو أي ممثل عنها، وبذلك فصل بين الجهتين، ومن ثم بين الرئاستين رسميًا. يبدو أن رئيس المحكمة الاتحادية العليا شعر بعدم إمكان استمراره بالجمع بين المناصب القضائية الثلاث معًا، فجرى الاتفاق على فصل الفرعين الرئيسين، في مقابل احتفاظه هو برئاسة المحكمة الاتحادية وضمن استقلاليتها خارج مجلس القضاء؛ إذ لم تنقض المحكمة الاتحادية قانون مجلس القضاء الأعلى في عام 2017، كم نقضت القانون نفسه في عام 2013، بل اكتفت بنقض المواد المتعلّقة بتوازن مجلس القضاء مع المحكمة الاتحادية (القرار 2017/19). فقد استثنت إعداد موازنة المحكمة الاتحادية، فحسب، من مجلس القضاء الأعلى المسؤول عن إعداد موازنة السلطة القضائية بحسب نص دستور عام 2005، مشيرةً إلى تناقض نصوصه بهذا الخصوص، كم أشار إلى ذلك قرار المحكمة نفسه؛ وهو التناقض الذي جاء بسبب تفصيل الدستور على مقاس رئيس السلطة القضائية في حينها. كم نقضت المحكمة صلاحية مجلس القضاء الأعلى بترشيح أعضاء المحكمة الاتحادية العليا، وقد نقضت المحكمة الاتحادية كذلك – وفي محاولة منها للضغط على مجلس

  1. كان من شأن موازنة سلطة المحكمة الاتحادية بالسلطة التشريعية التي كان من المتوقع أن يحرز الإسلاميون الشيعة فيها غالبية كاسحة، كما حصل بعدها بالفعل، أن يحوّل هذه المحكمة إلى ما يقرب من مجلس صيانة الدستور بنسخته الإيرانية، وهو ما يمثّل كارثة بالنسبة إلى السياسة الأميركية الإقليمية. يراجع ملابسات تصميم المحكمة الاتحادية في قانون إدارة الدولة في: لاري دايموند، النصر المهدور: الاحتلال الأمريكي والجهود المتخبطة لإحلال الديمقراطية في العراق (دبي: مركز الخليج للأبحاث، 2007)، ص.196-194
  2. قرارات المحكمة الاتحادية الواردة في هذا البحث: /87 2013، /19 2017، /38 2019، /63 2019 في: موقع المحكمة الاتحادية العليا (صور القرارات)، في: https://bit.ly/3IJz3fo، قاعدة التشريعات العراقية (نصوص القرارات)، في: https://bit.ly/3Zjmw9n

النواب بإصدار قانون المحكمة وضمن تكريس فصله عن مجلس القضاء بصورة تامة – في القرار /38 2019 المادة 3 من قانون المحكمة الاتحادية النافذ الذي شرّعته الحكومة المؤقتة بالأمر التشريعي /30 2005 المتعلّقة بترشيح مجلس القضاء لرئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية، وهي المادة التي جرى بموجبها ترشيح رئيس وأعضاء المحكمة الحاليين باعتبارها صدرت استنادًا إلى قانون إدارة الدولة وليس إلى دستور عام 2005، وهذا ما يطعن بشرعية المحكمة الحالية نفسها من طرف خفي. ومن الغريب أن مجلس القضاء الأعلى قد اعترض على هذا القرار (متناسيًا أن قرارات المحكمة الاتحادية باتّة وملزمة للجميع، بنص الدستور)، ورفع قضية أمام المحكمة الاتحادية نفسها (2019/63)، مطالبًا بمسؤولية مجلس القضاء الأعلى في حمية "حق" القضاة بترشيحهم لعضوية المحكمة الاتحادية، وهو نفسه الذي طعن بدستورية هذا "الحق" في قانونه الذي صدر قبل عامين، وقد نقضته المحكمة بناءً على طعنه في حينها. كان من الواضح أن هناك صراعًا "علنيًا" على المناصب في السلطة القضائية، يغذّيه الارتباك في تنظيم السلطة القضائية وتضارب النصوص الدستورية في تصميم هيكل السلطة تبعًا لمصالح شخصية. وقد تصاعد هذا الصراع بين المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى بصورة لا تليق أبدًا بسمعة القضاء وهيبته، خصوصًا أن الطرفين لجآ إلى إجراءات خرقت بدهيات القواعد القانونية، ووصلت إلى المهاترات الإعلامية للطعن بشرعية كل منهم مع الأزمة التي استغلّها مجلس القضاء عند إحالة أحد أعضاء المحكمة إلى التقاعد، ما أحدث اختلالً بنصابها في مطلع عام 2020؛ إذ إن القرار /38 2019 قد أوقع المحكمة في فراغ تشريعي في ما يتعلّق بتشكيلها، أو على الأقل تعويض النقص في أعضائها بسبب التقاعد أو الوفاة. إن تفاقم التناقضات والصراعات في هيكل السلطة القضائية يحتم إعادة تنظيمها وفق رؤية متكاملة تضمن التوازن بين فروعها، وبينها وبين السلطات الأخرى ومعالجة الانحرافات كلها التي عانتها في فترات انتقالية تفتقد الشرعية والشفافية، خصوصًا أن الفراغ التشريعي الخاص بالمحكمة الاتحادية، سيُفضي إلى فراغ دستوري يتعلّق بالتداول السلمي للسلطة، وهي النقطة الأخطر في النظام السياسي الهشّ؛ إذ يشترط دستور عام 2005 مصادقة المحكمة الاتحادية على النتائج النهائية للانتخابات، وبناء عليه ستتوقف الدورة الانتخابية (انتخاب مجلس النواب وتشكيل وزارة جديدة) والعملية السياسية بالكامل على أعتاب تشريع قانون المحكمة الاتحادية. كرّس قانون مجلس القضاء الأعلى /45 2017 هيمنة القضاة في تركيبة المجلس كم رسمها أمر سلطة الائتلاف 2003 /35، حيث يشكّلون 90 في المئة منه (18 من أصل 20 عضوًا) ويترأس المجلس رئيس محكمة التمييز حكمً. لم يقتصر قانون مجلس القضاء الأعلى على تكريس هيمنة القضاة (دكتاتورية القضاة)، إنما كرّس هيمنة مجلس القضاء نفسه (أوليغارشية القضاة)، فمجلس القضاء هو المسؤول عن ترفيعات القضاة، لكن ذلك يشمل تعيين رؤساء محاكم الاستئناف وترشيح (عمليًا تعيين) رئيس وأعضاء محكمة التمييز ورئيس هيئة الإشراف القضائي الذين يشكلّون أعضاء مجلس القضاء نفسه، فهو يعيّ نفسه بنفسه، ولا توجد دورة لعضويته؛ إذ يستمر أعضاؤه في عضويتهم حتى إحالتهم إلى التقاعد، وبذلك يجري التعويض بصورة فردية تضمن استمرارية نفوذ التشكيلة الموجودة، وهذا أيضًا يخترق معيار الشفافية في تداول المناصب ضمن أي سلطة، ومنها السلطة القضائية. وأخيرًا يكرّس قانون مجلس القضاء الأعلى هيمنة رئيس المجلس (أوتوقراطية الرئيس)، حيث يُسمح للمجلس (وبعد أن ألغى منصب نائب رئيس المجلس) بتخويل بعض مهمته للرئيس منفردًا، وليس لمجموعة من أعضائه، أو على الأقل تشكيل لجنة منهم، كم أوكل تحديد تفصيلات الهيكل الإداري للمجلس وإصدار التعليمت لتنفيذ قانون المجلس إلى الرئيس، منفردًا أيضًا، وحتى بلا تصويت ولا تخويل من المجلس.

أما في ما يتعلق بالنيابة العامة، فقد فصل قانون الادعاء العام /49 2017 (المادة 2) قائمة عريضة من المهمت الخطرة لجهاز الادعاء العام، ولطالما نادى الوسط القضائي بضرورة تفعيل دور الادّعاء العام المغيّب لعقود بفعل النظام الدكتاتوري. لكن في الواقع لا تبدو هذه الدعوات صادقة؛ إذ إن الادعاء العام في العراق يقتصر على انتداب القضاة (434 من أصل 1600 قاضٍ، أي حوالى 25 في المئة من مجموع القضاة) بصورة فردية ومؤقتة، ومن مجلس القضاء الأعلى نفسه للقيام بوظائف المدّعي العام ومعاون المدّعي العام، ولا يوجد أي هيكل إداري أو مؤسسي للجهاز (بل لا يوجد حتى موقع إلكتروني له)، فهو جهاز افتراضي لا وجود له، ولم يحدد قانون الادّعاء العام الذي تقدّم به وأشرف على تشريعه مجلس القضاء الأعلى بنفسه أي تأسيس حقيقي للادّعاء العام بصفته مؤسسة، وفي المقابل، يمثّل الادعاء العام في مجلس القضاء بعضو وحيد (رئيس الجهاز) من أصل عشرين عضوًا (أي 5 في المئة، بينم يمثل المدّعون العامون 25 في المئة من السلك القضائي)، فضلً عن ذلك، فإن مجلس القضاء الأعلى هو الذي يرشّح رئيس الجهاز إلى مجلس النواب لتعيينه. ولئن كان جهاز الادعاء العام افتراضيًا، ويقتصر على انتداب ما يصل إلى ربع القضاة، فإن هيئة الإشراف القضائي لا وجود لها أصلً، فهي تقتصر على موظفين اثنين فقط، هم رئيس الهيئة ونائبه وثمانية قضاة منتدبين مكلّفين بالإشراف على حوالى 1600 قاض ومدعٍ عام في 157 محكمة تنظر في ما يقارب من مليون ونصف المليون قضية سنويًا12، ولا وجود لهيئة الإشراف القضائي بوصفها مؤسسة من دون أي مشرفين معينين، ومن دون أي تشكيل مؤسسي ولا كادر إداري، ولا موازنة سنوية وتابعة بالكامل لمجلس القضاء، وينتدب القضاة بصورة فردية ومؤقتة للعمل مشرفين قضائيين ومن مجلس القضاء الأعلى، وتمثّل في مجلس القضاء بعضو وحيد، أي 5 في المئة أيضًا من المجلس، ويرشّح رئيسها من مجلس القضاء كذلك. إن واقع هيئة الإشراف القضائي هذا، بعد خمسة عشر عامًا من إقرار الدستور، يشير بوضوح إلى حجم عدم الشفافية في السلطة القضائية، ويثير الشكوك حول حجم الفساد البيروقراطي فيها، لأنه يكشف عن إرادة متعمدة للالتفاف على الدستور والتملّص من أي رقابة أو إشراف. المفارقة الحقيقية تكمن في خضوع هيئة الإشراف القضائي - التي يفترض أنها جهة رقابية تشُرف على سلوك القضاة والمدّعين العامين وانضباطهم - في الواقع إلى مجلس القضاء بالكامل، وهذا خللٌ فظيعٌ وتناقضٌ مبدئيٌ في تصميم السلطة القضائية، نشأ من دستور عام 2005 نفسه. قاد الشلل التوافقي لتشريع قانون المحكمة الاتحادية، ومن ثمّ تعيين طاقم جديد أو استبدال بعض الأعضاء على الأقل، إلى استمرار الوضع الانتقالي والطاقم الموجود الذي لم يأت عبر آليات شفافة أو سليمة، والذي كان من مصلحته استمرار الوضع القائم "مدى الحياة"، وقامت المحكمة الاتحادية بدورها في العملية السياسية وانخرطت في تعقيداتها وتحملت تبعات هذا الدور على سمعتها وحياديتها.

  1. بخصوص عدد القضاة والمدّعين العامين (المجموع الكلي 1574) والمفتشين القضائيين وعدد المحاكم والقضايا، ينظر: المجموعة الإحصائية السنوية لعام 017 2 (بغداد: وزارة التخطيط – الجهاز المركزي للإحصاء، 2018)، ص 840-839، وقد ورد أن عدد أعضاء هيئة الإشراف القضائي أحد عشر، ضمنهم رئيس الهيئة ونائبه، أي 9 مشرفين فقط. أما عدد القضاة والمدّعين العامين في آخر تحديث (المجموع الكلي 1598)، فقد ورد في موقع مجلس القضاء الأعلى: النظام القضائي، مجلس القضاء الأعلى، شوهد في 2023/3/7، في: https://bit.ly/3kOenuE؛ ومن الجدير بالذكر أن الموقع وتحت العنوان المذكور تناول بالتفصيل المعلومات الأساسية كلها المتعلقة بالنظام القضائي في العراق، وضمنه الادّعاء العام بإيجاز شامل ومهم جدًا شمل القضاء الإداري والعسكري اللذين يقعان خارج سلطة مجلس القضاء، إلّ أنه أغفل تمامًا أي إشارة إلى هيئة الإشراف القضائي التي هي أحد المكوّنات الأساسية للمجلس، وأغفل أيضًا عددهم وآلية عملهم بصورة تفتقر تمامًا إلى الشفافية، تغطيةً على تغييب دور الهيئة.

وبالفعل، فقد أصدرت المحكمة مجموعة من القرارات التي كان لها أثر كبير في العملية السياسية والنظام الدستوري، اتُّهمت فيها المحكمة وعلى نطاق واسع. بالانحياز السياسي إلى بعض الأطراف، وأدّت في النهاية إلى إخلال التوازن بين السلطات لمصلحة السلطة التنفيذية وتعزيز هيمنة رئيس الوزراء. ولهذا أصبح تغييرها مطلبًا أساسيًا من مطالب الإصلاح السياسي الذي عبّت عنه المظاهرات الواسعة التي انطلقت في صيف 2015. وفي الواقع تبنّى بعض قرارات المحكمة تفسيرًا حرفيًا للدستور، افتقد حس الفقاهة الدستورية، وبعضها جاء ركيكًا أو غير مسبّب، بينم كان بعضها الآخر متينًا، لكنه أثار الشكوك في توقيت وظروف صدوره13. وبغض النظر عن قرارات المحكمة الاتحادية، وما أثارته من جدل دستوري وسياسي، ومن اتهامات في حياديتها، فقد كانت هناك مواقف فاصلة وقضايا دلت بما لا يقبل اللبس على تسييس القضاء، وخضوعه للإرادة السياسية بخنوع لم يحفظ للقضاء هيبته، على الرغم مم يتمتع به "نظريًا" من استقلالية مفرطة منحها له الدستور. وقد تجلّت هذه المواقف – وكلها علنية وقد تكررت وعلى مراحل مختلفة حتى أصبحت تقليدية – إما بإصدار إرادة سياسية للقضاء لإصدار حكم ما أو إلغائه، وإما بتراجع القضاء - وبالتزامن الدقيق مع الاتفاقات ومناخات العملية السياسية وبإجراءات شكلية مفضوحة - عن قرارات سابقة له (وهي عادةً إدانات باتّة في قضايا الإرهاب وبعضها موثّق علنًا باعترافات المتهمين وهم خارج قبضة السلطة، حيث لا مجال لشبهة التعذيب أو الإكراه)، في خصوص قيادات وزعامات سياسية، وهذا ما يؤدي إلى حصر الاستنتاج منطقيًا، إما بتلفيق التهم أساسًا تبعًا لإرادة السلطة السياسية – التنفيذية عادةً – وإما لنقض القضاء لأحكامه تبعًا للإرادة السياسية أيضًا. وهذا يعني تسييس القضاء وفقدانه عمليًا استقلاليته الضرورية لتمكينه من أداء وظيفته في تحقيق العدالة14. ولم يقتصر تسييس القضاء على القرارات والأحكام في القضايا التي تخص القيادات والزعامات السياسية، والتي أُقحمت فيها السلطة القضائية، بل تعدّى ذلك إلى مستوى القضاة بصورة فردية، فقد تم تسريب بعض الأدلّة والوثائق، ولأغراض سياسية بالطبع، تثبت انحراف القضاة في أحكامهم تبعًا لمصالح حزبية أو طائفية أو إثنية. وعلى مستوى آخر، فقد أصبحت مذكرات الاعتقال التي يصدرها قضاة التحقيق بحق شخصيات حزبية صراعًا مبتذلً جدًا، للابتزاز أو تصفية الحسابات الشخصية. ومم فاقم المشكلة، انفلات الأوضاع الأمنية وضعف قبضة الدولة العراقية، فقد اندلعت حربان أهليتان خلال عقد واحد، كم ضعفت قدرة الدولة على ضبط الأمن الداخلي والتجاء المجتمعات المحلية إلى الانتمءات العشائرية والقبلية في محاولة لتأمين الضبط الاجتمعي خارج إطار الدولة، كم تمكّنت المنظومة الاجتمعية العشائرية من ترسيخ قضاء عرفي موازٍ، قوّض في أحيان كثيرة هيبة القضاء الرسمي للدولة ووجوده. إضافة إلى ذلك، شهد العراق تنامي السلطة العشائرية "المسلحة" إلى حدود منفلتة، وفي موازاتها أيضًا تنامي سلطة التنظيمت العسكرية التي تولّت مهمة الدفاع عن

  1. محمد يوسف ومحمد الغنام وفراس مكية، السلطة التشريعية لمجلس النواب العراقي: دراسة مقارنة (تونس: المنظمة العربية للقانون الدستوري، 2017)، ص 13-11؛ مكية، لمحات استراتيجية حول قانون المحكمة الاتحادية، ص 13-11
  2. استقصاء الأمثلة يطول ويخرج عن حدود البحث، لكن يمكن الإشارة إلى بعض القضايا: الإيعاز إلى القضاء بإلغاء حكم اجتثاث البعث المشمول به صالح المطلك وظافر العاني وفق الاتفاق السياسي بين رئيس الوزراء ورئيس البرلمان، وإدانة، ثم تبرئة مشعان الجبوري وليث الدليمي وخميس الخنجر ورافع العيساوي، وإدانة طارق الهاشمي وأثيل النجيفي وما يثار عن صفقات لتبرئتهما، واعتقال، ثم إطلاق سراح المتظاهرين في مظاهرات خريف 2019 وإطلاق السراح بالجملة بأمر سياسي من رئيس الوزراء الجديد.

العراق وتحرير الأراضي التي احتلها تنظيم داعش في أثر انهيار الجيش العراقي، وهذه كلها عوامل زعزت السلم الأهلي، وشكّلت تهديدًا للأمن وسلطة الدولة في احتكار القوة، ولم يكن القضاة بمنأى عن التهديدات الشخصية ومحاولات التأثير بالقوة في أحكامهم، مع غياب السلطة الشرعية التي يمكن أن توفّر لهم الحمية اللازمة لأداء وظيفتهم بحيادية وعدالة.

ثالثا: إصلاحات مقترحة

1. إصلاحات مؤسسية15

في البدء، ينبغي لنا التطرّق إلى بعض القضايا الضرورية لإصلاح النظام القضائي في العراق، قبل مناقشة تصميم السلطة القضائية، ومن ذلك القدرة على إنفاذ الأحكام، وتطوير الخبرة السياسية للقضاة، والقضاء الإداري، وجهاز الادّعاء العام، والإشراف القضائي.. أ إنفاذ الاحكام على الرغم من ارتفاع درجة الاستقلال المؤسسي، فإن السلطة القضائية عمومًا تُعدّ من أضعف السلطات الدستورية، حتى مع منحها الاستقلالية الكاملة؛ وذلك نظرًا إلى افتقارها إلى السلطة الحقيقية (مقارنة بالقوة والثروة بالنسبة إلى التنفيذية، والتمثيل والتواصل الجمهيري بالنسبة إلى التشريعية)، لذلك فهي رهينة بالكامل للسلطة التنفيذية، فسلطة تنفيذ الأحكام القضائية محصورة بوزارة الداخلية عادةً، أو العدل أحيانًا، ولا سلطة في الواقع للقضاء؛ فكم أن لا سلطان عليه، فهو لا سلطان له. ولذا ينبغي أن تلحق "هيئة التنفيذ القضائي"، أو الجهة المختصة بتنفيذ الأحكام القضائية بالسلطة القضائية وبمجلس القضاء الأعلى تحديدًا..ب الخبرة السياسية يفتقر القضاة، على الرغم من كفاءتهم المهنية، إلى الحس والخبرة السياسية عمومًا، إذ تنحصر الدراسة والممرسة في القضاء التقليدي، وهذا ما ينعكس بصورة خطرة على وعي القضاة بخطورة الانتقال من وضع المؤسسة القضائية إلى السلطة القضائية، وبدور السلطة القضائية في النظام السياسي وتوازن السلطات، وتحديدًا الدور الحيوي للمحكمة الدستورية في الحفاظ على النظام الديمقراطي، وهذا ما لم يعد متناسبًا مع التغيير الحقيقي في موقع السلطة القضائية في الدولة العراقية الثانية بعد عام 2003. مبدئيًا، لا بد من تكثيف دراسة القانون الدستوري وعدم الاقتصار على السنة الأولى من مناهج كليات القانون، حيث الطالب لا يزال في بداياته، من دون أن تنضج شخصيته القانونية، كم ينبغي أن يتم التركيز في مناهج القانون الدستوري على النظم السياسية على حساب النظرية العامة، وكذا التركيز على القضاء الدستوري وليس الفقه النظري. وبهذا الصدد لا يمكن المعهد القضائي – الأكاديمية المختصة بتأهيل القضاة16 – أن يستمر في تدريسه العام من دون تخصّص، ومن أولى التخصّصات الضرورية هي القضاء الدستوري، إضافة إلى القضاء الإداري، وكذلك ينبغي استحداث الاختصاصات التي سيزداد الاحتياج إليها، كالقضاء التجاري والمالي.

  1. أنا مدين في تشخيص واقع النظام القضائي ومشكلاته لسلسلة من ورش العمل التي نظمتها هيئة المستشارين – رئاسة الوزراء -2019 2020، وقد جرى اللقاء في إحداها برئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، وبرئيس جهاز الادعاء العام القاضي موفق محمود العبيدي.
  2. ينظر: جمهورية العراق، مجلس القضاء الأعلى، المعهد القضائي، شوهد في 2023/3/7، في: https://bit.ly/3IQFFsh

. ج مجلس الدولة أوكل دستور عام 2005 (المادة 101) إلى مجلس الدولة ثلاث مهمت: القضاء الإداري، والإفتاء والصياغة، وتمثيل جهاز الدولة وسائر الهيئات العامة أمام القضاء17. هذه المهمت قد تبدو متناقضة، ولا سيم عند الجمع بين القضاء الإداري وتمثيل الدولة، كم أن الصياغة والإفتاء، خصوصًا الصياغة هي من صميم عمل السلطة التشريعية (مجلس النواب عبر الدائرة القانونية أو باستحداث دائرة تشريعية)، أو حتى يمكن أن تكون ضمن تشكيلات المحكمة الاتحادية العليا (باعتبارها المحكمة الدستورية، إن لم يكن مجلس النواب مؤهلً للقيام بهذا الدور) التي ينبغي لها أن تقوم بوظيفة الإفتاء أيضًا، انسجامًا مع وظيفتها بتفسير الدستور. وحاليًا لا بأس من أن تضطلع المحكمة الاتحادية بهذين الدورين اللذين يمكن أن تؤديهم بكفاءة، وهذا ما يمنحها صلاحيات أوسع وأمتن، لكن نقل هذه الصلاحيات وتنظيمها يحتاج في الواقع إلى تعديل دستوري، وهو ما لا يبدو ممكنًا حاليًا. وفي الحقيقة، يفترض في إعادة تصميم السلطة القضائية أن تنحصر وظيفة مجلس الدولة في القضاء الإداري فحسب، بعد منح القضاء الإداري مزيدًا من الاهتمم في التدريس والتدريب والخبرة والاختصاص، وأن يمنح مجلس الدولة موقعًا دستوريًا يتلاءم مع أهمية وظيفته، بأن يحسم موقعه بوصفه أحد فروع السلطة القضائية بعد أن أهمله الدستور، وبعد التنازع عليه بين السلطتين التنفيذية والقضائية على خلفية الإرث القديم من هيمنة الأولى على الأخيرة وابتلاعها بالكامل، بما فيها مجلس شورى الدولة (مجلس الدولة حاليًا) في عهد الجمهورية الثالثة (2003-1968)؛ إذ لا يعقل أن تكون محكمة القضاء الإداري تابعةً للسلطة التنفيذية، والدستور ينص على استقلالية القضاء، ولا أن تصبح محكمة القضاء الإداري هيئةً مستقلةً خارج السلطة القضائية، كم هو عليه الحال الآن، دونًا عن باقي الهيئات والمؤسسات القضائية المدنية كلها، وهذا ما يمكن معالجته بتشريع قانوني يتلاءم مع الدستور.. د جهاز الادّعاء العام يقترح إعادة تشريع قانون الادّعاء العام، ليضمن استقلاله عن القضاء إذا ما أريد له فعلً أن يقوم بوظائفه المسطّرة في القانون الحالي، بأن يتضمن تأسيس جهاز الادعاء العام بوصفه مؤسسة مستقلة عن مجلس القضاء بهيكلها الإداري والمالي وتشكيلاتها وأقسامها بالتفصيل، أسوةً بقوانين باقي مؤسسات الدولة العراقية، وأن يتضمّن تأسيس سلك الادعاء العام بصورة مستقلة أيضًا عن سلك القضاء، وأن يتخصص القانونيون (خريجو كليات القانون والمحامون وحتى القضاة افتراضًا) بدءًا من المعهد القضائي وحتى تعيينهم في سلك الادّعاء العام..ه هيئة الإشراف القضائي يقترح إنشاء جهاز رقابي حقيقي تخضع له السلطة القضائية، ولا تتدخل فيه، ينهي الوضع الشاذ القائم على إخضاع هيئة الإشراف القضائي لمجلس القضاء، بدلً من أن تكون كم يفترض من عنوانها مشرفةً عليه. لا يكفي تأسيس هيئة الإشراف القضائي كمؤسسة مستقلة عن مجلس القضاء الأعلى، ولا تأسيس سلك إشرافي مستقل، بل ينبغي تصميم هيئة الإشراف بآليات خاصة بأن لا تقتصر عضويتها على القضاة (بل تشمل الادّعاء العام والمحامين) ولا حتى على القانونيين (كأن تشتمل على المحاسبين والمدققين)، وأن لا تقتصر ترشيحاتها

  1. ينظر: التعريف بمجلس الدولة، في: جمهورية العراق، مجلس الدولة، شوهد في 2023/3/7، في: https://bit.ly/3L1mT4t

على مجلس القضاء، بل تشمل أطرافًا متعددةً، كالهيئات الرقابية المستقلة ذات الصلة (هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية ومفوضية حقوق الإنسان ومجلس الخدمة الاتحادي)، وباقي فروع السلطة القضائية، كمجلس الدولة وجهاز الادعاء العام بعد فك تبعيته هو الآخر عن مجلس القضاء، وأن تكون نسبة القضاة غير مهيمنة ولا متميزة. وينبغي أن تُسلَّح الهيئة بصلاحيات حقيقية تمكّنها من أداء وظيفتها الرقابية أولً، وتنهض بها للتخلّص من هيمنة مجلس القضاء ثانيًا، كأن تشترط موافقتها – وليس مراجعتها فحسب – لتعيينات القضاة والمدّعين العامين وترفيعاتهم، إضافة إلى المراجعة الدورية لأحكام القضاة لتدقيق مدى مطابقتها لأحكام القانون، وهذه في معظمها لا تحتاج إلّ إلى تشريعات قانونية، ونادرًا ما تتطلّب تدخلات دستورية. وفي الحقيقة يشجع القانون الدولي التوجّه الحديث لتأسيس سلطة مستقلة للإشراف، على القضاء تضم تشكيلً مختلطًا من القضاة وغير القضاة من قانونيين وغيرهم لتفادي هيمنة أو تأثيرات السلطات الأخرى، خصوصًا التنفيذية من جهة، ولضمن إخضاع القضاة أسوة بغيرهم من موظفي الخدمة العامة للمساءلة والمراقبة من جهة أخرى، سواء اقتصرت هذه السلطة على التعيين أو الترشيح للمناصب القضائية، أم امتدت للرقابة والمحاسبة وصلاحيات العقوبات الانضباطية.

. 2 نماذج مقترحة لإعادة هيكلة السلطة القضائية

بهدف الحدّ من أوليغارشية القضاة من المهم جدًا أن تحدد مدة ولاية المناصب القضائية العليا كلها، من دون استثناء لفروع السلطة القضائية كلها، أي رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية، ورئيس كل من مجلس القضاء الأعلى ومحكمة التمييز ومجلس الدولة وجهاز الادعاء العام وهيئة الإشراف، وأن تكون ولاية واحدة غير قابلة للتجديد لقطع الطريق أمام المساومات والصفقات حول المناصب. بالتوازي مع عملية الإصلاح القضائي، يُفترَض تنفيذ تصميم متوازن للسلطة القضائية يضمن استقلاليتها من جهة وتوازنها مع باقي السلطات من جهة أخرى، ولا بد من أن يكون التوازن مع السلطات متبادلً، أي بكلا الاتجاهين، لضمن عدم تجاوز أي سلطة صلاحيات السلطات الأخرى، أو هيمنتها على النظام السياسي، ولضمن عدم نشوء سلطات مطلقة داخل كل سلطة تفسح المجال للفساد أو احتكار السلطة بيروقراطيًا. وينبغي تصميم السلطة القضائية أو إعادة تصميمها في العراق تحديدًا وفق رؤية متكاملة لدور السلطة القضائية في النظام السياسي وضمن عدم انحرافه من خلال صلاحيات المحكمة الاتحادية، ومن خلال التوازن المتبادل مع باقي السلطات الذي يُخضع من جهة أخرى السلطة القضائية للمساءلة والمراقبة من السلطات الأخرى والكبح من استقلاليتها المفرطة من هذه الناحية، مع الحفاظ على استقلالية القضاء والقضاة في الوقت نفسه. وينبغي أن يعالج التصميم أيضًا الارتباك في النصوص الدستورية والقانونية لهيكلية السلطة القضائية وفروعها بفعل تشوّش الرؤية لدى واضعي دستور عام 2005، وبفعل تضارب المصالح، ويعالج أيضًا الاختلالات الناشئة بسبب الأوضاع الانتقالية وما شابها من افتقاد الشفافية في ظل غياب السلطة الشرعية، ويضمن التوازن الوظيفي بين فروع السلطة القضائية. في البدء، لا بد من الحفاظ على استقلالية السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية كم كفلها دستور عام 2005 لضمن عدم العودة إلى خضوع المؤسسة القضائية لإرادة السلطة في ظل النظام الدكتاتوري لأكثر من ربع قرن، كم ينبغي الحفاظ على استقلالية السلطة القضائية عن السلطة التشريعية في ظل ديمقراطية ناشئة مشتتة ومضطربة، لأن منح الأخيرة ولو بعض الصلاحيات المحدودة، سيجعل السلطة القضائية عرضةً للمحاصصة

الحزبية في واحد من أسوأ الأنظمة التوافقية المبنيّة على التفاهمت الضمنية خارج الأطر الدستورية، كم في تجربة الهيئات "المستقلة" التي انهار بعضها مؤسسيًا (مفوضية الانتخابات) بفعل اضمحلال استقلاليتها بالكامل وتقسيمها حزبيًا بصورة مكشوفة وعلنية؛ لذا لا بد من تجنيب السلطة القضائية هذا المصير المحتوم الذي يمكن أن يسيّس القضاء ويقضي على حياديته. بيد أن النص الدستوري واضح وصريح باختصاص مجلس النواب بتعيين رئيس وأعضاء محكمة التمييز الاتحادية ورئيس جهاز الادعاء العام ورئيس هيئة الإشراف القضائي (المادة 61/خامسًا/أ)، وهذا بالضبط ما ينبغي تجنّبه ولو مؤقتًا بتفويض مجلس النواب صلاحيته هذه لمجلس القضاء الأعلى ضمن تعديل قانون الأخير، أو الاتفاق "سياسيًا" على اقتصار مجلس النواب على التصديق الشكلي لترشيحات مجلس القضاء الأعلى، ولاحقًا لا بد من إلغاء هذه الفقرة من الدستور بالكامل ضمن التعديلات الدستورية المقترحة ضمن المطالبات بإصلاح النظام السياسي. لا يمكن إذًا – في الحالة العراقية ومثيلاتها في الديمقراطيات الناشئة الخارجة للتوّ من أنظمة سلطوية أو دكتاتورية – موازنة السلطة القضائية بأي من السلطتين التنفيذية و/ أو التشريعية، كم لا يمكن موازنتها بالسلطة الرابعة "الهيئات المستقلة" التي لم يتبلور مفهومها بعد في الفقه الدستوري العراقي، ولم تتبلور كسلطة دستورية لها دورها الواضح في توازن النظام السياسي، وحتى لو جرى النص على دورها، فهي مؤسسات حديثة لا تقوى على موازنة القضاء بمؤسساته الراسخة، ومع ذلك لا بد من التأكيد (حتى وإن كان مجرد إقرار بواقع الحال وسواء في الدستور مستقبلً، أم في التشريعات المتعلّقة حاليًا) على خضوع السلطة التنفيذية لإشراف الهيئات المستقلة المختصّة أو رقابتها، كهيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية ومجلس الخدمة الاتحادي ومفوضية حقوق الإنسان، وذلك لتأكيد سلطة الهيئات المستقلة بوصفها سلطة رابعة دستوريًا، وللحدّ من السلطة المطلقة للسلطة القضائية. لا يعني ذلك استنفاد احتملات التصميم الدستوري لضمن توازن السلطة القضائية وتجنّب احتكارها؛ إذ يمكن موازنة السلطة القضائية بالسلطة القضائية نفسها عبر تقسيمها وظيفيًا وإداريًا لفروع متوازنة في ما بينها، تمنع الاستئثار بالسلطة من أيّ منها، وتخضع للرقابة المتبادلة في ما بينها، ويمكن اقتراح ثلاثة نماذج بهذا الصدد، لكن بعد إعادة تنظيم مجلس القضاء الأعلى. من الضروري إعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى بصورة متوازنة، إما 1. ليكون مجلسًا للسلطة القضائية، كم هو عليه الآن بتمثيل الهيئات القضائية كلها على قدم المساواة، لتقتصر عضويته على رئيس محكمة التمييز وجهاز الادعاء العام وهيئة الإشراف القضائي ومجلس الدولة فحسب، أو مع نوابهم على أقصى تقدير، وهنا ستستدعي الضرورة العملية تأسيس تشكيل آخر هو مجلس القضاة، وإما 2. بأن يكون مجلسًا للقضاء فحسب، كم كان دوره في السابق، وهنا تقتصر عضويته على رئيس محكمة التمييز ونوابه ورؤساء محاكم الاستئناف، من دون أن يتدخل في شؤون باقي فروع السلطة القضائية، ولا مناسبة حينئذ لعضوية رئيس الادعاء أو الإشراف فيه. إن سبب هذا التناقض في الواقع، تطوّر وظائف المؤسسة القضائية (الحاجة إلى أدوار حقيقية لجهاز الادعاء وهيئة الإشراف) مع استمرار الهياكل القديمة نفسها (مجلس القضاء الذي هو في الأصل مجلس القضاة)، ولا بد من الالتفات إلى هذا الارتباك والمبادرة بمعالجته. مع قصور الخبرة السياسية للقضاة بصورة عامة، التي تجلّت في العديد من قرارات المحكمة الاتحادية18التي أفصحت عن عدم إدراك المحكمة – التي يفترض أنها تمثّل خيرة القضاة – لأبعاد هذه القرارات وتأثيراتها

  1. يوسف والغنام ومكية، ص.13-11

السلبية في استقرار النظام السياسي وضمن عدم انحراف الديمقراطية الناشئة، يُفضّل تطعيم المحكمة بغير القضاة والقانونيين (كأساتذة العلوم السياسية، فضلً عن خبراء الشريعة والقانون المنصوص عليهم في الدستور)، لتحويلها إلى ما يقرب من مجلس دستوري، يكون أقدر – عبر قراراته وأحكامه – على الحفاظ على استقرار النظام الدستوري. وبهذا الصدد، فإن الحاجة ملحّة جدًا إلى الإسراع بتشريع قانون المحكمة الاتحادية وتخطي عقبة التوافق حتى تباشر المحكمة دورها الدستوري الحقيقي، ولتجنّب الفراغ الدستوري المشار إليه سابقًا. النموذج الأوللإعادة تصميم السلطة القضائية: الإقرار بالتقسيم الثنائي الواقعي للسلطة القضائية بين المحكمة الاتحادية العليا ومجلس القضاء الأعلى (إضافة إلى التمهي الشكلي مع التقسيم الثنائي للسلطة التنفيذية بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وللسلطة التشريعية بين مجلس النواب ومجلس الاتحاد). يقوم التوازن المتبادل بين الفرعين برقابة أحدهم على الآخر في مجالات التعيين والعزل، مثلً يُعيّ (أو يختار أو يرشح أو يملك حق النقض) مجلس القضاء الأعلى أعضاء المحكمة الاتحادية من القضاة، وكذلك تعيّ (أو تختار أو ترشح أو تملك حق النقض) المحكمة الاتحادية أعضاء مجلس القضاء الأعلى، ولكل منهم صلاحية محاكمة أو تحريك الدعوى لمحاسبة أحد أعضاء الفرع الآخر. وهذا النموذج هو الأقل راديكاليةً والأقرب إلى إمكانية التنفيذ، لكنه، في المقابل سيكون الأقل فائدةً؛ إذ سيبقي على باقي فروع السلطة القضائية تحت هيمنة مجلس القضاء ولا يمنحها الفرصة لأن تنمو كفروع مستقلة وظيفيًا وإداريًا، وهو سيمنح درجةً محدودةً من التوازن فحسب. النموذج الثاني: إعادة تصميم السلطة القضائية إلى فروعها الخمسة (المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء ومجلس الدولة وجهاز الادعاء وهيئة الإشراف) بصورة منفصلة ومستقلة، بعضها عن بعض تمامًا، وهذا توسيع للنموذج الأول ليشمل باقي الفروع من أجل تفعيل دورها وتمكينها من القيام بوظيفتها بإخراجها من عباءة مجلس القضاء وفك الازدواج في مهمة الأخير. ستكون التوازنات بين الفروع بحسب الممكن، وهو إقرار/ رفض أو اختيار ترشيحات كل فرع لرئاسته (ومن مجلس إدارته، وليس ترشيحًا من الرئيس السابق بما يشبه التنصيب) عبر اجتمع مؤقت لرئاسات الفروع كلها، عدا الفرع المعني. ويبدأ هذا الخيار ببلورة اختصاصات السلطة القضائية ويساعد على تطويرها، لكنه لا يزال قاصرًا عن منح السلطة القضائية القوة الدستورية الكافية لموازنة السلطات الأخرى. النموذج الثالث: تصميم السلطة القضائية بشكل متكامل، وهو تشكيل مجلس السلطة القضائية بصورة مؤسسية دائمة، تمثّل فيه فروع السلطة الخمسة بالتساوي بمقعد واحد لكل من رؤسائها، بعد أن يجري فصل كل فرع بصورة مستقلة إداريًا، ويتمتع هذا المجلس الذي يبلور السلطة القضائية كسلطة دستورية كاملة في مقابل السلطات الأخرى، بمجموعة واسعة من الخيارات لضمن التوازن بين الفروع كخيار ترشيح أو اختيار أو تعيين أو نقض، أو أي مجموع من هذه الخيارات لرئاسات، أو حتى مجالس إدارات رئاسات الفروع وإدارة شؤون السلطة القضائية كلها بصورة مشتركة تمنع من استئثار أي فرع بالسلطة داخل فرعه أو التمدد على حساب الفروع الأخرى. من المناسب في النمذج كلها تحديد رئيس للسلطة القضائية، كيلا تتشتت قوتها الدستورية في مقابل السلطات الأخرى، وأن يكون رئيس السلطة القضائية هو رئيس المحكمة الاتحادية حكمً تبعًا لوظيفتها باعتبار المحكمة الدستورية هي السلطة السياسية الحقيقية للسلطة القضائية.

مع أن دستور عام 2005 كفل الاستقلالية المالية للسلطة القضائية عمومًا، وللمحكمة الاتحادية خصوصًا، فإن ارتباك نصوص الدستور في ما يتعلق بتنظيم السلطة القضائية وتوزيع الصلاحيات بين المحكمة ومجلس القضاء الأعلى، ومنها ما يتعلّق بالموازنة السنوية، وتبعات الصراع لاحقًا على النفوذ بينهم، يحتّم التفصيل في تحديد سلطة إعداد الموازنة من خلال التشريع. وبهذا الصدد يفضّل أن تكون هناك موازنة موحدة للسلطة القضائية، لا موازنتان منفصلتان للمحكمة، والمجلس كم هي الحال الآن، وذلك أولً لكبح الفوضى في الموازنة السنوية للدولة عمومًا؛ إذ لا يعقل أن تقسّم موازنة الدولة إلى موازنات عدة بذريعة الاستقلالية (مع الأخذ في الحسبان موازنات الهيئات المستقلة)، وثانيًا لتمتين الوضع الدستوري للسلطة القضائية بوصفها سلطة متكاملة في مقابل السلطات الأخرى، وليست مجرد فروع أو هيئات قضائية منفصلة، حيث سيكون التوازن في الموازنة بين سلطات الدولة الثلاث (أو الأربع)، وليس بين سلطات الدولة والمحكمة، ثم بين سلطات الدولة ومجلس القضاء على انفراد، وثالثًا، وهو الأهم، لتكريس التوازن بين فروع السلطة القضائية بصورة عملية بإجبارها على تقديم موازنة موحدة بعد المفاوضات والمساومات في ما بينها، وليس تقديم موازنات منفصلة تجعلها منفردةً أمام باقي السلطات، كم تقدّم. وهذا ما سيفرض على فروع السلطة القضائية استكمل التوازن في باقي المجالات كترشيحات المناصب القضائية العليا وتعييناتها للفروع كلها، والرقابة المتبادلة على بعضها. نظرًا إلى الاستقلالية المفرطة للسلطة القضائية، لا تبدو هناك حاجة إلى منحها سلطات مفرطة للحفاظ على التوازن بين السلطات، مثل المبادرة بعزل رئيس الجمهورية19، أو حلّ البرلمان، كم تتمتع المحكمة الاتحادية بسلطة حصرية مطلقة لتفسير الدستور الذي يُعدّ من الدساتير الجامدة، وبناء عليه، لا داعي أيضًا لمنحها سلطة إضافية في البتّ بالتعديلات الدستورية. ويبدو اختصاص المحكمة الاتحادية بسلطة المصادقة على النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية كافيًا لعدم زجّها أكثر في الصراع الانتخابي، كم حصل في قانون مفوضية الانتخابات /31 2019 الذي قصر تعيين المفوضين على مجلس القضاء الأعلى، ومن القضاة ومستشاري مجلس الدولة، وهذا ما أخلّ بالتوازن بين السلطتين الثالثة "القضائية" والرابعة "مفوضية الانتخابات إحدى الهيئات المستقلة"، كم أنتج وضعًا دستوريًا شاذًّا غير متوازن؛ إذ ستكون السلطة القضائية المسؤول التنفيذي لإجراء الانتخابات، وستكون الهيئة القضائية التي ينتدبها مجلس القضاء الأعلى أيضًا هي الجهة المسؤولة عن الطعون الانتخابية، وستكون المحكمة الاتحادية أحد فروع السلطة القضائية هي الجهة النهائية المسؤولة عن البتّ وتصديق نتائج الانتخابات، فضلً عن سلطة الأخيرة بحسم الطعون حول قرارات مجلس النواب بصحة عضوية أعضائه، وهذا ما يمنح سلطة مطلقة للسلطة القضائية بشأن إدارة العملية الانتخابية بصورة غير قابلة للمساءلة والرقابة. ويمكن تصوّر خطورة هذا الوضع إذا ما انحرفت السلطة القضائية مثلً، أو أساءت استخدام سلطتها للانحياز تجاه أحد الأطراف السياسية أو ضدها. يمكن أن تكون السلطة القضائية بفروعها المختلفة أحد الأطراف في ترشيح أو تعيين مفوضي الهيئات المستقلة وإداراتها، لكن ينبغي ألّ تُنح سلطة حصرية أو حتى هيمنة مطلقة في ذلك. وأخيرًا، لا بد من منح السلطة القضائية سلطات إضافية في مجالات أخرى كالبتّ أو مراجعة إجراءات فرض حالات الطوارئ.

  1. للمحكمة الاتحادية حق محاكمة رئيس الجمهورية في حالات محددة، لكن لا يُعفى حتى ولو أُدينَ إلّ من مجلس النواب (المادة 61/سادسًا/ب.)

خاتمة

يُعدّ مفهوم المراجعة القضائية وتشكيل المحكمة الدستورية النقطة الفاصلة في تحوّل المؤسسة القضائية إلى سلطة قضائية، ولحسن الحظ – وبحلول الربيع العربي – غدا وجود المحكمة الدستورية ضروريًا عند الرأي العام في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، وبدأ الوعي عند القضاة والقانونيين يتشكل - ولو بصورة جنينية - تحت إغراء سلطة مستحدَثة بدور القضاء الدستوري كحارس للنظام السياسي (المقابل لدور الملك التاريخي كحكم بين السلطات)، وإن كان الفقهاء الدستوريون يفتقرون إلى حس الخبرة السياسية اللازمة للقضاء الدستوري؛ إذ إنها النقيض الفلسفي لهم، ففلسفة القانون هي فن اعتمد المعايير وتطبيقها على الواقع، بينم فلسفة السياسة هي فن الممكن، أي فن التملّص من المعايير عند التعامل مع الواقع. إن دور المحكمة الدستورية المختصّة بالفصل في دستورية القوانين (وأحيانًا القرارات والإجراءات التنفيذية)، أبعد أثرًا بكثير من مجرد تفسير نصوص الدستور، فهي في الواقع ستمرس دور الرقابة على السلطتين التشريعية والتنفيذية، وستكون الضابط لشرعية النظام، ومن ثم ستكون بموقع يسمح لها بحمية الحريات السياسية وكبح جمح أيّ انحراف يهدّد ديمقراطية النظام، وهذا ما يتّضح من صلاحيات السلطة القضائية التي قد تتمدّد لتشمل مفاصل حسّاسة في الحفاظ على النظام السياسي، كالتصديق على نتائج الانتخابات، وأحيانًا الإشراف عليها، كم يمكن في الحد الأعلى – إذا ما أُريد للسلطة القضائية أن تحتّل مساحةً موازيةً ووازِنةً بالفعل مع السلطات الأخرى – أن تشتمل على صلاحيات إضافية، كالبتّ في إعلان حالة الطوارئ، أو المبادرة أو البتّ بكل أو أيّ من عزل رئيس الجمهورية و/ أو حلّ البرلمان و/ أو التعديلات الدستورية، وهنا تصبح "استقلالية القضاء" أعمق بكثير من مجرد توفير الأمن الوظيفي أو الحمية من القمع للقضاة بوصفهم أفرادًا، بل ستكون "استقلالية السلطة القضائية" ضمنًا لقدرتها على القيام بدورها بوصفها سلطة ثالثة، مع ما في ذلك من أبعاد سياسية عند التحوّل إلى سلطة فعلية ضمن النظام، كم أن ضمنات الاستقلالية ستتحوّل من ترتيبات إدارية أو قانونية لحمية القضاة إلى تصاميم دستورية ضمن منظومة التوازن بين السلطات. يستتبع ذلك القول إن ضمن استقلالية السلطة القضائية - على أهميتها في توفير البيئة الحيادية الضرورية لتمكين القضاء من تحقيق العدالة - ينبغي أن تُقابل بآليات مساءلة السلطة القضائية، فالمساءلة لا تقل أهميةً عن الاستقلالية وغيابها يؤدي إلى انحرافها نحو استبداد بيروقراطي أو فساد إداري داخل السلطة القضائية، كحال باقي السلطات التي يمكن أن تنحرف نحو الاستبداد والاستئثار بالسلطة بالنسبة إلى السلطة التنفيذية أو الأوليغارشية بالنسبة إلى التشريعية. ولذلك يتضمن مبدأ الفصل بين السلطات الفصل والتوازن المتبادل بينها، وليس الفصل الوظيفي المطلق فحسب. تخضع السلطة القضائية إلى المساءلة المالية من الهيئات الرقابية، كم أن ميزانيتها تُحدد – ولو بصورة مستقلة – ضمن الميزانية العامة للدولة، وتخضع تشريعات الخدمة بتفاصيلها لسلطة مجلس النواب، بيد أن سلطة التعيينات والترقيات والعقوبات والعزل تتفاوت بين حصرها بالسلطة القضائية أو إشراك السلطتين التشريعية و/ أو التنفيذية فيها وبحسب أصناف ومناصب القضاة، وإن كانت سلبيات الأولى تتجسّد في تسييس القضاء، وسلبيات الثانية تؤدي إلى إخضاع القضاء بالكامل لهيمنة سلطتي التشريع والتنفيذ. لكن لا بد من تصميم متوازن يضمن السيطرة على السلطة القضائية، من دون التفريط في استقلاليتها، أو على وجه الدقة من دون التأثير في استقلاليتها بالدرجة التي تخلّ بحياديتها، وهذا ما يمكن معالجته بالاستفادة من العديد من آليات التصميم كتوزيع سلطة التعيين بين جهات متغايرة ومستقل بعضها عن بعض، وفصل جهات الترشيح عن جهات التعيين، وجهات التعيين عن

جهات العزل، وتعدد مستويات العزل أو مراحله بين جهات مختلفة أيضًا، وبالتفصيل والتشدّد في معايير الترشيح، واعتمد هذه الآليات نفسها في تشكيل جهات الانضباط أو الرقابة القضائية. ولا يمكن المقارنة بين خضوع المؤسسات القضائية للسلطة التنفيذية في الأنظمة الدكتاتورية، وما تتمتّع به السلطة القضائية من استقلالية دستورية في النظم الديمقراطية، فالدكتاتورية شرٌ مطلقٌ، وهيمنة الأنظمة الدكتاتورية لا يمكن علاجها وهي تستخدم القمع أداةً رئيسةً لفرض سلطتها، بينم تتيح استقلالية السلطة القضائية في الأنظمة الديمقراطية، خصوصًا عن السلطة التنفيذية وسطوتها، إمكانية معالجة الانحرافات (التي يمكن أن تنشأ بصورة غير شفافة عبر المحسوبية وتركيز السلطات) من خلال التصميم الدستوري أو إعادة التصميم وتوزيع السلطات بصورة متوازنة تضمن عدم إمكانية احتكار السلطات من فرد أو مجموعة محددة، واستدامة الرقابة التي يوفرها التوازن المتبادل بين الصلاحيات والمسؤوليات.

  1. 0 2  "السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة"، قول مأثور ينسب إلى اللورد أكتون. ينظر: إمام عبد الفتاح إمام، الطاغية: دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي، سلسلة عالم المعرفة 184 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1994)، ص.13

المراجع

العربية

إمام، إمام عبد الفتاح. الطاغية: دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي. سلسلة عالم المعرفة. 184 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1994

دايموند، لاري. النصر المهدور: الاحتلال الأمريكي والجهود المتخبطة لإحلال الديمقراطية في العراق. دبي: مركز الخليج للأبحاث،.2007

المجموعة الإحصائية السنوية لعام 017 2. بغداد: وزارة التخطيط – الجهاز المركزي للإحصاء،.2018

مزوزي، ياسين. "دور المجلس الأعلى للقضاء في تعزيز استقلال السلطة القضائية". مجلة الباحث للدراسات الأكاديمية. العدد 11 (حزيران/ يونيو.)2017

مكية، فراس طارق. قصة الانتخابات: الثورة الدستورية في العراق 005-2003 2. بيروت: دار المؤرخ العربي، 2015؛ بغداد: منتدى الحوار المدني،.2014

_______. لمحات استراتيجية حول قانون المحكمة الاتحادية. السويد: المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات؛ تونس: المنظمة العربية للقانون الدستوري،.2017

يوسف، محمد ومحمد الغنام وفراس مكية. السلطة التشريعية لمجلس النواب العراقي: دراسة مقارنة. تونس: المنظمة العربية للقانون الدستوري،.2017

الأجنبية

Beomar, Jamal. "Constitution Making After Conflict: Lessons for Iraq." Journal of Democracy. vol. 15, no. 2 (April 2004).