العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مؤشر استعداد الحكومة للذكاء الاصطناعي 2022

مؤشر استعداد الحكومة للذكاء الاصطناعي 2022

Government AI Readiness Index 2022

عبده موسى البرماوي

الملخّص

عنوان الكتاب في لغته.Government AI Readiness Index 2022: عنوان الكتاب: مؤشر استعداد الحكومة للذكاء الاصطناعي.2022 المؤلفون: مجموعة مؤلفين. الناشر: Insights.Oxford تاريخ النشر:.2022 عدد الصفحات: 61 صفحة.

Abstract

At the end of 2022, Oxford Insights released the sixth edition of the Government's Readiness Index for Artificial Intelligence report, which it has issued annually since 2017. The report monitors government readiness for AI in more than 180 countries around the world. The Index involves 39 indicators under 3 pillars: The first is the government pillar, through which the report tests the extent of a given government’s strategic vision for developing and managing AI, supported by regulation and interest in addressing ethical concerns. The second pillar is the technology sector, whereby the index examines the government’s supply of AI tools from the country’s technology sector, which supplies the government. Finally, the third pillar is the data & infrastructure pillar.

الكلمات المفتاحية:
  • مؤشر استعداد الحكومة للذكاء الاصطناعي
  • قدرات الحكومات
  • الضوابط الأخلاقية
  • المؤسسات الحكومية
  • قطاع الأعمال
  • البيانات
  • العدالة الاجتماعية
Keywords:
  • Government AI Readiness Index
  • Government Capacities
  • Governance and Ethics
  • Civil Service
  • Entrepreneurship
  • Data
  • Social Justice

في نهاية عام 2022، أصدرت مؤسسة أكسفورد إنسايتس النسخة السادسة من تقرير مؤشر استعداد الحكومة للذكاء الاصطناعي، الذي تصدره على نحو دوري منذ عام 2017. يرصد التقرير أوضاع الحكومات على مسار الاستعداد للذكاء الاصطناعي في أكثر من 180 دولة حول العالم. وهو يكثّف النظر في محاور ثلاثة، أولها محور الحكومة، الذي يُعنى بفحص مدى امتلاك الحكومة رؤية واضحة عن كيفية استيعاب الذكاء الاصطناعي وتشغيله، ومدى عنايتها بإصدار القواعد التنظيمية والضوابط الأخلاقية المعززة لاستخدام الذكاء الاصطناعي على نحو آمن وموثوق. ويندرج ضمن هذا المحور تقييم قدرات الحكومات على صعيد الأفراد وتأهلهم وامتلاكهم الخبرات اللازمة، وكذا تراكم الممرسات وثقافة العمل التي تمكّن المؤسسات الحكومية من التكيف مع الذكاء الاصطناعي وتحدياته. المحور الثاني هو محور قطاع الأعمل، الذي ينظر في تأهّب هذا القطاع، وبخاصة القطاع التكنولوجي، للذكاء الاصطناعي، ومدى استعداد شركاته لتوفير حاجة الحكومة من التجهيزات والتطبيقات وغير ذلك من موارد تكفل استيعاب تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي وتشغيلها. ويشمل المحور كذلك تقييم مدى تمتّع القطاع التكنولوجي بالقدرات القيادية للتفكير والتوجيه، ومدى استعداده للدفع باستثمرات البحوث والتطوير، ومدى تمتّع القطاع بمستوى جيد من رأس المال البشري المعدّ أكاديميًا وتدريبيًا. أما المحور الثالث فهو محور المحتوى المعلوماتي المغذّي لنظم الذكاء الاصطناعي، وما يتصل بإعداده وتجهيزه وفق متطلبات أنظمة الذكاء الاصطناعي. ويتضمن تقييم مدى توافر بيانات جيدة مهيَّأة لمتطلبات التعليم العميق والتغذية المعلوماتية لنظم الذكاء الاصطناعي، ومدى مناسبتها لنمذج التوليد اللغوي وتعلّم الآلات، وكذا مدى خلو البيانات من الأخطاء والتحيزات وملامح التمييز المخلّة بالعدالة الاجتمعية. استنادًا إلى نواتج القياس، يشير مؤشر عام 2022 إلى أمور لافتة في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا؛ أولها، تحرّك بلدان المنطقة في غالبها نحو موضع جيد على المؤشر، مقارنةً ببلدان العالم الأخرى، فقد حلت في المرتبة الثانية بين المناطق المدرجة على المؤشر. صحيح أن غالبية بلدان المنطقة لا تبعد كثيرًا عن المتوسط العالمي، إلا أن نتائج المؤشر تكشف استمرار فجوة التطور بين أغنياء المنطقة وفقرائها؛ ففي حين تقع بلدان النفط الأكثر غنى ضمن فئات المنافسة الأعلى عالميًا، التي تتخطى 60 نقطة على المؤشر وهي الإمارات العربية المتحدة (حلت في المرتبة 22 عالميًا مسجّلةً 68.54 نقطة)1، وقطر (المرتبة  36، ب 62.37 نقطة)، والمملكة العربية السعودية (المرتبة 39، ب 61.96 نقطة)، نجد سبع دول عربية أخرى فوق المتوسط العالمي البالغ 44.51 نقطة، وهي على الترتيب من الأعلى: سلطنة عمن (المرتبة 52، ب 57.03 نقطة)، والبحرين (المرتبة 56، ب 53.59 نقطة)، والأردن (المرتبة 63، ب 51.76 نقطة)، ومصر (المرتبة 65، ب 49.42 نقطة)، والكويت (المرتبة 69، ب 47.68 نقطة)، وتونس (المرتبة 70، ب 46.81 نقطة)، ولبنان (المرتبة 73، ب 45.72 نقطة)، أما باقي الدول العربية فلم تجاوز المتوسط العالمي. ويوضح الشكل ترتيب دول المنطقة على المؤشر (ص 30،.)31 يشير تقرير المؤشر إلى أثر التراكم الذي منح دول الخليج العربية السبق، حيث نشطت استثمراتها في المجال الرقمي منذ موجة الأتمتة في تسعينيات القرن العشرين، وتضاعفت مع موجة الحكومة الإلكترونية في الألفية الجديدة. لذا، نجد نسبة التطور تكاد تبلغ الضعف بين بلد كالإمارات ومعظم البلدان العربية الأفقر التي لم تتخطَّ المتوسط العالمي، ولم تجاوز مجموع 38.5 نقطة على المؤشر. وبناء عليه، تُلزم الخشية من تعاظم هذه

  1. نلاحظ تقاربًا كبيرًا في النسبة بينها وبين إسرائيل (70.12 نقطة.) الجمهورية ا س‰مية ا يرانية لبنان الكويت الجزائر تونس اليمن ليبيا العراق اغرب جيبو’

الفجوة التفكير في العوامل التي خلقتها. وحتى بالنسبة إلى الدول التي تُظهر استثناءً كمصر وتونس والأردن، بعبورها خط المتوسط العالمي بنقاط قليلة، تظل هذه الخشية قائمة؛ فمثلً، لدى مصر ولبنان ميزة في جانب الأداء الحكومي (ص. 31)، لكن مع حالة التأزم الاقتصادي المتعاظم لا يُتصور استمرارها، ولا يبعد الحال في تونس التي لديها ركيزة البيانات والبنى التحتية الخادمة للذكاء الاصطناعي.

يوضح الشكل ترتيب البلدان العربية وبعض بلدان الشرق الأوسط على مؤشر استعداد الحكومات للذكاء الاصطناعي

70.1268.5462.3761.9657.8353.5951.7649.4247.6846.8145.7245.3041.3135.3331.5229.8528.84
17 32

44.61 يًا عا

لا يتوقف المؤشر أمام الفارق الذي أحدثه الأثر التمويلي بين البلدان النفطية والبلدان العربية الأخرى، حيث أتاحت الاستثمرات العامة الكبيرة التي خُصصت للقطاعات التكنولوجية انتق لً نوعيًا لهذه البلدان. فالإمارات، على سبيل المثال، رصدت في عام صدور هذا المؤشر أكثر من مليارَي دولار أميركي2. وكذلك السعودية التي وعدت بطرح رؤيتها لعام 2030 بأنها ستستهدف الاستثمر في مجال الذكاء الاصطناعي بما مجموعه 20 مليار دولار3. وفي ظل هذه المستويات التمويلية، يُتصور أن تزداد الفجوة عبر الأعوام القادمة. على الجانب الآخر، يلحظ قارئ التقرير مفارقة إضافية لدى المقارنة ما بين الدول العربية ودول الجوار الجغرافي، ففي موقع تركيا التالي للسعودية إقليميًا، تبدو تركيا في وضع أفضل (حلت في المرتبة 49 عالميًا، مسجّلةً 59.58

  1. 7.9" مليار درهم استثمارات الإمارات في الذكاء الاصطناعي"، الاتحاد، 2022/11/7، شوهد في 2023/5/18، في: https://bit.ly/3BE6D3s
  2. السعودية تعتزم استثمار 20 مليار دولار في الذكاء الصناعي حتى عام 2030 "، العربية نت، 2020/11/19، شوهد في 2023/5/18، في: إ ائيل جمهورية م‚ العربية ا مارات العربيّة اتّحدة البحرين سلطنة عن قطر ا€ردن املكة العربية السعودية https://bit.ly/3Oi8C4X

نقطة)4، في حين حلت إيران فوق خط المتوسط العالمي قليلً (حلت في المرتبة 75 عالميًا، بنقاط بلغت 45.30 نقطة)، وهو أمر يمكن ردّه إلى معاناة الاقتصاد الإيراني من جرّاء الحصار الدولي. أما إسرائيل فقد سبقت في الترتيب جميع بلدان الشرق الأوسط (حلت في المرتبة 20 عالميًا، بنقاط بلغت 70.12 نقطة). وقد اجتهد واضعو التقرير في محاولة بيان الأسباب، لكنهم عنوا بالجوانب التي تعكسها القراءة المباشرة لمناحي القياس والرصد، ولا نختلف معهم فيم ذهبوا إليه من أن توفير الحكومة البيئة الممكنة لعمل الشركات في هذا القطاع يقف وراء جزء من هذا التفوق، لكنهم في الآن ذاته أغفلوا العامل السياسي. والأمر أن تطور قطاع الصناعات التكنولوجية الإسرائيلي ليس تطورًا طبيعيًا، بل تخلّق بوصفه مشروعًا عسكريًا، وباستثمرات عسكرية5، بعضها يتخطى الاقتصاد الإسرائيلي ذاته. وقد وضعت هذه الاستثمرات قطاع التكنولوجيا الرقمية الإسرائيلي في مصافّ الكبار منذ التسعينيات. وقد تركّزت هذه الاستثمرات المباشرة والضخمة في مجالات بعينها مؤثّرة في القطاع العسكري، منها الأمن السيبراني، حتى بات يحتل موضعًا مهمً في الاقتصاد الإسرائيلي. وكان من السهل تحويل موارد شركات الأمن السيبراني وخبراته المتراكمة لتكون ركيزة استيعاب إسرائيل للذكاء الاصطناعي. وضمن الرعاية الأميركية، تشكلت عبر العقود الماضية شراكات عالمية بين شركات التكنولوجيا الإسرائيلية والعديد من الشركات الغربية العملاقة في مجال التكنولوجيا، وهذا هو السبب ذاته وراء حجم الشراكة الكبير ما بين المؤسسات الجامعية الإسرائيلية والمختبرات الجامعية الغربية ذات التأثير في هذا المجال. الملاحظ وفق إصدارات المؤشر السابقة هو التطور على صعيد الاستراتيجيات؛ ففي عام 2020، كانت خمس دول فقط في المنطقة قد استجابت للاتجاه الدولي لحوكمة الذكاء الاصطناعي، منها قطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وجميعها بادر مبكرًا إلى وضع استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، وذلك ضمن خطط طموحة أكبر، تخص الإصلاح والتطوير الاقتصادي في منطقة الخليج التي تراهن على إجراء تحولات على النموذج النفطي الريعي، وموازنته باقتصاد المعرفة القائم على الابتكار والتوطين التكنولوجي. وقد صاغت هذه الاستراتيجيات رؤاها وفق طموح عالٍ كي "تتبوأ موقعًا قياديًا عالميًا في مجال الذكاء الاصطناعي" (ص. 31) يعرض تقرير المؤشر على نحو مقتضب توقّعات مستقبلية على الصعيد العربي، لكن ليس واضحًا كيف ستحقق البلدان العربية هذا الاستيعاب المطلوب للذكاء الاصطناعي، إذ إن قدراتها التكنولوجية وبناها التحتية وامتلاكها المواهب والخبرات في مجالاته المختلفة لا يزال محدودًا. غير أن الرهان العربي على تقنيات الذكاء الاصطناعي يكمن في أن يُعين على إنجاز الأهداف الاستراتيجية المعلنة ضمن الرؤى المستقبلية التي أعلنتها غالبية الحكومات العربية وتغطي مدى عقدَين أو أكثر (ص. 32). لكن السياسات التي تنتهجها لتعزيز

  1. لا يصنف التقرير تركيا ضمن الشرق الأوسط، بل في بلدان جنوب وغرب آسيا.
  2. Ori Swed & John Sibley Butler, “Military Capital in the Israeli Hi-tech Industry,” Armed Forces & Society , vol. 41, no. 1 (2015), pp. 123-141. تجدر ملاحظة أن المصادر الرسمية الإسرائيلية تقدّم أرقامًا شبه ثابتة للنفقات الدفاعية في الأعوام الأخيرة، ما بين 17 و 18 مليار دولار، ينظر: Emanuel Fabian, “Netanyahu, Treasury and Defense Officials Agree on Multi-year Defense Budget,” The Times of Israel , 23/11/2023, accessed on 18/5/2023, at: https://bit.ly/3BSsbt3 في حين تشير تقارير محايدة إلى أن إسرائيل زادت في السنوات الأخيرة من نفقاتها العسكرية بوتيرة متسارعة، حتى باتت في المركز 18 عالميًا من حيث حجم الإنفاق العسكري، الذي تجاوز في عام المؤشر 24 مليار دولار. وبهذا الحجم، تصبح إسرائيل الأعلى إنفاقًا في العالم قياسًا إلى عدد السكان؛ إذ تخطت ما نسبته 12 في المئة تقريبًا من حجم الإنفاق بالنسبة إلى الشخص الواحد. ينظر: “SIPRI Military Expenditure Database,” Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), accessed on 18/5/2023, at: https://bit.ly/3MAsVIe

البنية الرقمية وحفز الابتكار في مجال مثل الخدمات العامة لا يزال محدودًا، فضلً عن توظيف التكنولوجيا في قطاعات الإنتاج الرئيسة. سنجد تقييمً عاليًا للقدرات الرقمية في بلدان الخليج بما تملكه من بنية تحتية قوية، وبخاصة في القطاع الحكومي، واتجاهها إلى تطبيق برامج واسعة وطموحة لتنجز استيعابًا أسرع لتحدي الذكاء الاصطناعي ولتمكّن من إدماجه في العمل الحكومي. وما من شك في أن الملاءة التمويلية تيسّ معاونة القطاع الخاص للتهيؤ للتحدي ذاته. لكن يندر - من وجهة نظرنا – أن تجد غالبية البلدان العربية مثل هذا التمويل، بما فيها بلدان كمصر، التي تتمتع بقاعدة واسعة من المواهب والخبرات، فضلً عن قطاع معقول من الشركات الناشئة التكنولوجية، لذا فإن هذه الحكومات مضطرة إلى أن تنتهج مسارًا أبطأ، وتكتفي بمشاريع للذكاء الاصطناعي من حجم متوسط أو صغير، وتتجه إلى استهداف جزئي في قطاعات محددة أو ما يعرف بمراكز التميز، التي يؤمل لاحقًا في تمديد نجاحها إلى قطاعات أوسع. يكمن تفسيري لما يرد من تفاوت في تقييم المحاور الثلاثة في أن استراتيجيات الذكاء الاصطناعي المعلنة يحوطها الاضطراب والخلط بين الذكاء الاصطناعي وتطورات تكنولوجية أسبق، وفي الصياغة يُلصق الذكاء الاصطناعي بالسياسات الجارية على مسار الأتمتة والتحول الرقمي ومسار الحكومة الإلكترونية. لقد جاء المسار الأول، كم هو معروف، ضمن موجة عالمية شغلت عقدَي الثمنينيات والتسعينيات من القرن الماضي، أما الثاني فقد تشكلت وفقًا له شرعية الإنجاز لحكومات الخليج منذ العقد الأول من الألفية الجديدة، ولا يزال قائمًا على أجندتها، وهو مجال يشهد طفرات كبيرة وملموسة. المفترض في الذكاء الاصطناعي، حتى إن استفاد من التطورات الأسبق، أنه لا يجب التعامل معه باعتباره مجرد حلقة إكمل للمسارات الأقدم؛ فهو يتخطاها إلى حد بعيد. لكن، لدى تأمل المشروعات الأساسية المطبّقة لاستراتيجيات الذكاء الاصطناعي، نجد أن الحكمة التقليدية لا تزال تحكم، وتتمثل في أن الحكومات الخليجية تراهن على سحر القدرات التمويلية، فتعجّل باستراتيجية استحواذ Accusation مزدوجة، تسير من جهةٍ صوب المشاركة في الاستثمر المالي في شركات الذكاء الاصطناعي واجتذاب أفرع لها في بلدان الخليج، ومن جهةٍ أخرى تؤسس شركات ناشئة تقتنص المواهب المؤهلة من البلدان العربية وبلدان جنوب آسيا لسد فجوة رأس المال البشري. قد ينجح هذا التوجه، لكن عناصر استدامته تظل غائبة. لقد دفع طموح الإمارات، مثلً، لجذب المواهب في القطاع التكنولوجي إلى تعديل كبير في سياساتها لمنح التأشيرات، يسمح لأصحاب المواهب العالية في هذا المجال بالدخول والعمل بمغريات كبيرة. لكن نجد أيضًا أن عنصر التمويل هو المميز الحقيقي؛ فالبنية التحتية في بلدان كمصر ولبنان وتونس والأردن تظل ضعيفة وأقل تحديثًا مقارنةً بما في بلدان الخليج، لذلك فإن جاهزيتها لاستقبال نظم الذكاء الاصطناعي أقل بسبب غياب موارد الحوسبة العالية الأداء. فضلً عن أن قدرة هذه الحكومات على توفير ميزانيات كبيرة تسد هذه الفجوة مشكوك فيها. فمثلً، تمرّ مصر بأسوأ ضائقة مالية تجعلها على شفير انهيار اقتصادي وفق العديد من المراقبين في المؤسسات البحثية الدولية6. وحاجتها إلى حفز قطاعٍ للذكاء الاصطناعي قادر على المنافسة تعني تدبير موارد تفوق مليارَي دولار في غضون عامين.

  1. إسحاق ديوان، "هل مصر أكبر من أن تفشل أم أكبر من أن تُنقذ؟"، مركز مالكوم كير -كارنيغي للشرق الأوسط، 2023/5/8، شوهد في 2023/5/23، في: https://bit.ly/3OA5cKO

لكن على صعيد قيام الحكومات بوضع الرؤى وصياغة الاستراتيجيات، ثمة طفرة يمكن لمسها في نتائج الدول العربية في العامين الأخيرين، ذلك على الرغم من أن المنطقة عمومًا لا تزال تسجل في هذا المنحى نقاطًا أقل من المتوسط ​العالمي. وقد انخرطت عدة بلدان عربية في النقاشات حول مسائل الحوكمة وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وقطع بعضها أشواطًا في صياغة الاستراتيجيات وتأطيرها بقواعد للعمل، لكن ترجمة هذا الجهد النظري من مجرد مفاهيم وصياغات إلى ممرسات يمكن لمسها في واقع تشغيل نظم الذكاء الاصطناعي وإدارتها لا تزال ضعيفة. لنأخذ مث لً: يلاحظ مؤلفو تقرير المؤشر لدى تقييم النقاط المتحققة على محور الحوكمة أن وضع بلدان الخليج ضعيف، والسبب كامن في الأوضاع غير الديمقراطية وغياب الحريات. بالمثل، فإن النتائج التي تخصّ المؤشر الفرعي لتمتع البيانات بميزة عدم التحيز الاجتمعي ضعيفة على الصعيد الخليجي. ويسهل تصور سببه، ونسبه إلى طبيعة الانقسامات الاجتمعية والعديد من ممرسات التمييز القائمة التي لا تزال تحجب قطاعات اجتمعية عن الميزة المتحققة من التكنولوجيات، كالنساء والعمل وغيرهم. لهذا كله، نحا واضعو التقرير إلى نصح دول الخليج لحل هذه المعضلة التي تعرقل منح استعدادهم للذكاء الاصطناعي تقييمً أفضل، بضرورة "ضمن أن تلبي مشاريع الذكاء الاصطناعي احتياجات جميع مستخدمي الخدمة دونما تمييز" (ص. 32) يعي المتابع لسياسات التكنولوجيا واستيعاب تحدّيها أنه لا فارق يميز البلدان العربية، غنيها وفقيرها، فيم يخص وجود حوافز سلطوية تدفع إلى الخشية الأمنية من تبنّي التكنولوجيات ذات الطبيعة الشبكية التي تعتمد على الانخراط الكبير للمواطنين وتفاعلاتهم اليومية الحرة. وتشير الخبرة إلى أن هذه الخشية حكمت سابقًا السمح باستخدام شبكات التواصل الاجتمعي وعرقلت العديد من تطورات الثورة الرقمية. لكن نجد أن بعض الدول الخليجية قد انتبهت إلى هذا المعوق، وبدأت في الانفتاح النسبي على التكنولوجيا، وتهدئة مخاوفها ذات الطابع الأمني والسلطوي. يشير التقرير إلى مسألة الاهتمم الكبير الذي تُوليه حكومات المنطقة لحمية ثقافتها ولغتها العربية (ص. 32). والحال أن العالم يفتقر، في الوقت الراهن، إلى آلية تلجم المخاوف ذات الطابع الثقافي واللغوي، وفي الآن ذاته لا يملك المتخوفون رؤية تحدّ من أن تتسبب مخاوفهم في سياسات حمئية معوقة للتطور. ويبقى الأمل في أن تُنجَز مبادرات على صعيد المنطقة توازن المخاوف المتصاعدة مع المطالب الحمئية. وتكمن نقطة البدء في رأينا فيم يمكن نعته ب "الثقة الثقافية"؛ فثمة نتاج علمي عربي معتبر لا يجد طريقه إلى سوق الأفكار العالمية، بسبب افتقاره إلى الملامح التقنية التي تسمح بتداوله عبر الشبكات بكفاءة. كذلك، فإن في الإمكان استدعاء تراكم علمي من جهود عربية أسبق جمعت اللغة بالبحوث التقنية، وفيها ما يمكن أن يؤسّس لصيغة تشاركية جمعية تعزز وجود اللغة العربية على ساحة الذكاء اللغوي التوليدي. وفي هذا الصدد، ثمة العديد من مشروعات المعاجم التاريخية العربية، منها معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، الذي يحمل زخمً معرفيًا معتبرًا، ومادة سخية للتغذية اللغوية7. ولعل هذه النقطة تنبّهنا لملاحظةٍ يوردها تقرير المؤشر، وهي غياب استراتيجية عبر-عربية للذكاء الاصطناعي. وعلى المنوال نفسه، لا يجد المتابع مبادرة على الصعيد العربي تجمع الجهود والمزايا العربية في هذا المجال؛ بمعنى أن تُطرح استراتيجية استثمر عربية لا تتسابق في التبعية للشركات، بل تراهن على الإمكانيات العربية

  1. ينظر الموقع الرسمي لمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية، شوهد في 2023/5/23، في: https://www.dohadictionary.org/

أساسًا، ولا تستهلك طاقتها واستثمراتها في الجوانب المظهرية وتهرول خلف إغراءات الشركات العالمية واستنزافها للموارد تحت اسم ملاحقة التطور. مثل هذه المسالك انتهت من دون مردود حقيقي على الوضعيات التنموية في البلدان العربية خلال العقدين الماضيين. وفي ضوء ما يخبرنا به المؤشر من أن الدول العربية عمومًا لا تزال تعاني ضعف الحوافز الاستثمرية، وغياب البيئة الداعمة للتطور التكنولوجي، وإدماج مخرجاته في السياسات والعمل الحكومي، فإن الحل من وجهة نظر كاتب هذه المراجعة يكمن في التعاون. باختصار، من يملكون التمويل والمبادرة والكفاءات البشرية عليهم أن يجتمعوا معًا، وأن يشكّلوا أطرًا تعاونية تعدّل مسار المنافسات العربية - العربية بعيدًا عن عمليات الاستنزاف المتبادل. والصراحة هنا واجبة، فصحيح أن خطط التهيئة للذكاء الاصطناعي الخليجية طموحة في اجتذاب المواهب، وهو تحدٍ تجد نفسها فيه وجهًا لوجه مع الشركات العالمية من البلدان المتقدمة التي تنتهج الأسلوب المغري ذاته الذي ينتهي بما اصطُلح على تسميته "نزيف العقول"، لكن يكمن الحل في مسار التعاون وإدارة التأهب للذكاء الاصطناعي على صعيد إقليمي وعبر تعاون مشترك، وليس وفقًا لطموحات قُطرية، دولة بدولة.

المراجع

العربية

الأوسط. 2023/5/8:. في https://bit.ly/3OA5cKO

الأجنبية

ديوان، إسحاق. "هل مصر أكبر من أن تفشل أم أكبر من أن تُنقذ؟". مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق “SIPRI Military Expenditure Database.” Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI). at: https://bit.ly/3MAsVIe

Swed, Ori & John Sibley Butler. “Military Capital in the Israeli Hi-tech Industry.” Armed Forces & Society. vol. 41, no. 1 (2015).