العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الإدارة المحلية السعودية: الوضع الراهن وتصور مستقبلي لمدى تطبيق نهج اللامركزية

الإدارة المحلية السعودية: الوضع الراهن وتصور مستقبلي لمدى تطبيق نهج اللامركزية

Saudi Local Administration: Current Status and Future Perceptions on Decentralization Application

عدنان بن عبدالله سليمان الشيحة

الملخّص

ملخص: تهدف هذه الدراسة إلى وضع تصور مستقبليي لمدى تطبيق نهج اللامركزية في المملكة العربية السعودية، وذلك من خلال تحديد العوامل الدافعة والمثبطة، وتحليل الوضع الراهن للإدارة المحلية السعودية. أكدت أدبيات اللامركزية أنه ليس هناك نموذج مثالي يناسب جميع الدول، فلكل مجتمع ظروفه التي تحدد مدى تطبيقه لنهج اللامركزية. ويلاحظ في الحالة السعودية وجود نسق يراوح بين اللامركزية والمركزية يشكله مستوى القدرة الاقتصادية للسلطة المركزية، إضافةً إلى عوامل أخرى ثابتة ومتغيرة. وتخلص الدراسة إلى أن التوجه المستقبليي للإدارة العامة السعودية يميل إلى تطبيق اللامركزية، ويتطلب إصدار نظام للإدارة المحلية بديلً من التنظيمت المتعددة، بحيث يوحد المرجعية التنظيمية للمستويات الإدارية (المناطق والمحافظات والبلديات)، ويحدد أدوارها، ومسؤولياتها، وصلاحياتها، ويمنحها الاستقلال الإداري والمالي والشخصية الاعتبارية من خلال مجالس نيابية مسؤولة عن إدارتها؛ ما يعني بالضرورة تقليل الاعتمد على فروع البيروقراطيات المركزية في صناعة القرار المحليي.

Abstract

Abstract: This study explores the future of decentralization in Saudi Arabia, identifying potential and inhibiting factors and analyzing the current state of local administration. According to the literature on decentralization, there is no one-size-fits-all model, as each country's circumstances determine the extent to which it can be applied. In Saudi Arabia, there has been a historical oscillation between decentralization and centralization, influenced by factors such as the central government's economic capacity. The study concludes that the future direction of the Saudi administration is likely to be more decentralized. This requires the development of a unified local administration system, granting administrative, financial, and legal entities to Local Administration through representative councils. This would reduce reliance on central bureaucracies when making local decisions.

الكلمات المفتاحية:
  • اللامركزية
  • الإدارة المحلية
  • الإدارة العامة
  • المملكة العربية السعودية
Keywords:
  • Decentralization
  • Local Administration
  • Public Administration
  • Kingdom of Saudi Arabia

مقدمة

تمثل تجربة المملكة العربية السعودية في تطبيق اللامركزية إحدى التجارب المهمة في الوطن العربي، وهي جزء من جهود الإصلاح الإداري وتطوير الإدارة المحلية الذي امتد قرنًا ونيّفًا في ظل الدولة السعودية الحديثة. كان للعوامل السياسية والاجتمعية والثقافية والدينية أثرها في الدفع إلى تطور منظومة الإدارة المحلية1. كم تكتسب هذه التجربة أهمية جديدة؛ إذ عادت إلى الواجهة طموحات إصلاحية كبرى دفعت إليها "رؤية السعودية 2030، وبخاصة ما يتصل بمستهدفيها "مجتمع حيوي: بيئته عامرة"، و"وطن طموح: حكومته "2فاعلة"، وما قد يكون لذلك من انعكاسات ضخمة على مستقبل الإدارة المحلية. كان الواقع الراهن في انتظار هذه الدفعة الإصلاحية الكبيرة، وهو ما أشارت إليه عديد الدراسات3. ولا يزال الاعتمد على التنظيمت البيروقراطية وتعدد مرجعيتها وضعف صلاحياتها الإدارية والمالية ومحدودية أدوارها ملامح سلبية تجعل المنظومة الراهنة غير قادرة على مجاراة تطلعات صانع القرار في المملكة. وثمة اتفاق واسع على تلك التحديات التي تعترض نهج اللامركزية وإصلاح الإدارة العامة، لخصها 1. حيرة الإدارة الحضرية بين نهج:بدقة الأمين الأسبق لمنطقة الرياض الأمير عبد العزيز بن عياف وهي4المركزية الموروث المهيمن، وبين الأخذ باللامركزية؛ 2. حالة الضعف التي تكتنف مالية البلديات، عمومًا، والاعتمد التام على ما تقرره الميزانيات المركزية وتحدده سلطة المركز؛ 3. تغييب المشاركة العامة في صناعة واتخاذ القرار البلدي؛ 4. المركزية البلدية وتشكيلها للبيئة العمرانية الجديدة. علاوة على هذا، فإن "انفراد بيروقراطية الوزارات الرئيسة المركزية بالقرار التوزيعي، ووضع عملية صنعه بحذافيرها في أيد محدودة من كوادر السلطة التنفيذية ورئاستها، يحيل الجميع في علاقتهم بالمركز إلى محل تابع جامد"، وهذا الجمود إنما.يلزم المنظومة بنمط للأوامر ذي اتجاه واحد، وبما يحد من بروز أي أفكار متنوعة أو مخالفة لما هو معتاد5تطرح هذه التحديات تساؤلً حول آفاق مستقبل تطبيق اللامركزية في الإدارة العامة السعودية، وتتطلب الإجابة عن هذا التساؤل التعرف إلى ملامح الوضع الراهن للإدارة المحلية في المملكة، وما يكتنفه من فرص وما يعترضه من تحديات، إضافةً إلى قراءة تحليلية لبيئة العمل الحكومي لنستشف من خلالها العوامل الدافعة والعوامل المثبطة للتحول إلى نهج اللامركزية. وتمكن الإجابة أيضًا من استشراف المستقبل في ضوء التحولات الراهنة والتطلعات التي ترسمها "رؤية."2030

  1. ينظر: عدنان بن عبد الله الشيحة، "الإدارة المحلية في المملكة العربية السعودية: الوضع الراهن ونموذج مقترح"، مجلة جامعة الملك سعود - العلوم الإدارية، مج 24، العدد 1 (2012)؛ ينظر أيضًا: عدنان بن عبد الله الشيحة، "الإصلاح الإداري في المملكة العربية السعودية:.من البيروقراطية المركزية إلى توسيع سلطات المجالس المحلية"، المجلة العلمية للإدارة، العدد)2015(8

تستخدم الدراسة منهجًا بحثيًا يجمع بين الوصف والتحليل التاريخي والتنظيمي، وتبدأ بنبذة تاريخية عن الإدارة المحلية في السعودية وتطورها، ثم تحلل الوضع الراهن، وصولً إلى تقديم تصور مستقبلي لتطبيق اللامركزية ينطلق من الواقع الاجتمعي والثقافي للمملكة، ويبني على ما تحقق من إنجازات سابقة، ويستفيد من الممرسات الجيدة التي تسهم في تطوير نظام اللامركزية. وتعتمد الدراسة في جمع المعلومات على الوثائق الحكومية والإحصاءات الرسمية والأبحاث والدراسات السابقة ذات الصلة. جرى تقسيم الدراسة إلى أربعة محاور، يتناول أولها مفهوم اللامركزية وانعكاساته على حالة الإدارة المحلية في السعودية، ويعرض ثانيها التطور التاريخي للإدارة المحلية السعودية، أما في الثالث فينصب الاهتمم على الوضع الراهن للإدارة المحلية وأبرز الفرص والتحديات في تطبيق اللامركزية، ويهتم الرابع بالتوجه المستقبلي إلى تطبيق نهج اللامركزية وتطوير الإدارة المحلية في السعودية.

أولً: مفهوم اللامركزية وانعكاساته ع لى حالة الإدارة المحلية السعودية

ثمة اقتناع واسع بأن اللامركزية في اعتمدها على ترتيب العلاقة التنظيمية بين المستويين الوطني ودون الوطني من حيث الأدوار والصلاحيات والمسؤوليات قادرة على تمكين الهيئات المحلية والإقليمية من أداء أدوارها في خدمة المواطنين وإنجاز التنمية المرجوة6. لكن يكمن التحدي في تبيّ نمط فعال لتوزيع سلطة الإدارة، وتقييم كفاءة الهياكل والآليات التي يجري بموجبها منح المسؤولين والهيئات في المستويات الأدنى قدرًا من الاستقلالية عن السلطات المركزية، ومدى تناسب مقدار الاستقلال مع الطموح التنموي المأمول. ولتطبيقات اللامركزية مستويات تتفاوت بين دولة وأخرى، وبحسب السياقات والأوضاع الاقتصادية والاجتمعية التي يعمل داخلها نظام الإدارة المحلية، يمكن تحديدها في ثلاثة مستويات، هي: التخفيف من المركزية Deconcentration، وهو أدنى مستويات اللامركزية، ويلي مباشرة الشكل المركزي المحض؛ ويعني "تفرع" الإدارة المركزية إلى مناطق أو مستويات محلية من خلال مكاتب ميدانية مرتبطة مباشرة بالمركز، ولذلك تعتبر أضعف أشكال اللامركزية7. وغالبًا يعتبر التخفيف من المركزية أحد المفاهيم الفرعية المرتبط ب "اللامركزية الإدارية" أو "اللامركزية البيروقراطية"8. التفويض Delegation، الذي يتم فيه نقل بعض صلاحيات المركز على صعيد اتخاذ القرار وممرسة السلطة الإدارية إلى كيانات إدارية تحظى بقدر من الاستقلالية، لكن يبقى للمستوى المركزي الأعلى سلطة عليها في المراقبة والمحاسبة. والغاية من التفويض منح صلاحيات محددة إلى مسؤولين وهيئات محلية لاتخاذ قرارات معينة9.

  1. UNDP, Decentralized Governance for Development: A Combined Practice Note on Decentralization , Local Governance and Urban/ Rural Development (New York: 2004), accessed on 29/10/2023, at: https://bit.ly/47a53Ux; OECD, Making Decentralization Work: A Handbook for Policy-Makers , Policy Highlights (Paris: 2019), accessed on 29/10/2023, at: https://bit.ly/3SmFXxx
  2. Decentralization," The World Bank, 6/6/2013, accessed on 11/1/2023, at: https://tinyurl.com/wch6785m
  3. Ozmen Alper, "Notes to The Concept of Decentralization," European Scientific Journal , vol. 10, no. 10 (April 2014).
  4. Administrative Decentralization," in: "Decentralization," The world Bank. المصدر: OECD, Making Decentralization Work: A Handbook for Policy-Makers , Policy Highlights (Paris: 2019), accessed on 29/10/2023, at: https://bit.ly/3SmFXxx

المدنية، والقانون العام10. واللامركزية الإدارية، واللامركزية المالية، نلخصها في الشكل (.1)11

اللامركزية السياسية • سلطة منتخبة. • صناعة القرار وسلطة نافذة. • مشاركة المواطنين. • المسؤولية المحاسبية والشفافية. بها.

تُنقل إدارة الخدمات الحكومية إلى القطاع الخاص12. النقل الكامل Devolution، ويعني الاستقلالية؛ وهو أعلى مستويات اللامركزية، حيث تُنح سلطة اتخاذ القرار لهيئات محلية يُسمح لها بتولي المسؤولية كاملة في نطاقها، وذلك من دون الرجوع إلى الحكومة المركزية13. وهذه الهيئات المحلية عادة ما تكون منتخبة، وتتمتع بالاستقلال الإداري والمالي، ولها شخصيتها القانونية ومواردها المالية المستقلة، ولا تخضع للسيطرة المركزية المباشرة للحكومة، إنما خضوعها لأطر السياسات العامة وقوانين الدولة، كتلك المتعلقة بالحقوق تحدد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية صورًا أو أبعادًا ثلاثة للامركزية هي: اللامركزية السياسية،

الشكل (1) أبعاد اللامركزية

اللامركزية الإدارية اللامركزية المالية المسؤولية (منفردة • ميزانيتها الخاصة. ومشتركة). • المصروفات (سلطة الوظائف (التنظيم الإنفاق). والتشغيل والتمويل • العائد (كاف ومناسب). والتقرير). • أحكام وقوانين مالية. تملك موارد بشرية خاصة تملك أصولً خاصة بها.

ويضيف كيمب رونالد هوب إلى هذه الثلاثية نهج الخصخصة بوصفه آلية ضمن آليات اللامركزية، وفيها

تشير التجارب الدولية إلى أن تشكيل فهم واقعي لنهج اللامركزية يستوجب إيلاء أهمية للسياقات الاجتمعية والتاريخية التي تشكل النظام الإداري لكل دولة، وفهم مسارات التطور وطبيعتها والظروف الداخلية والخارجية فيها. يجعلنا هذا الفهم نستوعب ملامح الاختلاف بين حالة العديد من البلدان النامية والحالات

  1. Kempe Ronald Hope, Snr. "Decentralization and Local Governance Theory and the Practice in Botswana," Development Southern Africa, vol. 17, no. 4 (2000).
  2. Administrative Decentralization."

التي تطورت في البلدان الغربية14. يتصل هذا مثلً بعنصر الزمن وتشكّل مراحل التطور على وقع زمني مختلف، فضلً عن اختلاف مستويات التطور الاقتصادي والاجتمعي، وتباين السياقات الثقافية. وكل هذه عوامل تجلي معنى التدرجية في بناء قدرة المنظمت المحلية في البلدان النامية، وتبيّ كذلك العوامل التي من شأنها أن تيسر قبولها المهمت والمسؤوليات الجديدة وتنفيذها بفاعلية. تبرز حالات عديدة في هذا السياق كيف مثلت رعاية السلطة المركزية لعملية التحول نحو اللامركزية شرطًا مهمًّ، وضرورة أن يصحب ذلك تغيير في ثقافة البيروقراطية المركزية وتحولها عن نهج السيطرة والتحكم لصالح نهج التيسير والدعم15. ويتطلب تطبيق اللامركزية بنية تنظيمية واضحة تحدد العلاقة بين المستويات الحكومية16، يسهل من خلالها تفويض تلك الصلاحيات التي كان يُعهد بها تقليديًّا إلى أجهزة السلطة المركزية إلى الهيئات المحلية. حجم هذه الصلاحيات مرهون بالطبع بمستوى اللامركزية، وبغض النظر عن نوعها. وتؤكد التجارب الدولية صعوبة تطبيق الحوكمة، بوصفها نهجًا متقدمًا في إدارة المجتمعات المحلية، دون هيئات ذات كفاءة يُناط بها إدارة الشأن المحلي. والحديث عن الحوكمة المحلية هنا ليس ترفًا سياسيًّا، وإنما هو متطلب للتعامل مع المشكلات الاقتصادية والاجتمعية والبيئية التي أصبحت أكثر تعقيدًا في وقتنا الراهن. على مستوى الهياكل، يفرض هذا سرعة التحول من هرمية عمليات صنع القرار المحلي، وهيمنة البيروقراطية عليها، إلى نمط قائم على توسيع دائرة القرار، يشمل مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص وعموم السكان. منذ نهاية القرن العشرين، تبلورت مفاهيم الإدارة العامة التنفيذية الجديدة Management Public New، التي اجتمعت على ضرورة التركيز على الأداء الحكومي وسبل الارتقاء به، والسعي إلى إنماء قدرات الأجهزة المحلية لتقديم أفضل أداء. والأمر يتخطى مجرد تحسين قدرات الجهاز الحكومي وبنائه التنظيمي لتحقيق أفضل أثر للجهود الحكومية17؛ إذ تركز الإدارة العامة التنفيذية الجديدة على إعادة هيكلة الإدارة الحكومية على منوال اللامركزية، واستحداث آليات لتجزئة السلطة المركزية المتضخمة إلى وحدات أصغر حجمً وأكثر فاعلية18. حظي تطبيق نهج اللامركزية باهتمم علمي وبحثي سعودي واسع، ومن بين الدراسات الحديثة في هذا الصدد دراسة عبد المنعم عز الدين22 التي قدمت إطارًا مفاهيميًا لتطوير الإدارة المحلية في المملكة، بما ينسجم مع "رؤية السعودية 2030"، وتضمن الإطار خمسة أبعاد رئيسة هي: التمكين، والشراكة، والموارد،

  1. Wal, Berg & Haque.
  2. Hope.
  3. Malcolm Holmes & David Shand, "Management Reform: Some Practitioner Perspectives on the Past Ten Years," Governance , vol. 8, no. 4 (1995), pp. 551 - 578.
  4. عبد المنعم عز الدين، "مستقبل الإدارة المحلية في المملكة العربية السعودية تطبيقًا على منطقة نجران"، المجلة العربية للإدارة، مج 40، العدد 4.)2020(

والوظائف والأدوار، والتقنية. أما دراسة "دور الإدارة المحلية في تعزيز الأمن الوطني"23، فقد تضمنت استعراضًا لعلاقة الإدارة المحلية بمفهوم الأمن الوطني، واقترحت تفعيل دور الإدارة المحلية في إنجاز برامج التنمية وتعزيز الأمن الوطني بالموازنة بين المركزية واللامركزية. واعتمدت دراسة عدنان الشيحة وفؤاد الديب24 منظورًا قانونيًّا إداريًّا، وتوصلت إلى وجود فجوة بين تطلعات الرؤية الوطنية 2030 وواقع الإدارة المحلية في تحقيق "مجتمع حيوي: بيئته عامرة" و"وطن طموح: حكومته فاعلة"، وأوصت بإصدار نظام للإدارة المحلية يوحد مرجعيتها، ويمنحها الصلاحيات التي تتناسب مع مسؤولياتها. وثمة دراسة أخرى هي "الإدارة المحلية في المملكة العربية السعودية: الوضع الراهن ونموذج مقترح"25، وهي أكثر شمولً من سابقتها، حيث هدفت إلى التعرف إلى الوضع الراهن للإدارة المحلية السعودية والتحديات التي تواجهها وصياغة نموذج تكاملي يضع تصورًا عامًا يوازن بين المركزية واللامركزية في عملية صنع القرار المحلي. وهكذا نجد أن جميع الدراسات السابقة مع اختلاف أطروحاتها وموضوعاتها تشير إلى ضرورة تفعيل الإدارة المحلية ومنحها الصلاحيات والأدوار اللازمة لتحقيق التنمية المحلية. وتحاول هذه الدراسة توضيح العوامل الدافعة والعوامل المثبطة في تطبيق نهج اللامركزية، وربط ذلك بمنظور مستقبلي مقترح.

ثانيًا: لمحة من التطور التاريخي للإدارة المحلية السعودية

يعكس التطور التاريخي للإدارة المحلية للمملكة العربية السعودية خصوصيتها الثقافية والسياسية والمجتمعية. وليس هذا تعميمً؛ إذ يظل لتجربة دولة بحجم السعودية وثقلها ما يميزها ويجعلها تجربة متفردة. وسيكون من الخطأ المنهجي إسقاط الخصائص القيمية والنظمية لتجارب مجتمعات أخرى على هذه التجربة، وما في ذلك من فرض لنمذج بعينها لتقييم التطور في مجتمعات تختلف في سياقها السياسي والإداري أو في التنظيم الحكومي (المركزية واللامركزية). وفي الإمكان تلخيص هذا التطور الذي مرت به الإدارة المحلية السعودية في أربع مراحل32، هي: مرحلة التأسيس، وفيها انتهج الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود – رحمه الله – نمطًا من اللامركزية بغية أن تكون آلية للضبط الأمني. في الوقت ذاته، تبنى الملك نهج المشاركة الشعبية، فأسس في عام 1926 مجلس الشورى في مكة المكرمة ((2(، كم وعى أهمية تكوين بيروقراطية قادرة على الدفع بالتنمية، فأصدر نظامًا لأمانة العاصمة والبلديات في عام 1938 وهذا النظام كان بمنزلة النواة للإدارة البلدية السعودية. مرحلة البناء المؤسسي، وهي مرحلة دشنها إنشاء مجلس الوزراء في عام 1953، وكانت نقطة تحول نحو المركزية وانتظامها المؤسسي. وتزايد هذا التوجه نحو المركزية مع ارتفاع العوائد البترولية، وترجمتها

  1. 0 2  عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد العزيز آل سعود، "دور الإدارة المحلية في تعزيز الأمن الوطني"، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، العدد 20.)2020(
  2. عدنان الشيحة وفؤاد الديب، "مدى الحاجة لتطوير أنظمة وهياكل الإدارة المحلية لمواكبة رؤية المملكة العربية السعودية"، ورقة مقدمة لمؤتمر التنمية الإدارية في ضوء رؤية المملكة 2030، الرياض، المملكة العربية السعودية، 11 - 13 رجب /1440 18 - 20 آذار/ مارس.2019
  3. الشيحة، "الإدارة المحلية في المملكة العربية السعودية".
  4. للمزيد عن التطور التاريخي لنظام الإدارة المحلية في المملكة العربية السعودية، ينظر: هاني بن يوسف خاشقجي، الإدارة المحلية في المملكة العربية السعودية: المفاهيم والأسس والتطبيقات (الرياض: دار الخريجي للنشر والتوزيع، 2002)؛ الشيحة، "الإدارة المحلية في المملكة العربية السعودية".
  5. المرجع نفسه.

إلى موازنات مالية كبيرة توظف في تحقيق التنمية الشاملة من خلال الخطط الخمسية التنموية منذ انطلاقتها الأولى في عام 1970. كرس هذا التوجه نحو المركزية آنذاك شح الكفاءات والخبرات الوطنية في الإدارات المحلية. مرحلة التخفيف من المركزية، وهي تبدأ مع صدور نظام المناطق في عام 1992، وتعزز هذا التوجه بصدور الأمر بتفعيل المجالس البلدية في عام 2004، والذي دخلت به المملكة إلى مرحلة تطوير جديدة، قوامها التخفيف من المركزية وزيادة المشاركة الشعبية في صنع القرار. دفعت هذه النظم إلى جملة من التطورات على صعيد الثقافة الحكومية والسياسية، لكنها ظلت دون المطلوب في ظل تضخم المسؤوليات الموكلة إلى المحليات وحجم التحدي التنموي الذي يواجهها. دشنت "رؤية السعودية 2030" حكومة فاعلة وبرامج تنموية محلية ذات مستهدفات طموحة. من بينها على سبيل المثال تطوير المدن، والارتقاء بمستوى جودة الحياة لسكان المدن، وتحقيق استدامة بيئية، وتصنيف ثلاث مدن سعودية بين أفضل مئة مدينة في العالم، وتأسيس مناطق خاصة لقطاعات واعدة ومنها المناطق اللوجستية والسياحية والصناعية والمالية وغيرها، وتدعيم قنوات التواصل بين الأجهزة الحكومية من جهة، وبين المواطن والقطاع الخاص من جهة أخرى33. هذه جميعها جلَت الحاجة إلى تطوير الإدارة المحلية. ويمكن تلخيص ما يتعلق بخصوصية تطور الإدارة المحلية في المملكة، والتي تولد منها الوضع الراهن، في ارتباط التطور التاريخي للإدارة المحلية بتطور مالية الدولة. ويبين الشكل (2) أن ثمة علاقة عكسية بين درجة تطبيق نهج اللامركزية ومستوى الإمكانات الاقتصادية التي توافرت للدولة. على سبيل المثال، تطلبت المساحة الجغرافية الكبيرة للمملكة تطبيق اللامركزية عندما كانت الموارد شحيحة مثلم كان عليه الحال في مرحلة التأسيس، بينم سارت صوب المركزية عندما ارتفعت العوائد النفطية، وكانت الغاية النشر السريع للتنمية في جميع المناطق. وباختصار، نرى أن العامل الاقتصادي أدّى الدور المؤثر الرئيس في تقرير تبني نهج اللامركزية، فيم بقيت العوامل الأخرى عوامل مشجعة في هذا الاتجاه. ويستدعي فهم الواضع الراهن للإدارة المحلية فهم طبيعة نظام الإدارة العامة السعودية، والذي يمكن وصفه من خلال بعدين. أولهم، طبيعة صنع القرار من حيث درجة المشاركة. وثانيهم، الغاية من دور الحكومة إن كان دورًا كبيرًا، يهدف إلى تحقيق الرفاهية الاجتمعية، أم دورًا مقتضبًا، يتُرك فيه لآليات السوق أن تعمل دون تدخل حكومي، وبما يتيح درجة عالية من الحرية الفردية الاقتصادية. يوضح الشكل (3) موقع الإدارة المحلية وطبيعتها في نظام الإدارة العامة، ويبين علاقات التمثيل داخل هذا النظام، واستجابة الدولة لحاجات المواطنين. ويكشف أن الإدارة العامة تؤدي دورًا كبيرًا في الاقتصاد السعودي، وهي آلية أساسية لدولة تستهدف رضا ورفاهية مواطنيها. في هذا السياق، يجدر لفت الانتباه إلى انعكاس السلطة الأبوية والعلاقة المجتمعية التقليدية بين الحاكم والمحكوم على هذا النظام، وأيضًا ما تبرزه القيم الإسلامية بوصفها مصدر التشريع في الدولة كم في المواد (1، 6، 7، 8) من النظام الأساسي للحكم (الدستور) السعودي.

  1. المملكة العربية السعودية، رؤية السعودية 030 2، شوهد في 2023/10/29، في: https://bit.ly/49eb6ZX املركزية والالمركزية التوازن بني الالمركزية الشديدة، 2030 املصدر: عدنان الشيحة وفؤاد الديب، "مدى الحاجة لتطوير أنظمة وهياكل اإلدارة املحلية ملواكبة رؤية اململكة العربية السعودية"، ورقة مقدمة ملؤمتر التنمية اإلدارية يف ضوء رؤية اململكة ما قبل النفط. (بترصف من الباحث 2019/3/20-18)، الرياض، اململكة العربية السعودية اسرتاتيجية ما بعد النفط املركزية الشديدة
1االنتخابات
أالبلدية
19221
2التعليامت
أاألساسية
19302
3النظام العام
ألمانة العاصمة
والبلديات
19373
4نظام األمراء19394
5إنشاء مجلس
ممالوزراء
19535
6نظام
املقاطعات
(مل ينفذ)
196366
7إنشاء وزارة
الشؤون البلدية
والقروية
197577
8نظام البلديات
والقرى
19878
9نظام املناطق19929
10تفعيل املجالس
البلدية
200410
11نظام املجالس
إالبلدية
20151111
12نظام موحد
لإلدارة املحلية
مقرتح12

التطور التاريخي لإلدارة املحلية السعودية والتوقع املستقبيل)2(الشكل

الشكل (3) منظومة عمل الإدارة العامة السعودية

مجلس الوزراء اﻟﻐﺎﻳﺔ

مجلس الشؤون مجلس الشورى اقتصادية والتنمية

مجالس ا ناطق

ا جالس ا جالس البلدية احلية)أوقف عملها (

ظلت عمليات هيكلة منظومة الإدارة العامة جزءًا من مسار الإصلاح الإداري، والغاية منها كم توضح التجربة هي تعزيز العلاقة بين مستوى صنع القرار وبين المواطنين، عبر إشراكهم في عملية تحديد الخدمات العامة مباشرة، نوعًا وكًّمًّ وتكلفة34. من هنا يبرز دور المجالس والآليات التشاورية، التي سنعرج عليها في موضع لاحق. لكن كان الخلط بين أدوار الهيئات الوطنية والإقليمية والمحلية يعرقل فاعلية التواصل بين المستويات المحلية والمركزية. كان التداخل جليًّا، ومعه كثافة الاعتمد على البيروقراطيات المركزية وفروعها في توفير الخدمات العامة المحلية؛ وهو أمر ظل يشتت الجهود ولا يستوعب الاحتياجات الفعلية لسكان المحليات. يظهر الشكل (4) مركزية صنع القرار، ويفسر شكل العلاقات فيه سبب أن القرارات المتعلقة بالشأن المحلي ظلت تصدر من المستوى الإداري الأعلى، أي من هيئة مركزية أو إقليمية (على مستوى المنطقة).

  1. الشيحة، "الإصلاح الإداري في المملكة العربية السعودية." مجلس الوزراء الوزارات ا خرى وزارة الداخلية فروع الوزرات إمارات اناطق ع„ مستوى انطقة فروع الوزارات ع„ مستوى احافظات قرارات محلية وزارة الشؤون صادرة من ا ستوى البلدية والقروية الوطني أمانات اناطق استوى ا˜ قليمي البلديات مجالس اناطق استوى اح‰ مركزية القرار محليةالتنفيذ اجالس البلدية اجالس احلية)أوقف عملها (المصدر: عدنان بن عبد الله الشيحة، "الإدارة المحلية في المملكة العربية السعودية: الوضع الراهن ونموذج مقترح "، مجلة جامعة الملك سعود - العلوم الإدارية، مج 24، العدد 1.)2012(

بيئة محلية على حدة.

الشكل (4) مركزية صنع القرار في الإدارة العامة السعودية

يكمن سبب هذا النمط من المركزية في أن الثقافة الحكومية تركز على الجانب التقني للقرار المتعلق بالإجراءات على حساب جانبه الإداري المتعلق بالأداء. والواضح أن المشكلات المحلية غلبت عليها النظرة التقنية؛ ما أخضع معالجاتها لمعايير ضنّت فيها المهنية والموضوعية، التي لم تطرح على ساحة الجدل والنقاش. حبست النظرة الفنية الصرفة الشأن المحلي في قوالب جامدة للحل، يحكمها مبدأ "مقاس واحد يناسب الجميع". وليس غريبًا أن كانت المشاريع والخدمات متشابهة في كل منطقة ومحافظة، بسبب تقديمها مركزيًّا، بينم كان من الأفضل، اقتصاديًّا واجتمعيًّا، النظر في موجبات التنوع والاختلاف والتعامل مع معطيات كل

ليس النقاش هنا في أيهم الأفضل، إنما المعيار هو سلك الطريق الذي يؤدي إلى تحقق الصالح العام، بمعنى الاستخدام الأمثل للموارد وتحقيق التكلفة الاقتصادية. هناك جوانب في مراحل التطور الأسبق كانت تعزز التوجه إلى المركزية، كالسعي إلى خفض التكلفة عبر الشراء الجمعي الوفير، وتحقيق ما اعتبر تنمية متوازنة بين المناطق. وثمة جانب آخر مهم يتعلق بطبيعة المجتمع السعودي وطبيعة التطور الحضري

والعمراني فيه35؛ وهو أنه شعب متجانس جدًّا، تجمعه مشتركات كبيرة وكثيرة، وقد اعتبرت الاختلافات في الثقافات المحلية اختلافات شكلية لا تمس ذلك الجوهر المتجانس. بنيت السلطة المركزية على تصور للسلطة الأبوية ذات الطابع الخير Benevolent، وهي، بحسب مواد نظام الحكم42، مخولة تحقيق العيش الكريم والعدل والمساواة وكافة موجبات الرفاهية الاجتمعية. تشير المادة (22) من نظام الحكم إلى ضرورة أن "يتم تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتمعية وفق خطة علمية عادلة"، فيم تعد المادة (30) بأن "توفر الدولة التعليم العام، وتلتزم بمكافحة الأمية"، وكذلك المادة (31) التي تؤكد على أن "تُعنى الدولة بالصحة العامة وتوفر الرعاية الصحية لكل مواطن". وبالمثل، تشير المادة (27) إلى أن "تكفل الدولة حق المواطن وأسرته في حالة الطوارئ والمرض والعجز والشيخوخة وتدعم نظام الضمن الاجتمعي وتشجع المؤسسات والأفراد على الإسهام في الأعمل الخيرية". كم تصف المادة (43) طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم فتؤكد على طابع المشاركة المباشرة، وأن "مجلس الملك ومجلس ولي العهد، مفتوحان لكل مواطن ولكل من له شكوى أو مظلمة، ومن حق كل فرد مخاطبة السلطات العامة فيم يعرض له من الشؤون". تلخص هذه النصوص القانونية طبيعة هذه الأبوية والرعاية التي تشمل بها السلطة المواطنين في ظل سياق اقتصادي واجتمعي وصفناه سابقًا. يسير الدور الكبير الذي تؤديه الحكومة في الاقتصاد والمجتمع نحو تحقيق غاية دولة الرفاه الاجتمعي. وتشير تطورات ميزانية المملكة، التي تذهب غالبيتها لرعاية هذه الغاية، إلى أن الميزانية قد قفزت من 14 مليون ريال سعودي في أول طرح لميزانية معلنة قبل تسعة عقود، حتى وصلت إلى مئات أضعاف هذا الرقم؛ إذ جاوزت في عام 2022 ما قيمته 1.015 تريليون ريال43.

ثالثًا: الوضع الراهن للإدارة المحلية السعودية وتحدياته

تعد أبرز إشكالية تعترض تطبيق اللامركزية غياب نظام موحد للإدارة المحلية السعودية. وبمراجعة الأطر التشريعية، نجد أن النظام الأساسي للحكم الصادر في عام 1992 لم يتطرق في أي من مواده إلى الإدارة المحلية. لكن يبرز في التنظيم القانوني هيكلان مستقلان: نظام المناطق الذي يتبع وزارة الداخلية، ونظام البلديات الذي يتبع وزارة البلديات والشؤون القروية والإسكان. يلاحظ ضمنهم كثرة التقسيمت الفرعية وتعدد الأجهزة والآليات، فضلً عن تباين المرجعيات بينهم44. وعمومًا، يلاحظ اعتمد عمليات صنع القرار المحلي على البيروقراطية، وضمن صيغ شديدة المركزية؛ وكم ذكر سابقًا، تتداخل فيها المستويات الوطنية والإقليمية

  1. 0 3  الشيحة والديب. أ. المنطقة
  2. تُعتبر المملكة العربية السعودية من أكثر دول الشرق الأوسط نموًّا حضريًّا. ووفقًا لإحصائيات البنك الدولي، زادت نسبة التحضر في المملكة من 31 في المئة في عام 1960 لتبلغ 85 في المئة في عام 2021. ينظر: "سكان المناطق الحضرية %(من إجمالي عدد السكان) - Saudi Arabia "، البنك الدولي، شوهد في 2023/10/29، في: https://bit.ly/46LETrm؛ ومن المتوقع أن يستمر ارتفاع مستوى التحضر ليصل إلى 97.6 في المئة بحلول عام 2030؛ كما ارتفع عدد المدن في المملكة العربية السعودية من 58 مدينة في عام 1936 إلى 258 مدينة في عام 2004، ليصل في عام 2015 إلى 285 مدينة موزعة على 13 منطقة و 118 محافظة. ينظر: الأمم المتحدة، برنامج الموئل، "القضايا الحضرية - المملكة العربية السعودية"، شوهد في 2022/10/20، في: https://bit.ly/49goBIW
  3. المملكة العربية السعودية، هيئة الخبراء مجلس الوزراء، النظام الأساسي للحكم (الرياض: 1992/3/6)، شوهد في:2023/10/29، في https://bit.ly/4741RJW
  4. المملكة العربية السعودية، وزارة المالية، "وزارة المالية نشأتها وتطورها، إدارة التطوير الإداري بوزارة المالية "، 2006، شوهد في 2022/11/17، في: https://bit.ly/49ap2nY

ومناطقية ومحلية) في صنع القرار المحلي.

مجالس اناطق

فروع الوزرات ع مستوى اناطق

فروع الوزارات ع مستوى احافظات

أما العناصر الرئيسة لنظام الإدارة المحلية في السعودية، فهي:

1. نظام المناطق

والمحلية46. وفي غياب نظام موحد للإدارة المحلية، جرى النظر إلى المحليات كمستقرات عمرانية وليس كوحدات إدارية مسؤولة عن إدارة المجتمع المحلي. ويوضح الشكل (5) كيف تتداخل عديد الجهات (مركزية

الشكل (5) الهيئات المركزية والمناطقية والمحلية المتداخلة في صناعة القرار المحلي

اجالس احلية

اجالس البلدية

مجلس الوزراء

ا مانات والبلديات

نظم المرسوم الملكي الصادر في عام 1939 المحليات عبر نظام الأمراء. وقد استمر العمل به إلى أن صدر نظام المقاطعات في عام 1963 ليكون بديلً منه، لكنه لم يطبق. استمر الوضع وفق ما نظمه مرسوم عام 1939 حتى صدر النظام الأساسي للمملكة في عام 1992. وعندئذ صدر نظام المناطق47 كنسخة مطورة من نظام المقاطعات. هدف النظام كم نصت مادته الأولى "إلى رفع مستوى العمل الإداري والتنمية في مناطق المملكة [...] والمحافظة على الأمن والنظام، وكفالة حقوق المواطنين وحرياتهم، في إطار الشريعة الإسلامية".

  1. الشيحة، "الإدارة المحلية في المملكة العربية السعودية." والتعديلات المدخلة علية بالأمر الملكي رقم (أ 21/)، 0 4/3/3141 ه. اﻟﻘﺮار اﳌﺤﲇ المصدر: عدنان بن عبد الله الشيحة، "الإدارة المحلية في المملكة العربية السعودية: الوضع الراهن ونموذج مقترح."
  2. المملكة العربية السعودية، وزارة الداخلية، وكالة الوزارة لشؤون المناطق، نظام المناطق، الأمر الملكي رقم (أ/ 92)، /8/271412 ه ب. المحافظة

قُسّمت المملكة وفق نظام المناطق إلى 13 منطقة، تضم كل واحدة منها عددًا من المحافظات والمراكز. وقد تم تصنيفها إلى أربعة مستويات هي: محافظة فئة (أ) ومحافظة فئة (ب)، مركز فئة (أ) ومركز فئة (ب). أشارت المادة (4) إلى أن يكون لكل منطقة أمير بمرتبة وزير يعين بأمر ملكي، ويكون مسؤولً أمام وزير الداخلية (المادة 5)، ويتولى إدارة التنمية المحلية في المنطقة. لم تتمتع الإمارة وفق نظام المناطق بالاستقلال الإداري والمالي، فنجد أن الصلاحيات التي ذكرتها المادة (7) تتصف بالعمومية، ولا تتضح من خلالها سلطات إدارية ومالية نافذة وصناعة قرارات تنموية. صحيح أنها تضمنت الحفاظ على الأمن، وتنفيذ الأحكام القضائية، وكفالة حقوق الأفراد وحرياتهم، والعمل على تطوير المنطقة، والعمل على تنمية الخدمات العامة، وإدارة المحافظات والمراكز، والمحافظة على أموال الدولة، والإشراف على الأجهزة الحكومية للتأكد من حسن الأداء، والاتصال مباشرة بالوزراء، وتقديم تقارير سنوية لوزير الداخلية، لكن آليات ذلك ظلت غير واضحة. لكن نبه النظام في المادة نفسها إلى مراعاة ارتباط موظفي الوزارات والمصالح المختلفة في المنطقة بمراجعهم؛ ما يعني عمليًّا الإبقاء على مركزية صنع القرار والاعتمد على البيروقراطيات المركزية. مع ذلك، حرص النظام على دور التمثيل النيابي في المناطق؛ فأقر في المادة (15) أن ينشأ في كل منطقة مجلس يسمى "مجلس المنطقة"، يرأسه أمير المنطقة، وتتشكل عضويته من نائب الأمير ورؤساء الأجهزة الحكومية في المنطقة وعدد من الأهالي لا يقل عن عشرة أفراد يختارون بالتعيين. وعلى الرغم من أهمية هذه الآلية التي تكفل نسبيًّا تضمين الصوت المحلي، فإن اختصاصات هذا المجلس ظلت، مرة أخرى، مثلم عليه حال اختصاصات الإمارة، ذات طبيعة استشارية، تتوجه في معظمها إلى الدراسة وإبداء الرأي، كم بين ذلك نص المادة (23). وعلى الرغم من أن مجلس المنطقة يمثل من الناحية الشكلية أساسًا تنظيميًّا وإطارًا للعمل النيابي المحلي، فإنه لم يملك من الناحية العملية سلطات نافذة ومباشرة على الأجهزة الحكومية في المنطقة.

وفق نظام المناطق، تتشكل المنطقة من عدد من المحافظات، وتسند مسؤولية إدارتها إلى أمير المنطقة. رسمت المواد (3، 10، 11، 12، 13) أسس إنشاء المحافظة، المرتبة الإدارية للمحافظ، والنطاق الإداري وحدود صلاحياته التي هي بطبيعتها استشارية بيروقراطية. لكن لا نجد مواد توضح تنظيمها أو تنظيم وطبيعة المجالس المحلية التي تعمل من خلالها. تجدر الإشارة إلى أن المجالس المحلية للمحافظات كانت في الأصل لجانًا محلية لتنمية وتطوير القرى، جرى تحويلها في عام 2000 بقرار تضمن التعليمت المنظمة للمجالس المحلية لتنمية وتطوير المحافظات والمراكز48. ولأنه لا يوجد نظام يحكمها، بقيت تعمل بموجب تعليمت تصدر عن وزارة الداخلية. وعلى مستوى الأداء، كانت المجالس تضطلع بأدوار روتينية بيروقراطية وإجرائية، فيم صلاحيتها لم تتعد الأدوار الاستشارية دون سلطات نافذة، ولم تتمتع باستقلال إداري ومالي. حددت المادة (1) من التعليمت أن "تعمل المجالس المحلية كرافد لمجالس المناطق في دراسة واقتراح احتياجات المحافظات والمراكز من المشاريع الخدمية والتنموية، واقتراح الأولويات ومتابعة التنفيذ". وفي أثناء تأمل مهمتها السبع التي ذكرت في المادة (4) من التعليمت، نكتشف أن مهمتها

  1. المملكة العربية السعودية، وزارة الداخلية، التعليمات المنظمة للمجالس المحلية لتنمية وتطوير المحافظات والمراكز، قرار رقم)172(بتاريخ.1420/11/1 ه

لا تتخطى "اقتراح احتياجات المحافظة والمراكز التابعة لها من المشاريع، ثم رفعها لمجلس المنطقة". أما من ناحية تشكيل المجلس، فيتم اختيار أعضائه بالتعيين، وتحدد المادة (3) عضويته في المحافظ (رئيسًا) إلى جانب رؤساء الجهات الحكومية في المحافظة، يضم إليهم بالتعيين ما لا يقل عن خمسة ممثلين لسكان المحافظة.

2. نظام البلديات

يحكم القطاع البلدي نظام البلديات52 الصادر عام 1977، ويتبع وزارة البلديات والشؤون القروية والإسكان؛ وهو نظام ضخم يبلغ عدد البلديات فيه 199، منها 17 أمانة. أما بقية البلديات، فتتعدد مستوياتها. ويتولى السلطات في البلدية بحسب المادة (6) من النظام، مجلس بلدي. وللمجلس سلطة التقرير والمراقبة. ويمارس رئيس البلدية سلطة التنفيذ بمعاونة أجهزة البلدية. ويصف النظامُ البلديةَ، في مادته الأولى، بأنها "شخصية اعتبارية ذات استقلال مالي وإداري، تمارس الوظائف الموكلة إليها بموجب هذا النظام ولوائحه التنفيذية". وكانت نقلة معتبرة حين تم تفعيل المجالس البلدية وانتخاباتها في عام 2004 بعد أن صدر قرار مجلس الوزراء رقم (224)، في 14 تشرين الأول/ أكتوبر 2003، مؤكدًا على أساس المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار53المحلي. وقد نص البند أولً على "توسيع مشاركة المواطنين في إدارة الشؤون المحلية عن طريق الانتخاب وذلك بتفعيل المجالس البلدية وفقًا لنظام البلديات والقرى، على أن يكون نصف أعضاء كل مجلس بلدي منتخبًا". وفي 11 شباط/ فبراير 2014، صدر المرسوم الملكي رقم (م 61/) بنظام جديد للمجالس البلدية. وقدّم النظام تحسينات على طريقة إجراء الانتخابات، وزاد من نسبة الأعضاء المنتخبين إلى ثلثي عدد المجلس بدلً من نصفهم. ومع ذلك، لم يحدث تغير ملموس على صعيد صلاحيات وأدوار المجالس البلدية؛ فقد قصرت المادة (8) نطاق الصلاحيات في ممرسة المجلس "سلطات رقابية" على أداء البلدية. لكن يلاحظ أن هذه السلطات تتعلق بإصدار تقارير دورية حول أعمل البلدية، ومتابعة سير المشروعات، وتحصيل إيرادات واستثمرات البلدية، والملحوظات والشكاوى، والزيارات الميدانية. ولم يخرج الحال عن ذلك فيم يتعلق بأدوات التأثير التي توضع بيد المجالس، فالمادة (9) حددتها في أن يتولى المجلس في حدود اختصاص البلدية اقتراح الخطط والبرامج، وتحديد أولوياتها، ما يسنده الوزير إلى المجلس من اختصاصات، وإبداء الرأي في مشروعات الأنظمة واللوائح الجديدة ومشروعات التعديلات المقترحة على الأنظمة، وإبداء الرأي في المعاملات والقضايا التي تستطلع البلدية رأيه فيها. بقيت هذه الصلاحيات تدور في الدور الاستشاري، ولم تتخط إطار المتابعة وإبداء التوصيات. وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن القول إنها غير ذات قيمة. وقد أوقفت الحكومة العمل بالمجالس البلدية في 9 كانون الأول/ ديسمبر 2021، ولم يقدم بيان وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان توضيحًا لأسباب ذلك الإيقاف. لكن ربما علينا أن نرى هذه الخطوة في ضوء الحراك الإصلاحي المؤسسي الذي تشهده المملكة، وليست ضد مساره. فقد تضمنت رؤية 2030 برنامجًا للتنمية المناطقية في إطار مبادرات تطوير الاستراتيجيات. والوقت يناسب تمامًا إعادة النظر في أدوار المجالس وصلاحياتها ومسؤولياتها، حتى يتسنى تصحيح مفهوم البلدية، وتوجيهه

  1. المملكة العربية السعودية، وزارة الداخلية، معهد الإدارة العامة، مركز الوثائق، نظام البلديات والقرى لعام 1397 ه، المرسوم الملكي رقم (م 5/)، /2/211397 ه.
  2. المملكة العربية السعودية، وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان، نظام المجالس البلدية الصادر بالمرسوم الملكي رقم م 6/ بتاريخ 0/4 435/11 ه.

إلى مساحة مغايرة؛ ليعني إدارة الشأن البلدي على جميع الصعد، ورسم استراتيجيته التنموية المستقبلية في إطار من الحوكمة المحلية، وعدم الاقتصار على تقديم الخدمات البلدية التقليدية. والمأمول أن يجري تبني منظور أوسع وأعمق، ينحو إلى إصدار نظام للإدارة المحلية موحد؛ بما ييسر إعادة هيكلة الهيئات المحلية، وترسيم علاقتها بالهيئات المركزية على نحو جديد، مع توحيد مرجعيتها.

رابعًا: استشراف المستقبل وتوصيات للإصلاح

يستعرض هذا المحور تحليل العوامل الدافعة والمثبطة نحو تطبيق نهج اللامركزية، ويمكن تصنيفها إلى عوامل ثابته ومتغيرة. تتضمن العوامل الثابتة الجوانب الجغرافية والقيم السياسية الوطنية، وتتضمن المتغيرة الجوانب الاقتصادية والتقنية والسكانية. والعامل الأهم الذي يقف حجر عثرة نحو تطبيق اللامركزية هو هاجس الخشية من التفكك والتفرقة والإقليمية وذوبان الهوية الوطنية وضعف الإمكانات المحلية في مقابل القدرة الاقتصادية الكبيرة للسلطة المركزية، إضافة إلى الحرص على تحقيق التنمية المتوازنة. وهنا يتأكد أن النقاش حول درجة المركزية واللامركزية المطلوبة لا يعني أن تلغي إحداهم الأخرى، بل إن الأمر يتطلب توازنًا نسبيًا بين النهجين بما يحقق الإيجابيات ويتجنب السلبيات في إطار الممكن. وفي هذا الصدد، سبق أن اقترح الباحث نموذجًا للإدارة المحلية ينطلق من فكرة الموازنة بين عدة أمور تتضمن الموازنة بين القرارات المركزية والمحلية، والموازنة بين المسؤوليات والصلاحيات، والموازنة بين القرارات الفنية والقرارات السياسية/ الاجتمعية، والموازنة بين التمويل المركزي والتمويل المحلي، والموازنة بين المنافسة والتكامل بين الوحدات المحلية، والتحول من الإدارة القطاعية إلى الإدارة الشاملة في إدارة المدن والمناطق54. نلاحظ أن العوامل المتغيرة هي التي تحدد مدى تأثير العوامل الثابتة في اختيار مستوى اللامركزية. على سبيل المثال، تطلبت المساحة الجغرافية الكبيرة للمملكة تطبيق اللامركزية عندما كانت الموارد شحيحة في مرحلة التأسيس، بينم كان الاتجاه نحو المركزية عندما ارتفعت العوائد النفطية بهدف نشر التنمية في جميع المناطق. ويمكن الوصول إلى نتيجة من خلال القراءة التحليلية للتطور التاريخي للإدارة المحلية في المملكة متمثلة في أن العامل الاقتصادي هو المؤثر الرئيس في مدى تبني نهج اللامركزية، وتبقى العوامل الأخرى عوامل مشجعة في هذا الاتجاه. ونعرض فيم يلي أبرز العناصر التي تعزز الإصلاح المستقبلي:

1. المساحة الجغرافية

تشغل السعودية أربعة أخمس شبه جزيرة العرب بمساحة تقدر بنحو مليوني كيلومتر مربع62. تطلب هذا الاتساع الجغرافي في بلد صحراوي تقليدي في السابق جهودًا تنموية مكثفة خاصة فيم يتعلق بقطاعات الصحة والتعليم والبنى التحتية؛ ما استدعى اتباع أسلوب التخطيط المركزي لضمن التنمية المتوازنة. استمرت جهود التنمية المركزية منذ بداية الخطط الخمسية في عام 1970، وقطعت خلالها المملكة شوطًا كبيرًا في تنمية المجتمعات المحلية، بحيث لا تجد محافظة ولا مركزًا إلا استوفى الاحتياجات الأساسية من الخدمات الحضرية. كم أن انتشار المدارس والكليات والجامعات ساهم في توفير الموارد البشرية ما جعل المحليات مؤهلة لصناعة

  1. الشيحة، "الإدارة المحلية في المملكة العربية السعودية."
  2. المملكة العربية السعودية، الهيئة العامة للإحصاءات، "المملكة العربية السعودية "، 2016/4/19، شوهد في:2023/11/1، في https://tinyurl.com/bdcpy57r

السياسات المحلية وتنفيذها. وعلى الرغم من أن نشر التنمية في جميع مناطق المملكة أمرٌ في غاية الأهمية، فإن هناك ضرورة - بعد مستوى معين من استيفاء الاحتياجات الأساسية (البنى التحتية) - لإدراك التنوع الثقافي والبيئي والاقتصادي بين المناطق والمحافظات، وهو تنوع يستدعي وجود هيئات محلية تكون مسؤولة عن إدارة الشأن المحلي ذات استقلال إداري ومالي. يعضد هذا الدفع نحو اللامركزية التحول الفكري والمنهجي الذي تقوده "رؤية السعودية 2030". على سبيل المثال، هناك تحوّل في مفهوم الإنفاق الحكومي نحو الإنفاق الاستثمري، ولم يعد الإنفاق لتوفير الخدمات العامة من أجل الاستهلاك المعيشي اليومي فقط؛ إذ يوجد تحوّل من ميزانية البنود إلى ميزانية الأداء، وتخصيص هيئة لكفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية، وذلك لتحقيق ما أطلق عليه في الرؤية "حكومة فاعلة"، وهذا يستدعي بالضرورة تطوير مفهوم الإدارة المحلية بالانعتاق من اختزاله في التنظيمت البيروقراطية إلى المجالس النيابية المحلية ليكون أكثر استجابة لمتطلبات المجتمعات المحلية التي تمتد على رقعة جغرافيا كبيرة تتفاوت فيها الإمكانات وتتباين القدرات من منطقة إلى أخرى. كم ستؤدي اللامركزية إلى تضييق نطاق الإشراف، ما يسمح للسلطات المركزية التأكد من فاعلية تطبيق السياسات الوطنية على امتداد المساحة الجغرافية الكبيرة للمملكة، وفي الوقت ذاته رفع حس المسؤولية لدى السكان المحليين.

2 ي. النظام السياس

لكل مجتمع قيمه السياسية وثقافته المجتمعية التي تحقق له السلم الاجتمعي والرخاء الاقتصادي والتطور الحضري. وهذه الثقافة بمنزلة إطار تحدد طبيعة العلاقة بين الناس وعلاقتهم مع السلطة العامة. وترتقي هذه العلاقة لتقنن من خلال عقد اجتمعي يرتضيه الناس في إدارة شؤونهم. وفي السعودية تستقي هذه العلاقة من الثوابت الوطنية التي قامت عليها الدولة، وهي الشريعة الإسلامية والقيم والتقاليد العربية الأصيلة. فهناك بيعة شرعية ملزمة شرعًا وقانونًا وتقليدًا لولي الأمر، فهي خليط بين القيم الإسلامية والقيم التقليدية العشائرية؛ ما يجعل منها ميثاقًا قويًّا. ويعزز هذه العلاقة النهج السياسي المبني على سياسة الباب المفتوح والتواصل الميسر والمفتوح بين الحاكم والمحكوم. يلاحظ أن فلسفة الحكم في السعودية مبنية على منظومة قيم تضمن حفظ كرامة الناس، وصون أعراضهم، وتحقيق الأمن والأمان بأسلوب يوازن بين الحريات الخاصة والمصلحة العامة في مناخ من الاحترام المتبادل بين الحاكم والمحكوم. وتتكرر وتتعدد صور الاجتمع والتوحد في كل مراحل التطور التاريخي للبلاد بأشكال وأساليب متنوعة، لكن تظل روح الانفتاح وتقاليد التواصل حاضرة بقوة ليتسع مجلس الحاكم، سواء الملك ومن دونه من المسؤولين، لكل أطياف ومكونات المجتمع دون تمييز؛ فالكل سواسية يقفون على مسافة متساوية في دائرة المواطنة، وما بعد ذلك من تقدير يحدده مقدار المساهمة في المصلحة العامة. وهذا الحق يكفله العرف السياسي والتقاليد الاجتمعية المتوارثة63. تخلق هذه الثوابت تصورًا جمعيًّا وثقافة موحدة وتقاربًا في التفكير، وتدفع نحو تعزيز المشترك. تحتاج هذه اللُّحمة الوطنية - وما تتضمنه من قيم وآليات وعلاقات - إلى إبرازٍ بأساليب وكيفية جديدة من خلال خلق قنوات اتصال تتناسب مع درجة تعقيد القضايا العامة. وهناك دروس مستفادة من التجربة السياسية والإدارية في جميع مراحل تطور الدولة السعودية وكيف أن اختيار نهج اللامركزية أو المركزية يخضع للظروف الاقتصادية

  1. الشيحة والديب.

والسياسية والاجتمعية، بما يتناسب مع التوجهات التنموية الوطنية. على سبيل المثال، أدرك الملك عبد العزيز في مرحلة التأسيس أن اللامركزية أمرٌ ضروري وعملي، وربما اختزلت المقولة التي كان يرددها: "يرى الحاضر ما لا يرى الغائب" نهجه في إدارة البلاد وعملً بالقول المأثور "أهل مكة أدرى بشعابها". ينم هذا التوجه نحو تطبيق اللامركزية عن حنكته وفطنته السياسية والتعامل مع الظروف بواقعية مدركًا أن المسؤول المحلي هو الأقرب والأكثر اطلاعًا على الشؤون المحليةودراية بها؛ ومن ثم، أكثر قدرة على الاستجابة الفورية للأحداث والوقوف على احتياجات المواطنين وتلبيتها72. إن تلك الفلسفة السياسية للملك عبد العزيز كانت مبنية على الواقعية في التعامل مع الظروف المحيطة والإمكانات المتاحة والأهداف التنموية المرجوة. ففي جميع مراحل تطور الإدارة المحلية السعودية، يمثل الجانبان الاقتصادي والأمني ركنين أساسيين في تقرير درجة المركزية واللامركزية. فالمبرر في التوجه نحو اللامركزية في مرحلة التأسيس قد يكون شح الموارد الاقتصادية؛ ومن ثم، الاعتمد على المحليات في تنمية مواردها الاقتصادية، إضافة إلى الحرص على استتباب الأمن من خلال تضييق نطاق الإشراف وتحقيق الأمن وتسخير المحليات والجمعات المحلية بنظامها القبلي في فرض السلم الاجتمعي. بناءً عليه، نلاحظ أن تحديد مستوى اللامركزية تفرضه العوامل البيئية السياسية، والاجتمعية، والاقتصادية، والثقافية، وحتى نوعية النظام الإداري يجري اختياره بما يتناسب مع المعطيات لكل منطقة، لنجد في مرحلة التأسيس، على سبيل المثال، أن منطقة الحجاز حظيت بنظام إداري بيروقراطي متطور ومجلس للشورى، مقارنة بباقي المناطق التي كانت تدار بالأسلوب القبلي التقليدي. هذه القدرة للنظام السعودي على إدراك المتغيرات والتكيف معها أمر أساس في وضع التصورات المستقبلية للإدارة المحلية.

3. "رؤية السعودية "2030

وضعت "رؤية السعودية 2030 " تحت عنوان "وطن طموح حكومته فاعلة ومواطنه مسؤول" جملة من المرتكزات لكي تنطلق منها عملية التطوير الإداري والارتقاء بالأداء الحكومي. وقد ركزت على تبني معايير الشفافية والمساءلة، وأكدت على أهمية المرونة التنظيمية، واعتمد ثقافة الأداء معيارًا في جميع الأعمل الحكومية73. وضمن هذا الإطار قام مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية بتطوير نظام للحوكمة متكامل، غايته تعزيز مؤسسية نظام الإدارة المحلية ورفع كفاءته وتسهيل تنسيق الجهود بين الجهات ذات العلاقة. يصف الشكل (6) هذا الإطار، متضمنًا "برنامج التنمية المناطقية". لكن يجدر التنويه بأنه لم يعتمد بعد، وثمة تفاصيل فيه قيد الدراسة. يوضح الشكل (7) العناصر التي تضمنها المستهدف المعنون "حكومة فاعلة". ونلاحظ تركيزه على تحسين أداء الجهاز الحكومي، وذلك من خلال مرونة الهيكل الإداري، وتحسين أداء الموظفين وإنتاجيتهم، مع تطوير الحكومة الإلكترونية، والارتقاء بجودة الخدمات، وهي جميعًا غايات تتطلب تطبيق نهج اللامركزية. ويشجع النهج الإصلاحي الجديد أيضًا على المشاركة الشعبية من خلال تطوير آلياتها التي تجعل الإدارة المحلية أقرب إلى المواطن. وفي هذا الشأن، جرى اتخاذ خطوات جريئة وجذرية للهيكلة الحكومية، تضمنت على سبيل المثال إلغاء المجالس العليا، وتأسيس مجلس الشؤون السياسية والأمنية، ومجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية لرفع مستوى الفاعلية والكفاءة وسرعة اتخاذ القرار.

  1. 0 4  المملكة العربية السعودية، رؤية 030 2. 2 030 رؤية https://bit.ly/49eb6ZX:، يف 2023/10/29، شوهد يف املصدر: اململكة العربية السعودية،
  2. الشيحة، "الإدارة المحلية في المملكة العربية السعودية."
ﻣﺴﺘﻮى
اﻹﻧﺠﺎز
ﻣﺒﺎدرات ﺗﺴﻌﻰ ﻹﻧﺠﺎزﻫﺎ وزارات وﺟﻬﺎت ﺣﻜﻮﻣﻴﺔ
2030 ﺑﻌﺾ اﻟﱪاﻣﺞ اﳌﻌﺘﻤﺪة ﰲ رؤﻳﺔ
ﺑﺮاﻣﺞ إﺿﺎﻓﻴﺔ ﻗﻴﺪ اﻟﺪراﺳﺔ
برامج
أخرى
إضافية
برنامج
التنمية
ا ناطقية
برنامج تحفيز
و القطاع
الخاص
برنامج
التحول
الوطني
برنامج
داعم
برنامج إعادة
هيكلة صندوق
اŒستث‰ رات
برنامج اس‘اتيجية
“كة أرامكو
ﻣﺴﺘﻮى
ﺗﻄﻮﻳﺮ
اﻻﺳﱰاﺗﻴﺠﻴﺎت
ﻣﺴﺘﻮى
رﺳﻢ
اﻟﺘﻮﺟﻬﺎت
واﻻﻋﺘﺎﻤد
ﻣﺠﻠﺲ اﻟﻮزراء
اﻟﻠﺠﻨﺔ اﳌﺎﻟﻴﺔ
اﻟﺠﻬﺎت اﻟﺪاﻋﻤﺔ
ﻣﺠﻠﺲ اﻟﺸﺆون
اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ
اﻟﻔﺮﻳﻖ
اﻹﻼ
"2030 ﻤﻧﻮذج ﺣﻮﻛﻤﺔ "رؤﻳﺔ اﳌﻤﻠﻜﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ اﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ
اﻟﺠﻬﺎت اﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ
واﻟﺘﺨﻄﻴﻂ
اﻟﴪﻳﻊ
اﳌﺮﻛﺰ اﻟﻮﻃﻨﻲ
ﻟﻘﻴﺎس أداء
اﻷﺟﻬﺰة اﻟﻌﺎﻣﺔ
اﻟﻠﺠﻨﺔ اﻻﺳ
ﻣﻜﺘﺐ اﻹدارة
ﺳﱰاﺗﻴﺠﻴﺔ
اﻻﺳﱰاﺗﻴﺠﻴﺔ
ﻣﻜﺘﺐ إدارة
اﳌﴩوﻋﺎت
ﺑﺎﳌﺠﻠﺲ
وزارة
اﻻﻗﺘﺼﺎد
واﻟﺘﺨﻄﻴﻂ
ﻣﺮﻛﺰ
اﻹﻧﺠﺎز
ﻤواﻟﺘﺪﺧﻞ
ﻤﺑﺠﻠﺲ
اﻟﺸﺆون
اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ
واﻟﺘﻨﻤﻴﺔ
ﻤاﻹﻋﻼﻣﻲ

2030 "وصف إطار حوكمة "رؤية السعودية)6(الشكل

"مستهدف "حكومة فاعلة)7(الشكل

يمكن القول إن توجهات "رؤية السعودية 2030" في التطوير التنظيمي والإصلاح المؤسسي وحوكمة العمل الحكومي تعتبر حاضنة للإدارة المحلية السعودية، وتدفع هذه التوجهات إلى تطوير المحليات بما يتفق مع معطيات المرحلة واستحقاقاتها. ووفقًا للرؤية، سيتم استحداث وحدات ممكّنة في الحكومة لمراقبة التنفيذ ومتابعة الأداء وفق أفضل الممرسات العالمية المتبعة، ودعمها بما تحتاج إليه من إمكانات بشرية ومادية ونظامية82. وتظل الركيزة الأساسية في تحقيق حكومة فاعلة هي فاعلية قنوات التواصل بين الأجهزة الحكومية والمواطنين. وفي هذا السياق، تؤدي آليات المشاركة الشعبية والاستمع إلى آراء السكان المحليين وحفز الأجهزة الحكومية المحلية على تلبية احتياجات المواطن وتحسين جودة الخدمات العامة دورًا أساسيًّا83.

4. استراتيجية ما بعد النفط

لقد كان هاجس الدولة منذ انطلاق الخطة الخمسية الأولى في عام 1970 تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتمد على عوائد النفط، إلا أن عوامل سياسية واقتصادية واجتمعية شكلت تحديًا وضغطًا، من حين إلى آخر، وحالت دون بلوغ الهدف. وقد جاءت رؤية 2030 لإعداد السعودية إلى حقبة ما بعد النفط فعليًّا، من خلال تنويع مصادر الدخل الوطني بالتقليل من الاعتمد على العوائد النفطية، على أن الرؤية تهدف إلى زيادة الإيرادات غير النفطية ستة أضعاف، وزيادة حصة الصادرات غير النفطية من 16 في المئة من الناتج المحلي حاليًّا إلى 50 في المئة، بتبني سياسات ومشاريع وطنية مركزية تتركز على تطوير البنى التحتية وقطاع السياحة، وتحسين أداء القطاع الخاص وحصته في المساهمة في الدخل الوطني والخصخصة، وتوطين الصناعات العسكرية، وتحويل دور الحكومة من مقدم للخدمة إلى منظم للقطاعات91. لكنّ هناك جانبًا آخر لم يجر التطرق إليه، وهو تنمية اقتصاديات المناطق والمحافظات؛ فالتنمية المحلية جذور التنمية الوطنية، والمحليات مكان النشاط الاقتصادي والفعل الاجتمعي، وهذا كله من الحقائق المهمة التي تؤكد أهمية تطوير الإدارة المحلية كحلقة مهمة وركيزة أساسية في تنفيذ الرؤية. ولذا، يعد بناء القدرات المحلية، واستثمر الميزات التفضيلية لكل منطقة، وتعزيز التنافسية في إدارة اقتصاديات المناطق والمحافظات، عوامل مهمة في تحقيق سياسة تنوع الدخل وزيادة إنتاج القطاعات غير النفطية وتنشيط قطاع التصدير، وهذا لا يتأتى إلا من خلال تطوير الإدارة المحلية. إن كثيرًا من المشاريع الوطنية ذات صبغة محلية، فهي تقام على أرض محلية وتستفيد من الموارد البشرية والطبيعية التي توفرها المحليات. على سبيل المثال، يعد قطاع السياحة قطاعًا تنمويًا محليًا بامتياز؛ إذ إنه نشاط اقتصادي مرتبط بالمكان وما يحوي من ميزات تفضيلية طبيعية وبشرية وتنظيمية. ولذا، يتطلب أن يكون هناك إدارة محلية؛ ليس بمفهومها البيروقراطي كإدارة مرفق لفرع وزارة السياحة، وإنما هيئة محلية بمجلس نيابي مسؤول عن صناعة القرار المحلي التنموي وممثل مُمكّن لسكان المنطقة أو المدينة في تحديد التوجهات التنموية المحلية المستقبلية، بحيث يكون هناك وعي عام محلي وربط بين السياسات المحلية السياحية والمنافع المتحققة للأفراد في المجتمع المحلي؛ ما يدفع السكان المحليين إلى المبادرة والمشاركة والمساهمة في خلق ثقافة الترحاب والعمل على زيادة جاذبية منطقتهم أو مدينتهم للسياح.

  1. المرجع نفسه.
  2. الشيحة والديب، "مدى الحاجة لتطوير أنظمة وهياكل الإدارة المحلية".
  3. المملكة العربية السعودية، رؤية 030 2.

5. تقنية المعلومات الرقمية والاتصال

لقد قطعت السعودية شوطًا كبيرًا في تطوير التعاملات الإلكترونية الحكومية، وساهم ذلك في تجويد العمل الحكومي نوعًا وكًّمًّ. ويمكن استثمر هذه النجاحات في إطار تطوير عمل البيروقراطيات المركزية عبر توظيف تطبيقات تقنية الاتصال والمعلومات في تفعيل المشاركة الشعبية في صنع القرارات المحلية التنموية، وتيسير تطبيق الحوكمة المحلية واللامركزية، وتعزيز متابعة السلطات المركزية من خلال الرقابة المركزية. تؤدي الإدارة الإلكترونية، على نحو عام، دورًا كبيرًا في تطوير الخطط وصياغة السياسات المحلية وتنفيذها، خاصة أن الخطط المحلية لا تعني تقديم الخدمات فحسب، بل صنع السياسات المتعلقة بالتنمية المحلية وما تتضمنه من إيجاد فرص استثمر ووظائف وأعمل ومشاريع جديدة أيضًا. ومن شأن تعزيز دور تطبيقات تقنية الاتصال والمعلومات في الإدارة المحلية أن يحقق عدة مزايا؛ فهو يجعل هذه الإدارة أكثر قدرة على التغلب على العوائق الإدارية والاقتصادية وأكثر قدرة على المنافسة وخلق ظروف جيدة لجذب الاستثمرات وزيادة الإنتاجية والفاعلية في الاقتصاديات المحلية. كم تعزز التقنية المعلوماتية التواصل بين سكان المحليات ومراكز اتخاذ القرار من خلال تضمين مختلف الاحتياجات والمطالب والتوجهات السكانية المحلية في الخطط الوطنية. وهكذا، تتيح التقنية المعلوماتية فرصًا أكبر للمشاركة في عملية اتخاذ القرار، وتجعل عمل البيروقراطيين أكثر وضوحًا؛ ومن ثم أكثر مساءلة، فضلً عن أنها تسهم في رفع مستوى الوعي الجمعي وإعادة تثقيف المجتمعات المحلية في إدراك مفهوم العمومية والتحول إلى دور نشط ومتفاعل مع القضايا المحلية ورؤية مشتركة حول التوجهات المستقبلية لمنطقتهم أو محافظتهم؛ وبذلك يكونون أكثر استعدادًا ونضجًا لخوض تجربة الإدارة المحلية بمفهومها الشامل التنموي.

6. ارتفاع نسبة التحضر

تُعتبر السعودية من أكثر دول الشرق الأوسط نموًّا حضريًّا. ووفقًا لإحصائيات البنك الدولي، زادت نسبة التحضر من 31 في المئة في عام 1960 لتبلغ 85 في المئة في عام 2021. ومن المتوقع أن يستمر المعدل في92الارتفاع ليصل إلى 97.6 في المئة بحلول عام 2030. وقد ارتفع عدد المدن من 58 مدينة في عام 1936 إلى 285 مدينة في عام 2015؛ موزعة على 13 منطقة و 118 محافظة93. بهذه الزيادة السكانية للمدن وما صاحبها من ارتفاع لسقف توقعات سكانها وازدياد الطلب على المشاريع والخدمات الحضرية بمعدلات عالية وذات تكاليف باهظة، أصبحت المدن تمثل ثقلً سياسيًّا. ولا تنحصر التكاليف في الجوانب المالية المباشرة، بل تتضمن تكاليف اجتمعية وبيئية أيضًا؛ مثل التلوث، والجريمة، والإرهاب، والازدحام المروري، والعشوائيات، والمخدرات، والبطالة. وينتج من هذا الارتفاع السريع في التحضر حاجة السكان إلى سرعة الخدمات العامة وجودتها وكفاءتها، وأهمها قطاعات السكن، والمياه، والكهرباء، والطرق، والصرف الصحي، والاتصالات. وينشأ عن ذلك الطلب المتنامي للخدمات الحضرية تحديات كبيرة للسلطات البلدية، خاصة إذا لم تكن تملك الصلاحيات الإدارية والمالية لمواجهة الطلب وسرعة الاستجابة في التخطيط الصحيح لتوسعات المدينة والمراكز الحضرية وإعادة تخطيط ملكية الأراضي. هذه المشكلات محلية، تتطلب حلولً محلية، من خلال هيئات محلية تتمتع بالصلاحيات الإدارية والمالية التي تمكنها من أداء أدوارها، وهذا لا يتأتى إلا من خلال تطبيق نهج اللامركزية.

  1. سكان المناطق الحضرية."
  2. برنامج الموئل، "القضايا الحضرية - المملكة العربية السعودية".

7. اقتصاد المكان، لا اقتصاد الموقع

للامركزية دور مهم في التنمية الاقتصادية الوطنية، وخاصة في ظل العولمة التي تشهد تحولً من اقتصاد الموقع وما يحوي من ميزات تفضيلية إلى الاعتمد على الثقافة المجتمعية الصناعية في إنتاج سلع مبنية على المعرفة والتجربة التراكمية المحلية، وليس على الموارد الطبيعية فحسب. ويستند هذا إلى خصائص اقتصاد القرن الحادي والعشرين: 194الذي يقوم على أربع حقائق. سيكون القرن الحادي والعشرون اقتصادًا معولما، أي لن يكون لأي اقتصاد دولة بمنأى عن تأثيراته أيًّا كان النظام السياسي أو الاقتصادي؛ 2. سيكون التأثير الأكبر للعولمة على المحليات وليس المستوى الوطني أو المقاطعات؛ 3. تزايد الطلب على المنتجات في جميع أنحاء العالم، لكن تصنيع هذه المنتجات سيتطلب عددًا أقل من الناس؛ 4. القطاعات الاقتصادية الأكثر نموًا هي: الخدمات والأفكار والمنتجات الفريدة من نوعها والتي يتم إنتاجها واستهلاكها بشكل فردي كالأنشطة الثقافية، ووسائل الترفيه، والاتصالات، والسفر، والتعليم. وتعني هذه الحقائق أن هناك ترابطًا اقتصاديًّا بين الدول يكاد يلغي الحدود السياسية ويجعل المنافسة على أشدها في سوق عالمية مفتوحة، ويكون هذا التنافس بين المحليات في فضاء اقتصادي يتعدى التنافس الداخلي (داخل الدولة) إلى منافسة عالمية مبنية على التفرد الثقافي للمجتمعات المحلية في إنتاج سلع وخدمات تجيدها بتميز وتفرد. ولذا، فالمجتمعات المحلية (المدن) التي ستنجح في التنمية الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين هي التي تدرك تلك الحقائق الأربع وتستجيب بتبني خمسة مبادئ: 1. العولمة، فتجاهل حقيقة الاقتصاد المعولم، أو الاعتراف به دون الاستجابة، سيجعل العديد من المدن ضحايا، لا مستفيدة منه؛ 2. المحلية، أي يجب تعريف "التنمية الاقتصادية" في إطارها المحلي؛ 3. استيعاب التنوع البشري في التنمية الاقتصادية وتقدير وجهات النظر البديلة، لا سيم في المدن، نظرًا إلى أن السكان أكثر تنقلً وأكثر تنوعًا. وهذا ينعكس أيضًا على اقتصاد المدينة الذي يتطلب أن يكون متنوعًا، وذلك تحسبًا واستجابة للتقلبات السريعة لأنماط الطلب في السوق؛ 4. الاستدامة، ليس في إطارها الضيق في إنتاج الموارد واستخدامها للحفاظ على الاقتصاد مستدامًا، وإنما بمفهومها الواسع لتشمل الاستدامة الوظيفية للبنية التحتية العامة، والاستدامة المالية للحكومة المحلية، والاستدامة المادية للبيئة المبنية، والاستدامة الثقافية للتقاليد والعادات والمهارات المحلية؛ 5. المسؤولية، إذ ستتحمل كل مدينة قدرًا كبيرًا من المسؤولية عن مستقبلها الاقتصادي، ولم يعد استغلال الموارد مختزلً في المستويين الإقليمي والوطني. هكذا نجد أن هناك توجهًا نحو المحلية، وأنه يقع على عاتق المجتمعات المحلية مسؤوليات وأدوار اقتصادية تنموية لم تكن معهودة وذلك بسبب العولمة. تتطلب هذه المسؤولية رفع القدرة التنافسية للإدارة المحلية (إدارة المدينة)، من خلال الحواس الخمس للمدن التنافسية، وتتضمن: 1. الإحساس بالمكان، أي خصوصية المكان، وهو أن يكون شعور بأن هذه المدينة ليست "أي مكان" ولا "لا مكان"، بل "مكان ما"، غير مكرر؛ 2. الإحساس بالهوية، بمعنى هوية تميز المدينة بأن تكون مكانًا ذا قيمة متفردة بسمتها الثقافية والمادية؛ 3. حاسة التطور، أي الموازنة بين الحداثة والأصالة بحيث لا تكون المدينة جامدة كمتحف، ولا فاقدة للتاريخ وكأنما بنيت بالأمس؛ 4. الشعور بالملكية، بمعنى شعور الفرد بأن له حصة في هذه المدينة وهذا يعني المساهمة والاستفادة من التنمية الاقتصادية؛ 5. الشعور بالانتمء إلى المجتمع المحلي بما يحويه من قيم وتاريخ.

  1. Donovan D. Rypkema, "Celebrating Our Urban Heritage Globalization, Urban Heritage, and the 21 st Century Economy," Global Urban Development , vol. 1, no. 1 (2005).
  2. Ibid.
  3. Ibid. أ. الهيئة الملكية لمدينة الرياض

يؤكد كل هذا أهمية الدور الذي تؤديه المدن (المحليات) في مواجهة قوى التغيير العالمية التي تعصف بجميع النظم الاقتصادية. فمع تشابك المصالح الاقتصادية وحدّة المنافسة التي تفرضها العولمة والانضمم إلى منظمة التجارة العالمية، تظهر الحاجة إلى مدن ومحليات تمتلك المقومات الأساسية لاستقطاب رؤوس الأموال الداخلية والخارجية؛ أهمها تمكين السكان المحليين من المشاركة في اتخاذ القرارات الخاصة بهم بحيث يكونون أكثر قدرة على تحمل تبعاتها، ومن ثم العمل على تفعيل وتنشيط وتحريك الموارد نحو التنمية المحلية بوعي ومشاركة اجتمعية محلية. وهذا لا يتأتى إلا من خلال تطوير الإدارة المحلية وتطبيق نهج اللامركزية القادرة على بناء القدرات المحلية لتكون أكثر تنافسية في اقتصاد عابر للحدود؛ ما يؤكد أن التنمية المحلية جذر التنمية الوطنية.

8. أمثلة ناجحة للإدارة المحلية السعودية

نختتم هذا المحور بتجربتين ناجحتين لممرسات وطنية ناجحة في الإدارة المحلية يمكن الاستفادة منهم واستنساخهم بما يتوافق مع المعطيات الجديدة. والسمة المشتركة بين النموذجين هو تمتعهم بالاستقلال الإداري والمالي والصلاحيات الواسعة والمساحة الكبيرة في حرية صنع القرار المحلي والمرونة في التعامل مع المتغيرات والمستجدات والتخطيط للمستقبل.

أُنشئت هيئة تطوير مدينة الرياض بموجب قرار مجلس الوزراء عام 1974، وذلك بمبادرة من خادمالحرمين الشريفين الملك سلمن بن العزيز عندما كان أميرًا لمنطقة الرياض آنذاك. ثم تغير اسم الهيئة إلى الهيئة الملكية لمدينة الرياض بأمر ملكي في عام 2019، ويرأسها أمير منطقة الرياض، بينم يترأس نائب رئيس مجلس الوزراء رئاسة مجلس إدارتها. وعبر السنوات، أصدر مجلس الوزراء سلسلة من القرارات الهادفة إلى تمكين الهيئة من أداء مسؤولياتها المتنامية. والعامل الأهم في نجاحها هو أنها هيئة مستقلة إداريًّا وماليًّا حيث تتمتع بدرجة عالية من المرونة في الإدارة والتمويل ونطاق واسع من السلطات والوظائف. تتمتع الهيئة بسلطة التنظيم والتخطيط، والتنفيذ، والتنسيق، وهي الوحيدة المسؤولة عن تطوير مدينة الرياض، وتضم في مجلسها ممثلين من عدة جهات حكومية ذات العلاقة؛ ما عزز التنسيق بين الأجهزة الحكومية وكفاءة التخطيط. وقد أضيف إلى اختصاصاتها صلاحيات المجلس البلدي. بهذا، فهي تمارس أدوارًا غير تقليدية مقارنة بالمدن السعودية الأخرى التي تدار مركزيًّا وبيروقراطيًّا. وعلى الرغم من أن الهيئة تتعلق معظم مهمتها بالمشروعات والخدمات والبنى التحتية، وأن خططها تقوم على الدراسات الهندسية والاقتصادية دون تدخّل من سكان المدينة، فإنها تظل آلية لسد الاحتياج من الخدمات العامة في إطار نهج إدارة المشاريع واستهداف إنجازها في وقتها المحدد بكفاءة وفاعلية. وقد تهيأ للهيئة أسباب النجاح؛ فإضافة إلى ما تتمتع به من استقلال إداري ومالي وصلاحيات واسعة، حظيت بقيادة راشدة تبنت مشروع تطوير مدينة الرياض، كم عزز من نجاحها التنسيق بين الأجهزة الحكومية ذات العلاقة وكفاءة التخطيط للمشاريع والخدمات والموارد الكافية. وتقوم الهيئة برسم السياسات العليا لتطوير

  1. المملكة العربية السعودية، مجلس الوزراء، قرار مجلس الوزراء السعودي رقم 717 الصادر في تاريخ 29 جمادى الأولى 1394 ه بإنشاء الهيئة الملكية لمدينة الرياض (الرياض).1974: ب. الهيئة الملكية للجبيل وينبع

الرياض وإقرار خطة تنميتها والبرامج الزمنية للتنفيذ والتنسيق بين مختلف الجهات ذات العلاقة بالمدينة، ثم أضيف إلى اختصاصاتها صلاحيات المجلس البلدي آنذاك.

تعد هذه الهيئة صناعةً وطنيةً، فكرةً وتصميمً وتنفيذًا، وهي خروج عن المألوف، وتفكير "خارج الصندوق" والإطار البيروقراطي الضيق؛ لتكون النتيجة تميزًا في الأداء والإنجاز. أُنشئت الهيئة في عام 1975 بمرسوم ملكي لتكون محطة مهمة في تاريخ الإدارة العامة السعودية، إذ كان على الهيئة إنشاء مدينتين صناعيتين من الصفر، وتطلب ذلك أن تتمتع باستقلال إداري ومالي وأن يخصص لها ميزانية مستقلة، ما جعلها قادرة على استيعاب المتغيرات والمستجدات البيئية والتكيف معها. وللهيئة مجلس إدارة يتولى إصدار القرارات والسياسات واللوائح التي من شأنها تحقيق أهدافها، ولا تتقيد الهيئة بإجراءات الصرف المتبعة في الأجهزة الحكومية، أي إنها تدار بأسلوب غير بيروقراطي وغير نمطي، وذلك إدراكًا من صانع القرار أن التنظيم البيروقراطي يقيد حركتها، ويعرقل تنفيذ المشاريع، ويثبط التفكير الإبداعي والبحث عن الأفضل. إن تحديد مسؤوليات الهيئة، وربط تقييمها بالأداء والنتيجة والتأثير النهائي، أدّيَا إلى إنجازاتها المتميزة، ومن هذه الإنجازات حصول مدينة الجبيل الصناعية على أفضل مدينة جاذبة للاستثمر في الشرق الأوسط. وفي الإجمل، يمكن استنساخ التجربة وتعميمها أو الاستفادة منها في تحديد الركائز الأساسية لنظام الإدارة المحلية، ومن أهمها الاستقلال الإداري والمالي وصلاحيات تتناسب مع حجم المسؤوليات والأدوار المناطة بالمجالس المحلية لتحقيق تنمية محلية مستديمة.

خاتمة

لا مجال للقول بوجود نموذج مثالي للامركزية يناسب جميع الدول؛ فلكل مجتمع ظروفه الاقتصادية والسياسية والاجتمعية وخصائصه السكانية والجغرافية الخاصة، وهي التي تحدد مستوى تطبيق نهج اللامركزية أو المركزية، بما يتناسب مع تلك الظروف. تبرهن على هذا الأمر الحالة السعودية، والتي بينت الدراسة من خلال استعراض التطور التاريخي للإدارة المحلية فيها وجود نسق يدفع نحو اللامركزية أو المركزية يتحكم فيه عامل رئيس هو القدرة الاقتصادية للسلطة المركزية. وقد تبين من تتبع السياق التاريخي لمراحل بناء الدولة السعودية أنه في حال الطفرة الاقتصادية بزيادة العوائد النفطية يكون التوجه نحو المركزية والعكس صحيح. يظل هذا النسق منطلقًا في وضع مقترح لتصور مستقبلي للإدارة المحلية وتحديد مستوى اللامركزية، وتؤثر فيه عوامل أخرى مضافة، ثابتة ومتغيرة. أما البعدان الثابتان فهم فلسفة النظام السياسي المبنية على السلطة الأبوية وسياسة الباب المفتوح، والمساحة الجغرافية الكبيرة للمملكة. ويعتمد تأثير هذين البعدين على القدرة الاقتصادية للسلطات المركزية؛ ومن ثم، فهُم مساندان للبعد الاقتصادي في حالتَي القدرة العالية والمتدنية في تحديد مستوى التوجه نحو المركزية أو اللامركزية. أما العوامل المتغيرة، فتتضمن استراتيجية ما بعد النفط، وارتفاع نسبة التحضر، والعولمة واقتصاد المكان، وتقنية المعلومات، و"رؤية السعودية 2030"

  1. 0 5  المملكة العربية السعودية، مجلس الوزراء، هيئة الخبراء بمجلس الوزراء، تنظيم الهيئة الملكية للجبيل وينبع، قرار مجلس الوزراء رقم 1219 بتاريخ 1395/9/5(الرياض ه: 1975 شوهد في)، 2023/10/30، في: https://bit.ly/3s4BbKy
  2. 51 جريدة الرياض، العدد 13431،.2005/4/2 المصدر: من إعداد الباحث.

والتجارب الناجحة التي عرفتها المملكة. وقد أشار الباحث في دراسات سابقة إلى ضرورة تطوير أنظمة الإدارة المحلية وهياكلها في المملكة في ظل ما يتطلبه إنجاز "رؤية السعودية 2030، وشدد على أهمية صياغة "نموذج تكاملي يضع تصورًا عامًّا يوازن بين المركزية واللامركزية في عملية صنع القرار المحلي. ويوضح الشكل (8) مقترحًا للتصور المستقبلي لمدى التوجه نحو اللامركزية، اعتمدًا على هذه العوامل المختلفة، ويمكن استنتاج أن التوجه يميل إلى تطبيق نهج اللامركزية.

الشكل (8) تصور مستقبلي للامركزية

االعوامل الدافعة للامركزيةالعوامل المثبطة للامركزية
التوجه نحو
امللامركزية
التوجه نحو
المركزية
العامل
الرئيس
القدرة الاقتصادية
للسلطة المركزية
منخفضةمانخفضةالقدرة
الاقتصادية
للسلطة
المركزية
عاليةعالية
العوامل
الثابتة
الثقافة السياسية (السلطة الأبوية)الخشية من التفكك
والتفرقة والإقليمية
العامل الجغرافي (مساحة كبيرة)هاجس ذوبان الهوية
الوطنية
العوامل
المتغيرة
استراتيجية ما بعد النفطضعف الإمكانات المحلية
ارتفاع نسبة التحضر
تجارب ناجحة للإدارة المحلية
العولمة (اقتصاد المكان)
تقنية المعلومات
الرؤية الوطنية 20302
  1. الشيحة والديب.
  2. الشيحة، "الإدارة المحلية في المملكة العربية السعودية".

المراجع

العربية

ابن عياف، عبد العزيز بن محمد. الإدارة المحلية والقطاع البلدي التحديات والفرص الضائعة: الرياض أنموذج 4183–1143 ه، 012-1997 2 م. الرياض: شركة تارة الدولية،.2020

آل سعود، عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد العزيز. "دور الإدارة المحلية في تعزيز الأمن الوطني". مجلة العلوم الإنسانية والاجتمعية. العدد).2020(20

الأمم المتحدة. برنامج الموئل. "القضايا الحضرية - المملكة العربية السعودية". في: https://bit.ly/49goBIW خاشقجي، هاني بن يوسف. الإدارة المحلية في المملكة العربية السعودية: المفاهيم والأسس والتطبيقات. الرياض: دار الخريجي للنشر والتوزيع،.2002

الديب، فؤاد. "نظام المناطق السعودي في ميزان الإدارة المحلية". مجلة العلوم الاقتصادية والإدارية والقانونية. مج 4، العدد 3.)2020(

" سكان المناطق الحضرية %(من إجملي عدد السكان) - Arabia Saudi ". البنك الدولي. في: https://bit.ly/46LETrm الشيحة، عدنان بن عبد الله. "الإدارة المحلية في المملكة العربية السعودية: الوضع الراهن ونموذج مقترح". مجلة جامعة الملك سعود - العلوم الإدارية. مج 24، العدد 1.)2012(

. "الإصلاح الإداري في المملكة العربية السعودية: من البيروقراطية المركزية إلى توسيع سلطات المجالس المحلية". المجلة العلمية للإدارة. العدد).2015(8

الشيحة، عدنان وفهد الحريقي. "نحو تفعيل نظام المناطق كآلية للتخطيط الحضري في المملكة العربية السعودية". مجلة العلوم الهندسية. جامعة أسيوط. مج 30، العدد 3 (تموز/ يوليو.)2002

الشيحة، عدنان، وفؤاد الديب. "مدى الحاجة لتطوير أنظمة وهياكل الإدارة المحلية لمواكبة رؤية المملكة العربية السعودية". ورقة مقدمة لمؤتمر التنمية الإدارية في ضوء رؤية المملكة 2030. الرياض. المملكة العربية السعودية. 11 - 13 رجب.1440.2019/3/20-18

عز الدين، عبد المنعم. "مستقبل الإدارة المحلية في المملكة العربية السعودية تطبيقًا على منطقة نجران". المجلة العربية للإدارة. مج 40، العدد 4.)2020(

المملكة العربية السعودية. وزارة المالية. "وزارة المالية نشأتها وتطورها، إدارة التطوير الإداري بوزارة المالية." 2006. ف:ي https://bit.ly/49ap2nY المملكة العربية السعودية. الهيئة العامة للإحصاءات. "المملكة العربية السعودية". في: https://tinyurl.com/bdcpy57r المملكة العربية السعودية. رؤية 030 2. في https://bit.ly/49eb6ZX:

المملكة العربية السعودية. مجلس الوزراء. قرار مجلس الوزراء السعودي رقم 717 الصادر في تاريخ. 29 جمدى الأولى 3941 ه بإنشاء الهيئة الملكية لمدينة الرياض. الرياض 1974:

المملكة العربية السعودية. مجلس الوزراء. هيئة الخبراء بمجلس الوزراء. تنظيم الهيئة الملكية للجبيل وينبع. قرار مجلس الوزراء رقم 1219 بتاريخ 1395/9/5 ه. الرياض: 1975 في. https://bit.ly/3s4BbKy:

المملكة العربية السعودية. هيئة الخبراء مجلس الوزراء. النظام الأساسي للحكم. الرياض: 1992/3/6. في: https://bit.ly/4741RJW

المملكة العربية السعودية. وزارة الداخلية. التعليمت المنظمة للمجالس المحلية لتنمية وتطوير المحافظات والمراكز. قرار رقم (172) بتاريخ.1420/11/1 ه

المملكة العربية السعودية. وزارة الداخلية. معهد الإدارة العامة. مركز الوثائق. نظام البلديات والقرى لعام 3971 ه، المرسوم الملكي رقم (م 5/) 2/21397/1 ه.

المملكة العربية السعودية. وزارة الداخلية. وكالة الوزارة لشؤون المناطق. نظام المناطق. الأمر الملكي رقم (أ 92/). 8/27412/1 ه. والتعديلات المدخلة علية بالأمر الملكي رقم (أ.)21/ 0 /3/34141 ه.

المملكة العربية السعودية. وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان. نظام المجالس البلدية الصادر بالمرسوم الملكي رقم م 6/ بتاريخ 0/4 35/114 ه.

الأجنبية

Alper, Ozmen. "Notes to The Concept of Decentralization." European Scientific Journal. vol. 10, no. 10 (April 2014).

"Decentralization." The World Bank. 6/6/2013. at: https://tinyurl.com/wch6785m

Holmes, Malcolm & David Shand. "Management Reform: Some Practitioner Perspectives on the Past Ten Years." Governance. vol. 8, no. 4 (1995).

Hope, Kempe Ronald. Snr. "Decentralization and Local Governance Theory and the Practice in Botswana." Development Southern Africa. vol. 17, no. 4 (2000).

OECD. Making Decentralization Work: A Handbook for Policy-Makers. Policy Highlights. Paris: 2019. at: https://bit.ly/3SmFXxx

Rondinelli, Dennis A., John R. Nellis & G. Shabbir Cheema. "Decentralization in Developing Countries A Review of Recent Experience." World Bank Staff Working Papers. no. 581, Management and Development Series. no. 8. 1999, at: https://bit.ly/3QygTlQ

Rypkema, Donovan D. "Celebrating Our Urban Heritage Globalization, Urban Heritage, and the 21 st Century Economy." Global Urban Development. vol. 1, no. 1 (2005).

UNDP. Decentralized Governance for Development: A Combined Practice Note on Decentralization , Local Governance and Urban/Rural Development. New York: 2004. at: https://bit.ly/47a53Ux

Wal, Zeger van der, Caspar van den Berg & M. Shamsul Haque. "Comparative Public Administration in a Globalized World: Moving Beyond Standard Assumptions Toward Increased Understanding." Public Administration Review. vol. 81, no. 2 (2021).