نيوليبرالية في سياق استعماري: الاقتصاد الفلسطيني خلال الاستعمار الاستيطاني الصهيوني: قراءة نقدية
Neoliberalism in A Colonial Context: A Critical Review of the Palestinian Economy under Zionist Settler Colonialism
الملخّص
تهدف هذه الدراسة إلى الاشتباك نقديًًّا مع الادعاءات المنطلقة من الاقتصاد السياسي التي ترى أن السلطة الفلسطينية ذات توجه نيوليبرالي، وتتساءل عن مدى دقة هذه المقولة. من أجل ذلك، قدّّمت الدراسة عرضًًا نظريًًا لمضامين النيوليبرالية وأجندتها، متفحصةًً مدى انطباقها على حالة السلطة الفلسطينية، وتوسّّلت في ذلك مراجعة نقدية لأبرز الأدبيات المنشورة في الموضوع خلال الفترة 2021-1994 ، واستعانت بالبيانات والمصادر الأولية، وعززت تحليلها بإجراء عدد من المقابلات مع الخبراء والمسؤولين ممن تولّّوا مناصب اقتصادية في السلطة. وانطلقت من افتراض مفاده أنّّ تبني السلطة الفلسطينية بعضََ السياسات النيوليبرالية لا يعني بالضرورة صحة الافتراض أنّّها نيوليبرالية. وخلصت إلى عدم دقة القول إن السلطة الفلسطينية نيوليبرالية؛ بالنظر إلى الربط غير الدقيق ما بين المقدمات والنتائج، ولكون وصف السلطة بالنيوليبرالية يتناقض مع دورها الوظيفي وطبيعة الشروط التي تعمل في سياقها.
Abstract
ملخص: تهدف هذه الدراسة إلى الاشتباك نقدًّيًا مع الادعاءات المنطلقة من الاقتصاد السياسي التي ترى أن السلطة الفلسطينية ذات توجه نيوليبرالي، وتتساءل عن مدى دقة هذه المقولة. من أجل ذلك، قدّمت الدراسة عرضًا نظريًا لمضامين النيوليبرالية وأجندتها، متفحصةً مدى انطباقها على حالة السلطة الفلسطينية، وتوسّلت في ذلك مراجعة نقدية لأبرز الأدبيات المنشورة في الموضوع خلال الفترة 2021-1994، واستعانت بالبيانات والمصادر الأولية، وعززت تحليلها بإجراء عدد من المقابلات مع الخبراء والمسؤولين ممن تولّوا مناصب اقتصادية في السلطة. وانطلقت من افتراض مفاده أنّ تبني السلطة الفلسطينية بعضَ السياسات النيوليبرالية لا يعني بالضرورة صحة الافتراض أنّها نيوليبرالية. وخلصت إلى عدم دقة القول إن السلطة الفلسطينية نيوليبرالية؛ بالنظر إلى الربط غير الدقيق ما بين المقدمات والنتائج، ولكون وصف السلطة بالنيوليبرالية يتناقض مع دورها الوظيفي وطبيعة الشروط التي تعمل في سياقها. كلمت مفتاحية: السلطة الفلسطينية، النيوليبرالية، النيوباتريمونيالية، الزبائنية، الاستعمر الاستيطاني. Abstract: This study aims to critically assess the assertion put forth by political economists regarding the characterization of the Palestinian Authority (PA) as having a neoliberal orientation. The research endeavors to verify the validity of this assertion through a comprehensive evaluation of the PA's policies and practices. To achieve this objective, the paper provides an in-depth theoretical exploration of neoliberalism and its agenda, with a particular focus on its relevance to the PA's context. Employing a critical methodology, the study thoroughly examines existing literature on the topic, concentrating on publications dating from 1994 onwards. Moreover, to enrich the depth of analysis, interviews are conducted with experts and officials who have held key economic positions within the PA. The study commences with the premise that adopting certain neoliberal policies does not automatically classify the PA as neoliberal in its entirety. Ultimately, the research concludes that labeling the PA as neoliberal is unfounded, citing flawed reasoning in connecting premises and conclusions, as well as a lack of alignment between the PA's functional role and the prevailing contextual circumstances within which it operates.
- السلطة الفلسطينية
- النيوليبرالية
- النيوباترمونيالية
- الزبائنية
- الاستعمار الاستيطاني
- Palestinian Authority
- Neoliberalism
- Neopatrimonialism
- Clientelism
- Settler Colonialism
الاقتصاد الفلسطيني خلال الاستعمر الاستيطاني الصهيوني: قراءة نقدية
A Critical Review of the Palestinian Economy under Zionist Settler Colonialism
مقدمة
في سياق الجدل المتعلق بتوجهات السلطة الفلسطينية وطبيعتها، وبعد إطلاق رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق سلام فياض (2013-2007)، في عام 2009، ما عُرف بوثيقة "إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة"، طرح عدد من الباحثين فرضية مفادها أنّ السلطة الفلسطينية تنتهج النيوليبرالية1. وقد برز من بين هؤلاء رجا الخالدي وصبحي سمور، اللذان اعتبرا الاقتصاد السياسي للسلطة الفلسطينية موسومًا بالتوجه النيوليبرالي2. وفي مقابل ذلك، ينفي أحمد جميل عزم إمكان إسباغ وصف النيوليبرالية على السلطة الفلسطينية3. ومن بين هاتين الرؤيتين المتناقضتين يبرز سؤال الدراسة عن مدى صحة إطلاق مصطلح النيوليبرالية على السياسات والممرسات الاقتصادية في مناطق السلطة الفلسطينية. يقر الخالدي وسمور بأنّ الحقائق التي يفرضها الاستعمر الاستيطاني الإسرائيلي، التي تتضمن تحكّمه في الاقتصاد الفلسطيني ومصادرته الأراضي في ظل سلطة قضائية فلسطينية عاجزة، تحول دون تطبيق الأجندة النيوليبرالية، سواء في حمية الملكية الخاصة وتعزيزها أو في تأمين بيئة جاذبة للاستثمر. لكنّ الباحَثيَن يستدركان بالقول إنّ الحيزَ الوحيد المتاحَ للسلطة حتى تطبّق الأجندة النيوليبرالية واقعٌ ضمن مجال السياسة المالية4. ونرى هنا أن هذا القول لم يتم فحصه بالرجوع إلى الإحصاءات المتعلقة بالسياسات المالية للسلطة، وسنبّين ذلك في هذه الدراسة. وافتراضهم يحتاج إلى الدقة، إلى حٍّدّ ما، وبخاصة القول إنّ مجال السياسة المالية متحرر من تأثير العامل الخارجي (الاستعمر الاستيطاني)؛ فالعكس هو الصحيح. وينبه إلى هذا أنس قطيط في خلاصة دراسته حول السياسات المالية للسلطة الفلسطينية، بقوله: "إنّ نموذج/ إطار أوسلو للتنمية زوّد السلطة الفلسطينية بإيرادات عامة، لكنه زَّوَدها بقدر ضئيل من النفوذ للسيطرة على السياسة المالية أو استنباطها"5. ويبدو، لدى عدد من الباحثين الفلسطينيين، أنّ سياسات السلطة نابعة من "إجمع واشنطن" النيوليبرالي؛ إذ إن "مشروع أوسلو برمته يقوم في أساسه على سياسات نيوليبرالية، وعلى مبادئ السوق الحرة التي ترتكز على البنود الواردة في إجمع واشنطن"6. وتحاجّ ماندي تيرنر وآخرون7 كذلك بأنّ المساعدات الاقتصادية من الدول الغربية ذات التوجه النيوليبرالي، إضافة إلى تشجيعها القطاع الخاص، تمثل مؤشرات على نيوليبرالية
السلطة الفلسطينية. وتكرر القول نفسه في دراسة لاحقة8. وعلى المنوال ذاته، يشدد طارق دعنا على دور المساعدات الأجنبية والبنك الدولي في توجيه الاقتصاد السياسي الفلسطيني نحو النيوليبرالية، طارحًا فكرة متمثلة في أن "رأسملية شللية" قد برزت في سياق التوجهات النيوليبرالية للسلطة الفلسطينية9. ويستند توفيق حداد إلى الافتراض نفسه، مدّعيًا ظهور ما أسمه "فلسطين المحدودة" نتيجة لسياسات السلطة الفلسطينية النيوليبرالية10. ويتفق علاء الترتير مع فرضية دعنا وحداد11، لكن ثلاثتهم انشغلوا بتوصيف العلاقة بين النيوباتريمونيالية (الأبوية الجديدة) والنيوليبرالية، من دون توفير دلائل من الواقع ترفع التناقض بين التوجهين في هذا التوصيف. فهم يقرون بنيوباتريمونيالية السلطة الفلسطينية من ناحية، ويدّعون نيوليبرالية السلطة من ناحية أخرى؛ فكيف يمكن الجمع بين الأبوية الجديدة، القائمة على الحكم الفردي السلطوي وبناء شبكة زبائنية (تستند إلى تقوية دور الدولة التي يتفرد بقيادتها "الزعيم" من أجل التحكم في المنع والمنح)، وبين النيوليبرالية القائمة على انسحاب الدولة من الشأن العام ولامركزيتها؟ توضح تلك التباينات أهمية العودة إلى واقع سياسات السلطة الفلسطينية وممرساتها للوقوف على طبيعة توجهاتها الاقتصادية. هل يكفي القول إن تطابق سياسات الدول والمؤسسات المانحة ذات التوجه النيوليبرالي، مع ما جرى تطبيقه على أرض الواقع، دليل على نيوليبرالية السلطة الفلسطينية؟ من أجل سبر هذا السؤال، تحلل الدراسة الإحصائيات والمعطيات الرقمية المتعلقة بالموضوع، وتناقش الافتراضات التي يبني عليها منظّرو نيوليبرالية السلطة، وبخاصة منها الجمع بين النيوباتريمونيالية والنيوليبرالية، ومناقشة دور الأجهزة الأمنية في تلك التوجهات، ومدى توجّه السلطة الفلسطينية نحو سياسات مالية نيوليبرالية، وما يُعرف ب "صافي الإقراض"، والإيرادات الضريبية، وكذلك التوجهات التقشفية وخفض الإنفاق العام، خصوصًا فيم يتعلق بخفض بند الأجور بالموازنة وسياسة التسريحات، وتجميد أجور مستخدمي القطاع العام ورواتبهم. يضاف إلى ذلك فحص فرضيات تبنّي نظام السوق الحرة، وإجمع واشنطن، وتماهي مساعدات المانحين وتشجيع القطاع الخاص والقروض مع الأجندة النيوليبرالية. وللنظر في مدى انتساب السلطة الفلسطينية إلى النهج النيوليبرالي، تبنّت الدراسة منظورًا متعدد التخصصات، واستندت إلى مصادر أولية تشمل البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد وهيئة التقاعد، وعززت مسحها للعديد من الأدبيات والتقارير المتخصصة، ومنها تقارير معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس"، بنتائج المقابلات مع شخصيات انخرطت في تحديد السياسات الاقتصادية للسلطة الفلسطينية12. ويجدر التنبيه إلى أن الدراسة غير معنيّة بتقييم مجمل الاقتصاد الفلسطيني الذي يتطلب التطرق إلى وجود حوالى 200 ألف عامل فلسطيني في السوق الإسرائيلية، ووجود
مؤسسات المجتمع المدني التي تنافس السلطة في الحصول على التمويل الأجنبي. ثم إن الوصول إلى بيانات أساسية في الموضوع، كالميزانيات الخاصة بالأجهزة الأمنية الفلسطينية وبعض القطاعات الأخرى غير متاح، ويعوق مثل هذا التناول.
أولًا: ماهية النيوليبرالية
عادةً ما يُنظر إلى النيوليبرالية بوصفها امتدادًا وتجديدًا لليبرالية ومفاهيمها التي نشأت منذ أواخر القرن الثامن عشر. ويحضر تشابك النيوليبرالية مع الفكر الاقتصادي الرأسملي "الكلاسيكي" الذي أرسى دعائمه آدم سميثAdam Smith. ويُذكّر أحد أبرز رواد النيوليبرالية، ميلتون فريدمان، بتعدد معاني الليبرالية، وأنها لا تحمل مدلولًا واحدًا؛ ففي أواخر القرن الثامن عشر، كانت صنوًا للحرية الفردية، وغايتها انتهاج سياسة تراجع دور الحكومة في الشأن الاقتصادي لمصلحة دور الفرد، مع الاهتمم بتشجيع التجارة الحرة بين الدول. وأخذ مفهوم الليبرالية في الانزياح مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وفي عام 1930، اصطبغ بقيم وتوجهات مختلفة، خصوصًا في الولايات المتحدة الأميركية؛ إذ ارتبط بالاعتمد على الحكومة بدلًا من النظم الطوعية، من أجل تحقيق الأهداف الاقتصادية، وإحياء سياسات التدخل الحكومي والوصاية الأبوية، التي قاومها الليبراليون الكلاسيكيون13. لا يفصل فريدمان النيوليبرالية عن الليبرالية الكلاسيكية، ويراها الأكثر تعبيرًا عنها، ويعتبر أنها جملة "التعاليم المرتبطة بالإنسان الحر"14، وهذا الأمر هو نفسه ما ينفيه نوعم تشومسكي الذي يجادل بأنّ الفرضيات الأساسية للنيوليبرالية ما زالت بعيدة عن تلك الفرضيات التي أحيت التقليد الليبرالي في عصر التنوير15. وفي تعريف النيوليبرالية، يُثار ملمح عدم الوضوح؛ فستيفاني مودج، مثل، ا تدعي أنّ مفهوم النيوليبرالية، الذي يُحتج به كثيرًا في العلوم الاجتمعية، مفهومٌ غير محدد، بل إنّ مستخدميه لا يدركون جميع جوانبه في أغلب الأحيان16. ويصل الحال ببعضهم إلى حدّ القول باستحالة تعريف النيوليبرالية نظرًّيًا، على نحو ما طرح ألفريدو فيلو وديبورا جونستن اللذان يردّان هذه الاستحالة إلى أسباب ثلاثة: السبب الأول منهجيّ: فعلى الرغم من اشتراك الاقتصادات الموصوفة بالنيوليبرالية في ملامح بعينها، فإن هذه الاقتصادات ليس لها سمت ثابتة، كم أن النيوليبرالية لا تمثل نمطًا إنتاجيًّا، على نحو ما نعنيه حين نتحدث عن "الإقطاعية" أو "الرأسملية". والحال أن النيوليبرالية تتمدد بين مجموعة واسعة من الظواهر الاجتمعية والسياسية والاقتصادية، وتشتغل وفقًا لمستويات مختلفة من التعقيد، بعضها مجرد جدًّا، كالقوة المتنامية للتمويل، وبعضها الآخر ملموس نسبيًا، كالخصخصة أو العلاقة بين الدول الأجنبية والمنظمت غير الحكومية المحلية. السبب الثاني: يعود إلى عدم إمكانية فصل النيوليبرالية عن الإمبريالية والعولمة؛ حتى لتبدو العولمة بمنزلة الوجه الدولي للنيوليبرالية.
يتطلب التحليل التاريخي للنيوليبرالية نهجًا متعدد المستويات، بتعدد جذور النيوليبرالية وتنوعها، ويصعب التأريخ لظهورها بدقة؛ لأنها أفكارٌ جُمعت من مصادر متعددة؛ بما في ذلك فكر آدم سميث، والاقتصاد الكلاسيكي الجديد، والنقد النمساوي للكينزية، والاشتراكية على النمط السوفياتي، والنظرية النقدية17. شدد فريدمان في كتابه الرأسملية والحرية، الذي يُعَدّ بمنزلة "مانفيستو" النيوليبرالية، على ضرورة تحجيم دور الحكومة في النظامين القانوني والنقدي، وعلى ضرورة تعظيم دور الأفراد ومنحهم الحرية كاملةً في الوقت ذاته. ومن هنا، دعا إلى اعتمد أسعار الصرف المرنة وسياسة تعويم العملة18، استنادًا إلى القاعدة النقدية19، وذلك بغية الوصول إلى أسعار مستقرة20. ودعا كذلك إلى منح الدولة أهالي الطلاب قسائم تعليمية يستخدمونها للتسجيل في المدارس الخاصة التي تتنافس في استقطاب الطلاب عبر أسعار خدماتها21، إضافةً إلى خصخصة الضمن الاجتمعي22، واعتمد نظام ضريبة25 الدخل السلبي27. وذهب إلى أهمية اعتمد صيغة الجيش التطوعي، بدلًا من الإلزامي، توفيرًا للنفقات العامة28. وامتدادًا لفريدمان، وضع جون وليمسون، في عام 1989، عشر سياسات جوهرية ضمن لائحة الأجندة النيوليبرالية التي أصبحت تُعرف فيم بعد ب "إجمع واشنطن"29، وقد اشتملت على الضبط الماليDiscipline Fiscal، بوصفه حالة توازن مثالي في الاقتصاد بين الإيرادات والنفقات الحكومية. ودعا إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام فيم يتعلق بالإعانات الحكومية ودعم الصحة والتعليم والبنية التحتية، كم دعا إلى إصلاح النظام الضريبي بهدف الجمع بين قاعدة ضريبية واسعة ومعدلات ضرائب وفق نظام الشرائح، فضلًا عن دعوته
إلى تحرير أسعار الفائدة المصرفية، واعتمد سعر صرف تنافسي، وتحرير التجارة، والاستثمر الأجنبي المباشر، وخصخصة المؤسسات المملوكة للدولة، وتخفيف النظم الرسمية للاقتصاد، وضمن حقوق الملكية30. ينتقد هذه الرؤية ديفيد هارفي، معتبرًا أن النيوليبرالية "نظرية للممرسات الاقتصادية السياسية"، ويبيّن أنها تستهدف تحسين رفاهية الإنسان عن طريق إطلاق الحريات، وتعزيز المهارات الفردية في إطار مؤسساتي، وأن النيوليبرالية نفسها تتعزز بحقوق الملكية الخاصة، والأسواق الحرة، والتجارة الحرة. ويتمحور دور الدولة في النيوليبرالية حول إيجاد إطار مؤسسي لهذه الممرسات وحميته. فعلى الدولة، على سبيل المثال، أن تضمن حمية رؤوس الأموال، وتنشئ الهياكل والمهمت العسكرية والدفاعية والشرطية والقانونية اللازمة لتأمين حقوق الملكية الخاصة (يكون ذلك بالقوة إذا لزم الأمر)، وتراقب الأداء السليم للأسواق. ومن الملامح المهمة التي يقف عليها هارفي إنشاءُ الأسواق؛ فإن لم تكن موجودة في مجالات مثل الأراضي والمياه والتعليم والرعاية الصحية والضمن الاجتمعي وحمية البيئة، فيجب على الدولة المسارعة إلى إنشائها وفرض إجراءات في هذه الشؤون إذا لزم الأمر31. وينبه هارفي إلى أنه ليس على الدولة النيوليبرالية، بحسب الفكر النيوليبرالي، أن تجازف بالذهاب إلى أبعد من هذه المهمت، ويجب أن تبقى تدخلاتها في الأسواق، ما إن تنشِئها، في حدود دُنيا. وتستند النيوليبرالية في ذلك إلى تصور محدد لدور الدولة؛ فهي ليست الأكثر معرفة بالسوق ومؤشراتها، في حين "ستعمد مجموعات المصالح القوية إلى التشويه والتأثير في تدخلات الدولة (خاصة في الديمقراطيات) لمصلحتها الخاصة"32. وعمومًا، لا يرى هارفي أن النيوليبرالية بمنزلة تجديد لليبرالية، بل هي نظرية للممرسات الاقتصادية السياسية، كم أنها لم ترقَ إلى أن تكون أيديولوجيا سياسية كاملة. وقد بيّنت مودج أنّ النيوليبرالية نظام أيديولوجي فريد تشكّل عبر تعاون عوالم ثلاثة: فكرية، وبيروقراطية، وسياسية؛ وهي "وجوه" مترابطة فيم بينها: وجه فكريذو امتداد تاريخي، ينحدر من التقاليد الاقتصادية الأنكلو -أميركية العابرة للقومية؛ تشكلت من داخل مؤسسات الرأسملية الاجتمعية وانقسام الحرب الباردة، مع تأكيدها المستمر على السوق (غير المجزَأة) مصدرًا وحكمً للحريات الإنسانية. وجه بيروقراطييتجسد في سياسة الدولة التي تتبنى سياسات اللبرلة الاقتصادية، بإلغاء القيود على الأسواق؛ وبخاصة سوق الصرف، والخصخصة، وعدم التسييس، إضافة إلى اعتمد سياسة نقدية ذات توجهات تقشفية. وتستهدف هذه السياسات، التي تجري تحت عنوان الإصلاح الاقتصادي، تشجيع المنافسة الحرة، ورفع قيودها، عبر إخراج الدولة من الملكية، وإخراج السياسيين من إدارة المجال الاقتصادي. وتهدف السياسات النيوليبرالية، أيضًا، إلى "إلغاء" المؤسسات التي حمتها الدولة في وقت سابق من قوى المنافسة في السوق الخاصة، مثل التعليم والرعاية الصحية.
وجه سياسيمجاله السوق، تنعكس عليه صراعات السلطة، وينطلق من مركز أيديولوجي معيّ، تحدّد فيه مسؤوليات الدولة ثلاث سياسات نيوليبرالية، هي: إطلاق العنان لقوى السوق حيثم أمكن، وتعزيز موقع سلطة الدولة بتقييد الوصول إلى صنع القرار السياسي، والميل إلى دوائر تأثير معيّنة؛ وبخاصة رجال الأعمل، وأصحاب رؤوس الأموال، والمهنيين ذوي الياقات البيضاء، على حساب غيرهم من منتسبي النقابات33. وهكذا، فإن إشكالية تعريف النيوليبرالية ستبقى قائمة في المجتمع الأكاديمي، بما لها من مفاهيم عديدة تُوَظَّف في خطاب المفكرين والكتّاب، وبخاصة نقّاد النظام الاقتصادي الحالي34. لكنّ النيوليبرالية تؤكد، عمومًا، بوصفها أيديولوجيا، على قيمة المنافسة في السوق الحرة35، من خلال منح القطاع الخاص أولويةً على حساب القطاع العام36. وهي تستند إلى مبدأين، هم: المنافسة المتزايدة التي تتحقق من خلال رفع القيود وفتح الأسواق المحلية، بما في ذلك الأسواق المالية، أمام المنافسة الأجنبية. وتولي الدولة دورًا محدودًا، يتحقق من خلال الخصخصة والحد من قدرة الحكومات على إدارة العجز المالي وتراكم الديون37.
ثانيًا: هل تعدّ السلطة الفلسطينية نيوليبرالية؟
يجيب هذا المممحور عن التساؤل حول مدى توافق واقع السلطة الفلسطينية مع الأجندة النيوليبرالية، من خلال توظيف أبرز ملامح الأجندة النيوليبرالية، وذلك على النحو التالي.
1. النيوباتريمونيالية والنيوليبرالية
يكمن الإشكال في طرح حداد وتيرنر والترتير ودعنا في أنهم قد جمعوا بين النيوباتريمونيالية والنيوليبرالية، وكأنّ النيوليبرالية تسببت في تشكّل البنية النيوباتريمونيالية في السلطة الفلسطينية. ويناقض هذا افتراضات أساسية في النظام الموصوف بالنيوليبرالي، وقد بّين الخالدي وسمور أنّ "إجمع ما بعد واشنطن (النيوليبرالي) يفترض أن تكون الدولة قادرة ومستجيبة تحافظ على الأمن والنظام العام، وتضمن تكافؤ الفرص، وتقوي مواطنيها، الذين تقع عليهم المسؤولية الأخلاقية لجهة الاعتمد على أنفسهم عوضًا عن الاتكال على الدولة الراعية والأبوية"38. فهل كان هذا هو الحال فلسطينيّا؟ إن الاعتمدية والاتكاء على الدولة هم جوهر وصف حداد النظام الفلسطيني بأنه نيوباتريمونيالي سواء في فترة رئاسة ياسر عرفات (2004-1996) أو في عهد محمود عباس (-2004)؛ فقد "تم التفاوض على اتفاقيات
أوسلو والنظام النيوباتريمونيالي الذي ساعد في تأسيسه"39. وقد استمر عباس على النهج نفسه: "بعيدًا عن الحالة النموذجية التي تصورها ممرسو بناء الدولة الدوليون، وادعوا أنهم يرغبون في دعمها، كان المانحون الغربيون يدعمون سياسًّيًا ومالًّيًا نظامًا للنيوباتريمونيالية بقيادة عباس"40. المسألة إذًا هيكلية، تكمن دلائلها عند من يؤكدون اتصاف السلطة بالنيوليبرالية في الارتباط بعوامل مثل توظيف الفساد والعنف، وشيوع الشخصنة والمحاسيبية، وأولوية البعد الأمني المرتبط بضغط دولي. وتبين تيرنر أن "الاقتصاد السياسي الذي نشأ في الضفة الغربية قد حمل تركيبة نيوباتريمونيالية. فهو من جهة يوظف العنف والفساد لقمع معارضيه وشرائهم، ويحابي طبقة رجال الأعمل المعتمدين على السلطة الفلسطينية في التحكم في السوق وتشكيل وضع احتكاري لهم، وفي تمرير تعاملاتهم ومنحها الطابع الشرعي أيضًا. ويطرح الترتير بُعدًا يتصل بالقيادة من خلال قوله: إنّ "نموذج الحكم السائد في السلطة الفلسطينية هو نموذج القائد الواحد الأوحد (القائد الخارق) ويتمثل بالعرفاتية والفياضية والعباسية"41. ويضيف دعنا رابطًا بين السعي للتهدئة الأمنية وتضخم ملامح النيوباتريموينالية والنيوليبرالية في السلطة الفلسطينية، فيؤكد على أن التهدئة تفرض أساسًا "من خلال الترويج لشكل معّين من النيوليبرالية، وكذلك من خلال نظام الراعي - العميل الذي يكمن في جوهر النسيج المؤسسي للسلطة الفلسطينية وعلاقته بالمجتمع. لقد ربط كلاهم؛ أي التهدئة ونظام الراعي - العميل، النخبة بالمجتمع من خلال نظام معقد من الرأسملية الشللية المرتبط بالنيوباتريمونيالية"42. وتشير دانا الكرد إلى طبيعة العلاقة بين الدعم المالي والسياسي الذي توفره الدول الغربية وسلطوية الأنظمة، ومن ضمنها السلطة الفلسطينية؛ إذ تحاج بأنّ التدخل الدولي عبر هذا الدعم يسهّل زيادة الممرسات الاستبدادية43، لكن الكرد لا تقول بتلازم بين السلطوية والنيوليبرالية. ومن ثم، يمكن القول، بناءً على سلوك الدول المانحة، إنّ هذا التدخل يهدف إلى تحقيق التحكم والضبط والسيطرة على نحو أساسي، وليس تحقيق اللبرلة. يجدر، في هذا الصدد، تذُّكُر أنّ النيوباتريمونيالية تقوم على افتراض أساسي مفاده أن مؤسسات الدولة الرسمية يجري دمجها في سياسات شخصية غير رسمية تخصّ الحكام. ويؤكد بيتر باويلكا Pawelka Peter على أنّ النيوباتريمونيالية نظام للحكم الفردي، يعتمد على الشرعية من جهة، وعلى البيروقراطية (الإدارية والعسكرية) من جهة أخرى، وتعتمد السلطة في تحصيل الشرعية على مزيج من الولاءات التقليدية والمكافآت المادية44. نظريًا، يجب إزالة التعارض بين النيوليبرالية الموصوفة بها السلطة الفلسطينية عند بعضهم، وبين التوجهات النيوباتريمونيالية لها، بما تتضمنه من توسيع استفادة شرائح من الشعب من موارد الدولة ورعايتها. فكيف تكون السلطة (النيوليبرالية) ميّالة إلى تقليص دور الدولة وانسحابها من رعاية الأفراد، وفي الآن ذاته تنحو
وجهةً نيوباتريمونيالية. لقد عززت السياسات النيوليبرالية البنى السلطوية في العديد من الدول، وهذا ما نجده في دراسات ترقية السلطوية Upgrading Authoritarian. وعلى سبيل المثال، يطرح ستيفن هايدمان وجود علاقة بين "الإصلاحات" الاقتصادية النيوليبرالية وتعزيز البنى السلطوية، ويضرب أمثلة دالّة على ذلك من خلال الحكومات العربية، مثل الجزائر ومصر والأردن والمغرب وسورية وتونس؛ فقد "زودت الإصلاحات الانتقائية الحكومات تلك بالموارد اللازمة للحفاظ على أنظمة الحكم التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على شبكات المحسوبية"45، و"على الرغم من نية الإصلاحيين تقليل السعي وراء الريع أو القضاء عليه، وزيادة الشفافية والمساءلة، فإن الإصلاح الاقتصادي والسعي وراء الريع يسيران جنبًا إلى جنب"46. ولا يستبعد عدد من الباحثين وجود نيوليبرالية سلطوية Neoliberal Authoritarianism47، في حين يلفت توماس بيبريشر الانتباه إلى وجود علاقة تعارض بين السلطوية والنيوليبرالية، وهو طرحٌ قد ينفيه تتبّع التجارب النيوليبرالية؛ إذ تبرز الدلائل التي تؤكد على كمون إمكانات سلطوية في الفكر النيوليبرالي. وأبرز مثال دالّ على ذلك هو الصلة بين بعض المفكرين النيوليبراليين والدكتاتورية العسكرية في تشيلي، واحتفاؤهم بقدرة الُّنُظم الاستبدادية على تنفيذ "الإصلاحات" الاقتصادية، من غيرِ انتباهٍ إلى أن هذا الأمر يُنتِج صيغة نيوليبرالية سلطوية. ويستدرك بيبريشر بتأكيده على وجود تقارب اختياري قوي بين النيوليبرالية والاستبداد، من دون أن يذهب إلى حد القول إن "النيوليبرالية بالضرورة سلطوية"، فهو يرى أن "التوجه السلطوي ليس سوى خيار من بين عدد من الاستراتيجيات داخل الفكر النيوليبرالي"48. من خلال منظور آخر، يرى إرنست غالو أنّ للنيوليبرالية والاستبداد "روابط نظرية قوية"، وذلك في إثر تتبعه حجج النيوليبرالية المتصلة بأهمية وجود دولة قوية قادرة على إعادة تشكيل المجتمع وفقًا لخطوط تحركها السوق"49. والأمثلة الدالة على هذا الأمر كثيرة؛ ففي البلدان النامية، أدى الركود في السبعينيات إلى تكثيف العلاقة بين الاستبداد والنيوليبرالية، وحتى في البلدان ذات التقاليد الديمقراطية تطلّب بقاء النيوليبرالية سياسات حمئية، قومية وسلطوية، بحيث تتوافق أنواع السلطوية مع الهيكل الاقتصادي المحلي المندرج في الاقتصاد العالمي (النيوليبرالي). لكن بحسب غالو، فإن "التطابق (التشابه) ليس واضح المعالم، ويتعين المزيد من البحث للتعامل مع حالات في جنوب آسيا وشرقها، وأفريقيا، وأميركا الجنوبية، والواقع الغريب للولايات المتحدة، قبل ترامب وبعده"؛ إذ "يمكن أن تظهر الطبيعة الاستبدادية الكامنة للنيوليبرالية في أشكال عديدة، وغالبًا ما يصعب التنبؤ بها"50.
"بيت القصيد"، في هذا السياق، هو أن توصيف العلاقة بين النيوليبرالية، بوصفها منظورًا اقتصاديًا، والنيوباتريمونيالية، بوصفها شكلًا من أشكال النظم السلطوية، يفتقر إلى حجج قوية، لا تستوعب الكتابات التي توحي بوجود علاقة سببية بينهم، وأن النيوليبرالية تقود إلى تشكّل النيوباتريمونيالية وتعزيزها. وقد استنتج ماكس فيبرMax Weber أنّ الحكم الباتريمونيالي يستطيع أن يتعايش مع مجموعة واسعة من النظم الاقتصادية، وأنه لا يقتصر على الرأسملية51. وتتعدد الإشارة إلى أنّ دولًا اشتراكية52 - مثل الصين وروسيا (قبل التحولات الليبرالية) - قد استندت إلى نظم حكم نيوباتريمونيالية53، ومعها يصعب ادعاء أنّ النيوليبرالية تُسِبِّب نظامَ حكم نيوباتريمونيالًّيًا. وإلى حد بعيد، تبدو العلاقة بين النيوليبرالية والنيوباتريمونيالية ارتباطية (ظرفية) Correlation، وأنها ليست علاقة سببية Causation54. وتبرز ذلك حالة السلطة الفلسطينية التي سعت، منذ نشأتها، إلى تكوين نظام زبائني Clientelism، وهو توجه تعتمده العديد من الأنظمة السلطوية بهدف ترسيخ سيطرتها، وذلك عبر شراء ولاء "الرعية" من خلال توفير الموارد المالية والخدمات. وفي محاولة السلطة بناء نوع من الهيمنة، تعمد إلى استخدام آليات عديدة، من أهمها منح فرص العمل في أجهزة الدولة العسكرية والمدنية، وهو ملمح يتناقض مع الأيديولوجيا النيوليبرالية التي تخفض حجم الحكومة، وتميل إلى تقليص الإنفاق العام على الأجور. وتعمد السلطة كذلك إلى احتواء فئات معيّنة عبر تحويل العطايا إليها55. ونبين أهمها فيم يلي:
2. الدور الأمني للسلطة والإنفاق على الأجهزة الأمنية
تضمنت توجهات المانحين الغربيين – بحسب تيرنر – دعم تشكيل الأجهزة الأمنية الفلسطينية وتدريبها وتعزيز حمية السلطة الفلسطينية وإسرائيل من "المتمردين"، ولم تتضمن حمية السكان الفلسطينيين من التهديدات الخارجية56؛ فالسلام الذي سعى المانحون لبنائه بعد اتفاق أوسلو، يظل شكلًا من أشكال "مكافحة التمرد"، وتظل غايته تحقيق "الهدوء" وفرض الإذعان على الفلسطينيين57. ويستدل حداد على ذلك
بأنّ النسخة الإنكليزية من خطة الإصلاح والتنمية يَرِد فيها بوضوح أنّ "مهمة السلطة الوطنية الفلسطينية هي ضمن أمن إسرائيل مقابل الانسحاب التدريجي من الأراضي الفلسطينية المحتلة"58. من خلال تقيِّصي واقع السلطة الفلسطينية، نستنتج أنّها بعيدة عن مواصفات النيوليبرالية في مضمونها الكلاسيكي. ولا ننسى أن أحد أهم دوافع مناداة فريدمان بالنيوليبرالية هو تقليص الإنفاق الحكومي على الجانب العسكري. وتؤكد البيانات على أن السلطة الفلسطينية ما زالت تنفق الجانب الأكبر من ميزانيتها على قطاع الأمن؛ ففي سنة 2021 خصصت حوالى 20 في المئة من الموازنة لقطاع الأمن، وهو ما يزيد على مخصصات قطاع التعليم الذي لا يحظى إلا بنسبة 16 ا في المئة، ومثله القطاع الصحي الذي لا يمثّل إّل 13 في المئة من المخصصات، ومثل ذلك قطاع الحمية الاجتمعية بنسبة 12 في المئة59. وفي سنة 2017، جرى اقتطاع أكثر من ربع الموازنة، وتحديدًا ما نسبته 26 في المئة لقطاع الأمن، وقد زاد ذلك على مخصصات التربية والتعليم العالي التي بلغت 21 في المئة، وقطاع الصحة بنسبة 11 في المئة، وقطاع التنمية الاجتمعية بنسبة 6 في المئة60. صحيح أنّ المانحين الأجانب يموّلون السلطة الفلسطينية من أجل القيام بدور أمني، أو "استيعاب الاحتلال بدلًا من تقويضه"61، بحسب تعبير ليلى فرسخ، وصحيح أنّ إنفاق الجزء الأكبر من الميزانية على قطاع الأمن يتصل بالدور الوظيفي للسلطة الفلسطينية، لكنّ ذلك يظل مناقضًا لتوجهات النيوليبرالية وغاياتها الأيديولوجية التي رسمها مفهوم فريدمان. تغلب الطبيعة النيوباتريمونيالية للسلطة الفلسطينية على ما عداها؛ إذ يسيطر الحاكم على قوى الأمن من خلال تجنيد الموالين، من خلال مؤسسة تابعة كلها للرئيس، مع الأخذ في الحسبان أنّ معظم أفراد الأجهزة الأمنية وقاداتها ينتسبون إلى ح ركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" (وهي في مقام الحزب الحاكم بحسب توصيف النيوباتريمونيالية)، ويجري توظيف الأفراد بعد اجتيازهم فحص "السلامة الأمنية"، بحيث يتم ضمن التزامهم ب "الشرعية"، أو بلغة أخرى: الولاء للرئيس. وعمومًا، يتبع قادة الأجهزة الأمنية تعليمت الرئيس وأوامره، في حين تغيب أيّ قيمة فعلية لقرارات الأطر القيادية الفلسطينية الأخرى في عمل تلك الأجهزة. وفي مقابل الولاء والانقياد التام لأوامر الرئيس، يجري تمييزهم على مستوى الرواتب؛ فمتوسط الأجر الشهري لموظفي القطاع الأمني يزيد على متوسط الأجر لموظفي القطاع المدني بحوالى 15 في المئة؛ أي إن هذه الرعاية والتمييز يضمنان ولاء الأجهزة للرئيس62.
3. السياسات المالية
يجادل بعض الباحثين بأنّ سياسات السلطة ترتكز على البنود الواردة في إجمع واشنطن (النيوليبرالي)63؛ ويحاج الخالدي بأنّ تأثير وصفات السياسات الاقتصادية لإجمع واشنطن ومؤسسة بريتون وودز ظل يشير
منذ التسعينيات إلى "القيود المفروضة على القدرة الإنتاجية المحلية، كمبرر للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي دعا إليها على أنها مناسبة في السياق الفلسطيني وضرورية لضمن استمرار السلطة"64. لكن هذا الادعاء ينفيه نعمن كنفاني وديفيد كوبهام اللذان أشارا في دراستهم إلى أنّ البنود الواردة في إجمع واشنطن، وبعض الاستراتيجيات النموذجية المطبقة في أوراق استراتيجية الحد من الفقر التابعة للبنك الدولي، غير قابلة للتطبيق، أو غير مجدية في سياق سياسات إسرائيل الأوسع. فخمسٌ من السياسات العشر التي يتألف منها إجمع واشنطن (الإصلاح الضريبي، والتحرير المالي، وسعر الصرف، والتعريفات والحصص، والاستثمر الأجنبي المباشر) لا يمكن تطبيقها؛ لأن السلطة الفلسطينية ليس لديها سيطرة على الأدوات ذات الصلة. يضاف إلى ذلك أنّ ثلاثة بنود أخرى (الخصخصة، والمنافسة، وحقوق الملكية) كانت على نحو ممثل، وإن كان بدرجة أقل، في حين أن السياسات التي يمكن تطبيقها ليست إّلا الرقابة المالية، وإعادة توجيه الإنفاق العام65. ويتبنى حداد الرأي نفسه بقوله: "في الواقع، كانت أدوات الحكم تحت تصرف السلطة الوطنية الفلسطينية محدودة جًّدًا إلى حدّ أنّ معظم أدوات السياسة الخاصة بإجمع واشنطن كانت بعيدة عن متناول سلطات السياسة التنموية الفلسطينية. ومن ثم، لا يمكن تطبيقها مباشرةً؛ حتى من ج انب السلطة الوطنية الفلسطينية. وفي المناطق التي كان للفلسطينيين فيها مثل هذه السلطات التنظيمية، تم فعلًا تطبيق جوانب من هذه الأجندة"66. وفي هذا الصدد، تعزّز العديد من ملامح السياسات المالية للسلطة، وخصوصًا فيم يتعلق بخفض الإنفاق العام وصافي الإقراض والإيرادات الضريبية، إضافة إلى خفض نفقات الأجور والتسريحات، النظرة التي ترفض وصف السلطة بأنها نيوليبرالية. ونبّين ذلك فيم يلي:
يتناقض القول بانصياع السلطة للأجندة النيوليبرالية الهادفة إلى تخفيض الإنفاق العام67 مع الواقع الذي تبرزه بيانات الإنفاق الحكومي منذ عام 2005. فهي، بحسب الشكل (1)، تمضي في منحى تصاعديّ مستمر، على الرغم من أنها انخفضت قليلًا بعد سن قانون التقاعد المبكر عام 2008، وفي عام 2017. ففي هذه الأ عوام، انخفضت نفقات الحكومة على نحو ملحوظ بسبب العقوبات الإسرائيلية التي تسببت في حجب متكرر للعوائد الضريبية؛ ما د فع السلطة إلى صرف جزء من الرواتب، بدلًا من الرواتب كلها. لكن ظل مستوى الإنفاق يعود إلى الصعود ما إن تدفقت أموال الضرائب من جديد.
الشكل (1) النفقات العامة (مليون دولار)
تقول السلطة الفلسطينية إنها تطبّق نظامًا تصاعديًا للضرائب Tax Progressive، بهدف تشجيع الاستثمر المحفز لخلق فرص العمل68، وهو توجه يوافق، بطبيعة الحال، النيوليبرالية في صيغتها الكلاسيكية، وما نادى به فريدمان. لكن اعتمد النيوليبرالية نظامًا لضريبة الدخل السلبي (التصاعدي)69 غايته هي حصول الأشخاص من أصحاب الدخل الذي يقلّ عن حٍّدٍ ترسمه الحكومة ذي علاقة بخط الفقر، على "أجر إضافي" من الحكومة بدلًا من دفعهم الضرائب. وهذا الأمر غير متحقق في حالة السلطة الفلسطينية70، وهذا يناقض ما ذهب إليه باحثون من بينهم الخالدي وسمور، وكذلك فضل النقيب، من أنّ السلطة تطبق التوجهات النيوليبرالية في تحصيلها الضرائبي71. وعلى عكس ذلك، يجادل أنس قطيط بأنّ الزيادة الكبيرة في إجملي الإيرادات لا تخفي حقيقة أن إيرادات السلطة الفلسطينية مح صلة عبر شكل مفرط من أشكال الضرائب التنازلية Regressive Forms of Taxations72. وقد سبقه عمر عبد الرازق إلى وصف النظام الضريبي للسلطة ب "الانكفائي" (التنازلي)، وذلك على الرغم من وجود ضريبة تصاعدية. ويكمن سبب ذلك في انحسار حصة ضريبة الدخل من الإيرادات العامة الإجملية، والاعتمد كثيرًا على الضرائب غير المباشرة، وخاصة
ضريبة القيمة المضافة المفروضة على جميع السلع والخدمات بالنسبة ذاتها73. وصار نظام ضريبة الدخل الفلسطيني بعد تعديلات عام 2015 أقل تصاعدية من قبل. وبحسب عبد الرازق، "قامت السلطة الوطنية الفلسطينية بتعديل قانون ضريبة الدخل عدة مرات، وشمل ذلك الفئات الضريبية ومعدلاتها والإعفاءات والتنزيلات للوصول إلى الدخل الخاضع للضريبة وكان آخرها في ا لعام 2015، وتم تخفيض العبء الضريبي (ضريبة الدخل) على الشخص العادي وبدرجة أكبر لصالح الفئات الأعلى دخل"74. إنّ العبء الضريبي بحسب البيانات الضريبية لا يزداد على من يحصلون دخلًا أكبر، ولا على أصحاب الثروة الأكبر أيضًا، في حين أنه يجعل النظام الضريبي الذي تديره السلطة الحال معكوسًا؛ فكلم ارتفع الدخل، قلّت نسبة المساهمة75. ويصعب وصف نظام ضريبي انكفائي كهذا بأنه موافق للتوجه النيوليبرالي، أو يعكس قيم الفلسفة النيوليبرالية76.
خفضت السلطة صافي الإقراض77، لكن هذا البند في الموازنة العامة منذ عام 2003؛ أي في ذروة انتفاضة الأقصى، يُظهر عكس ذلك. وبسبب تعهّد عرفات (شفويًا) بإعفاء سكان المخيمت وبعض المناطق المهمشة من دفع فاتورة الكهرباء، زاد الصافي78. صحيح أنه قد بدأ بمبلغ 173 مليون دولار ووصل إلى ذروته في عام 2007 بعد انقطاع رواتب الموظفين بسبب الحصار الإسرائيلي ليصل إلى 535 مليون دولار، ثم عاود الانخفاض فيم بعد مع تدفق الرواتب خلال حكومة فياض، لكن البيانات تُظهر - على الرغم من الإجراءات التي اتخذتها حكومته لخفض صافي الإقراض، والتي ساهمت فعليًا بانخفاضه، كتركيب عدادات مسبقة الدفع، وبراءة الذمة، إضافةً إلى تو قيع اتفاق بين سلطتي الطاقة في غزة ورام الله، في نيسان/ أبريل 2011، يجري بموجبه إلزام شركة الكهرباء في غزة بتوريد ما تم تحصيله، بمعدل 4 ملايين دولار شهريًا79 - أنّ صافي الإقراض قد تحوّل إلى بند ثابت في الموازنة العامة، وأنه في ارتفاع مستمر، ولم يتأثر كثيرًا بتقليص المدفوعات التي كانت ترصدها السلطة للكهرباء في غزة (بسبب الخلاف مع سلطة حمس). وهذا الارتفاع يبيّنه الشكل (2).
الشكل (2) صافي الإقراض (بملايين الدولارات)
يرى بعضهم أنّ السلطة تنحو منحى نيوليبراليًا؛ لأنها سرّحت 40 ألف موظف من الخدمة80. لكن البيانات تظهر أن ثمة مبالغة كبيرة في هذا الرقم منذ عام 2008؛ فالأرقام التي توردها هيئة التقاعد تشير إلى أن عددهم (4637)، وأنهم يتركزون في قوى الأمن. والحال أن الموظفين المسرّحين تمّت إحالتهم إلى التقاعد المبكر بحسب قرار بقانون رقم (1) لسنة 2008، مع حفظٍ كاملٍ لحقوقهم. وقد نص القانون على الإحالة إلى التقاعد مع الحصول على "صافي الراتب الحالي"81. كان الدافع وراء تسريحهم أبعد من تخفيف العبء المالي، وقد نبع من ضرورات "إصلاح" الأجهزة الأمنية. بعب ارة أخرى، فرضت الظروف المتعلقة بالصراع على السلطة التخلص من ميراث عرفات في الأجهزة الأمنية82. أمّا في عام 2017، فقد جرى "إغراء" موظفي الأمن بالحصول على التقاعد المبكر من خلال إصدار قرار بقانون رقم (9) لسنة 2017، يضمن للمتقاعد 70 في المئة من الراتب الخاضع للتقاعد (في التقاعد الاعتيادي يحصل على نسبة قريبة من ذلك). وفعل، ا تقدّم 14053 شخصًا (بإرادتهم) في عام 2017، ثمّ تبعهم 4176 شخصًا، للحصول على التقاعد المبكر، كم يوضح الجدول (1).
الجدول (1) المحالون إلى التقاعد من القوى الأمنية وسبب الإحالة (2019-2005)
| عجز صحي | وفاة | إحالة على المعاش | بناء على قرار ممن الرئيس | قرار بقانون للتقاعد المبكر | تقاعد مبكر | السنة |
|---|---|---|---|---|---|---|
| 106 | 1719 | 6 | 13 | 2005 | ||
| 283 | 346 | 4 | 12 | 2006 | ||
| 309 | 165 | 2 | 4 | 2007 | ||
| 1 | 84 | 22 | 4637 | 3 | 2008 | |
| 65 | 43 | 6 | 1 | 2009 | ||
| 4 | 58 | 47 | 3 | 2010 | ||
| 2 | 70 | 47 | 6 | 31 | 2011 | |
| 1 | 66 | 51 | 7 | 3 | 2012 | |
| 2 | 92 | 76 | 8 | 6 | 2013 | |
| 13 | 106 | 61 | 3 | 2014 | ||
| 3 | 85 | 95 | 8 | 2 | 2015 | |
| 1 | 92 | 74 | 8 | 11 | 2016 | |
| 84 | 71 | 22 | 14053 | 2 | 2017 | |
| 49 | 81 | 3 | 4176 | 2018 | ||
| 41 | 30 | 2 | 19 | 1 | 2019 | |
| 27 | 1590 | 2928 | 4725 | 18248 | 89 | المجموع |
الجدول (2) الموظفون المدنيون المحالون إلى التقاعد بحسب سبب الإحالة (2019-2005)
| عجز صحي | وفاة | إحالة على المعاش | إنهاء خمدمة | استقالة | قرار بقانون للتقاعد المبكر | تقاعد مبكر | السنة |
|---|---|---|---|---|---|---|---|
| 23 | 83 | 383 | 19 | 49 | 4 | 2005 | |
| 23 | 113 | 477 | 7 | 74 | 5 | 2006 | |
| 26 | 101 | 356 | 6 | 33 | 21 | 2007 | |
| 27 | 139 | 409 | 2 | 15 | 18 | 2008 | |
| 71 | 138 | 415 | 2 | 12 | 20 | 2009 | |
| 77 | 97 | 488 | 4 | 22 | 17 | 2010 | |
| 105 | 113 | 483 | 2 | 20 | 8 | 2011 | |
| 89 | 140 | 565 | 2 | 14 | 17 | 2012 | |
| 51 | 162 | 702 | 1 | 8 | 17 | 2013 | |
| 44 | 149 | 724 | 5 | 16 | 2014 | ||
| 57 | 105 | 784 | 1 | 44 | 12 | 2015 | |
| 53 | 107 | 796 | 1 | 8 | 30 | 2016 | |
| 121 | 110 | 787 | 10 | 5 | 324 | 45 | 2017 |
| 271 | 91 | 872 | 10 | 1 | 1463 | 163 | 2018 |
| 142 | 91 | 830 | 14 | 248 | 2019 | ||
| 1180 | 1739 | 9071 | 67 | 324 | 1787 | 641 | المجموع |
على الجانب الآخر، هل عملت السلطة، بوصفها بحسب الادعاء نيوليبرالية، على تقليص عدد الموظفين؟83في أثناء مراجعة البيانات التي نشرها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يتبين تزايد القوى العاملة في القطاع العام منذ قدوم حكومة فياض، وذلك على الرغم من تسريحها بعض الموظفين؛ فالسلطة، بعد عملية التسريح، ما لبثت أن وظّفت عددًا أكثر منهم، لتزداد نسبة العاملين بمقدار 2 في المئة من مجموع القوى العاملة. ويبين الجدول (3) عدم صحة الافتراض السائد بأنّ فياض عمل على تخفيض عدد الموظفين.
| مناطق ال 48 والمستعمرات | القطاع الخاص | القطاع العام | السنة |
|---|---|---|---|
| 9.3 | 68.2 | 22.5 | 2005 |
| 8.6 | 68.2 | 23.2 | 2006 |
| 8.9 | 68.4 | 22.7 | 2007 |
| 9.9 | 65.4 | 24.7 | 2008 |
| 10.1 | 64.9 | 25 | 2009 |
| 10.4 | 65.4 | 24.2 | 2010 |
| 9.8 | 67.5 | 22.7 | 2011 |
| 9.5 | 67.6 | 22.9 | 2012 |
| 11 | 65.6 | 23.4 | 2013 |
| 11.6 | 65.2 | 23.2 | 2014 |
| 11.5 | 66.2 | 22.3 | 2015 |
| 11.8 | 66.4 | 21.8 | 2016 |
| 13 | 65.6 | 21.4 | 2017 |
| 13.3 | 65.6 | 21.1 | 2018 |
| 13.2 | 66.1 | 20.7 | 2019 |
| 13.1 | 65.9 | 21 | 2020 |
| 14.1 | 65.8 | 20.1 | 2021 |
الجدول (3) التوزيع النسبي للعاملين بحسب القطاع (2021-2005)
أما القول إن السلطة عملت على خفض الإنفاق على الرواتب84، فينفيه جورج العبد، الذي يبين أن إجملي الرواتب والأجور في القطاع العام (إضافةً إلى مستحقات الموظفين) تعرّض لنمو مستمر حتى قارَب مجموع الإنفاق في هذا المجال ما نسبته 16 في المئة من الناتج المحلي الإجملي؛ أي أكثر من ضعف المتوسط في البلدان النامية85. وتشير البيانات الحكومية إلى أنّ الرواتب والأجور في تزايد مستمر، وأنها لم تنخفض سوى
في الفترات التي انقطعت فيها العوائد الضريبية، وعلى نحو ضئيل نسبيًا في السنوات التي صدر فيها قانون التقاعد المبكر في عامي 2008 و 2017. وهذا ما نتبيّنه في الجدول.)4(
الجدول (4) الأجور والرواتب
| الأجور والرواتب (بملايين الدولارات) | السنة |
|---|---|
| 1001 | 2005 |
| 658 | 2006 |
| 1369 | 2007 |
| 1770.8 | 2008 |
| 1467 | 2009 |
| 1563.1 | 2010 |
| 1679 | 2011 |
| 1557.7 | 2012 |
| 1813.8 | 2013 |
| 1899.6 | 2014 |
| 1759.5 | 2015 |
| 1927.2 | 2016 |
| 1953.6 | 2017 |
| 1657.8 | 2018 |
| 1677.6 | 2019 |
| 1890.9 | 2020 |
| 1988 | 2021 |
الشكل (3) الأجور والرواتب (بملايين الدولارات)
قبل حكومة فياض، كانت توجهات الإقراض في الضفة الغربية وقطاع غزة متحفظة جًّدًا. وبحسب حداد، التزمت حكومة فياض بتنفيذ السياسات النيوليبرالية، ولذلك عملت على تسهيل القروض البنكية86. ويشدد دعنا على أن الترويج للقروض له "تداعيات اجتمعية خطيرة، فهي تعزز ثقافة الاستهلاك، والاهتمم بالشواغل الشخصية على حساب الهم العام، كم تدفع الناس على نحو ممنهج، إلى التخلي عن القضايا الوطنية العامة، وتعزز اللامبالاة السياسية، وتضعف من التفكير الناقد لطبيعة النظام القائم"87. وقد روجت حكومة فياض للقروض، وبما يحقق الهدف السياسي من تسهيل القروض الذي أشار إليه دعنا، والذي نبّه إليه هارفي بقوله: "أصحاب المنازل المرهونة بالديون لا يضربون"88؛ فالأفراد المثقلون بالديون والقروض لا ي فكرون في معارضة السلطة القائمة! وقياسًا على الحالة الفلسطينية، ستوجد خشيةٌ من الفلسطينيين الغارقين في القروض من الانتفاض في وجه المحتلين أو السلطة الفلسطينية مخافة توقّف رواتبهم، التي يستندون إليها في تسديد قروضهم. لكن مقولة هارفي هذه، التي يؤكد دعنا على معناها، هي ذاتها ما كان أساس تفكير الرأسملية في ثلاثينيات القرن العشرين؛ أي قبل بروز الفكرة النيوليبرالية. وهذه الملاحظة تدفع، مع ما رصدناه من دلائل أخرى، إلى استنتاج مفاده أنّ فكرة إغراق الأفراد بالقروض لا ترتبط بالنيوليبرالية بقدر ما ترتبط بتدعيم الشبكة الزبائنية في الحكم النيوباتريمونيالي في السلطة الفلسطينية، من خلال ربط مصالح الأفراد باستمرار حالة "الهدوء" الأمني.
4. مأسسة السوق الحرة
تحاجّ ليندا طبر وعمر جعبري-سلامانكا بأنّ مشروع أوسلو يتأسس على سياسات نيوليبرالية، وعلى مبادئ السوق الحرة، حتى وصل الأمر إلى حد تقنين هذا التوجه في المادة 21 من القانون الأساس الفلسطيني89. ويعارض ذلك حداد الذي يؤكد أن "افتقار الأرض الفلسطينية المحتلة إلى السيادة السياسية، والتناقضات الأساسية في تطبيق الأنظمة المدنية والأمنية المختلفة عبر أجزاء مختلفة من جغرافيتها، يتناقض بشدة مع ادعاء 'السوق الحرة' أو قدرة الفلسطينيين على تنظيم شؤونهم"90. ويغفل بعضهم حقيقة تاريخية متمثلة في أن مبادئ السوق الحرة والتجارة الحرة قد جرى فرضها بقرار من منظومة الاستعمر الاستيطاني الإسرائيلي، ومع بداية الحكم العسكري الإسرائيلي لمناطق 196791. ومن ثم، فإن مبادئ السوق الحرة تضمر إقرارًا لشرط استعمري، تفرضه المنظومة الاستعمرية الإسرائيلية، وليست من "ابتداع" السلطة، أو حتى المانحين الغربيين. فضلًا عن ذلك، لا يعني وجود بند في القانون الأساس بالضرورة تطبيق هذا التوجه في الواقع؛ فبحسب القانون الأساس، يُفترض أن نظامَ الحكم في السلطة الفلسطينية "نظام ديمقراطي نيابي يعتمد على التعددية السياسية والحزبية"92، وهذا بعيد عن الواقع الحالي للسلطة الفلسطينية، الذي يعطل فيه مجلس النواب (المجلس التشريعي)، ويتفرد فيه الرئيس بجميع السلطات، دونما انتخاب. ويجدر التمييز كذلك ما بين تبني سياسة السوق الحرة وانتهاج نهج نيوليبرالي؛ ولا يكفي أنّ السلطة الفلسطينية تنتهج "بعض" السياسات النيوليبرالية لحسم وصفها بأنها سلطة نيوليبرالية؛ فالصين، على سبيل المثال، تتبنى بعض السياسات النيوليبرالية. ويشير هارفي إلى الإصلاحات الاقتصادية والخطاب المهمين في كثير من الدول، وفي مقدمتها الصين التي لم تعُد تخفي الخطاب النيوليبرالي، وخصوصًا في مرحلة ما بعد عام 1979، منذ أن اتخذ دينغ شياو بينغ الخطوات الأولى نحو تحرير الاقتصاد الصيني93. فهل يعني ذلك أنّ الصين نيوليبرالية؟ تجادل تيرنر بأنّ السياسات النيوليبرالية المتمثلة في تعزيز القطاع الخاص والاستثمر الأجنبي المباشر والأسواق المفتوحة، قد ساهمت في خلق شكل من أشكال التنمية التابعة في الأرض الفلسطينية المحتلة94. ويحاج حداد بأنّ الرؤية النيوليبرالية للتنمية تنظر إلى القطاع الخاص على أنه المحرك الأساسي لتعزيز السلام95. لذلك، يولي بناء الدولة (الفلسطينية) النيوليبرالية الأسبقية للنمو الذي يقوده القطاع الخاص96. وقد فضّل البنك الدولي النمو الذي يقوده هذا القطاع؛ لأنّ الاقتصادات المزدهرة اعتمدت أساسًا على هذا القطاع
نفسه97؛ وتماشيًا مع العولمة النيوليبرالية وروح "الشرق الأوسط الجديد"، يحدد الملحقان الثالث والرابع من إعلان المبادئ سلسلة من البرامج الاقتصادية لدعم عملية السلام، تشمل التعاون الإسرائيلي الفلسطيني في التمويل ل "تشجيع الاستثمر الدولي"، والتعاون من أجل "تشجيع التجارة المحلية والإقليمية"؛ ودراسات الجدوى من أجل "إنشاء مناطق تجارة حرة في قطاع غزة وإسرائيل"، مع "الوصول المتبادل إلى هذه المناطق، والتعاون في المجالات الأخرى المتعلقة بالتجارة"، وستركز العديد من برامج البنك الدولي، على نحو صريح، على تعزيز القطاع الخاص98. يرى حداد أنه ثمة فجوة بين الخطط المعلنة والواقع؛ فبسبب سياسات الاستعمر الاستيطاني الإسرائيلي القائمة على ترسيخ التبعية الاقتصادية، فشلت معظم الخطط الاقتصادية الهادفة إلى التنمية. وعلى سبيل المثال، تم اكتشاف الغاز الطبيعي قبالة ساحل غزة في عام 1999، وقد منحت السلطة رخصة استكشاف هذا الغاز إلى شركة بريتش غاز Gas British، مدتها 25 عامًا. لكن عمدت إسرائيل إلى إفشال هذا المشروع وعرقلته؛ ما أدى إلى انسحاب الشركة البريطانية من المفاوضات في عام 2007. وهذا مثال واضح دالّ على تدخّل إسرائيل في إفشال القطاع الخاص والاستثمر الأجنبي99. وقد دفع إفشال إسرائيل القطاع الخاص وعرقلته إلى مخاطبة الجرباوي المانحين بقوله: "خلصونا من الاحتلال وعوائقه؛ كي يعمل القطاع الخاص بحرية، ولا نريده متحكم "100. من هنا، يُقرّ حداد بفشل الخطط التنموية النيوليبرالية على أرض الواقع بقوله: "في حين أن بعض النخب الاقتصادية الفلسطينية قد استفادت، بلا شك، من حل النزاع النيوليبرالي وترتيبات بناء الدولة، تظل الأرض الفلسطينية المحتلة بيئة غير مشجعة للاستثمر الرأسملي، مع العديد من التعقيدات السياسية، وتكاليف المعاملات، والمخاطر وما إلى ذلك"101. عمومًا، تلاحظ المؤسسات الدولية أنّ ما يجري في مناطق السلطة لا يتوافق مع الخطط النيوليبرالية المعلن عنها، وفي مقدمتها تشجيع القطاع الخاص على حساب القطاع العام. وُيبُرز تقرير صادر عن البنك الدولي أنّ متوسط مساهمة الاستثمرات الخاصة في مناطق السلطة يصل إلى 15 في المئة من إجملي الناتج القومي102. وهي نسبة قليلة مقارنة بالنسبة التي تحققت في الدول المتوسطة الدخل، والتي تقدر ب 25 في المئة. علاوة على ذلك، وُِّجِه جزء كبير من الاستثمر الضئيل إلى التجارة الداخلية والتنمية العقارية، التي لا ينتج منهم أي توظيف كبير103.
5. المانحون والمساعدات الخارجية
ايُعَدّ القول إن المساعدات والمنح الغربية ظلت مشروطة بالتوجه نحو تبني السلطة النهج النيوليبرالي قول مردودًا عليه؛ إذ أنفق المانحون الدوليون أكثر من 40 مليار دولار أميركي منذ عام 1993 في شكل مساعدات أجنبية للفلسطينيين، الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة، استثمرًا في بناء "السلام الليبرالي"، وفيم بعد "الدولة"104. والهدف السياسي من هذه المساعدات (النيوليبرالية) هو "مكافحة التمرد" لدى الفلسطينيين، على نحو ما تؤكد عليه تيرنر؛ إذ ربطت الولايات المتحدة بعد هجمت 11 سبتمبر 2001 مساعداتها بغايات "الحرب العالمية على الإرهاب"، وقد أعاد الرئيس باراك أوباما Obama Barack تسميتها ب "عمليات مكافحة التمرد في الخارج"105. فالدول الغربية تعتقد أنّ "الازدهار الاقتصادي يقلل من استعداد الناس للقتال، ويساعد على التخفيف من احتملات نشوب النزاعات أو استمرارها أو تفاقمها، ويمكن أن يسهم على نحو فعّال في حل الأطراف المتصارعة الخلافات سلمًّيًا"106. يطرح حداد ما مفاده أنه يوجد "خيط أيديولوجي" داخل المساعدات الغربية، متمثل في دعوة المانحين إلى تنفيذ بعض المبادئ الأساسية للسياسة النيوليبرالية بوصفها أدوات لنزع فتيل الصراع العنيف. فاقتصاديات السوق الحرة من وجهة نظرهم مفيدة في دفع السلام الإسرائيلي - الفلسطيني إلى الأمام، وتخدم المصالح الجيوسياسية والجيوستراتيجية الغربية الحيوية أيضًا107. وتجتمع الجهات الفاعلة التنموية حول أجندات سياسية مشتركة. وعلى سبيل المثال، عملت الأمم المتحدة على دمج "الانتعاش الاقتصادي" في أجندة حل النزاعات ومنعها108؛ ما يدل على أن "إعطاء الأولوية لسلام السوق/ الاقتصادي على السلام الاجتمعي أو المدني هو ما يميز بناء السلام النيوليبرالي، وفي نهاية المطاف بناء الدولة النيوليبرالية عمومًا"109. وقد كان المانحون متمسكين بنظرة نيوليبرالية لحل النزاعات، وذهبوا نحو دمج الواقع الإسرائيلي الفلسطيني في الرأسملية العالمية ومقتضياتها الجيوسياسية على النحو الذي تحدده الولايات المتحدة110. لكن من الصعب القول بوجود علاقة سببية بين تبني النيوليبرالية وحل النزاع عبر "الانتعاش الاقتصادي"؛ فالأخير سياسة استعمرية قديمة تسبق وجود النيوليبرالية، وتظل مرتبطة بحسابات الربح والخسارة، وليس مرتبطًا بتصور اقتصادي بعينه. ويبدو أن الاستعمر الاستيطاني الإسرائيلي يعي هذا الدرس من إرث الاستعمر؛ إذ عمل على تحقيق قدر من الرخاء الاقتصادي في مناطق 1967، بهدف مجابهة المقاومة والتمرد المسلح111.
ويوضح شلومو غازيت ذلك بقوله: "الحرب الأكثر نجاعة ضد الأعمل التخريبية يمكن إنجازها عندما يرى العربي الفرد نفسه يخسر أكثر مم يستفيد، إذا لم يتصرف على نحو ملائم وإذا لم يسد الهدوء في المنطقة"112يؤسس القائلون بنيوليبرالية السلطة جدلهم على افتراضين؛ أولهم، أنّ مهندسي السياسة الاقتصادية في السلطة يخض عون في قراراتهم على نحو كّلي للجهات المانحة النيوليبرالية، وبخاصة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ولا يبدون أي اعتراض على توجيهاتها؛ وثانيهم، تصورهم أن التعامل مع الدول المانحة يجري ككتلة موحدة تتبنى السياسات والاشتراطات (النيوليبرالية) نفسها. وفي هذا الشأن، يشير علي الجرباوي، وهو مهندس خطة الإصلاح والتنمية الفلسطينية، إلى أنّ الخطة نابعة من الاحتياجات الفلسطينية قبل كل شيء، حتى إن توافقت مع بعض التوجهات الاقتصادية لبعض المؤسسات النيوليبرالية، ويتساءل في أثناء إعداد الخطة مع فريق يشمل ممثلي الوزارات المختلفة وبعض الخبراء الفلسطينيين: "ما هي أعلى فاتورة ستتكلفها الحكومة؟ وهل هنالك وسيلة لخفض الفاقد؟"113. وكانت الإجابة أن الفاتورة الأعلى بالنسبة إلى السلطة هي رواتب الموظفين، في حين يتركز الفاقد في صافي الإقراض؛ وذلك مع قناعة الجرباوي أن السلطة تستطيع العمل بكفاءة من خلال 100 ألف موظف، بدلًا من 160 ألف تستخدمهم في تلك الفترة، إلا أنّه انخرط في جدال مع البنك الدولي، حول تخفيض فاتورة الرواتب، رافضًا تخفيض عدد الموظفين؛ لأنّ القطاع الخاص لا يستطيع استيعاب الأعداد المتزايدة من العاطلين عن العمل، بسبب قيود الاحتلال114. في الإطار ذاته، يشير رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق رامي الحمد الله (2019-2013) إلى أنّ المحدد الأساسي في صياغة الخطط التنموية كان الضائقة المالية التي تمر بها السلطة115. ويعزز قوله حقيقة تناقص الدعم الخارجي للموازنة الفلسطينية منذ سنة 2010 بنسبة 70 في المئة116، وليس ضغو ط المانحين التي قد لا تنسجم مع توجهات الحكومة. ويضرب الحمد الله مث لًا على ذلك برفضه "نصيحة" البنك الدولي المتمثلة في رفع سن التقاعد من 60 إلى 65؛ لأنه يريد توظيف الخريجين الجدد117. ويؤكد تقرير البنك الدولي الصادر عام 2017 على ما أورده الجرباوي حين انتقد السياسات المالية للسلطة؛ إذ "تضخمت فاتورة الأجور بسبب مزيج من مستويات المكافآت والإثابات الأعلى بصورة جوهرية من القطاع الخاص بالنسبة إلى معظم الموظفين، والإفراط في التوظيف في قطاعات الأمن والصحة والتعليم، ويتّسم نظام المعاشات التقاعدية أيضًا ب 'سخاء' مفرط"118. يغفل المتحمسون لوصف السلطة بالنيوليبرالية تنوّع توجهات المانحين؛ فثمة 40 دولة و 12 مؤسسة دولية مانحة، تنقسم مساعداتها كلها إلى قسمين: قسم متعلق بالقضايا الإنسانية (حالات الطوارئ، وإعادة البناء،
والتأهيل، ومنع الكو ارث)، وقسم متعلق ب "بناء السلام" (الحوكمة، والتنمية، والبنية التحتية)119. واختلاف المانحين حال يظهره من أُجريت معهم اللقاءات؛ فالأوروبيون، على سبيل المثال، قسمن: المملكة المتحدة وألمانيا المؤيدتان لإسرائيل، في حين تبدو باقي الدول الأوروبية أكثر انتقادًا لسلوك إسرائيل. ويتجذر مثل هذا الاختلاف في تنوع الآراء والمصالح؛ ومن ثم ينعكس على اشتراطات المساعدات والمنح. يجدر بنا أن نأخذ في الحسبان أنّ معظم المساعدات قد ذهبت نحو البنية التحتية والبناء وإدارة المصادر المالية للسلطة. لكن بعد الانتفاضة الثانية حصل تحوّل نحو تخصيص الجزء الأكبر من الدعم للسلطة الفلسطينية؛ فقد حدث تحوّل بعد فوز حمس بالانتخابات نحو تبني الآلية الدولية المؤقتة لتوفير الرواتب، وقد جرت مأسستها فيم بعد عبر آلية "بيغاس"120؛ وذلك للمحافظة على إطار أوسلو، ولدعم عباس121. وهذا أمر يعزز القول إن هذه السياسة ساهمت في تدعيم الملمح النيوباتريمونيالي في السلطة. إضافة إلى المانحين من الدول، فإن البنك الدولي واضح في توجهه نحو تشجيع القطاع الخاص. أمّا الفاعل الآخر الذي تمثله الولايات المتحدة، فهو معني بشدة بموضوع الأمن، وقد حدد الكونغرس الأميركي، في تقرير أصدره، الأولويات المتوخاة من المساعدات التي تتمحور حول مَنْع الهجمت على إسرائيل، والحفاظ على "الاستقرار" والازدهار والحكم الذاتي الذي قد يقود إلى حل الدولتين، مع الاستمرار في توفير الاحتياجات الإنسانية. وفي الواقع، اهتم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بالأجهزة الأمنية التي تضطلع بمهمتين؛ أولاه م حمية قيادة السلطة، وثانيتهم توفير الأمن للإسرائيليين. فمهمة حفظ أمن الإسرائيليين منصوص عليها في الاتفاقيات الموقعة، مثل اتفاقية واي ريفر عام 1998122. ونستنتج من تقرير الكونغرس حول المساعدات أنه لم يكن من الأولويات لبَرلة الاقتصاد الفلسطيني بقدر ما كانت الأولوية هي الحفاظ على الأمن و"الاستقرار". وهذا قد يفسر لنا تقديم جانب الأمن والازدهار الاقتصادي، وتدعيم الشبكة الزبائنية في نظام الحكم النيوباتريمونيالي في السلطة الفلسطينية، في حال تعارضه مع الأجندة النيوليبرالية. يمكن هنا وضع مؤشر إضافي دالّ على عدم "توحد" المانحين؛ وهو موقف دولة إسبانيا، التي تبرعت - بحسب الجرباوي - لإنجاح خطة الإصلاح والتنمية ب 30 مليون دولار، وكانت حكومتها في ذلك الوقت ذات توجهات اشتراكية. وكانت الخطط الحكومية الاقتصادية قبل عام 2008 مبنية على ترتيبات ثنائية في تلقي دعم الدول المانحة؛ بمعنى أنّ مؤسسات السلطة تعمل، من خلال العلاقات الثنائية، على استدراج دعم ومنح للمشاريع التي تقدمها، وتصاغ الخطة الاقتصادية على هذا الأساس من دون رؤية أو أجندة سياسات وطنية. ونتيجة للعلاقات الثنائية، كنّا نجد مطالب متناقضة للجهات المانحة. فعلى سبيل المثال، دعا بعضها إلى تقليص عدد
الموظفين، في حين دعت أخرى إلى حل "الميليشيات" وتوظيف أفرادها في الأجهزة الأمنية (ما يعني زيادة عدد الموظفين). كل ما سبق يدفع إلى التساؤل: هل تملك السلطةُ قدرةً على تنفيذ برنامج تنموي في ضوء عدم امتلاكها أي حرية اقتصادية نتيجةً للاحتلال الإسرائيلي؟ يجيب الحمد الله بعد تجربة 6 سنوات في رئاسة ثلاث حكومات متعاقبة بقوله: "لا تنمية حقيقية في ظل الاحتلال [...] تنمية حقيقية بمعنى أن تصدر وتستورد. بصراحة لا أؤمن بأنّ حكومة الرئيس أبو عمر الله يرحمه، ولا حكومة الرئيس أبو مازن، ولا حكومة الأستاذ قريع، ولا حكومة الأستاذ هنية، ولا حكومة الأستاذ فياض، ولا حكومتي، ولا حكومة الدكتور اشتية، تستطيع الحديث عن تنمية حقيقية. وأعتقد أنّ أي شخص يتكلم عن تنمية حقيقية، فهو يتكلم عن ضرب من ضروب الخيال". ويشير الحمد الله إلى سيطرة إسرائيل على المعابر، والضرائب (المقاصة)، و 64 في المئة من أراضي الضفة الغربية (مناطق "ج" C)، وفصلها قطاع غزة فصلًا كلًّيًا ومحاصرته. وبشأن سيطرة إسرائيل على مكونات التنمية الحقيقية كالبنية التحتية والطاقة (الكهرباء) والمياه، وحتى الشوارع، يضيف الحمد الله: "لا يمكن تحقيق تنمية حقيقية؛ وإنما يمكن التركيز على الصمود والتسهيل على الناس حياتهم"، وحتى هذه المحاولات كانت تواجه بالعراقيل والمعوقات الإسرائيلية. ويضرب الحمد الله مث لًا مفاده أن حكومته قد بنت ثلاث محطات تحويلية لتقوية الكهرباء، وأنّ إسرائيل، وعلى الرغم من دفع الرسوم، لم تقم إلا بربط محطة واحدة. ويشير كذلك إلى محاولة حكومته إدخال بترول تبرعت به فنزويلا للسلطة، لكن ذلك اصطدم بالشروط الإسرائيلية (الموجودة في اتفاقية باريس) للسمح بدخول هذه المنحة، التي كان من شأن تطبيقها رفع تكلفة بترول المنحة المجاني لمستوى أعلى من سعر البترول الذي يجري شراؤه عبر إسرائيل.
خاتمة
بيّنت الدراسة حدودًا للمقولات التي تخلط بين الرأسملية وبين التبني الكامل للأيديولوجيا النيوليبرالية، وأظهرت أن سبب ذلك يكمن في تبني الدول بعض أجزاء الأجندة النيوليبرالية التي أصبح الانخراط فيها شرطًا للقبول في السوق الرأسملية العالمية، لكن يظل من غير المنطقي نسبة جميع الظواهر الاجتمعية إلى النيوليبرالية في محاولة للتنديد بها، في حين أن صلة هذه الظواهر بانتشار الأفكار النيوليبرالية ضعيف. والتتبع النقدي وقراءة البيانات والإحصاءات الرسمية والتعرف إلى آراء صانعي القرار يؤكد كلّه على أهمية التمييز بين العلاقة السببية والعلاقة الظرفية (الارتباطية) بشأن تبني السلطة للنيوليبرالية وربط ذلك بالنظام النيوباتريمونيالي؛ فالعلاقة محكومة بقوانين السببية، في حين تبقى العلاقة الظرفية مرهونة بالملابسات والظروف التي حكمتها، وقد تختلف ما بين سياق وآخر. فنيوليبرالية السلطة الفلسطينية لا تثبت بمجرد تلقيها مساعدات من دول ومؤسسات نيوليبرالية، وهو أمر غاب عن القائلين بنيوليبرالية السلطة الفلسطينية، ورتّب جملة من المغالطات المنطقية، نتيجة خلطهم بين السببي والظرفي.
أظهرت الدراسة خطأ متعلقًا بتصور السلطة الفلسطينية على أنها سلطة نيوليبرالية، وبيّنت تناقض قول القائلين بذلك، وخلطهم بين الدور الاقتصادي المتمشي مع أجندتها وبين إنشاء السلطة بهدف تأدية دور وظيفي يتمحور حول حمية الأمن والسيطرة على المجتمع بذريعة السعي لتحقيق السلام. وموطن التناقض كامن في إقرارهم بتبعية السلطة وعدم امتلاكها الحد الأدنى من السيادة والحرية؛ إذ كيف لكيان سياسي رازح تحت التبعية الاقتصادية للاستعمر الاستيطاني الإسرائيلي أن يتبنى سياسات نيوليبرالية وهو لا يملك من أمره شيئًا؟ فحتى لو أرادت السلطة تبني الأيديولوجيا النيوليبرالية، فهي لا تملك إمكانية إنجاز مثل هذا القرار. إضافة إلى ذلك، يغيب المنطق عن الافتراض القائل إنّ السلطة الفلسطينية ستتبنى الرأسملية المتوحشة ب "حلّتها" النيوليبرالية، وما يعنيه هذا من توسيعٍ للفجوة بين الفقراء والأغنياء، وانتفاءٍ للعدالة الاجتمعية، وهو ما قد يتسبب في تثوير المجتمع. فهذا الأمر - مع الدور الوظيفي للسلطة الفلسطينية وفلسفة الدول الغربية في تقديمها للمنح، القائم على تسكين المجتمع وعدم تثويره - يهدف إلى تحقيق الأمن سعيًا نحو "السلام المنشود". صحيح أنّ المساعدات والمنح الأجنبية تَرِدُ إلى السلطة الفلسطينية من دول غربية ذات توجّه نيوليبرالي، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنّ هذه الدول حريصة على تبني السلطة الفلسطينية الأجندة النيوليبرالية، وهو ما يبينه بجلاء تقرير الكونغرس الأميركي المشار إليه سابقًا. فالأولوية تبقى لحفظ "الاستقرار" و"التهدئة". أما تطبيق الأجندة النيوليبرالية، فلا مجال له إن كان سيتسبب في زعزعة الاستقرار؛ فهذا ليس من مصلحة السلطة الفلسطينية، وليس من مصلحة أيّ مانحٍ من المانحين الدوليين. وقد يقود تبني الأيديولوجيا النيوليبرالية إلى انفجار الأوضاع الاجتمعية، وهو ما يمكن تلمسه في ثورات الربيع العربي. وفي الحالة الفلسطينية، يتُرجم ذلك بثورة ضد المتسبب الرئيس في سوء الأوضاع الاقتصادية؛ وهو الاستعمر الاستيطاني الإسرائيلي. باختصار، تتبنى السلطة الفلسطينية التي تعيش على مساعدات ومنح من دول نيوليبرالية، نظامًا رأسمليًا مشوهًا، من خلال تبعية اقتصادية للاستعمر الاستيطاني، وهو يعول في وجوده واستقراره على الزبائنية؛ ومن ثمّ، فهي سلطة نيوليبرالية اسمًا فحسب؛ من دون نيوليبرالية حقيقية، ويصلح أن نطلق على اقتصادها السياسي مسمى "رأسملية نيوباتريمونيالية".
المراجع
العرب ية
اتحاد الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان). "موازنة المواطن". رام الله:.2017
بدر، أشرف. "النظام الأبوي في السلطة الفلسطينية". مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات. نيسان/ أبريل 2021. ف:ي https://bit.ly/3hqQTXB الترتير، علاء. "تصور جديد لنظم السياسة والحكم الفلسطينية". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 120 (خريف 2019).
جازيت، شلومو. العصا والجزرة: الحكم الإسرائيلي في الضفة الغربية. قبرص: مؤسسة بيسان، 1984.
الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. مسح القوى العاملة الفلسطينية التقرير السنوي 021: 2. رام الله: نيسان/ أبريل 2022:. في https://rb.gy/bcwrii الخالدي، رجا وصبحي سمور. "النيوليبرالية بصفتها تحررًا: الدولة الفلسطينية وإعادة بناء الحركة الوطنية". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد).2011(88
دعنا، طارق. "نحو اقتصاد سياسي لإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية". ورقة مقدمة في ندوة مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. الدوحة، 2015/11/15-14. ف:ي https://bit.ly/3jRIkXD طبر، ليندا [وآخرون]. نحو اقتصاد سياسي للتحرر: قراءات نقدية للتنمية في السياق الاستعمري. بيرزيت: مركز دراسات التنمية، جامعة بيرزيت،.2013
عبد الرازق، عمر. تقييم السياسات المالية للسلطة الوطنية الفلسطينية. رام الله: ماس،.2016
العبد، جورج. الاقتصاد الفلسطيني: الطريق إلى مستقبل أفضل. رام الله: ماس،.2016
عفانة، مؤيد. بند صافي الإقراض وأثره على عجز الموازنة وهدر المال العام. رام الله: مؤسسة أمان، 2017. فلسطين، وزارة التخطيط. "خطة الإصلاح والتنمية الفلسطينية."2008.2010
فوكو، ميشيل. يجب الدفاع عن المجتمع. ترجمة الزواوي بغورة. بيروت: دار الطليعة، 2003.
"قرار بقانون رقم (1) لسنة 2008 م بشأن تعديل قانون التقاعد العام رقم (7) لسنة 2005 م". الوقائع الفلسطينية. العدد.2008/6/15.75
"قرار بقانون بشأن الموازنة العامة لسنة 2021 ". ورقة موقف. الفريق الأهلي لدعم شفافية الموازنة العامة، أمان. نيسان/ أبريل 2021:. في https://bit.ly/3J2HIZf
"ما هو صافي الإقراض؟"، بوابة اقتصاد فلسطين، 2022/12/19:. في https://rb.gy/gmsm30
"المادة رقم 5 من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 م". الوقائع الفلسطينية. 2003/3/19.
مكتب المفوضية الأوروبية للمساعدات الفنية. "آلية بيغاس التابعة للاتحاد الأوروبي لخدمة السكان الفلسطينين." 2009/3/2:. في https://encr.pw/mdrxQ
العبرية
جازيت، شلومو. "الأراضي المستحوذ عليها: السياسات والأفعال". مجلة معرخوت. العدد 204 (كانون الثاني/ يناير 1970).
موندليك، يائير وجرشون آفني. تأثير التجارة الحرة مع الأراضي المستحوذ عليها على الزراعة الإسرائيلية. رحوفوت: مركز أبحاث الاقتصاد الزراعي، 1972.
الأجنبية
Biebricher, Thomas. "Neoliberalism and Authoritarianism." Global Perspectives. vol. 1, no. 1 (2020).
Centeno, Miguel & Joseph Cohen. "The Arc of Neoliberalism." Annual Review of Sociology. vol. 38 (2012).
Chomsky, Noam. Profit Over People. New York: Seven Stories Press, 1999.
"Correlation and Causation | Lesson." Khan Academy. 2022. at: https://bit.ly/3hOVGBV El Kurd, Dana. Polarized and Demobilized: Legacies of Authoritarianism in Palestine. Oxford: Oxford University Press, 2019.
Gallo, Ernesto. "Three Varieties of Authoritarian Neoliberalism: Rule by the Experts, the People, the Leader." Competition & Cha nge. vol. 26, no. 5 (2021).
Farskh, Leila. "Palestinian Economic Development: Paradigm Shifts Since the First Intifada." Journal of Palestine Studies. vol. 45, no. 2 (2016).
Filho, Alfredo & Deborah Johnston. Neoliberalism: A Critical Reader. London: Pluto Press, 2005.
Friedman, Milton. Capitalism and Freedom. Chicago/ London: The University of Chicago Press, 2002.
Haddad, Toufic. Palestine Ltd.: Neoliberalism and Nationalism in the Occupied Territory. London: I.B. Tauris, 2016.
Haecock, Roger (ed.). Political Transitions in Arab Word. Birzeit: Ibrahim Abu-Ludhod Institute of International Studies 'IALIIS', Birzeit University. 2002.
Hall, Peter & Michèle Lamont (eds.). Social Resilience in the Neoliberal Era. New York: Cambridge University Press, 2013.
Harvey, David. "The Urban Roots of Financial Crises: Reclaiming the City for Anti- Capitalist Struggle." Socialist Register. vol. 48 (2012).
Heydemann, Steven. "Upgrading Authoritarianism in the Arab World." Analysis Paper. no. 13. The Saban Center for Middle East Policy at the Brookings Institution (October 2007).
Heydemann, Steven. Networks of Privilege in the Middle East: The Politics of Economic Reform Revisited. New York: Palgrave Macmillan, 2004.
Kanafani, Nu'man & David Cobham. "The Economic Record of the World Bank and the International Monetary Fund in the West Bank and Gaza: An Assessment." Paper Presented in Proceedings of MAS's Annual Conference 2007. "Palestinian Economy: Forty Years of Occupation... Forty years of Arrested Development." Ramallah,
Ostry, Jonathan, Prakash Loungani & Davide Furceri. "Neoliberalism: Oversold?" Finance & Development. vol. 53, no. 2 (2016).
Smith, Nicola. "Neoliberalism." Encyclopaedia Britannica. 5/5/2024. at: https://bit.ly/2QaGUem Stacher, Joshua. Adaptable Autocrats: Regime Power in Egypt and Syria. Stanford, CA: Stanford University Press, 2012.
Tansel, Cemal Burak (ed.). States of Discipline: Authoritarian Neoliberalism and the Contested Reproduction of Capitalist Order. London/ New York: Rowman & Littlefeild, 2017.
Tartir, Alla, Tariq Dana & Timothy Seidel (eds.). Political Economy of Palestine: Critical, Interdisciplinary, and Decolonial Perspectives. Cham, Switzerland: Palgrave Macmillan, 2021.
The World Bank. "West Bank and Gaza Area C and the Future of the Palestinian Economy." Report no. AUS2922. 2013.
________. "Assistance Strategy FY18-21: The West Bank and Gaza." Report no. 115201-GZ. Turner, Mandy & Omar Shweiki (eds.). Decolonizing Palestinian Political Economy: De-development and Beyond. Houndmills: Palgrave Macmillan, 2014.
________. "Peacebuilding as Counterinsurgency in the Occupied Palestinian Territory." Review of International Studies. vol. 41, no. 1 (2015).
________ (ed.). From the River to the Sea: Palestine and Israel in the Shadow of "Peace". Lanham/ Boulder/ New York/ London: Lexington Books, 2019.
Williamson, John. "A Short History of the Washington Consensus." The Peterson Institute for International Economics (PIIE). 24/9/2004. at: https://bit.ly/3uEyTNK
Xin Lu & Elena Soboleva. "Personality Cults in Modern Politics: Cases from Russia and China." CGP Working Paper Series. no. 1. Center for Global Politics, Freie Universität Berlin (2014).
Ziadah, Rafeef. "What Kind of Palestinian State in 2011? Neoliberalism and World Bank Diktats." Global Research. 13/4/2010. at: https://bit.ly/2VBjcbF