العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تقديم

تقديم

Introduction

محمود حمد

الملخّص

ملخص: ارتأت دورية "حكامة" أن تتناول موضوع سياسات استقلال القضاء في البلدان العربية، وذلك بالنظر إلى أوجه القصور التي تشهدها منظومات العدالة العربية، بما في ذلك ضعف إدراك العلاقة المتشابكة بين مؤسسات العدالة وأدائها القضائي الناجز من جهة، وكفاءة الحكم من جهة أخرى. ويطرح سؤال الاستقلال تساؤلات فرعية أخرى، أهمها ما يخص تموضع القضاء في البنية الدستورية والتشريعية، وتنظيم القضاء وتأثيره في وضعية الاستقلال، وثقافة العمل القضائي والتنشئة المهنية للقضاة، فضلً عن حوكمة المنظومة القضائية، وضبط العلاقات داخلها، وكذلك بينها وبين مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية. ويتضمن الملف دراسة مقارنة ودراستين عن المغرب والأردن وورقة سياسات عن العراق.

Abstract

Abstract: Given the shortcomings of many Arab justice systems, Hikama chose to address the topic of judicial independence. These include a lack of understanding of the interconnectedness of justice institutions and their shortcomings, on the one hand, and the effectiveness of governance, on the other. The question of independence raises a number of sub-questions, the most important of which relate to the status of the judiciary within the constitutional and legislative framework, its organization and the impact of this on its independence, the culture of judicial work, and the professional development of judges. The governance and hierarchy of relationships within the judicial system, as well as the relationship between the judiciary and the executive and legislative institutions, are also significant. The special issue contains one comparative paper, two studies on Morocco and Jordan, and one policy paper about Iraq. They are presented from various viewpoints, providing a new perspective on the topic.

الكلمات المفتاحية:
  • استقلال القضاء
  • نظام العدالة
  • الفصل بين السلطات
  • السياسات القضائية
Keywords:
  • Judicial Independence
  • Justice System
  • Separation of Powers
  • Judicial Politics

يمثل القضاء الضمنة الأهم لحكم القانون وما يتصل به من حقوق وحريات، سواء خصت الفرد أم المجتمع. والحال أن النصوص القانونية بذاتها لا تشكل الفارق بين نظم الحكم الديمقراطية وتلك التي ترزح تحت براثن الاستبداد، بل يظل احترام ما نصت عليه هذه النصوص من حقوق وحريات، وما يستتبع ذلك من آليات فاعلة تضمن احترام سلطات الدولة لها، هو الفارق الأهم والأبرز. وقد عولت التقاليد الحديثة لحكم القانون على دور القضاء بوصفه حارسًا لتلك الحدود القائمة بين المؤسسات السياسية، وبينها وبين المجتمع وتنظيمته. والغاية هنا هي ألا تتغوّل المؤسسات بسلطتها على المجال المستقل للحريات السياسية والاقتصادية والاجتمعية، التي تضمنها الدساتير والتشريعات. ولعلنا، قبل أن نبيّ محتوى هذا الملف، نعرّج باختصار على بعض الجوانب النظرية للموضوع.

أولً: يف ماهية استقلال القضاء وأهميته

سيلمس المتتبع للدور السياسي للقضاء صعودًا كبيرًا لهذا الدور منذ النصف الأخير من القرن العشرين، فيم يمكن وصفه بالظاهرة العالمية؛ ذلك أن دولً عديدة قد شهدت هذا الصعود، على الرغم من تنوع تقاليدها القانونية وتاريخها التشريعي، والاختلاف في مستويات تطورها الاجتمعي والاقتصادي، وتباين نظمها السياسية. وثمة اتفاق بين الخبراء والسياسيين في عديد من الدول على أن القضاء قد أضحى، استنادًا إلى التأثير الكبير الذي يُحدثه في حياة الفرد والجمعة، سلطةً تقف على قدم المساواة مع السلطتين التشريعية والتنفيذية1. وأدى التوسع في دور السلطة القضائية إلى ازدياد أهمية ما تقوم به من أدوار ووظائف. وتمدنا المواثيق الدولية بالعديد من التفاصيل المهمة لتطور دور القضاء وتشكيله لمعيارية كونيةUniversal تعزز المتطلبات الأساسية للمجتمعات الناهضة، وعلى رأسها الحرية والتنمية والسلام والحكم الرشيد، وتظهر أهمية تمكين القضاة من الاضطلاع بأدوارهم2. وتفرع من هذا ما يتصل بالفصل غير المتحيز في النزاعات، والذي يعدّ الركيزة الأساسية لسيادة القانون، ويتسم بأنه ملمح ضروري لأي مجتمع سلمي واقتصاد مزدهر ونظام ديمقراطي. كذلك، فإن استقلال القضاء محدد أساسي لأي نظام قضائي يوصف بأنه فعّال؛ فهو ما يسمح للقضاة باتخاذ قرارات محايدة تعكس القانون والأدلة فقط، ويوفر أيضًا حمية للقاضي من أي مؤثر خارجي، سواء من مؤسسات الدولة أم من الرأي العام أم من جمعات المصالح وأصحاب الأعمل وغيرهم. يضمن الاستقلال تمتع القضاة، في حال الضرورة، بالقدرة على البت في القضايا، وإنْ بطرائق لا تروق الحكومات ووسائل الإعلام والرأي العام أحيانًا. ويعزز القضاء المستقل ثقة المواطنين بالنظام القانوني، بما ينفي الحاجة إلى تحقيق العدالة بأيديهم. ويرتبط مستوى الثقة بالمؤسسات القضائية باستقلالية الأنظمة القضائية وحياديتها وكفاءتها؛ فكلم تعززت استقلالية المحاكم، ازدادت الثقة بالمؤسسات القضائية.

  1. ينظر على سبيل المثال: Alec Stone Sweet, Governing with Judges: Constitutional Politics in Europe (Oxford: Oxford University Press, 2000); C. Neal Tate & Torbjorn Vallinder (eds), The Global Expansion of Judicial Power (New York: New York University Press, 1995); Ran Hirschal, Towards Juristocracy , The Origins and Consequences of the New Constitutionalism (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2004).
  2. United Nations, Office on Drugs and Crime, Commentary on The Bangalore Principles of Judicial Conduct (September 2007), p. 30, accessed on 9/4/2023, at: https://bit.ly/3nqPAhr

ليس استقلال القضاء غاية في حد ذاته، وإنما هو الضامن لممرسة حيادية للوظيفة القضائية، والمعزز لاحترام حقوق المتقاضين، والمكرس للثقة الشعبية بالنظام القضائي. ولا حاجة إلى بيان أن استقلال القضاء ليس امتيازًا للقضاة أنفسهم، بل هو متطلب ضروري للمواطنين، ليعيشوا في أمان ولتصان حرياتهم في إطار من حمية القانون. هو متطلب لجمهرة الشعب، لكنه أيضًا ضمنة ضرورية لأولئك الذين ينتقدون أداء السلطة. ومن المهم الإشارة إلى أن هناك آليات عديدة تضطلع بمهمة حمية استقلال القضاء، وهي تعمل في مستويات مختلفة. وفي هذا يميز أون م. فيس بين ثلاثة أبعاد للاستقلال3: الأول: الانفصال عن أطراف النزاع القضائي Party Detachment، وبما يعزل القاضي عن أي علاقة بالمتقاضين، أو أن يكون خاضعًا لسيطرتهم، أو يقع في مجال التأثير على أيّ نحو كان. بُعد الاستقلال هذا متجذر في فكرة الحياد التي تمثّل أساس العمل القضائي الحديث. ويسود الاعتقاد بين فقهاء القانون بأنه كلم ازدادت درجة الانفصال بين القاضي والأطراف المتقاضية، كان ذلك أفضل للعدالة؛ فالهدف إذًا هو خلق مسافة تمنع التأثر المفضي إلى الخلل لدى إصدار الأحكام، سواء المقصود منه أم العفوي. الثاني: الاستقلالية الفردية Individual Autonomy، التي تُعنى بتحييد العلاقات داخل الجهاز القضائي، على نحو يمنع وجود سلطة لأحد القضاة على آخر. هنا يميز فيس بين دور المحاكم العليا بوصفها محاكم استئناف، ودورها بوصفها مصدرًا للسوابق القضائية. إن وجود هذا التراتب والدور المرجعي لكليهم لا يتنافى مع مبدأ الاستقلالية الفردية. وما يحذر منه فيس هو تدخل قضاة المرتبة الأرفع في أعمل القاضي الفرد خلال نظره في القضية المعروضة أمامه4. الثالث: مبدأ الانعزالية السياسية Insularity Political؛ بمعني أن يكون القضاء مستقلً عن المؤسسات السياسية، وعن الرأي العام، وبخاصة إن كانت مؤسسة من مؤسسات السلطة التنفيذية طرفًا في التقاضي. ويكمل هذا المبدأ مسألة عدم تحزب القضاة. ويظل هذا المبدأ مطلوبًا، حتى عندما تكون القضية كلّها بين أطراف خاصة وغير رسمية. ولذلك ينبغي النظر إليه على أنه شرط منفصل. ويجد هذا البعد أساسه في طبيعة الوظيفة القضائية، وفي التزام القضاة بتحقيق العدالة، وليس اختيار أفضل السياسات العامة أو مملأة تفضيلات الرأي العام. يعني رمز العدالة، المتمثّل في سيدة العدالة حاملة الميزان معصوبة العينين، أن يستمع القاضي إلى الحجج والمبررات التي تعرضها الأطراف المتنازعة من دون أن يكون عرضة لأي تأثير سياسي. ويلفت فيس النظر إلى أمرين: أولهم أن استقلال القضاة والقضاء في النظم الديمقراطية ليس مطلقًا بلا حسيب أو رقيب، وإنما هو نسبي، وغايته تحقيق درجة من العزلة السياسية، لا تعفي القضاة من الالتزام بالقواعد التي تضعها الأغلبية المنتخبة ديمقراطيًّا في مؤسسات الدولة. ولهذا السبب بالذات، يجب ألا تكون العزلة السياسية للقضاة داخل نظام ديمقراطي عزلةً مطلقة. وعلى الرغم من افتراض أن الاستقلال هو

  1. Owen M. Fiss, "The Limits of Judicial Independence," The University of Miami Inter-American Law Review , vol. 25, no. 1 (Fall 1993), pp. 57-76.
  2. وبالطبع فخطر تأثير قضاة المرتبة الأرفع درجة في أحكام زملائهم الأدنى مرتبة يتعاظم في الدول التي تأخذ بنظام القانون المدني، حيث يجري تعيين القضاة جميعًا في أدنى درجات السلم القضائي، ويكون ترقيهم وتقدمهم الوظيفي رهين التقييم السنوي الذي يعده رؤساؤهم أو جهاز التفتيش القضائي. أما في الدول التي تأخذ بنظام القانون العام كبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، حيث يجري تعيين القضاة من بين صفوف المحامين المخضرمين وعادة ما لا ينتقلون إلى محاكم أخرى، فإن احتمالات التأثير أو التوجيه المباشر أو غير المباشر تقل خطرًا واتساعًا.

إحدى الفضائل الجوهرية للسلطة القضائية، فإن الإفراط في الاستقلال قد يكون أمرًا سيئًا؛ فالمأمول هو عزل القضاء عن السلطة السياسية ومؤسساتها التنفيذية كم أكد فيس. لكن في الوقت نفسه، تبقى بعض مناحي السيطرة السياسية مطلوبة. لذا، من المهم أن يضمن التصميم الدستوري الموازنة بين قيمتَي الاستقلال القضائي والسيادة الشعبية5. أما الأمر الثاني، فيشير فيه فيس إلى أن الاستقلال أمر نسبي من جهة أخرى؛ إذ لا يحتاج النظام السياسي المستحدث إلى احترام النظام القضائي الذي أنشأه النظام السابق له، وبخاصة إذا ما كان النظام المنصرم تسلطيًّا6. يرتبط تحليل فيس بالتمييز بين الاستقلال الداخلي والخارجي؛ حيث يشير الاستقلال الخارجي إلى استقلال القضاء عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، وكذلك عن أي أطراف أخرى غير قضائية. والقول بالاستقلال لا يتنافى مع التعاون والتكامل بين سلطات الدولة7، بشرط ألا تتعارض هذه العلاقات مع حرية القضاء في الفصل في النزاعات الفردية وفي حمية دولة القانون وقيم الدستور. أما الاستقلال الداخلي فيتمحور حول تلك الضمنات التي تهدف إلى حمية القضاة الأفراد من مظاهر الضغط غير المبرر من داخل القضاء ذاته، أي من القضاة الآخرين، وبصفة خاصة من القضاة رفيعي المستوى. ولا يتعارض هذا أيضًا مع السلطة الإشرافية التي يمارسها كبار القضاة على إدارة المحاكم (اعتمدًا على تنظيم النظام القضائي)، وبشرط ألا يؤثر ذلك البتة في جوهر عملية إصدار الأحكام. وتجدر الإشارة إلى أن ثمة تمييزًا بين نوعين من أنواع الاستقلال القضائي، أولهم الاستقلال القانوني jure de وثانيهم الاستقلال الفعلي facto de. ففي العادة يجري قياس الاستقلال بحكم القانون من خلال مؤشرات موضوعية، كالأمان الوظيفي، وإجراءات التعيين، واستقلالية الميزانية، وسلطات وتشكيل المجالس القضائية. أما الاستقلال الفعلي فله وجهان، هو من جهة ينصبّ على انعدام الضغوط على القضاة لحل القضايا بطريقة معيّنة، ومن جهة أخرى يتصل بمبدأ انصياع الفاعلين السياسيين لتلك القرارات حتى عندما يفضلون عدم الامتثال لها. وفي هذا السياق، يجدر بنا ذكر صعوبة قياس المفهومين؛ فقد يبدو اتخاذ القرار مستقلً، ولكن يحدث التلاعب من المنبع في عملية توزيع القضايا، أي بإساءة استخدام سلطة إدارة المحكمة في توزيع القضايا على القضاة، من جراء منح القضايا لقضاة بعينهم يمكن التأثير فيهم أو تتمشى آراؤهم مع النتائج المرجوة. من هنا تبرز فكرة القاضي الطبيعي التي ترتكز على عدم تعيين قاض بعينه أو دائرة بعينها لشخص أو قضية بعينها8. ويمكن التمييز كذلك بين الاستقلال المؤسسي والاستقلال الفردي؛ ففي حين يرتبط الاستقلال المؤسسي بالترتيبات البنيوية والقانونية التي تعتمدها الدولة دستوريًّا وقانونيًّا لحمية القضاة من الضغط والتأثير

  1. ربما قد تبدو هذه الملاحظة نظرية إلى حد بعيد فيما يتعلق باستقلال القضاء في الوطن العربي، ولكن تجربة العراق منذ عام 2003 دالة في هذا الصدد. ينظر دراسة فراس مكية في هذا الملف.
  2. طبقًا لهذا المفهوم، فقد كان من الممكن لنظم المنطقة العربية، التي شهدت تحولات منذ عام 2011، أن تقوم بعزل بعض القضاة الذين عينتهم النظم المستبدة السابقة - ممن ثبت أنهم تورطوا في محاباة النظام – من دون أن يكون ذلك عصفًا بمبدأ استقلال القضاء. ويبدو أن الكثير من السياسيين والقانونيين لم ينتبهوا لهذا المبدأ، ومن ثمّ لم يحدث هذا العزل في أي دولة عربية باستثناء العراق.
  3. في الولايات المتحدة، مثلً، فإن جميع القضاة الفيدراليين يرشحهم الرئيس ويصادق عليهم مجلس الشيوخ، ولا يعدّ ذلك تدخلً في عمل القضاء. كما تقوم السلطة التشريعية بإنشاء المحاكم، ولا يعد هذا أيضًا تدخلً في عمل القضاء.
  4. ومن ذلك ما جرت عليه العادة في عديد من الدول العربية من إحالة المدنيين إلى محاكم عسكرية تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة، أو إنشاء محاكم لأمن الدولة أو دوائر للإرهاب تحال إليها قضايا أو أشخاص بذواتهم.

غير المبررَين، ومن ذلك ما يتصل بطريقة تعيين القضاة وتقييمهم وتأديبهم وحوكمة القضاء وإدارة المحاكم، فإن الاستقلال الفردي للقضاة ينصب على حالة القضاة الذهنية وسلوكهم المهني، والذي يعتمد – من بين أمور أخرى – على التنشئة الاجتمعية المهنية وعلى الطريقة التي استوعبوا بها قيم المهنة. وعلى الرغم من أن الاستقلال المؤسسي شرط ضروري للاستقلال الفردي، فإن المفهومين مختلفان. ومن نافلة القول إن كلا البعدين ضروريان. فالواجب أن يكون كل من القاضي الفردي والمحكمة مستقلين، وأن تعترف الدولة والقوى الفاعلة في المجتمع بهذا الاستقلال، وأن تحترمه. ربما يمتلك القاضي الفرد تلك الحالة الذهنية المستقلة كحال كثير من عظمء القضاة في تاريخنا العربي، ولكن في حال كانت المحكمة التي يعمل بها غير مستقلة فيم هو ضروري لوظائفها عن الفروع الأخرى للحكومة، فإن هذا القاضي لن يكون من ثمّ مستقلً. من ناحية أخرى، فإن النصوص الدستورية والقانونية لاستقلال القضاء لا تفضي تلقائيًّا إلى إنشاء سلطة قضائية مستقلة أو الحفاظ عليها. وقد حظي موضوع استقلال القضاء باهتمم بالغ من عدد من المنظمت الدولية والإقليمية. فقد أصدرت مفوضيّة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان مبادئ أساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، نصت فيها على أن "تكفل الدولة استقلال السلطة القضائية وينص عليه دستور البلد أو قوانينه. ومن واجب جميع المؤسسات الحكومية وغيرها من المؤسسات احترام ومراعاة استقلال السلطة القضائية"9. وأكدت المبادئ كذلك حق القضاة في ممرسة الحق في حرية التعبير وتكوين الجمعيات، وعددت الضمنات المهنية التي يجدر أن يتمتع بها القضاة. وتوسعت مبادئ بنغالور للسلوك القضائي في بحث الموضوع10، وأشارت هذه المبادئ التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى أهمية استقلال القضاء ودوره، وأكدت مجموعة من القيم الحاكمة للسلوك القضائي، أهمها: الاستقلالية، والحياد، والنزاهة، واللياقة، والمساواة، وأخيرًا الاختصاص والحرص. ولفتت مبادئ بنغالور إلى أنه "نظرًا لطبيعة المنصب القضائي، يجب أن تعتمد السلطات القضائية الوطنية تدابير فعّالة لتوفير الآليات اللازمة لتنفيذ هذه المبادئ إنْ لم تكن هذه الآليات موجودة بالفعل في ولاياتها القضائية"11. وفي القارة الأوروبية، اهتمت لجنة البندقية اهتممًا بالغًا بموضوع استقلال القضاء12، وأشارت إلى أهمية وضع المبادئ الأساسية التي تضمن استقلال القضاء في الدستور أو النصوص الممثلة. واهتمت بتحديد قواعد موضوعية لاختيار القضاة ترتكز على الكفاءة المهنية. ولفتت اللجنة الانتباه إلى تنوع أنظمة التعيينات القضائية وأنه لا يوجد نموذج واحد يمكن تطبيقه على جميع البلدان13. وعلى الصعيد العربي، تعددت

  1. الأمم المتحدة، مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، "مبادئ أساسية بشأن استقلال السلطة القضائية"، شوهد في 2023/3/26، ف:ي https://bit.ly/40FWcqA
  2. الأمم المتحدة، مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، مبادئ بنغالور للسلوك القضائي (فيينا: 2019)، شوهد في 2023/4/9، ف:ي https://bit.ly/3lOeEhR
  3. المرجع نفسه، ص.17
  4. المفوضية الأوروبية للديمقراطية من خلال القانون -" والمعروفة باسم لجنة البندقية - هي هيئة استشارية لمجلس أوروبا بشأن المسائل الدستورية. تتألف اللجنة من 61 دولة عضوًا إضافة إلى 4 أعضاء بصفة مراقب. وتتمثل مهمتها الأساسية في تقديم النصائح القانونية للدول الأعضاء، وفقًا للمعايير والخبرة الدولية في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون.
  5. The European Commission for Democracy Through Law (The Venice Commission), Report on the Independence of the Judicial System , Part I: The Independence of Judges (March 2010), p. 7, accessed on 9/4/2023, at: https://bit.ly/40mfPE6

المبادرات المعنية باستقلال القضاء، ومن ذلك مؤتمر العدالة العربي الأول المنعقد تحت عنوان "القضاء في المنطقة العربية وتحديات القرن الحادي والعشرين" (1999)، وصدر عنه ما عُرف بإعلان بيروت للعدالة، الذي عدّد ضمنات استقلال السلطة القضائية، ومن ذلك: ضمن موازنة مستقلة للسلطة القضائية تدرج بندًا واحدًا بموازنة الدولة، بناء على اقتراح المجالس القضائية العليا بالجهات القضائية المعنية، وضمن استقلال هيئات التفتيش القضائي، واعتبار الادعاء العام شعبة من شعب السلطة القضائية، وفصل السلطة التي تباشر هذا الادعاء عن سلطتي التحقيق والإحالة14. وعلى المنوال ذاته سار إعلان القاهرة حول دعم استقلال القضاء وتعزيزه في عام.2003

ثانيًا: محتويات الملف

يشتمل ملف سياسات استقلال القضاء على ثلاث دراسات وورقة سياسات. يقدم كاتب هذا التقديم في دراسته المعنونة "استقلال القضاء في الوطن العربي: مؤسسات الرقابة الدستورية والمجالس القضائية العليا، " تحليلً مقارنًا لحال استقلال القضاء في الوطن العربي باستخدام مؤشرات كمية وكيفية. وتركز الدراسة على درجة استقلال مؤسسات الرقابة على التشريعات في الوطن العربي، وكذلك تشكيل المؤسسات القضائية العربية. وقد انتهى الباحث إلى القول بوجود العديد من التناقضات بين الأهداف التي تشكل بموجبها هذه المؤسسات وواقع الممرسة. وأظهرت عدة حالات أن الظروف السياسية لم تمكّن المؤسسات القضائية من القيام بدورها في تقييد السلطة، بل في أحيان عدة جرى استخدام هذه المؤسسات لأغراض تتعارض مع استقلال القضاء وحكم القانون. ولذلك فإن تحقيق الاستقلال القضائي بصورة كاملة ومستدامة رهين بتحول عميق في بنية السلطة في دول ما بعد الاستعمر. ويقدم أحمد مفيد في دراسته المعنونة "استقلال السلطة القضائية في المغرب: الضمنات الدستورية وواقع الممرسة وآفاقها" تحليلً قانونيًّا لوضع السلطة القضائية في الدستور المغربي لعام 2011 والقوانين ذات الصلة. ويبحث في التغيرات الهيكلية في بنية هذه السلطة، والتي تمثلت في الاعتراف بسلطة قضائية تدير أمورها هيئة مستقلة، فضلً عن إنشاء محكمة دستورية. ثم يتناول الباحث الضمنات القانونية المتعلقة بانتقاء القضاة وتكوينهم ونقلهم وتأديبهم وأثر ذلك في استقلالهم. ويشير الباحث إلى موضوع أجور القضاة ومدى كفالتها لمستوى معيشي لائق. وينتهي إلى تحديد مجموعة من التوصيات لترسيخ استقلال القضاء والقضاة من أهمها: تعديل تشكيل المجلس الأعلى للقضاء ليشمل المحامين، ورفع مرتبات القضاة لتحصينهم ضد مغريات الفساد، وتوفير الضمنات والحصانات الضرورية للقضاة المنتخبين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية بعد نهاية مهمتهم به بما يعزز استقلالية قراراتهم أثناء مدة انتدابهم، وإنشاء مجلس الدولة بصفته كيانًا متخصصًا ومستقلً للتقاضي الإداري. ويبحث خالد الشنيكات في دراسته "استقلال السلطة القضائية في الأردن: النصوص والسياسات والتحديات" التطور القانوني لاستقلال القضاء في الأردن. وقد مهّد الباحث بتناول استقلال السلطة القضائية في ضوء الدستور الأول للمملكة عام 1952، ثم استعرض الإطار التشريعي للسلطة القضائية في ضوء ذلك الدستور، وسلّط الضوء على المبادرات التي ساهمت في تعزيز استقلال القضاء. وأتبع ذلك بتحليل مُفصل لاستقلال

  1. القضاء في المنطقة العربية وتحديات القرن الحادي والعشرين"، منتدى المحامين العرب، 2005/11/16، شوهد في 2023/3/27، ف:ي https://bit.ly/3KbZufC

السلطة القضائية في ضوء التعديلات الدستورية لعام 2011. وانطلاقًا من ذلك، رك ز على استعراض التنظيم القانوني للمجلس القضائي، وتناول في المبحث الأخير أشكال التأثير التي تمارسها السلطتان التنفيذية والتشريعية في عمل القضاء والقضاة. وفي خاتمة الدراسة، لخص الباحث التحديات التي تواجه استقلال القضاء، ومنها: غياب مفهوم السلطة القضائية الموحدة، وغياب الهيكل التنظيمي والإطار المؤسسي لعمل السلطة القضائية، وتأسيس محاكم لا تتبع السلطة القضائية أو تسيطر عليها السلطة التنفيذية، وعدم انسجام قوانين التنظيم القضائي مع الضمنات الدستورية لاستقلال القضاء. وانتهى الباحث إلى جملة من التوصيات التي تستهدف تعزيز استقلال السلطة. وختامًا، يعرض فراس مكية، في ورقة السياسات المعنونة "السلطة القضائية في العراق: إشكاليات الاستقلالية غير المقيدة"، وضع استقلال القضاء في العراق بعد عام 2003. والحالة العراقية كم يشير الباحث بحق جديرة بالدراسة لما تثيره من إشكالية الاستقلال والمساءلة؛ لكون استقلال القضاء في بلاد الرافدين يختلف جوهريًّا عن حال بقية الدول العربية. وتقدم حالة القضاء العراقي مث لً على مخاطر الاستقلال المؤسسي غير المنضبط. ولإبراز حجم الاختلاف في بنية السلطة القضائية العراقية وعمقه، يقارن الباحث بين واقع استقلال القضاء في الدولة العراقية الأولى 2003-1921 حين خضع القضاء لهيمنة السلطة وما بعد عام 2003 حينم تحول القضاء من التبعية (أي من مؤسسة قضائية) إلى حالة الاستقلال (سلطة قضائية). وبيّ الباحث أبعاد تسييس القضاء في مقابل استقلاليته، بما جعله غير مسؤول وغير خاضع لرقابة السلطات الأخرى أو محاسبتها، وفرض هذا الحال مفهومًا ضيّقًا لاستقلالية القضاء. ويقترح الباحث إعادة تصميم البنيان الدستوري والقانوني للسلطة القضائية في العراق بما يضمن استقلاليتها من جهة وتوازنها مع بقية السلطات من جهة أخرى، ولضمن عدم نشوء سلطات مطلقة داخل كل سلطة تفسح المجال للفساد أو احتكار السلطة بيروقراطيًّا. والأمل أن تكون هذه الدراسات فاتحة لمزيد من البحوث التي تتناول حالات عربية أخرى، ومدخلً للاهتمم بموضوعات أخرى ذات صلة بإدارة مرفق القضاء وسياسات تحديثه وتطويره وتعزيز درجة استقلاله.

المراجع

العربية

الأمم المتحدة، مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان. "مبادئ أساسية بشأن استقلال السلطة القضائية". ف:ي https://bit.ly/40FWcqA

الأمم المتحدة، مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة. مبادئ بنغالور للسلوك القضائي. فيينا: 2019:. في https://bit.ly/3lOeEhR

الأجنبية

Fiss, Owen M. "The Limits of Judicial Independence." The University of Miami Hirschal, Ran. Towards Juristocracy , The Origins and Consequences of the New Constitutionalism. Sweet, Alec Stone. Governing with Judges: Constitutional Politics in Europe. Oxford: Tate, C. Neal & Torbjorn Vallinder (eds). The Global Expansion of Judicial Power. New York: The European Commission for Democracy Through Law (The Venice Commission). Report on the Independence of the Judicial System , Part I: The Independence of Judges

United Nations, Office on Drugs and Crime. Commentary on The Bangalore Principles of Inter-American Law Review. vol. 25, no. 1 (Fall 1993).

Cambridge, MA: Harvard University Press, 2004.

Oxford University Press, 2000.

New York University Press, 1995.

(March 2010). at: https://bit.ly/40mfPE6

Judicial Conduct (September 2007). at: https://bit.ly/3nqPAhr