العودة إلى تفاصيل المؤلَّف استقلال القضاء في الوطن العربي: مؤسسات الرقابة الدستورية والمجالس القضائية العليا

استقلال القضاء في الوطن العربي: مؤسسات الرقابة الدستورية والمجالس القضائية العليا

Judicial Independence in the Arab World: Judicial Review Institutions and High Juridical Councils

محمود حمد

الملخّص

ملخص: يعد استقلال القضاء إحدى السمت المميزة للنظم السياسية الحديثة. وعلى الرغم من ذلك، فإن ثمة ندرة في الدراسات العربية المعنية بهذا الموضوع. تحاول هذه الدراسة إلقاء الضوء على حالة استقلال القضاء في الوطن العربي، وترتكز على البحث في مدى استقلال مؤسسات الرقابة على التشريعات والمجالس القضائية العليا؛ ذلك أن الأولى تؤدي دورًا محوريًا في ترسيخ مبدأ سمو الدستور، بينم تؤدي الأخرى دورًا أساسيًا في إدارة العدالة. وقد خلصت الدراسة إلى أن هذه المؤسسات، على الرغم من إنشائها في الدول العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال، لم تكن دليلً على تنمية سياسية حقة. ففي الغالب، حاولت أنظمة الحكم إنشاء هياكل تحاكي مثيلاتها في الديمقراطيات شكليًا، لكن من دون منحها استقلالً يمكنها من أداء وظائفها. وعمل كثير من هذه الأنظمة على إخضاع المجالس القضائية العليا ومؤسسات الرقابة على التشريعات (محاكم دستورية، ومحاكم عليا، ومجالس دستورية). وتمثل أبرز مظاهر ذلك في إصرار السلطة التنفيذية على التحكم في عملية تشكيل هذه المؤسسات.

Abstract

Abstract: The independence of the judiciary is a crucial aspect of any modern political system. In the Arab world, however, there are few studies investigating this issue. This paper aims to shed light on the current state of judicial independence in the Arab world. It concentrates on two significant institutions: institutions of judicial review and high judicial councils. The first is essential for guaranteeing the supremacy of the constitution, while the second is essential for the administration of justice. Unfortunately, while the establishment of these institutions is typically viewed as a sign of political development, this has not been the case in the context of post-colonial Arab states. In most instances, political regimes have attempted to create institutions that imitate those of democracies without permitting the independence required to carry out their intended functions. Numerous Arab governments have endeavored to subjugate high judicial councils and institutions of judicial review to their authority. This is most evident in the executive branch's unwillingness to abdicate control over such institutions.

الكلمات المفتاحية:
  • استقلال القضاء
  • الرقابة على التشريعات
  • مجلس القضاء الأعلى
  • المحكمة الدستورية
  • المجلس الدستوري
  • المحكمة العليا
  • الدول العربية
Keywords:
  • Judical Independence
  • Judicial Review
  • High Judicial Council
  • Constitutional Court
  • Constitutional Council
  • Supreme Court
  • Arab states

مقدمة

يعدّ استقلال القضاء أحد أهم المواضيع القانونية - السياسية التي تؤثر في الدولة والمجتمع. وعلى الرغم من ذلك، فإن تقديم دراسة تبين حال استقلال القضاء في الدول العربية، باستخدام مؤشرات كمية وكيفية، قد غاب بصورة شبه كاملة، سواء في الدراسات القانونية أو السياسية باللغة العربية أو باللغات الأجنبية1. تحاول هذه الدراسة أن تسهم في تجسير هذه الفجوة البحثية، وأن تفتح طرقًا جديدة في موضوع أحسبه شديد الأهمية لمستقبل الدولة والمجتمع والمواطن في الدول العربية. وتقدّم تحليلً لعلاقة السلطة بالقضاء في الوطن العربي، بهدف وضع القضاء ضمن العملية الأوسع للتفاعل السياسي. وتطرح، كغيرها من الدراسات المتعلقة بعملية الدمقرطة، تساؤلين: أولً، لماذا تؤسس الدول الأوتوقراطية مؤسسات شبيهة بتلك التي تتبناها الديمقراطيات؟ ثانيًا، ما تأثير هذه المؤسسات في السلطة والمجتمع؟2 بعبارة أخرى، لماذا أسست الأنظمة غير الديمقراطية في دول ما بعد الاستعمر مؤسسات للرقابة على التشريعات ومؤسسات حاكمة للقضاء؟3 وما أثر هذه المؤسسات في القضاء والقضاة، والدولة والمجتمع، والسلطة والفرد؟ تتبنى هذه الدراسة مدخل المؤسسية التاريخية الجديدة Institutionalism Historical New، الذي يعدّ، في اعتقاد الباحث، المدخل الأنسب لفهم وجود هذه المؤسسات التي يُفترض أن تُعلي من حكم القانون داخل البيئات الاستبدادية، فضلً عن التفاعلات بين السلطة والقضاء. وكم جادل بول بيرسون وثيدا سكوكبول، فإنه "غالبًا ما تأتي المشكلات، التي تهمّ المؤسسية التاريخية، من تحديد الاختلافات غير المبررة في العالم الحقيقي أو من إدراك أن الوقائع تتعارض مع الاتفاق الأكاديمي والشعبي السائد"4، مثل وجود مؤسسات قضائية مستقلة في بنية نظم غير ديمقراطية. تهتم المؤسسية التاريخية الجديدة بالروابط والتفاعلات بين القانون والمحاكم والمؤسسات السياسية والاجتمعية الأخرى. وقد حدد هوارد جيلمن وكورنل كلايتون أسس هذا المدخل، مشيرَين إلى أن المؤسسية التاريخية تسعى للتأكيد على الروابط "التي تربط المحاكم والقضاة عمومًا بالثقافة والمجتمع"5. يميل رواد المؤسسية التاريخية إلى الاهتمم بوضع القضاء والقانون في سياق اجتمعي وفكري أوسع يشكّل مسار القانون، ويساعد في تحديد المعنى القانوني للنصوص والأحكام والسياسات. في حين يقترح رواد المؤسسية التاريخية الجديدة تحليلً على المستوى الكلي لعملية صنع القرار داخل النظام السياسي الذي يتضمن اهتممًا بالتاريخ، والتطور المؤسسي والتفاعل، والسياقات الاقتصادية والاجتمعية، فضلً عن العلاقة بين الأفكار والمؤسسات6.

  1. اهتمت غالبية الدراسات بدولة، أو في أفضل الأحوال بمجموعة قليلة من الدول، ومن بينها الدراسات التي قدّمها ناثان براون وتامر مصطفى وكلارك لومباردي وغيرهم. وللأسف، فإن قلة من الباحثين العرب قد اهتمت بدراسة القضاء من منظور العلوم السياسية، وليس التحليل القانوني المحض.
  2. Howard Gillman & Cornell Clayton (eds.), The Supreme Court in American Politics: New Institutionalist Interpretations (Lawrence: University Press of Kansas, 1999), pp. 3-4.
  3. Elizabeth Sanders, "Historical Institutionalism," in: Sarah A. Binder, R. A. W. Rhodes & Bert A. Rockman (eds.), The Oxford Handbook of Political Institutions (Oxford: Oxford University Press, 2008), pp. 39-55.

تنقسم هذه الدراسة، التي تتناول استقلال القضاء في الوطن العربي من منظور مقارن، إلى مبحثين رئيسين وخاتمة. يركز المبحث الأول على مؤسسات الرقابة على التشريعات في الوطن العربي، بما أن عملية الرقابة هذه تعدّ من أهم تجليات دور القضاء في المجال السياسي7، بينم يعالج المبحث الثاني تشكيل المؤسسات القضائية الحاكمة أو مجالس القضاء في الوطن العربي، لما لها من دور محوري في ترسيخ استقلال المحكمة والقاضي الفرد أو الانتقاص منهم. ويتبع ذلك خاتمة تحليلية تلخّص حالة استقلال القضاء في المنطقة.

أولً: مؤسسات الرقابة على التشريعات، رقابة عىل السلطة أم للسلطة؟

إن الهدف الرئيس من عملية الرقابة أو مراجعة التشريعات هو ضمن الاتساق القانوني؛ بمعنى عدم تعارض القانون الأدنى (التشريع) مع القانون الأسمى (الدستور). ولأن الدساتير عادة ما تتوسع في النص على الحقوق والحريات الفردية والجمعية، فإن لضمن عدم تغوّل المشرع على هذه الحقوق والحريات أهميةً بالغة، وتحديدًا في مراحل عدم الاستقرار أو التهديد الداخلي أو الخارجي، وبذا تضطلع المؤسسات، القضائية عادة، بدور الحارس لتخوم الدساتير من تعدّي السلطة التنفيذية أو التشريعية، ويكون لها وفقًا لذلك أن تقوم بإلغاء التشريعات والقرارات واعتبارها فاقدة للشرعية وقوة القانون الملزم. وتتعدد أشكال الرقابة على التشريعات عالميًا بين محاكم دستورية (دول وسط أوروبا)، ومحاكم عليا (الولايات المتحدة)، ومجالس دستورية (فرنسا). وقد انعكس هذا التعدد على تجارب الرقابة عربيًا بسبب تأثر المشرع الدستوري العربي بالتجارب القانونية المختلفة. تاريخيًا، يُعد العراق سبّاقًا في إقرار مبدأ الرقابة على التشريعات، حيث نصت المادة الحادية والثمنون من القانون الأساسي العراقي لعام 1925 على أن: "تؤلّف محكمة عليا [...] وللبتّ بالأمور المتعلقة بتفسير القوانين، وموافقتها للقانون الأساسي"8. ومن الجلي أن الهدف من النص كان تقييد السلطة التشريعية، وليس السلطات المهيمنة، للعرش، حيث تنعقد المحكمة العليا بإرادة ملكية وبموافقة مجلس الوزراء للبحث في دستورية القوانين9. أما البدايات الأولى لممرسة الرقابة الفعلية على التشريعات فكانت في مصر، حيث مارست بعض المحاكم، في العقود الأولى من القرن الماضي، رقابة الامتناع. وبإنشاء مجلس الدولة عام 1946، دخلت مصر مرحلة جديدة في هذا المضمر، إذ أصدرت محكمة القضاء الإداري عام 1948 حكمها في حق المحاكم في مراقبة

  1. القانون الأساسي العراقي لعام 1925، شوهد في /10/11 2022، في: http://bit.ly/3mpOpy4
  2. حنان طلال جاسم وسوسن عادل ناجي، "الدستور العراقي لعام 1925 دراسة تاريخية"، دراسات في التاريخ والآثار، العدد 68 (2019)، ص.289

دستورية القوانين، وذلك بنصّها على أنه ليس في "القانون المصري ما يمنع المحاكم المصرية من التصدي لبحث دستورية القوانين، سواء من حيث الشكل أو الموضوع"10. واستمرت المحاكم المصرية في ممرسة هذا الحق نحو عقدين من الزمان، حتى صدر القرار بقانون إنشاء المحكمة العليا، الذي سلب المحاكم هذا الحق وأناطه بمحكمة واحدة، تختار السلطة التنفيذية أعضاءها11. أما في مرحلة ما بعد الاستعمر، فإن ثمة ملاحظتين عامتين حول تجارب الرقابة على التشريعات في الوطن العربي. الملاحظة الأولى هي تسارع إنشاء مؤسسات الرقابة على التشريعات في العقود الثلاثة الأخيرة. أما الملاحظة الثانية فهي عدم شعبية هذه الرقابة بين أنظمة الحكم، إذ لم تُدرجها دول عديدة في الدساتير أو القوانين الأساسية، بل تراخت بشدة بعض الدول التي أدرجتها في بناء مؤسسات الرقابة. من ناحية، يمكن ملاحظة وجود ثلاث موجات كبرى لإنشاء مؤسسات الرقابة، إحداها تلت انهيار الاتحاد السوفياتي في التسعينيات من القرن الماضي، والثانية أعقبت الغزو الأميركي للعراق، أما الثالثة فجاءت إبان مرحلة الربيع العربي. وبطبيعة الحال، فإن مواكبة هذه التغيرات في البنية القانونية للتغيرات في بنية النظام الدولي ليست بمحض المصادفة، بل تعكس ارتباط قرارات الأنظمة العربية بالتطورات الدولية والإقليمية؛ فهذه المراحل التاريخية المفصلية انعكست بصورة شبه آنية على قرارات أنظمة الحكم العربية، والمؤسف أن استحداث هذه المؤسسات جاء في الأعم الأغلب بهدف التجميل ومواكبة التغيرات الجارية في الساحة الدولية أو الإقليمية، ولذا كان العديد من هذه المؤسسات الجديدة مستكملً لمتطلبات الشكل وفاقدًا للجوهر والأثر. وكان من الصعب أن نحدد أحكامًا ذات أثر حقيقي في مصالح النخب الحاكمة في جُل الدول العربية12. الموجة الأولى: الجزائر استحدثت مجلسًا دستوريًا عام.1989 موريتانيا استحدثت مجلسًا دستوريًا عام.1991 لبنان استحدث مجلسًا دستوريًا عام.1993 المغرب استبدل المجلس الدستوري بغرفة دستورية عام 199213. السودان استحدث محكمة دستورية عام.1998

  1. الحكم التاريخي لمحكمة القضاء الإداري المصرية في الدعوى 65 لسنة 10 قضائية بتاريخ 1948/2/10"، منشور في: صبري محمد السنوسي، آثار الحكم بعدم الدستورية: دراسة مقارنة (القاهرة: دار النهضة العربية، 2018)، ص.77
  2. صدر القرار بقانون رقم 81 لسنة 1969 بإنشاء المحكمة العليا ضمن حزمة القوانين المقيدة للسلطة القضائية والمعروفة في أدبيات التاريخ القضائي المصري بمذبحة القضاء. وقد عهد هذا القانون إلى المحكمة العليا، دون غيرها، بالرقابة على دستورية القوانين وتفسير النصوص القانونية تفسيرًا ملزمًا. ينظر: Mahmoud Hamad, "The Politics of Justices Selection in Egypt," in: Kate Malleson & Peter Russell (eds.), Appointing Judges in an Age of Judicial Power: Critical Perspectives from Around the World (Toronto: University of Toronto Press, 2006), pp. 266-268.
  3. لا يسري هذا التعميم على المحكمة الاتحادية العليا في العراق، كما اتضح من ورقة السياسات التي كتبها فراس مكية في هذا الملف، حيث أتاح الفراغ السياسي وضعف مؤسسات الحكم وتشرذم النخبة السياسية للمحكمة مج لً رحبًا لأداء دور ذي أثر سياسي واضح منذ عام 2005. ولا ينطبق أيضًا على المحكمة الدستورية العليا المصرية حتى عام.2014
  4. نصت الدساتير المغربية المتعاقبة منذ عام 1926 على إنشاء غرفة دستورية ملحقة بالسلطة التشريعية، وتهيمن السلطة التنفيذية على اختيار أغلب أعضائه.

الموجة الثانية: البحرين استحدثت محكمة دستورية عام.2002 ليبيا أعادت الاختصاص إلى المحكمة العليا عام.2004 العراق استحدث المحكمة الاتحادية العليا عام 200514. قطر استحدثت محكمة دستورية عام.2008 الموجة الثالثة: الأردن استحدث محكمة دستورية عام.2011 المغرب استبدل محكمة دستورية بالمجلس الدستوري عام.2011 سورية أعادت تشكيل المحكمة الدستورية عام 201415. تونس استبدلت المحكمة الدستورية بالمجلس الدستوري عام 201416. فلسطين استحدثت محكمة دستورية عام.2016 الجزائر استبدلت المجلس الدستوري بمحكمة دستورية عام.2021 ومن ناحية أخرى، لم يحظَ مبدأ التقييد، الذي تفرضه الرقابة على دستورية القوانين، بقبول كبير في العديد من الدول العربية. وبذا، امتنعت النظم السياسية المختلفة عن إنشاء مؤسسات تحدّ من الممرسة غير المقيّدة للسلطة، بل حتى الدول، التي نصت دساتيرها على وجود هذه المؤسسات، تراخى فيها المشرع عن ترجمة مطلب الدستور في شكل قوانين تؤسس لتلك الآليات الرقابية. ففي الجزائر مثلً، نص دستور 1963 على إنشاء مجلس دستوري. وعلى الرغم من هيمنة السلطة على تشكيل المجلس بتعيين أغلبية أعضائه، فإنه بقي حبرًا على ورق، بل لقد اختفى تمامًا أيّ ذكر له في دستور 1976، "إذ لم يكن هناك نص صريح في الرقابة على دستورية القوانين، كون الدولة آنذاك تبنّت النظام الاشتراكي ونظام الحزب الواحد الذي كان مبتعدًا عن مبدأ الفصل بين السلطات"17. ولم تعُد الجزائر إلى إقرار مبدأ الرقابة على التشريعات إلا مع التعديلات الدستورية التي واكبت الانفتاح السياسي في نهايات عهد الرئيس الشاذلي بن جديد (1992-1979)، وذلك حين نص دستور 1989 على إنشاء مجلس دستوري. وجاء ذلك مواكِبًا لأزمة سياسية واقتصادية عاتية واكبت التغيرات الرئيسة في قمة النظام الدولي.

  1. عُهد إلى المحكمة بهذا الدور بمقتضى قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية 2004، حيث نصت المادة (44) على أن يجري تشكيل محكمة في العراق بقانون، وتسمى المحكمة الاتحادية العليا، وتختص بالرقابة على دستورية القوانين، إضافة إلى اختصاصات أخرى. ينظر: جمهورية العراق، مجلس القضاء الأعلى، قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لعام 004 2 (بغداد: 2004) شوهد في 2023/3/18، ف:ي https://bit.ly/3ZWViG9
  2. كانت هناك إرهاصات للرقابة على التشريعات في دساتير 1950 وما تلاها، ولكن ظل ذلك كله قاصرًا، بل إن قانون المحكمة الدستورية العليا السورية رقم 19 لسنة 1973 قصر اختصاصها في النظر بدستورية القوانين على حالة طلب ذلك من رئيس الجمهورية أو ربع أعضاء مجلس الشعب؛ بمعنى أنه محظور على المواطنين وعلى غير الجهات المشار إليها حق الاعتراض أمام المحكمة الدستورية على دستورية القوانين والمراسيم التشريعية. ينظر: عمر العبد الله، "الرقابة على دستورية القوانين (دراسة مقارنة)"، مجلة جامعة دمشق، مج 17، العدد 2.)2001(
  3. لم يجرِ تأسيس المحكمة حتى تاريخه، ومن الصعوبة بمكان أن نتوقع أن تؤدي المحكمة، حال تأسيسها، دورًا فاعلً في ظل استئثار الرئيس قيس سعيد بالسلطة وانتهاكاته المتكررة لمبادئ استقلال القضاء، وكذلك التعديل الجذري في تشكيل المحكمة في دستور 2022 مقارنةً بدستور.2014
  4. شهرزاد بوسطلة وجميلة مدور، "مبدأ الرقابة على دستورية القوانين وتطبيقاته في التشريع الجزائري"، مجلة الاجتهاد القضائي، مج 3، العدد 4 (2008)، ص.535

ولكن هذا الانفتاح السياسي لم يدُم طويلً، حيث انتهى مع سيطرة الجيش على السلطة في انقلاب 12 كانون الثاني/ يناير 1992. ولم يؤدِّ المجلس الدستوري الدور المرجو خلال الأزمة، بل رفض النهوض بواجباته الدستورية، "وتميز دور المجلس الدستوري خلال أزمة 1992 بالسلبية المطلقة في معالجة الفراغ الرئاسي، أو يمكن القول إنه أخفق في معالجة هذه الأزمة، وإذ يمكن أن يبرر إخفاقه بحداثة وجوده بصفته هيئة دستورية في النظام القانوني للبلاد، أو لذات الضغوط التي مورست على رئيس الجمهورية لتقديم استقالته. لكنه أدخل البلاد بذلك البيان في أزمة سياسية واقتصادية وأمنية خطيرة لم تكن نتائجها بسيطة على البلاد والعباد"18. ولم تكن الجزائر فريدة في التوجس من إنشاء مؤسسات دستورية هدفها الرقابة على السلطة، بل سارت على منوالها دولٌ عدة، ففي حين نص دستور ليبيا لعام 1951 على مبدأ الرقابة على التشريعات، سواء بإحالة مباشرة من الملك لإبداء الرأي، أو عن طريق استئناف الأحكام من المحاكم المختلفة (المادتان 152 و 153)، فقد حدث نكوص عن ذلك بعد إطاحة الملكية في انقلاب 1969، حيث جرى إلغاء الدستور وإلغاء قانون المحكمة العليا لسنة 1953، بموجب القانون رقم 6 لسنة 1982 القاضي بإعادة تنظيم المحكمة العليا، والذي أغفل النص على تنظيم موضوع الرقابة على دستورية القوانين. وحتى بعد عودة نص رقابة المحكمة بدوائرها المجتمعة، فقد ظل هذا النص "معلّقًا ولم [يجرِ] تطبيقه، حيث لم تتمكن المحكمة العليا من ممرسة اختصاصها بالرقابة الدستورية بسبب غياب صدور اللائحة الداخلية للمحكمة العليا، ثم صدرت هذه اللائحة بعد مرور ما يقرب من عشرين عامًا من عودة الاختصاص لها وذلك بموجب القرار رقم 283 لسنة "200419. وكان ذلك جزءًا من محاولة إعادة تقديم نظام العقيد معمر القذافي (1969-2011) إلى المجتمع الدولي اتعاظًا ب "رأس الذئب الطائر" في بغداد. أما في بعض الدول الأخرى، فعلى الرغم من إنشاء آليات الرقابة على التشريعات مبكرًا، فإن هذه المؤسسات تراجعت أو اختفت تمامًا، إما بفعل موجة الطغيان وتركيز السلطة وتفشّ العسكراتية السياسية، أو بسبب عدم الاستقرار السياسي20. وعلى الرغم من ممرسة القضاء المصري، منذ النصف الأول من القرن العشرين، الرقابة على التشريعات، فإن النخبة العسكرية بعد عام 1952 قد ناصبت هذه الرقابة العداء، إذ رفضت مشروع الدستور الذي أعدّته لجنة الخمسين لوضع الدستور سنة 1953، الذي نص على إنشاء محكمة عليا دستورية مستقلة22. وقد وصل العداء لمبدأ الرقابة إلى درجة "أن واضعي دستور الجمهورية العربية المتحدة في عام 1958، على إثر إعلان الوحدة بين مصر وسورية، تعمدوا إغفال الإشارة فيه إلى

  1. البرج محمد، "دور المجلس الدستوري الجزائري خلال الأزمات الدستورية (الفراغ الرئاسي 1992 - التحول السياسي 2019)"، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والسياسية، مج 59، العدد 1 (2022)، ص 254؛ بل يضيف الباحث أنه قد "تأثر موقف المجلس الدستوري في تعامله مع أزمة 1992 بالإرادة المتجهة نحو افتعال أزمة مؤسساتية يعود سببها إلى رفض أغلبية جديدة أظهرها الدور الأول من الانتخابات التشريعية 1991 ". ينظر: المرجع نفسه، ص.267
  2. عمر عبد الله عمر أمبارك، "الرقابة على دستورية القوانين في ليبيا: دراسة تحليلية مقارنة"، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الإسكندرية، الإسكندرية، 2013، ص 10. (غير منشورة)
  3. Philippe Droz-Vincent, Military Politics of the Contemporary Arab World (Cambridge: Cambridge University Press, 2020); Steven A. Cook, Ruling but not Governing: The Military and Political Development in Egypt, Algeria, and Turkey (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2007).

الرقابة القضائية لدستورية القوانين بالرغم من أن الدستور السوري السابق على الوحدة كان ينص عليها"23. وعلى الرغم من أن دستور 1971 نص على تأسيس المحكمة الدستورية العليا، فقد تلكّأت السلطة في ذلك ثماني سنوات كاملة، إذ إن التغيرات الليبرالية، التي تلت تولّ الرئيس محمد أنور السادات (1981-1970) الحكم، ومحاولته بناء شرعية تُناقض ما ورثه عن سلفه الرئيس جمل عبد الناصر قد تلاشت تدريجيًا مع تعاظم سيطرة السادات على مفاصل السلطة، وبذا فإنه لم يشأ أن يُضحّي بالمحكمة العليا الخاضعة تمامًا للسلطة التنفيذية ويستبدل بها محكمة أكثر استقلالً. ولم يتغير ذلك إلا بعد أزمة النظام في نهاية السبعينيات24. والأمر قريب من ذلك في الكويت، فقد نص دستور 1962 على إنشاء جهة للرقابة على التشريعات، ولكن لم يجرِ تأسيس المحكمة حتى عام 1973. ومرجع ذلك أن هذه الدولة الخليجية، التي شهدت أول تجربة دستورية رائدة في عهد الأمير عبد الله السالم الصباح (1965-1950)، تراجعت عن المبادئ الدستورية الليبرالية بعد وفاته. "وبالرغم من النص في المادة (173) من الدستور على إنشاء هذه المحكمة وتفويض أمر تنظيمها إلى المشرع، فإن هذا الأخير لم يتدخل ويقم بهذا التنظيم إلا في سنة 1973، حيث أصدر القانون رقم 14 لسنة 1973 القاضي بإنشاء المحكمة الدستورية"32. وقد جرى استغلال فترة الفراغ هذه للانتقاص من التجربة الديمقراطية والحريات السياسية، وإصدار العديد من التشريعات التي قوضت الحقوق المنصوص عليها دستوريًا، والتي ما كان يمكن إصدارها في ظل وجود محكمة دستورية فاعلة33. وفي موريتانيا، سارت النخبة العسكرية على المنوال ذاته، ففي حين أخذ الدستور إبان الاستقلال بأسلوب الرقابة السابقة (النظام الفرنسي)، فجرى استحداث لجنة دستورية في دستور 195934، فقد ألغى دستور 1961 اللجنة وحول اختصاصاتها إلى المحكمة العليا - الغرفة الدستورية، وذلك بتشكيلة تضمّ رئيس المحكمة العليا رئيسًا وبعضوية نائبه ومستشارَين إداريَيّن معيّنيَن لمدة سنتين، أحدهم من طرف رئيس الجمهورية والآخر تعيّنه الجمعية الوطنية. ولكن تعاظم عدم الاستقرار السياسي مع توالي الانقلابات العسكرية، أوقف

  1. المرجع نفسه.
  2. يرى تامر مصطفى أن تأسيس المحكمة الدستورية العليا كان بهدف تقديم ضمانات لاجتذاب الاستثمار الأجنبي الذي كان الاقتصاد المصري في حاجة ملحّة إليه مع تطبيق سياسات الانفتاح الاقتصادي. بينما يرى الباحث أن إنشاء المحكمة كان بهدف دعم الشرعية المتراجعة للنظام بعد فشل إعادة التموضع الدولي في تحقيق الطفرة الاقتصادية المنشودة. لمزيد من التفصيل، ينظر: Tamir Moustafa, The Struggle for Constitutional Power: Law, Politics, and Economic Development in Egypt (New York: Cambridge University Press, 2007), pp. 57-89; Mahmoud Hamad, Judges and Generals in the Making of Modern Egypt: How Institutions Sustain and Undermine Authoritarian Regimes (Cambridge: Cambridge University Press, 2018), pp. 110-146.
  3. وفاء بدر الصباح، "مدى اختصاص المحكمة الدستورية الكويتية بالتفسير الملزم للدستور"، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية، السنة 58، العدد 1، ج 2 (كانون الثاني/ يناير 2017)، ص.1125

بصورة فعلية عملية الرقابة حتى عام 1991، حين جرى استحداث المجلس الدستوري في إطار التغيرات42السياسية التي تلت سقوط الاتحاد السوفياتي ورغبة العديد من الدول في إضفاء ملامح ديمقراطية على النظام السياسي بهدف اكتساب رضا الدول الغربية المانحة ومؤسسات التمويل الدولية، مثلم حدث في عدد من الدول الأفريقية43. وفي وقت كتابة هذه السطور، فإن من بين الدول الاثنتين والعشرين الأعضاء في جامعة الدول العربية44 إحدى عشرة دولة أخذت بنظام المحاكم الدستورية، هي: الكويت، ومصر، والسودان، والبحرين، وقطر، وفلسطين، وسورية، وجزر القمر، والمغرب، والأردن، وتونس، والجزائر، بينم اعتمدت أربع دول على وجود محاكم عليا، هي: العراق، وليبيا45، والإمارات47، وجزر القمر50. وأخذت ثلاث دول بنظام المجالس الدستورية تأسّيًا بالتقاليد القانونية الفرنسية وهي: لبنان، وموريتانيا، وجيبوتي. وتوجد دولتان فقط حاليًا من دون رقابة على التشريعات هم: السعودية (ليس للمحكمة العليا الحق في مراقبة دستورية القوانين)، وعُمن (حدد الدستور جهة، ولكن لم يجرِ تفعيلها)51. ومن نافلة القول، إن هذه المؤسسات تتفاوت من حيث صلاحياتها اتساعًا وضيقًا52. ولكن لما كان موضوع هذه الدراسة مسألة الاستقلال، فإن التركيز سيكون هنا منصبًّا على تقويم بعض مناحي الاستقلال المؤسسي لهيئات الرقابة على التشريعات. ولأهداف المقارنة، نركّز هنا على ثلاثة متغيرات رئيسة53:

  1. 8 2  سيدي محمد بن سيد أب، "التطور الدستوري والسياسي في موريتانيا"، المجلة الجزائرية للعلوم السياسية والقانونية، مج 40، العدد 4 (2003)، ص.36 9 2  استُبعد الصومال واليمن من عينة البحث بسبب غياب الدولة المركزية فيهما في العقد الأخير.
  2. تُعدّ جزر القمر حالة فريدة، حيث انتقلت من رقابة محكمة دستورية إلى محكمة عليا مع إقرار التعديلات الدستورية عام 2018. على الرغم من كون الاتجاه السائد عالميًا وفي المنطقة هو الانتقال من نمط رقابة المجالس الدستورية أو المحاكم العليا إلى المحاكم الدستورية، كحال المغرب والجزائر وتونس وغيرها من الدول. تنص المادة 96 من الدستور القمري على أن "المحكمة العليا هي أعلى سلطات الاتحاد في المسائل القضائية والإدارية والدستورية". ينظر نص الدستور باللغة الإنكليزية: "Commoros's Constitution of 2018," ConstituteProject.org (2018), accessed on 18/3/2023, at: https://bit.ly/40jcMvY
  3. ينظر: نصت المادة 85 من النظام الأساسي للدولة [عمُان] الصادر في 2021/1/21، في: "مرسوم سلطاني رقم /6 2021، بإصدار النظام الأساسي للدولة - سلطنة عمان"، وزارة العدل والشؤون القانونية (2021)، شوهد في 2022/11/12، في: https://bit.ly/3Fy9gpz
  4. تقوم المحكمة العليا في جزر القمر بدور المجلس الدستوري في حل المسائل الدستورية والإشراف على الانتخابات الرئاسية. وتقوم المحكمة العليا أيضًا باعتبارها محكمة إدارية عليا بالنظر في القضايا التي تكون فيها الحكومة مدعى عليها بإساءة التصرف. 5 3  بالطبع، من الممكن إضافة عناصر أخرى إلى هذه المعايير الثلاثة كضمانات الأمان الوظيفي، والحصانات الممنوحة للقضاة، ودرجات الاستقلال الإداري والمالي، إضافة إلى تقاليد الاستقلال القضائي وغيرها مما لا تتسع له صفحات هذه الدراسة، ولكن الهدف هنا ليس تقديم تقويم متكامل لحالة استقلال القضاء في الوطن العربي، بل هو تقديم صورة تلخّص حال هذا الاستقلال في المرحلة الحالية من التطور السياسي في الوطن العربي. محكمة دستورية 0  رقابة مجلس دستوري محكمة عليا المصدر: من إعداد الباحث وفق النصوص الدستورية والقانونية المنظمة للرقابة وقت كتابة الدراسة (آذار/ مارس.)2023
  5. شهدت موريتانيا سلسلة من الانقلابات العسكرية في أعوام 1978 و 1979 و 1980 و 1984 ثم 2003 و 2005، وكان آخرها عام 2008، فضلً عن العديد من المحاولات الانقلابية غير الناجحة. ينظر: محمد المختار ولد بلاتي، "التعديل الدستوري الثالث في موريتانيا: السياقات السياسية والأبعاد القانونية"، مجلة المجلس الدستوري، العدد 15 (2020)، ص 122-91؛ محمد الأمين ولد سيدي باب وصديقي محمد لمين، "الإصلاحات السياسية والدستورية في موريتانيا: الواقع والتحديات"، المجلة الأفريقية للدراسات القانونية والسياسية، مج 3، العدد 2 (كانون الأول/ ديسمبر 2019)، ص.23-8

أولً: أسلوب اختيار الأعضاء54. ثانيًا: مدة الولاية. ثالثًا: تحديد عدد الأعضاء57.

الشكل (1) الرقابة على التشريعات في الوطن العربي من حيث المؤسسة القائمة بالدور 2023

  1. إن موضوع تحديد عدد القضاة ليس نظريًا أو فلسفيًا، بل له أبعاد عملية عميقة. وتُعدّ المحكمة الدستورية العليا المصرية نموذجًا معبًّا في هذا الصدد، فبعدما أزعج العديد من أحكام المحكمة النظام خلال رئاستي القاضيين عوض المر (1998-1991) ومحمد ولي الدين جلال (2001-1998)، فإن اللحظة الحاسمة جاءت مع حكم المحكمة الخاص بالرقابة القضائية الكاملة على الانتخابات عام 2000، الذي هدد قدرة النظام على "هندسة" السلطة التشريعية، إذ خرق النظام العرف المستقر بتعيين أقدم القضاة في منصب رئيس المحكمة وعيّ رئيس محكمة النقض محمد فتحي نجيب (2003-2001) - المعروف بقربه من الخط السياسي للنظام - على قمة المحكمة، وشرع هذا الأخير بعد التعيين مباشرةً في تغيير التشكيل العقائدي للمحكمة، من خلال تعيين قضاة إضافيين موالين للنظام. وبما أنه لا الدستور ولا قانون المحكمة حدّدا عدد القضاة، فقد رفع نجيب العدد، معيّنًا خمسة قضاة إضافيين إلى جانب القضاة التسعة العاملين، وخرق هذا التعيين العرف المستقر الذي يحدد عدد قضاة المحكمة بتسعة، ثم خرق عرفًا آخر بتعيين قضاة من محكمة النقض ومحكمة استئناف القاهرة عوضًا عن قضاة مجلس الدولة. ومن المعروف أن قضاة مجلس الدولة عادة ما يكونون أكثر استعدادًا للوقوف في وجه السلطة التنفيذية من قضاة المحاكم العادية. وقد أنتجت هذه التعيينات الأثر المرجو من وجهة نظر النظام، حيث لم تصدر المحكمة منذ ذلك التاريخ أيّ حكم يمسّ بمصالح السلطة. ينظر: Clark B. Lombardi, "Egypt's Supreme Constitutional Court: Managing Constitutional Conflict in an Authoritarian, Aspirationally Islamic State," Journal of Comparative Law , vol. 3, no. 2 (2008), p. 235; Nathan J. Brown & Julian G. Waller, "Constitutional courts and Political Uncertainty: Constitutional Ruptures and the Rule of Judges," International Journal of Constitutional Law , vol. 14, no. 4 (October 2016), pp. 817-850.

الجدول (1) الاستقلال المؤسسي لأعضاء مؤسسات الرقابة في الوطن العربي 2023

الدولةأسلوب اختيار الأعضاءمدة العضويةعدد الأعضاء
الأردنالتعيين – الملكست سنوات غير قابلة للتجديدمحدد
الإماراتالتعيين - رئيس الاتحاد (((3بلوغ سن الإحالة إلى التقاعدمحدد
البحرينالتعيين – الملكخمس سنوات، قابلة للتجديد
مرة واحدة
محدد
تونسالأقدمية في محاكم الدولة الثلاث (((3بلوغ سن الإحالة إلى التقاعدمحدد
الجزائرأربعة أعضاء يختارهم رئيس الجمهورية من
بينهم رئيس المحكمة، وعضو تنتخبه المحكمة
العليا من بين أعضائها، وعضو ينتخبه مجلس
الدولة من بين أعضائه، وستة أعضاء من
أساتذة القانون الدستوري ينتخبون بالاقتراع
ست سنوات غير قابلة للتجديدمحدد
جزر القمرعضوان يختارهم الرئيس، وعضوان تختارهم
الجمعية الاتحادية، وعضو يختاره مجلس كل
جزيرة من الجزر
بلوغ سن الإحالة إلى التقاعدمحدد
جيبوتيالتعيين – عضوان يعينهم رئيس الجمهورية
من بينهم رئيس المحكمة، وعضوان يعينهم
رئيس الجمعية الوطنية، وعضوان يعينهم
ميمجلس القضاء الأعلى
ثماني سنوات غير قابلة للتجديدشبه محدد (((4
سوريةالتعيين - رئيس الجمهوريةأربع سنوات قابلة للتجديدمحدد
السودانالتعيين - رئيس الجمهورية (((4سبع سنوات قابلة للتجديدمحدد
  1. 8 3  نص الدستور الاتحادي في المادة (96) على أن "تشكل المحكمة الاتحادية العليا من رئيس وعدد من القضاة لا يزيدون جميعًا على خمسة يعيّنون بمرسوم يصدره رئيس الاتحاد بعد مصادقة المجلس الأعلى عليه…"، وطبقًا للمادة رقم 7 من قانون المحكمة يكون تعيين رئيس المحكمة العليا وقضاتها بمرسوم يصدر من رئيس الدولة بعد موافقة مجلس الوزراء وتصديق المجلس الأعلى للاتحاد. 9 3  ينص الدستور التونسي الجديد، الذي أصدره الرئيس قيس سعيد في الفصل 125، على أن المحكمة الدستورية تتكون من "تسعة أعضاء، ثلثهم الأول من أقدم رؤساء الدوائر في محكمة التعقيب، والثلث الثاني من أقدم رؤساء الدوائر التعقيبية في المحكمة الإدارية، والثلث الثالث والأخير من أقدم أعضاء محكمة المحاسبات".
الدولةأسلوب اختيار الأعضاءمدة العضويةعدد الأعضاء
ارلعراقالترشيح من مجلس القضاء الأعلى والتعيين
من رئيس الجمهورية
بلوغ سن الإحالة إلى التقاعدمحدد
فلسطينالتعيين - رئيس الدولةسرت سنوات غير قابلة للتجديدغير محدد
قطرالتعيين – الأميربلوغ سن الإحالة إلى التقاعدمحدد
الكويتالتعيين - مجلس القضاء الأعلىبلوغ سن الإحالة إلى التقاعدمحدد
لنبنانيعيّ مجلس الوزراء خمسة أعضاء وينتخب
مجلس النواب خمسة أعضاء
ست سنوات غير قابلة للتجديدمحدد
ليبياالجمعية العمومية للمحكمة العليابلوغ سن الإحالة إلى التقاعدشبه محدد
مصرالتعيين - رئيس الجمهوريةبرلوغ سن الإحالة إلى التقاعدغير محدد
المغربالنصف معيّ من الملك، والنصف الآخر
منتخب من مجلسي البرلمان
تسع سنوات غير قابلة للتجديدمحدد
مأاوريتانياالتعيين – رئيس الجمهورية يعيّ خمسة
أعضاء من بينهم رئيس المحكمة، والوزير
الأول عضوًا؛ ورئيس الجمعية الوطنية يعيّ
ثلاثة أعضاء - ثمة تمثيل للمعارضة في المجلس
الدستوري (((4
تسع سنوات غير قابلة للتجديدمحدد

الدستوري58

إذا أردنا أن نُقوّم استقلال مؤسسات الرقابة على التشريعات في الوطن العربي وفقًا للمتغيرات الثلاثة: أسلوب التعيين، ومدة الولاية، وتحديد عدد الأعضاء59، فيمكن القول إن المحكمة الاتحادية العليا في العراق هي الأكثر استقلالً على الأقل من الناحية النظرية؛ فأعضاء المحكمة يرشحهم زملاؤهم من كبار القضاة في مجلس القضاء الأعلى من دون تدخّل من السلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث يُعد القرار الرئاسي بتعيينهم كاشفًا وليس مُنشئًا. ويستمر القضاة في مناصبهم حتى بلوغ سن التقاعد. ثم إن تحديد عدد القضاة يغلّ يد السلطة عن زيادة العدد بهدف تغيير التركيبة الأيديولوجية للقضاة. ويضمن التشريع المعمول به الأمان المادي للقضاة خلال الخدمة وبعد التقاعد؛ فقانون المحكمة الاتحادية العليا في العراق ينص في المادة (6)

  1. لموريتانيا ترتيب محمود في هذا الشأن يسمح بتمثيل المعارضة في تشكيلة المجلس الدستوري؛ حيث نصّت المادة 81 من الدستور بعد تعديله على أن "يعيّ رئيس الجمهورية خمسة أعضاء أحدهم بناءً على اقتراح من زعيم مؤسسة المعارضة، ويعيّ الوزير الأول عضوًا واحدًا، ويعيّ رئيس الجمعية الوطنية ثلاثة أعضاء يقترح أحدهم ثاني حزب معارض من حيث ترتيب الأحزاب المعارضة الأكثر نوابًا في الجمعية الوطنية، ويقترح الثاني ثالث حزب معارض حسب الترتيب نفسه".
  2. ينصبّ هذا التحليل على معايير الاستقلال القانوني، وهي وإن كانت تقدّم صورة عن درجة الاستقلال المؤسسي للقضاء، فإنها يجب أن تؤخذ بقدر من الحذر لكون النصوص القانونية في ظل النظم الأوتوقراطية أقل مغزى وفاعلية من مثيلاتها في النظم الديمقراطية.

على: "أولً، يتقاضى رئيس المحكمة الاتحادية العليا وأعضاؤها راتب ومخصصات وزير. ثانيًا، يتقاضى كل من رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا عند تركهم الخدمة راتبًا تقاعديا يعادل (80%) من مجموع ما يتقاضاه كل منهم شهريا قبل انقطاع صلتهم بالوظيفة لأيّ سبب كان، عدا حالتي العزل بسبب الإدانة عن جريمة مخلة بالشرف أو بالفساد والاستقالة من دون موافقة مجلس الرئاسة"60. وهذه التدابير كلها تقي قضاة المحكمة من "سيف المعز وذهبه"، وتمنحهم أمانًا وظيفيًا كبيرًا يحصّنهم ضد إغواء السلطة بمناصب غير قضائية بعد تقاعدهم لقاء تبنّيهم الخط السياسي للنظام. ومن الواضح في هذا الصدد أن هذه الدرجة العالية من الاستقلال المؤسسي مردها التأثر بالتجربة القضائية الأميركية في مرحلة ما بعد الغزو الأميركي للعراق، والدور الذي أداه المستشارون القانونيون الأميركيون في صياغة تشريعات الدولة العراقية61. وتلي المحكمة الدستورية الكويتية نظيرتها العراقية في درجة الاستقلال؛ فمن حيث أسلوب التعيين، فإن القضاة يُعينهم حصرًا المجلس الأعلى للقضاء، ثم إن عدد القضاة محدد بنص التشريع، ويظل القضاة في مناصبهم حتى بلوغ سن التقاعد، كم يحصل القضاة الكويتيون عمومًا والقضاة رفيعو الدرجة خصوصًا على مرتّبات عالية تقيهم الحاجة إلى التودد للسلطة التنفيذية طمعًا في تحسين مداخيلهم أو تولّ مناصب أخرى ذات امتيازات مرتفعة، كم هو الحال في العديد من الدول العربية الأخرى62. هذا وإن كان استقلال مجلس القضاء الكويتي محل نظر قياسًا إلى الدور الذي تؤديه السلطة التنفيذية في اختيار أعضائه. وتتميز المحكمة الدستورية في المغرب بتعدد جهات الاختيار، فطبقًا لأحكام الفصل 130 من الدستور تتشكل المحكمة من اثني عشر عضوًا؛ ستة يعيّنهم الملك، وثلاثة ينتخبهم مجلس النواب، وثلاثة ينتخبهم مجلس المستشارين. وتتعدد جهات الاختيار أيضًا في المحكمة الدستورية الجزائرية، والمستحدث هنا هو انتخاب نصف أعضاء المحكمة من بين أساتذة القانون الدستوري في الجامعات الجزائرية، إضافةً إلى عضو تنتخبه المحكمة العليا من بين أعضائها، وعضو ينتخبه مجلس الدولة من بين أعضائه، ما يعني أن ثلثَي الأعضاء لا تتدخل السلطة التنفيذية في اختيارهم. ولكن يعيب هذا الترتيب المحمود تحديد مدة الأعضاء المنتخبين بست سنوات فقط. وعلى النقيض، فإن المحكمة الدستورية في البحرين ونظيراتها في سورية وفلسطين والسودان تقبع في أدنى درجات سلّم الاستقلال، فمن جهة، المنوط بالتعيين هو رأس السلطة وحده: الملك في الأولى، ورئيس الجمهورية في الأخرى، وذلك من دون أيّ دور للقضاة أنفسهم أو لبقية مؤسسات الدولة. ومن جهة أخرى، فإن القضاة يُعيَّنون فترةً قصيرةً نسبيًا مع إمكانية التجديد: خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة في حال البحرين، وأربع سنوات قابلة للتجديد في حالة سورية. والأمر عينه في حالة المحكمتين الفلسطينية

  1. قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (30) لسنة 2005، ينظر: جمهورية العراق - مجلس القضاء الأعلى، قاعدة التشريعات العراقية، قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (03) لسنة 005 2 (بغداد)، شوهد في 2023/3/22 في،: https://bit.ly/40fvPrdوتعديله بالقانون رقم؛ (25) لسنة 2021، ينظر: "قانون التعديل الأول (الأمر رقم 30 لسنة 2005)، قانون المحكمة الاتحادية العُليا، الوقائع العراقية، العدد 4635، شوهد في 2023/3/23، في: https://bit.ly/3ZYfyaq
  2. Andrew Arato, Constitution Making Under Occupation: The Politics of Imposed Revolution in Iraq (New York: Columbia University Press, 2009).

والسودانية، فهذه الأخيرة كانت خاضعة بالكامل للرئيس، حتى إن بعض الخبراء السودانيين اعتبروا تأسيس المحكمة انتقاصًا من الرقابة التي كانت تمارسها المحكمة العليا من خلال قيام المحكمة ذاتها بتشكيل دائرة دستورية، متى ما استدعت الحاجة إلى ذلك، حيث لم يكن للسلطة التنفيذية أو التشريعية تأثير في تشكيل الدوائر الدستورية63. والأمر عينه في حالة المحكمة الدستورية العليا المصرية التي يُعيّ أعضاءَها رئيسُ الجمهورية مباشرة أو بطريقٍ غير مباشرة64.

ثانيًا: المجالس العليا للقضاء: وقاية القضاء من السلطة أم حمية السلطة من القضاء؟

لكون معظم الدول العربية قد اختطت نظام القضاء المدنيCivil Law الذي يلتحق فيه خريجو كليات الحقوق بالسلطة القضائية فور التخرج ويترقّون في المراتب تدريجيًا، فإن دور المجالس القضائية (في التعيين، والتنشئة المهنية، والترقية، والنقل، والتأديب) يُعدّ أساسيًا، وبذلك تبرز أهمية دراسة استقلال هذه المجالس، وخاصة أن كثيرًا من الدول العربية يلغي أو على الأقل يقيّد حق القضاة في الانتمء إلى جمعيات مهنية، ولذا يكون مجلس القضاء الجهة الوحيدة التي يُفترض أن تعبّ عن مصالح القضاة الجمعية وتدافع عن استقلالهم. وعلى ذلك، فإن الدراسة المقارنة (مكانيًا بين الدول العربية المختلفة، وزمانيًا داخل الدولة الواحدة في عهود مختلفة) تكتسب أهمية كبيرة في رسم صورة عامة لحالة استقلال هذه المجالس، وذلك مؤشر مهم على استقلال القضاء. وتشير الدراسة المقارنة إلى العديد من الملامح المشتركة التي يمكن تلخيص أهمها فيم يلي:

1. ضمن السيطرة من أعلى

في مجالس القضاء العربية جمعاء، يؤدي رئيس مجلس القضاء دورًا محوريًا في إدارة المنظومة القضائية. ومن هنا كان حرص الأغلب الأعم من الأنظمة السياسية في المنطقة على التحكم في اختيار من يتولى هذا المنصب. وفي مسار السيطرة من أعلى، نجد أن الدول العربية الثمني عشرة محل الدراسة65 تنقسم إلى مجموعاتٍ

  1. 8 4  تفاوتت التشريعات المنظمة للمحكمة تفاوتًا كبيرًا، ففي حين نص قانون المحكمة لعام 1979 على صلاحيات كبيرة لرئيس الجمهورية في تعيين رئيس المحكمة ومن خلاله تعيين باقي القضاة، فقد عدّل المجلس الأعلى للقوات المسلحة في حزيران/ يونيو 2011 قانون المحكمة الدستورية العليا لينيط بالجمعية العامة للمحكمة صلاحية اختيار رئيس المحكمة عوضًا عن رئيس الجمهورية، وقد أوجبت التعديلات أن تكون أولوية التعيين في المحكمة لهيئة المفوضين بالمحكمة. هذه التعديلات رفعت درجة استقلال المحكمة بصورة دراماتيكية ويبدو أن الهدف كان الحفاظ على التركيبة الأيديولوجية البالغة المحافظة للمحكمة حال تولّ فصيل سياسي مختلف مقاليد الرئاسة، وهو ما يُعرف في أدبيات الدراسة المقارنة للقضاء بنظرية التأمين؛ بمعنى أن النخب السياسية قد تستخدم الدساتير، والمراجعة القضائية على وجه الخصوص، لتوفير شكل من أشكال التأمين ضد أخطار فقدان السلطة والنفوذ في الانتخابات الديمقراطية المستقبلية. لمزيد من التفصيل حول هذه النظرية وتطبيقاتها المتعددة في مرحلة الانتقال السياسي، ينظر: Jodi Finkel, Judicial Reform as Political Insurance: Argentina, Peru, and Mexico in the 1990s (Notre Dame: University of Notre Dame Press, 2004); Ran Hirschl, Towards Juristocracy: The Origins and Consequences of the New Constitutionalism (Cambridge: Harvard University Press, 2007); Tom Ginsburg, Judicial Review in New Democracies: Constitutional Courts in Asian Cases (Cambridge: Cambridge University Press, 2003). 9 4  استُبعد كل من الصومال واليمن والسودان وجزر القمر من مجتمع الدراسة في هذا الجزء لغياب مؤسسات الدولة أو لعدم وجود مجلس للقضاء حاليًا أو لنقص المعلومات. المصدر: المرجع نفسه.

ثلاث: أولاها، رئاسة رئيس الدولة بذاته لمجلس القضاء، وهذا هو المستقر في ست دول66. وثانيتها، اختيار السلطة التنفيذية رأس السلطة القضائية، وهذا هو الحال في ثماني دول. وثالثتها، وهي أقلية مكونة من ثلاث دول فقط، يؤدي فيها مجلس القضاء - على الأقل نظريًا - دورًا مهمًا في عملية الاختيار، وهي: العراق، وتونس، وليبيا. وفي الحقيقة يبدو العراق، فحسب، الدولة الوحيدة حاليًا التي يؤدي فيها القضاة دورًا محوريًا في اختيار رئيسهم؛ فرئاسة المجلس تبقى معقودة لرئيس محكمة التمييز الذي يجري تعيينه عن طريق التصويت بناءً على ترشيح من مجلس القضاء الأعلى من بين نواب رئيس محكمة التمييز ممن قضوا سنتين في هذا المنصب. ويرسل المرشح إلى مجلس النواب للتصويت بالموافقة، ثم يُصدر رئيس الجمهورية مرسومًا بتعيينه، ويستمر في منصبه حتى بلوغ سن التقاعد.

الشكل (2) رئاسة مجالس القضاء في الوطن العربي 2023

عدد ا جالس التي يرأسها رأس الدولة عدد ا جالس التي يرأسها شخص مع من السلطة التنفيذية عدد ا جالس التي يرأسها قاض با‚ختيار من مجلس القضاء

وفي العديد من الدول يتولى رئيس الدولة بشخصه رئاسة المجلس، فمثلً تنص المادة 89 من الدستور الموريتاني على أن: "رئيس الجمهورية هو الضامن لاستقلال القضاء، ويساعده في ذلك المجلس الأعلى للقضاء الذي

  1. ابتدعت فرنسا رئاسة رئيس الجمهورية لمجلس القضاء بمقتضى دستور الجمهورية الخامسة، ثم سار على منوالها العديد من الدول المتأثرة بالتقاليد القانونية الفرنسية. وقد أعرضت فرنسا ذاتها عن هذا الأسلوب، وذلك على الرغم من البون الشاسع بين التجربة القضائية الفرنسية، حيث لا تملك أو تجرؤ السلطة على التدخل في عملية التقاضي، وبين التجارب العربية حيث سيطرة السلطة تكاد تكون مطلقة على كل مناحي السياسات العامة. حول العلاقة بين المجلس والسلطة التنفيذية، ينظر: Nuno Garoupa & Tom Ginsburg, "Guarding the Guardians: Judicial Councils and Judicial Independence," American Journal of Comparative Law , vol. 57, no. 1 (Winter 2009), pp. 103-134.

يرأسه"67. ويتشكّل المجلس من الرئيس، ووزير العدل، ورئيس المحكمة العليا، والمدعي العام، وثلاثة قضاة منتخبين من القضاة، والمستشار القانوني للرئيس مقررًا68. وبطبيعة الحال، فإن النص على انتخاب ممثلّي القضاة أمر يُحمد للمشرع الموريتاني، ولكن رئاسة رئيس الجمهورية للمجلس - وهي رئاسة فعلية وليست شرفية - حيث تُعقد الاجتمعات في القصر الجمهوري، ووجود أغلبية من المعيّنين من لدن الرئيس، يُلقي بظلال كثيفة من الشك حول استقلال المجلس69. أما بقية الدول التي لا يتولى رئيس الدولة رئاسة المجلس فيها، فلأن السلطة التنفيذية عادة ما تنفرد باختيار رئيس المجلس من دون قيد أو شرط؛ ففي المملكة العربية السعودية مثلً، للملك سلطة مطلقة في تعيين رئيس المجلس الأعلى للقضاء. ثم إن المادة 30 من قانون القضاء القطري تنص على أن "يصدر بتعيين رئيس محكمة التمييز أمر أميري، ويكون بدرجة وزير"72. والأمر ذاته في البحرين وغيرها من الدول. ويتبع انفراد السلطة التنفيذية بسلطة التعيين، تعظيم دور رئيس المجلس وصلاحياته من أجل السيطرة غير المباشرة على أعمل المجلس ثم على مفاصل العمل القضائي؛ ففي المغرب وفقًا للمدة 56 من القانون، يسيطر الرئيس المنتدب على أعمل المجلس، حيث خوّله المشرع، إضافةً إلى رئاسته الاجتمعات، صلاحياتٍ عديدةً، أهمها: تحديد تاريخ انعقاد اجتمعات المجلس، واقتراح جدول أعمله ونشره، وإعداد مشروع الميزانية السنوية للمجلس وتنفيذها. وإضافةً إلى ذلك، أناط المشرع بالرئيس المنتدب، بعد استشارة لجنة خاصة، سلطة توقيف القضاة المتّهمين جنائيًا أو الذين اتُّهموا بارتكاب خطأ مهني جسيم. ثم إن للرئيس وحده الحقَّ في تقرير استقطاع جزء من أجر القاضي طوال مدة توقيفه (المادة 92)، وللرئيس اقتراح تعيين النائب الأول لرئيس محكمة النقض (المادة.)23 وأما في الأردن، فإن صلاحيات الرئيس جدّ واسعة، من أهمها الحق في دعوة المجلس للاجتمع (المادة 7)، والحق في إعلان شغور الوظائف (المادة 10)، وللرئيس دور مهم في تعيين جميع القضاة الجدد (المادتان 11 و 13)، وله دور مهم في إنهاء خدمة القضاة لعدم الكفاءة (المادة 15)، وله حق الإشراف الإداري على جميع القضاة (المادة 26)، ثم إن له سلطة: انتداب أيّ قاضٍ من غير أعضاء المجلس لأيّ محكمة نظامية أو خاصة، أو لتولّ إحدى وظائف النيابة العامة أو للقيام بمهمت التفتيش لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر في السنة الواحدة (المادة.)-22 أ

  1. الجمهورية الإسلامية الموريتانية، دستور   1991: أمر قانوني رقم -91 22 يتضمن دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية (نواكشوط)، شوهد في 2023/3/23، فيhttps://bit.ly/3n6szzV:
  2. كان المجلس الأعلى للقضاء قبل التعديلات الأخيرة يتألف من رئيس الجمهورية، ووزير العدل، ورئيس المحكمة العليا، والمدعي العام لدى المحكمة العليا، والمفتش العام للإدارة القضائية والسجون، ونائب رئيس المحكمة العليا الأعلى رتبة، وثلاثة قضاة منتخبين من طرف زملائهم لمدة سنتين، وممثلٍ عن مجلس الشيوخ غير برلماني، وممثلٍ عن الجمعية الوطنية غير برلماني.
  3. أضف إلى ذلك أن المجلس الأعلى للقضاء ينعقد بدعوة من رئيسه؛ أي رئيس الجمهورية، وهو من يحدد جدول أعماله بناءً على اقتراح من وزير العدل، وخاصة أن لرئيس الجمهورية حرية كبيرة في اختيار رئيس المحكمة العليا. فالمادة 14 من القانون تنص على أن: "يعين رئيس المحكمة العليا بمرسوم صادر عن رئيس الجمهورية لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد من بين القضاة الأعلى رتبة أو القانونيين ذوي الكفاءات المشهود لهم بالاستقامة والنزاهة والخبرة". وفي ذلك انتقاص من أدنى مراتب الاستقلال، حيث يمكن أن يعيّ الرئيس من يراه في هذا المنصب. ثم إن تحديد التعيين بخمس سنوات قابلة للتجديد يخلق حوافز كبيرة لدى الشخص المختار لإرضاء من عيّنه ابتداءً ومن له سلطة إعادة تعيينه.
  4. يُحسب للمشرع أن أغلب الأعضاء يحصلون على مناصبهم من خلال أقدميتهم في العمل القضائي، حيث يشمل المجلس: أقدم نواب الرئيس في محكمة التمييز نائبًا للرئيس، وبعضوية كل من أقدم القضاة في محكمة التمييز، ورئيس محكمة الاستئناف، وأقدم نواب الرئيس في محكمة الاستئناف، وأقدم القضاة في محكمة الاستئناف، ورئيس المحكمة الابتدائية. ينظر: قانون رقم (10) لسنة 0032 بإصدار قانون السلطة القضائية (الدوحة: 2003)، شوهد في 2023/3/23، في: http://bit.ly/3EZmNGz 55 التنبيه هو إحدى العقوبات التي يجوز توقيعها على القضاة، وتُحفظ في الملف الوظيفي. 56 صرّح أحد القضاة المصريين بذلك خلال معرض حديثه بالعامية المصرية، فقال "المجلس ريس". مقابلة شخصية مع أحد قضاة محكمة استئناف القاهرة، القاهرة،.2022/8/16

انتداب أيّ قاضٍ للقيام بمهمت الأمين العام لوزارة العدل مدة ثلاثة أشهر، وللمجلس - بتنسيب من الرئيس - أن يمددها إلى المدة التي يراها ضرورية (المادة.)-22 د تنبيه القاضي خطّيًا إلى كل ما يقع منه مخالفًا لواجبات وظيفته أو مقتضياتها (المادة 27)73. وحتى في الدول التي لا تنيط برأس المجلس كل هذا الكمّ من الصلاحيات، فإنه ليس الأول من بين متساوين، لكون الثقافة القضائية في العديد من الدول تقوم على تقديس الأقدمية بما يرسّخ دور الرئيس الذي يطبع المجلس بطابعه حتى إن كان يمتلك صوتًا واحدًا في المجلس، ولذلك قيل إن "المجلس هو رئيسه"77.

2. مجالس فئوية محدودة التمثيل

تتكون معظم مجالس القضاء العربية من القضاة فحسب؛ فمجالس القضاء في كل من مصر وتونس وليبيا والسعودية وقطر وغيرها تتشكل من القضاة فقط من دون أيّ تمثيل للمحامين أو أساتذة القانون أو المشرعين. ففي السعودية، على سبيل المثال، يُؤلَّف المجلس الأعلى للقضاء من رئيس يُسمى بأمر ملكي، وعشرة أعضاء على النحو الآتي: رئيس المحكمة العليا، وأربعة قضاة متفرغون بدرجة رئيس محكمة استئناف يسمّون بأمر ملكي، ونائب وزير العدل، ورئيس هيئة التحقيق والادعاء العام (النائب العام)، وثلاثة أعضاء يتوافر فيهم ما يُشترط في قاضي الاستئناف يسمون بأمر ملكي. ليس هذا فحسب، بل إن تمثيل القضاة داخل معظم المجالس معيب؛ إذ إن مجالس القضاء العربية نخبوية بامتياز، فمعظم أعضاء المجالس القضائية من كبار القضاة. ومجلس القضاء المصري مثلً كله من شيوخ القضاة، ومجلس القضاء اللبناني كذلك؛ فمن أصل عشرة أعضاء يتربّع ستة على أعلى الهرم القضائي. وفي حين تتمثل المحاكم الابتدائية، التي يشتغل فيها أكثر من 40 في المئة من القضاة، بقاضٍ واحد، فهنا أيضًا يُعَّيَّ هذا القاضي من بين رؤساء الغرف الابتدائية بما يهمّش الفئات الشبابية العاملة في محاكم الدرجة الأولى على نحو واضح. وعادة ما يؤدي ذلك إلى تعزيز النزعة النخبوية، بما ينعكس سلبيًا على أعمل التقويم والمحاسبة، بل على شرعية هذه المجالس لدى الرأي العام. ويتعارض ذلك مع المعايير الدولية ودراسات القضاء المقارن التي توصي بتركيبة مختلطة لمجالس القضاء، يُثّل فيها المحامون والأكاديميون، وحتى المشرِعون وغيرهم من أصحاب المصلحة في العمل القضائي؛ ذلك أن القضاء شأنٌ عام، وليست استقلاليته امتيازًا أو حقا فئويًا للقضاة، بل هي قبل كل شيء ضمنة للمتقاضين. وحدها المجالس القضائية المستحدثة في المغرب والجزائر أخذت بذلك. ففي المغرب يضمن التشريع تمثيل قضاة محاكم أول درجة بستة ممثلين ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم، ثم يضمن أيضًا تمثيل القاضيات من

  1. المرسوم الملكي رقم م 78/ بتاريخ 1428/9/19 ه 2007/10/1[] – قرار مجلس الوزراء رقم 303 بتاريخ 1428/9/19 ه"، 2007/10/5، شوهد في: https://bit.ly/3ZYpTTK
  2. أدت "لجنة البندقية" دورًا مهمً في بحث دور مجالس القضاء وتشكيلها في أوروبا وفي الدول المجاورة، ينظر: Maartje De Visser, “A Critical Assessment of the Role of the Venice Commission in Processes of Domestic Constitutional Reform,”  The American Journal of Comparative Law , vol. 63, no. 4 (Fall 2015), pp. 963-1008; والدراسة المقارنة لجيناروا وبيدروزلي: Carlo Guarnieri & Patrizia Pederzoli , The Power of Judges: A Comparative Study of Courts and Democracy (Oxford: Oxford University Press, 2002).

بين الأعضاء العشرة المنتخبين، بما يتناسب مع حضورهن داخل السلك القضائي. ومن بين الأعضاء الخمسة الذين يعيّنهم الملك حاليًا أساتذة في القانون، ومهندس ذو خبرة في العمل الحكومي، ورئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان ووسيط المملكة (سابقًا ديوان المظالم أو ما يسمى في التقاليد الغربية Ombudsman). والأمر قريب من ذلك في الجزائر، حيث ضمن المشرع تمثيل القضاة وأعضاء النيابة من مختلف الدرجات بخمسة عشر عضوًا منتخبًا، بل أضاف قيام التنظيم النقابي للقضاة بانتخاب عضوين، إلى جانب النص - أول مرة - على عضوية رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان. ويُحمد للمشرع الجزائري تعدّد الجهات التي تقوم بتعيين الأشخاص الستة المعيّنين، فرئيس الجمهورية يختار عضوين، ورئيس المجلس الشعبي الوطني يختار عضوين من غير النواب، في حين يختار رئيس مجلس الأمة الاثنين الأخيرين من غير أعضائه.

3. تغييب آليات الانتخاب عن تشكيل معظم مجالس القضاء

على الرغم من أن انتخاب غالبية أعضاء المجلس من جانب القضاة أنفسهم أمر أساسي لضمن تمثيلٍ فاعل في مجلسٍ مهمته الرئيسة أن يدير شؤون القضاة المهنية وأن يكون درعًا لاستقلالهم في مواجهة أيّ تدخلات سلطوية، فإن الغالبية العظمى من المجالس العليا للقضاء مشكَّلة إما بالتعيين وإما بالأقدمية. وربما يكون مردّ ذلك إلى صعوبة السيطرة على القضاة المنتخبين مقارنةً بالقضاة الذين يتبوؤون مناصبهم في المجلس بالتعيين أو بحكم الأقدمية مدةً قصيرةً قبل الإحالة إلى التقاعد، حيث يحرص هؤلاء عادة على عدم إغضاب السلطات النافذة. ومن بين ثمانية عشر مجلسًا محل الدراسة، فإن الأغلبية - أحد عشر مجلسًا - يغيب فيها مبدأ الانتخاب تمامًا. وفي المجالس السبعة، التي أخذت بالمبدأ، فإن مجلس القضاء الأعلى الجزائري هو الوحيد الذي يشكّل فيه القضاة المنتخبون الأغلبية. وفي بعض المجالس، التي أخذت بنظام الانتخاب، جرى تفريغ ذلك من محتواه؛ فمجلس القضاء الأعلى اللبناني مثلً يتشكل من عشرة أعضاء تُعيّ السلطة التنفيذية ثمانيةً منهم على نحو مباشر أو غير مباشر، هم: الرئيس الأول لمحكمة التمييز ويكون رئيسًا لمجلس القضاء الأعلى، والنائب العام التمييزي، ورئيس هيئة التفتيش القضائي، ورئيس غرفة محكمة تمييز، وأحد القضاة العاملين في وزارة العدل، ورئيسا غرفتين في محاكم الاستئناف، ورئيس غرفة في إحدى المحاكم الابتدائية، بل حتى العضوان الاثنان المنتخبان، نص القانون على انتخابهم من بين رؤساء غرف محكمة التمييز حصرًا، حيث تجري مراعاة التوزيع الطائفي. ومن ثم يكاد الانتخاب يقارب التعيين.

  1. نص المادة 180 من الدستور الجزائري وفقًا لتعديلات عام 2020، ينظر: "دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية"، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، العدد 82، شوهد في 2023/3/23، في: https://bit.ly/3Fy2XTg
  2. يعيّ هؤلاء القضاة بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير العدل. وتكون ولاية هؤلاء غير مقيدة بمدة محدودة، حيث تبقى قائمة ما دامت صفاتهم قائمة.
  3. يعيّ هؤلاء القضاة لولاية مدّتها ثلاث سنوات غير قابلة للتجديد بمرسوم صادر بناءً على اقتراح وزير العدل، ويُوقّع من طرف رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، ولكن يمكن إعادة تعيينهم لاحقًا بعد انقضاء ولاية كاملة للمجلس من تاريخ انتهاء ولايتهم فيه.
  4. إن الأعراف أدت إلى فرض المعادلة الطائفية الشهيرة: المناصفة بين المسيحيين والمسلمين مع ضمان حصص لجميع المذاهب الأساسية. وعليه، يتوزع أعضاء المجلس على النحو الآتي: ثلاثة موارنة ومن بينهم رئيس مجلس القضاء الأعلى، وأرثوذكسي وكاثوليكي وسنّيان هما النائب العام التمييزي ورئيس هيئة التفتيش القضائي وشيعيان ودرزي". ينظر: "أزمة مجلس القضاء الأعلى تُظهر عيوبه: الانتخاب بالتزكية والتعيين بالمحاصصة"، المفكرة القانونية، 2021/5/18، شوهد في 2023/3/18، في: https://bit.ly/4034WqH
  5. مايا وهيب منصور وكارلوس يوسف داود، استقلال النظام القضائي في لبنان وحياده (كوبنهاغن: الشبكة الأورو -متوسطية لحقوق الإنسان، 2009)، ص.29-28

هذا كله على الرغم من أن مبدأ الانتخاب ليس بمستجد على تقاليد القضاء العربية، حيث كانت مصر من الدول صاحبة التقاليد التليدة في هذا الصدد؛ فقد شُكّل مجلس القضاء الأعلى أول مرة في مصر بموجب المادة 34 من القانون رقم 66 لسنة 1943 (المعروف بقانون استقلال القضاء)، وكان تشكيله على النحو الآتي: رئيس محكمة النقض (رئيسًا)، والوكيل الدائم لوزارة العدل، ورئيس محكمة استئناف مصر، والنائب العام، ومستشار بمحكمة النقض تنتخبه الجمعية العمومية مدة سنتين، ومستشار بمحكمة استئناف مصر تنتخبه الجمعية العمومية مدة سنتين، ورئيس محكمة مصر الابتدائية. وعلى الرغم من أن بعضهم انتقد - في حينه - إدراج الوكيل الدائم لوزارة العدل ورئيس محكمة مصر الابتدائية اللذين يعينهم وزير العدل، فإن إقرار مبدأ انتخاب القضاة لممثليهم كان يُعدّ سبقًا ليس بمعايير استقلال القضاء في الوطن العربي فحسب، بل بالمعايير العالمية السائدة في النصف الأول من القرن العشرين. وللأسف، حدث نكوص عن مبدأ الانتخاب بعد انقلاب يوليو 1952، ولم تجرِ العودة إليه على الرغم من مطالبة القضاة بذلك.

4 ي. السيطرة من خلال تعيين أصحاب المناصب المهمة ف العمل القضائي

العامل المشترك بين تشريعات القضاء العربية هو رغبة السلطة التنفيذية في الاستئثار بتعيين المناصب الحساسة في العمل القضائي من دون مشاركة بقية سلطات الدولة أو القضاة أنفسهم، وبخاصة مناصب النائب العام ومدير إدارة التفتيش القضائي والأمين العام لمجلس القضاء؛ فالرئيس المنتدب لمجلس القضاء الأعلى في المغرب، وهو معيّ من العرش، له حق اقتراح ثلاثة مرشحين يعيّ الملك من بينهم المفتش العام الذي يشرف على المفتشية العامة للشؤون القضائية، من دون أن يكون للمجلس سوى دور استشاري في عملية التعيين (المادة 53). والأمر ذاته فيم يتعلق بمنصب الأمين العام للمجلس الذي يقود الجهاز الإداري (المادة.)50 والأمر ذاته في موريتانيا؛ فالمدعي العام، الذي يرأس جهاز الادعاء العام بما له من دور حساس في العمل القضائي، تُعيّنه السلطة التنفيذية مدة خمس سنوات قابلة للتجديد من دون قيد غير اشتراط أن يكون من مصافّ كبار القضاة والقانونيين. ويجري أيضًا تعيين الأمين العام للمحكمة العليا بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء بناءً على اقتراح من وزير العدل. ويتولى الأمين العام إدارة المحكمة العليا تحت رقابة رئيس المحكمة، وهو كم أسلفنا معيّ أيضًا. وبذا، تسيطر السلطة التنفيذية من خلال الرئيس والأمين على مفاصل العمل في المحكمة. أما في مصر، فقد حرصت السلطة منذ عام 1952 على الاستئثار الكامل بعملية اختيار النائب العام، إذ رفض الرؤساء المتعاقبون منذ عبد الناصر وحتى مبارك إشراك أيّ جهة في عملية اختيار هذا المنصب الحساس الذي يسيطر على عمليتي الادعاء والتحقيق. ولكن جاء دستور 2012 لينيط عملية الاختيار بالمجلس الأعلى للقضاء. والترتيب ذاته أخذ به دستور 2014 في المادة 189 التي نصت على أن: "يتولى النيابة العامة نائبٌ عام يختاره مجلس القضاء الأعلى من بين نواب رئيس محكمة النقض، أو الرؤساء

  1. لمزيد من التفصيل، ينظر: لطيفة محمد سالم، النظام القضائي المصري الحديث 1914-1952:، ج 2 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2001)، ص.304-319

بمحاكم الاستئناف، أو النواب العامين المساعدين، ويصدر بتعيينه قرار من رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات، أو للمدة الباقية حتى بلوغه سن التقاعد، أيهم أقرب، ولمرة واحدة طوال مدة عمله". ولكن جرت العودة مرة أخرى إلى أسلوب اختيار رئيس الجمهورية النائبَ العام بمقتضى التعديل الدستوري لعام 2019. وأحيانًا تخلو عملية التعيين من أثر ذلك القفاز الحريري المتمثل في القانون، والذي يُخفي اليد الطولى للسلطة؛ ففي الكويت مثلً، وهي من أفضل الدول العربية فيم يتعلق بالتوازن بين السلطات، شهد صيف 2022 أحداثًا ساخنة، حيث أرادت السلطة تغيير النائب العام الذي شغل هذا المنصب نحو عشر سنوات، فقدّم وزير العدل طلبًا إلى مجلس القضاء الأعلى بتعيين النائب العام في منصب نائب رئيس محكمة الاستئناف، وهو ما اعترض عليه الأخير، واصفًا القرار بأنه "يتعارض مع التقاليد والأعراف القضائية المستقرة ولا يليق بمن شغل منصب النائب العام"، ثم ارتأى أن المنصب الجديد "لا يكافئ منصب النائب العام"، بصفته منصبًا أدنى وأقل من استحقاقه، وانتهى الأمر بتقديم النائب العام استقالته. ويُعتبر تدخّل السلطة التنفيذية ممثلةً بوزارة العدل، ومن خلفها أو من خلالها أجهزة الأمن، في التعيينات القضائية أمرًا شائعًا في مختلف الدول العربية. وما يظهر منه على السطح ليس إلا قمة جبل الجليد التي تخفي أكثر مم تعلن. وحدها ليبيا في السنوات الأخيرة، ربما بسبب التنافس بين الجمعات المختلفة والتنازع حول تشكيل السلطة التنفيذية، أحرزت تقدمًا في هذا الصدد، حيث ليس للسلطة التنفيذية دور رسمي في تعيين أصحاب هذه المناصب الثلاثة. وإذا كان من الضروري دراسة حالة استقلال مجالس القضاء في الوطن العربي لرسم صورة آنية عن حال استقلال القضاء عمومًا، فإن من الأهمية بمكان بحث تطور الاستقلال المؤسسي عبر الزمن؛ ذلك أن درجة استقلال مجالس القضاء العربية ليست جامدة، فبعض الدول تتقدّم في حين أن بعضها الآخر يعود القهقرى، وكثير منها ظل يراوح مكانه. فمن الدول التي لم تشهد تغيرًا كبيرًا: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وسورية ولبنان، حيث نجد أن المجلس الأعلى للقضاء الاتحادي في الإمارات، منذ تأسيس الدولة، معيّ بالكامل من جانب السلطة التنفيذية وبرئاسة وزير العدل. وكذا مجلس القضاء الأعلى اللبناني الذي لم يتغير تشكيله منذ إبرام اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية. وتُعد تونس من الدول التي شهدت تراجعًا كبيرًا في العامين الأخيرين، فقد كانت المجالس القضائية التونسية الثلاثة (مجلس القضاء العدلي، ومجلس القضاء الإداري، ومجلس القضاء المالي)، منذ إقرار دستور 2014 تسير على أفضل المعايير الديمقراطية، بتمثيل القضاة ذواتهم في المجلس من خلال أعضاء منتخبين، وتمثيل بقية أعضاء الجسد القضائي بمعناه الواسع Stakeholders من محامين وأساتذة قانون ومعاوني قضاة، والنص كذلك على انتخاب الرئيس من جانب الأعضاء. ولكن حلّ

  1. نص خطاب الاستقالة منشور في صحيفة القبس، ينظر: "النائب العام المستشار ضرار العسعوسي يقدم استقالة مسببة إلى وزير العدل "، القبس، 2022/7/7، شوهد في 2023/3/23، في: http://bit.ly/3mmLczf
  2. الفصل 10 من القانون الأساسي، العدد 34 لسنة 2016، مؤرّخ في 28 نيسان/ أبريل 2016 يتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء، نص على أن يتكون مجلس القضاء العدلي من خمسة عشر عضوًا كما يلي: أربعة قضاة معينين بالصفة، وهم: الرئيس الأول لمحكمة التعقيب، ووكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب، والرئيس الأول لمحكمة الاستئناف في تونس، ورئيس المحكمة العقارية؛ إضافة إلى ستة قضاة منتخبين من نظرائهم في الرتبة بحساب عضوين عن كل رتبة؛ وخمسة أشخاص مستقلين من ذوي الاختصاص منتخبين من نظرائهم كما يلي: ثلاثة محامين، وأستاذ جامعي مختص في القانون الخاص من غير المحامين، وعدل منفذ.

الرئيس قيس سعيد المجلس الأعلى للقضاء بهياكله الثلاثة واستبدله بثلاثة مجالس من قضاة عاملين يشغلون عضوية المجلس بحكم مناصبهم وقضاة متقاعدين يعيّنهم الرئيس بإرادته المنفردة. وهذا الترتيب يستعيد تجربة الجمهورية الأولى في إيجاد مجلس خاضع بالكامل للسلطة التنفيذية، حيث لا انتخاب للأعضاء من القضاة، وحيث جرى إلغاء عضوية المحامين والأساتذة الجامعيين والخبراء في المجلس. وشهدت مصر كذلك تراجعًا ملموسًا في معايير الاستقلال المؤسسي من ناحيتين: الأولى، تغيير طريقة اختيار رؤساء الهيئات القضائية من الأقدمية المطلقة إلى التعيين الرئاسي. والثانية، إنشاء المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية الذي يبدو استنساخًا للتجربة الناصرية؛ فالمجلس المستحدث يرأسه رئيس الجمهورية ويضم في عضويته: وزير العدل، ورئيس المحكمة الدستورية العليا، ورئيس محكمة النقض، ورئيس مجلس الدولة، ورئيس محكمة استئناف القاهرة، والنائب العام، ورئيس هيئة قضايا الدولة، ورئيس هيئة النيابة الإدارية. وهو في ذلك قريب، من حيث العضوية، من سابقه في الحقبة الناصرية وأواخر عهد مبارك، ولكن جرت إضافة رئيس هيئة القضاء العسكري إلى عضوية المجلس. والملاحظ أن كل هؤلاء الأعضاء، باستثناء رئيس محكمة استئناف القاهرة، يعيّنهم رئيس الجمهورية.

  1. المرسوم عدد 11 لسنة 2022 مؤرخ في 12 فيفري 2022 يتعلق بإحداث المجلس الأعلى المؤقت للقضاء"، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد 16 (2022)، شوهد في 2023/3/18، في: http://bit.ly/3IU7kbM
  2. وقد لخص أحد القضاة التونسيين إشكالات هذا المرسوم بقوله: "إن المعيّنين بالصفة في مجلس القضاء يسميهم الرئيس، ويحق له في كل حين استبدال غيرهم بهم. إن الرئيس لم يكتفِ بأن أسند لنفسه صلاحية تعيين أعضاء المجلس من المتقاعدين، بل زاد على ذلك تخويله أن يكون اختيارهم من بين قائمة المترشحين للمنصب، التي يقدمها له المجلس المعني، أو من خارجها. إنه على مستوى القضاء العدلي، تم إرجاع مدير المصالح العدلية، وهو تابع إداريًا لوزير العدل، إلى المجلس المؤقت، من ضمن أصحاب المراكز المعيّنين بالصفة. ويكتسي إرجاع هذا المسؤول إلى المجلس رمزية كبيرة، حيث إنه كان يتحكم فعليًا في مجلس القضاء في الجمهورية الأولى مستخدمًا سلطته لفرض تبعية القضاء للسلطة التنفيذية". ينظر: محمد العفيف الجعيدي، "مرسوم حل المجلس الأعلى للقضاء: قراءة في نص عصف بحلم قديم"، المفكرة القانونية، 2023/2/24، شوهد في 2023/3/18، في: https://bit.ly/42kUvQR
  3. ولم يكتفِ الرئيس سعيّد بتحطيم استقلال المجلس، بل عصف كذلك بالضمانات الوظيفية للقضاة على مختلف المستويات، فنصت المادة 20 من المرسوم الرئاسي على أن "لرئيس الجمهورية الحق في طلب إعفاء كل قاضٍ يخلّ بواجباته المهنية". وفرض المرسوم على مجلس القضاء إيقاف القاضي الذي يطلب الرئيس إعفاءه فورًا عن العمل وأن "يبتّ فيه في أجل شهر"، بل نص المرسوم على أن يكون للرئيس حق اتخاذ قرار الإعفاء منفردًا حال عدم التزام المجلس بذاك الأجل. ولم يكتف الرئيس بذلك، بل نصت المادة/ الفصل 22 على أن "لرئيس الجمهورية، في صورة التأكد أو المساس بالأمن العام أو بالمصلحة العليا للبلاد، وبناءً على تقرير معلل من الجهات المخولة، إصدار أمر رئاسي يقضي بإعفاء كل قاضٍ تعلّق به ما من شأنه أن يمسّ من سمعة القضاء أو استقلاليته أو حُسن سيره. وتُثار الدعوى العمومية ضد كل قاضٍ يتم إعفاؤه على معنى هذا الفصل. لا يمكن الطعن في الأمر الرئاسي المتعلق بإعفاء قاضٍ إلا بعد صدور حكم جزائي بات في الأفعال المنسوبة إليه". ينظر: "المرسوم عدد 35 لسنة 2022 المؤرخ في 1 جوان يتعلق باتٕمام المرسوم عدد 11 لسنة 2022 المؤرخ في 12 فيفري المتعلق بإحداث المجلس الأعلى المؤقت للقضاء"، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، 2022/6/1، في 24/2/2023، في: http://bit.ly/3Zoj6Cz

الجدول (2) الاستقلال المؤسسي لمجالس القضاء في الوطن العربي 2023

الدولةالعددأسلوب اختيار
الرئيس
أسلوب اختيار الأعضاءمدة العضوية
الأردن11رئيس محكمة
التمييز
التعيين: الملك
رئيس المحكمة الإدارية العليا نائبًا للرئيس،
ورئيس النيابة العامة لدى محكمة التمييز،
والأمين العام لوزارة العدل
البقاء في المنصب
أقدم قاضٍ في محكمة التمييزبلوغ سن
التقاعد
رؤساء محاكم الاستئناف الثلاث (عمن، وإربد،
وامعان)، ورئيس محكمة بداية عمن
ثلاث سنوات غير
قابلة للتجديد
أقدم رئيسين من رؤساء محاكم البداية خارج
العاصمة
سنتان غير
قابلتين للتجديد
الإمارات7ومزير العدلأربعة أعضاء معينين: وكيل وزارة العدل، ورئيس
المحكمة الاتحادية العليا، والنائب العام، ومدير
دائرة التفتيش القضائي
أقدم رؤساء المحاكم الاتحادية الاستئنافية، وأقدم
رؤساء المحاكم الاتحادية الابتدائية
البقاء في المنصب
األبحرين9 على
الأقل
الملكالتعيين: رئيس محكمة التمييز، النائب العام
عدد لا يقل عن خمسة من أعضاء السلطة
االقضائية الحاليين أو السابقين.
البقاء في المنصب
ثلاث سنوات
قابلة للتجديد
تونسالرئيس الأول
لماحكمة التعقيب
ثلاثة قضاة عاملين: وكيل الدولة العام لدى محكمة
التعقيب، ووكيل الدولة العام مدير المصالح العدلية،
ورئيس المحكمة العقارية وثلاثة قضاة متقاعدين
من القضاء العدلي يعينون بأمر رئاسي
الجزائر27رئيس الجمهوريةتسعة أشخاص معينين: الرئيس الأول للمحكمة
العليا، ورئيس مجلس الدولة، ورئيس المجلس
الوطني لحقوق الإنسان، وست شخصيات يعينها
رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الشعبي الوطني
ورئيس مجلس الأمة بالتساوي. إضافة إلى سبعة
عشر قاضيًا منتخبًا
أربع سنوات غير
قابلة للتجديد
جيبوتي11رئيس الجمهوريةستة أعضاء معينين: مناصفة بين رئيس الجمهورية
ورئيس الجمعية
أربعة قضاة يجري انتخابهم من جانب أقرانهم
أربع سنوات
الدولةالعددأسلوب اختيار
الرئيس
أسلوب اختيار الأعضاءمدة العضوية
السعودية10رئيس المحكمة
العليا. التعيين:
الملك
تسعة أعضاء معينينأربع سنوات
سورية8رئيس الجمهوريةأربعة أعضاء معينين: وزير العدل، ومعاون وزير
العدل، والنائب العام، ورئيس إدارة التفتيش
القضائي
البقاء في المنصب
رئيس محكمة النقض يختاره مجلس القضاء (((7بلوغ سن
التقاعد
عضوان بالأقدمية: النائبان الأقدمان لرئيس
محكمة النقض
بلوغ سن
التقاعد
العراق2م3رئيس محكمة
التمييز: ترشيح
المجلس وموافقة
أغلبية مجلس
النواب
نواب رئيس محكمة التمييز الاتحادية
رئيس الادعاء العام: ترشيح المجلس وتصديق
مجلس النواب
رئيس هيئة الإشراف القضائي: ترشيح المجلس
وتصديق مجلس النواب
رؤساء محاكم الاستئناف الاتحادية
رؤساء مجالس القضاء في الأقاليم
بلوغ سن
التقاعد
مدة أربع
سنوات
البقاء في المنصب
فلسطين9رئيس المحكمة
العليا. التعيين:
رئيس الدولة
عضو بالأقدمية: أقدم نواب رئيس المحكمة العليا
نائبًا
عضوان بالانتخاب تختارهم هيئة المحكمة العليا
رؤساء محاكم استئناف القدس وغزة ورام الله
عضوان بالتعيين: النائب العام ووكيل وزارة العدل
بلوغ سن
التقاعد عدا
وكيل وزارة
العدل
قطر7رئيس محكمة
التمييز. التعيين:
الأمير
أربعة أعضاء بالأقدمية: أقدم نواب الرئيس في
محكمة التمييز، وأقدم القضاة في محكمة التمييز،
وأقدم نواب الرئيس في محكمة الاستئناف، وأقدم
القضاة في محكمة الاستئناف
عضوان بالتعيين: رئيس محكمة الاستئناف ورئيس
المحكمة الابتدائية
بلوغ سن
التقاعد
الدولةالعددأسلوب اختيار
الرئيس
أسلوب اختيار الأعضاءمدة العضوية
الكويت9رئيس محكمة
التمييز. التعيين:
مرسوم
ستة أعضاء معينين: نائب رئيس محكمة التمييز،
ورئيس محكمة الاستئناف، والنائب العام، ونائب
رئيس محكمة الاستئناف، ورئيس المحكمة الكلية،
ووكيل وزارة العدل
أقدم اثنين من وكلاء محكمتي التمييز والاستئناف
ورئيس محكمة التمييز
بلوغ سن
التقاعد عدا
وكيل وزارة
العدل
لبنان10التعيين: مجلس
الوزراء
سبعة أعضاء معينين،
واثنان يُنتخبان من بين رؤساء غرف محكمة
التمييز من جانب أعضاء هذه المحكمة حصرًا
واالرئيس
البقاء في المنصب
ثلاث سنوات
ليبيا1ى1رئيس التفتيش
على الهيئات
االقضائية
النائب العام منتخب من مجلس النواب ((7 (– نائبًا
للرئيس، وتسعة أعضاء منتخبين يمثلون محاكم
الاستئناف الست وإدارة القضايا وإدارة المحاماة
االعامة وإدارة القانون
عدا منصب
رئيس المجلس
ونائبه تكون
العضوية مدة
ثلاث سنوات
مصر7التعيين: رئيس
الجمهورية
التعيين: النائب العام/ الأقدمية: رئيس محكمة
استئناف القاهرة، وأقدم اثنين من نواب رئيس
محكمة النقض، وأقدم اثنين من رؤساء محاكم
الاستئناف
بلوغ سن
التقاعد عدا
النائب العام
الذي يعيّ مدة
أربع سنوات
المغرب21ارلملكعشرة أعضاء معينين (خمسة أعضاء يعيّنهم الملك
مباشرة، والخمسة الباقون يمثلون في المجلس
بصفاتهم، ولكنهم معيّنون جميعًا من لدن
العرش)
أربع سنوات
قابلة للتجديد
مرة واحدة
عشرة أعضاء منتخبين من جانب القضاةخمس سنوات
غير قابلة
للتجديد
موريتانيا7رائيس الجمهوريةثلاثة أعضاء معينين: وزير العدل، والمدعي العامالبقاء في المنصب
رئيس المحكمة العلياخمس سنوات
ثلاثة قضاة ينتخبهم القضاةسنتان

وتحدد المواد (7-10) من القانون صلاحيات واسعة للمجلس انتُزعت من صلاحيات المجالس العليا (القضاء، ومجلس الدولة، والنيابة الإدارية)، من أهمها: وضع شروط التعيين في مختلف الوظائف القضائية، ومراجعة اختيارات المجالس القضائية المختلفة للتأكد من تطبيق القواعد الموضوعة (المادة 7)، وتحديد أعداد المترقيّن سنويًا إلى كل وظيفة من الوظائف القضائية في كل جهة وهيئة من الهيئات القضائية (المادة 8)، ووضع قواعد ندب الجهات والهيئات القضائية (المادة 9)، وكذلك يؤخذ رأي المجلس في مشروعات القوانين المنظّمة لشؤون الجهات والهيئات القضائية (المادة 10). وقد سارت السلطة الفلسطينية على الدرب ذاته، فأصدرت المرسوم رقم (17) لسنة 2022 بشأن المجلس الأعلى للهيئات والجهات القضائية، بتشكيلٍ وصلاحياتٍ تجعله يحاكي مثيله في مصر. وعلى النقيض، يُعدّ المغرب من الدول التي أحرزت تقدمًا ملموسًا في هذا المجال؛ فمجلس القضاء الأعلى المغربي من المجالس القضائية المتوازنة نسبيًا من حيث التشكيل. وعلى الرغم من استمرار رئاسة الملك للمجلس، فإن الرئاسة الفعلية من نصيب الرئيس الأول لمحكمة النقض (رئيسًا منتدبًا)، ويحقق المجلس توازنًا بين المعيّنين والمنتخبين؛ فنصف المجلس، بمن فيه الرئيس المنتدب، معيّ، في حين أن النصف الآخر ينتخبه القضاة من مختلف الدرجات. وتُعدّ ليبيا كذلك من بين الدول التي أحرزت تطورًا ملموسًا بعد إطاحة نظام القذافي؛ فالمجلس المكون من ثمانية أعضاء أغلبيته من الأعضاء المنتخبين، واثنان فقط تشارك السلطة التشريعية في اختيارهم، ويغيب دور السلطة التنفيذية تمامًا. فوفقًا لآخر التعديلات، يُشكَّل المجلس الأعلى للقضاء على النحو التالي: - رئيس التفتيش على الهيئات القضائية – رئيسًا للمجلس. - النائب العام – نائبًا للرئيس. - مستشار عن كل محكمة استئناف تنتخبه جمعيتها بالاقتراع السري. - عضو من كل من إدارة القضايا وإدارة المحاماة العامة وإدارة القانون لا تقل درجته عن الدرجة المعادلة لدرجة مستشار في محكمة الاستئناف ينتخبه من هم في درجته من أعضاء الإدارة بالاقتراع السري. وتُعدّ سلطنة عُمن أيضًا من الدول التي عرفت العديد من التغيرات الإيجابية، حيث اعتبر النظام الأساسي للدولة القضاء سلطةً مستقلةً لا يتبع لوزارة العدل والشؤون القانونية التي لم تعُد تختص بشؤون القضاة. وقد نُقلت كل الاختصاصات المتعلقة بشؤون القضاء إلى المجلس الأعلى للقضاء، وجرى النص أيضًا على أن تكون للمجلس ميزانية سنوية مستقلة. وعلى صعيد آخر، عرف تشكيل المجلس تطورًا نوعيًا كبيرًا عمّ كان عليه عند تأسيسه سنة 1999، فعلى الرغم من احتفاظ سلطان البلاد برئاسة المجلس، فقد تغيرت العضوية

  1. 5 7  "المرسوم السلطاني رقم/6 2021 بإصدار النظام الأساسي للدولة"، وزارة العدل والشؤون القانونية، شوهد في 2023/3/23، ف:ي https://bit.ly/3n4S0BT 6 7  "المرسوم السلطاني رقم 2022 /35 بشأن تنظيم إدارة شؤون القضاء"، الجريدة الرسمية، العدد 1446، شوهد في 2023/3/23، ف:ي https://bit.ly/3JRhpbw برئاسة نائب الرئيس. المصدر: المرجع نفسه.
  2. مرسوم رقم (17) لسنة 2022 بشأن المجلس الأعلى للهيئات والجهات القضائية"، الجريدة الرسمية، العدد 196، 2022/11/23، شوهد في 2023/3/23، في: https://bit.ly/3JP3anr

والجمرك، وعلى ذلك أضحت العضوية مقتصرة على كبار القضاة من الفئتين التاليتين:

للتفتيش القضائي، وأقدم اثنين من رؤساء محكمة الاستئناف.

تشكيل المجلس وفق المرسوم
السلطاني رقم /93 1999
تشكيل المجلس وفق المرسوم
السلطاني رقم /9 2012
تشكيل المجلس وفق المرسوم
السلطاني رقم /35 2022
وزير العدل نائبًا للرئيسرئيس المحكمة العليا نائبًا للرئيسنائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء
المفتش العام للشرطة والجمركرئيس محكمة القضاء الإداريرئيس المحكمة العليا
رئيس المحكمة العلياأقدم نائب رئيس في المحكمة
العليا
أقدم نائب لرئيس المحكمة العليا
رئيس محكمة القضاء الإداريرئيس دائرة المحكمة الشرعية في
المحكمة العليا
رئيس الدائرة الإدارية في المحكمة
العليا
المدعي العامالمدعي العامالمدعي العام
أقدم نائب رئيس في المحكمة
العليا
نائب رئيس محكمة القضاء
الإداري
رئيس الإدارة العامة للتفتيش
القضائي
رئيس دائرة المحكمة الشرعية في
المحكمة العليا
أقدم رئيس محكمة استئنافأقدم اثنين من رؤساء محاكم
الاستئناف
نائب رئيس محكمة القضاء
الإداري
أقدم رئيس محكمة استئناف

إيجابيًا، إذ جرى استبعاد وزير العدل الذي كان يشغل منصب نائب الرئيس، والمفتش العام للشرطة

ثلاثة أعضاء معينين: رئيس المحكمة العليا، ورئيس الدائرة الإدارية في المحكمة العليا، والمدعي العام. أربعة أعضاء بحكم الأقدمية/ المنصب، هم: أقدم نائب رئيس في المحكمة العليا، ورئيس الإدارة العامة

الجدول (3) تطور تشكيل المجلس الأعلى للقضاء في سلطنة عُمن 2022-1999

  1. في سلطنة عمُان، تُعدّ رئاسة السلطان للمجلس كغيره من بقية مؤسسات الدولة في السلطنة أمرًا معتادًا، ففي الأغلب تعقد الاجتماعات

خاتمة

إن دراسة المعايير المؤسسية لاستقلال المجالس العليا للقضاء ومؤسسات الرقابة على التشريعات تلفت الانتباه إلى أمور عدة، منها: تفاوت الدول العربية محل الدراسة في توفيرها مقومات استقلال هذه المؤسسات، حيث يقبع بعضها في أدنى درجات الاستقلال بينم حقق بعضها الآخر تقدمًا في ذلك. تراجع بعض الدول العربية عم كانت عليه سابقًا، في حين أحرزت دول أخرى تقدمًا يُحمد لها مقارنةً بما كانت عليه سابقًا، كم توضح المقارنة الزمنية. العامل المشترك بين كل الدول العربية هو، للأسف، عدم بلوغ أيّ منها درجة الاستقلال التي تتمتع بها المجالس العليا للقضاء ومؤسسات الرقابة على التشريعات في الدول الديمقراطية. ولذلك، فمن أهداف هذه الدراسة وغيرها في هذا الملف لفت انتباه أهل العلم ورجال السياسة، بل المواطن العادي إلى واقع تدنّ استقلال هذه المؤسسات التي لها أثر كبير في حياة الفرد والجمعة، بما يمكن أن يساعد في نشر الوعي بأهمية ذلك وأثره. ومن الأهداف أيضًا تسليط الضوء على تعدد مناحي استقلال القضاء وأبعاده ودور مؤسساته السياسي والمجتمعي، مع محدودية الدراسات في هذا المجال المهم بما يجدر أن يجذب شباب الباحثين العرب لطَرْق سبيل دراسة الدور السياسي لمؤسسات القضاء، بهدف وضع بذور مدرسة عربية في حقل العلوم السياسية لدراسات القضاء المقارن.

المراجع

العربية

السنوسى، صبرى محمد. آثار الحكم بعدم الدستورية: دراسة مقارنة. القاهرة: دار النهضة العربية،.2018 بن سيد أب، سيدي محمد. "التطور الدستوري والسياسي في موريتانيا". المجلة الجزائرية للعلوم السياسية والقانونية. مج 40، العدد 4.)2003(

بوسطلة، شهرزاد وجميلة مدور. "مبدأ الرقابة على دستورية القوانين وتطبيقاته في التشريع الجزائري". مجلة الاجتهاد القضائي، مج 3، العدد 4.)2008(

جاسم، حنان طلال وسوسن عادل ناجي. "الدستور العراقي لعام 1925 دراسة تاريخية". دراسات في التاريخ والآثار. العدد).2019(68

الجمهورية الإسلامية الموريتانية. دستور 1991: أمر قانوني رقم -9122 يتضمن دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية. نواكشوط. في https://bit.ly/3n6szzV:

جمهورية العراق. مجلس القضاء الأعلى. قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لعام 004 2. بغداد: 2004:. في https://bit.ly/3ZWViG9 سالم، لطيفة محمد. النظام القضائي المصري الحديث 1914: - 1952. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، شودري، سوجيت وكاثرين غلين بايس. المحاكم الدستورية بعد الربيع العربي: آليات التعيين واستقلالية المحاكم. نيويورك: مركز العمليات الانتقالية الدستورية في كلية الحقوق- جامعة نيويورك؛ المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات،.2014

الصباح، وفاء بدر. "مدى اختصاص المحكمة الدستورية الكويتية بالتفسير الملزم للدستور". مجلة العلوم القانونية والاقتصادية. السنة 58، العدد 1، ج 2 (كانون الثاني/ يناير.)2017

العبد الله، عمر. "الرقابة على دستورية القوانين (دراسة مقارنة)". مجلة جامعة دمشق. مج 17، العدد 2.)2001(العتيبي، فيحاء محمد. "مجلس الأمة الكويتي الأول 1963 م (التجربة والرؤية): دراسة تاريخية من الوثائق البريطانية". مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية. السنة 38، العدد 144 (كانون الثاني/ يناير.)2012

القانون الأساسي العراقي لعام 1925:. في http://bit.ly/3mpOpy4

قانون رقم (10) لسنة 003 2 بإصدار قانون السلطة القضائية. الدوحة: 2003:. في http://bit.ly/3EZmNGz محمد، البرج. "دور المجلس الدستوري الجزائري خلال الأزمات الدستورية (الفراغ الرئاسي 1992 - التحول السياسي 2019)". المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والسياسية. مج 59، العدد 1.)2022(

منصور، مايا وهيب وكارلوس يوسف داود. استقلال النظام القضائي في لبنان وحياده. كوبنهاغن: الشبكة الأورو-متوسطية لحقوق الإنسان،.2009

نجيب، محمد فتحي. التنظيم القضائي المصري. القاهرة: دار الطباعة الحديثة،.1988

الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور. مشروع الدستور. البيضاء: 2019/7/29:. في https://bit.ly/2pEf5KN ولد بلاتي، محمد المختار. "التعديل الدستوري الثالث في موريتانيا: السياقات السياسية والأبعاد القانونية". مجلة المجلس الدستوري. العدد).2020(15

ولد سيدي باب، محمد الأمين وصديقي محمد لمين. "الإصلاحات السياسية والدستورية في موريتانيا: الواقع والتحديات". المجلة الأفريقية للدراسات القانونية والسياسية. مج 3، العدد 2 (كانون الأول/ ديسمبر.)2019

الأجنبية

An-Na'im, Abdullahi Ahmed (ed.). Human Rights Under African Constitutions: Realizing the Promise for Ourselves. Philadelphia: Pennsylvania University Press, 2003.

Arato, Andrew. Constitution Making Under Occupation: The Politics of Imposed Revolution in Iraq. New York: Columbia University Press, 2009.

Binder, Sarah A., R. A. W. Rhodes & Bert A. Rockman (eds.).  The Oxford Handbook of Political Institutions. Oxford: Oxford University Press, 2008.

Brown, Nathan J. & Julian G. Waller. “Constitutional Courts and Political Uncertainty: Constitutional Ruptures and the Rule of Judges.”  International Journal of Constitutional Law. vol. 14, no. 4 (October 2016).

Cook, Steven A. Ruling But Not Governing: The Military and Political Development in Egypt, Algeria, and Turkey. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2007.

De Visser, Maartje. “A Critical Assessment of the Role of the Venice Commission in Processes of Domestic Constitutional Reform.”  The American Journal of Comparative Law. vol. 63, no. 4 (Fall 2015).

Droz-Vincent, Philippe. Military Politics of the Contemporary Arab World. Cambridge: Cambridge University Press, 2020.

Finkel, Jodi. Judicial Reform as Political Insurance: Argentina, Peru, and Mexico in the 1990s. Notre Dame: University of Notre Dame Press, 2004.

Garoupa, Nuno & Tom Ginsburg. “Guarding the Guardians: Judicial Councils and Judicial Independence.” American Journal of Comparative Law. vol. 57, no. 1 (Winter 2009).

Gillman, Howard & Cornell Clayton (eds.). The Supreme Court in American Politics: New Institutionalist Interpretations. Lawrence: University Press of Kansas, 1999.

Ginsburg, Tom. Judicial Review in New Democracies: Constitutional Courts in Asian Cases. Cambridge: Cambridge University Press, 2003.

Guarnieri, Carlo & Patrizia Pederzoli. The Power of Judges: A Comparative Study of Courts

and Democracy. Oxford: Oxford University Press, 2002.

Hamad, Mahmoud. Judges and Generals in the Making of Modern Egypt: How Institutions

Sustain and Undermine Authoritarian Regimes. Cambridge: Cambridge University

Press, 2018.

Hirschl, Ran. Towards Juristocracy: The Origins and Consequences of the New Constitutionalism.

Cambridge, MA/ London: Harvard University Press, 2004.

________. Towards Juristocracy: The Origins and Consequences of the New Constitutionalism. Cambridge: Harvard University Press, 2007.

Katznelson, Ira & Helen V. Milner (eds.). Political Science: The State of the Discipline.

New York: Norton, 2002.

Landfried, Christine (ed.). Judicial Power: How Constitutional Courts Affect Political

Transformations. Cambridge: Cambridge University Press, 2019.

Lombardi, Clark B. “Egypt’s Supreme Constitutional Court: Managing Constitutional

Conflict in an Authoritarian, Aspirationally Islamic State.” Journal of Comparative Law.

vol. 3, no. 2 (2008).

Malleson, Kate & Peter Russell (eds.). Appointing Judges in an Age of Judicial Power: Critical

Perspectives from Around the World. Toronto: University of Toronto Press, 2006.

Moustafa, Tamir. The Struggle for Constitutional Power: Law, Politics, and Economic

Development in Egypt. New York: Cambridge University Press, 2007.

Shapiro, Martin & Alec Stone Sweet. On Law, Politics, and Judicialization. New York: Oxford

University Press, 2002.

Vallinder, Torbjörn. “The Judicialization of Politics: A World-Wide Phenomenon:

Introduction.”  International Political Science Review. vol. 15, no. 2 (1994).

Wright, Joseph. “Do Authoritarian Institutions Constrain? How Legislatures Affect Economic

Growth and Investment.” American Journal of Political Science. vol. 52, no. 2 (April 2008).