الاستجابة الحكومية للكوارث الطبيعية في بلدان النزاع: حالة الفيضانات في درنة 2023
Governmental Responses to Natural Disasters in Conflict Countries: The Case of Derna's Floods, 2023
الملخّص
يتناول التقرير الاستجابة الحكومية لكارثة الفيضانات في مدينة درنة في ليبيا، وذلك بتحليلها من خلال أربع مراحل رئيسة، هي: إدارة المخاطر، والاستعداد للكارثة، والاستجابة الفورية، والتعافي وإعادة الإعمار. ويوضح حالة الضعف الشديد في التعامل مع مقتضيات إدارة الكارثة وعدم استجابة السلطات في ليبيا معها بالجدّية والمسؤولية الواجبتَين، فضلًا عن عدد آخر من الاختلالات الهيكلية والإدارية. ويقدّم عدة توصيات، منها: رفع كفاءة المركز الوطني للأرصاد الجوية وتجهيزه بمعدّات حديثة، وتحسين معايير اختيار القيادات المسؤولة عن إدارة الكوارث، وتعزيز مشاركة المجتمع المدني والقطاع الخاص والخبراء المستقلين، وترشيد الاستجابة الأمنية، وتطبيق قواعد المساءلة بفاعلية، ورفع مستويات الرقابة القضائية، وتنظيم توزيع المساعدات والتعويضات المالية لضمان الوصول العادل والتسليم في الوقت المناسب، وإنشاء مركز أبحاث لمخاطر المناخ والاستجابة للطوارئ وإدارة الأزمات.
Abstract
ملخص: يتناول التقرير الاستجابة الحكومية لكارثة الفيضانات في مدينة درنة في ليبيا، وذلك بتحليلها من خلال أربع مراحل رئيسة، هي: إدارة المخاطر، والاستعداد للكارثة، والاستجابة الفورية، والتعافي وإعادة الإعمر. ويوضح حالة الضعف الشديد في التعامل مع مقتضيات إدارة الكارثة وعدم استجابة السلطات في ليبيا معها بالجدّية والمسؤولية الواجبَتيَن، فضلًا عن عدد آخر من الاختلالات الهيكلية والإدارية. ويقدّم عدة توصيات، منها: رفع كفاءة المركز الوطني للأرصاد الجوية وتجهيزه بمعدّات حديثة، وتحسين معايير اختيار القيادات المسؤولة عن إدارة الكوارث، وتعزيز مشاركة المجتمع المدني والقطاع الخاص والخبراء المستقلين، وترشيد الاستجابة الأمنية، وتطبيق قواعد المساءلة بفاعلية، ورفع مستويات الرقابة القضائية، وتنظيم توزيع المساعدات والتعويضات المالية لضمن الوصول العادل والتسليم في الوقت المناسب، وإنشاء مركز أبحاث لمخاطر المناخ والاستجابة للطوارئ وإدارة الأزمات. كلمت مفتاحية: كارثة فيضانات درنة، إدارة الكوارث الطبيعية، إدارة المخاطر، الاستجابة الحكومية للكوارث، إعادة الإعمر، ليبيا. Abstract: This report examines the Libyan government’s response to the flood disaster in Derna, analyzing its approach across four critical phases: risk management, disaster preparedness, immediate response, and recovery and reconstruction. The report identifies substantial weaknesses in the handling of disaster management requirements, including a lack of serious and responsible engagement by Libyan authorities, along with numerous structural and administrative deficiencies. Key recommendations include enhancing the capabilities of the National Meteorological Center through modern equipment, refining the selection criteria for disaster management leadership, strengthening the involvement of civil society, the private sector, and independent experts, optimizing security responses, enforcing accountability measures effectively, increasing judicial oversight, organizing the distribution of aid and financial compensation to ensure equitable access and timely delivery, and establishing a dedicated research center for climate risk, emergency response, and crisis management.
- إعادة الإعمار
- إدارة الأزمات
- إدارة المخاطر
- إدارة الكوارث الطبيعية
- ليبيا
- الاستجابة الحكومية
- Libya
- Flood Disaster
- Natural Disaster Management
- Risk Management
- Government Disaster Response
- Reconstruction
مقدمة
في 11 أيلول/ سبتمبر 2023، ضرب إعصار دانيال شمل شرق ليبيا، وتسبّبت الأمطار الغزيرة غير المسبوقة والرياح القوية في إحداث فيضانات مدمّرة، أثّرت في مناطق عدة من البلاد. وقد أسفرت هذه الكارثة، التي أوقعت أكبر عدد من الضحايا من جراء كارثة طبيعية في قارة أفريقيا، عن خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، وحازت مدينة درنة الساحلية1 النصيب الأكبر منها2. وتضاعفت آثار الأمطار والفيضانات فور انهيار السدّين المخصصين لحمية المدينة من مياه الأمطار التي تتجمع في وادي درنة، والتي تتدفق من الجبل الأخضر صوب البحر الأبيض المتوسط3. وخلال فترة وجيزة، راح ستة آلاف من السكان ضحيةً للفيضانات، وعُدّ الآلاف بين المفقودين. وتسبّب حجم المياه العارم في جرف ما يقرب من ربع مباني المدينة إلى البحر4، وفي تشريد ما زاد على 45000 شخص واضطرارهم إلى النزوح. وبلغ مجموع من تضرروا من كارثة الفيضانات وانهيار السدّين ربع مليون من أهل درنة والمناطق المجاورة5. وقدّر تقرير مشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي الخسائر بنحو 1.65 مليار دولار، موزعةً على الأضرار الجسيمة في المنازل السكنية والمرافق الصحية والبنية التحتية والمدارس والمباني الحكومية وغيرها، وقدّر التكلفة الإجملية لإعادة الإعمر والتعافي بنحو 1.8 مليار دولار6. وتباينت الآراء حول فاعلية إدارة الكارثة في مواجهة حجم الخسائر البشرية والمادية الهائلة التي خلّفتها، فجرى تسليط الضوء على تأثير تغير المناخ بوصفه عاملًا رئيسًا في تغيرات غير معتادة في الأحوال الجوية، في حين لم يغِب عن النقاش إرث الحرب الأهلية ومظاهر الفوضى السياسية واستشراء الفساد عن جملة الأسباب التي أسهمت في تفاقم أضرار الكارثة7. وإذ تتضافر عوامل الطبيعة مع العامل البشري في هذا المنحى، فإن البعض يرى أن الأخير هو المسؤول الأساسي الوحيد، نظرًا إلى دوره المحوري في الوقاية والاستعداد، وتوجيه جهود المجتمع والدولة لمواجهة هذه المخاطر عبر مراحلها المختلفة8. وإزاء هذا، تبرز تساؤلات عن طبيعة الاستجابة الحكومية لكارثة الفيضانات في درنة، ومستواها، وكيفية إدارة أجهزة السلطة لها. فم مدى فاعلية هذه الاستجابة في تلبية متطلبات مواجهة الكارثة؟ وهل عكست مستوى
التقرير في محاولة لتقديم إجابة شاملة ومدعومة بالأدلة.
(الشكل 1)، ويختتم التقرير بخاتمة تقييمية وتوصيات.
إدارة اﳌﺨﺎﻃﺮ
قبل
اﻟﺘﻌﺎﰲ وإﻋﺎدة اﻹﻋر
أولًا: إدارة المخاطر ووضع الاستراتيجيات
كافيًا من الجاهزية والكفاءة للتعامل مع مثل هذه الكوارث الطبيعية، بما يساعد في تقليل حجم الخسائر أو الحد منها؟ أم أنها كانت دون المستوى المطلوب؟ هذه التساؤلات ستكون محور التحليل الذي سيتناوله
يستخدم التقرير نموذج ديفيد إي. ألكسندر9 لتحليل مراحل الاستجابة للكوارث الطبيعية وإدارتها، والذي يتضمن أربع مراحل رئيسة، هي: إدارة المخاطر، والاستعداد للكارثة، والاستجابة الفورية، والتعافي وإعادة الإعمر. وكانت هذه المراحل محل جدل في سياق تقييم الاستجابة الحكومية الليبية لكارثة درنة. ويعطي هذا النموذج الأولوية لمرحلتي الاستجابة الفورية، والتعافي وإعادة الإعمر، باعتبارهم مكوَنيَن أساسَّييَن من العملية. وستعالج مباحث التقرير هذه المراحل الأربع الأساسية في حالة كارثة فيضان درنة عام 2023
الشكل (1) نموذج ألكسندر لدورة الاستجابة للكارثة في حالة كارثة فيضان درنة (2023)
ﻟﻠﻜﻮارث
بعد
اﻻﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﻠﻜﻮارث
تبدأ هذه المرحلة بدراسة المخاطر المناخية بهدف تطوير استراتيجيات للحد من الكوارث المحتملة، تشمل تدابير طويلة الأجل، منها: تأسيس البنية التحتية على نحو يستجيب لمتطلبات مواجهة الكوارث، وإنفاذ قوانين بناء تراعي معايير الاستجابة للمخاطر، وتنفيذ السياسات الرامية إلى الحد من التعرض للكوارث في المستقبل.
في حالة كارثة درنة، لم يكن خطر الفيضانات ظاهرة جديدة، إذ تاريخيًا تعرضت المدينة لفيضانات الوادي مرات عديدة؛ ما دفع بالحكومة الليبية في سبعينيات القرن العشرين إلى التعاقد مع شركة يوغوسلافية لبناء سدّين في المنبع، هم: أبو منصور والبلاد10. لكن لم تدم كفاءتهم طويل، ا إذ بعد عقدين فقط أبلغ مهندسون إيطاليون وسويسريون عن شقوق فيهم، وبيّنوا احتمل وقوع أضرار بالبنية التحتية إذا ما وقع خلل فيهم في موسم الفيضان، وشددت توصياتهم على ضرورة إصلاح السدين، بل بناء سد ثالث للتحكم في تدفق المياه وتخفيف الضغط على الهياكل11. وفي عام 2007، تعاقدت الحكومة مع شركة تركية للقيام بالإصلاحات التي أُوصي بها. وقُدّرت تكاليف أعمل إعادة التأهيل وحدها للسدّين بنحو 30 مليون دولار أميركي، وهو ما يعكس عدم صيانتهم الصيانة المطلوبة على مدى زمني ليس بالقليل، ما سبّب الضرر والتآكل في هيكلهم12. وما لبثت أن تعطّلت أعمل الإصلاح بسبب تعّثر مالي حكومي، أدى إلى تأخير أعمل الإصلاح حتى عام 2010. ومع اندلاع انتفاضة 2011، اضطرت الشركة إلى وقف عملياتها ومغادرة البلاد. وفي خضم الاضطرابات التي سادت آنذاك، نُهبت معدات الشركة، وأُخلي موقع العمل. وعلى الرغم من أن أعمل الإصلاح لم تكن قد اكتملت بعد، فقد أفاد موقع الشركة على الإنترنت أن مشروع الصيانة قد اكتمل في عام 2012. ولكن بعد13عام 2011، أعادت السلطات الليبية فتح ملف سَّدَي درنة مرة أخرى، وقررت تنفيذ مشاريع تهدف إلى الحفاظ على هيكلهم وتعزيزهم، وخصصت مليوَني دولار لوزارة الموارد المائية من أجل إصلاح السدين خلال عامَي 2012 و 2013. ومع ذلك، لا توجد أي تقارير تشير إلى اكتمل أيّ أعمل في السدين15، وقد فسر العديد من المراقبين هذه الحقائق على أنها مؤشر واضح على تفشي الفساد داخل تلك الوزارة وتقصيرها في القيام بمسؤولياتها17. وفي عام 2022، حذّرت دراسة تقديرية من حال السدين في وادي درنة، بسبب ما ظهر فيهم من شقوق، وباتت سلامة جدرانهم عرضة لخطر الانهيار حال حدوث فيضانات كبيرة. ونصحت الدراسة السلطات الليبية بالتعجيل بإجراءات فورية لترميم السدين، وتفعيل الصيانة الدورية، والتوعية بمخاطر العيش قرب الوادي، ووضع مجموعة من تدابير السلامة في حالة الطوارئ22. ولكن لم تتخذ السلطات الليبية أيّ إجراء يستجيب للتوصيات.
ثانيًا: الاستعداد للكارثة
بعد أن تسبّب الإعصار في خسائر بشرية واقتصادية كبيرة في اليونان وتركيا، تحرّك جنوبًا في اتجاه السواحل الليبية23. وفي ظل التوقعات بتأثيراته الوشيكة، شكّلت "حكومة الاستقرار الوطني"، التي تسيطر فعليًا على مناطق شرق ليبيا، لجنة عليا للطوارئ والاستجابة السريعة لإدارة الاستعدادات لمواجهة الكارثة المتوقعة27. والمثير أن القائمة الطويلة لأعضاء اللجنة لم تتضمن خبراء في المناخ، أو متخصصين في إدارة الأزمات، كم خلت من الجيولوجيين ومهندسي السدود32. ولم يُضم إليها أيضًا رؤساء البلديات المعنية، أو المتخصصون من هيئة الطرق والجسور. ويبدو أن السلطات قد غلبها الانطباع أن المياه ستتدفق نحو البحر الأبيض المتوسط، متجاهلةً تمامًا إمكانية وقوع فيضان من الوادي33. وخلال وقوع الفيضان، اقتصرت تحذيرات اللجنة على تعليمت عامة وغير واضحة للجمهور، من دون أن توجّه تنبيهات محددة تتعلق بخطورة الكارثة ومخاطرها الوشيكة، ولم تتوفر على خطة طوارئ واضحة للتنفيذ. ففي البداية، نصحت اللجنة سكان المناطق المعرّضة للخطر باتخاذ تدابير احترازية لمواجهة الظروف القاسية المتوقعة من دون إرشادات واضحة يمكنهم اتباعها34. ثم أصدرت تعليمت مفاجئة بضرورة اتخاذ إجراءات استباقية لضمن السلامة العامة، من دون تقديم معلومات حول الطرق الآمنة التي يجب سلكها، أو تحديد المناطق الأقل عرضة للخطر، أو تعيين مناطق للإيواء المؤقت35. وفي وقت لاحق، أصدر المجلس البلدي لمدينة درنة بيانًا نشره على حسابه على فيسبوك يطلب فيه من سكان الساحل إخلاء منازلهم، لكنه طلب منهم في الوقت نفسه الالتزام بحظر التجوال المفروض، والتعاون مع الجهات المختصة38. وهكذا، في لحظة يجب فيها الاستعداد للعاصفة، كان السكّان المعرضون للخطر يجهلون الوضع، ووجدوا أنفسهم في حيرة من أمرهم، غير مدركين إذا ما كان عليهم إخلاء مناطقهم أم المكوث في منازلهم. وفي الآن ذاته، أصدر المركز الوطني للأرصاد الجوية والهلال الأحمر الليبيان تنبيهات للسكان حول تقلبات الطقس المتوقعة، وقدّما إرشادات عامة، من دون الإشارة إلى ضرورة الإخلاء41. وفي 10 أيلول/ سبتمبر، قررت
مديرية أمن درنة فرض حظر للتجوال يبدأ من الساعة السابعة صباحًا حتى الثامنة من صباح اليوم التالي الذي وقع فيه الفيضان، ما ساهم في زيادة تعقيد الأوضاع42، وأدى إلى تفاقم الخسائر في الأرواح بحسب هيومن رايتس ووتش43، إذ اضطر السكان إلى البقاء في منازلهم، في حين لم تنبّه التصريحات الرسمية إلا إلى مخاطر الرياح القوية وارتفاع منسوب المياه من البحر، من دون التنبيه لاحتمل وقوع فيضان أو انهيار السد في المناطق المعرضة للخطر44. وقبيل ساعات من الفيضان، شكّل مجلس درنة البلدي لجنة طوارئ لمتابعة الوضع45، وفوّض مسؤولية إدارة المدينة إلى مدير مديرية أمن درنة، بوصفه رئيس اللجنة. وحاول رئيس حكومة الاستقرار الوطني، الذي شغل منصب رئيس اللجنة العليا للطوارئ والاستجابة السريعة أيضًا، طمأنة المواطنين، فشدّد على عدم وجود داعٍ للقلق، وأشار في تصريحاته إلى أن أجهزة الدولة، بما في ذلك الجيش والأجهزة الأمنية، في حالة تأهّب قصوى، وأن الوضع تحت السيطرة46. وأصدر الهلال الأحمر بيانًا آخر حذّر فيه المواطنين من تدهور الأحوال الجوية المتوقع قريبًا في المنطقة، ثم أتبعه بمنشور على حسابه على فيسبوك طلب فيه من المواطنين المقيمين في المناطق المعرّضة للخطر الإخلاء بمساعدة السلطات المحلية وتنسيقها47. وتسببت هذه التعليمت المتضاربة في إحداث حالة واسعة من الارتباك بين السكان، حيث قرر بعضهم إخلاء المدينة، في حين ظل الباقون في منازلهم امتث لًا لحظر التجوال الذي فرضته السلطات تحسبًا للكارثة. ومع تزايد حالة عدم اليقين، تصاعدت أمارات عدم ثقة السكان بما تقوم به السلطات. ومع بدء تجمّع مياه الفيضان خلف السدود، أكدت وزارة الموارد المائية التابعة لحكومة الاستقرار الوطني "أن السدود في حالة جيدة، والأمور لا تزال تحت السيطرة، ولا توجد مخاوف من انهيارها في هذه اللحظة"48، نافيةً ما يُتداول بين السكان من تشكيك في قدرتها على تحمّل تدفقات المياه الكثيفة. لكن بعد ساعة واحدة فقط، تبدّل خطاب الوزارة على نحو مفاجئ، فأصدرت تعليمت بضرورة "انتقال سكان الوادي القاطنين في جهة المصبّ إلى أماكن أكثر أمانًا كإجراء احترازي ضد أي طارئ"49. لكن كانت الدعوة متأخرة جدًا، إذ اجتاحت المياه المناطق بسرعة، وحاصرت السكان الذين لم يتمكنوا من التحرك بسبب غمر الفيضان للطرق، وانهيار الجسور، وانقطاع شبكات الاتصالات، فتأكّد خبر انهيار السد50.
ثالثًا: الاستجابة الفورية للكارثة الشكل (2) الأضرار والدمار في درنة
في ليلة الكارثة، غمرت مياه الفيضان مدينة درنة، وعزلتها عن باقي البلاد51، في حين كانت استجابة السلطات الليبية للأزمة من منظور أمني أكثر من كونه استجابة طارئة للوضع الإنساني، إذ لجأت الجهات المسؤولة إلى فرض حظر للتجوال وإقامة نقاط تفتيش، لم تسلم منها حتى مساعدات الإغاثة، وعطّلتها بدواعي فحوصات أمنية. وعرقلت أيضًا أعمل الصحافيين والتغطية الإعلامية من خلال فرض اشتراط الحصول على تصاريح
لتغطية الأحداث، كم مُنع عدد من المتطوعين ومنظمت الإغاثة من الدخول إلى المدينة52. ويشير أحد متطوعي الإغاثة إلى أن "[اللواء خليفة] حفتر53 وضع الأمن قبل عمليات الإنقاذ، والخلافات السياسية قبل مساعدة سكان درنة المنكوبين"54. ففي أولى ساعات الكارثة، لم يتّضح مدى خطورة الأزمة للعامة، وكان ثمة إصرار على خفض ما يُعلن عنه من أعداد الضحايا وحجم الأضرار عّما كان عليه الواقع الفعلي. وفي ذلك الوقت، كان الهلال الأحمر هو المنظمة الإغاثية الوحيدة المسموح لها بالدخول إلى درنة، لكن سرعان ما تكشّفت حقيقة أن حجم الكارثة بات أكبر من قدرات الجيش التابع لحكومة الشرق وإمكانياته وإمكانية منظمة إغاثة محلية واحدة، ما اضطر السلطات في النهاية إلى رفع النداء طلبًا للمساعدة55. وأعلن المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية وحكومة الاستقرار الوطني في بيانات مختلفة أن المدن الثلاث المتضررة، وهي البيضاء وشحات ودرنة، "مناطق منكوبة"56، ودعت المجتمع الدولي والمنظمت المحلية إلى المساعدة في إدارة الأزمة، حيث يتطلب الدعم فرقًا متخصصة في البحث والإنقاذ، وفرق الإنقاذ البحري، والإمدادات اللازمة للناجين57. وبناء على هذه الدعوات، سارعت حكومات إقليمية ودولية عديدة إلى توفير حزم مساعدات لتلبية الاحتياجات الفورية للسكان المتضررين58. ودعمًا لجهود الإغاثة، شرعت وكالات الأمم المتحدة ومنتدى ليبيا للمنظمت غير الحكومية الدولية في التعاون مع منظمت المجتمع المدني المحلية من أجل جمع البيانات وتقييم الأضرار وتوزيع مساعدات الإغاثة59. وإزاء هول الكارثة، استجابت حكومتا الوحدة الوطنية والاستقرار الوطني بسرعة من خلال تقديم المساعدات للمناطق المتضررة، وبدأتا في تنسيق جهود الإغاثة60. فقررت الأولى تخصيص 446 مليون دولار؛ أي ما يساوي مليارَي دينار ليبي لصندوق إعادة إعمر بنغازي ودرنة61، في حين سهّلت الثانية جهود الإغاثة للمناطق
المتضررة الخاضعة لسيطرتها، ولاحقًا خصص مجلس النواب نحو مليارَي دولار؛ أي ما يساوي عشرة مليارات دينار ليبي، من أجل إعادة إعمر درنة ومحيطها. ولم تتضح التفاصيل المتعلقة بكيفية تمويل الصندوق الجديد أو آليات إدارته والاستفادة منه62. وفي ظل قسوة المشهد، وضع الليبيون خلافاتهم جانبًا مستجيبين لنداءات الاستغاثة؛ فنظّم السكان المحليون حملات إغاثة في مناطقهم لجمع التبرعات والطعام والمياه والأثاث وغير ذلك من المواد الأساسية لتوزيعها على الناجين63. وفي ظل محدودية ما يصل من موارد الإغاثة، تجمّع الناجون في ساحة مسجد الصحابة للاحتجاج على سوء إدارة الأزمة، وعّبورا عن مطالب لتغيير الوضع، شملت إجراء تحقيق طرف ثالث دولي لتحديد أسباب الكارثة، ومحاكمة المسؤولين، وتسريع جهود إعادة الإعمر64. وردّا على الاحتجاجات، أمرت حكومة الاستقرار الوطني الصحافيين بمغادرة درنة، متّهمةً إياهم بعرقلة عمل فرق الإنقاذ65. وقُطعت خدمات الإنترنت والهاتف في المدينة، لفرض "الحصار الإعلامي"66. وكذلك، تعرّض الذين تجرؤوا على الانتقاد العلني لسوء تعامل السلطات مع الأزمة، أو شاركوا في الاحتجاجات، أو طالبوا بالمساءلة الشفافة فحسب، للاعتقالات التعسفية67؛ الأمر الذي دفع منظمة العفو الدولية إلى مطالبة قوات حفتر برفع جميع القيود غير المبرّرة المفروضة على التغطية الإعلامية للمنطقة، وتسهيل توصيل المساعدات الإنسانية إلى جميع المجتمعات المتضررة68. ومع انكشاف أبعاد الفشل في إدارة السلطات لجهود احتواء الكارثة، تعالت الضغوطات من أجل معاقبة المتورطين في هذا الفشل، فكان أن أحالت النيابة العامة بعد أسبوع واحد من الكارثة 16 مسؤولًا إلى المحاكمة، ووجّهت إليهم تُهم الإهمل وسوء الإدارة واختلاس الأموال العامة70. وفي 28 تموز/ يوليو 2024، أصدرت محكمة جنايات درنة حكمًا بالسجن مددًا تُراوح بين 9 أعوام و 27 عامًا على 12 شخصًا من المسؤولين عن إدارة السدود71. ومن الغريب أن قائمة المسؤولين الستة عشر الذين جرى التحقيق معهم
لم تتضمّن أيّ عضو من لجنة الطوارئ والاستجابة السريعة العليا، أو شخصيات كبرى في "القوات المسلحة العربية الليبية"، أو جنرلًا من ضمن لجنة الطوارئ في المدينة72؛ الأمر الذي أثار التساؤلات عن "الجهات المسؤولة" فعليًا عن الاستعدادات وعمليات الاستجابة الفورية وإدارة الأزمات. وقد أثار تجنّب التحقيق مع كبار المسؤولين والقادة وأعضاء الجمعات المسلحة القوية وكبار المسؤولين في الدولة، فضلًا عن محاكمتهم، مخاوف جدّية بشأن إفلاتهم من العدالة، وخلق سابقةً منحت التشكيلات المسلحة حصانةً من المحاسبة73. كم رفضت النيابة العامة حملة واسعة أطلقتها مجموعة من الناشطين للمطالبة بتحقيق نزيه وعادل ومستقل، معربةً عن عدم الحاجة إليه76. ومع مرور الوقت، تحوّل الاهتمم نحو التعافي الاقتصادي وإعادة بناء المدينة، حتى يتمكّن الناجون من مواصلة حياتهم بكرامة.
رابعًا: التعايف وإعادة الإعمر
سعت حكومة الاستقرار الوطني لوضع خطة عملية لإعادة إعمر درنة، ودعت إلى ملتقى اقتصادي شارك فيه أكثر من 260 شركة محلية وأجنبية لمناقشة مقترحات إعادة إعمر المدينة77. وقرّر مجلس النواب أن يُنشئ صندوقًا لإعادة إعمر ليبيا، ويتولى أعمل إعمر درنة وبنغازي ومدن أخرى في مختلف أنحاء ليبيا. وبعد شهر، أدى بلقاسم حفتر، ابن اللواء خليفة حفتر، اليمين أمام رئيس مجلس النواب رئيسًا لهذا الصندوق81. وبدت هذه الخطوة نزوعًا نحو تسييس عملية إعادة الإعمر، وتعزيزًا للصراع المستمر على السلطة بين أبناء حفتر82. ويُذكر هنا أن الصندوق لم يُحَط بأيّ وسائل أو إجراءات رقابية أو إشرافية لضمن الشفافية والمساءلة91. وقد بدت الجهود الرامية إلى تسريع عمل الصندوق كأنها مناورة بهدف تثبيت مكانة سياسية للطرف الذي يديره على المستويين الوطني والدولي، مع تسليط الضوء على عدم فاعلية الحكومة الشرعية في الغرب92. في البداية، أبدى الصندوق نشاطًا واضحًا في إطلاق مشاريع البناء التي تشمل بناء سدود جديدة، ووحدات سكنية، وحدائق، ومرافق ترفيهية، وتجديد جامعة المدينة. ومع ذلك، لا تزال طرق تمويل المشاريع وآلياته غير واضحة93. وبشأن هذا، أعرب بعض السكان المحليين عن تحفّظهم على التمييز الممرس ضد عدد من
مناطق درنة التي عُرفت بعدم ترحيبها بقوات حفتر إبان دخولها المدينة، في ظل تاريخ مضطرب شهدته المدينة خلال فترة حصار قوات حفتر لها في الفترة 2019-2016. وعمومًا، لا تزال عملية إعادة الإعمر96بطيئة نسبيًا، ما يؤخر عودة الناجين من الفيضانات إلى ديارهم. وفي الوقت نفسه، يواجه هؤلاء صعوبات في الحصول على حقوقهم الأساسية في الخدمات الحكومية، والدعم المالي، والتعليم، والمرافق الصحية، والكهرباء، وما إلى ذلك. أشار البنك الدولي في تقييمه لعمليات الإعمر إلى أن المؤسسات الليبية ما زالت تواجه تحديات هيكلية، وتجّلى ذلك في فشل السلطات في توزيع التعويضات المالية على نحو عادل. ولم تكن الأموال كافية في البداية، حيث لم يُقَدَّم سوى تعويض واحد يُراوح بين 20 ألفًا إلى 100 ألف دينار ليبي. وبحسب بعض التقارير، فإن الموارد المحدودة والافتقار إلى المساءلة دفعا السلطات الليبية إلى إدارة المساعدات المالية على نحو فوضوي، ما أدى إلى توزيع عير عادل للمساعدات وفتح الباب واسعًا أمام الفساد، حيث حصل بعض الناجين على تعويضات مالية عدة مرات بمبالغ متفاوتة، في حين لم يحصل آخرون على أيّ مبلغ على الرغم أنهم كانوا في حاجة ملحّة إلى أي دعم ممكن. وعلاوة على ذلك، استُبعد النازحون من المدينة الذين لم يتمكنوا بعدُ من الرجوع إلى درنة من التقدم بطلبات التعويض بسبب غيابهم وعدم حضورهم الشخصي، وقد أدى هذا إلى تعقيد الوضع وتفاقم الظلم في حق الناجين.
خاتمة وتوصيات
أبرزت المراحل الأربع لدورة الكارثة نوعين من الاختلالات الهيكلية والإدارية التي فاقمت تداعيات كارثة فيضانات درنة. وعلى صعيد تقييم الاستجابة، تُظهر هذه المراحل حالة الضعف الشديد في تعامل السلطات في ليبيا مع مقتضيات إدارة الكارثة، وافتقارها إلى الجدية والمسؤولية الواجبتين لمواجهتها. في المرحلة الأولى، كان يتعين على السلطات دراسة مدى تعرّض المنطقة لمخاطر المناخ، ثم وضع خطة مناسبة لإدارة المخاطر للتخفيف من الخسائر على نحو فعال. لكن هذا لم يحدث. والمعروف أن لدرنة سجلًا من الفيضانات، بسبب وقوعها في مسار هابط على دلتا الوادي. ولكن يرجع بعض من هذه المسؤولية إلى إهمل الحكومات المتعاقبة لصيانة السدود، على الرغم من تنبيه الدراسات التي أجراها الخبراء لتعرّض سلامتها البنيوية للخطر إلى حد بعيد. واقترن ذلك بتهالك البنية الأساسية عمومًا، ما أوقع خسائر كبيرة في الأرواح
وأضرارًا اقتصادية جسيمة. ومن هنا تجدر التوصية بضرورة إنشاء مركز أبحاث لمخاطر المناخ والاستجابة للطوارئ وإدارة الأزمات، وفي الوقت ذاته رفع كفاءة المركز الوطني للأرصاد الجوية وتجهيزه بمعدّات حديثة ونظم الرصد الدقيقة. وفي المرحلة الثانية، أشارت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن الخسائر الكبيرة في درنة كان من الممكن تجنّبها لو وُجّهت تحذيرات مسبقة إلى السكان وتعليمت مناسبة بإخلاء المدينة، ولاحظت أن تعامل السلطات الليبية مع الموقف قد اتجه في البداية إلى المكان الخطأ من المدينة، وهو الواجهة البحرية، وأغفلت احتمل فيضان المياه من سدود مجرى الوادي. ويقع جزء من المسؤولية أيضًا على نظم التوعية والاتصال الجمهيري لنقلها رسائل متضاربة حول الكارثة وشدّتها، ولم تبّين المسارات الآمنة للسكان خلال الظروف الجوية القاسية، بما في ذلك إذا ما كان ينبغي لهم إخلاء المدينة أم البقاء في منازلهم. كم جرت إدارة ترتيبات الإخلاء على نحو سيئ، وخاصة توفير المأوى وفتح الطرق الآمنة، فكان العجز باديًا، حيث لم تتمكن سوى قِلة من الأسر من الإخلاء بفاعلية قبل وقوع الكارثة. وأخيرًا، فإن النزعة الأمنية التي دفعت إلى فرض حظر للتجوال بلا حجة مقنعة قد تسبّبت في منع الناس من إخلاء المناطق المعرّضة للخطر والبقاء فيها. ولذلك، تتضمن التوصيات الأساسية لهذه المرحلة مجموعة من التدابير الضرورية لتحسين الاستجابة للكوارث، منها رفع كفاءة أنظمة الإنذار المبكر لتوصيل التحذيرات والتنبيهات على نحو فعال إلى السلطات الحكومية والمقيمين وأصحاب المصلحة، وإنشاء منصة مركزية لجمع المعلومات ذات الصلة والتحديثات الدورية، ومراجعة كفاءات القيادات المسؤولة عن إدارة الاستجابة للكارثة، بتحسين معايير اختيارهم وضمن تعيينهم بناءً على الكفاءة والجدارة، إضافةً إلى مشاركة قوى المجتمع المدني والقطاع الخاص والخبراء المستقلين في عملية التخطيط للاستجابة. وفي المرحلة الثالثة، شكّلت الكارثة لحظة نادرة من الوحدة في ليبيا التي قسّمتها الصراعات، وكان تدفق المساعدات من مختلف أنحاء البلاد إلى درنة والمناطق المنكوبة مؤشرًا على أن هذا الانقسام يمكن اجتيازه. وكذلك كان التعاون الدولي مؤشرًا على إمكان تغيير وجهة نظر العالم نحو ليبيا لو حلّ فيها السلام بتعزيز التعاون وتوجيه أكبر قدر من المساعدات التي يمكنها إنقاذ البلاد من حالة التدهور القائمة. وعلى صعيد العمل الحكومي، يجب ترشيد الاستجابة الأمنية وتجنّب نشر تصورات غير صحيحة تفيد أن الوضع "تحت السيطرة". فالاستجابة غير المدروسة للقوات الأمنية عطّلت أعمل الإغاثة، وعرقلت تسليم المساعدات لآلاف الناجين، وكانت إجراءاتهم عائقًا لعمل بعض المتطوعين. وبناءً على ذلك، تنصبّ التوصيات في هذه المرحلة على ضرورة إسناد قيادة الاستجابة للأزمة إلى السلطات المدنية المؤهلة، مع توّلي
الجيش دورًا داعمًا في تنفيذ خطتها، كم يجب أن يكون التخطيط للطوارئ شامل، ا ويغطي توفير الخدمات الأساسية والمرافق الصحية، وإعداد الملاجئ المؤقتة، وغير ذلك. وفي المرحلة الرابعة، يتطلب التعافي تحقيق العدالة قبل أعمل الإعمر. فقد بيّنت حملات الاحتجاج التي قادها السكان المتضررون والناشطون هذا الأمر، إذ طالبوا بإجراء تحقيقات عادلة من خلال آلية دولية لتحديد المساءلة عن النتائج المأساوية للكارثة. وبما أن كبار المسؤولين الحكوميين والقادة الأقوياء يبدون فوق القانون، فإن هذا يعني أنهم لن يكونوا مسؤولين عن أيّ انتهاكات لحقوق الإنسان. وإضافة إلى ذلك، فقد وُزّعت مساعدات الإغاثة والصرف المالي على نحو غير متساوٍ بين الناجين، ورافق ذلك عملية إعادة إعمر بطيئة اتسمت بمعايير مشكوك فيها وتفتقر إلى الشفافية والمساءلة. لذا، تتركز التوصيات في هذه المرحلة في تطبيق قواعد المساءلة بفاعلية وجدّية، ورفع مستويات الرقابة القضائية، والتعامل مع الجميع على قدم المساواة ومحاسبتهم بموجب سيادة القانون، وتنظيم توزيع المساعدات والتعويضات المالية لضمن الوصول العادل والتسليم في الوقت المناسب. وعمومًا، ينبغي لجهود إعادة الإعمر أن تكون شفافة، وأن تعمل ضمن إطار قانوني يضمن معايير الجودة، وأن يُفتح المجال لمشاركة مختلف الأطراف الفاعلة، مع احترام كل فاعل في العملية، والسمح له بالمساهمة بخبرته من دون تدخّل أو تجاوز من الآخرين. وختامًا، ثمة توصية إضافية تفيد المراحل الأربع، وهي الاستثمر في مراكز البحوث والأرصاد الجوية لتوفير رؤى علمية يمكن أن توجّه عملية صنع السياسات واتخاذ القرارات على أسس واقعية.
المراجع
العربية
"درنة الفاجعة". أبعاد الموقف. المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية. 2023/9/14 ف:ي https://acr.ps/1L9zPIf
ديوان المحاسبة الليبي. التقرير السنوي لديوان المحاسبة الليبي لعام 021 2 م (أيلول/ سبتمبر 2022). في: https://acr.ps/1L9zPsr
عبد العزيز، عبد الونيس رمضان عاشور. "تقدير عمق الجريان السطحي لحوض وادي درنة بالتكامل بين تقنيات نظم المعلومات الجغرافية ونموذج SCS-CN ". دورية جامعة سبها للعلوم البحثية والتطبيقية مج 21، العدد 2.)2022(
"قرار حمد بتشكيل لجنة عليا للطوارئ يُحمل حكومته المسؤولية الأكبر في كارثة درنة". أوراق تحليلية. المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية. 2023/10/1:. في https://acr.ps/1L9zPOu
الأجنبية
“Accountability Action Group Calls for an Independent International Inquiry into the Catastrophe in Derna and East Libya.” Defender Center for Human Rights. 26/9/2023. at: https://acr.ps/1L9zPtG
Alexander, David E. Principles of Emergency Planning and Management. Oxford: Oxford University Press, 2002.
Cellino, Andrea. “Derna Floods: Reconstruction - Mirror of Libya and International Failures.” Commentary. Italian Institute for International Political Studies (ISPI). 26/1/2024. at: https://acr.ps/1L9zPOo
Fasanotti, Federica Saini. “Libya’s Future After the Derna Dam Disaster.” GIS Reports. 13/12/2023. at: https://acr.ps/1L9zPlQ
Hagenlocher, Michael, Sanae Okamoto & Nidhi Nagabhatla. “Libya Flood Reveals Disaster Prevention Deficit in Fragile States.” United Nations University. 10/11/2023. at: https://acr.ps/1L9zPEr
Henson, Bob & Jeff Masters. “The Libya Floods: A Climate and Infrastructure Catastrophe.” Yale Climate Connections. 13/9/2023. at: https://acr.ps/1L9zPTt
Irhiam, Hend R., Michael G. Schaeffer & Kanae Watanabe (eds.). The Long Road to Inclusive Institutions in Libya: A Sourcebook of Challenges and Needs. Washington, DC: World Bank Group, 2023. at: https://acr.ps/1L9zPKO
“Libya: In Seconds, Everything Changed: Justice and Redress Elusive for Derna Flood Survivors.” Amnesty International (2024). at: https://acr.ps/1L9zPZD
Smith, Neil. “There’s no such Thing as a Natural Disaster.” Social Science Research Council. 11/6/2006. at: https://acr.ps/1L9zPUF
United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. “Libya Flood Response: Humanitarian Update (As of 20 March 2024).” 23/4/2024. at: https://acr.ps/1L9zPO7
World Bank Group, United Nations Libya & European Union. Libya Storm and Flooding 2023: Rapid Damage and Needs Assessment. Washington, DC: The World Bank, 2023. at: https://acr.ps/1L9zPhf