Return to Article Details Judiciable Independence in Morocco: Constitutional Guarantees, Current Practice, and Prospects

استقلال السلطة القضائية في المغرب: الضمانات الدستورية وواقع الممارسة وآفاقها

Judiciable Independence in Morocco: Constitutional Guarantees, Current Practice, and Prospects

أحمد مفيد

الملخّص

ملخص: تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على أحد أهم المواضيع راهنيةً وأهميةً في السياق الدستوري والمؤسساتي والقانوني في المغرب، ألا وهو استقلال القضاء. ويتم ذلك من خلال استعراض الإطار التأسيسي المرجعي لاستقلال السلطة القضائية، وتحليل مختلف التحولات الهيكلية التي عرفتها، وتجلياتها، تشريعًا وتنظيمً، فضلً عن إبراز الدعامات اللازمة لإرساء سلطة قضائية مستقلة، مع ما يثيره كل ذلك من تساؤلات وتحديات وإكراهات على مستوى الفعل والممرسة. وقد جرى التركيز في المحور الأول من هذه الدراسة على تحليل طبيعة الضمنات الدستورية والقانونية لاستقلال السلطة القضائية ونوعيتها، وتناول المحور الثاني واقع استقلال السلطة القضائية من خلال العديد من المؤشرات والوقائع التي تبين أنه على الرغم من التقدم المحرز في هذا الخصوص، فالمغرب ما زال في حاجة ماسة إلى مزيد من الجهود من أجل ترسيخ استقلالية السلطة القضائية في واقع الممرسة. وانتهت الدراسة إلى تقديم مجموعة من المقترحات العملية التي من شأنها تعزيز الاستقلال الفعلي للسلطة القضائية في المغرب.

Abstract

Abstract: This research offers insight into an issue that is crucial to understanding Morocco's constitutional, institutional, and legal framework. To achieve this goal, it examines the historical context of judicial independence, delves into the structural changes that have taken place, and then focuses on the essential pillars that should be in place for a truly independent court to exist. It also explores the difficulties and limitations that these shifts in practice bring up. The first section of this research examines the features and qualities of constitutional and legal protections for judicial independence. In the second section, the paper looks at the current state of judicial independence in Morocco using a variety of indicators and data that show that, despite improvements, the country still has to make more strides to cement judicial independence in practice. This research ends with a series of recommendations for improving the independence of Morocco's judicial system.

الكلمات المفتاحية:
  • الدستور
  • استقلال القضاء
  • نظام العدالة
  • المغرب
Keywords:
  • Judical Independence
  • Justice System
  • Morocco
  • Constitution

مقدمة

حظي موضوع استقلال السلطة القضائية في المغرب بعناية كبيرة من مختلف الفاعلين الرسميين وكذلك من العديد من المنظمت المهنية والجمعيات الحقوقية، وقد نجم عن ذلك إيلاء السلطة القضائية أهمية أكبر في إطار دستور 2011 مقارنة بما كان عليه الأمر في الدساتير السابقة التي عرفتها المملكة المغربية منذ دستور 1962؛ وذلك بتخصيص الباب السابع منه للسلطة القضائية. وقد أكد الملك محمد السادس في مناسبات عدة أهمية الدور الذي يؤديه القضاء واهتممه بترسيخ قواعد استقلاله1. لقد خصص الدستور المغربي لسنة 2011 الباب السابع منه للسلطة القضائية، وتضمن مجموعة من الفصول المتعلقة باستقلال القضاء وبالمجلس الأعلى للسلطة القضائية وبحقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة. وقد أعقبه تنصيب الهيئة العليا للحوار الوطني حول الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة2 بتاريخ 8 أيار/ مايو 2012 بمبادرة ملكية، حيث جرت مناقشة مواضيع الحوار الوطني على صعيد أحد عشر مركزًا ضمت مختلف الدوائر القضائية في إطار ندوات جهوية. وتفعيلً لمقتضيات الدستور والحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة، صدرت مجموعة من التشريعات التي تضع ضمنات مهمّة لاستقلال السلطة القضائية، نذكر منها القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، والقانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وقد جرى بمقتضى القانون تحقيق استقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية، فلم تعد تعمل تحت إشراف وزير العدل، بل أصبحت تعمل تحت إشراف رئيس النيابة العامة الذي هو في الوقت نفسه الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض وعضو المجلس الأعلى للسلطة القضائية. ثم جرى أيضًا إعداد عدة مشاريع قوانين لمجموعة من الإصلاحات التي تهمّ التنظيم القضائي للمملكة والعديد من التشريعات الأخرى، كالقانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية والمسطرة المدنية، التي تعتبر لبناتٍ أساسيةً لإتمام مخرجات ورش إصلاح منظومة العدالة التي ما زالت مثار نقاش بين الفاعلين المعنيين.

  1. لقد ألحّ الملك محمد السادس على ضرورة احترام استقلال القضاء، حيث جاء في معرض خطابه بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب ل 20 آب/ أغسطس 2007 ما يلي: "لكون العدل من أمانة أمير المؤمنين، الضامن للاستقلال التام للسلطة القضائية عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، وفي احترام لمبدأ فصل السُلَط، وعدم الانسياق لأي تأثير على الالتزام الواجب للقاضي، في كل القضايا، بالتقيد بسيادة القانون". وهو من أعطى توجيهاته من خلال خطاب 9 آذار/ مارس 2011 للارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة، وتعزيز صلاحيات المجلس الدستوري توطيدًا لسمو الدستور، ولسيادة القانون، والمساواة أمامه. ثم دعا من خلال المجلس الأعلى للقضاء إلى: "مضاعفة جهوده لتوطيد استقلال القضاء وتقويته". واعتبر من خلال خطاب 20 آب/ أغسطس 2014: "أن اللحاق بركب الدول الصاعدة لن يتم إلا بمواصلة تحسين مناخ الأعمال، ولا سيما من خلال المضي قدمًا في إصلاح القضاء والإدارة، ومحاربة الفساد، وتخليق الحياة العامة، التي نعتبرها مسؤولية المجتمع كله، مواطنين وجمعيات، وليست حكرًا على الدولة لوحدها". وقد تأكد الاهتمام الملكي في الرسالة الملكية الموجهة للدورة الأولى لمؤتمر مراكش الدولي للعدالة خلال الفترة من 2 إلى 4 نيسان/ أبريل 2018، حول موضوع (استقلال السلطة القضائية بين ضمان حقوق المتقاضين واحترام قواعد سير العدالة) ما يلي: "بغض النظر عما حققه المغرب من إنجازات في بناء الإطار المؤسساتي لمنظومة العدالة، فإنه يبقى منشغلً مثل كل المجتمعات التي تولي أهمية قصوى للموضوع، بالرهانات والتحديات التي تواجه القضاء عبر العالم. ويأتي في مقدمة هذه التحديات ضمان تفعيل استقلال السلطة القضائية في الممارسة والتطبيق، باعتبار أن مبدأ الاستقلال لم يشرع لفائدة القضاة وإنما لصالح المتقاضين، وإنه إذ يرتب حقا للمتقاضين، فكونه يلقي واجبًا على عاتق القاضي فهو حق للمتقاضين في أن يحكم القاضي بكل استقلال وتجرد وحياد، وأن يجعل من القانون وحده مرجعًا لقراراته، ومما يملي عليه ضميره سندًا لاقتناعاته".

إن المتغير الجديد الذي واكب هذه الإصلاحات هو احتلال القضاء، بوصفه سلطة مستقلة دستوريًّا، مكانةً مركزيةً مهمّةً3 تجعله يبدو في بعض الأحيان فوق بقية السُلَط وهو يتابع السياسي في إطار الجرائم المالية أو يبتّ في شرعية مؤتمرات الأحزاب والانتخابات في إطار القضاء الإداري أو تمويل الحملات الانتخابية والتدقيق في الصفقات العمومية في إطار المحاكم المالية التي تحال بعدها إلى القضاء العادي. هذه التدخلات القضائية تقتضي استقلالً حقيقيًّا وحيادية مطلقة عن أي تأثير من أي نوع كان حتى لا تجعل من القضاء أداة للتحكّم في بقية السُلَط والتحول إلى بديلٍ منها في إطار مفهوم "اقتضاء السياسة" وملء الفراغات السياسية لنجد نفسنا أمام دولة القضاة أو حكومة القضاة. وذلك ما يجب معه تأطير عمل القاضي قانونيًّا وتحصينه أخلاقيًّا على نحوٍ صارم يحول دون المساس باستقلاله أو ميله إلى خدمة مصالح فئوية سياسية أو الرضوخ لتعبيرات اجتمعية معينة. إن استقلال القاضي لا يمكن أن نلخصه باستقلال السلطة القضائية مؤسساتيًّا عن بقية السُلَط الدستورية، بل هو يتعداه إلى ضرورة الاستقلال عن كل ما يؤثر في قراره من سلَط أخرى مثل، سلطة المال وسلطة الإعلام وسلطة الجاه وكذا مؤثرات الانتمء الثقافي والهوياتي وحتى النزوات. فلا ينبغي أن يخضع القاضي إلا لسلطة الدستور، والقانون، والعقل، والضمير. ومن المهم، بعد مرور بضع سنوات من دخول التشريعات المؤطرة للشأن القضائي حيز التنفيذ، أنه يحق لنا أن نتساءل: هل أرست فعلًالنصوص الدستورية والقانونية الجديدة الدعامات اللازمة لاستقلال السلطة القضائية؟ وكيف جرت ترجمة المبادئ والمقتضيات القانونية المتعلقة باستقلال السلطة القضائية على مستوى الفعل والممرسة؟ وللإجابة عن هذه الإشكاليات العلمية، بغية تسليط الضوء بصفة جليّة على أساس استقلال السلطة القضائية وواقعه في المغرب، فإننا سنتناول هذا الموضوع بالدراسة والتحليل من خلال ثلاثة محاور: المحور الأول، الضمنات الدستورية والقانونية لاستقلال السلطة القضائية؛ المحور الثاني، واقع استقلال السلطة القضائية؛ المحور الثالث، مقترحات عملية لتعزيز استقلال السلطة القضائية.

أولً: الضمنات الدستورية والقانونية لاستقلال السلطة القضائية

إن تقييم التجربة المغربية لاستقلال السلطة القضائية لا يمكن أن يجري من دون الوقوف على الإطار التشريعي الوطني الناظم لهذه السلطة، الذي يمثله مجموع التشريعات المعمول بها، وتشمل الدستور ومختلف النصوص التشريعية (قوانين تنظيمية، قوانين، مراسيم... إلخ) التي تحكم حدود الصلاحيات والمسؤوليات في السلطة القضائية ومجالاتها وتوضحها، وتحكم آليات العمل ومرجعياتها وأسس المساءلة بمقتضاها.

1. الضمنات الدستورية

يعتبر الدستور القانون الأساسي للدولة، والسموّ بحمية استقلال القضاء دستوريًّا يعني وضع نصوص دستورية لها قوة الإلزام تحميها من الاعتداء والإنكار، وتجعل القوانين العادية مسايرة لهذه النصوص ملتزمة بأحكامها وإلا اعتبرت غير دستورية4. لقد شكّل دستور 2011 في المغرب نقلة نوعية في مجال تكريس الحقوق والحريات حيث خصها بالباب الثاني منه، ليتطرق في الباب السابع إلى السلطة القضائية (الفصول من 107 إلى 128)، معلنًا من خلال الفصل 107 أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية والتنفيذية، وأن الملك هو الضامن لاستقلالها، لأنه - بمقتضى الفقرة الأولى من الفصل 42 من الدستور - يعتبر الملك: "رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجمعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة". وهو النهج نفسه الذي سار عليه الدستور الفرنسي من خلال الفقرة الأولى من المادة 645، الذي اعتبر رئيس الدولة ضامن استقلال السلطة القضائية. ومن أجل تكريس ضمنات الاستقلال، فقد منع الدستور تنقيل قضاة الأحكام وعزلهم إلا بقانون6، ومنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، بحيث لا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أمر أو تعليمت، ولا يخضع لأي ضغط. فإذا اعتبر القاضي أن استقلاله مهدد أحال الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية. واعتبر أن كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد خطأ مهني جسيمٌ، بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة. وأمر بمعاقبة كل من يحاول التأثير في القاضي بكيفية غير مشروعة7. فقاضي الأحكام المغربي، بحسب الفصل 110 من الدستور، لا يلزم إلا بتطبيق القانون، ولا يصدر القضاء أحكامه إلا على أساس التطبيق العادل للقانون. ثم إن قضاة النيابة العامة ملزمون بتطبيق القانون ملتزمين بالتعليمت الكتابية القانونية للسلطة الرئاسية التي يخضعون لها والتي يتربع على قمة هرمها رئيس النيابة العامة الذي هو الوكيل العام لمحكمة النقض. لقد فصّل الدستور المغربي في عدة نقط تتعلق بالسلطة القضائية وذلك إمعانًا منه في أهمية تطويقها بالاستقلال والحمية اللازمين خلال هذه المرحلة التي تهدف لتقوية الاستقلال وترسيخ مبادئه. وباتباع الترتيب المنهجي الذي اعتمده الدستور المغربي من خلال الباب السابع المتعلق بالسلطة القضائية، فإننا نجده يؤكد حق القضاة في حرية التعبير بما يتلاءم وواجب التحفظ والأخلاقيات المهنية والحق في تأسيس الجمعيات المهنية بشرط احترام واجب التجرد واستقلال القضاء وفق الشروط المنصوص عليها قانونًا، مع منعهم من الانخراط في الأحزاب السياسية والمنظمت النقابية8.

  1. محمد الأزهر، السلطة القضائية في الدستور (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2012)، ص.22
  2. منشور في الموقع الرسمي للمجلس الدستوري الفرنسي، في: La République Française, "Texte intégral de la Constitution du 4 octobre 1958 en vigueur," Conseil-constitutionnel, accessed on 16/11/2020, at: https://bit.ly/2RnSJKn
  3. المملكة المغربية، الأمانة العامة للحكومة، الدستور طبعة 011   2، الفصل 8، شوهد في 2023/3/10، في: https://bit.ly/3TaniDr
  4. المرجع نفسه، الفصل.109
  5. المرجع نفسه، الفصل.111

أما المجلس الأعلى للسلطة القضائية، فهو مؤسسة دستورية يرأسها الملك. ويعتبر فيه الرئيسُ الأول لمحكمة النقض رئيسًا منتدبًا يرفع إلى الملك، بمقتضى المادة 61 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، تقريرًا عامًّا عن نشاط المجلس عند نهاية كل دورة، ثم إن الملك بمقتضى الفصل 75 من الدستور هو من يوافق على تعيين القضاة من جانب المجلس الأعلى للسلطة القضائية. ويتألف المجلس من فئة منتخبة من بين القضاة وأخرى معينة من الملك. وتتلخص مهمته9 في تطبيق الضمنات الممنوحة للقضاة، ولا سيم فيم يخص استقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم من دون أي تفريق بين قضاة الحكم وقضاة النيابة العامة. إن المعيار الأول، الذي يقاس به استقلال القضاء، هو تأليف الهيئة الموكلة بتدبير شؤون القضاة من ترقية ونقل وتأديب وعزل، وهو الشيء الذي دفع أغلب الدساتير إلى احتكار مهمة تأليف هذه الهيئة. غير أن ما يمكن أن نسجله بخصوص تركيبة المجلس الأعلى للسلطة القضائية هو أنها تضم فئتين: فئة منتخبة من القضاة وعددهم عشرة، وفئة من المعينين10 بالعدد نفسه. لكن بعض عناصر الفئة الثانية يعدون ممن يتمتعون بقوة تمنحها لهم مواقعهم الوظيفية وتجاربهم المهنية التي ينتمون إليها والتي هي الصفة التي أهلتهم ليكونوا أعضاء في المجلس في مقابل فئة أخرى منتخبة تمثل القضاة، فرض عليها التفرغ المهني طوال مدة انتدابهم، فإن تحدثنا عن المساواة العددية بين الفئتين فإننا يمكن أن نتحدث عن الاختلاف في الوزن الاعتباري للفئتين وعدم امتلاك القدرة على التأثير داخل المجلس، خصوصًا أن القانون لا يمنح المنتخبين أي حصانة بعد انتهاء ولايتهم أو في أثنائها، وهي المحددة بخمس سنوات غير قابلة للتجديد بخلاف الفئة المعينة من الملك والمحددة ولايتها بأربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، وذلك بمقتضى المادة 14 من القانون التنظيمي.100.13 إن القضاة المنتخبين في المجلس الأعلى للسلطة القضائية يعودون إلى إطارهم الأصلي بعد انتهاء مدة انتدابهم، وذلك ما قد يجعلهم مصفدين بمآل مستقبلهم المهني الذي ينتظرهم بعد السنوات الخمس، وما يدعو إلى ضرورة تعزيز حصانة الأعضاء المنتخبين من أجل تقوية موقعهم التداولي داخل المجلس. ثم يعاب على هذه التشكيلة غياب ممثل عن جمعيات هيئات المحامين في المغرب سيرًا على النهج الذي اعتمدته أغلب الدول الديمقراطية، وانسجامًا مع ما أوصى به إعلان مراكش حول استقلال السلطة القضائية وضمن حقوق المتقاضين واحترام قواعد سير العدالة11 في الدول المشاركة بضرورة ضمن توسيع مجال العضوية في المجالس العليا للقضاء من خلال انفتاحها على فعاليات حقوقية وقانونية، إضافة إلى القضاة الأعضاء، مع ضمن تمثيل المرأة القاضية في هذه المجالس. ثم يختص المجلس الأعلى للسلطة القضائية المغربي، بمبادرة منه، بوضع تقارير عن وضعية القضاء ومنظومة العدالة، ويُصدر التوصيات الملائمة بشأنها. وله أن يقدم آراء مفصلة في كل مسألة تتعلق بالعدالة مع مراعاة

  1. المرجع نفسه، الفصل.113
  2. فهناك المعيّنون بطريقة مباشرة وعددهم 4، وهناك من تقترحه هيئة وعدده واحد، وهناك من هم معيّنون في مؤسساتهم الأصلية ويوجدون في المجلس بحكم مناصبهم.
  3. إعلان مراكش المؤرخ في 4 نيسان/ أبريل 2018، ينظر: المملكة المغربية، المجلس الأعلى للسلطة القضائية، "انعقاد الدورة الأولى لمؤتمر مراكش الدولي للعدالة حول موضوع 'استقلال السلطة القضائية بين ضمان حقوق المتقاضين واحترام قواعد سير العدالة'"، شوهد في 2020/11/14، في: https://bit.ly/3mQGA4D أ-ي الضمنات القانونية المتعلقة بانتقاء القاض وتكوينه وتعيينه ونقله وتأديبه وأثرها في استقلاله

مبدأ فصل السُلَط كلم طلب منه ذلك الملك أو الحكومة أو البرلمان. ولم يفت المشرّع الدستوري المغربي أن يتطرق أيضًا إلى حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة. وهكذا اعتبر بعض الفقهاء12 أن الدستور المغربي الجديد اقتحم ثلاث محطات أساسية من خلال الاعتراف بسلطة قضائية حقيقية، وإنشاء هيئة مستقلة عهد إليها بجزء كبير من إدارة السلطة القضائية وإنشاء محكمة دستورية. وإن كانت هذه الأخيرة مؤسسة منفصلة عن القضاء بالمعنى الضيق، فإن طابعها القضائي يبقى مؤكدًا من خلال مساهمتها في تعزيز دور القاضي وتحقيق دولة الحق والقانون، والبت في الدفوع بعدم الدستورية التي يمكن إثارتها أمام جميع محاكم المملكة طبقًا لمقتضيات الفصل 133 من دستور.2011

2. الضمنات القانونية

إذا كان الدستور - بوصفه قانونًا أسمى - يعبر عن المبادئ القانونية العامة التي تعد خارطة طريق وسياجًا لا يمكن تجاوزه من جانب القوانين الأدنى درجة، فإن القوانين التنظيمية والقوانين والمراسيم قد أوكلت بتفصيل اختياراته التي سطرها وتدقيقها، ففي مجال استقلال السلطة القضائية فإن الدستور ترك مسألة تحديد النظام الأساسي للقضاة لقانون تنظيمي بمقتضى الفصل 112 منه، الذي صدر في 24 آذار/ مارس 201613تحت عدد 106.13. ثم أوكل بمقتضى الفصل 116 القانون التنظيمي بتحديد انتخاب المجلس الأعلى للسلطة القضائية وتنظيم سيره، وتحديد المعايير المتعلقة بتدبير الوضعية المهنية للقضاة، ومسطرة التأديب، وهو الأمر الذي تحقق من خلال القانون التنظيمي 100.13 الصادر بتاريخ 24 آذار/ مارس 2016. وقد صوت البرلمان المغربي على قانون يتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسًا للنيابة العامة، وبسن قواعد لتنظيم رئاسة النيابة العامة14.

استنادًا إلى المبادئ الدولية المتعلقة باستقلال القضاة والمحامين وممثلي النيابة العامة ومسؤوليتهم، فإنه يتعين على الدول عند تعيين القضاة اعتمد معايير اختيار صارمة تتسم بالشفافية من أجل ضمن استقلال القضاء ونزاهته، وذلك إنفاذًا لأحكام القانون الدولي. وما لم يجرِ تعيين القضاة وترقيتهم على أساس ما يتمتعون به من مهارات قانونية، فإن القضاء يكون معرضًا لخطر عدم تأديته وظيفته الأساسية المتمثلة في ممرسة القضاء بنزاهة واستقلالية. لذا، فمن الواضح أن معايير الاختيار على أساس الكفاءة تشكل في حد ذاتها عنصرًا أساسيًّا لضمن استقلال القضاء. والأمر في هذا المجال متروك للسلطة التقديرية لكل دولة؛ إذ لا

  1. Bertrand Mathieu, "L'émergence du pouvoir judiciaire dans la constitution marocaine de 2011," Pouvoirs , no. 145 (Avril 2013/2), p. 48.
  2. المملكة المغربية، "ظهير شريف رقم 41.16.1 صادر في 14 من جمادى الآخرة 1437 ه (24 مارس 2016) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم.13 106 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة"، الجريدة الرسمية، السنة 105، عدد 6456، 2016/4/14، ص 3160، شوهد 2020/11/10، في: https://bit.ly/3yy2wnP
  3. المملكة المغربية، "ظهير شريف 1.17.45 صادر في 8 ذي الحجة 1438 (30 أغسطس 2017) بتنفيذ القانون 33.17 المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسًا للنيابة العامة وبسن قواعد لتنظيم رئاسة النيابة العامة"، الجريدة الرسمية، السنة 106، عدد 6605، 2017/9/18، ص 5155، شوهد في 2020/11/10، في: https://bit.ly/3Jg9Eds انتقاء القضاة وتكوينهم وتعيينهم

يوجد إجمع في القانون الدولي بشأن طريقة التعيين. وفي جميع الحالات لا بد أن يجري اختيار المرشحين دائمًا على أساس المؤهلات المهنية والنزاهة الشخصية15. بحسب المعطيات الإحصائية لسنة 2018 فقد بلغ مجموع قضاة المملكة 4176 قاضيًا وقاضية، منهم 3147 قاضيًا (75.35 في المئة) و 1029 قاضية (24.65 في المئة). الملحقون بإدارات مختلفة عددهم 173. أما العاملون في المحاكم فهم 4003. ويبلغ عدد قضاة النيابة العامة 1046 من بينهم 168 قاضية بنسبة 16.06 في المئة، و 878 من قضاة النيابة العامة الذكور بنسبة 83.93 في المئة، ويمارس 46 قاضيًا مهمتهم خارج المحاكم في إطار الإلحاق بإدارات أخرى، بحيث يشكل عدد قضاة النيابة العامة معدل 3 قضاة لكل 100 ألف مواطن بما يقل 4 مرات عن المعدل الأوروبي البالغ 11.8 قاضيَ نيابةٍ عامة لكل 100 ألف مواطن. وهي معطيات تستوقفنا من أجل البحث في أوضاع هؤلاء القضاة خلال مراحل حياتهم المهنية كافة، والضمنات الممنوحة لهم أمام أهداف تحقيق استقلال القضاء.

إن لطريقة انتقاء القاضي وتعيينه أهمية كبرى في مسألة استقلاله جرى تأكيدها في البند العاشر من المبادئ الأساسية لاستقلال السلطة القضائية، الذي نص على أنه "يتعين أن يكون من يقع عليهم الاختيار لشغل الوظائف القضائية أفرادًا من ذوي النزاهة والكفاءة، وحاصلين على تدريب أو مؤهلات مناسبة في القانون، ويجب أن تشمل أية طريقة لاختيار القضاة على ضمنات ضد التعيين في المناصب القضائية بدوافع غير سليمة". لقد أخذ المشرع المغربي في هذا المجال بنموذج النظام اللاتيني الذي يعتبر القضاء وظيفة16، حيث يجري اختيار القضاة من بين حملة الشهادات الجامعية في القانون وفق معايير الكفاءة والجدارة بعد اجتيازهم مباراةً مخصصة لهذا الغرض وخضوعهم لفترة تدريب مدة سنتين في المعهد العالي للدراسات القضائية أعد لهذه الغاية17، مع إمكانية قبول بعض أساتذة القانون أو المحامين والموظفين الذين تتوافر فيهم الشروط المعينة المحددة في المادتين 9 و 10 من القانون التنظيمي 13.106، والذين لا تتجاوز أعمرهم عند تقديم الطلب 55 سنة، بينم يعفى من اجتياز مباراة المترشحين الحاصلين على دكتوراه الدولة في القانون أو الشريعة الإسلامية كل من الأساتذة الباحثين الذين مارسوا مهنة التدريس الجامعي في فرع من فروع القانون مدة لا تقل عن عشر سنوات، والمحامين الذين مارسوا مهنة المحاماة بصفة فعلية مدة لا تقل عن عشر سنوات، وموظفي هيئة كتابة الضبط المنتمين إلى درجة مرتبة في سلم الأجور رقم 11 على الأقل، والذين زاولوا مهمت كتابة الضبط بصفة فعلية مدة لا تقل عن عشر سنوات، وموظفي الإدارات المنتمين إلى درجة مرتبة في سلم الأجور رقم 11 على الأقل، والذين قضوا مدة لا تقل عن عشر سنوات من الخدمة العمومية الفعلية في مجال الشؤون القانونية.

  1. اللجنة الدولية للحقوقيين، المبادئ الدولية المتعلقة باستقلال ومسؤولية القضاة والمحامين وممثلي النيابة العامة، دليل الممارسين 1، (جينيف: 2007)، ص 33، شوهد في 2020/11/12، في: https://bit.ly/406H7Ox
  2. يوسف شندي، "استقلال القضاء: دراسة مقارنة"، ورقة تطبيقة، سلسلة الكرامة الإنسانية، معهد الحقوق، جامعة بيرزيت، فلسطين - كلية الحقوق، جامعة وندسور، كندا (2007)، ص.12
  3. المملكة المغربية، "ظهير شريف 1.16.41 صادر في 14 جمادى الآخرة 1437 (24 مارس 2016) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة"، الجريدة الرسمية، السنة، عدد 6456، 2016/4/14، المادتان 7 و 8، شوهد في 2020/11/12، في: https://bit.ly/3TdZ1wx • النقل

وإذا كان المشرع المغربي قد قرر ألا تتجاوز سن المرشح لاجتياز مباراة القضاء 45 سنة بالنسبة إلى غير الفئات المشار إليها سلفًا، فإنه في المقابل لم يحدد سنًا أدنى لذلك، حيث يُكّن شخصًا أنهى دراسته الجامعية يبلغ 22 سنة أن يتقدم لاجتياز المباراة ليكون قاضيًا جاهزًا في سن 24، و يعين نائبًا لوكيل الملك، ثم يعين بعدها قاضي الأحكام من بين هؤلاء النواب بعد قضاء سنتين على الأقل18، أي في سن 26 بحسب المثال الذي أوردناه. والحال أن القضاء مهنة تتطلب النضج والحكمة والرصانة، ويكون من يتولاه على قدر كبير من الخبرة والنزاهة والكفاءة سواء أكان قاضيًا للنيابة العامة أو قاضيًا للحكم، ولا يكفي المؤهل العلمي والتفوق الدراسي لاستئمن شخص على حقوق المواطنين وحرياتهم، فالقضاء يختلف عن سائر الوظائف؛ ما يتعين معه أن يكون مختارًا ممن كان تحت الملاحظة وأثبت نزاهة وخبرة وحنكة في إحدى الوظائف القانونية من دون أي شبهة أو انحراف. ولئن أصبح نظام التكوين في المعهد العالي للقضاء يأخذ في الاعتبار انفتاح القاضي المتدرب على محيطه الاقتصادي والاجتمعي، فإن هذا التكوين يبقى عامًا لا يأخذ في الاعتبار التخصص الذي ينعكس لا محالة على فاعلية القضاء وعلى جودة الأحكام الصادرة عنه19، حيث أكد ذلك المؤتمر الدولي السابع لقانون العقوبات المنعقد في أثينا سنة 1957 من خلال توصية له جاء فيها: "إنه من أجل قيام القاضي الجنائي بدوره الفعال، ولكي يمارس سلطته التقديرية الواسعة ممرسة صحيحة، يجب أن يكون معدًّا إعدادًا جيدًا، ومؤهلً تأهيلً خاصًّا في مجال الدراسات الجنائية". وهو ما يمكن إسقاطه على بقية التخصصات القضائية.

لقد خصّ النظام الأساسي للقضاء نقل القضاة بمقتضيات جدّ مهمة، وقيده بعدة شروط بعد أن كان، طوال عقود، يمنح كل الصلاحيات في ذلك للمجلس الأعلى للقضاء بصيغته القديمة لينقل القاضي كم يشاء، إلى درجة أن بعض عمليات النقل في السابق كانت تعتبر تأديبية أو تعسفية أو انتقامية، ودون أن تتوافر للقاضي حينها أي وسيلة من وسائل الطعن أو التظلم في القرار المتخذ بشأنه في هذا الخصوص. لقد أكد المجلس الدستوري على دستورية المقتضيات القانونية المتعلقة بالتنقيل بمناسبة عرض القانون التنظيمي 106.13 قصد مراقبة دستوريته، حين عبر عن ذلك بما يلي22: "إن المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي أناط به الدستور، بصفة أساسية، السهر على تطبيق الضمنات الممنوحة للقضاة ولا سيم فيم يخص استقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم، لا يجوز له أن يقرر نقل قضاة الأحكام، في الحالات التي حددها المشرع، دون طلب منهم، إلا بصفة استثنائية يبررها ضمن حق التقاضي المكفول دستوريًّا للمواطنين". وبذلك يكون القاضي قد متعه القانون الجديد بحصانة ضد التنقيل الذي لا يحدث إلا بطلب منه إلا في حالة استثنائية مثل الحالة التي يجري فيها إنشاء محكمة جديدة أو مركز قضائي جديد من دون أن تتوافر لدى المجلس الأعلى للسلطة القضائية موارد بشرية جديدة كافية لتعيينها في هذه المناطق.

  1. ورد في الفقرتين الأولى والثانية من المادة 13 من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة: "يعين المجلس الملحقين القضائيين المذكورين في المادة 8 أعلاه نوابًا لوكيل الملك لدى محاكم أول درجة، ويرتبون في الرتبة الأولى من الدرجة الثالثة، ويعين قضاة الأحكام من بين هؤلاء النواب، بعد قضاء سنتين على الأقل". غير أنه يمكن، من أجل سد الخصاص، تعيين الملحقين القضائيين المذكورين مباشرة قضاةً للأحكام.
  2. فاطمة الزهراء السائح الجوهري، "أي دور للأخلاق المهنية في ضمان محاكمة جنائية عادلة؟"، مجلة العلوم الجنائية، العدد 6-5 (2019)، ص.218

وبحسب المادة 72 من النظام الأساسي للقضاة فإن النقل يجري بناءً على طلب القاضي، أو على إثر ترقية في الدرجة، أو إحداث محكمة أو حذفها، أو شغور منصب قضائي، أو سد الخصاص بحيث لا يجوز أن تتجاوز مدة الانتداب بحسب المادة 73 من القانون نفسه ثلاثة أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة بعد موافقة القاضي المعني على ذلك. ثم لا يجوز بحسب المادة 76 انتداب القاضي أكثر من مرة واحدة خلال كل خمس سنوات إلا بعد موافقته. وبالرغم من كل ذلك، سجل نادي قضاة المغرب بعض الحالات التي جرى فيها نقل مجموعة من القضاة بناءً على "سد الخصاص"، من دون مراعاة لمعيارَي القرب الجغرافي ووضعيتهم الاجتمعية، ولا حتى لتخصصهم كم هو حال من نقل من المحاكم التجارية إلى المحاكم العادية. وأشار في واحد من بلاغاته بتاريخ 8 حزيران/ يونيو 2018، إلى أن قرار نقل قاضٍ من دائرة القنيطرة إلى دائرة الرشيدية - والحال أن بين الدائرتين دائرتين قضائيتين أخريين، فضلً عن أن زوجة هذا القاضي تعمل في مدينة طنجة، وله أبناء صغار - أثار في صفوف القضاة كثيرًا من الشبهات حول خلفيات ذلك، والتي يُحتمل أن تكون من طبيعة انتخابوية مهنية24.

يخضع تأديب القضاة في المغرب إلى مقتضيات المواد من 96 إلى 102 من القانون التنظيمي رقم 13.106 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، حيث اعتبرت المادة 96 من هذا القانون أن كل إخلال من القاضي بواجباته المهنية، أو بالشرف، أو الوقار، أو الكرامة، يعتبر خطأ من شأنه أن يكون محل عقوبة تأديبية. ثم حددت المادة 99 من القانون نفسه أنواع العقوبات التي تطبق مراعاة لمبدأ التناسب والتدرج والتي جرى تقسيمها إلى ثلاث درجات: الدرجة الأولى (الإنذار، التوبيخ، التأخير عن الترقية من رتبة إلى رتبة أعلى مدة لا تتجاوز السنتين، الحذف من لائحة الأهلية لمدة لا تتجاوز السنتين، ويمكن أن تكون عقوبات هذه الدرجة مصحوبة بالنقل التلقائي)، الدرجة الثانية (الإقصاء المؤقت عن العمل مدة لا تتجاوز ستة أشهر مع الحرمان من أي أجر باستثناء التعويضات العائلية، الإنزال بدرجة واحدة، وتكون هاتان العقوبتان مصحوبتين بالنقل التلقائي)، الدرجة الثالثة (الإحالة إلى التقاعد الحتمي، الانقطاع عن العمل إذا لم يكن للقاضي الحق في معاش التقاعد، العزل). وقد اعتبر نادي قضاة المغرب، في بيان32 له صادر بتاريخ 11 شباط/ فبراير 2016 أن اتخاذ عقوبة عزل، قاضٍ وعقوبة الإقصاء المؤقت عن العمل مدة ستة أشهر (06) مع النقل في حق قاضية، لا لفسادٍ مالي أو أخلاقي وإنما فقط بسبب التعبير عن آرائهم علنيًّا في قضايا الشأن العام التي تهم العدالة هو إعدام لكل المكتسبات التي جاء بها دستور 2011 لفائدة القضاة، ويعتبر أن الهدف من هذه العقوبات هو إخراس كل أصوات القضاة المنادين بالتغيير والإصلاح في إطار الثوابت والمؤسسات، بعد أن اعتبر في بيان سابق في 9 كانون الثاني/ يناير 2016 أن متابعة هذا القاضي تفتقر إلى الشرعية القانونية لبنائها على شكاية غريبة وغير مسبوقة مقدمة من فرق برلمانية في محاولة منها لإسكات القضاة وحرمانهم من حقهم في التعبير ونقد مشاريع القوانين التي تهم العدالة المعروضة أمام البرلمان، واعتبر أن وزير العدل (في إطار الصلاحيات التي كانت له قبل إقرار القانون 106.13) ليس له الصفة والصلاحية لتلقي مثل هذه الشكايات، بل كان على هذه الفرق التي تدعي أنها تضررت أن تلتجئ إلى القضاء تكريسًا لدولة الحق والقانون، وتترك القضاء يقول كلمته.

  1. بيان المكتب التنفيذي على خلفية العقوبات التأديبية الصادرة عن المجلس الأعلى للقضاء"، الموقع الرسمي لنادي قضاة المغرب، شوهد في 2020/11/13، في: https://bit.ly/3TARMPh ب- الوضع المادي للقضاة

وقد استنكر نادي قضاة المغرب بشدة، في بلاغ لمكتبه التنفيذي في 8 حزيران/ يونيو 2018، نهج المجلس الأعلى للسلطة القضائية في انتهاك مبادئ المحاكمة العادلة، وذلك بتضييقه على حق القضاة المحالين عليه تأديبيًا في الدفاع، وهو الحق المكفول لهم بمقتضى الدستور والقانون. وتبقى مسألة تقييم الوضع الحالي تتطلب المزيد من الوقت؛ وذلك لكون القانون التنظيمي المتعلق بالتنظيم القضائي صدر في 24 آذار/ مارس 2016، أي قبل ست سنوات ونصف السنة فقط، ما يصعب معه الوقوف على المشكلات التي يرتبها تطبيقه بخصوص الوضعيات الفردية للقضاة وكيفية معالجتها من جانب المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

إن الوضع المادي للقضاة يعتبر من الأولويات التي يجب الانتباه لها والاهتمم بها، فلا يمكن الاطمئنان إلى مواطن في عصرنا الحاضر يعامل، بوصفه مستهلكًا، في عالم يتميز بشراهة الاستهلاك وكثرة الحاجيات التي جعلت الأفراد يذوبون في الدورة الاقتصادية، ويسعون لتلبية متطلباتٍ وضرورياتٍ تثقل كواهلهم بالقروض والالتزامات. فالقاضي يبقى في جميع الأحوال إنسانًا ملزمًا بتلبية حاجاته وتوفير حاجيات أسرته، فإن تعذر عليه ذلك تأثر إنتاجه المهني كًّمًّ وكيفًا ليطغى على حالته النفسية التوجس والخوف والضعف والهشاشة التي من الممكن أن تجعله فريسةً للضغوط والإكراهات ولقمةً سائغة للنيل من حياديته وتجرده ونزاهته واستقلاله، والتي هي أساس أخلاقيات المهنة وديدن اقتناعه الصميم الذي هو مصدر إنشاء قراره القضائي. لقد جرى تقليص دور وزارة العدل في التدخل في الأوضاع المادية للقضاة، الذي أصبح محددًا فقط بتنفيذ مقررات المجلس الأعلى للسلطة القضائية المتعلقة بالأوضاع المادية للقضاة بمقتضى المادة 55 من القانون التنظيمي 100.13 وأكده المجلس الدستوري في قراره /991 2016 الذي جاء فيه: "فإذا كان الفصل 113 من الدستور يسند إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية صلاحية السهر على "تطبيق الضمنات الممنوحة للقضاة، ولا سيم فيم يخص استقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم"، فإنه ليس في هذا الفصل ولا في بقية أحكام الدستور ما يحول دون تأهيل الوزارة المكلفة بالعدل والوزارة المكلفة بالمالية لاتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذ مقررات المجلس المتعلقة بالوضعيات الإدارية والمالية للقضاة، طالما أن ذلك يتم بتعاون مع المصالح المختصة للمجلس، ويقتصر على تنفيذ مقررات هذا الأخير، وهو ما يعد إعملً لمبدأ التعاون بين السلَط المقرر في الفقرة الثانية من الفصل الأول من الدستور. وتنزيلً للآلية السابعة عشرة من الهدف الفرعي الثالث لميثاق إصلاح منظومة العدالة بشأن النهوض بالوضعية المادية للقضاة، تميزت سنة 2014 بإصدار المرسوم رقم 2.14.32 بتاريخ 23 كانون الثاني/ يناير 2014 القاضي بالرفع من التعويضات والمنافع الممنوحة للقضاة من الدرجات الثالثة والثانية والأولى على دفعتين خلال سنتَي 2014 و 2015 كم يوضحها الجدول33.

جدول خاص بتعويضات القضاة

نسبة
الزيادة)%(
الانعكاس المالي
الخام السنوي
(بالدرهم)
الراتب الشهري
بعد الزيادة
المطبقة ابتداءً من
كانون الثاني/ يناير
2015
(ابالدرهم)
الزيادة
الصافية
(مبالدرهم)
الراتب
الشهري
السابق
(بالدرهم (((2 *)
العددأصناف القضاة
16.1450006100.0021589.503000.3718589.13775قاضٍ من
الدرجة الأولى
31.3260680256.0016774.824000.6712774.15278قاضٍ من
الدرجة الثانية
52.24122589000.0014346.444923.009423.441225قاضٍ من
الدرجة الثالثة

ومع أن هذه الزيادة مهمة مقارنةً بالوضعية السابقة لسنة 2014، فإنها تعدّ غير كافية بالنظر إلى ارتفاع مستوى العيش وتزايد المتطلبات والحاجيات خصوصًا أمام المجهودات التي يبذلونها والكم الهائل من القضايا التي يبتون فيها سنويًّا كم تشهد بذلك الأرقام الرسمية.

لقد كلفت المادة 107، من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، الرئيس المنتدب للسلطة القضائية بتتبع ثروات القضاة، وأتاحت له أن يقدر ثرواتهم وثروات أزواجهم وأبنائهم بعد موافقة المجلس بواسطة التفتيش، بحيث يمكن أن يكون موضوعَ متابعة تأديبية كل قاضٍ ثبتت زيادة ممتلكاته، خلال فترة ممرسة مهمته، زيادة ملحوظة لا يستطيع تبريرها بصورة معقولة. لقد جاء في تقرير لجمعية محاربة الرشوة "ترانسبارنسي" المغرب عن وضعية القضاء في المغرب لسنة 200635أن "الفساد يطال قطاعات مختلفة بالمغرب، إلا أن التصنيفات المقدمة من خلال التحريات، والاستطلاعات المنجزة محليًّا، تظهر أن قطاع العدل يحتل الصدارة ضمن القطاعات التي تمسها آفة الفساد والرشوة. وذلك ما تعكسه أيضًا تقارير المنظمت الحقوقية وسيل الشكايات التي يقدمها المواطنون، واعترافات المسؤولين

  1. * الدرهم يعادل نحو 0.098 من الدولار الأميركي (نيسان/ أبريل.)2023

أنفسهم في مناسبات متعددة، وتواصل اتخاذ سلسلة من الإجراءات الزجرية لطمأنة الرأي العام إلى أن إرادة الدولة تتجه إلى وضع حد للفساد المستشري في المؤسسة القضائية". إن أهم وسيلة للحفاظ على نزاهة القاضي واستقلاله هي ضرورة التتبع المستمر والإجباري لثروته ومستوى معيشته هو وأصوله وفروعه. وذلك لا يمكن أن يجري إلا بخلق آليات مبسطة تجعل هذا التتبع آنيًّا، وأن تكون المحاسبة عليه إلزامية وواجبة، وأن تعرض بشأنه تقارير سنوية للمجلس بالنسبة إلى كل قاضٍ بتعاونٍ مع كل الهيئات والمؤسسات التي يجب أن تلزم بتبليغ المجلس عن كل ما يتعلق بمقتنيات القاضي الباهظة الثمن تحت طائلة معاقبة كل متستر على ذلك أو مخل بإجراء التبليغ، وذلك سيرًا على النهج الذي أقره المشرع بخصوص التصريح بالاشتباه المنصوص عليه في قانون تبييض الأموال.

ثانيًا: واقع استقلال السلطة القضائية

إن مسلسل إصلاح منظومة العدالة لم يتوقف منذ دستور 2011، ويتقدم بخطى حثيثة وإن كانت بطيئة بسبب الإكراهات التي تفرضها النقاشات السياسية والتقاطبات الفكرية بخصوص مواضيعه والمساطر المتبعة لاعتمد القوانين والتكلفة المادية للإصلاح، الشيء الذي أدى إلى عدم جاهزية كل القوانين والإجراءات المرتبطة به، حيث لم يخرج بعد تعديل القانون الجنائي والمسطرة الجنائية الذي كان معدًّا منذ سنوات، وأيضًا مشروعا القانونين المتعلقين برقمنة الإجراءات القضائية في المجالين المدني والجنائي، ما يحرم عملية تقييم واقع استقلال السلطة القضائية من أن توفر المساحة الزمنية اللازمة للرصد والتتبع والوقوف على النجاحات والإخفاقات. لذلك سوف نعمل على مناقشة هذا المحور من خلال أهم ما تحقق خلال هذه الفترة، وهو استقلال النيابة العامة والتأثيرات غير المؤسساتية التي تمس باستقلال القضاء ولها راهنيتها على المستوى الدولي.

1. استقلال النيابة العامة بعد دستور 2011: تجربة فريدة تستحق التقويم

قبل دستور 2011، كان وزير العدل هو الرئيس التسلسلي للنيابة العامة ليحتد النقاش أثناء تحضير الوثيقة الدستورية وبعدها بين مؤيدين لاستقلالها تماشيًا مع الوضع الدستوري الجديد للسلطة القضائية في المغرب ومعارضين لاستقلالها ممن رأوا وجوب أن تظل تابعة للسلطة التنفيذية ضمنًا لمحاسبتها من جانب البرلمان. وبعد نقاش استمر حوالى خمس سنوات، أقِر القانون التنظيمي رقمُ 13-106 في آذار/ مارس 2016 ممهدًا الطريق أمام استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل، بعدما كان قد سبقَ للهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح العدالة في المغرب أن أصدرت توصية بذلك. غير أنه في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2017، عمد المغرب إلى نقل سلطة رئاسة النيابة العامة من وزارة العدل المنتمية إلى السلطة التنفيذية إلى محكمة النقض المغربية المنتمية إلى السلطة القضائية ممثلةً في شخص الوكيل العام لمحكمة النقض. ولا يمثل هذا الحدث مجرد استبدال شخص بآخر أو مؤسسة بأخرى، بل يؤشر إلى نهاية مرحلة إمساك السلطة التنفيذية بالنيابة العامة منذ استقلال المغرب في عام.1956 لقد جاء في قرار للمجلس الدستوري39 أن: "الدستور في باقي أحكامه المتعلقة بالقضاء متع القضاة جميعًا وبدون تمييز، بنفس الحقوق وألزمهم بنفس الواجبات، كم أخضعهم لنفس الأحكام، سواء تعلق الأمر بالمهمة

العامة المنوطة بالقضاة المتجلية في حمية حقوق الأشخاص والجمعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون (الفصل 117)، أو بمنع التدخل في القضايا المعروضة عليهم، أو باعتبار كل إخلال من طرفهم بواجب الاستقلال والتجرد خطأ مهنيًّا جسيمً (الفصل 109)، أو بالحق المخول لهم في حرية التعبير وفي الانخراط في الجمعيات وإنشاء جمعيات مهنية ومنع انخراطهم في الأحزاب السياسية والمنظمت النقابية (الفصل 111)، أو بكون المجلس الأعلى للسلطة القضائية يسهر على تطبيق الضمنات الممنوحة لهم، لا سيم فيم يخص استقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم (الفصل 113)، أو بمشاركتهم في انتخاب ممثلي القضاة في هذا المجلس (الفصل 115)". ويضيف: "وحيث إنه، يَبين من مجموع الأحكام المذكورة أن الدستور أضفى صفة "قضاة" على قضاة الأحكام وعلى قضاة النيابة العامة معًا، مم يجعلهم جميعًا منتمين إلى السلطة القضائية - وهي سلطة موحدة - ومشمولين، تبعًا لذلك، بصبغة الاستقلال اللصيقة بهذه السلطة". وبذلك يكون المجلس الدستوري قد حسم في طبيعة النيابة العامة بالمغرب.

2. النيابة العامة والسياسة الجنائية

نصت المادة 110 من القانون التنظيمي رقم 100.13 على أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية يتلقى تقارير من عدة جهات من بينها الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة عن تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة، قبل عرضه ومناقشته أمام اللجنتين المكلفتين بالتشريع في مجلسي البرلمان. وإذا كان التقرير المقدم من جانب الوكيل العام للملك رئيس النيابة العامة إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية لا يثير أي إشكال، نظرًا إلى انتمء النيابة العامة للسلطة القضائية، وكذلك باعتبار الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض عضوًا في المجلس المذكور، فإن عرض التقرير ومناقشته أمام اللجنتين البرلمانيتين يثير تساؤلات متعددة يقتضيها احترام المقتضى الدستوري بشأن استقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية والتنفيذية. أثيرت تساؤلات عن كيفية إحالة التقرير إلى البرلمان، والجهة المعنية بتلك الإحالة، وعن مدى دستورية حضور الوكيل العام للملك إلى برلمان لتقديم التقرير ومناقشته في اللجنتين، فضلً عن كيفية المناقشة والهدف منها، ولا سيم إذا ما كانت لغاية المساءلة والمحاسبة أم لغايات أخرى40. لقد خلق موضوع السياسة الجنائية بعد دستور 2011 جدلً قانونيًّا واسعًا وتنافسًا قويًّا بين السلَط الثلاث في الدولة بخصوص كيفية تدبير هذا المجال القانوني ذي الأهمية البالغة، رغم أن المجلس الدستوري قد حسم أمر الجهة التي تضع السياسة الجنائية وهي البرلمان، من خلال قراريه رقم /991 16 ورقم /992 16، هذا المقتضى الذي هو مجرد تأكيد للاختصاصات التشريعية التي خولها الفصل 71 من الدستور للبرلمان في ما يتعلق باستئثاره، دون غيره من السلطات، بالتشريع في مجال التجريم والعقاب (القانون الجنائي) والمسطرة الجنائية. وبالرجوع إلى محضر جلسة مجلس النواب رقم 272 المنعقدة يوم الثلاثاء 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2015، وهي الجلسة التي صوت فيها مجلس النواب على القانون التنظيمي 100.13، يتضح موقف الحكومة بشأن تأويل هذه المادة مم صرح به وزير العدل والحريات الذي دعا الأغلبية "إلى أن تتنازل عن تعديلاتها

  1. المملكة المغربية، رئاسة النيابة العامة، تقرير رئيس النيابة العامة حول تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة لسنة 018 2، ص  25، شوهد في 2023/3/24، في: https://bit.ly/3JG5Out

بشأن الإبقاء على علاقة النيابة العامة بوزير العدل [...] وفي المقابل قبلت الحكومة الاقتراح الرامي إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة، وذلك بإفساح المجال أمام الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيس النيابة العامة، لتقديم تقرير سنوي عن تنفيذ السياسة الجنائية أمام لجنة العدل والتشريع بالمجلسين. وستكون فرصة سانحة للمجلس الدستوري ليقول كلمته في هذه الصيغة التي اختلفت حولها الآراء، ولا شك أننا سنقف عند ما سيقرره المجلس الدستوري كالعادة"41. وقد عبر وزير العدل خلال عرضه في الجلسة نفسها عن تطلعه إلى ذلك اليوم الذي يعدل فيه الدستور، ليبلور فصلً منطقيًا تعهد فيه رئاسة النيابة العامة إلى مدعٍ عام مستقل يخضع اختياره لمسطرة أكثر استجابة للمعايير الديمقراطية. غير أن المجلس الدستوري حسم في عدة أمور تتعلق بتقرير رئيس النيابة العامة42، وخصوصًا أمر اعتباره تقريرًا عموميًّا يحق للجميع الاطلاع عليه وتدارسه، وكذلك عرضه ومناقشته أمام لجنتي التشريع بمجلسي البرلمان دون حضور الوكيل العام للملك. والغاية من المناقشة المحددة تعديل السياسة الجنائية وتطويرها وليس المساءلة والمحاسبة، وأخيرًا شكل المناقشة وطريقتها التي ينبغي أن تجري باحترام تام للسلطة القضائية واستقلالها.

3. النيابة العامة وعلاقتها بالشرطة القضائية

إن أعمل الضابطة القضائية تبقى مؤطرة بمقتضيات قانون المسطرة الجنائية وخاضعة لرقابة النيابة العامة التي تسير أعملها، ولرقابة الغرفة الجنحية لدى محكمة الاستئناف التي يمكنها، بحسب مقتضيات المادة 32 من قانون المسطرة الجنائية المغربي، بغض النظر عن العقوبات الإدارية، أن تصدر في حق ضابط الشرطة القضائية جملةً من العقوبات بسبب أي إخلال ينسب إليه أثناء قيامه بمهمته، التي تنحصر أساسًا في توجيه الملاحظات والتوقيف المؤقت عن ممرسة مهمت الشرطة القضائية لمدة لا تتجاوز سنة واحدة، وفي التجريد النهائي أيضًا من هذه المهمت. إن جهازَي الأمن والدرك يعتبران، بحسب الفصل 12843 من الدستور، الجهازين الأساسيين المنوط بهم واقعيًّا القيام بأعمل الضابطة القضائية وفق الشروط المنصوص عليها في المسطرة الجنائية المغربية، تحت إشراف النيابة العامة وقضاة التحقيق؛ فالأغلبية الساحقة للمتابعات والدعاوى الجنائية في المغرب تستند إلى الأبحاث والمعاينات والمحاضر المنجزة من جانب عناصرهم. فبالرغم من أن جهاز الشرطة القضائية تابع للنيابة العامة وأنها تعتبر سلطته الرئاسية، فإن تبعيته الإدارية تكون للمؤسسة التي ينتمي إليها، سواءٌ أكانت أمنًا أو دركًا. فعناصر الأمن الوطني، تطبيقًا لمقتضيات المادة 13 من ظهير 23 شباط/ فبراير 2010 المتعلقة بالمديرية العامة للأمن الوطني، ملزمون، في إطار تنفيذ المهمت المسندة إليهم، بالامتثال لتعليمت رؤسائهم التسلسليين ما

  1. 8 2  المملكة المغربية، مجلس النواب، "محضر الجلسة الثانية والسبعين بعد المائتين"، مداولات مجلس النواب - دورة أكتوبر 2015- 2015/10/27 شوهد في، 2020/11/14، في: https://bit.ly/42mQtYi 9 2  المملكة المغربية، المحكمة الدستورية، المجلس الدستوري، "قرار رقم: /991 16 م. د، ملف عدد: /16 1473، 2016/3/15"، شوهد في 2020/11/15، في: https://bit.ly/3JPwL04

لم يكن الأمر الصادر إليهم مخالفًا للقانون. أما الدرك الملكي، بحسب الفصل الثاني من ظهير شريف رقم 1.57.280 بشأن مصلحة الدرك الملكي المغربي72، فيعتبر جزءًا من القوات المسلحة الملكية، وتكون عناصره مصطفة على يمين الجيوش كيفم كان سلاحها. وبحسب الفصل الثالث من الظهير نفسه فإنّ الدرك يخضع لأوامر وزير الدفاع الوطني ويتبع أيضًا لوزير العدل لمباشرة الشرطة القضائية وذلك قبل نقل اختصاصات هذا الأخير إلى رئيس النيابة العامة، وإلى وزير الداخلية لمباشرة السلطة الإدارية؛ ما يجعل استقلالية هذه الأجهزة محل تساؤل، ويجعل ازدواجية التبعية محل انتقاد الحقوقيين والمدافعين عن تحقيق شروط المحاكمة العادلة واستقلال النيابة العامة. إن إشكالية ازدواجية تبعية الشرطة القضائية تؤدي بصفة غير مباشرة إلى المساس باستقلال السلطة القضائية وفق العديد من التقارير المنجزة في الأنظمة القضائية التي تعرف هذا النوع من التبعية (فرنسا مثلً)، والتي تعبر عن إمكانية تعرض الشرطة القضائية لضغوط من وزارة الداخلية بالرغم من الضمنات التي توفرها المساطر الجنائية من أجل تحقيق الرقابة على أعمل هذه الأخيرة من جانب السلطة القضائية. فأفراد الشرطة القضائية يبقون موظفين عموميين يخضعون للسلطة الإدارية للجهة التي ينتمون إليها، هذا الخضوع الذي يتقوى بسبب البنية الإدارية الموغلة في التراتبية وبسبب تفويض الأعمل في إطار هذه المؤسسة، وبذا فإن حقيقة إدارة الشرطة القضائية ومراقبتها تعود إلى الجهاز الأصلي، وإن الرقابة الممرسة من جانب النيابة العامة والوكيل العام وقضاة التحقيق تبقى جزئية73. وهنا تظهر خطورة ازدواجية تبعية الشرطة القضائية على تحقيق شروط المحاكمة العادلة، وخصوصًا أن هذه المرحلة تكاد تكون حجر الزاوية الذي تؤسس عليه المتابعة ويستند إليه الحكم الصادر عن المحكمة إلى حدّ بعيد من خلال محاضر الشرطة القضائية التي تكون لها حجية قوية أمام القضاء.

4. المتابعات القضائية

بحسب تقريرٍ للشبكة الأوروبية – المتوسطية لحقوق الإنسان، أنجز خلال سنة 2008، فإن النتائج الملموسة لحدود استقلال القضاء بالمغرب يمكن أن تلمس في القضايا التي تتواجه فيها السلطة السياسية مع أولئك الذين تصنفهم خصومًا لها. فالتدخل السياسي في مسار العدالة يظهر بصفة جليّة في نوعين من القضايا: الأولى تتعلق بالقضايا المرفوعة ضد الصحافة المستقلة، والثانية التي تجري في مواجهة المتورطين في قضايا إرهابية. وفي هذا الصدد يستعرض التقرير نماذج لمجموعة من القضايا. وقد نددت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، في بيان لها، بالأحكام الصادرة عن غرفة الجنايات بالدار البيضاء، مساء يوم الأربعاء 26 حزيران/ يونيو 2018، بحق ناشطي حراك الريف، والأحكام السابقة الصادرة

  1. Commission nationale consultative des droits de l'Homme, "Avis sur l'indépendance de la justice," (Assemblée plénière du 27 juin 2013) France.
  2. Abdelaziz Nouaydi, "Maroc: L'indépendance et l'impartialité du système judiciaire," Rapport Janvier 2008, Réseau euro-méditerranéen des droits de l'Homme (Copenhague, Danemark: 2008), p. 34.

عن محكمتي الاستئناف والابتدائية في مدينة الحسيمة، واعتبرتها أحكامًا انتقامية ضد مناضلين سلميين مارسوا حقهم في الاحتجاج السلمي من أجل مطالب اعترف المسؤولون أنفسهم بعدالتها ومشروعيتها. ولقد عبرت الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان عن قلقها في إثر ملاحقة صحافي واعتقاله بتاريخ 29 تموز/ يوليو 2020 بدعوى جريمة اغتصاب، بعد استدعائه من جانب الشرطة القضائية عشرات المرات قبل ذلك منذ 25 حزيران/ يونيو 2020 لمساءلته بخصوص الحصول على أموال من جهات أجنبية من أجل المس بالأمن الداخلي للدولة. وأكدت الفدرالية في بلاغ لها أنه إذا كان الهدف من هذه المتابعات هو إخراس الصحافي، فإن ذلك سيشكل مرحلة جديدة مقلقة بخصوص حرية التعبير وحقوق الإنسان في المغرب، فقد جاء في تصريح رئيسة الفدرالية أليس موغوي Mogwe Aliceفي البلاغ نفسه "إذا كان لا جدال في أن أي اتهام بالاغتصاب يجب أن يخضع لتحقيق صارم ونزيه، فإن تقديم شكوى بالاغتصاب ضد الشخص المذكور عندما يتعرض الأخير للمضايقات منذ شهور من جانب السلطات المغربية يدفع إلى التساؤل عن احتمل أن يكون هذا الاتهام باطلً ويهدف إلى تشويه سمعة الصحافي"، وطالبت في هذا الصدد ببحث معمق، مستقل، شفاف، وعادل بخصوص هذه القضية. وقد أصدرت منظمة العفو الدولية "أمنستي" بلاغًا في الشأن نفسه رد عليه المجلس الأعلى للسلطة القضائية، موضحًا أن البلاغ الذي دعت فيه الأشخاص عبر العالم إلى إرسال مناشدات للضغط على السلطات المغربية من أجل الإفراج عن هذا الصحفي، "تضمن العديد من المغالطات التي تمس باستقلال القضاء وتعطي الانطباع بتحكم الحكومة فيه، وتحرض كذلك على التأثير في قراراته"، مضيفًا أن هذا البيان "ضخم بعض الإجراءات القضائية العادية، وسرد بعض الوقائع بطريقة كاريكاتورية، وربط متابعة المعني بالأمر بعمله الصحفي، خلافًا للحقائق المضمنة بالملفات القضائية". "وأكد المجلس أنه سيظل حريصًا على الاضطلاع بواجبه الدستوري في حمية استقلال القضاء، ورفض كل تدخل في مقرراته"، داعيًا في هذا الصدد القضاة إلى التمسك باستقلالهم وعدم الرضوخ للتأثيرات غير المشروعة التي قد تمارس عليهم أيا كان مصدرها، والاستناد في أحكامهم إلى القانون ومبادئ العدالة والإنصاف واحترام حقوق الأطراف وتوفير كل شروط المحاكمة العادلة لها. وسجل المجلس الوطني لحقوق الإنسان في تقريره السنوي لسنة 2019 أن الشكايات المتعلقة بالقضاء جزءمهمّ من الشكايات الواردة إليه وعددها 413 موزعة كالتالي: 190 تظلمً من أحكام قضائية يطالب أصحابها بإعادة النظر فيها، وقد جرى توجيه المعنيين بها إلى سلوك المساطر القانونية الخاصة؛ 70 تظلمً من عدم تنفيذ أحكام قضائية مدنية نهائية؛ 74 ادعاءً بوجود خروق مسطرية أثناء سريان الدعوى؛ 17 ادعاءً بشأن التأخر أو الممطلة في البت في الدعاوي المعروضة على القضاء؛ 54 ادعاءً بشأن التأخير أو الحفظ في الشكايات الموجهة إلى النيابة العامة؛ 8 شكايات ضد محامين.

  1. Fédération internationale pour les droits Humains, "Maroc: l'arrestation du journaliste Omar Radi s'inscrit dans un contexte de harcèlement judiciaire continu," Communiqué, 10/8/2020, accessed on 10/11/2020, at: https://bit.ly/3n7qR1c
  2. المجلس الوطني لحقوق الإنسان، التقرير السنوي عن حالة حقوق الإنسان بالمغرب لسنة 019:2 فعلية حقوق الإنسان ضمن نموذج ناشئ للحريات (آذار/ مارس 2020)، ص 21، شوهد في 2020/11/14، في: https://bit.ly/3lA8zp7

وقد نال قطاع العدالة من عدد الشكايات الموجهة إلى مؤسسة الوسيط وفق ما جاء في تقريرها لسنة 2018ما مجموعه 1613 شكاية توزعت بين شكايات تعلقت بنزاعات بين أشخاص القانون الخاص، وتظلمت من أحكام ومقررات قضائية، وشكايات بعدم تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد أشخاص القانون الخاص، وطلبات تدخل في قضايا رائجة أمام القضاء، وشكايات تخص أعمل الضابطة القضائية والنيابة العامة، وطلبات تتعلق بأوضاع السجون، وشكايات بخصوص تصرفات بعض القضاة، وطلبات العفو، وتظلمت من مساعدي القضاء. فقد اعتبرت مؤسسة الوسيط أن ارتفاع عدد هذه التظلمت التي تخرج عن اختصاص المؤسسة يعدّ مؤشرًا قويًّا على قصور الدور التواصلي الذي يتعين الاستمرار فيه من جانبها لشرح مهمتها واختصاصها ومجالات تدخلها وتوضيحها.

5. المؤثرات غير المؤسساتية وتهديدها لاستقلال القضاء

مع أن الدستور المغربي لسنة 2011 وما تلاه من القوانين المرتبطة بالسلطة القضائية قد أدّت دورًا في تحصين القضاء إلى حد ما من تأثير السلطتين التشريعية والتنفيذية، فلقد نشأت جيوب أخرى لمقاومة الاستقلال تمثّل خطرًا على استقلال القضاء وحياديته، من شأنها إرباك العمل القضائي في بعض الأحيان والتأثير في الاقتناع الصميم للقاضي، سواءٌ أكان قاضيًا للنيابة العامة أو قاضيَ تحقيق أو قاضيًا جالسًا. فبغض النظر عن المفهوم التقليدي المؤسساتي لاستقلال القضاء، أصبح هذا الأخير مهددًا بالخصوص أثناء المحاكمة الجنائية، خلال مرحلة تحديد العقوبة؛ بسبب إمكانية التأثير في تكوين القاضي في اقتناعه الصميم واختياره العقوبة المناسبة، وفقًا لما بين يديه من معطيات الملف. هذه التأثيرات التي تمارسها جهات خارج النسق المؤسساتي، والتي تتمثل في البيئة المحيطة، تشكل تهديدات لاستقلال القضاء؛ لأنها من المحتمل أن تمس صدقية عملية إصدار الأحكام وصلاحيات مراكز القرار القانونية. وتتمثل هذه المؤثرات الخارجية في الرأي العام ووسائل الإعلام والحركات الاجتمعية. فحسب الفقيه دينيس سلاس Denis Salas، فإنه "منذ مدة، جرى النظر إلى العقوبة انطلاقًا من مجموعة من النمذج مثل القصاص والردع والتأهيل، كل ذلك يعتمد على علاقة تفريدية بين مرتكب الجريمة والقاضي […]. فهذا الإطار يمكن من التفكير في عقوبة مناسبة، في علاقتها بالفعل المرتكب والموجه نحوه المستقبل الممكن للفاعل. […]. غير أنه سيجري استبدال الجنوح المتصور بصفته تهديدًا للمجتمع بالعلاج الفردي". ويرى بعض الكتاب أن القضاة، قبل التعامل مع حالات فردية، وخاصة عند إعدادهم لأسباب الحكم، يَزِنون بعناية قراراتهم وتعليلاتها وفقًا لرد الفعل المحتمل من الجمهور؛ ما يدفعهم للتساؤل إن كان الجواب التقليدي عن تجاهل القضاء المطبق للرأي العام لا يزال قائمًا. فإن الرأي العام في إمكانه التأثير في القرار على عدة مستويات. وعلى سبيل المثال في قضايا العنف المنزلي والعنف ضد الأطفال والعنف ضد كبار السن، فإن أفراد المجتمع لا يقبلون ذلك؛ لذا فإن القاضي يأخذ هذه الأمور في الاعتبار، لأنها قيم مجتمع معيّ وسيأخذها

  1. 8 3  مؤسسة وسيط المملكة المغربية، التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 0182 المرفوع إلى صاحب الجلالة والمهابة الملك، ص 20، شوهد في 2020/11/14، في: https://bit.ly/3Tadh9m
  2. Margarida Garcia & Richard Dubé, "Une enquête théorique et empirique sur les menaces externes à l'indépendance judiciaire dans le cadre du sentencing," Revue Générale de Droit , vol. 47, no. 1 (2017), p. 17.
  3. Ibid., p. 22.

في الاعتبار في قراراته، خاصة على مستوى الحكم. وفي هذا الصدد، يقول أحد القضاة الفرنسيين: "صدقني، لقد عشت ذلك، فجمعات الضغط النسوية قوية. صحيح أنهن يدافعن عن وجهات نظرهن. وهي حالة يمكن أن يكون للرأي العام فيها تأثير حتى في الحكم. وهذا ضار. نحن مستقلون [...] علينا أن نتحلى بشجاعة قناعاتنا. لسنا هنا لإرضاء الرأي العام. نحن هنا لاتخاذ قرار". وقد لاحظنا الكيفية التي يعبّأ بها الإعلام وتحول صفحات التواصل الاجتمعي إلى محاكم بمجرد الإعلان عن جريمة اغتصاب الطفل عدنان وقتله في مدينة طنجة في أيلول/ سبتمبر 2020، وتعالت الأصوات مطالبةبتطبيق عقوبة الإعدام، بل إن منها ما دعا إلى التنكيل بالمتهم وإخصائه وتقطيعه، وذلك حتى قبل الاطلاع على حيثيات الملف وإنهاء أبحاث الضابطة القضائية بشأنه، وهو ما يقتضي التزام أجهزة العدالة الجنائية الحرص على احترام سرية الأبحاث وعدم تعميم المعلومات الأولية التي يمكن أن تخلق رأيًا عامًّا ضاغطًا على قرارات السلطة القضائية. فالرأي العام بعاطفته الجياشة، والإعلام المدفوع بالرغبة في تحقيق السبق الصحفي ورفع عدد مبيعاته، والحركات الاجتمعية بانخراطها اللامحدود في القضايا التي تعتبر من صميم اهتممها، في زمن أصبحت فيه المعلومة تنتقل كالنار في الهشيم والتعبئة من أجل التضامن أصبحت تجري بنقرة زر، ليتحول إلى أداة خطيرة للمس باستقلال القضاء والتأثير في القرار القضائي، بما قد يضر بصورة العدالة ومهمتها ويعصف بحقوق أبرياء وحرياتهم. أضف إلى ذلك الحالات التي يجري فيها تسخير كل هذه القوى المؤثرة من جانب (لوبيات) اقتصادية أو سياسية أو حتى حكومية، من أجل التدخل غير المباشر في سلطة القضاء وضرب مبدأ الاستقلالية الذي يتضح جليًّا من خلال السرعة الغريبة التي تجري بها التغطية الإعلامية للعديد من أعمل مداهمة أوكار الإجرام أو اعتقال مشتبه فيهم - في الوقت الذي يعتبر فيه مبدأ سرية البحث إحدى ركائز المسطرة الجنائية - وبانتهاك صارخ لمبدأ قرينة البراءة. وبغض النظر عن بشاعة الجريمة وما أحدثته من صدمة لدى الرأي العام، فإن ما جرى التسويق له قبل إنهاء الأبحاث القضائية وعرض المتهمين على القضاء، والطريقة التي جرى بها تناول الموضوع، لا يمكن إلا أن تكون سببًا للتأثير في قرار القاضي، أيًّا كانت الظروف والملابسات التي سيكشف عنها البحث، وسيؤدي إلى العدول عن إلغاء عقوبة الإعدام التي كانت محل نقاش خلال السنوات الأخيرة. لقد جرّم القانون الجنائي، من خلال الفصل 266 منه، الأفعال أو الأقوال أو الكتابات العلنية، التي يقصد منها التأثير في قرارات رجال القضاء، قبل صدور الحكم غير القابل للطعن في قضية ما. ثم جرّم الأفعال أو الأقوال أو الكتابات العلنية، التي يقصد منها تحقير المقررات القضائية، ويكون من شأنها المساس بسلطة القضاء أو استقلاله، وعاقب عليها بالحبس من شهر إلى سنة وغرامة من مئتين وخمسين درهمً إلى خمسة آلاف درهم.

ثالثًا: مقترحات عملية لتعزيز استقلال السلطة القضائية

إن تحقيق الاستقلال الفعلي للقضاء بصفته مؤسسة وللقاضي بصفته فردًا، بما يضمن حقوق الأفراد ويحمي حرياتهم ويحقق شروط المحاكمة العادلة، لا يمكن أن يتأتى إلا بالتحصين التام لهذه السلطة من كل أنواع التأثيرات وحمية القاضي من كل ما قد يؤثر في قراراته المعللة تعليلً سليمً وقانونيًّا والمؤسسة على القانون،

  1. الطفل عدنان: جريمة اغتصاب وقتل قاصر تهز المغرب... فما السبيل لردع المجرمين؟"، بي بي سي عربي، 2020/9/13، شوهد في 2023/3/4، في: https://bbc.in/3lCkvqg
  2. Ibid., p. 24.

وحمية نفسه من كل زيغ وانفلات وفساد قد يلحقها خلال مسارها المهني. وحتى يتأتى ذلك فلا بد من جعل وِرَش الإصلاح مفتوحةً ومستمرة. وفي هذا الصدد نتقدم بالتوصيات التالية: إن شفافية الممرسات هي المجهر الكاشف للهنات والثغرات، وهي الوسيلة الفضلى التي تتيح تقييم المنجزات وممرسة الرقابة الذاتية. ومن هنا تتجلى ضرورة تفعيل النصوص القانونية الناظمة لنشر أشغال المجلس الأعلى للسلطة القضائية، مع دعوته لتطوير عملية النشر لتشمل القواعد العامة المؤسسة للمقررات التأديبية الصادرة عنه، حتى تتسنى دراستها ومناقشتها من الناحيتين العلمية والمهنية، ويكون المخاطبون بها على بينة من المبادئ المكرسة في ضوئها باعتبارها سوابق تأديبية وجبت الإحاطة بها لتقويم السلوك القضائي، استلهامًا لعدة تجارب قضائية مقارنة أثبتت فاعليتها. إن بقاء المسؤول القضائي في الموقع نفسه عدة سنوات وفي الرقعة الجغرافية نفسها يؤدي في كثير من الأحيان إلى نسج علاقات وصداقات، بل يسعى ذوو النفوس الأمارة بالسوء إلى التقرب منه بكل السبل ومحاولة كسب وده وادخاره لطارئ. ومن هنا يتعين إعمل مبدأ التداول على المسؤوليات القضائية بصفة دورية منتظمة، وخصوصًا بالنسبة إلى النيابة العامة، مع اعتمد أسلوب التباري بشأنها تحقيقًا لتكافؤ الفرص وبهدف انتقاء الأفضل والأنسب للمنصب بالنظر إلى مؤهلاته العلمية والأخلاقية والتدبيرية وذلك تطبيقًا لمقتضيات المادة 70 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية. تحسين الوضع المادي للقضاة، بما يحصنهم اقتصاديًّا ويخلي ذهنهم من كل ما يسرح به إلى غير الالتزام بالحيادية والنزاهة والاستقلال، ويحميهم من كل تبعية اقتصادية لأي جهة عامة كانت أو خاصة. إن ازدواجية تبعية الشرطة القضائية كشفت أنها كثيرًا ما تؤدي إلى انتهاك استقلال القضاء، وخصوصًا في القضايا ذات البعد السياسي المباشر أو غير المباشر، وأن السلطة الإدارية التي يتبع لها ضابط الشرطة القضائية تجعله أكثر انضباطًا لها بحكم الطبيعة القانونية لولائه الإداري؛ ما يتعين عليه جعل الضابطة القضائية تابعة للنيابة العامة بصفة مطلقة. سلوك القاضي سواء في حياته الخاصة أو العامة هو العنوان الظاهري لعمله القضائي والمؤشر على سلامة قراره من كل الشبهات، وهو الذي يحصنه من كل التأثيرات؛ ولذلك فإن وضع مدونة للسلوك القضائي منسجمة مع المعايير الدولية يعتبر الأساس المعياري لرقابة المجلس الأعلى على القاضي والموجه له في ترقيته أو تأديبه. إن تراكم الملفات وكثرتها بين يدي القاضي الواحد يؤدي إلى ضعف جودة الأحكام، ويرهقه صحيًّا ونفسيًّا، ويشتت تركيزه عن الإحاطة بدقائق الملفات وممرسة كل أعمل البحث والتحقيق اللازمة بشأنها؛ ما يوجب تخفيض هذه الأعباء بالرفع من عدد القضاة بما يضمن تحسين الأداء وجودة الأحكام. الرفع من سن الولوج إلى القضاء مع توسيع قاعدة الملتحقين من مهن المحاماة والتدريس الجامعي ممن تتوافر فيهم شروط الكفاءة والنزاهة. لا يمكن القاضي أن يخضع طوال مساره المهني لامتحان وفحص واحد هو ذلك الذي يجرى عند ولوج المهنة، فقدراته المعرفية والإدراكية وصحته النفسية قد تتأثر مع الوقت. فهو في كل الأحوال يبقى إنسانًا قابلً للمرض النفسي والعضوي والوقوع في أزمات اجتمعية قد تعصف باستقلاله، بحيث يجب إخضاع القضاة دوريًّا، خلال مسارهم المهني، لأبحاث اجتمعية وفحوصات نفسية من جانب أطر متخصصة تتحمل كامل المسؤولية عن مضمون تقاريرها التي يجب أن تكون صادقة ودقيقة.

أمام التطور التقني والعلمي والتكنولوجي، لم يعد في مقدور القاضي أن يحيط بكل المعارف القانونية في علاقتها بهذه التطورات المتسارعة، ولا يمكن القاضي الواحد أن يباشر في الوقت نفسه تخصصات متعددة. فم يحكم القضاء الجنائي من مبادئ غير ما يتأسس عليه القضاء المدني، ومن راكم تجربة في القضاء التجاري غير الذي راكمها في حل النزاعات الأسرية. ولذا وجب اعتمد مبدأ التخصص ابتداءً من مرحلة التكوين في المعهد العالي للقضاء، لخلق قاضٍ قادر على الاجتهاد والإبداع والدقة في مجال تخصصه. الرفع في عدد أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية المنتخبين، مع إضافة تمثيلية هيئات المحامين في المجلس، بما يتناسب مع العدد الذي اعتمدته الأنظمة القضائية المقارنة الناجحة. إخضاع القضاة بصفة دورية لتكوينات إجبارية في مجالات تخصصهم، وفق مناهج علمية مضبوطة ومحكمة معدة من جانب مختصين. نظرًا إلى أهمية دور الدفاع في تحقيق التوازن داخل المساطر القضائية وعدم ترك الأطراف بمعارفها القانونية المتواضعة في مواجهة آلة قضائية تتوافر لها كل إمكانيات البحث والتحري، وحميةً لأطراف الدعوى من كل تعسف قد يلحق حقوقها، فإن تقوية دور الدفاع في المساطر القضائية وحضوره أثناء الاستمع إلى المشتبه فيهم خلال مرحلة البحث التمهيدي أصبحا ضرورة ملحة تستوجب دسترة مهنة المحاماة على غرار المشرع التونسي، وتمتيع هذا الدفاع بكل الصلاحيات التي تجعل من دفوعاته ودفاعاته وحضوره محل اعتبار في كل مراحل الدعوى، بما يخدم تحقيق العدالة واستقلال القضاء. إن محاربة الفساد تعتبر أولى الأولويات لضمن استقلال السلطة القضائية، هذا الفساد الذي أصبح يؤرق المنتظم الدولي الذي لا يتردد في توجيه توصيات بضرورة مكافحته حمية لدولة القانون، خصوصًا أن أشكال الفساد تطورت كثيرًا وتطورت معها سبل إخفائه والتستر عليه في ظل حركية الأموال السريعة وتعدد أشكال الأداء وتنوع طرائق الرشوة؛ ما يجب معه التسريع في إقرار قانون الإثراء غير المشروع وتتبع ثروات جميع المسؤولين بمن فيهم القضاة، وثروات عائلاتهم طوال مسارهم المهني على نحوٍ آني دوري ومستمر. ضرورة خلق مجلس الدولة ودسترته بصفته جهة أخيرة تبت في المنازعات الإدارية مستقلةً عن محكمة النقض، وتضم قضاة متخصصين في المجال الإداري، وإلغاء الغرفة الإدارية في محكمة النقض تحقيقًا لاستقلال القضاء الإداري الأعلى عن رئيس محكمة النقض الذي هو نفسه الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، على أن يعين الملك رئيس المجلس وأعضاءه مباشرة، وذلك حتى يتمكن من البت في الطعون المتعلقة بالوضعيات الفردية للقضاة بكل استقلالية وبعيدًا عن كل تبعية. توفير الضمنات والحصانات الضرورية للقضاة المنتخبين في المجلس الأعلى للسلطة القضائية بعد نهاية مهمتهم فيه، بما يعزز استقلالية قراراتهم أثناء مدة انتدابهم. التسجيل المرئي والصوتي لكل جلسات البحث والاستمع وجلسات المحاكمة، لتكون المرجع والشاهد على سلامة الإجراءات الجنائية خلال أطوار المحاكمة كافة بدءًا من البحث التمهيدي إلى صدور الحكم البات. وذلك لتجاوز إشكالية عدم تضمين المحاضر في الكثير من الأحيان لكل التصريحات الصادرة عن الأطراف والشهود، ولضمن عدم إخضاع الأطراف لأي ضغط أو إجبارها على توقيع محاضر لا تسلم بمضامينها. فأمانة الصورة والصوت أبلغ من النقل الكتابي لما يروج أمام المؤسسات القضائية، وأبلغ في التعبير بصدق عن كل المجريات التي تمكن من بسط محكمة النقض لسلطتها على الطعون القانونية بسهولة ويسر.

خاتمة

إن دولة الحق والقانون تقوم أساسًا على معايير موضوعية ومادية وليست فقط شكلية، هذه المبادئ المتعارف عليها هي الشرعية بمساطر اعتمد القوانين على أساس الشفافية وواجب ربط المسؤولية بالمحاسبة والديمقراطية. وتقوم أيضًا على الأمن القانوني ومنع التحكم والولوج إلى عدالة مستقلة وحيادية مع الرقابة القضائية للأعمل الإدارية واحترام حقوق الإنسان ومنع التمييز وتحقيق المساواة أمام القانون. وبذلك فإن استقلال القضاء يعتبر الركن العتيد والأساسي لبناء دولة الحق والقانون. لقد وقفنا من خلال دراستنا على المجهودات المبذولة من جانب المغرب لتحقيق استقلال حقيقي للسلطة القضائية، سواءٌ على المستوى الدستوري أو التشريعي، والرغبة في انسجام النظام القضائي المغربي مع المعايير الدولية المؤطرة لهذا المجال، مدفوعًا في ذلك بإرادة ملكية لا تتردد في التوجيه والإرشاد والإلحاح على التسريع في مسلسل الإصلاح، وتضع نفسها ضامنةً لاستقلاله. يتضح من كل ما أسلفنا أن الاهتمم بالعنصر البشري يعتبر الحجر الأساس لتحقيق استقلال القضاء، فالقوانين والتشريعات المتقدمة لا تكفي وحدها من دون نساء ورجال أكفاء لتحمل المسؤولية؛ ما يتطلب الاشتغال على نحوٍ دقيق وعميق بالقاضيات والقضاة، سواء على مستوى الانتقاء أو التكوين أو التتبع خلال المسار المهني، بما يضمن حياديتهم وتجردهم ونزاهتهم واستقلالهم عن كل المؤثرات. ولا يفوتنا أن نؤكد على أهمية توفير الإمكانيات المادية واللوجستية اللازمة، لتوفير تقاضٍ سريع وشفاف وجيد يحول دون تراكم الملفات وتعطل الآلة القضائية في كل الأحوال والظروف، مثلم حدث بمناسبة الإعلان عن حالة الطوارئ والحجر الصحي الشامل بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) التي أدت إلى تعطيل جزء مهم من الآلة القضائية. فلا يمكن تصور دولة حق وقانون بمرفق قضائي مشلول ولو جزئيًّا. ثم إن إنهاء ازدواجية تبعية الشرطة القضائية وقصر تبعيتها للنيابة العامة سوف يحسمن إلى حدّ بعيد مسألة استقلال القضاء، فليس من المعقول، بعد كل هذه الإصلاحات، أن يبقى هذا الجهاز يسير برأسين مختلفين تمام الاختلاف. إن المستقبل هو الكفيل بتقديم الجواب عن مدى نجاح التجربة المغربية للسلطة القضائية لما بعد دستور 2011، فالنجاحات والإخفاقات لا تقيم إلا بدراسة تراكمت مسلسل طويل من الممرسة القضائية، فلئن كانت الإرهاصات الأولى تبدو إيجابية فإنه سيكون من التسرع الحكم عليها من خلال القوانين، بل يجب اللجوء إلى تنزيلها وتفعيلها وتطبيقها على أرض الواقع. ومن أجل ذلك، يجب الإسراع في استكمل المنظومة القانونية للإصلاح العميق والشامل للقضاء، والإبقاء على الحوار مفتوحًا مع كل الفاعلين والمهتمين، في إطار جو من الديمقراطية وحرية التعبير، بهدف الارتقاء بالقضاء إلى الآمال والطموحات المنشودة؛ على اعتبار الأهمية القصوى لاستقلال السلطة القضائية في حمية الحقوق والحريات وصيانة الاختيار الديمقراطي وبناء دولة القانون.

  1. Commission Européenne pour la démocratie par le droit (Commission de Venise), Liste des critères de l'état de droit, Etude no. 711/ 2013, Adoptée par la commission de Venise à sa 106e session plénière (Venise, 11-12 Mars 2016), Conseil de l'Europe, Strasbourg, le 18 Mars 2016, p. 8.

المراجع

العربية

الأزهر، محمد. السلطة القضائية في الدستور. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.2013

الجوهري، فاطمة الزهراء السائح. "أي دور للأخلاق المهنية في ضمن محاكمة جنائية عادلة؟". مجلة العلوم الجنائية. العدد).2019(6-5

شندي، يوسف. "استقلال القضاء: دراسة مقارنة". ورقة تطبيقية. سلسلة الكرامة الإنسانية. معهد الحقوق، جامعة بيرزيت. فلسطين - جامعة وندسور. كندا.)2007(

القضاء في الدول العربية: رصد وتحليل (الأردن – لبنان – المغرب - مصر). بيروت: منشورات المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة، 2007:. في https://bit.ly/3zOo14o

المجلس الوطني لحقوق الإنسان. التقرير السنوي عن حالة حقوق الإنسان بالمغرب لسنة 0192 فعلية حقوق الإنسان ضمن نموذج ناشئ للحريات (آذار/ مارس 2020:). في https://bit.ly/3lA8zp7

المملكة المغربية. "ظهير شريف 1.17.45 صادر في 8 ذي الحجة 1438 (30 أغسطس 2017) بتنفيذ القانون 33.17 المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسًا للنيابة العامة وبسن قواعد لتنظيم رئاسة النيابة العامة". الجريدة الرسمية. السنة 106، عدد.6605 2017/9/18:. في https://bit.ly/3Jg9Eds

_______. "ظهير شريف رقم 41.16.1 صادر في 14 من جمدى الآخرة 1437 ه (24 مارس 2016) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم.13 106 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة". الجريدة الرسمية. السنة 105، عدد.6456 2016/4/14:. في https://bit.ly/3yy2wnP المملكة المغربية، الأمانة العامة للحكومة. الدستور طبعة 011 2. في https://bit.ly/3TaniDr:

المملكة المغربية، رئاسة النيابة العامة. تقرير رئيس النيابة العامة حول تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة لسنة 018 2. في https://bit.ly/3JG5Out: المملكة المغربية، المحكمة الدستورية، المجلس الدستوري. " قرار رقم: /991 16 م. د، ملف عدد: /16 1473، 2010/3/15:". في https://bit.ly/3JPwL04

_______. "قرار رقم: /992 16 م. د، ملف عدد: /16 1474، 2016/3/15:". في https://bit.ly/3YRh8cJ مؤسسة الوسيط. التقرير السنوي لعام 018 2. الرباط.2018:

الأجنبية

Bertrand, Mathieu. "L'émergence du pouvoir judiciaire dans la constitution marocaine de 2011." Pouvoirs , no. 145 (2013/2).

Commission Européenne pour la démocratie par le droit (Commission de Venise). "Liste des critères de l'état de droit." Etude no. 711/ 2013, Adoptée par la commission de Venise à sa 106e session plénière (Venise, 11-12 Mars 2016), Conseil de l'Europe, Strasbourg, le 18 Mars 2016.

Commission nationale consultative des droits de l'Homme. "Avis sur l'indépendance de la justice." (Assemblée Plénière du 27 Juin 2013). France.

Garcia, Margarida & Richard Dubé. "Une enquête théorique et empirique sur les menaces externes à l'indépendance judiciaire dans le cadre du sentencing." Revue Générale de Droit. vol. 47, no. 1 (2017).

Gonzalez del Rìo V. Peru. Communication No. 263/1987, 6 Novembre 1990, Human Rights Committee. U.N. (5.2).

La Constitution de la République Française du 4 Octobre 1958. Texte intégral en vigueur à jour de la révision constitutionnelle du 23 Juillet 2008.

Nouaydi, Abdelaziz. "Maroc: L'indépendance et l'impartialité du système judiciaire." Rapport Janvier 2008. Réseau euro-méditerranéen des droits de l'Homme. Copenhague: Danemark.

مراجع إضافية

Ageneau, Claire. "'L'affaire d'Outreau' dans la presse quotidienne française." Mémoire de fin d'étude. Institut d'Études Politique de Lyon, 2007.

Audesse, Alexandre. "Dérives et misères populistes: Analyse des politiques pénales érigées, modifiées et abrogées sous le gouvernement de Stephen Harper, 2006-2015." Mémoire de maîtrise en sociologie. Université Laval. Québec - Canada, 2019.

Ponchaud, Perrine. "L'indépendance judiciaire en France et au Canada." Mémoire du master 2. Justice, Procès et Procédures. "Contentieux et procédures civiles d'exécution." Université Grenoble - Alpes - Faculté de droit. France, 2017.