Return to Article Details Inequality Kills

"اللامساواة تقتل" لأن "البقاء للأغنى"!

Inequality Kills

سجى طُرمان

الملخّص

جائحة كوفيد -.19

.Unprecedented Inequality in the Wake of COVID-19 المؤلفون: مجموعة مؤلفين. الناشر: أوكسفام.OXFAM تاريخ النشر: كانون الثاني/ يناير.2022 عدد الصفحات:.60

اللامساواة.

.Inequality المؤلفون: مجموعة مؤلفين. الناشر: أوكسفام.OXFAM تاريخ النشر: كانون الثاني/ يناير 2023. عدد الصفحات:.57

عنوان التقرير الأول: ضرورة اتخاذ إجراءات استثنائية لمكافحة اللامساواة غير المسبوقة في أعقاب

عنوان التقرير الثاني: البقاء للأغنى: ضرورة فرض ضرائب على أصحاب الثراء الفاحش الآن لمحاربة

Abstract

Inequality Kills: The Unparalleled Action Needed to Combat: لغته في التقرير عنوان

عنوان التقرير في لغتهSurvival of the Richest: How We must Tax the Super-Rich now to Fight:

الكلمات المفتاحية:
  • اللامساواة
  • الرأسمالية
  • الضرائب
  • الفقر
  • أوكسفام
Keywords:
  • Inequality
  • Capitalism
  • Taxation
  • Poverty
  • Oxfam
Inequality
Kills
The unparalleled action needed to
combat unprecedented inequality
in the wake of COVID-19
REPORT

تزامنًا مع المنتدى الاقتصادي العالمي "دافوس"، وفي مسعى للفت انتباه النخب الاقتصادية والتجارية والسياسية، اعتادت لجنة أكسفورد للإغاثة من المجاعة Relief Famine for Committee Oxford، والمعروفة اختصارًا أوكسفامOXFAM إصدار تقريرها السنوي1. وقد شكل التقريران الأخيران لعامي 2022 و 2023 رسالة، نراها واحدة، مفادها أن العالم يبتعد أكثر فأكثر عن تحقيق المساواة، ويزداد غلوًّا في التفاوت، وأن وقف هذا المسار السلبي يحتاج إلى توظيف أدوات للمساواة الاقتصادية، أهمها فرض المزيد من الضرائب على الثروة. حمل التقرير الأول عنوانًا لافتًا هو "اللامساواة تقتل: ضرورة اتخاذ إجراءات استثنائية لمكافحة اللامساواة غير المسبوقة في أعقاب جائحة كورونا"، وتناول قضية استفحال صور اللامساواة الاقتصادية والعرقية، القائمة على النوع الاجتمعي، فضلً عن اللامساواة بين البلدان. لم يأتِ هذا العنوان على سبيل المصادفة، إنما كان خيارًا متعمّدًا للسياسات الهيكلية التي عمدت إليها الحكومات انحيازًا إلى الفئة الأغنى والأقوى سلطةً، وهذا يُنتج "العنف الاقتصادي"، وتكون وطأته الأكبر على الفئة الأفقر، لا سيم النساء والأقليات العرقية. لا يستبعد التقرير أن يكون من غوائل هذا العنف الاقتصادي الموت الجمعي؛ فم تشهده بلدان عدة من نقص في نُظم الرعاية الصحية بسبب شحّ التمويل العام لها، والعجز عن توفير مظلة للحمية الاجتمعية، يرمي بهؤلاء - النساء والأقليات العرقية - في مصير مؤلم. في المقابل، يجد التقرير أن أغنى الناس في العالم باتوا أكثر ثراءً من أي وقت مضى. كذلك حقق بعض كبريات الشركات أرباحًا غير مسبوقة وغير متوقعة، والأمر لا ينفصل عن كونها قادرة على الإفلات من العبء الضريبي بسهولة، والتربح من الأزمات بشكل يفوق التصور، وعلى حساب الفقراء والجوعى. هذه الحال دفعت أوكسفام إلى أن تختم تقريرها برسالة تحثّ فيها الحكومات على تبني سياسات مُنصفة لتقليص اللامساواة (ص).15 - 14 في العام التالي، تجاوزت أوكسفام التوصيف إلى البحث في سبل علاج الوضع القائم، فقدمت في تقرير ثانٍ عنوانه "البقاء للأغنى: ضرورة فرض ضرائب على أصحاب الثراء الفاحش الآن لمحاربة اللامساواة" منظورًا يضع فرض الضرائب على الثروة حًّلًّ أساسيًّا لمعالجة الأزمة المتعددة وغير المسبوقة من حالات اللامساواة المتزايدة؛ يُشير التقرير إلى أن في مقدور الضرائب المفروضة على أثرى الأثرياء أن تقلل من اللامساواة الاقتصادية، ومن اللامساواة القائمة على العرق والاستعمر والنوع الاجتمعي والعنف الاقتصادي بأشكاله كلها. ويعرض التقرير الثاني في هذا الخصوص طرائق عملية مجربة ومختبرة يمكن أن تتبعها الحكومات لزيادة الضرائب، مُحدّدًا أيضًا مقدار الضريبة التي يجب أن يدفعها الأكثر ثراءً. ويشدّد على أن فرض الضرائب على الأشخاص الأكثر ثراءً ليس مجرد خيار، بل بات أمرًا لازمًا لإعادة توزيع الثروة في ظل تفجّر أزمة اللامساواة العالمية؛ فأغنى 1 في المئة من البشر، استحوذوا على ما يقرب من ضعف حصة باقي سكان العالم من الثروة على مدى العامين الماضيين (ص 6 وبعد عرض ما يجب على الحكومات عمله، ينتهي التقرير بعدد من الملاحظات). الختامية التي تُشير إلى المعوّقات التي قد تعترض الخيارات السياساتية التي تطرحها أوكسفام لتغيير "المسار المميت"، كم تُسمّيه.

أولً: اللامساواة وإحالة العبء الضريبي عىل الفقراء

إن عدم المساواة المفرط الذي تعنونه أوكسفام ب "العنف الاقتصادي"، هو المسؤول عن عدم قدرة النظام الاقتصادي الراهن على أن يكون في خدمة الإنسانية. وتشدد أوكسفام على ضرورة الوعي بطبيعة اللامساواة، وبكونها قضية غير مجردة، وليست أمرًا محتومًا. والملموس من آثارها إنما يعنونه الموت؛ إذ يفقد من جرّائها شخص واحد حياته كل أربع ثوانٍ، بل إن تقديرًا كهذا يبقى متحفظًا قياسًا إلى الوفيات الناتجة من الجوع، وما ينتج من الافتقار إلى الرعاية الصحية الجيدة في البلدان الفقيرة. يضيف التقرير أيضًا العنف القائم على النوع الاجتمعي الذي تواجهه النساء، وكذا الوفيات الناجمة عن المناخ في البلدان الفقيرة كآثار مباشرة للامساواة (اللامساواة تقتل، ص.)8 إذا ما أمعنا النظر في السياسات الضريبية بوصفها إحدى أهم الأدوات المتاحة للحكومات للحدّ من اللامساواة الاقتصادية، فسنجدها تقوم بدور عكسي، فقد أدّت تدريجيًا إلى تفاقم اللامساواة على مدى العقود الماضية، بسبب نقلها العبء الضريبي من الأكثر ثراءً ووضعه على كاهل الأفقر، في حين تبقى الحكومات والمؤسسات المالية الدولية مستمسكة بتلك الحجة النيوليبرالية التي تَعد بتساقط ثمار النموّ في حال التوسع في تخفيضات الضرائب لمصلحة الأغنياء والشركات الكبرى. وأضافت إلى ادّعائها أن الخفض الضريبي يسهم في خلق فرص العمل وتحفيز الاستثمر والابتكار. وكان نتاجها الأوضح أن استحوذ الأثرياء على مزيد من الثروة (البقاء للأغنى، ص 22 -.)25 لا يمكن التقليل من أثر الأزمات، مثل جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) والحرب في أوكرانيا وسلوك الشركات وتغُّيُّ المُناخ، وما بات يُحذَّر منه من انهيار وشيك للعديد من الاقتصادات في بلدان الجنوب، توازيًا مع تصاعد حدة الفقر واتّساع فجوة اللامساواة. تذكرنا أوكسفام بتقريريها هذين أن مسألة الفقر، وما يترتب عليها من أشكال العنف الاقتصادي، بقيت مطروحة أمميًا منذ أن سمّى مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتمعية في كوبنهاغن (1995) القضايا الأساسية التي يجدر التصدي الفوري لها: قضية القضاء على الفقر وخلق فرص العمل والتكامل الاجتمعي2. وحدّدت هذه الأولويات مسار تطوير خطط التنمية، بدءًا من الأهداف الإنمائية الألفية، حتى خطة التنمية المستدامة التي تشكل مساحة واسعة للانتقاد من خلال تغاضيها عن التصدي للمسبب الرئيس المؤدي إلى حالات الإفقار واللاتنمية3. والسر يكمن في بقائها عاجزةً أمام المشكلات البنيوية التي تفرضها الرأسملية. وبقي الفقر يُخلق ويُعاد إنتاجه يوميًا بصور أكثر حدّة وتهديدًا، بسبب الصعوبات البنيوية التي يعانيها الفقراء، وهدر أي مقدرة لهم للتحكم في الموارد وتوظيفها بشكل يحقق لهم الإنصاف والعدالة الاجتمعية4. وكانت الرسالة محل اتفاق واسع، إلى درجة أن البنك الدولي نفسه، وهو معقل للنيوليبرالية، يشير إلى أن أهداف إنهاء الفقر لن تتحقق من دون اتخاذ إجراءات للحدّ من اللامساواة5.

  1. ينظر: إبراهيم العيسوي، مراجعة كتاب "تدريس التنمية المستدامة التحديات الأخلاقية والسياسية"، عمران، مج 8، العدد 31.(شتاء 2020)، ص 171 - 181
  2. راي بوش، الفقر والليبررالية الجديدة: الاستمرارية وإعادة الإنتاج في جنوب العالم، ترجمة إلهام سعيد ووليد سالم (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2015)، ص.13
  3. Poverty and Shared Prosperity 2022 Correcting Course," World Bank Group , accessed on 18/5/2023, at: https://bit.ly/2GAWhoy

هذا التنبه لم يكن بالمستوى الكافي، لذا نجد، منذ نهاية السبعينيات، ومع تلك الذروة من التحولات الاقتصادية العالمية، انفجرت الأزمات الواحدة تلو الأخرى، مثل أزمة الغذاء في عام 1970، وأزمة الطاقة في عام 1973، وأزمة المديونية في عام 1982، فبدأت الدول النامية منذ بداية الثمنينيات بسياسات6اقتصادية جديدة تبنّاها صندوق النقد الدولي، وإلى حدٍ بعيد البنك الدولي، وهي ما يُعرف بالإصلاح الاقتصادي، وتستند هذه السياسات إلى إعادة النظر في دور الدولة الاقتصادي وتقليصه، والاعتمد على مؤشرات السوق7، وعجزت الحلول والسياسات الاقتصادية عن معالجة تلك المشكلات، فأدّت السياسات الاقتصادية في إطار النيوليبرالية إلى التخلّ عن برنامج الرعاية الاجتمعية وتمويل القطاعات العمومية، وكان من أثر ذلك تحطيم عمد الطبقة الوسطى، وهبوطها إلى مستوى الفئات الفقيرة والمحرومة. فعُمّم الفقر ووُسِعَت قاعدته، ليس في دول أطراف النظام الرأسملي التي بقيت تابعة للقوى الاستعمرية القديمة فحسب، بل حتى بالنسبة إلى الدول الرأسملية المتطورة صناعيًا8. وهذا التحذير لم يقتصر على أوكسفام، بل نجد ذلك جليًا أيضًا في تقرير "عدم المساواة لعام "2018 - أي قبيل تفاعلات الجائحة وتداعيات الحرب في أوكرانيا - الصادر عن مختبر اللامساواة في العالم، عندما أشار إلى انخفاض الثروة العامة في جل البلدان منذ الثمنينيات، في مقابل تزايد الثروة الخاصة على نحو يُفضي إلى زيادة ثروات المعتمدين على الدخل الناتج من رأس المال (الربح)، أكثر من الدخل الناتج من العمل (الأجور)، وفي الحصيلة تتسع فجوة عدم المساواة بين الفئتين9. فتزايد الثروة الخاصة نجم أيضًا، كم يشير تقرير أوكسفام في عام 2023، من انخفاض معدلات الضريبة على الأغنياء منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، ونمو حصة أغنى 1 في المئة من البشر من الثروة بشكل حاد (البقاء للأغنى، ص 22 - 23). ويتفق ذلك مع طرح بيكيتي الذي وجد أن انبعاث اللامساواة بعد عام 1980 في الأساس، يرجع إلى التحولّات السياسية للعقود العديدة السابقة، خصوصًا ما يرتبط بالضرائب والتمويل. وفي المثل، يشير إلى أن تاريخ اللامساواة يتشكل بالطريقة التي يرى فيها الفاعلون الاقتصاديون والاجتمعيون والسياسيون ما هو عادل وما هو غير عادل، إضافة إلى القوة النسبية لهؤلاء الفاعلين والاختيارات الجمعية التي يجري إنتاجها. فاللامساواة منتج مشترك لجميع الفاعلين المعنيين مجتمعين11. في مقابل ذلك، نجد أن معدلّات الضريبة المرتفعة تزامنت مع أنجح سنوات التنمية الاقتصادية في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، على سبيل المثال، وأدّت دورًا أساسيًا في تمويل إعمل الحقوق الأساسية، مثل

  1. 0 1  توماس بيكيتي، رأس المال في القرن الحادي والعشرين، ترجمة وائل جمال وسلمى حسين (بيروت: دار التنوير، 2016)، ص 28؛ وينظر أيضًا: مصطفى أيت خرواش، "مراجعة في كتاب المدخل الأخلاقي في الدفاع عن الرأسمالية"، عمران، مج 4، العدد 14 (شتاء 2016)، ص 187 - 194، حيث يقدّم الباحث نقاشًا عامًا، مشيرًا إلى توماس بيكيتي وأطروحة اللامساواة، بوصفها أحد أهم الأعمال الأكاديمية الحديثة التي تنحو نحو نقد الرأسمالية، ولا سيما على مستوى نتائجها الاقتصادية والاجتماعية على الدول والشعوب؛ وينظر: سمير سعيفان، "رأس المال في القرن الحادي والعشرين مناقشة نقدية"، عمران، مج 6، العدد 23 (شتاء.)2018
  2. ارتفعت أسعار المواد الغذائية، وبدا كما لو كان هناك عدد من الدول النامية على حافة المجاعة، وقد ذهبت تقديرات المنظمات الدولية في ذلك الوقت إلى أن العالم الثالث يمكن أن يواجه نوعًا من المجاعة إذا استمر معدل استيراد المواد الغذائية على المستوى نفسه. ينظر: حازم الببلاوي، النظام الاقتصادي الدولي المعاصر: من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى نهاية الحرب الباردة، سلسلة عالم المعرفة 257 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2000)، ص 94 -.96
  3. المرجع نفسه، ص.97
  4. منوبي غباش، "فكرة الفقر وواقع الفقراء"، عمران، مج 8، العدد 30 (خريف 2019)، ص.81
  5. ينظر: محمد عبد الحي عيسى، "مراجعة تقرير عدم المساواة في عام 2018 "، عمران، مج 6، العدد 24 (ربيع 2018)، ص.6

الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية للمواطنين، وبفضلها بقيت مسألة اللامساواة تحت السيطرة. ثم تفشّت سياسات خفض الضرائب للأغنياء، أفرادًا وشركات، في أنحاء العالم، في وقت أدّت فيه الملاذات الضريبية دورًا كبيرًا في دفع سباق خفض الضرائب، ووصل الوضع إلى إلغاء الضرائب نهائيًا في بعض الحالات (البقاء للأغنى، ص 22 -.)23 تُذكّر أوكسفام بأثر السياسات الهيكلية في مفاقمة اللامساواة، وتورد عددًا من الحقائق التي تسترعي النظر؛ فتشير مثلً إلى أثر جائحة كورونا في مضاعفة ثروة أغنى عشرة رجال في العالم، في الوقت الذي تراجع فيه دخل 99 في المئة من البشرية على نحو ملموس. كذلك يثير الهلع ما يُبيّنه التقرير من امتلاك 252 رجلً مجموع ثروات أكبر مم تملكه مليار امرأة وفتاة في أفريقيا وأميركا اللاتينية ومنطقة بحر الكاريبي مجتمعة (اللامساواة تقتل، ص 9). وعلى الرغم مم خلّفته الجائحة بسبب اختناقات سلاسل التوريد من آثار سلبية، وما راكمته الحرب في أوكرانيا من تكلفة على الفئات الأفقر، فإن سلوك الشركات لم يتغيّ، ولم تهدأ موجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وقفزت أسعار الطاقة إلى أعلى مستوياتها، وبات الفقراء على الصعيد العالمي في وضع صعب، يعانون استفحال الفجوة الجندرية وتهاوي الأجور، وفق ما تشير إليه بيانات منظمة العمل الدولية12. وبقي نموّ عملة النساء في القطاع غير الرسمي يفوق عملهنَّ في القطاع الرسمي، ما جعلهنَّ عرضة للأجور غير العادلة وظروف العمل السيئة (البقاء للأغنى، ص 19 - 20). وتبقى النساء والأقليات العرقية المهمشة الأكثر تضرّرًا في هذا السياق. انعكست القيود المالية التي يواجهها بعض الحكومات على قرارات الإنفاق العام؛ فخلال الجائحة هبطت حصة قطاع الرعاية الصحية في الميزانية في نصف البلدان منخفضة الدخل، وفي الشريحة الأدنى من البلدان متوسطة الدخل (البقاء للأغنى، ص 20). وعلى المنوال ذاته، خفّض ثلثا البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل ميزانياته تجاه التعليم15. وفي مقابل انتعاش الاقتصادات مرتفعة الدخل في عام 2021، فإن الاقتصادات الفقيرة لم تنتعش، وعلّة ذلك هي اللامساواة؛ فقد قدمت الجائحة شواهد حاسمة على الأمر، من ذلك أن تباطؤ معدلات التطعيم كان يدل على التردي الاقتصادي، كم أن العديد من هذه البلدان بات في وضع ضعيف على نحو متزايد بسبب الديون المتصاعدة؛ فارتفاع أسعار الفائدة في مقابل الدولار الأميركي القوي، يؤدي إلى ارتفاع تكلفة خدمة الديون إلى مستويات تفوق حد تحمّلها. واليوم يعاني 25 في المئة من الاقتصادات "الناشئة" و 60 في المئة من البلدان المنخفضة الدخل ضائقة ديون أو تقترب منها، كم أن الأزمات المتفاقمة قد تجعل من ديون البلدان الأكثر عرضة للخطر غير قابلة للسداد (البقاء للأغنى، ص.)20 مع ذلك، نجد أن المؤسسات المالية الدولية تدفع الحكومات إلى خفض الإنفاق العام وتنفيذ تدابير تقشّف مضافة، كيلا تزيد الضرائب على الأكثر ثراءً. تذكر أوكسفام أنه على مدى السنوات الخمس المقبلة، تخطط ثلاثة أرباع الحكومات لخفض الإنفاق، وتتجه أكثر من 45 في المئة من البلدان إلى مزيد من خفض ميزانية الحمية الاجتمعية في عام 2023 ضمن مخططات التقشف الجديدة. وكالعادة، تبقى النساء الأشد عرضة للأثر السلبي لتدابير التقشف. تشير التجربة العالمية في لحظات الأزمة، مثل الحرب العالمية الثانية، إلى تطبيق

  1. International Labour Organization, The Value of Essential Work: World Employment and Social Outlook 2023 (Geneva: 2023) accessed on 14/8/2023, at: https://shorturl.at/iMO13

زيادات في الضرائب على الأشخاص الأكثر ثراءً. لكن هذا المسلك التضامني لم يُرَ له أثر خلال ذروة الجائحة (البقاء للأغنى، ص 20 - 21)، على الرغم من عدم توقف سيل الخسائر في الأرواح، وبنسب لم يسبق لها مثيل منذ الحرب العالمية الثانية. وقدرت أوكسفام أن 17 مليون شخص حول العالم فقدوا حياتهم بسبب الجائحة، في حين لا يعرف حجم من يفقدونها من جراء اللامساواة التي استفحلت حدّتها في البلدان كلها (اللامساواة تقتل، ص.7)16تظهر تقديرات أوكسفام أن 95 في المئة من البلدان فشلت في زيادة الضرائب على أصحاب الثراء والشركات، وبدلً من ذلك خفّضتها، إلّ قلة من الحكومات التقدمية كانت الاستثناء في أثناء الجائحة، مثل كوستاريكا وبوليفيا والأرجنتين، التي فرضت ضرائب على الثروة، وضرائب تضامنية على أغنى مواطنيها (البقاء للأغنى، ص 21). تدهشنا تفاصيل تقرير عام 2022 التي تُبيّ أنه منذ بداية الجائحة، كان يولد ملياردير جديد كل 26 ساعة، وخلالها تضاعفت ثروات أغنى عشرة رجال في العالم، في حين دُفع بأكثر من 160 مليون شخص إلى براثن الفاقة (اللامساواة تقتل، ص 7 -.)9

ثانيًا: مليارات القلة يف مقابل معاناة مليارات البشر

تزايدت الأدبيات والدراسات التي تربط بين عدم المساواة والوفيات بسبب الأمراض المعدية22. إن ارتفاع احتمل وفاة أفقر الناس من جرّاء الجائحة يساوي أربعة أضعاف احتمل وفاة أغنى الناس تقريبًا، وتتصل هذه المعلومة بوجود مليارات الأشخاص غير المحصنين ضد الفيروس، نتيجة لعدم حصولهم على اللقاحات. أما عملية توزيع اللقاحات، فقد حكمها جشع حسابات الربح واحتكار القطاع الخاص لها (اللامساواة تقتل، ص 7 - 10)، وبدلً من تلقيح مليارات الأشخاص في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، نشأت طبقة من أصحاب المليارات تتربح من خفض المعروض من اللقاحات، وأصبحت "قرارات الحياة والموت" بيد شركات الدواء. وبقيت البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​تجد صعوبات في تحسين معدلات التلقيح25، حتى إن سكانها بقوا أكثر عرضة للوفاة بسبب العدوى بفيروس كورونا، مقارنة بمن يعيشون في البلدان الغنية (اللامساواة تقتل، ص.)8 في إطار الترتيبات السريعة للحدّ من آثار الجائحة، التزمت البلدان المَدِينَة باتخاذ تدابير لتعزيز الاستخدام المسؤول للموارد27، وقد ترجمت عمليًا إلى تدابير تقشفية، شجّعها صندوق النقد الدولي وطلب اتخاذها في أثناء الوباء، كذلك استمر تحمل عبء الدين بما عزّز توجهات التقشف. تدفع تلك التوجّهات التي يوصي بها الصندوق في أكثر من سبعين بلدًا صوب تفاقم اللامساواة بأشكالها كلها، وتؤثر سلبيًا في وضع النساء، كم تُعرقل التقدم نحو المساواة بين الجنسين. يشير تقرير عام 2022 إلى تأخر تحقيق هدف التكافؤ بين الجنسين لجيل كامل؛ أي إلى 153 عامًا، في حين كان في السابق 99 عامًا (اللامساواة تقتل، ص.)8

  1. World Health Organization, Accelerating COVID-19 Vaccine Deployment Removing Obstacles to Increase Coverage Levels and Protect those at High Risk , 20/4/2022, p. 4.
  2. International Monetary Fund, "COVID-19 Financial Assistance and Debt Service Relief," 9/3/2022, accessed on 7/15/2022, at: https://bit.ly/3o32j6T
  3. وذلك بحسب تقديرات مؤسسات عدة، من بينها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومصرف كريدي سويس والمنتدى الاقتصادي العالمي.
  4. Edgardo R. Sepulveda & Ann-Sylvia Brooker, "Income Inequality and COVID-19 Mortality: Age-Stratified Analysis of 22 OECD Countries," SSM - Population Health , vol. 16 (December 2021), p. 4.

لم يكن غريبًا أن تَسخَر أوكسفام من تفشّ "متحوّر أصحاب المليارات"31؛ إذ شهدت الجائحة أكبر نمو سنوي في ثروة أصحاب المليارات حول العالم، وهو نمو نتيجة للارتفاع الهائل في سوق الأوراق المالية، وتضاعف القوة الاحتكارية للشركات، وتسارع الخصخصة وازدياد قوانين الضرائب المنحازة إلى الشركات، فضلً عن انتهاك حقوق العمل وخفض أجورهم، وقد فاقم من الوضع اعتمد سلاح العنصرية الذي جرت تغطيته بادّعاءات محاربة الإرهاب (اللامساواة تقتل، ص.)9 يُلقي تقرير "البقاء للأغنى" الضوء على الطرائق التي يتهرّب بها الأغنياء من دفع الضرائب (ص 28 - 39)، ويصوغ الأمر على نحو ساخر كأنما يضع دليلً للطامحين كي يصبحوا مليارديرات؛ ونقرأ الأدوات الممكنة لمراكمة الثورة كم يلي: 1. بناء الأصول، بتأسيس شركة تزداد قيمتها مع الوقت، ولا تخضع للضريبة، طالما لم يجرِ بيعها، والتحذير من البيع حتى لا يترتب على ذلك رأس مال من المحتمل أن يخضع للضريبة. 2. شراء أصل في شركة، بدلً من تقاضي راتب منها يوجب دفع ضريبة. ومن ثم الحصول على قرض مصرفي بضمن الأصل، فيجري تجنب الضريبة استنادًا إلى أن القروض مُعفاة من الضرائب، وبذلك ينضم المقترض إلى صفوف الأثرياء. 3. تجاهل القواعد الضريبية، والسعي للإفلات من الالتزامات الضريبية، بتعزيز من سلطة سياسية وعلاقات جيدة، أو عبر استغلال عجز الإدارات الضريبية عن تطبيق القواعد الضريبية بحزم، سواء أكان ذلك بسبب نقص الموظفين، أم ضعف كفاءة أساليب المحاسبة والتحصيل. 4. تجنّب ضريبة الميراث، فتنتقل الثروة - غير الخاضعة للضريبة - حال الوفاة إلى الورثَة بلا التزامات ضريبية. وجدير بالذكر أن ثلثي دول العالم لا تفرض ضريبة على الميراث، والباقية تفرض ضرائب ضعيفة. بهذه الوسيلة يمكن بناء ثروة عائلية عبر الأجيال، وتركيز الثروة في أيدي العائلات نفسها، وبما يديم وضعية اللامساواة. فالعمل والدراسة لا يكفيان لتحقيق مستوى الرغد الذي تُقدّر عليه الثروة الموروثة والدخل المشتق منها32. 5. تأسيس مجموعة ضغط، من خلال استخدام الثروة والنفوذ للضغط على صانعي السياسات، من أجل تحقيق المزيد من الإعفاءات الضريبية.

ثالثًا: فرض ضرائب الاستهلاك يعني مزيدًا من اللامساواة

تتعلق الضريبة بصورة جليّة بقضايا سياسية وفلسفية، فالضريبة ليست مسألة "فنية"، وهي من دون تشكيك سياسية في المقام الأول، ومن دون الضرائب، لا يمكن أن يكون هناك مصير مشترك وقدرة جمعية على الفعل41. هيّأت الجائحة "رحلة سعيدة منخفضة الضرائب للأثرياء"، وعلى الرغم من تاريخ السياسة الضريبية بوصفها أداة رئيسة للحدّ من اللامساواة، فإنها فشلت في وقف التدهور على صعيد العدالة

  1. يظهر التقرير امتلاك أغنى 10 رجال في العالم ثروة تفوق ما يملكه 3.1 مليارات شخص مجتمعين. وتخطت ثروات نخبة المليارديرات التي تضم 2755 مليارديرًا خلال جائحة كورونا مجمل النمو الذي شهده العالم خلال السنوات الأربع عشرة الماضية. ينظر: تقرير "اللامساواة تقتل"، ص.9
  2. بيكيتي، ص.256
  3. المرجع نفسه، ص.533

الاجتمعية في فترة الجائحة، كم تراجعت الضرائب التصاعدية، وتضاعفت مزايا الضرائب المنخفضة، بينم لم تنخفض الضرائب على دخول المواطنين العاديين وثرواتهم (البقاء للأغنى، ص 21). وقد عوّضت الحكومات ذلك بزيادة الضرائب التنازلية على السلع والخدمات، خاصة الضريبة على القيمة المضافة. ويقع عبء مثل هذه الضرائب على نحو غير متكافئ على أفقر الناس ممن ينفقون الحصة الأكبر من دخلهم على الاستهلاك42. ففي مقابل كل 1 في المئة من التخفيضات الضريبية للشركات، زادت الحكومات الضرائب على الاستهلاك بنسبة 0.35 في المئة. وفي الفترة بين عامي 1990 و 2017 تضاعف عدد البلدان التي تطبق ضريبة القيمة المضافة من 50 إلى أكثر من 150 في المئة، في حين انخفض عدد البلدان التي تفرض ضريبة قيمة كافية على الثروة بمقدار ثلاثة أضعاف، أي من 12 إلى 4 في المئة (البقاء للأغنى، ص 24). بقي فرض ضرائب الاستهلاك التي تؤدي إلى زيادة اللامساواة بارزًا في أشد البلدان فقرًا، وأدّى صندوق النقد الدولي دورًا مهمً في الترويج لها باعتبارها الأداة الرئيسة لتوليد الإيرادات. واليوم تمثل الضرائب المفروضة على المواطنين/ات، من خلال الدخل الشخصي/ المرتّبات/ الاستهلاك، أكثر من 80 في المئة من إجملي الإيرادات الضريبية، في حين تسهم الضرائب على الشركات بنحو 14 في المئة، والضرائب على الثروة بنحو 4 في المئة من الإيرادات الضريبية (البقاء للأغنى، ص.)25

رابعًا: لماذا تُفرَض الضرائب عىل الأغنياء؟

يقدم الفصل الثاني من تقرير عام 2023 في قسمه الثالث أبرز الحجج على ضرورة زيادة الضرائب على الأغنياء لمعالجة أوجه اللامساواة الكامنة في السلطة، ومنع ظهور الثروة الأرستقراطية، وزيادة الإيرادات الحكومية، وذلك على النحو التالي (البقاء للأغنى، ص 23 -:)29 1. يمكن أن يضطلع نظام الضريبة التصاعدي بدور رئيس في الحد على نحو مباشر من اللامساواة، بالحد من الفقر وخفض حصة الثروة الجديدة التي تذهب إلى قمة هرم الثروة، وتوزيعها على نحو أكثر توازنًا. ومثال ذلك، سياسة الضرائب التصاعدية في الدول الإسكندنافية التي أبقت معدلات اللامساواة منخفضة في تلك البلدان. 2. تؤدي الضرائب التصاعدية إلى معالجة أوجه اللامساواة الكامنة في السلطة، من خلال الحد من القوة الاحتكارية للشركات وقدرتها على تحديد الأسعار، ومثالها شركات قطاعي الغذاء والطاقة. يؤثر هذا في الحد من تركيز الثروة ومن تأثير أصحابها، أفرادًا أكانوا أم شركات في السياسة والاقتصاد، وفي وسائل الإعلام، كم تحدّ من المحسوبية والفساد. 3. فرض الضريبة على الميراث يمكن أن يضطلع بدور رئيس في منع ظهور الثروة الأرستقراطية، ومن ثم ضمن تكافؤ الفرص للجميع عبر الأجيال. 4. الحد من تركز الأراضي في عدد قليل من الأيدي، من خلال تصميم ضرائب عقارية وتنفيذها بفاعلية، فاللامساواة في ملكية الأرض سبب رئيس في المستويات العالية من اللامساواة في البلدان منخفضة الدخل، وغالبًا ما يكون ذلك من بقايا الإرث الاستعمري.

  1. 0 2  ينظر مثال غواتيميلا وهندوراس والسلفادور، في: "البقاء للأغنى"، ص.23

5. الحد من اللامساواة الاجتمعية بإعادة التوزيع لمصلحة النساء والأقليات العرقية، وصولً إلى الحد من فجوة اللامساواة العالمية بين البلدان المرتفعة الدخل والبلدان المنخفضة الدخل. ويُنبّه التقرير إلى أن أغنى الناس في المجتمع هم غالبًا من الذكور، في مقابل قلة قليلة من النساء، وأن الغالبية تنحدر من العرق الأبيض، بينم عدد قليل جدًا من الأثرياء ينحدر من الأقليات العرقية. 6. زيادة الإيرادات الحكومية لإنفاقها على السياسات التي تحدّ من اللامساواة وبناء مجتمعات أكثر مساواة واستدامة، من خلال تمويل سياسات الدعم ومكافحة الفقر وتغير المناخ وزيادة الإنفاق على القطاعات التي تقلّص اللامساواة، مثل الرعاية الصحية والتعليم والأمن الغذائي وتمويل الانتقال العادل إلى عالم منخفض الكربون، وهذا يتحقق من خلال الشفافية ومشاركة المواطنين في كيفية إنفاق الموارد العامة. 7. الضرائب على الأغنياء هي ضرائب خضراء، تقلل من استهلاك الأغنياء الكبير للكربون، كم أن معدلات الضرائب المرتفعة على نحو حاد على الاستثمرات في الصناعات الملوثة يمكن أن تشكل رادعًا عن الاستثمر فيها. في تقديرنا، ليس الدور الرئيس للضريبة على رأس المال تحديدًا هو تمويل الدولة الاجتمعية، فيكفي أن تحقق ضبطًا للرأسملية بتفادي الوقوع بدوامة بلا قاع من اللامساواة، وجنوح بلا حدود للتفاوت بالثروات، وهذا ما يتطلب قدرًا محددًا من الشفافية التي تؤكدها أوكسفام في تقريرها.

خامسًا: كيف يمكن دفع الأكثر ثراءً إىل تحمل المزيد من الضرائب؟

يقترح تقرير عام 2023 تقدير الضريبة التي يدفعها الأغنياء نسبةً من دخولهم (ص 22 - 32)، ويوصي ببعض الطرائق العملية والمنطقية التي تعين الحكومات على زيادة الضرائب على أغنى سكانها، كم يقترح مجموعة من الإجراءات الصارمة لمواجهة تهرب الأغنياء من الضرائب.

1. الطرائق العملية والمنطقية التي تعين الحكومات على زيادة الضرائب

أ. يجب على أغنى 1 في المئة من الناس دفع معدل ضرائب يفوق دخلهم من العمل ورأس المال، وأن يصل ذلك إلى ما لا يقل عن 60 في المئة. يعني هذا مضاعفة معدل الضريبة على مكاسب رأس المال إلى أربعة أمثاله، وهو الذي يبلغ حاليًا في المتوسط 18 في المئة في.123 بلدًا ب. يجب على أصحاب الدخول الأعلى التي تصل عتبة معينة (على سبيل المثال، من يكسبون 5 ملايين دولار سنويًا، أو 0.1 في المئة الأغنى بين البشر) دفع معدل ضريبة لا يقل عن 75 في المئة. ج. زيادة معدل ضريبة الدخل الشخصي تدريجيًا مع ارتفاع الدخل، بدلً من اعتمد معدل الضريبة الثابتة، (أي إن معدل الضريبة نفسه يُطبّق على الجميع، وبغض النظر عن مدى ارتفاع دخولهم)، أو اعتمد نظام ضريبة الدخل الشخصي على شرائح، تكون منخفضة للغاية، حيث لا تُفرض ضرائب فاعلة على أصحاب الدخل الأعلى. ويضرب التقرير مث لً على هذا حالة البرازيل. د. إلغاء البدلات والخصومات وخطط الائتمن الضريبي غير العادلة التي يستفيد منها أصحاب شرائح الدخل العُليا.

ه. تكون الضريبة على الدخل من أرباح الأسهم على الأقل بمستوى الضريبة نفسه على الدخل، في ظل أنه في بعض البلدان لا تفرض أي ضريبة على أرباح الأسهم، ولا تخضع للضريبة إلّ بحوالى نسبة 42 في المئة في المتوسط في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. و. فرض ضرائب على الدخل الأعلى للأثرياء، فهناك حاجة إلى ضرائب أعلى على أشكال الدخل كلها التي يجنيها الأثرياء، وبناء عليه فإن أرباح رأس المال أكثر أهمية من الرواتب. ز. فرض ضريبة على الأرباح غير المحققة لرأس المال، ولا سيم أن فرض ضرائب على أرباح رأس المال عمومًا يقع عندما تتحقق فعليًا. ويجادل من يعارض فرض ضريبة لمرة واحدة على الأرباح غير المحققة بأنها ليست "أمولً حقيقية"، على أنه يمكن استخدام الأصول المالية، ضمنًا للحصول على قروض، لذلك فهي "حقيقية".

2. كيف السبيل إلى منع التهرب من الضرائب؟

يُحدد تقرير عام 2023 ثلاثة أنواع من الضرائب: ضريبة الأملاك وضريبة الميراث وضريبة الثروة الصافية (ص 41 - 39)، حيث يجدر فرض ضريبة تصاعدية على الأملاكالتي تُحتسب على أساس قيمة الممتلكات والأراضي والمباني، حيث تكون ضريبة تصاعدية في مقابل إعفاء العقارات التي تقل عن قيمة معيّنة. تعتبر هذه الضريبة ملائمة للبلدان منخفضة الدخل، وذات الشريحة الأدنى من البلدان متوسطة الدخل. كم يجب فرض ضريبة على الميراث، ووعاؤها الضريبي القيمة الصافية للممتلكات كلها المنقولة إلى شخص آخر عند وفاة الموروث. يلاحظ التقرير أن نصف أصحاب المليارات في العالم ينتمي إلى بلدان لا تفرض مثل هذه الضريبة. من الممكن أن يحدث فرضها فارقًا في البلدان منخفضة الدخل والشريحة الأدنى من البلدان متوسطة الدخل، حيث تميل غالبيتها إلى عدم تطبيقها، وتحمل بالمجمل إمكانيات كبيرة للحد الفعلي من اللامساواة. وكذلك فرض ضريبة عن صافي الثروة، ووعاؤها الضريبي مخزون الثروة ذاتها. ويمكن أن تُحصَّل على شكل ضريبة تضامن لمرة واحدة، أو على أساس متكرر. ترى أوكسفام أنه يوجد حاجة إلى ضريبة سنوية على صافي الثروة بنسبة 17.8 في المئة من الآن حتى عام 2030. ومن شأن الضريبة على الثروة بنسبة 2 في المئة على أصحاب الملايين في العالم، و 3 في المئة على أولئك الذين تزيد ثروتهم على 50 مليون دولار، و 5 في المئة على أصحاب مليارات العالم، أن تسمح للحكومات بجباية حوالى 2 تريليون دولار سنويًا. يوصي التقرير أيضًا الحكومات بأدوات مضافة لتفكيك السرّية الضريبية وفرض الضرائب على الثروات والأصول المخبأة في الخارج، منها: السجلات العامة للملكين المستفيدين وحظر الشركات الوهمية المغفلة إنشاء سجل لأصولها وجعل التبادل التلقائي للمعلومات أكثر شمولً وكفاءة، ومتاحًا للبلدان كلها، وتعزيز القدرة على إدارة الإيرادات لزيادة الامتثال الضريبي (ص. 35). وهي أدوات معروفة وتحتاج إلى إرادة سياسية، فحسب، لتكون محلً للتطبيق على الصعد الوطنية والإقليمية والدولية. في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن مسألة الانضباط المالي التي تشدد عليها أوكسفام هي مسألة غاية في الأهمية، لكن في المقابل، حتى المؤسسات الدولية المكلَّفة بمهمة ضبط النظام المالي العالمي ومراقبته، بدءًا بصندوق النقد الدولي، لا تمتلك سوى معرفة تقريبية بنمط التوزيع العالمي للأصول المالية، خاصة أهمية

الأصول التي يحوزها أصحابها من خلال الملاذات الضريبية62. وعلى الرغم من ذلك، فإن فرض الضرائب على رأس المال (صافي الثروة) يشكل مسحًا ماليًا لدى السلطات المالية العالمية ل "توسيع قاعدة البيانات المالية"، ومن ثم إمكانية تتبع رؤوس الأموال71.

ملاحظات ختامية: عود عىل بدء

تكمن أهمية الخطاب الذي تقدمه أوكسفام في تنبيهه إلى أولوية معالجة اللامساواة بعدما تبيّ أثرها الفادح، وما تحدثه على صعيد خلخلة المجتمعات وإثارة انقساماتها. تقدم أوكسفام في هذا الصدد نصائح للحد من تفاقم اللامساواة في الدخل والثروة، وتطرح حلولً عملية، أساسها فرض الضرائب التصاعدية. وبدلً من قصر الحديث على "الحد من الفقر"، تعتقد أوكسفام أن على العالم خفض ثروة أصحاب المليارات وتقليص عددهم إلى النصف من الآن وحتى عام 2030، لإعادة الوضع الذي كان عليه العالم قبل عقد واحد فقط، أي في عام.2012 مع ذلك، نجد أن أوكسفام قد أغفلت الحديث عن التحديات الكبيرة التي تواجه البلدان في فرض الضرائب على الثروة؛ فلم تقدم للبلدان النامية مقترحات ملموسة تعكس أوضاعها. يتطلب فرض الضرائب على الأغنياء قدرة كبيرة وفاعلية إدارية، فضلً عن الإرادة السياسية التي تمثل المفتاح الأهم، وأن تدرك نخب الحكم الحاجة إلى تحولّات تجعل الأنظمة الضريبية أكثر إنصافًا. وعلى الرغم من أهمية مسألة الضرائب، فإن أوكسفام لا تستكشف سياسات عامة أخرى - لا تتعلق بالضرائب - يمكن أن تسهم أيضًا في الحدّ من عدم المساواة في الدخل وما يرتبط بها من أوجه عدم المساواة العالمية، مثل الحديث عن إعادة التوزيع عن طريق الهجرة، ومسألة إعادة توزيع الريع النفطي81. في هذا الصدد يمكن تسجيل عدد من الملاحظات: لم تعدم الرأسملية الوسيلة لترسيخ مقولة "الفقر مُعطى طبيعي"، على الرغم من عدم تحقيق سياسات النيوليبرالية في الدول المتقدمة الازدهار الاجتمعي المنشود، بل انحرف النمو الاقتصادي لفائدة رأس المال، وتكرّست قوّته بعيدًا عن سلطة الدولة، وأصاب الفقر قاعدة عريضة في الدول الرأسملية، فم بالك بتلك المنتمية إلى الجنوب العالمي! لم تتمكن الأخيرة لأسباب هيكلية من القضاء على الفقر والجوع أو حتى التقليل منهم، والأمر ليس ببعيد عن إرث استعمرها. إن افتراض التلازم بين تطور الرأسملية والفقر ليس مجرد ادعاء82؛ فالدور الأساسي الذي تقوم به السياسات النيوليبرالية سلبي للغاية، والدول التي تتبنّى توجهاتها، صارت أداة طيّعة في يد قلة عابرة الحدود، ولا تُبدي أي قدر من المسؤولية في مواجهة تداعيات اللامساواة. الرهان الشامل على الحكومات لتبني سياسات عادلة منصفة تعوزه الحكمة؛ فاحتكام صانعي السياسات والوكالات الدولية والمؤسسات المالية الدولية بالأيديولوجيا النيوليبرالية وتعزيز ممرساتها، وإضعاف

  1. بيكيتي، ص.569
  2. المرجع نفسه، ص.568
  3. للمزيد ينظر: المرجع نفسه، ص.592 - 591
  4. غباش، ص.18

دور حكومات الدول واحتكار مواردها من طبقة من الممولين العالميين، يُعرقل الخروج من المأزق. تحديدًا بالنسبة إلى الدول التي تعتمد على المساعدات الخارجية، والأمر بحاجة إلى مزيد من التفكير في السياسات البديلة التي تقاوم المنظومة الرأسملية الراهنة. فالحاجة ملحّة إلى خلق أشكال من التنظيم القاعدي، ممثلً في الاقتصاد الاجتمعي التضامني91 والمبادرات البديلة للانفكاك من هذه المنظومة. ثمة دور معتبر للحركات الاجتمعية من أجل خلق حالة من التعبئة والوعي وتعزيز دور المجتمع المدني في هذا السياق، وإن كانت حركته الراهنة ليست بمنأى عن النقد. تبقى إشكالية الدوران في الدائرة المفرغة ذاتها تثير الخشية؛ فحتى إن تسنّى للحكومات جباية موارد ضريبية فاعلة وعادلة، تبقى مسألة الثقة والمساءلة حاسمة لاستخدام تلك الموارد للمصلحة العامة. وهذا إذا ما جرى افتراض قدرة المؤسسات العامة على الانفلات من تأثير أغنى الناس والشركات الكبرى وفرض الضرائب. في ظل غياب الشفافية، وضعف مشاركة المواطنين/ات، يصعب التعامل مع انحيازات الميزانية ضد الفقراء. يقدم 14 في المئة فقط من الحكومات بيانات الميزانية وحسابات نفقاتها، مصنفة بحسب النوع الاجتمعي. وثمانية بلدان فقط من أصل 120 لديها قنوات رسمية لإشراك المجتمعات المهمشة والمحرومة في مداولات الميزانية العامة. إن مسألة زيادة الضرائب مسألة لا تتجاوز التأييد من المواطنين/ات، ولم تصل إلى مرحلة التحرك الاحتجاجي والدعم الشعبي الواسع والمنظم، كم حدث في حالة الضرائب التنازلية. فالتأييد لا يكفي بمفرده إلى نقل مطالب فرض الضرائب على الأغنياء إلى قمة الأجندة السياسية، في ظل نفوذ الأخيرين وقدرتهم على حمية مصالحهم، عبر الضغط السياسي، فضلً عن تأثير المال السياسي ودعم جمعات الضغط، وهيمنتهم على وسائل الإعلام بصورة مباشرة عبر الملكية، أو بصورة غير مباشرة عبر الإعلان والدعم. إن إبقاء القدرة على التأثير في النقاش السياسي ومحدداته يبقى تحديًا كبيرًا في وجه الإصلاحات التقدمية. إن جزءًا معتبرًا من الضرائب التي يناقشها التقرير يحتاج إلى حوكمة دولية للنظام الضريبي، وهي صعبة التحقق، وبتعبير بيكيتي "يوتوبيا مفيدة". ويتعلق ذلك على وجه التحديد بتقليص الفجوة بين البلدان عالية الدخول وتلك المنخفضة، وضبط التعامل الضريبي العابر الحدود، ولا سيم في حالة الشركات المتعددة الجنسية.

  1. Gustavo Taniguti, "The Solidarity Economy: An Interview with Paul Singer," Global Dialogue , vol. 6, no. 1 (2016); ينظر أيضًا: اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، "الاقتصاد الاجتماعي التضامني أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية"، سلسلة السياسات العامة، أوراق موجزة، العدد).2014(4
  2. Lebanon protests: How WhatsApp Tax Anger Revealed a much Deeper Crisis," BBC News , 7/11/2019, accessed on 12/8/2023, at: https://rb.gy/r3yl6
  3. International Budget Partnership Advances Public Budget Systems that Work for People," International Budget Partnership , accessed on 18/5/2023, at: https://bit.ly/3MARLsO
  4. بيكيتي، ص.563

المراجع

العربية

أيت خرواش، مصطفى. "مراجعة في كتاب المدخل الأخلاقي في الدفاع عن الرأسملية". عمران. مج 4، العدد 14 (شتاء.)2016

الببلاوي، حازم. النظام الاقتصادي الدولي المعاصر: من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى نهاية الحرب الباردة. سلسلة عالم المعرفة 257. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2000

بوش، راي. الفقر والليبررالية الجديدة: الاستمرارية وإعادة الإنتاج في جنوب العالم. ترجمة إلهام سعيد ووليد سالم. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2015

بيكيتي، توماس. رأس المال في القرن الحادي والعشرين. ترجمة وائل جمل وسلمى حسين. بيروت:.دار التنوير، 2016

سعيفان، سمير. "رأس المال في القرن الحادي والعشرين: مناقشة نقدية". عمران. مج 6، العدد 23 (شتاء.)2018 عبد الحي عيسى، محمد. "مراجعة تقرير عدم المساواة في عام 2018 ". عمران. مج 6، العدد 24 (ربيع.)2018 العيسوي، إبراهيم. "مراجعة كتاب تدريس التنمية المستدامة التحديات الأخلاقية والسياسية". عمران. مج 8، العدد 31 (شتاء.)2020

غباش، منوبي. "فكرة الفقر وواقع الفقراء". عمران. مج 8، العدد 30 (خريف.)2019

اللجنة الاقتصادية والاجتمعية لغربي آسيا (الإسكوا). "الاقتصاد الاجتمعي التضامني أداة لتحقيق العدالة الاجتمعية". سلسلة السياسات العامة. أوراق موجزة. العدد).2014(4

الأجنبية

EFW. Education Finance Watch 2021. February 2021. at: https://bit.ly/459BFgx

International Labour Organization. The Value of Essential Work: World Employment and Social Outlook 2023. Geneva: 2023. at: https://shorturl.at/iMO13

International Monetary Fund. "COVID-19 Financial Assistance and Debt Service Relief." 9/3/2022. at: https://bit.ly/3o32j6T

Sepulveda, Edgardo R. & Ann-Sylvia Brooker. "Income Inequality and COVID-19 Mortality: Age-Stratified Analysis of 22 OECD Countries." SSM - Population Health. vol. 16 (December 2021).

Taniguti, Gustavo. "The Solidarity Economy: An Interview with Paul Singer." Global Dialogue. vol. 6, no. 1 (2016).

World Health Organization. Accelerating COVID-19 Vaccine Deployment Removing Obstacles to Increase Coverage Levels and Protect Those at High Risk. 20/4/2022.