Return to Article Details The Military and Politics in Tunisia: Politicization and Civilian Oversight from an Institutional Perspective

الجيش والسياسة في تونس: بين التسييس والخضوع للرقابة المدنية (منظور مؤسسي)

The Military and Politics in Tunisia: Politicization and Civilian Oversight from an Institutional Perspective

محمد العوفي

الملخّص

ملخص:  تناقش الدراسة تحولات موقف الجيش التونسي من الشأن السياسي، مرورًا بثلاث محطات أساسية: تحييده عن السياسة في المدة 2011-1956، وحياده الطوعي عنها في المدة 2014-2011، ثم تدخّله في التفاعلات السياسية منذ عام 2019. وقد استدعى ذلك ضرورة إعادة النظر في فرضية احترافيته العسكرية، والتي نظر إليها بوصفها سمة ثابتة. وتستند الدراسة إلى أبرز التصورات والآراء النظرية المتعلقة بالعلاقات المدنية - العسكرية، وتطبيقاتها في بعض البلدان الديمقراطية والعربية، والتي وظفت لفهم موقف الجيش التونسي من السياسة في كل من هذه المحطات وتفسيره. وتخلص إلى أنّ بروز الدور السياسي التدخلي للجيش التونسي منذ اندلاع أزمة الصراع على السلطة عام 2019 شكّل عاملًا محوريًا في تقويض الاحترافية العسكرية. وبناءً عليه، أصبحت عملية استعادة الديمقراطية في تونس ضرورةً ملحّة لوضع الجيش تحت رقابة مدنية فعّالة، تهدف إلى كبح طموحه السياسي الذي لا شك في أنه سيتصاعد مع مرور الوقت، مستفيدًا من تنازع السياسيين على السلطة.

Abstract

Abstract:  This study explores the evolving role of the Tunisian military in politics across three phases: exclusion from politics (1956-2011), voluntary neutrality (2011-2014), and active political engagement since 2019. These developments necessitate a reassessment of the military's professionalism, which has long been regarded as stable and apolitical. Drawing upon key theoretical frameworks and scholarly debates on civil–military relations in both democratic and Arab contexts, the study employs these perspectives as interpretive tools to analyze the military's shifting posture during each of the three periods. The findings suggest that the emergence of the Tunisian military as an interventionist political actor—particularly since the onset of the power struggle in 2019—constitutes a pivotal factor in eroding its professional military identity. Accordingly, the restoration of democratic governance in Tunisia is deemed essential to re-establish effective civilian oversight of the armed forces. Such oversight is crucial to restrain the military's expanding political ambitions, which are likely to intensify amid ongoing political fragmentation and elite competition for state power.

الكلمات المفتاحية:
  • الجيش التونسي
  • الحياد السياسي
  • الاحترافية العسكرية
  • الأزمة السياسية
  • تسييس القوات المسلحة
  • الرقابة المدنية على القوات المسلحة
Keywords:
  • Tunisian Army
  • Political Neutrality
  • Military Professionalism
  • Political Crisis
  • Military Politicization
  • Civil Control of the Armed Forces

مقدمة

بين مشهد خروج الجيش التونسي للاصطفاف في صف الجمهور الثائر ضد نظام زين العابدين بن علي، وحميته من بطش قوى الأمن الداخلي إبان الثورة التونسية لعام 2011، ومشهد إقدام أفراد من الجيش في ذروة الأزمة السياسية على إغلاق باب البررلمان، وم عن رئيسه وأعضائه من دخوله، في إثر قرار الرئيس قيس سعيّد بتجميد البررلمان في 25 تموز/ يوليو 2021، يُثار السؤال عن موقف الجيش من السياسة في تونس. كان لمشهد تصدّي أفراد الجيش التونسي لقوى الأمن الداخلي خلال الثورة صورة رمزية، لم يتوقف تأثيرها على الجمهور الثائر فحسب، ولا عند نظرائه من الجمهير الثائرة في الدول العربية الأخرى، ولا عند الشعوب العربية والأجنبية التي كانت منشغلة بتتبّع مسار ثورات الربيع العربي. لقد امتد تأثير الصورة إلى أعمل الباحثين الذين انشغلوا بتحليل موقف هذا الجيش من الثورة، وهو ما انعكس جليًا على "الحمس البحثي" والنتائج المتسرعة التي توصلت إليها مجموعة من الأبحاث، حفلت بالمغالاة في توصيف الاحترافية العسكرية للجيش التونسي دونما مجادلة نقدية في مدى صدقيتها. بل إن الالتباس الذي خيّم على تفاعلات المدنيين والعسكريين طوال مسار الثورة، وشُحّ المعلومات حولها، قد ساهم في حجب موقف المجادلين والمشككين في الاحترافية المنشودة، ودفعهم إلى التواري إلى الخلف. الاحترافية العسكرية هي اتساق سياسي – عسكري، يضبط السلوك الحيادي الطوعي للجيش تجاه الشأن السياسي، بغضّ النظر عن التحولات والمستجدات الطارئة عليه، وتقلبات موازين القوى داخله، حيث ينضبط الجيش إلى فكرة سامية مفادها النأي بنفسه عن الاصطفاف بين التيارات السياسية المتنافسة على السلطة السياسية. لكن اتخاذ الجيش التونسي لموقع المساند للرئيس سعيّد ضد بقية التيارات الحزبية والمجتمعية المعارضة له، بما في ذلك قراراته المتسمة بالسلطوية في حقهم، كان يعيد التساؤل عن مدى صدقية سردية "احترافية الجيش التونسي". تكمن أهمية الدراسة في تناولها موضوع الجيش وتحولات السلطة السياسية في تونس، من خلال التركيز على موقف الجيش من الأزمة السياسية التي نشأت مع وصول الرئيس سعيّد إلى السلطة عام 2019، باعتبارها مرحلة حرجة في مسار التحول الديمقراطي في تونس. في هذه الأزمة، جرى وقف المسار، لتعود السلطوية السياسية في حلّة جديدة، وبآليات ووسائل عمل تختلف عن سلطوية ما قبل عام 2011. ولأن فهم موقع الجيش من الأزمة السياسية الراهنة يقتضي العودة لتمحيص أدواره السياسية فيم سبقها، فإن الدراسة ستعمل على تفسير أدواره إبان مرحلة التحول الديمقراطي، والتي بدأت إرهاصاتها الأولى مع إسقاط النظام السلطوي لبن علي عام 2011، وما تلا ذلك من نجاح الانتقال الديمقراطي في المدة 2013-2011. وتحاول الدراسة تفكيك السلوك السياسي التدخلي للجيش التونسي في البيئة السياسية التي تشكّلت بعد وصول سعيّد إلى منصب رئاسة الجمهورية، وذلك بهدف مراجعة "مبدأ احترافية الجيش التونسي"، في ضوء ثبوت انحيازه السياسي. والمأمول تقديم إجابة عن تساؤل محدد: ما العوامل المفسرة لتحوّل الجيش التونسي من دور المؤسسة المحايدة سياسيًا إلى دور المؤسسة المنحازة سلطويًا؟ في الجانب المنهجي، تنفتح الدراسة على مجموعة متداخلة من مناهج التحليل السياسي المعتمدة في حقل دراسات العلاقات المدنية - العسكرية، بوصفها الأكثر ملاءمة لسبرر الإشكالية الرئيسة، وإن كان يغلب عليها التحليل باستخدام مفاهيم المؤسسية التاريخية، وبخاصة التبعية للمسار Dependence Path؛ باعتبار

أن الموقع التدخلي الحالي للجيش التونسي هو محصلة لتطور علاقته بالنظم السياسية التي تعاقبت على السلطة السياسية منذ استقلال البلاد عام 1956. وستحاول تفكيكها بحثًا عن العوامل المفسرة للنزوع التدخلي للجيش في بيئة سياسية مأزومة منذ عام 2019. ويُضاف إلى هذا المدخل نظرة بنيوية، الغرض منها الكشف عن ظروف ثبوت/ أو نفي الاحترافية عن الجيش التونسي، وذلك استنادًا إلى دوافعه الداخلية والتي يبررر بها مواقفه السياسية، وكذلك المدخل العقلاني الذي سنختبرر من خلاله سلوك النخبتين المدنية والعسكرية التونسية، ومواقفها، باعتبارها قد تأسست على قرارات عقلانية غايتها تحقيق مصلحة خاصة بالفرد أو بالجمعة. تعرض الدراسة في القسم الأول السجالات النظرية التي تناولت الجيش والسياسة عربيًا ودوليًا، ثم أدوار الجيش في الأزمة التونسية منذ عام 2019. ويفحص القسم الثالث فرضية "احترافية الجيش التونسي" لدى عدد من الباحثين العرب والأجانب، بينم يركّز القسم الرابع على "المساءلة المدنية للجيش"، وهنا تتناول الدراسة أم ننة الجيش وإخضاعه لرقابة أجهزة الأمن قبل عام 2011، والرقابة المدنية بعد عام 2011 من حيث الرقابتين التنفيذية والبررلمانية. وأخيرًا، تخلص الخاتمة إلى أبرز النتائج.

أولًا: الجيش والسياسة بين البيئتين الغربية والعربية: سجالات نظرية

انطلق مؤسسو دراسات العلاقات المدنية - العسكرية من إشكالية التوفيق بين سموّ الوظيفة الدفاعية للجيش في حمية الدولة وشعبها، وحمية أمن مركب الدولة - الأمة من الجيش نفسه حتى لا يتحول إلى مصدر تهديد لهم1. وفي هذا السياق، ترجع الأسس الفلسفية والسياسية للعلاقات المدنية - العسكرية إلى التصورات الأولى التي سعت لوضع هيكل تنظيمي للأجهزة الأمنية للدولة، وفي مقدمتها التصور الذي وضعه ماكس فيبرر Max Weberفي إطار تعريفه للدولة بأنها الجمعة المخوّلة باحتكار العنف المادي المشروع2، فكان الجيش في نظره هو الجهاز المفوّض له اختصاص حيازة السلاح واستعمله نيابة عنها. أما مسألة انتظام العلاقة بين الجيش والحاكم عند فيبرر، فقد أجملها في صفتَي التحكّم والضبط اللتين وسم بهم السلطة؛ ففي تقديره الحاكم مطالب بالتحكم في أفعال وسلوك مختلف المؤسسات والأجهزة التي تتكون منها الدولة3، بما في ذلك الجيش. حديثًا، أدى تفاعل صامويل هنتنغتون مع أطروحة فيبرر لاختصاص الجيش ب "إدارة العنف" نيابة عن الدولة إلى وضع هذا الاختصاص في صلب دراسات العلاقات المدنية - العسكرية. واعتبرر هنتنغتون الجيش مؤسسة بيروقراطية ذات وظيفة أمنية، يضطلع بها عن طريق استخدام السلاح نيابة عن الدولة، وينتهي دوره كبقية المؤسسات البيروقراطية الأخرى عندما يبدأ دور السياسي4. في تفاصيل هذا الطرح، افترض

  1. Stanley L. Falk, The National Security Structure (Washington, DC: Industrial College of the Armed Forces, 1967), pp. 73-75.
  2. عبد الوهاب الكيالي، موسوعة السياسة (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات، 1985)، ص.657
  3. العنف والسياسة في المجتمعات العربية المعاصرة: مقاربات سوسولوجية وحالات، إعداد وتنسيق: محمد جمال باروت وأحمد حسين (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.35
  4. Samuel Huntington, The Soldier and the State: The Theory and Politics of Civil-Military Relations (Cambridge: The Belknap Press of Harvard University, 1957), pp. 15-16.

هنتنغتون وجود فصل بين مؤسسات السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية في الدول الغربية، وثبوت سيطرة السياسي على العسكري في هذه الدول، وهي سيطرة تنضبط تفاعلاتها وفق ما أسمه بالإنكليزية Profession Military The التي ترجمت إلى اللغة العربية ب "الاحترافية العسكرية" تارة، وتارة أخرى ب "المهنية العسكرية"5. فسواء تحدّثنا عن الاحترافية أو المهنية العسكرية المهم أنها مبدأ مزدوج سياسي وعسكري، يحقق في الدول الغربية فصلًا بين المجاَليَن السياسي والعسكري، على أساس حياد الثاني تجاه الأول، حيث ينتج من انشغال العسكريين بتطوير خبررتهم العسكرية قبولهم الخضوع طواعية للمدنيين6. انتقد نظرية "الاحترافية العسكرية" باحثون شككوا في أهليتها لضمن الحياد السياسي للجيش، وفي مقدمتهم موريس جانويتس الذي أرجع الحياد إلى ظاهرة التمدين السياسي، والتي رصدها في التحول الذي طرأ على الوظيفة العسكرية التي باتت تنحو أكثر نحو الاستعانة بالخبررات المدنية، من مهندسين وأطباء وممرضين وخبرراء في التكنولوجيا والإعلاميات. غير أنه ركز بصفة أدق على نمط "التجنيد الإجباري" الذي قبله الجيش تحت مبررر مشاركة المواطنين كافة في تحمّل أعباء الدفاع عن الوطن، بل اعتبار هذه المشاركة أسمى تمثّل لقيم المواطنة7، وعبررها حدث تداخل بين المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني8، أثمر في الأخير عبور القيم الليبررالية إلى المؤسسة العسكرية؛ ما ولّد عند ضباطها شعورًا داخليًا (ذاتيًا) بضرورة الخضوع للسياسيين. اهتم ناقدان آخران لمبدأ الاحترافية العسكرية، هم راسيل ويغلي Weigley Russell وبيتر فيفر Feaver Peter، بأزمة احتكاك العسكريين بالسياسيين في الولايات المتحدة الأميركية، في حقبة ما بعد نهاية الحرب الباردة. يعود أصل الاحتكاكات إلى نشوب خلافات بين الرئيس بيل كلينتون وفريقه الرئاسي في مواجهة ضباط البنتاغون الأميركي؛ بداية من معارضة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال كولن باول، وخليفه في المنصب الجنرال جون شاليكاشفيلي، لاستراتيجية "ارفع واضرب " Striking and Lifting التي اقترحها الفريق الرئاسي للتدخل العسكري الأميركي في البوسنة عام 19969. أمّا الخلاف الثاني، فقد نشب بين الرئيس كلينتون والجنرال ويسلي كلارك Clark Wesleyالقائد الأعلى للحلفاء في أوروبا، حول استراتيجية التدخل العسكري في كوسوفو عام 1999، حيث عارض الجنرال فكرة تقييد التدخل الجوي التي اقترحها الرئيس10. تفاعلًا مع ذلك، انتقد ويغلي وفيفر موقف الضباط العسكريين المعارض لآراء الرئيس وفريقه الرئاسي، معتبررين إياه موقفًا سياسيًا أكثر منه عسكريًا، وطالبا بمراجعة علاقة السياسي بالعسكري في الولايات المتحدة. ففي أعقاب تحذيره من تغوّل العسكريين، اعتبرر ويغلي أن العلاقات المدنية - العسكرية في النظام الأميركي

  1. عزمي بشارة، الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.23-20
  2. Huntington, p. 71.
  3. Bernard Boene, "La professionnalisation des armées: Contexte et raisons, impact fonctionnel et sociopolitique," Revue française de sociologie , vol. 44, no. 4 (2003), pp. 650-651.
  4. Morris Janowitz, The Professional Soldier: A Social and Political Portrait (Glencoe, IL: Free Press, 1960), p. 55.
  5. جون ستون، الاستراتيجية العسكرية: سياسة وأسلوب حرب (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2014)، ص.153
  6. جوزيف سويترز [وآخرون]، إدارة المؤسسات العسكرية: النظرية والتطبيق (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2016)، ص.60

قد شهدت تدهورًا بعد نهاية الحرب الباردة11، وأن مر اجعة "مبدأ الاحترافية العسكرية" أصبح ملحّا حتى يتلاءم مع المعطيات السياسية والعسكرية الجديدة. أما فيفر، فقد انشغل بإيجاد تصور جديد لخضوع العسكريين للسياسيين في الولايات المتحدة، أطلق عليه اسم "نظرية الوكالة" التي أطّر بها الخضوع بحسب مستويين من تفويض السلطة السياسية؛ في المستوى الأول يوكل الشعب السلطة السياسية لنخب سياسية منتخبة لإدارة شؤون البلاد، وفي المستوى الثاني توكل السلطة السياسية المنتخبة للمؤسسات العسكرية والأمنية وظائف حفظ الأمن12. انصب اهتمم فيفر على تفويض السلطة بالأوامر والتوجيهات الأمنية التي يتخذها السياسي ويعارضها العسكري، معتبرًا إياها تقصيرًا بشروط الوكالة المحددة سلفًا بين الطرفين؛ ما يحتم على الطرف المدني، بصفته متضررًا، معاقبة العسكريين بعقوبات ملائمة، لأنه سيخضع للمحاسبة والمساءلة أمام المجتمع عن هذا العصيان أو التقصير13. وللخروج من هذه الأزمة، أوصى فيفر النخب السياسية بالتدخل في استراتيجيات التدخلات العسكرية الخارجية، من التخطيط إلى التنفيذ، على أن يقتصر دور الجيش في هذه العمليات على التنفيذ الميداني في حدود الأهداف التي وضعها السياسيون سابقًا، وقد أوجز ذلك في سرديته القائلة إن "العسكري يقيّم حجم المجازفة والسياسي يحكم عليه"14. على المستوى العربي، لا نكاد نجد دراسات تنظيرية كافية لعلاقات العسكري بالسياسة قبل اندلاع ثورات الربيع العربي، باستثناء أعمل الباحثين مهران كامرافا وعبد الإله بلقزيز. لقد شكك الأول في إمكانية انطباق مبدأ الاحترافية العسكرية على الجيوش العربية، وأرجع ذلك إلى رغبة النخب السياسية التي تنظر إلى الجيش فقط باعتباره أداة تحميها من الاضطرابات الاجتمعية والانقلابات العسكرية15، لهذا انحصر اهتممها في الجانب التقني من المهنة العسكرية؛ أي في كل ما يتعلق بالتزوّد بالأسلحة والمعدات العسكرية المتطورة، والتدريب الفني، وإضفاء الطابع الرسمي على إجراءات التوظيف والترقية. تبعًا لذلك، وضع كامرافا تصنيفًا ثلاثيًا للجيوش العربية بحسب معيار أدوارها السياسية16: "الضباط المستبدون" بصفتهم نمطًا سائدًا في الجمهوريات العربية التي يترأسها سياسي قادم من الجيش، لكنه مع مرور الزمن تحوّل إلى سياسي مدني قاده إدراكه لخطورة الدور السياسي للجيش إلى تمدين أجهزة الدولة كافة، خوفًا من قوة الجيش نفسه. وهناك "الملكيات القبلية" المنتشرة في النظم الملكية، وهي التي تقيم نظامها بمساندة الجيش، وتتحكم فيه عبرر إسناد قيادته لضباط منحدرين من القبائل نفسها التي تنحدر منها الأسر المالكة. أما في صنف "الجيوش ذات

  1. Peter D. Feaver & Lindsay P. Cohn, "Armées-société: Quel fossé aux États-Unis ?" Les Champs de Mars , no. 11 (2002), p. 333.
  2. عبد الوهاب الأفندي، "بين عسكرة السياسة وتمدين الجيش: نحو إطار نظري لمعالجة 'إشكالية الدولة المتخندقة'"، في: الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديمقراطي في الوطن العربي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.140-139
  3. Peter Feaver, "The Civil-Military Problematique: Huntington, Janowitz, and the Question of Civilian Control," Armed Forces & Society , vol. 2, no. 2 (1996), pp. 153-154.
  4. Peter D. Feaver, Armed Servants: Agency, Oversight, and Civil-Military Relations (Cambridge, MA/ London: Harvard University Press, 2003), p. 220.
  5. Mehran kamrava, "Professionalization and Civil-Military Relations in the Middle East," Political Science Quarterly , vol. 115, no. 1 (2000), pp. 67-91.
  6. محمد العوفي وإيمان المرزكيوي، "الجيش والسلطة السياسية في الدول النامية -العربية، مطارحات فكرية في بيئة ما بعد نهاية الحرب الباردة"، مجلة ابن خلدون للدراسات والأبحاث، مج 4، العدد 2 (2024)، ص.41

التبعية المزدوجة"، فيرتبط الجيش أيديولوجيًا بالنظام السياسي، لكنّ تخوّف النظام من الجيش يدفعه إلى إنشاء ميليشيات عسكرية موالية له لتحميه من الجيش النظامي الأيديولوجي17. صنف بلقزيز جيوش الدول العربية إلى أصناف ثلاثة: "جيش السلطة" الذي توظّفه النخبة الحاكمة لقمع المجتمع وقوى المعارضة عند الاقتضاء، للحفاظ على ديمومة سيطرتها على السلطة، و"سلطة الجيش" الذي يتحول فيه الجيش إلى نخبة سياسية حاكمة، تدير السلطة بطريقة مباشرة من خلال حكم عسكري، أو بطريقة غير مباشرة بتمدين واجهة النظام بشخصيات مدنية مع احتفاظ العسكريين بالسلطة الفعلية. أمّا الصنف الثالث فهو "الجيش الأهلي" الذي أدى به التمهي مع العصبيات المتصارعة على السلطة إلى التحول إلى ميليشيات تساهم في تمزيق الدولة، بعد دخوله معترك الحرب الأهلية18. يلا ظح في تصنيفَي كامرافا وبلقزيز أنهم متقاطعان إلى حد بعيد، فصنف "الضباط المستبدين" الذي يوجد في الجمهوريات العربية التي احتكر فيها العسكر السلطة السياسية، هو نفسه صنف "سلطة الجيش" عند بلقزيز. أما صنف "جيش السلطة" عند بلقزيز فهو يحوي عند كامرافا صنفَي "الملكيات القبلية" و"الضباط المستبدين"، خاصة في مرحلة استقرار السلطة السياسية بيد الرؤساء القادمين من الجيش. وفي كل هذه التصنيفات وتقاطعاتها، يؤاخَذ الباحثان بعدم إيلاء العناية الكافية لتمحيص ملابسات وصول العسكريين إلى السلطة في عدد مهم من الملكيات والجمهوريات العربية بعد الاستقلال وتعذّر عليهم ذلك في أخرى، خاصة في الجمهوريات التي استقلت وهي ذات طابع مدني صرف كتونس.

ثانيًا: الجيش والأزمة السياسية يف تونس (منذ عام 2019)

تُعتبرر تونس، بعد السودان، الدولة الأقل عسكرة بين الدول العربية، من حيث المؤشرات الكمية، حيث صنّفها مركز بون الدولي لدراسات الأزمات في قاعدة بياناته للعسكرة لعام 2022، في المرتبة 50 عالميًا19. وبما أنّ مؤشر الإنفاق العسكري هو الأكثر وزنًا في قياس العسكرة، فقد تبّين من خلال مراجعة إحصائيات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تسجيل تونس نسبة إنفاق عسكري بلغت فيها قرابة 2.5 في المئة (كنسبة من الناتج المحلي الإجملي GDP) عامَي 2021 و 2022، بينم سجّلت نسبًا أقل قبل عام 2019؛ إذ إنها لم تتعّد 2 في المئة خلال عام 201820، ويُعدّ هذا أحد المؤشرات التي تفسر تصدّر تونس ترتيب الدول العربية بحسب مؤشر الديمقراطية، حيث احتلت المرتبة 85 عالميًا خلال عام 202221.

  1. المرجع نفسه، ص.45
  2. عبد الإله بلقزيز، "السياسة في ميزان العلاقة بين الجيش والسلطة"، في: أحمد ولد داداه [وآخرون]، الجيش والسياسة والسلطة في الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص.24-20
  3. Markus Bayer & Paul Rohleder, Global Militarisation Index 2022 , Bonn International Center for Conflict Studies (BICC) (Bonn: 2022), p. 26, accessed on 9/9/2023, at: https://bicc.de/Publications/Report/Global-Militarisation-Index-2022/pu/13566
  4. Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), SIPRI Military Expenditure Database , accessed on 13/9/2023, at: https://acr.ps/1L9GP5N
  5. The Economist Intelligence Unit , Democracy Index 2022: Frontline Democracy and the Battle for Ukraine , accessed on 17/9/2023, at: https://acr.ps/1L9GPHK

أما عن تأثير الدور السياسي للجيش التونسي فلا شك في أن تصدّر تونس المركز الأول عربيًا في مؤشرَي الديمقراطية وضعف العسكرة، يعزز صدقية السردية التي ترى الجيش التونسي محايدًا سياسيًا، والتي روّج لها بعد اصطفافه إلى جانب الثوار خلال الثورة التونسية لعام 2011، إّلا أنّ تصنيفًا آخرَ ذا علاقة وطيدة بمؤشرَي العسكرة والديمقراطية يشكك في مسألة الحياد، ويحيطها بالكثير من اللبس. ويتعلق الأمر بمؤشر الاستقرار السياسي الذي صُنفت تونس وفقًا له في المرتبة 147 عالميًا خلال عام 202122. وهو ترتيب تأثّر بالأزمة السياسية التي تعيشها البلاد منذ عام 2019، ما يثير تساؤلات حول دور مختلف الفاعلين السياسيين في هذه الأزمة، بما في ذلك مؤسسة الجيش فيم يتعلق بمدى حيادها السياسي. للاقتراب أكثر من موقع الجيش في الأزمة، يجدر التذكير أنها اندلعت عقب انتخاب سعيّد رئيسًا للجمهورية في 15 كانون الأول/ ديسمبرر 2019، ودخوله سريعًا في صراع سياسي مع الثنائي المكمل للسلطة في تونس أي الحكومة والبررلمان. فعلى مستوى الحكومة، برزت خلافات بين الرئيس ورئيس حكومته هشام المشيشي (تولى المنصب في 2 أيلول/ سبتمبرر 2020 عفي منه في، وأُ 25 تموز/ يوليو 2021) حول السلطة التنفيذية التي يتقاسمنها معًا، وبلغ الخلاف ذروته في مطلع عام 2021، حينم صرّح الرئيس بأنّ صلاحياته بصفته قائدًا أعلى للقوات المسلحة تشمل أيضًا قوات الأمن الداخلي التي كان يديرها المشيشي بصفته وزيرًا للداخلية بالنيابة، وذلك في مخالفة للفصل 77 من الدستور الذي اختص الرئيس بالقيادة العليا للقوات المسلحة دون غيرها من القوات. وبالرجوع إلى الدستور التونسي لعام 2014، فيم يخص شكل السلطة التنفيذية، لو ظح أنها وُزعت على نحوٍ مزدوج بين الرئيس ورئيس الحكومة، مع تعزيز موقع الثاني أمام الأول، حين منح الدستورُ رئيسَ الحكومة اختصاصًا ترتيبيًا عامًا للحدّ من اختصاصات الرئيس23، حيث منح رئيس الحكومة صلاحية مراقبة العديد من القرارات التنظيمية والضبطية التي يتخذها الرئيس وإبطالها. في هذا الوضع، عارض المشيشي محاولة استئثار الرئيس بالأجهزة الأمنية؛ ما أدخل السلطة التنفيذية في انقسام حادّ بين الرجلين، جعل الرئيس يرفض التصديق على التعديل الحكومي الذي أجراه المشيشي في كانون الثاني/ يناير 2021، على الرغم من نيله ثقة البررلمان. أما على مستوى البررلمان، فقد نشبت خلافات بين الرئيس ورئيس البررلمان راشد الغنوشي (في المدة 13 تشرين الثاني/ نوفمبرر 25-2019 تموز/ يوليو 2021) رئيس حزب النهضة كذلك، كانت في البداية حول بعض قضايا السياسة الخارجية؛ من قبيل احتجاج الرئيس على البيانات التي أصدرها رئيس البررلمان حول الأزمة الليبية عام 2020، معتبرًا أن السياسة الخارجية من اختصاصه، وأنه رئيس تونس في الداخل والخارج24. وبلغت الخلافات بين الرجلين أوجها في نيسان/ أبريل 2021 حينم امت عن الرئيس عن توقيع التعديلات التي أقرّها البررلمان بأغلبية الأصوات لإتمام القانون الأساسي الخاص بالمحكمة الدستورية تمهيدًا لتأسيسها، معلّلًا موقفه بأنّ خروقًا دستورية شابت القانون المقَّدَم25. وفي خطوة مفاجئة، بادر الرئيس إلى إقالة الحكومة

  1. The Global Economy, "Political Stability - Country Rankings," accessed on 14/9/2023, accessed on 8/9/2025, at: https://acr.ps/1L9GPV1
  2. خولة العشي، ''برلماني؟ رئاسي؟ أم مزدوج؟ غموض حول هوية النظام السياسي في تونس''، نواة، 2014/2/11، شوهد في 2025/9/24، ف:ي https://2u.pw/XtFuEZ
  3. أحمد نظيف، "الصراع بين قيس سعيد وحركة النهضة في تونس: الدوافع والمسارات المحتملة"، مركز الإمارات للسياسات، 2021/4/29، شوهد في 2023/10/11، في: https://acr.ps/1L9GP5k
  4. وصفه بغير البرريء.. الرئيس التونسي يرفض المصادقة على قانون المحكمة الدستورية"، الجزيرة نت، 2021/4/4، شوهد في 2024/9/7، ف:ي https://acr.ps/1L9GPnM

وتجميد عمل البررلمان، في 25 تموز/ يوليو 2021، وتبع ذلك اعتقال الغنوشي، في 17 نيسان/ أبريل 2023، وأصدرت السلطات أمرًا بإغلاق مقارّ حزب النهضة. من أشد الأمور إثارة في الأزمة موقف الجيش، ذلك أنه وإن بدا محايدًا تجاهها، فإن مشهد إحاطة الرئيس نفسه بمسؤولين عسكريين خلال إعلانه إقالة الحكومة وتجميد البررلمان، وم عن أفراد من الجيش رئيس مجلس النواب وعددًا من النواب من دخول المجلس بعد الإعلان الرئاسي، أعاد النقاش حول موقع الجيش في السياسة في تونس، وصدقية أنه محترف وغير مسيّس26. وحيث إن للبررلمان مكانة اعتبارية ورمزية سامية في النظم الديمقراطية التي ينهل منها التنظيم السياسي والدستوري في تونس، فإن تدخّل الجيش في شؤون هذه المؤسسة التي من بين مهمتها مراقبة عمله، وصمته تجاه الأمر الرئاسي الذي قضى بتوّلي الرئيس السلطة التشريعية، في 22 أيلول/ سبتمبرر 2021، قد دّلا على أنّ الجيش التونسي لم يعد محايدًا سياسيًا، حتى وإنْ لم يثبت تدخّله المباشر في الشأن السياسي. ويمكن الاستدلال على ذلك بمواقفَ أخرى من الأزمة ذاتها، من قبيل أنه لم يعارض التعديل الدستوري الذي أُقرّ بنسبة مشاركة ضعيفة لم تتعّد 27.54 في المئة، في 25 تموز/ يوليو 2022، على الرغم من أن أهم مضامينه انحصرت في توسيع الصلاحيات التنفيذية للرئيس، وقبِل نتائج الانتخابات التشريعية ل 17 كانون الأول/ ديسمبرر 2022، رغم أنّ طيفًا واسعًا من القوى السياسية المعارضة قاطعها؛ نتيجة استفراد الرئيس بالسلطة، وأخيرًا ظهر في صورة الذراع الأمنية للرئيس، في مظهر إحاطة ضباطه به خلال إعلان قراراته بملاحقة خصومه السياسيين. إنّ الموقع الجديد للجيش التونسي، داعمًا ضمنيًا للرئيس سعيّد، يثير الشك في مسألة حياده السياسي المفترض، وهو ما يمكن أن يُفهم في السياق المقارن من خلال استحضار مجموعة من الحالات المشابهة؛ على غرار الخلافات التي برزت بين السياسيين والمدنيين في الولايات المتحدة بمناسبة إدارة العمليات العسكرية ضمن قوات الأمم المتحدة للسلام في البوسنة وكوسوفو، حين عارض العسكريون استراتيجية التدخّل العسكري التي اقترحها الرئيس كلينتون وفريقه الرئاسي، ما اعُتبُرر بمنزلة التهديد الخطير للديمقراطية الأميركية. فيُستفاد أنّ اصطفاف الجيش التونسي إلى جانب الرئيس ضد خصومه السياسيين هو موقف سياسي، وأنّ نزوعه إلى أداء أدوار سياسية لا يُسقط حياده السياسي فحسب، بل يلقي أيضًا باللوم على النخبة السياسية التي دخلت في صراع محتدم حول السلطة، ما يمهّد الطريق أمامه نحو الانخراط في السياسة. بقيت نقطة مهمة جدًا مستمدة من تصنيفَي كامرافا وبلقزيز لموقع الجيوش العربية من السلطة السياسية، فقد تجاهل التصنيفان الجيش التونسي، ما يعني أنّ موقعه من السياسة لم يحظ باهتمم بالغ قبل الثورة التونسية لعام 2011، وجرى بحثه بنوع من التسرّ  ع بعدها27. يمكن القول إن موقف الحياد السياسي للجيش التونسي، الذي كانت تفرضه أنماط السلطة السياسية قبل عام 2011، قد تغّير في اتجاه التدخل، متأثرًا بتحولات سياسية داخلية أفرزها انتخاب سعيّد رئيسًا للدولة، وبأخرى خارجية ارتبطت بمآل ثورات الربيع العربي في نهاية عقدها الأول، ضمن ما أسمه دافيد هيرست "جنازة

  1. كاثرين شير وطارق القيزاني، "الأزمة السياسية في تونس تتصاعد.. أي دور يلعبه الجيش؟" دويتشه فيله، 2021/9/21، شوهد في 2024/9/7، في: https://acr.ps/1L9GPZF
  2. محمد العوفي، "الجيش والإصلاح السياسي في دول المغرب العربي: التقاطعات – التباينات – الالتباسات"، مجلة شؤون الأوسط، العدد 171 (ربيع 2024)، ص.130-129

الربيع العربي"، عندما سجّل أن المنطقة العربية تميزت عام 2021، باستبعاد كل الحكومات والبررلمانات، وكل الذين وصلوا إلى السلطة عبرر صناديق الاقتراع28. وهو طرح يعزز، إلى حد بعيد، فرضية اصطفاف الجيش التونسي إلى جانب تحالف داخلي ‑ خارجي سعى إلى استعادة السلطوية التي أسقطتها الثورة في تونس، حتى بصيغة وأسلوب جديدَين، استكملًا لانقلاب الجيش المصري على الرئيس محمد مرسي (24 حزيران/ يونيو 2012 – 3 تموز/ يوليو 2013)، وتثبيته سلطوية الجنرال عبد الفتاح السيسي منذ منتصف عام 2013. ويفرض علينا غياب معطيات دقيقة حول هذا الاصطفاف الاكتفاء بمساجلة الحياد السياسي المفترض للجيش التونسي ضمن الحدود السياسية والدستورية - القانونية الداخلية القابلة لإثبات الحياد أو نفيه.

ثالثًا: "احترافية الجيش التونيس" في ميزان المراجعة والتقييم

لم يحظ الجيش التونسي، قبل اندلاع الثورات العربية، باهتمم الباحثين في العلاقات المدنية - العسكرية، ومردّ ذلك إلى تفرّد التجربة التونسية بمحدودية دوره السياسي، نتيجة التطويق الشديد الذي فرضه عليه داخل ثكناته الرئيسان الحبيب بورقيبة (1987-1956) وزين العابدين بن علي (2011-1987)، واللذان كانا حريَصيَن على م عن الجيش من تكوين أيّ ثقل سياسي. وتفاعلًا مع الدور البارز الذي أدّاه الجيش في إسقاط نظام بن علي خلال ثورة 2011، والذي تجسّد رمزيًا في صورة اندفاع ضباطه لمواجهة قوات الشرطة ومنعها من قمع المتظاهرين، استلهم عدد من الباحثين العرب والأجانب هذا المشهد لتأكيد أن الموقف نابع من احترافية عسكرية متأصلة في الجيش التونسي. وفي هذا السياق، استفاض الباحثان ويليام س. تايلور Taylor C. Williamوزولتان باراني Barany Zoltan في توصيف احترافية الجيش التونسي، حين اعتبررا أنه أكثر المؤسسات التونسية السياسية والبيروقراطية والأمنية وطنية، وراحا يصوغان البرراهين الخارجية والداخلية لتدعيم موقفهم. خارجيًا، دافعا عن دور التدريبات والتكوينات التي خضع لها ضباط الجيش تحت إشراف الجيشين الأميركي والفرنسي في تنمية احترافيته، وهي التي ألهمته تبنّي مبدأ الاحترافية العسكرية المستقر في هذين الجيشين، بكل ما ينطوي عليه من تكريس أحقية النخبة المدنية في احتكار السلطة السياسية، وانحصار دور العسكريين في الخضوع لها، وطاعة أوامرها29. أما داخليًا، فقد فّسر الباحثان موقف الجيش على نحوٍ براغمتي، مرتبط بتقدير مصلحته الذاتية بين الاصطفاف إلى جانب الرئيس الذي بدا أنه سائر في فقدان السلطة، أو إلى جانب الجمهور الثائر الذي كان موقعه الميداني يزداد رسوخًا باطراد. تفاعلًا مع ذلك، أكد تايلور أن اصطفاف الجيش إلى جانب الثوار أملاه عامل دفاعه عن مصلحته، شارحًا الموقف بأنه كان ضعيفًا سياسيًا وتمويليًا قبل الثورة30، فلّما امت عن عن إطلاق النار

  1. David Hesrst, "Arab Despots May Have Won the Battle, but the Struggle is not Yet Over," Middle East Eye , 23/12/2021, accessed on 18/10/2023, at: https://acr.ps/1L9GP3e
  2. ينظر: ويليام سي تايلور، الاستجابات العسكرية للانتفاضات العربية ومستقبل العلاقات المدنية  -العسكرية في الشرق الأوسط: تحليل للأحداث في مصر، وتونس، وليبيا، وسوريا، ترجمة أسامة عباس وعمرو بسيوني (بيروت: دار الروافد الثقافية (ناشرون)، 2018)، ص 161-160؛ زولتان باراني، كيف تستجيب الجيوش للثورات؟ ولماذا؟ ترجمة عبد الرحمن عياش (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017)، ص.233
  3. بحسب قاعدة بيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي حول الإنفاق العسكري العالمي لعام 2010 الذي سبق اندلاع الثورة التونسية، صنفت تونس في المرتبة الأخيرة بين دول المغرب العربي من حيث الإنفاق العسكري، حيث بلغ 1.3 في المئة من الناتج الداخلي الخام التونسي، في حين سجلت الجزائر حوالى 4.3 في المئة، والمغرب 3.3 في المئة، وليبيا 3.7 في المئة، وموريتانيا 2.3 في المئة، ينظر: Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), Military Expenditure by Country as Percentage of Gross Domestic Product 1988-2000,accessed on 27/3/2022 , at: https://bit.ly/3KvMNKg

على المدنيين اكتسب قوة سياسية، وزاد نفوذه أمام العامة، واكتسب أولوية في الموارد فوق الأجهزة الأمنية الأخرى31. وتوسع باراني في تشخيص المصلحة نفسها، حينم أكّد أن انقلاب الجيش على بن علي كان بمنزلة ردة فعل منه على تذمره الطويل من إحاطته بأجهزة أمنية أكثر ثراء، وأعمق تأثيرًا سياسيًا، لا سيم وزارة الداخلية وعمودها الفقري المتكوّن من قوات الحرس الوطني32، مضيفًا أنّ هذا الموقف مكّن الجيش من الحفاظ على مكانته داخل جيل الشباب، الذين لم ينظروا إليه على أنه جزء من النظام القمعي لبن علي33. بالعودة إلى إحصائيات مركز ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تبدو فكرة ربط المصلحة الذاتية للجيش بتقدير انضممه إلى الثوار واردة وبقوة، حيث استطاع الجيش تحسين موقعه المالي بعد الثورة، والدليل على ذلك هو ارتفاع الإنفاق العسكري التونسي من 572 مليون دولار أميركي عام 2010، إلى 824 مليون دولار أميركي عام 2018 (بلغ ذروته إلى نحو مليار دولار أميركي خلال عام 2016)34، وبلغت نسبته ضمن الناتج الداخلي الخام نحو 2.5 في المئة بين عامَي 2021 و 2022، بعدما كان ثابتًا في أقل من 2 في المئة قبل اندلاع الثورة35. على المستوى العربي، تحمّس مجموعة من الباحثين لفكرة "احترافية الجيش التونسي"، وانشغلوا بالاستدلال عليها؛ فطيبي غمري انتهى في دراسته لموضوع الجيش والثورات العربية إلى أن الجيش التونسي كان، ولا يزال (إلى حدود عام 2019، تاريخ صدور العمل) مؤسسة محترفة ومحايدة تعمل لمصلحة الدولة أيًا كانت الجهة الحاكمة36. وقد أورد ما يمكن أن نسميه الأصول التاريخية لهذه الاحترافية، حينم أرجعها إلى الظروف السياسية التي جاء فيها استقلال الدولة التونسية، وتحديدًا إلى المقاومة السياسية المجردة من العمل المسلح التي قادها الرئيس الراحل بورقيبة، لذا كان الجيش التونسي في نظره نتاج الاستقلال والدولة المدنَييَن37. أما العربي العربي فقد أرجع "الاحترافية العسكرية للجيش التونسي" إلى الإرث الاستعمري الفرنسي حينم وصفه بسليل الجيش الفرنسي38. وافقه في ذلك حمزة المصطفى الذي رأى أنّ"احترافية الجيش التونسي" نابعة من الدولة التونسية التي أقامها بورقيبة على النموذج الغربي بعد الاستقلال39. آنذاك، لم يكن يخطر ببال الباحثين السابقين أن الجيش الذي وصفوه ب "المحترف والمحايد سياسيًا"، نظير موقفه من الثورة التونسية، سيقتحم مرة أخرى أتون السياسة، وإنْ كان على نحوٍ غير مباشر وغير علني، هذه المرة باصطفافه في صف الرئيس سعيّد، وهو يتخلص من خصومه السياسيين في الحكومة والبررلمان، بما في ذلك الزج

  1. تايلور، ص.169
  2. باراني، ص.233
  3. المرجع نفسه، ص.234
  4. حجاب شاه وميليسا دالتون، "تطور الجيش التونسي ودور مساعدة قطاع الأمن الخارجي"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط (آذار/ مارس 2020)، شوهد في 2023/9/7، في: https://acr.ps/1L9GPM6
  5. Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), Military Expenditure by Country as Percentage of Gross Domestic Product 1988-2020.
  6. طيبي غماري، الجندي والدولة والثورات العربية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.170-169
  7. Risa Brooks, "Abandoned at the Palace: Why the Tunisian Military Defected from the Ben Ali Regime in January 2011," Journal of Strategic Studies , vol. 36, no. 2 (April 2013), pp. 210-211.
  8. العربي العربي، "المؤسسة العسكرية في ميزان الثورتين التونسية والليبية"، في: الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديمقراطي في الوطن العربي، ص.669
  9. حمزة المصطفى، "الجيوش والتحول الديمقراطي في المنطقة العربية: دراسة مقارنة لدور المؤسسة العسكرية في تونس ومصر وسورية"، في: المرجع نفسه، ص.711

ببعضهم في السجن، والاستفراد بالسلطة التنفيذية الموسومة بالسلطوية. إنه موقف جديد وغير بدهي من جيش لم يمض سوى عقد من الزمن على مساهمته الكبيرة في إسقاط واحدة من أعتى السلطويات الفردية العربية. ولهذا يُعتقد أن "مبدأ الاحترافية العسكرية" الذي ألصق بالجيش التونسي في تلك الفترة جاء في غمرة الاحتفاء بوقوفه إلى جانب الثوار، ولم يكن مستندًا إلى المقومات الجوهرية لمبدأ الاحترافية العسكرية، باعتبارها مراكمة مستوى عالٍ من الخبررة العسكرية والفاعلية القتالية المؤديتين إلى الحياد السياسي كم صاغها هنتنغتون40. ثمّ إن موقف اصطفافه حاليًا في صف الرئيس، في بيئة سياسية غير مستقرة، ينمّ عن سوء تقديره لمسؤوليته الأمنية عن سلامة الدولة والمجتمع كم هو متأصل في مبدأ الاحترافية العسكرية41. انطلاقًا مم سبق ذكره، يمكن القول إن الاحترافية العسكرية المزعومة للجيش التونسي تقتضي اليوم ضرورة إعادة التقييم والمراجعة، باستحضار موقفه الجديد. تقودنا المراجعة النقدية لسردية الاحترافية العسكرية للجيش التونسي إلى مساجلة مدى انطباق مبدأ الاحترافية العسكرية، الذي نشأ وترسّخ في السياق الغربي، على الجيش التونسي، وكذلك الحجج والبرراهين التي سيقت للاستدلال عليه، وقد خلصنا إلى ما يلي: تسجيل نوع من القصور عند الباحثين في ربط مبدأ الاحترافية العسكرية بالجيش التونسي، استنادًا فقط إلى موقف انحيازه إلى الثوار؛ فهي لا تفرض من الخارج تحت تأثير الاحتكاك بالجيوش الغربية المحترفة كم في أفكار تايلور وباراني، والتي جرى تفنيدها بعد ثبوت انقلاب ضباط متخرجين في الأكاديميات الغربية على نظم مدنية في أفريقيا، كالانقلاب الذي نفذه الجنرال أسيمي غويتا Assimi Goita في مالي عام 2021، وهو الذي سبق أن خاض تكوينًا و تدريبًا في فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، وكذلك انقلاب الجنرال عبد الرحمن تياني في النيجر عام 2023، والذي لم يكتف بالتكوين والتدريب في الأكاديميات العسكرية الغربية، بل سبق أن عمل في العديد من بعثات الأمم المتحدة، في كل من دارفور بالسودان والكونغو وساحل العاج42. ولا تتحدد الاحترافية العسكرية في الطابع المدني الذي ميّز نشأة الدولة التونسية كم في تصورات غمري والعربي والمصطفى، بل في مدى تمثّل الجيش نفسه لهذا الطابع الذي يمنعه (ضمنيًا) من التدخل في الشأن السياسي. وما الاصطفاف الحالي للجيش التونسي في صف الرئيس، في وضع مضطرب سياسيًا ومجتمعيًا، إلّ دليل على عدم تمثّله لمبدأ الحياد السياسي، وهو معطى كفيل بأن يُسقط عنه الاحترافية العسكرية المزعومة. من مواطن القصور الجوهرية في إطلاق الاحترافية العسكرية على الجيش التونسي ما ارتبط بالدافع الذاتي لاصطفافه إبان الثورة، فالقول باحترافية جيشٍ أسهم في إسقاط نظام سلطوي بدافع تحقيق مكاسب مهنية ذاتية، لا يدخل ضمن مجال الاحترافية العسكرية، بل ضمن النفعية والبرراغمتية التي تسود معظم المؤسسات البيروقراطية43، عدا المؤسسات الأمنية المحترفة التي من المفترض أن تكون دومًا على انشغال بمصلحة دولتها ومجتمعها قبل مصالحها الذاتية. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن

  1. Suzanne C. Nielsen, "Civil-Military Relations Theory and Military Effectiveness," Public Administration and Management , vol. 10, no. 2 (2005), p. 64.
  2. روبرت دال، الديمقراطية ونقادها، ترجمة نمير عباس مظفر (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات، 2005)، ص.416
  3. Tanguy Berthemet, "En Afrique, neuf coups d'État en quatre ans, entre logiques internes, affairisme et rejet de l'Occident," Le Figaro , 1/9/2023, accessed on 7/9/2025, at: https://acr.ps/1L9GPGE
  4. Edoardo Ferlazzo, "La bureaucratie: Hydre de l'État?" Action publique. Recherche et pratiques , no. 15 (2022/3), pp. 16-27.

الباحثين بقدر ما نجحوا في تشخيص دوافع موقف الجيش التونسي، فإنهم لم يصيبوا لمّا ربطوه بمبدأ الاحترافية العسكرية، وهو ما تفَّطَن له الباحث عزمي بشارة حينم أكد أن هدف الجيش من الانحياز إلى صف الثوار كان هو الحفاظ على سلامة مؤسسته، أكثر من باعث الحفاظ على الدولة، حيث لم يكن في وسعه، كغيره من الجيوش، مجابهة ملايين المتظاهرين في الشوارع44، ومن ثمّ لا يُعدّ هذا الموقف النفعي ضمن مجال الاحترافية العسكرية. من التباينات المهمة التي لا يمكن القفز عليها في توصيف الجيش التونسي بالمحترف، نجد الجانب الغائي الذي طغى على البحث السياسي لدور الجيش في الثورة التونسية، حيث انطلق معظم الباحثين من مسلمة احترافيته، واجتهدوا فقط في تبرريرها بوضعها في قوالب تحليلية، اتخذت شكل قالب سردي بأثر رجعي Retroactively لصيرورة الثورة عند باراني، وشكل توصيفات انتقائية لظروف نشأة الدولة والجيش في تونس عند الباحثين الآخرين؛ ما أفقد هذه البحوث الصرامة المنهجية والنظرية المطلوبة، لهذا اتسمت النتائج المتوصل إليها بالانطباعية أكثر من الموضوعية، كم هو حال التسليم باحترافية الجيش التونسي. ويصدق الأمر نفسه على مسألة اعتبار موقف الجيش الرافض للأوامر السياسية التي طالبته بالتصدي للمتظاهرين مظهرًا لاحترافيته؛ وهو موقف تنفيه مواقف أخرى سابقة بطش فيها الجيش نفسه بالمتظاهرين طاعة لأوامر السلطة السياسية، كمساهمته في وأد الاحتجاجات العملية عام 1978، وفي إخمد "ثورة الخبز" عام 1984، فإذا ما جرى تفسير موقفه الرافض للأوامر عام 2011 بأنه نابع من احترافيته، فبمذا ستفَّسَّ الأوامر التي كان يطاع في تنفيذها سابقًا؟ وكيف سيعاد النظر في موقفه من الثورة بعد ظهور آراء تنفي وجود أوامر سياسية له بالتصدي للمتظاهرين؟45تثبت نتائج السجالات السابقة، بعد إسقاطها على اصطفاف الجيش إلى جانب الرئيس سعيد في الأزمة السياسية الراهنة، أنّ الحياد السياسي للجيش قبل الثورة وبعدها لم يكن نابعًا من احترافيته، بل باعثه تقدير مصلحي ذاتي، وحسن تكيّف مع التحوّل في ميزان القوى بين النظام السياسي والشعب. وهو أيضًا محصّلة لسياسات تعامل بورقيبة وبعده بن علي مع الجيش، حينم أخضعا ضباطه لرقابة أمنية مشددة حالت دون اقترابهم من الشأن السياسي. لهذا يمكن الحديث عن عمليات تحييد قسري للجيش التونسي عن الشأن السياسي قبل الثورة، وليس الحياد الاحترافي، ولهذا، يتفق الباحث مع بشارة في توكيده أنّ وقوف الجيش إلى جانب الثورة كان موقفًا اضطراريًا، أملته محدودية الخيارات التي كانت مطروحة أمامه للحفاظ على نفسه أول، ا واصفًا إياه بالانقلاب العسكري الذي جرى داخل الثورة46.

رابعًا: المساءلة المدنية للجيش

اتخذت المساءلة المدنية للجيش طابعًا مزدوجًا، جمع بين إخضاعه لرقابة أجهزة الأمن الداخلي قبل الثورة، بعدما نُظر إليه على أنه مصدر تهديد محتمل للنظام السياسي، ووضعه تحت رقابة مدنية تنفيذية وبرلمانية كم هو متعارف عليه في النمط الديمقراطي للعلاقات المدنية - العسكرية.

  1. عزمي بشارة، الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص 291،.298
  2. شاران غريوال، "ثورة هادئة: الجيش التونسي بعد بن علي"، مركز كارينغي للشرق الأوسط (2016)، ص.4
  3. بشارة، الثورة التونسية المجيدة، ص.291

1. أمننة الجيش وإخضاعه لرقابة أجهزة الأمن الداخلي

يعود الفضل لبورقيبة (أول رئيس لتونس) في م عن الجيش من التسييس، وذلك نتيجة تأثره بحدثين بارزين؛ تمثل الأول في معايشته للصراعات على السلطة السياسية الذي نشب بين العسكريين والسياسيين في جل الدول العربية الحديثة الاستقلال، والتي استطاع العسكريون في العديد منها حسم السلطة لمصلحتهم بعد انقلابهم على النخب المدنية التي ورثت السلطة عن المستعمر، بداية من انقلاب أديب الشيشكلي (1954-1951) على الرئيس هاشم الأتاسي (1939-1936، 1951-1949، 1955-1954) في سورية عام 1951، ثم انقلاب الضباط الأحرار على الملك فاروق (1952-1936) في مصر عام 1952. تمثل الحدث الثاني في وصول جمل عبد الناصر (1970-1954) إلى السلطة في مصر عام 1954، واحتضانه لصالح بن يوسف، أحد أبرز قادة الحركة الوطنية التونسية، الذي تولى منصب الأمين العام للحزب الحر الدستوري الجديد، وتولى منصب وزير العدل في الحكومة التونسية التي قادت المفاوضات الأولى للاستقلال (1952-1950)، الذي رفض اتفاقيات الاستقلال الداخلي التي وقّعها بورقيبة مع الجانب الفرنسي عام 195547. وشرع، من مصر، في معارضة بورقيبة وما أسمه "الاستقلال المنقوص"، ولما توسعت حركة بن يوسف المعارضة في الداخل التونسي، وجّه بورقيبة اتهامًا صريحًا إلى عبد الناصر بالتدخل في الشؤون الداخلية لتونس عام 195748. منذ ذلك الوقت، تشكلت ثنائية عبد الناصر - بورقيبة للتنافس على الزعامة العربية49، ولمّا كان التيار الناصري يتوسع بين الشباب العربي، عمد بورقيبة إلى التصدي له عبرر كل الوسائل المتاحة، كاصطفافه، منذ عام 1965، إلى جانب الملك فيصل المناوئ لعبد الناصر50، وإعلانه الصريح عن معارضة سياسة عبد الناصر في الشرق الأوسط51. بخصوص موقع الجيش من التنافس بين الزعيمين، تجدر الإشارة إلى أنه مع تبلور الناصرية أيدلوجيا قومية عربية مقترنة بالاشتراكية، شاع صيتها بين قسم كبير من الجمهير العربية، بما في ذلك فئة الضباط العسكريين الذين أصبحوا أكثر حمسة لتكرار تجربة الضباط الأحرار، على غرار تشكل مجموعة الضباط الأحرار وانقلابهم على الحكم الملكي في العراق عام 1958، تلاها انقلاب العقيد معمر القذافي على النظام الملكي عام 1969، أضف إلى ذلك ولادة الدولة المستقلة في الجزائر عام 1962، على يد نخبة عسكرية قريبة من الأيديولوجيا نفسها52. لقد خلق الوضع السابق توجسًا عند بورقيبة من أن ينتشر الفكر الناصري بين ضباط جيشه فيلجؤون إلى الانقلاب عليه، لهذا كان حازمًا مع مسألة م عن تسييس الجيش منذ وصوله إلى الحكم؛ فم عن ضباطه من الانضمم إلى الحزب الحاكم، وحرمهم من التصويت في الانتخابات المحلية والتشريعية53. ولما

  1. ابتسام الكتبي [وآخرون]، الديمقراطية والتنمية الديمقراطية في الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004)، ص.223
  2. أكاديمية العلوم في الاتحاد السوفياتي، تاريخ الأقطار العربية المعاصرة 1970-1917:  (بيروت: دار الفارابي، 2016)، ص.708
  3. يوسف إدريس، الأب الغائب (لندن: مؤسسة هنداوي، 2017)، ص.42-41
  4. عائشة عباش، جدلية السلطة والمعارضة السياسية في تونس: دراسة تحليلية في علاقات الصراع والتفاعل والاحتواء (عّم نا: دار الخليج للنشر والتوزيع، 2019)، ص.73
  5. عارض بورقيبة تصور عبد الناصر لمعالجة القضية الفلسطينية، حين أبدى عدم اقتناعه بجدوى شن حرب على إسرائيل لتحرير فلسطين كما هو ثابت عند عبد الناصر، مفضلًا الخيار الدبلوماسي المتمثل في قبول قرارات الأمم المتحدة، وكسب تعاطف الرأي العام الدولي. للتوسع أكثر في الموضوع، ينظر: أكرم السيسي، تحليلالخطاب السياسي والاجتماعي.. من 23 يوليو إلى 30 يونيو (الجيزة: دار لمار للنشر والتوزيع والترجمة، 2021)، ص 42-40؛ شفالييه دومينيك، حبر الشرق: بين الحروب وصراع السلطة، ترجمة جمال الشلبي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2008)، ص.242
  6. محي الدين عميمور، الجزائر: الحلم والكابوس: محاولة لفهم المأساة الجزائرية (بيروت: دار الفارابي، 2005)، ص.40
  7. نحان علي إبراهيم الطائي وفؤاد علي وهاب، قضايا ودراسات في الشأن السياسي لدول المغرب العربي: (المغرب  -الجزائر-تونس-ليبيا- موريتانيا) (عّم نا: الأكاديميون للنشر والتوزيع، 2015)، ص.132

تعرّض لمحاولة انقلابية عام 1962، زاد حرصه على م عن الجيش من تكوين أيّ ثقل سياسي، وحصر نشاطه داخل ثكناته العسكرية54، ليس عبرر الاهتمم بتنمية الخبررة العسكرية لضباط الجيش ليحيدوا طوعيًا عن السياسة، بل بإخضاعهم لرقابة أمنية متشددة. للحيلولة دون تسييس الجيش، وظف بورقيبة مقاربات أمنية داخلية وخارجية؛ فعلى المستوى الداخلي، عمد إلى أم ننة الجيش Army the of Securitization، حيث نظر إليه على أنه مصدر مفترض لتهديد استقرار السلطة السياسية، تتم الوقاية منه بوضعه تحت الرقابة المباشرة لأجهزة الأمن الداخلي55، ولجأ أيضًا إلى تأسيس مؤسسات شبه عسكرية كالحرس الوطني56. أما خارجيًا، فقد أضعف الحضور السياسي للجيش عبرر تقوية علاقاته مع الدول المجاورة له (الجزائر، وليبيا)، لأن صراعات الحدود كانت آنذاك من أبرز الأسباب التي تقوّي وضعية الجيش داخل النظام السياسي، وكلم تعاظمت أتاحت له فرصة اختراق مجال السلطة السياسية، فضلًا عن الاستقواء بالضمنات الأمنية التي كانت تقدّمها له الدول القوية عسكريًا كفرنسا والولايات المتحدة57. بعد أن وصل بن علي إلى الحكم، صار على نهج بورقيبة نفسه في خيار تحييد الجيش عن الشأن السياسي عبرر أم ننته أيضًا، فتركه تحت الرقابة المباشرة لأجهزة الأمن الداخلي من الشرطة والمخابرات، وعمد إلى تهميش دوره أكثر بعد إنشائه لقوات الأمن الرئاسي الجهاز المكلّف بحميته، أتبعه من حيث التسلسل الإداري بوزارة الداخلية، أما من حيث بناؤه الهرمي الوظيفي فقد جعله تحت رئاسته المباشرة، فكان قوة ضاربة بيده شبّهتها الباحثة عائشة  عباش بالجيش البديل من الجيش الوطني التونسي58. المثير في موقف بن علي من الجيش أنه لم يقوّ الرقابة الأمنية عليه فحسب، بل أصرّ على تهميش أدوار الجيش وأوضاعه المادية والتجهيزية؛ إذ بلغ به الأمر حد تقليص تعداده إلى نحو 36 ألف جندي؛ منها 27 ألفًا في السلاح البرري، و 4 آلاف في السلاح الجوي، و 5 آلاف في البحرية، ليكون بذلك أصغر جيوش الدول المغاربية59. على عكس ذلك كان سخيًا في الإنفاق على أجهزة الأمن الداخلي تعدادًا وعتادًا، حيث فاق تعداد هذه الأجهزة الجيش بنحو خمس مرات60. من المعلوم أن تعزيز مكانة الأمن الداخلي عند بن علي لم يكن باعثه مراقبة الجيش فقط، بل اضطلاعه بمهمت إحكام المراقبة على النشاط السياسي للمجتمع التونسي عمومًا، ولهذا صنفت تونس في عهده واحدةً من أكثر دول العالم خضوعًا لسيطرة الشرطة61. في المحصلة، تبين أن م عن الجيش من التسييس خلال فترَتي حكم بورقيبة وبن علي - وإنْ نجَح في إبعاده عن تجاذبات الشأن السياسي، وقزّم أدواره داخل الدولة والمجتمع بما فيها الأدوار ذات الطبيعة الأمنية الدفاعية

  1. غريوال، ص.2
  2. إبراهيم اسعيدي، "دور المؤسسة العسكرية في الانتقال الديمقراطي بتونس"، مركز الجزيرة للدراسات، 2011/3/3، شوهد في 2020/11/12، ف:ي https://acr.ps/1L9GPL5
  3. العربي، ص 669
  4. تايلور، ص.162
  5. عباش، ص.171
  6. Mourad Chabbi, "Armée et Transition démocratique en Tunisie," Politique étrangère , no. 1 (2015), p. 104.
  7. غماري، ص.176
  8. Jean-François Daguzan, "Maghreb: Les armées en politique: Des trajectoires divergentes," Confluences Méditerranée , no. 29 (1999), p. 34.

التي نازعته فيها الأجهزة الأمنية الداخلية - لم يقض على طموحه في تحسين أوضاعه واستعادة أدواره. لهذا استغل حدث احتدام المد الجمهيري الثوري للاصطفاف في صف الثائرين على نظام بن علي، وأن جيشًا من هذا النوع كان من المفترض أن يوضع تحت رقابة مدنية فعالة بعد زوال الحكم السلطوي. وهو الأمر الذي لم تهتم به النخبة السياسية التي قادت المرحلة الانتقالية كم ينبغي.

2. الرقابة المدنية على الجيش

لا شك في أن ترسّخ رقابة المدنيين من الفاعلين السياسيين والمجتمعيين على الجيش، يعزز احترافيته ويدفعه إلى اختيار الحياد السياسي طوعيًا. فعلى مختلف مستويات الرقابة المدنية، تتجسد المبادئ السياسية والقانونية الناظمة لفوقية المدني على العسكري. وهي لا تثبت إلا في حالة تحصين الدستور والقانون لسموّ مكانة المؤسسات السياسية المنتخبة، باعتبارها صاحبة الاختصاص في إدارة القطاع الأمني62، بينم ينحصر دور العسكريين في أداء وظيفتهم الدفاعية في حدود ما يقرره السياسيون. إذا كان الجيش التونسي قد حُيّد عن السياسة من الاستقلال إلى عام 2011، وارتهن طوال هذه الفترة إلى المراقبة التي فرضتها عليه أجهزة الأمن الداخلي، فإنّ خروجه لأداء أدوار سياسية بعد نجاح الثورة كان مرًا بالتوافق السياسي الذي حدث بين مختلف النخب السياسية والأمنية على ضرورة إنجاح المرحلة الانتقالية (2014‑2011) بصفتها مرحلة مؤسسة لمسار التحول الديمقراطي63، والتي شارك الجيش في وضع خطوطها العريضة، وأسهم بفاعلية في التنزيل العملي لعملياتها، حيث توّلى أفراده حمية مراكز انتخاب المجلس الوطني التأسيسي في تشرين الأول/ أكتوبر 2011، ونقل صناديق الاقتراع من هيئة الانتخابات وإليها64. أما في مخرجات المرحلة الانتقالية، فقد ألزمه الدستور الذي ختم المرحلة بالحياد السياسي، وبالخضوع للسلطات المدنية65، وهو هدف يمكن اختبار مدى تحققه بتمحيص مدى فاعلية الرقابة التنفيذية والبررلمانية في المدة.2019-2014

.أ الرقابة التنفيذية

لقد اختص الدستور التونسي رئ سي الدولة والحكومة بالإشراف على هذا النوع من الرقابة، حيث خوّل لرئيس الدولة مسؤولية السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي، بمقتضى أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة، ورئيس مجلس الأمن القومي، ويعود له حق إعلان الحرب وإبرام السلم، شريطة موافقة مجلس نواب الشعب بأغلبية ثلاثة أخمس أعضائه، وله سلطة إرسال القوات إلى الخارج بعد موافقة

  1. Plamen Pantev et al. Les relations civilo-militaires et le contrôle démocratique du secteur de la sécurité: Guide Pratique pour les Officiers, les militaires des agences de sécurité et de renseignement et pour les politiciens et experts de la sécurité , Plamen Pantev (ed.) (Sofia: ProCon Ltd., Faculté de Défense G. S. Rakovsky, 2005), p. 12.
  2. محمد سعدي ورشيد سعدي، "محنة الانتقال الديمقراطي العربي: وعود الثورة، قلق المسارات ومعابر الأمل"، في: أطوار التاريخ الانتقاليي: مآل الثورات العربية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.257
  3. الجيش والانقلاب الرئاسي على الدستور في تونس"، تقييم حالة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021/8/29، ص 4، شوهد في 2025/9/7، في: https://acr.ps/1L9GPxA
  4. نَّصَ الفصل 18 من الدستور التونسي لعام 2014 على أن "الجيش الوطني جيش جمهوري وهو قوة عسكرية مسلحة قائمة على الانضباط، مؤلفة ومنظمة هيكليًا طبق القانون، ويضطلع بواجب الدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة ترابه، وهو ملزم بالحياد التام. ويدعم الجيش الوطني السلطات المدنية وفق ما يضبطه القانون". ينظر: "دستور الجمهورية التونسية الصادر في 27 جانفي 2014"، مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن DCAF، شوهد في 2024/5/3، في: https://2u.pw/cnz15

رئ سي مجلس نواب الشعب والحكومة66، وله أيضًا حق التعيين والإعفاء في الوظائف العليا العسكرية بعد استشارة رئيس الحكومة67. في مقابل ذلك، قلّص الدستور من اختصاصات رئيس الحكومة في السياسة العسكرية، حينم جعله رئيسًا لمجلس الوزراء في إدارة السياسة العامة، باستثناء ما تعلق بقضايا الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي، والتي يرأسها وجوبًا رئيس الجمهورية68. وإن بدا أن رئيس الحكومة لا يمارس أيّ رقابة على الجيش، فإنّ لبسًا كبيرًا يثار على هذا المستوى، يتعلق بالاختصاصات الكبررى التي أنيطت بوزير الدفاع بصفته شخصية سياسية مكلّفة بتحضير مخططات الدفاع69، بل تمتد اختصاصاته لتشمل الجانب العسكري التقني، حيث إنه مسؤول عن استعمل القوات العسكرية، وعن وضع سياسة الدفاع وتنسيقها، بما في ذلك سياسة التدريب والتكوين70، وهو الذي يرأس المجلس الأعلى للجيوش71. هناك معطى آخر يزكي الدور الرقابي لوزير الدفاع على الجيش، يتعلق بجهاز التفتيش والرقابة الداخلية على القوات المسلحة الذي يسمى جهاز التفقدية في تونس، حيث ينحصر دور هذا الجهاز في حدود ما يكلفه به الوزير، وهو ملزم بالموازاة مع ذلك بإطْلاع الوزير بانتظام على مستوى تهيئة القوات المسلحة، وبقدرتها على تنفيذ عمليات عسكرية، كم يُعْلمه بالمخالفات الخاصة بقواعد الانضباط العام الملاحظة72. في السياق نفسه، تمتد صلاحيات وزير الدفاع إلى الإشراف على سلسلة قيادة الجيش من حيث تنظيم وحداته ومهمتها، ومناهج استعملها73. كان الغرض من توسيع السلطة الإشرافية لوزير الدفاع على الجيش المساهمة في تدعيم الرقابة المدنية، تيسيرًا لانتقال ديمقراطي منشود، لكن الموقع التراتبي للوزير ضمن السلطة التنفيذية كان معيقًا لتحقيق الهدف؛ ذلك أن موقعه بصفته ممثلًا للسلطة التنفيذية، تحت إشراف الرئيس، كان يتعارض مع تبعيته المباشرة لرئيس الحكومة. فكان حضوره الحكومي كبقية الوزراء، بمنزلة قناة لعبور رئيس الحكومة إلى السياسة العسكرية، لا سيم أن وزير الدفاع يختاره رئيس الحكومة، واشتراط تشاوره مع رئيس الجمهورية في تعيينه رفقة وزير الداخلية فيه تعظيم للدور الأمني والعسكري لرئيس الجمهورية74، من دون أن يلغي دور رئيس الحكومة في هذا المجال. ولما كانت السياسات الأمنية في صلب القضايا الخلافية التي ظهرت بين الرئيس سعيّد ورئ سي الحكومة والبررلمان، فقد نجح الرئيس في السيطرة عليها من خلال توظيف منصبه قائدًا أعلى للقوات المسلحة75، لهذا لم يكن مفاجئًا أن يستتبع الرئيس قراره بإقالة الحكومة بقرار إقالة وزير الدفاع، ولا الاستغناء عن التنصيص على الحياد السياسي للجيش التونسي في الدستور الذي أشرف عليه عام 2022.

  1. المرجع نفسه، الفصل.77
  2. المرجع نفسه، الفصل.78
  3. المرجع نفسه، الفصل.93
  4. أمر عدد 4209 لسنة 2014 مؤرخ في 20 نوفمبرر 2014 يتعلق بتنقيح الأمر عدد 735 لسنة 1979 المؤرخ في 22 أوت 1979 المتعلق بتنظيم وزارة الدفاع الوطني"، الفصل 3، مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، شوهد في 2024/5/17، في: https://2u.pw/xSl028
  5. المرجع نفسه، الفصل.5
  6. المرجع نفسه، الفصل.6
  7. المرجع نفسه، الفصل.8
  8. المرجع نفسه، الفصل.9
  9. دستور الجمهورية التونسية الصادر في 27 جانفي 2014"، الفصل.89
  10. الجيش والانقلاب الرئاسي على الدستور في تونس"، ص.4

ولأن هدف الرئيس سعيّد من الدستور الجديد كان التخلص من الطابع المزدوج للسلطة التنفيذية، وتثبيت سلطته المنفردة عليها، فقد مكّنه الدستور من تحصين إشرافه على السياسة العسكرية، ومنها على المؤسسة العسكرية في المادتين 101 و 102، حيث اختصت الأولى الرئيس بتعيين رئيس الحكومة، وأعضائها كافة باقتراح من رئيسها، بينم اختصته الثانية وحده بسلطة إعفاء رئيس الحكومة أو أحد الوزراء بصفة تلقائية من دون الرجوع إلى أي مؤسسة دستورية أخرى، وبذلك ضمن الرئيس لنفسه حق تعيين وزير الدفاع وإعفائه.

.ب الرقابة البرلمانية

تشكّل الرقابة البررلمانية القطب الثاني الذي تنْفذ منه النخب السياسية لمراقبة المؤسسة العسكرية، ولها آليات اشتغال متعددة، منها ما هو عام يتمثل في الحالة التونسية في سحب الثقة من الحكومة، أو مساءلتها كتابيًا أو شفويًا عن الشأن العسكري، وما هو خاص يتمثل في المساءلة ضمن أربع لجان من أصل تسع تكوّن منها مجلس نواب الشعب قبل عام 2019. وهي: لجنة التشريع العام، ولجنة الحقوق والحريات، والعلاقات الخارجية، ولجنة المالية والتخطيط والتنمية، ولجنة تنظيم الإدارة وشؤون القوات الحاملة للسلاح، تضاف إلى ثلاث لجان خاصة، هي: لجنة الأمن والدفاع، ولجنة الإصلاح الإداري والحكم الرشيد ومكافحة الفساد ومراقبة التصرف في المال العام، ثم لجنة شهداء الثورة وجرحاها وتنفيذ قانون العفو العام والعدالة الانتقالية76. اختصارًا، يمكن الحديث عن نوعين من الرقابة البررلمانية: رقابة اعتيادية تمارسها السلطة البررلمانية على نشاط السلطة التنفيذية في كل ما يتعلق بالسياسة العامة والسياسات العمومية للدولة، وهي مشروطة بالتوازن بين نفاذ البررلمان إلى المعلومات العسكرية، وحفاظه على سريتها خدمة للأمن القومي للدولة. من هذا المنظور، منح الدستور التونسي لعام 2014 البررلمان حق التشريع بقانون أساسي في مسألتَي تنظيم الجيش الوطني، والميزانية العسكرية باعتبارها جزءًا من القانون الأساسي للميزانية77، وكرّسه بعده دستور 2022 في المادة.75 منه عمليًا، أثيرت مسألة الرقابة البررلمانية على الجيش التونسي من الجيش نفسه، حيث سارع إلى المطالبة بإخضاعه للرقابة المدنية78، حينم اتهم القضاء العسكري الخاضع له بحجب الحقيقة في محاكمته للأمنيين المسؤولين عن قتل المتظاهرين إبان الثورة. الاحتكاك الثاني بين البررلمانيين والجيش وقع في أثناء مشاركته في العمليات القتالية في جبال الشعانبي ضد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في حزيران/ يونيو 2013، فلّما وقع انفجار أودى بحياة جنديين وأسقط آخرين جرحى، طالب رئيس حزب التيار الديمقراطي بالبررلمان بإقالة الجنرال رشيد عمر؛ ما دفعه إلى تقديم استقالته في نهاية الشهر نفسه تجنبًا لإعطاء انطباع بأنه قد أقيل من منصبه79، ومجنبًا في الوقت نفسه، دخول الفريق البررلماني لحزب التيار الديمقراطي في جدال سياسي مع الجيش. بعد الحادثين السابقين، أعيد النقاش حول الرقابة البررلمانية عام 2015، بمناسبة تقديم الحكومة لمشروع قانون "زجر الاعتداء على القوات المسلحة"؛ إذ لقي المشروع معارضة من مجموعة من الأحزاب

  1. ناهد المناعي، "واقع العلاقات المدنية - العسكرية في الدستور التونسي "، في: ناهد المناعي [وآخرون]، الدساتير والقطاع الأمني ما بعد 2011 (تونس: المنظمة العربية للقانون الدستوري، [د. ت.])، ص 36-35
  2. دستور الجمهورية التونسية الصادر في 27 جانفي 2014"، الفصل.65
  3. جيش تونس يطالب بإخضاعه لرقابة ديمقراطية"، الجزيرة نت، 2013/3/31، شوهد في 2025/9/7، في: https://acr.ps/1L9GP2I
  4. غريوال، ص.6

السياسية داخل البررلمان، ومن نقابة الصحافيين، والعديد من المنظمت الحقوقية غير الحكومية، كمنظمة العفو الدولية التي أكدت أنّ إقرار البررلمان للقانون يمنح الحصانة لأفراد القوات المسلحة من المتابعة القضائية على كل استخدام غير ضروري للقوة المميتة80. ودرءًا للجدل الذي أثاره مشروع القانون، تغاضى البررلمان عن مناقشته في ذلك الوقت، وفي مرتين لاحقتين عادت الحكومة لعرضه من جديد عامَي 2017 و 2020، بل إنه بلغ خلال العام الأخير مرحلة المراجعة من طرف لجنة التشريع العام، ولما عُرض للتصويت في الجلسة العامة رفضته الكتل البررلمانية متحججةً بأنه يمهد الطريق لعودة منظومة الاستبداد81. في الشق المتعلق بالرقابة البررلمانية على الميزانية العسكرية التي تخوّل لممثلي الأمة الاطّلاع على التكاليف المالية العمومية المرصودة لنفقات الموارد البشرية العسكرية، وللاستثمر في الشأن العسكري من حيث التسليح (التجهيز والعتاد) والبناء82، فإن تقييم إدراك البررلمانيين التونسيين لدورهم الرقابي على ميزانية الجيش انصبّ على فحص 25 مداخلة للبررلمانيين في جلسة مناقشة ميزانية وزارة الدفاع لعام 2018، والتي استنتج منها ما يلي: خلوّ كل المداخلات من الجانب الإحصائي للميزانية، بحيث لم يناقش أيّ برلماني الميزانية نقاشًا ماليًا معللً بأرقامها. لم يتطرق البررلمانيون إلى حجم المخصصات المالية العسكرية، ولا إلى مجالات صرفها، ولا إلى صفقات التسلح. تمركز النقاش حول مواضيع هامشية، لا ترتبط بصلب الميزانية العسكرية، من قبيل المتاحف العسكرية، والشهداء من العسكريين، وتحفيز الشباب لأداء الخدمة العسكرية. مداخلتان فقط كانتا في صلب الميزانية العسكرية؛ الأولى تعلقت بأجور العسكريين، أثار فيها برلماني مسألة ضعف أجور العسكريين قبل الثورة. والثانية ناقشت الترقية والاستفادة من الامتيازات داخل المؤسسة العسكرية، أثارها برلماني من زاوية الشروط المعمول بها في بعض الدول، لكنه لم يحدد ما المطلوب فيهم في الحالة التونسية83. بما أنّ تتبّع عمل البررلمان التونسي لعمله الرقابي للميزانية العسكرية، بحسب ما هو مسجل في جلساته، يتميز بالقصور وعدم التدقيق في تفاصيل الميزانية العسكرية من حيث مجالات صرفها، ولا حتى إبداء ملاحظات أو انتقادات لها، فكان في إمكان البررلمانيين، مثل، ا التفاعل مع تقارير منظمة الشفافية الدولية حول مؤشر مكافحة الفساد في القطاع الأمني، ومساءلة وزير الدفاع عن الوضعية المقلقة للجيش في هذه التقارير التي صنفته كم يلي:

  1. يجب على السلطات التونسية أن تفي بوعودها، أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بوضع حد لإفلات قوات الأمن من العقاب"، منظمة العفو الدولية، 2017/9/21، شوهد في 2025/8/7، في: https://acr.ps/1L9GPu3
  2. حسن سلمان، "تونس: الكتل البررلمانية ترفض المصادقة على قانون حماية الأمنيين … وسياسيون: يمهّد لعودة منظومة الاستبداد"، القدس العربي، 2020/10/8، شوهد في 2023/9/12، في: https://acr.ps/1L9GPAs
  3. Hans Born, Philipp Fluri & Simon Lunn (eds.), Contrôle et orientation: La pertinence du contrôle parlementaire pour le secteur de la sécurité (Genève: Centre pour le Contrôle Démocratique des Forces Armées [DCAF], 2014), pp. 38-39.
  4. الجمهورية التونسية، مجلس نواب الشعب، تقرير لجنة تنظيم الإدارة وشؤون القوات الحاملة للسلاح حول ميزانية وزارة الدفاع الوطني لسنة 2018 (باردو: تشرين الثاني/ نوفمبرر 2017)، شوهد في 2025/9/24، في: https://2u.pw/Hn8u4X

نشر الميزانيات العسكرية: أكدت تقارير المنظمة لأعوام 2013، 2015، و 2017، أن تونس تنشر الميزانية العسكرية، لكنها تكتفي بنشر المعلومات العامة حولها، من دون نشر تفاصيلها. الرقابة البرلمانية ضعيفة: حيث لم يتوافر أيّ دليل على أن اللجنة البررلمانية الخاصة بالدفاع في تونس يمكن أن تؤثر تأثيرًا ملموسًا في اتخاذ القرارات المتعلقة بالدفاع، حيث لا يتم توفير معلومات مفصلة عن ميزانية الدفاع لهذه اللجنة. لا يتم توفير معلومات كافية عن النفقات العسكرية في تونس: هناك مبالغة في إضفاء السرية على كيفية صرف الميزانية العسكرية في تونس لاعتبارات أمنية84. بناءً عليه، يمكن القول إنّ النخبة السياسية التونسية كانت قد سعت، في الجانب المؤسسي، لإعادة تنظيم علاقة الجيش بالشأن السياسي في المدة 2019-2011، حينم حاولت وضع اللبنات الدستورية الأولى لوضعه تحت رقابتها التنفيذية والتشريعية، غير أنها لم تنجح عمليًا في تفعيل هذه الرقابة.

خاتمة

تختزل تقلبات علاقة العسكري بالسياسي في تونس جدلية العسكرة والتحديث في طابعهم الشمولي؛ ذلك أن الإقرار بالاحترافية العسكرية للجيش التونسي، الذي وسم أعمل الباحثين في الثورة التونسية، انطوى على نواقص في فهم البواعث الحقيقية لموقف الجيش آنذاك، وعلى الانتقائية في اختيار أركان مبدأ الاحترافية العسكرية ذاته. وهو ما أدى في الأخير إلى إسقاط هجين للمبدأ على الموقف؛ أي اختزال الموقف السياسي للجيش التونسي في اصطفافه المناوئ للنظام السياسي، تغليبًا لصف الشارع الثائر للقول بأنه جيش محترف. والحال أن احترافية الجيوش تقاس بمؤشرات كمية ترتبط بحجم العدد وقوة العتاد (التسليح)، وبالفاعلية في الحروب، وأخرى قيمية ترتبط بمنظومة القيم السائدة في الجيش، بما في ذلك مذهبه وعقيدته العسكريان، وفي تشبّعه بالقيم المدنية في مختلف روافده التكوينية والتدريبية. وكلها عوامل جرى تغييبها، خلال وصف الجيش التونسي بالمحترف والمحايد سياسيًا إبان الثورة التونسية وبعدها، لتثبت فترة ما بعد عام 2019 عدم انطباقها كليةً عليه. بل بدا كأن إسناد الاحترافية قد تأثر فقط برمزية صورة نزول الجيش لحمية المتظاهرين من قوى الأمن الداخلي، أكثر من أيّ متغير موضوعي آخر. لهذا فالاستناد إلى مؤشر صغر حجم الجيش التونسي، ومحدودية تسليحه وقلة تجربته الحربية، كافية لإعادة النظر في مدى انطباق الاحترافية العسكرية عليه. وقد جاء موقف الجيش الداعم للرئيس سعيّد في مواجهة خصومه السياسيين دليلًا على غياب احترافيته من جهة، ومن جهة أخرى ليعيد النظر في مختلف الدراسات والأبحاث التي آمنت باحترافيته من دون أن تقيم الحجج الكافية لإثبات ذلك. فلم يكن الجيش التونسي قبل الثورة محايدًا سياسيًا، بل على عكس ذلك جرى تحييده من الشأن السياسي بصفة قسرية من نظام سياسي سلطوي، أقامه بورقيبة وأورثه بن علي لنفسه، طوّق ضباط الجيش برقابة أمنية شديدة أوكلها لأجهزة الأمن الداخلي؛ لأنه كان يرى فيهم مصدر تهديد حقيقي للسلطة السياسية، ومنافسًا مفترضًا عليها. وفعل، ا حاول الجيش الانقلاب على بورقيبة عام 1962، كم حاول بعض ضباطه المحسوبين على التيار الإسلامي الانقلاب على بن علي عام 1992.

  1. Transparency International Defence & Security, Tackling Corruption Risks in Tunisia's Defence Sector: The Current Outlook (London: 2018), accessed on 7/9/2025, at: https://acr.ps/1L9GPZH

لم تنجح النخبة السياسية التونسية في احتواء الطموح السياسي للجيش بعد انتهاء المرحلة الانتقالية لأسباب عديدة؛ أولها دخولها في صراع محتدم على السلطة السياسية، وسعي بعضها للاستعانة بالجيش في تصفية الخصوم السياسيين، وثانيها فشلها في تعزيز الرقابة المدنية التنفيذية والبررلمانية عليه. وفي هذا المسار، تخلّص الجيش، بعد عام 2019، من الرقابة الأمنية الشديدة التي نجحت في تحييده قسرًا عن السياسة في الحقبة السلطوية التي سبقت الثورة التونسية لعام 2011، ولما وجد نفسه متحررًا من هذا القيد، وبدا له أن النخبة السياسية ساعية لاستملته إلى الشأن السياسي، اختار التسييس عبرر الاصطفاف إلى جانب الرئيس سعيّد ضد بقية التيارات السياسية المناوئة له، بينم تبدو اصطفافاته المستقبلية ومستويات تدخلاته في تحولات السلطة السياسية في تونس موسومة باللايقين.

المراجع

العربية

إدريس، يوسف. الأب الغائب. لندن: مؤسسة هنداوي،.2017

اسعيدي، إبراهيم. "دور المؤسسة العسكرية في الانتقال الديمقراطي بتونس". مركز الجزيرة للدراسات. 2011/3/3:. في https://acr.ps/1L9GPL5 أطوار التاريخ الانتقاليي: مآل الثورات العربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 أكاديمية العلوم في الاتحاد السوفياتي. تاريخ الأقطار العربية المعاصرة 1970-1917:. بيروت: دار الفارابي،.2016 باراني، زولتان. كيف تستجيب الجيوش للثورات؟ ولماذا؟ ترجمة عبد الرحمن عياش. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2017

بشارة، عزمي. الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012

________. الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017

تايلور، ويليام سي. الاستجابات العسكرية للانتفاضات العربية ومستقبل العلاقات المدنية - العسكرية في الشرق الأوسط: تحليل للأحداث في مصر، وتونس، وليبيا، وسوريا. ترجمة أسامة عباس وعمرو بسيوني. بيروت: دار الروافد الثقافية (ناشرون)،.2018

الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديمقراطي في الوطن العربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019

دال، روبرت. الديمقراطية ونقادها. ترجمة نمير عباس مظفر. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات،.2005

دومينيك، شفالييه. حبر الشرق: بين الحروب وصراع السلطة. ترجمة جمل الشلبي. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2008

ستون، جون. الاستراتيجية العسكرية: سياسة وأسلوب حرب. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.2014

سويترز، جوزيف [وآخرون]. إدارة المؤسسات العسكرية: النظرية والتطبيق. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.2016

السيسي، أكرم. تحليل الخطاب السياسي والاجتمعي.. من 23 يوليو إلى 30 يونيو. الجيزة: دار لمار للنشر والتوزيع والترجمة،.2021

شاه، حجاب وميليسا دالتون. "تطور الجيش التونسي ودور مساعدة قطاع الأمن الخارجي". مركز كارنيغي للشرق الأوسط (آذار/ مارس 2020:). في https://acr.ps/1L9GPM6

الطائي، نحان علي إبراهيم وفؤاد علي وهاب. قضايا ودراسات في الشأن السياسي لدول المغرب العربي: (المغرب-الجزائر-تونس-ليبيا- موريتانيا. عّم ن: الأكاديميون للنشر والتوزيع،.2015

عباش، عائشة. جدلية السلطة والمعارضة السياسية في تونس: دراسة تحليلية في علاقات الصراع والتفاعل والاحتواء. عّم ن: دار الخليج للنشر والتوزيع،.2019

عميمور، محي الدين. الجزائر: الحلم والكابوس: محاولة لفهم المأساة الجزائرية. بيروت: دار الفارابي،.2005 العنف والسياسة في المجتمعات العربية المعاصرة: مقاربات سوسيولوجية وحالات. إعداد وتنسيق محمد جمل باروت وأحمد حسين. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017

العوفي، محمد. " الجيش والإصلاح السياسي في دول المغرب العربي: التقاطعات – التباينات – الالتباسات". مجلة شؤون الأوسط. العدد 171 (ربيع.)2024

العوفي، محمد وإيمان المرزكيوي. "الجيش والسلطة السياسية في الدول النامية-العربية، مطارحات فكرية في بيئة ما بعد نهاية الحرب الباردة". مجلة ابن خلدون للدراسات والأبحاث. مج 4، العدد 2.)2024(

غريوال، شاران. "ثورة هادئة: الجيش التونسي بعد بن علي". مركز كارينغي للشرق الأوسط.)2016(

غمري، طيبي. الجندي والدولة والثورات العربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019

الكتبي، ابتسام [وآخرون]. الديمقراطية والتنمية الديمقراطية في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2004

الكيالي، عبد الوهاب. موسوعة السياسة. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات،.1985

المناعي، ناهد [وآخرون]. الدساتير والقطاع الأمني ما بعد 2011. تونس: المنظمة العربية للقانون الدستوري، [د. ت.].

نظيف، أحمد. "الصراع بين قيس سعيد وحركة النهضة في تونس: الدوافع والمسارات المحتملة". مركز الإمارات للسياسات. 2021/4/29:. في https://acr.ps/1L9GP5k

ولد داداه، أحمد [وآخرون]. الجيش والسياسة والسلطة في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2002

الأجنبية

Bayer, Markus & Paul Rohleder. Global Militarisation Index 2022. Bonn International Center for Conflict Studies (BICC). Bonn: 2022. at: https://acr.ps/1L9GPDE

Boene, Bernard. "La professionnalisation des armées: Contexte et raisons, impact fonctionnel et sociopolitique." Revue française de sociologie. vol. 44, no. 4 (2003).

Born, Hans, Philipp Fluri & Simon Lunn (eds.). Contrôle et orientation: La pertinence du contrôle parlementaire pour le secteur de la sécurité. Genève: Centre pour le Contrôle Démocratique des Forces Armées (DCAF), 2014.

Brooks, Risa. "Abandoned at the Palace: Why the Tunisian Military Defected from the Ben Ali Regime in January 2011." Journal of Strategic Studies. vol. 36, no. 2 (April 2013).

Chabbi, Mourad. "Armée et Transition démocratique en Tunisie." Politique étrangère. no. 1 (2015).

Daguzan, Jean-François. "Maghreb: Les armées en politique: Des trajectoires divergentes." Confluences Méditerranée. no. 29 (1999).

Falk, Stanley L. The National Security Structure. Washington, DC: Industrial College of the Armed Forces, 1967.

Feaver, Peter D. & Lindsay P. Cohn. "Armées-société: Quel fossé aux États-Unis?" Les Champs de Mars. no. 11 (2002).

Feaver, Peter D. "The Civil-Military Problematique: Huntington, Janowitz, and the Question of Civilian Control." Armed Forces & Society. vol. 2, no. 2 (1996).

________. Armed Servants: Agency, Oversight, and Civil-Military Relations. Cambridge, MA/ London: Harvard University Press, 2003.

Ferlazzo, Edoardo. "La bureaucratie: Hydre de l'État?" Action publique. Recherche et pratiques. no. 15 (2022/3).

Huntington, Samuel. The Soldier and the State: The Theory and Politics of Civil-Military Relations. Cambridge: The Belknap Press of Harvard University, 1957.

Janowitz, Morris. The Professional Soldier: A Social and Political Portrait. Glencoe, IL: Free Press, 1960.

Kamrava, Mehran. "Professionalization and Civil-Military Relations in the Middle East." Political Science Quarterly. vol. 115, no. 1 (2000).

Nielsen, Suzanne C. "Civil-Military Relations Theory and Military Effectiveness." Public Administration and Management. vol. 10, no. 2 (2005).

Pantev, Plamen et al. Les relations civilo-militaires et le contrôle démocratique du secteur de la sécurité: Guide Pratique pour les Officiers, les militaires des agences de sécurité et de renseignement et pour les politiciens et experts de la sécurité. Plamen Pantev (ed.). Sofia: ProCon Ltd./ Faculté de Défense G. S. Rakovsky, 2005.

Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI). Military Expenditure by Country as Percentage of Gross Domestic Product 1988–2000. at: https://bit.ly/3KvMNKg

________. SIPRI Military Expenditure Database. at: https://acr.ps/1L9GP5N

The Economist Intelligence Unit. Democracy Index 2022: Frontline Democracy and the Battle for Ukraine. at: https://acr.ps/1L9GPHK

The Global Economy. "Political Stability – Country Rankings." at: https://acr.ps/1L9GPV1 Transparency International Defence & Security. Tackling Corruption Risks in Tunisia's Defence Sector: The Current Outlook. London: 2018. at: https://acr.ps/1L9GPZH