العودة إلى تفاصيل المؤلَّف استشراف مستقبل العالم في علاقاته الحضارية - الدولية:فرانسيس فوكوياما، الإسلام والحداثة والربيع العربي

استشراف مستقبل العالم في علاقاته الحضارية - الدولية:فرانسيس فوكوياما، الإسلام والحداثة والربيع العربي

Forecasting the Future of the World:and its Civilizational-International Relations Francis Fukuyama, Islam, Modernity, and t

شمس الدين الكيلاني

الملخّص

لا ندري اليوم مدى تأثير توجهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصعود اليمين المتطرف في الغرب، في أطروحات فرانسيس فوكوياما ونزعته التفاؤلية، وفي النظرة الاستشرافية لصامويل هنتنغتون؛ علمً أنّ ترامب وأمثاله من اليمين العصبوي في الغرب نقلوا مفاهيم صدام الحضارات من علاقة خارجية لبلادهم، ول "حضارتهم"، إلى علاقة شقّت مجتمعاتهم إلى مجموعتين ثقافيتين متصارعتين؛ في وقت يكاد أن يفضح فيه "اللاشعور السياسي" بمفهوم روجيه غارودي للغرب تجاه الذات والعالم. ومن ثمّ، تأتي هذه الورقة لتطرح سؤال الاستشراف الأميركي لمستقبل العالم في علاقاته الحضارية - الدولية درسًا وتحليلً، لا سيما من منظور فرانسيس فوكوياما، ومن خلال طرح قضايا الإسلام والحداثة والربيع العربي.

Abstract

ملخص:  لا ندري اليوم مدى تأثير توجهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصعود اليمين المتطرف في الغرب، في أطروحات فرانسيس فوكوياما ونزعته التفاؤلية، وفي النظرة الاستشرافية لصامويل هنتنغتون؛ علمً أنّ ترامب وأمثاله من اليمين العصبوي في الغرب نقلوا مفاهيم صدام الحضارات من علاقة خارجية لبلادهم، ول "حضارتهم"، إلى علاقة شقّت مجتمعاتهم إلى مجموعتين ثقافيتين متصارعتين؛ في وقت يكاد أن يفضح فيه "اللاشعور السياسي" (بمفهوم روجيه غارودي) للغرب تجاه الذات والعالم. ومن ثمّ، تأتي هذه الورقة لتطرح سؤال الاستشراف الأميركي لمستقبل العالم في علاقاته الحضارية - الدولية درسًا وتحليلً، لا سيم من منظور فرانسيس فوكوياما، ومن خلال طرح قضايا الإسلام والحداثة والربيع العربي. كلمت مفتاحية:  فرانسيس فوكوياما، صامويل هنتنغتون، نهاية التاريخ، المحافظون الجدد، الربيع العربي. Abstract:  We do not know today how much impact the attitudes of US President Donald Trump and the rise of the far right in the West will have on the hypotheses and optimistic theory of Francis Fukuyama and on the future vision of Samuel Huntingdon, given that Trump and his ilk from the neurotic right in the West have shifted the concepts of the clash of civilizations from the external relations of their countries and “civilization” to relations that have split their societies into two conflicting cultural groups. This, at a time when the political unconscious (to borrow Roger Garaudy's term) of the West regarding the self and the world has practically been exposed. Hence, this paper raises the question of American forecasting of the global future in its civilizational-international relations, particularly from the perspective of Francis Fukuyama and through raising issues of Islam, modernity, and the Arab Spring.

الكلمات المفتاحية:
  • فرانسيس فوكوياما
  • صامويل هنتنغتون
  • نهاية التاريخ
  • المحافظون.
Keywords:
  • Francis Fukuyama
  • Samuel Huntingdon
  • End of History
  • Neo-Conservatives
  • Arab Spring

فرانسيس فوكوياما، الإسلام والحداثة والربيع العربي Forecasting the Future of the World and its Civilizational-International Relations

مقدّمة غرق المشهد الثقافي الغربي في تسعينيات القرن الماضي في صيغة جديدة من العولمة ردّد صداها المثقف العربي، وتبادل حبكها وتطريزها صامويل هنتنغتون بخيوط "صراع الحضارات"، وفرانسيس فوكوياما بشبكة مفاهيم "نهاية التاريخ". فغدت أطروحتا فوكوياما عن "نهاية التاريخ" وهنتنغتون عن "صراع الحضارات"، على الرغم من أصولهم الثقافية العميقة، عنوانين لإستراتيجيتين سياسيتين عالميتين مرشحتين للاستخدام من لدن الولايات المتحدة عربون نجاحها في هزيمة الاتحاد السوفياتي وفي حرب الخليج الثانية، واحتلال موقع القيادة للنظام العالمي الجديد، وتحديد أهدافه وآليات عمله السياسي الاقتصادي، ورعاية تداول عمل أنظمة الحكم الليبرالية الديمقراطية، على طريقة تداولها ونشرها الأزياء ومنظومة القيم الحديثة والمهارات الفردية، وأنماط السلوك الاجتمعي - الثقافي. حينها ساد الاعتقاد لدى فوكوياما أنّ النموذج الغربي للثقافة وإدارة الشأن العام قد انتصر في الحرب الباردة وأصبح نموذجًا ثقافيًا عالميًا مهيمنًا اختُتم في دورات التاريخ والنظام العالمي.

تتناول هذه الورقة موضوعة استشراف مستقبل العالم في علاقاته الحضارية - الدولية، من منظور فرانسيس فوكوياما، بالتركيز على قضايا الإسلام والحداثة والربيع العربي. وهي القضايا الأساسية في كتابه الأخير الإسلام والحداثة والربيع العربي1 الذي حاوره فيه الباحث السوري رضوان زيادة. وفرانسيس فوكوياما هو أحد أشهر المفكرين الأميركيين المعاصرين، إلى جانب صامويل هنتنغتون. عمل أستاذًا في الاقتصاد السياسي الدولي ومستشارًا لدى مراكز خبرة، قبل أن يفتتح شهرته الفكرية عام 1989 بمقالة عنوانها "نهاية التاريخ؟"2، ويردفها مع نهاية الحرب الباردة عام 1992 بكتابه الشهير نهاية التاريخ والإنسان الأخير3، متفائلً بعصر جديد تحلّ فيه الليبرالية والديمقراطية. وكان فوكوياما ممّن صاغوا "عقيدة ريغان"4، ممهّدًا بذلك لظهور المحافظين الجدد؛ حينها ساهم معهم عام 1993 في "مشروع القرن الأميركي"، ووقّع معهم خطابًا يدعو بيل كلينتون لاتخاذ موقف صارم من نظام صدام حسين، وكرر الأمر نفسه مع إدارة بوش بمناسبة هجوم 11 سبتمبر؛ قبل أن يشرع في

  1. فرانسيس فوكوياما، الإسلام والحداثة والربيع العربي، حوارات مع رضوان زيادة (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.)2015
  2. عقيدة ريغان " Doctrine Reagan إستراتيجية ابتكرها صنّاع السياسة الأميركية في إدارة رونالد ريغان لتجاوز النفوذ العالمي للاتحاد السوفياتي ومحاولة إنهاء الحرب الباردة، دون إلزام القوات البرية الأميركية بالتدخّل المباشر، وإنما بإمداد الحركات المناوئة للأنظمة الشيوعية بالأسلحة والتدريب ومعلومات الاستخبارات، وغيرها من أشكال الدعم، في أماكن متفرقة من العالم، مثل أفغانستان ونيكاراغوا.

التخلي عن أجندة جورج بوش الابن منذ عام 2002، بخاصة نزعتها العسكرية المبالغ فيها. وقد أظهر حينها معارضته حرب العراق، لحساب أفكار جديدة تستلهم قيم حقوق الإنسان دون الاستناد إلى القوة، وذلك عن طريق كسب العقول. ثم عبّ عن ميله لباراك أوباما عام.20085ومنذ صدور كتابه نهاية التاريخ والإنسان الأخير ما زالت أطروحاته تثير التساؤل والنقاش وأحيانًا الغضب، حينم كتب مثلً في مقدمته "إنّ الديمقراطية الليبرالية قد تشكل نقطة النهاية في التطور الأيديولوجي للإنسانية، والصورة النهائية لنظام الحكم البشري، وبالتالي فهي تمثّل 'نهاية التاريخ"'6. كان يعوّل حينها على نصر الولايات المتحدة في الحرب الباردة الذي سيؤهلها لتعميم نموذجها الليبرالي على العالم، ثم مع تقلّب الزمان والوقائع وقراءته التجربة التاريخية لأصحابه المحافظين الجدد، وخيبة أمله في نتائج الغزو الأميركي للعراق، والنهاية العقيمة لتجربة بوش وزملائه من المحافظين الجدد، شرع في إعادة التساؤل في خلاصات فكره في وقائع الزمن. فقادته تأملاته إلى الخروج من أسر تفكيره المبسَّط القديم، وأجرى تعديلً جذريًا عليه، ولكنه حافظ على إيمانه العميق بالليبرالية الديمقراطية، وتلاقيها مع المصير البشري. وقد جاء كتاب الإسلام والحداثة والربيع العربيفي ختام مخاض تحولات فرانسيس فوكوياما الفكرية التي وصل فيها شغفه بمعرفة "المستقبليات البشرية" نحو تقصي الأصول التاريخية البعيدة لمؤسسة الدولة لمعرفة نواتها وأصولها، وبحثًا عن أشكالها المستقبلية الممكنة. فاحتل الحوار عن الأصول التاريخية قلب هذا الحوار الذي أجراه معه رضوان زيادة وقاد إلى التعرُّف إلى رأي فوكوياما في الإسلام والديمقراطية في محطات تحولاته الفكرية، وموضوعات شتى تصدّرتها مصائر المحافظين وخططهم التي جمعت بين الطوبى وتفضيل الفكرة على الواقع الصلب. ولقد تضمنت هذه الحوارية ملاحظاته على كتابه أصول النظام السياسيالذي أصدره عام 2011 وتُرجم إلى العربية عام7  2016. ولقد اختار رضوان زيادة،8إضافةً إلى النص الحواري المضمّن بين دفّتي الكتاب، العديد من المقالات المختارة لفوكوياما. ومن ثم، ستحاول هذه الورقة التجوال في أروقة موضوعات الكتاب الحوارية، بحثًا عن الجديد في تأملات فوكاياما، وعن الخيوط المتبقية لديه من تراث "المحافظين الجديد". ولكن، قبل أن نخوض في ذلك النص الجذاب، لا بد من الكشف مقدمًا عن الخلفية الفكرية السياسية التي أعطت لفوكوياما نكهته الخاصة، ومذاقه الإشكالي الذي ترافق مع الموضوعات التي أثارها هنتنغتون (توفي عام 2008) في صدام

  1. Cf. "The Two Fukuyamas (Review)," The National Interest (June 1, 2006), viewed on 15/3/2017, at: http://bit.ly/2o3Kab4
  2. فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ وخاتم البشر، ترجمة حسين أحمد أمين (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1993)، ص.8
  3. Francis Fukuyama, The Origins of Political Order: From Prehuman Times to the French Revolution (New York: Straus & Giroux, 2011).
  4. فرانسيس فوكوياما، أصول النظام السياسي: من عصور ما قبل الإنسان إلى الثورة الفرنسية، ترجمة مجاب الإمام ومعين الإمام (الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،.)2016

الحضارات، فكانت لثنائية "صدام الحضارات" و"نهاية التاريخ" في تسعينيات القرن الماضي سطوتها الكبيرة على التأمل في "مستقبلات البشرية". تنطلق الورقة من افتراض رئيس أنّ فوكوياما، على الرغم من تحولاته الفكرية، بقي محافظًا على تفاؤله التاريخي العميق في النظر إلى مستقبل العالم، وإيمانه بوحدة الثقافة الإنسانية، وتلاقيها في النهاية على عنوان النزعة الليبرالية، والنظام الديمقراطي. وتوصّل بعد تجربته المديدة إلى خلاصة مفادها أهمية الدولة - الأمة، وأنّ المذهب الذي يبخس من دور الدولة في التنمية والأمن والاقتصاد، سواء أكان من اليمين أم اليسار، هو توجه خاطئ؛ وأكد أنّ من "الضروري" للولايات المتحدة ومن "واجبها" مساعدة المتخلفين عن ركب الديمقراطية والتنمية، بقوة المثال والقدوة والمال، وليس بقوة السلاح والغزو؛ كم مال إلى رفع التهمة عن الإسلام والمسلمين بوصفهم جمعة دينية في مسألتي الإرهاب وإعاقة الديمقراطية. تحاول هذه الورقة إذًا الإحاطة بمنظور فوكوياما لقضايا الإسلام والحداثة والربيع العربي، بالرجوع إلى نصوصه الأساسية، مدار البحث، والعودة إلى المحاور التي خاض فيها معاركه الفكرية على طريق استشراف مستقبل الحضارة ونمط الحياة، والإدارة العامة السياسية، مع هنتنغتون والمحافظين الجدد زملاء الماضي، وخصوم تطلعاته المستقبلية أو الاستشرافية.

مستقبليات فوكوياما وتحولاته

أحدث فوكوياما رجّةً فكرية في تأملاته المستقبلية للعالم، والأطر الناظمة لحياته السياسية والفكرية، قدّم فيها صورة إيجابية تشعّ بالتفاؤل لعالم تسوده قيم الليبرالية والديمقراطية والانسجام على مستوى العلاقات الدولية، جوبهت أفكاره بأفكار آخرين، واصطدمت بالواقع وممرسة الحياة السياسية الدولية.

تجاذبات فوكوياما وهنتنغتون على المستقبليات البشرية

من المهم بدايةً الإشارة إلى أنّ الرجلين نشرا في الفترة الزمنية نفسها في الصحافة مقالتين متعاقبتين؛ أولاهم لفوكوياما "نهاية التاريخ؟" عام 1989، وأعقبها هنتنغتون بمقالة "صدام الحضارات؟" عام 19939؛ ثمّ ما لبثا أن طوّرا مقالتيهم في كتابين بعنواني المقالتين. فقد طوّر فوكوياما مقالته إلى كتاب نهاية التاريخ والإنسان الأخير، أسهب فيه في شرح المقالة السابقة، في حين طوّر هنتنغتون مقالته لتصبح

  1. Samuel P. Huntington, "The Clash of Civilizations?" Foreign Affairs (Summer 1993), pp. 22 - 49. ومن المهم هنا أيضًا الإشارة إلى أنّ صامويل هنتنغتون صاغ أطروحته في البداية (1993) في شكل تساؤل، ثم عقب ثلاث سنوات صاغها بصيغة اليقين في كتابه صراع الحضارات وإعادة صياغة النظام العالميالصادر عام، انظر:1996 Samuel P. Huntington, The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order (New York: Simon & Schuster, 1996).

موضوعًا لكتاب "يكون تفسيرًا لتطور السياسة الكونية بعد الحرب الباردة، كم يطمح أن يقدم إطار عمل أو نموذجًا لرؤية السياسة العالمية، يكون ذا قيمة بالنسبة إلى الدارسين ومفيدًا لصانعي السياسة"10. وقدّم المقالتان والكتابان، على اختلافهم، إستراتيجيتين "مستقبليتين" بشأن الإستراتيجية الأميركية الملائمة للاحتفاظ بالنصر وروح التفوق. وكان الباحثان متفائلين بشأن حاضر أميركا ومستقبلها؛ فالاتحاد السوفياتي خرج من "الحرب" مهزومًا، ليس على صعيد التنافس السياسي والاقتصادي فحسب، بل إنّ الهزيمة شملت ثقافته وخياره الأيديولوجي. أمّا أميركا فاعترف الجميع بقيادتها النظام العالمي الجديد، كرهًا أو رضى. وبدا للمراقب أنّه سيمضي عقدان من الزمان قبل أن يتقد أحد لينافسها دورها القيادي الجديد. غير أنّهم اختلفا في وصف المسرح السياسي - الأيديولوجي لزمن ما بعد الحرب الباردة، وقيادة أميركا النظام العالمي الجديد. فانصب تفكيرهم على السيناريوهات المستقبلية للعالم عبر تقرّي استمرارية التفوق الأميركية. لم يكن هنتنغتون متفائلً جدًا، بمعنى أنّ العالم سيسوده في المستقبل السلم والتصالح؛ لكنه راهن على قدرة الغرب بقيادة أميركا على النصر في النهاية، في تحولات الحرب والسلام المقبلين. فقد رأى أنّ الحرب الباردة أنهت فصلً نوعيًا من العداوة فحسب، سيتبعه فصلٌ آخر جديد، أكثر عنفًا، تحتل فيه الثقافية - الحضارية الفيصل في نزاعاتها؛ بمعنى أنّ جبهات الصراع ستتنوع تبعًا لحدود الحضارات الغربية، والصينية والإسلامية والهندوسية، وستتحول الحدود الحضارية أحيانًا، إلى تخوم دموية؛ وذلك بعد انتهاء الصراع الأيديولوجي بين الشيوعية والليبرالية وبين الشرق والغرب أثناء الحرب الباردة. ووضع هنتنغتون افتراضات أساسية لمقبل الأيام؛ فقد تحركت السياسة الدولية من محورها السياسي - الأيديولوجي بين غرب وشرق، ليصبح التفاعل بين الحضارات الغربية وغيرها مركزها الرئيس: "لأول مرة في التاريخ، نجد الثقافة الكونية متعددة الأقطاب ومتعددة الحضارات... ميزان القوى بين الحضارات يتغير: الغرب يتدهور في تأثيره النسبي، والحضارات الآسيوية تبسط قوتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية، والإسلام ينفجر سكانيًا مع ما ينتج ذلك من عدم استقرار، والحضارات غير الغربية عمومًا تعيد تأكيد ثقافتها. نظام عالمي قائم على الحضارة يخرج إلى حيِّز الوجود... مزاعم الغرب في العالمية تضعه بشكل متزايد في صراع مع الحضارات الأخرى وأخطرها مع الإسلام والصين... إنّ بقاء الغرب يتوقف على الأميركيين بتأكيدهم الهوية الغربية"12. لم يرَ هنتنغتون في الصراع مع الاتحاد السوفياتي - الغربي سوى صراعٍ داخل الثقافة الغربية نفسها؛ ولذلك اتخذ سمت سياسية واقتصادية وأيديولوجية وعسكرية. أما الصراعات بعد الحرب الباردة فهي صراعات بين أنماط من الثقافات - الحضارات المختلفة، والسمة الطاغية عليها هي سمة ثقافية. ورأى في المتحد الثقافي أو الحضاري الإسلامي والمتحد الثقافي الكونفوشيوسي - البوذي تحديًا جدّيًا للغرب، بالإمكان التكيف مع الثاني؛ ومن الراجح أن يسود الصراع مع الأول الإسلامي، وتتحول هنا الحدود الثقافية إلى تخوم دموية.

  1. صامويل هنتنغتون، صدام الحضارات: إعادة صنع النظام العالمي، ترجمة طلعة الشايب، تقديم صلاح قانصوه، ط 2 (بيروت: سطور، 1999)، ص.30
  2. 11 المرجع نفسه، ص.38-37

وقد اتفق المفكرَان، فوكوياما وهنتنغتون، في النتائج والاستخلاصات، وإن اختلفا في مقدماتهم؛ فقد تنبّأ الأول بأننا ندخل مرحلة تاريخية جديدة تمامًا يتعولم فيها الغرب الليبرالي وتسود ثقافته وحضارته وسياسته العالم برمّته، ليصبح النموذج الغربي الذي انتصر في الحرب الباردة، هو نموذج العالم كلّه؛ بينم رأى الثاني أنّ عصر النزاعات المسلحة الكبرى من أجل المغانم قد انقضى، وأننا ندخل في طور صراعات ناتجة من التنافس بين الثقافات المختلفة بشأن المفاهيم الأساسية. ويمثّل الإسلام في هذا الصراع خطرًا ثقافيًا وحضاريًا وسياسيًا وعسكريًا، على حدٍّ سواء، على الغرب. لكن، كان فوكوياما وهنتنغتون على اقتناع بأنّ الحضارة الغربية هي مستقبل البشرية وأملها؛ والفرق بينهم أنّ فوكوياما يعدّ الانتصار الغربي قريبًا أو متحققًا، بينم يرى الآخر أنّ الطريق طويل وصعب لإنجاز النصر، ويتوقع استمرار الصراع بين الحضارة الغربية من جهة، والإسلامية والكونفوشية من جهة أخرى. ولذا أقام هنتنغتون مذهبه على تنوع الحضارات وتصادمها، أما فوكوياما فتطلّع إلى الجامع الثقافي الواحد الذي يجمع البشرية، وانطلق من قيم مشتركة. وبناءً عليه، قد انتسبت إستراتيجية هنتنغتون وفوكوياما (في مرحلته الأولى)، وإستراتيجية المحافظين الجدد، إلى مرجعية سياسية - أيديولوجية لحقبة الحرب الباردة، أو هي استمرار للحرب الباردة وإن اتخذت لها خصومًا جددًا، ولوائح جديدة من الخصومة تُرتِّب بها عداواتها تحت ستر معايير تستنهض بها حوافز الصدام ودواعيه؛ وهو أمر استجابت له الحركات الإسلاموية موظفةً فكرة "الولاء والبراء" في هذا السبيل. وانتقد هنتنغتون منطق فوكوياما التفاؤلي لحقبة ما بعد الحرب الباردة، فعدّه "يقوم على افتراض أنّ انتهاء الحرب الباردة، يعني انتهاء الصراع الكبير في السياسة الكونية، وظهور عالم واحد منسجم نسبيًا. والصيغة التي نوقشت على أوسع نطاق من هذا النموذج، هي أطروحة 'نهاية التاريخ' لفرانسيس فوكوياما"13، والذي بدوره لم يرَ شيئًا يجمعه بهنتنغتون. فنظريته عن "نهاية التاريخ" تعبّ عن حقيقة أنّ هناك بالفعل قيمً وثقافة عالمية؛ غير أنّ هذا الجدل لا يمكن أن يُخفي تأثُّر فوكوياما بالحجج التي أوردها هنتنغتون في كتابه الأخير النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة14، وهو كتابٌ عدّه فوكوياما نفسه من أهم أعمل هنتنغتون وأكثرها ديمومة.

البحث في الأصول السياسية للديمقراطية

لعلّ تزايد الريبة لدى فوكوياما من مفاهيمه القديمة "الرسولية" هو ما قاد نحو البحث في أصول تاريخ الديمقراطية، وصولً إلى حاضرها، بدلالة دراسة مفاهيم المؤسسة والقانون والتنمية. ولعل خيبة أمله من نتائج الغزو الأميركي للعراق، والنهاية العقيمة لبوش وأصحابه من المحافظين، قد حرضتاه

  1. المرجع نفسه، ص.51
  2. صامويل هنتنغتون، النظام السياسي لمجتمعات متغيرة، ط 2 (بيروت: دار الساقي للنشر والتوزيع،.)2015

على إعادة التساؤل في خلاصاته القديمة. وكم نعرف، فإنّ أطروحته المركزية تعلقت بالمستقبليات، وبتوقعاته بأنّ أميركا الليبرالية تصدرت قيادة العالم عن جدارة، بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، ودشنت بذلك نمطًا من البناء السياسي والقيمي تجد مرجعياته في الليبرالية، ليصبح بمنزلة سقف التاريخ. ولكن فوكوياما بدأ يفكر في سقفٍ آخر للتاريخ يرتد إلى النموذج الليبرالي دون أن يكون مُلزمًا بالولايات المتحدة؛ ولهذا اتجه للحديث عن نموذج آخر يسميه "النموذج الدنماركي"، على أن يظلّ يجمع بين الليبرالية والديمقراطية؛ ويقصد نموذج البلد المزدهر "بمؤسسات ديمقراطية سليمة"، وإن كان الاسم يومئ إلى الدنمارك نفسها. وهو ينكب على "المشروع" ليتساءل عن نواة الدولة ومؤسساتها وحكم القانون في التاريخ15. لقد وضع فوكوياما نموذجه الديمقراطي الليبرالي الذي بشّ به عام 1992 بوصفه سقف التاريخ ونهاياته العظمى تحت ضغط أسئلته، ليغور في التجربة التاريخية منذ القدم، بادئًا بتجربة الصين في بناء مؤسسات الدولة وصولً إلى الثورة الفرنسية. ولعله بذلك يحاول أن يطفئ شكوكه وتساؤلاته بعد أن رأى كتابه الأول يصطدم بنثريات التاريخ في أفغانستان والعراق. وفي كتابه أصول النظام السياسي (من جزأين)، بحث في الجزء الأول عن الأصول الدولاتية والمؤسسات في المجتمعات المتلاحقة حتى قيام الثورة الفرنسية، وتابع في الجزء الثاني المسار والموضوع نفسه إلى المجتمعات المعاصرة، ليحدد العناصر اللازمة للدولة الحديثة.

ضرورة الدولة

في ضوء تجربة إعادة بناء الدولة بعد غزو أفغانستان والعراق، والمشاكل التي اعترضت قوى الاحتلال في البلدين، كتب فوكوياما عام 2004 مؤلفه بناء الدولة، ليعيد النظر في كثير من مفاهيم الليبرالية التي شاعت إثر التجربة التاتشرية، والدعوة إلى الخصخصة دون قيود، وإضعاف موقع الدولة في التنظيم الاجتمعي - السياسي، وإخضاعها لآليات السوق واستبدال مؤسسات المجتمع المدني والمنظمت غير الحكومية بها؛ ففي ضوء هجمة 11 سبتمبر، وتجربة إعادة تنظيم الدولة في العراق وأفغانستان "برزت فجأة على رأس أولويات الأجندة الدولية إمكانية دعم قدرات ومؤسسات الدولة المفقودة، أو إعادة تشكيلها من الصفر. ويرُجّح أن يبقى حل المشكلة شرطًا أساسيًا لتوافر الأمن في أجزاء مهمة من العالم، بحيث أصبح ضعف الدولة في آن معًا قضية وطنية ودولية من الطراز الأول"16. فدعا إلى ضرورة تقوية المؤسسات القائمة وبناء مؤسسات جديدة قادرة على الاستمرار، وتعزيز فاعلية الدولة ومؤسساتها

  1. فوكوياما، الإسلام والحداثة، ص.13-12
  2. فرانسيس فوكوياما، بناء الدولة النظام العالمي ومشكلة الحكم والإدارة في القرن الحادي والعشرين، ترجمة مجاب الإمام (الرياض: العبيكان، 2007)، ص.37

ونشاطاتها ووظائفها المختلفة، ليخلص في فصل كتابه الختامي إلى ضرورة "أصغر ولكن أقوى"17؛ أي ضرورة أن تكون الدولة أصغر مدى وأقوى في مؤسساتها وإدارتها. وفي مواجهة هنتنغتون والليبراليين الجدد الذي حصروا الليبرالية الديمقراطية في عالمهم، دافع فوكوياما عن كونية الليبرالية وعن طموح كل الحضارات إلى بلوغها. فيُظهر أنّ بناء الدولة - الأمة هو الخيار الأفضل لديه من الحروب الاستباقية وطرق التدخل العسكرية18. وهو يدعو إلى استخدام طرق حصيفة في طرق إدخال الصناعات الغربية إلى البلدان النامية "يتحتم علينا اعتبار كل مساعدة تقنية خارجية تحل محل قدرة موازية لها في المجتمع المحلي بمثابة سيف ذي حدين، وبالتالي التعامل معها بأقصى درجات الحيطة والحذر؛ كم يتحتم علينا كأجانب وغرباء، تجنُّب الاستسلام لغواية الرغبة بتسريع المراحل عبر إدارة المصنع بأنفسنا"19. وأعرب عن شكوكه في إدارة الاحتلال للعراق، قائلً: "لقد أضاعت الولايات المتحدة فعليًا عامًا كاملًانهارت خلاله البنى التحتية الحكومية، أو جرى تفكيكها عمدًا (كم في تسريح الجيش العراقي برمّته)، وكان هذا العام الضائع تحديدًا المدة الزمنية التي احتاجتها حركة التمرد لتنظيم صفوفها ولمّ شمل البعثيين والقوميين والسنة"21. ليختم كتابه في الحديث عن الدولة بالتذكير أنّ اليسار واليمين تحدّثا باستخفاف عن الدولة والسيادة، ولكنهم عجزا عن تقديم بديل مقنع؛ "فلا خيار لدينا إلّ العودة ثانية إلى الدولة - الأمة ذات السلطة والسيادة "؛ ثم يقول "إنّ فنّ بناء الدولة، في كلّ الأحوال، يبقى مكوّنًا مفتاحيًا من مكونات القوة القومية، ولا يقل أهمية عن القدرة على استخدام القوة العسكرية حفاظًا على النظام العالمي"22.

تحولات فوكوياما

على المنوال نفسه، جاء كتاب أميركا على مفترق الطرق، ما بعد المحافظين الجدد في عام  200627، بالأساس مراجعة نقدية للسياسة الخارجية الأميركية، منذ هجمت 11 سبتمبر 2001، والمرحلة البوشية الأولى، والحرب على العراق. فقد بدأت تراود فوكوياما الشكوك بشأن جدوى الحرب على العراق، قُبيل قيامها؛ ثم وبمناسبة تكليفه بالإسهام في "دراسة الإستراتيجية الأميركية الطويلة الأمد نحو الحرب على

  1. المرجع نفسه، ص.201
  2. المرجع نفسه، ص.16
  3. المرجع نفسه، ص.73
  4. المرجع نفسه، ص.32
  5. Francis Fukuyama, America at the Crossroads: Democracy, Power, and the Neoconservative Legacy (New Haven: Yale University Press, 2006). وقد جرت ترجمته إلى العربية عام 2007: فرانسيس فوكوياما، أميركا على مفترق الطرق: ما بعد المحافظين الجدد، ترجمة محمد محمود التوبة (الرياض: العبيكان،.)2007

الإرهاب"، شرع في التساؤل "هل غيرت آرائي نوعًا ما بطريقة تُسقِط عني أهلية المحافظ الجديد؟." ثمّ ما لبث أن تيقّن أنّه خرج عن سرب المحافظين الجدد، بعد سنة من غزو العراق، إذ لم يعد يحتمل من المحافظين الجدد ادّعاء النصر الذي لا يتوافق مع الوقائع: "فنحن نعلم أنّ الولايات المتحدة لم تجد أسلحة دمار شامل في العراق، وارتطمت بوحل تمرد خبيث، وعزلت نفسها تقريبًا عزلً كاملً عن بقية العالم من جراء اتباعها نوع الإستراتيجية الأحادية القطبية التي دعا إليها كروثامر"؛ ليخلص إلى القول: "انتهيت إلى أنّ المحافظة الجديدة بوصفها نظامًا سياسيًا وهيئة فكر معًا، قد تطورت إلى شيء لا أستطيع بعد ذلك أن أسانده"32. ومن ثمّ، غدا ينظر إلى توجهات المحافظين الجدد بوصفها مجموعةً من المبادئ ولدت في كنف الحرب الباردة، وكانت معقولة في حينها. لكن هذه المبادئ استخدمت أثناء التسعينيات لتبرير استخدام القوة المفرطة متمهيةً مع سياسة الفترة الأولى لبوش الابن. أعلن فوكوياما أنّه ركَّز في هذا الكتاب (أميركا على مفترق الطرق) على تفحّص سياسة بوش الابن، والطريق البديل الذي يمكن أن تسلكه الولايات المتحدة في سياستها العالمية. ولقد اقترح سياسة تستلهم تراث وودرو ويلسون مع الواقعية. وكان المحافظون الجدد، قد اقترحوا جدول أعمل للسياسة الخارجية يتضمن مفاهيم مثل تغيير نظام الحكم، والهيمنة الخيِّة، والقطب الواحد، والاستباق، والاستثنائية الأميركية. وهي المفاهيم التي صارت سمت مميزة للسياسة الخارجية لإدارة بوش؛ "بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك أربعة مبادئ موجهة مشتركة: اهتمم بالديمقراطية وحقوق الإنسان، الاعتقاد أن قوة الولايات المتحدة يمكن أن تُستَخدَم لأغراض أخلاقية، وارتياب بشأن قدرة القانون الدولي والمؤسسات الدولية على حل المشكلات الأمنية الجادة، وأخيرًا رؤية ترى أنّ الهندسة الاجتمعية الطموح تؤدي في الغالب إلى عواقب غير متوقعة وتقوض في الغالب غاياتها الخاصة التي تغيَّتها"37. وقد رأى فوكوياما أنّ خطورة هذه الأفكار والتوجهات لا تكمن في معانيها العامة التجريدية، بل على الأغلب إذا ما "فُسِّت بطرق معينة قد يكون من الأفضل أن توصَف بأنها مواقف عقلية أو رؤى للعالم أكثر مم هي مواقف مبنية على مبادئ تتمسك بها... خيارات منحازة في اتجاهات معينة ثابتة"؛ ثم يُشير إلى ثلاث مناطق رئيسة برزت فيها الأحكام المنحازة التي قادت إلى أخطاء إدارة بوش؛ إنّها أساءت وصف تهديد الإسلامية المتطرفة (الراديكالية)، فبررت رفع الحرب الوقائية لتكون الملمح المركزي في إستراتيجية أمنية جديدة. وجادلت الإدارة في أنّ حوادث 11 سبتمبر جعلت الحرب الوقائية ضرورية. ثم أخفقت إدارة بوش في أن تتوقع ردة الفعل الكوكبية السلبية على ممرستها مبدأ "الهيمنة الخيرة". فبروز عالم ما بعد الحرب الباردة الأحادي القطب قد جعل مدى الهيمنة الأميركية مصدر قلق حتى لأوثق الحلفاء. وأخيرًا أخفقت إدارة بوش في أن تتوقع المتطلبات اللازمة من أجل تهدئة العراق وإعادة بنائه. في ضوء هذه البيئة الدولية، بحسب فوكوياما، تبرز حاجة الولايات

  1. المرجع نفسه، ص.12 - 10
  2. المرجع نفسه، ص 19،.21

المتحدة إلى أن تحدد مدخلً للسياسة الخارجية لا يستولي عليه أيّ واحد من هذه المواقف42. كم أنّ على الولايات المتحدة "أن تروج للتنمية السياسية والاقتصادية على حد سواء، ويجب أن تُعنى بشأن ما يحدث داخل الدول حول العالم"، ليردف ذلك بقوله: "يجب أن نفعل ذلك بالتركيز بالدرجة الأولى على الحكم الصالح، والقابلية السياسية للمساءلة والديمقراطية، والمؤسسات القوية. لكن الأدوات الأولية التي نفعل بها هذا، هي في معظمها داخل مجال القوة الناعمة: قدرة أن نضع القدوة، وعلى أن ندرب ونثقف، وأن نقدم الدعم والمشورة، مع المال في الأغلب"52. أبقى فوكوياما من خطابه القديم الديمقراطية الليبرالية بوصفها قيمة عليا كونية، والدور الرسولي للولايات المتحدة البيداغوجي في غرس هذه القيمة وأساسها في مخيلة المجتمعات وسلوكهم، لكن دون أن تستخدم السلاح. ووقف ضد المغالاة في تهديدات التطرف الإسلامي الذي يرى أنّ مصدره ضعف هوية المجتمعات الإسلامية وتأكّلها، ويؤكد حدود القوة العسكرية في مواجهتها، وباستناده إلى العنصر المعنوي غير المادي. فكان هذا الكتاب بمنزلة ضربة معنوية للمحافظين الجدد ولإدارة بوش معًا؛ ففيه قد أعلن تخلّيه عن المحافظين الجدد بوصفهم رمزًا فكريًا وسياسيًا.

فرانسيس فوكوياما: الإسلام والحداثة والربيع العربي

في كتاب الإسلام والحداثة والربيع العربي، يبدأ رضوان زيادة حواريته بسؤال فرانسيس فوكوياما عن كتابه أصول النظام السياسي. فيجيب فوكوياما بأنّه مهتم "بالمقام الأول بالتنمية السياسية، ولكني أتعامل كثيرًا أيضًا مع قضايا التنمية الاقتصادية" (ص. 11)82. أما الأسئلة التي طرحها عليه هذا الاهتمم، فتتعلق بسؤال: من أين تنشأ الدولة؟ ومن أين يأتي حكم القانون؟ وكيف ظهرت المؤسسات المسؤولة؟ وكيف نتوصل بالتقدم التدريجي إلى أشكال أكثر تعقيدًا من التنظيم الاجتمعي؟ (ص. 13). وتتعلّق هذه الأسئلة البسيطة بفترةٍ زمنية تنتهي مع الثورة الفرنسية؛ أما الفترة اللاحقة حتى العصر الحديث، فتتعلق بمؤسسات ونظم أكثر تعقيدًا. ففي إنكلترا مثلً، وضِعت أسس الحكومة المسؤولة (مساءلة الحكومة) في القرن السابع عشر، وانتقلت بعدها إلى الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها (وهي الفترة التي درسها فوكوياما في الجزء الثاني من الكتاب نفسه). وينطبق عليها "النموذج الدنماركي" (المشار إليه)؛ وهو نموذج يلبّي شروط الدولة الليبرالية الديمقراطية، تحدّث فيه عن الديمقراطية والحكومة المسؤولة، وهي، كم يراها، لا تزال قصة أوروبية إلى حدٍ بعيد.

  1. المرجع نفسه، ص 22 - 23،.26
  2. المرجع نفسه، ص.240

في الدولة: القانون والتنمية السياسية

بحث فوكوياما عن الأصل المبكر للمجتمعات في اللحظة الانتقالية الأولى من جمعة الصيادين وجامعي الثمر إلى القبيلة، وما رافقها من معتقد ديني يعزز تماسكها. ثم في وقت لاحق، قامت الحروب الفتاكة بدفع القبيلة نحو اجتمع الدولة وإلّ واجهت الفناء؛ فظهر العديد من التنظيمت الدولاتية أوّلها الصين التي عملت على بناء مؤسسات (ومعها القوانين) لهندسة السلوك الاجتمعي. فمع أسرة كين الصينية (221 ق. م)، هيمنت الدولة على القبيلة، وارتفع ولاؤها من القبيلة إلى الدولة لأنّ الصين، في رأيه، كانت المجتمع الأول في العالم كله الذي أسس دولة حديثة بالمعنى الذي قدّمه ماكس فيبر: بيروقراطية لاشخصية، جُندت على أسس الجدارة. فالمجتمعات تعبر من القبيلة إلى حكم القانون، أي مجموعة من القواعد تعكس إجمعًا أخلاقيًا وتمثّل قيدًا على السلطة (ص. 14-15) وبعد ألف عام من التجربة الصينية، برزت الفكرة الأوروبية الفذّة التي أعلت أهمية القانون وأحكامه (الدولة) على الحاكم الفرد. وفي هذا الصدد، على الرغم من انحيازه إلى الديمقراطية وأساسها الفكري، فإنّ فوكوياما لا يرى فيها الحل السحري لمشاكل المجتمعات؛ إذ يجب أن يُقام توازن بين المؤسسات السياسية الثلاث: الدولة، وسلطة القانون، والمحاسبة. فقد أسّست إنكلترا والدنمارك مؤسسات دستورية، قبل الدول الأوروبية الأخرى، فصارت مؤهلة لتضع الحاكم تحت القانون وليس فوقه. كم شهد العالم الإسلامي "مؤسسة الأرقاء" وغدوا موالين للسلطة "مؤسّسة الجند" وأسسوا روابط ولاء على حساب روابط القرابة. كم يشير فوكوياما إلى أنّ روسيا وأوكرانيا وكازاخستان، تكونت فيها نواة دولة تسعى إلى مركزية أوسع. ولم يمثّل القانون أو الكنيسة قيدًا على سلطة الدولة في روسيا كم حدث في أوروبا. وفي إسبانيا وفرنسا دول مستبدة وضعيفة شأنها شأن البلدان النامية المستبدة، الآن، تقوم بممرسات؛ كسجن الصحفيين وتعجز عن فرض قانون المرور. فقد كان في فرنسا مستوى عالٍ من الفساد كحال دول أميركا اللاتينية اليوم، ولم تكن قوية بما فيه الكفاية لفرض ضريبة على النخبة؛ بينم في إنكلترا برلمان قوي فرض على الملك عام 1969 قبول مبدأ عدم فرض الضريبة دون قيد. ليصل فوكوياما إلى نتيجة مفادها أنّ "الديمقراطية هي نتيجة وجود دولة قوية ومجتمع قوي، ويجب أن يكون هناك شيء من التوازن"؛ بينم في تاريخنا المعاصر هناك محرك للتغيير الاجتمعي أقوى، إن كان لديك تنمية فعلية تخلق فاعلين اجتمعيين، وأيضًا يوجد فاعلون دوليون يمكن أن يقدّموا المساعدة؛ وهو يشير إلى قصة أوروبا الشرقية مع الديمقراطية بمساعدة فاعلين غربيين (ص. 16-18) إنّ فوكوياما يجيب هنا عن سؤال: ما الذي يُجبر الناس على طاعة القانون؟ فلكي يكون حكم القانون حكمَ قانون فعليًا، يجب أن يكون قيدًا على المتنفذين الأقوياء، على النخب المتنفذة. وقد تحدّث عن تقويض الإنكليز التعاليم الهندوسية في الهند، و تقويض أتاتورك أيضًا قانون الشريعة، وفرض بدائل غير

مقنعة. ومن ثمّ، يطرح سؤالً: كيف يقبل الناس القانون؟ وجوابًا عنه، يقدّم هنا قاعدة ومثالً: "أعتقد أنّه من الأسهل توسيع تطبيق القانون عندما يتمّ تأسيسه على الأقل في إحدى جمعات النخبة؛ وهذا ما حدث في الولايات المتحدة. لقد تكفّل تاريخ التطور السياسي بتوسيع الدائرة المؤسسة وتطبيقها في دوائر أوسع وأشمل". وهو يرى أنّ على القانون أن يكون متوافقًا ثقافيًا مع التقاليد الموجودة في المجتمعات التي يُطبَّق فيها؛ "وأفُضِّل أن يحدث تأقلم متبادل... يجب أن يكون هناك تكيف ثقافي مع أنواع مختلفة من المعايير" (ص. 29). كم لا يغيب عنه لحظ أنّ حكم القانون لم يوجد في الصين لا في القديم ولا حاليًا؛ فالحكومة الصينية لا تعترف بأيّ مصدر للسلطة خارجها؛ وطبّق اليابانيون القانون الأوروبي، غير أنّ أغلبهم يتجه إلى التسويات مع خصومه ويستغني عن المحاكم والمحامين. ويتساءل إذا ما حدث تحوّل طارئ في إيران وبقي كثير متمسّكًا بالتقليد، فم العمل؟ نحن لا نعرف الجواب، لكنه يستقر على القول "أفضل حكم قانون قوي وأريده أن يكون موضوعيًا أيضًا" (ص. 31) أمّا بالنسبة إلى أفريقيا في الساحل وجنوب الصحراء، فلا يريد فوكوياما أن يتكهن بمستقبلها، لأنّه لا يعرف كيف يمكنها أن تدمج السكان في الدولة وضمن الوظائف الأساسية لمؤسساتها؛ ويبدو له أنّ تكوين دولة في أفغانستان من الصعوبة بمكان، ولكنه يأمل ذلك بدمج كثير من القوى والشرائح الاجتمعية في الدولة الناشئة. ويختم بتأكيد أنّه "يعتقد أنّ مكونات نهاية التاريخ ما زالت هناك. وأعتقد أنّ المجتمع الحديث يجب أن يكون لديه دوله وحكم القانون وحكومة مسؤولة. من الصعب التوصّل إلى ذلك، لكن هذا ما يجب أن يكون عليه المجتمع الحديث. والمجتمعات الأخرى التي لا تمتلك هذه الأشياء الثلاثة لن تكون سعيدة" (ص. 40). ومن اللافت أنّه أشار إلى "أنّ قدرًا من الشعور الوطني أمر ضروري في كل بلد، وذلك لأنّ البلدان يجب أن يكون لديها نوع من الثقافة المشتركة... لكن يمكن استخدام النزعة القومية بطرق ما لتبرير الحكم السلطوي/ الفاشي... ويعود هذا أيضًا إلى الصراع العربي - الإسرائيلي" (ص. 43)

في المسألة الإسلامية

أورد فوكوياما موضوعين ساهم في إعاقة الديمقراطية في بلادنا، ولم يضع ضمنهم الإسلام؛ أولًالبترول، الذي أتاح للحكومات فرصة أن تعطي مواطنيها دون حاجةٍ إلى فرض الضرائب عليهم، بينم فرضت أوروبا الضرائب، فكان من الطبيعي أن تواجه الانتقاد والمطالب؛ وثانيًا الصراع العربي - الإسرائيلي الذي سمح للحكومات الدكتاتورية العربية بأن تبرر به فشلها. يضاف إلى ذلك أنّ هناك فرقًا بين الحكام العرب وحكام شرق آسيا؛ فهؤلاء قاموا بتدريب مجتمعاتهم لإعادة استثمر الأموال، ووظفوا أموالً كثيرة في التعليم كي يمتلك شعبهم المهارات والقدرة التنافسية، في حين أنّ الحكام العرب لم يفعلوا ذلك (ص. 44-45) وبشأن التطرف الإسلامي، يرى فوكوياما أنّهم أفرطوا في وصف حجم التهديد عقب 11 سبتمبر؛ "ونتيجة المبالغة في ردود الفعل، جعلنا من التهديد أسوأ، لأننا حفزنا كثيرًا من الجهاديين على الالتزام بسبب غزو

أفغانستان، وبشكل خاص العراق" (ص. 49). وقد أشار الكاتب الأميركي إلى أنّه طالما اعتقد أنّ هناك مبالغة في القول بأنّ الإسلام عقبة في وجه الديمقراطية، وهناك "تبسيط للطريقة التي يعمل بها الدين بشكل عام، وذلك لأنّ معظم الأنظمة الدينية المعقدة تمتلك عقيدة متطورة جدًا، ولكن يمكن أن تُفسَّ بطرق عديدة مختلفة، فإنّ هناك السلفيين الذين قاموا بتفسير الدين بطريقة غير ديمقراطية، ولكن يمكن أن يكون هناك أيضًا تفسيرات أكثر ليبرالية وتسامحًا. لا يُعدّ هذا الأمر مشكلة في إندونيسيا، أو السنغال أو تركيا، أو أيّ بلد مسلم آخر، وبالتالي فإنني لا أعتقد أنّ هناك عائقًا مركزيًا في الإسلام أمام الديمقراطية أو غيرها من جوانب التنمية السياسية الحديثة" (ص. 54). كم أنه لم ير في الثقافة العربية الإسلامية حجر عثرة أمام توطين الديمقراطية، فبحسب رأيه لا توجد ثقافة جامدة عصيّة على التغيّ. ويذكِّر بأنّ هذه المسألة (الثقافة، والتغيير) كانت من المسائل الخلافية بينه وبين هنتنغتون؛ "كان هذا الأمر مسار جدل لوقت طويل بيني وبين صامويل هنتنغتون، والأشخاص في تلك المدرسة الذين يعتقدون بأنّ الثقافة ثابتة وغير قابلة للتغيير. وأنا أعتقد أنّ هذا الأمر غير صحيح، لأنّ جميع الأنظمة الثقافية تتطور بنظري" (ص. 56). بل إنه يذهب أبعد من ذلك ليقول إنّه لا يوجد نمط غربي خاص للدين؛ فالوضع في الولايات المتحدة مختلف عن فرنسا، والأمر نفسه "ينطبق على العالم الإسلامي، حيث إنّ الدين مختلف تمامًا في المملكة العربية السعودية عمّ هو عليه الأمر في إندونيسيا" (ص. 57-58)؛ ثم ينوّه بأنّ "في الإسلام في القرون الوسطى، كان هناك فصل وظيفي واقعي بين الخليفة والسلطان" (ص. 58)؛ "إنّ الإسلام سُيِّسَ بشكل خاص في الجيل الماضي منذ الثورة الإيرانية [التوظيف السياسي للدين]، وكان ذلك لأسباب تتعلق بالسياسة بشكل أساسي" (ص. 58). وهذه وجهات نظر قدّمها كثير من المثقفين العرب المعاصرين، مثل رضوان السيد ووجيه كوثراني. أمّا عن تشدد بعض فئات المسلمين واتجاههم نحو العنف، فيرى فوكوياما أنّ مسألة ضياع الهوية تقوم بدور فعّال في ذلك، و"طالما الناس يظنون بأنّ هويتهم معرَّضة للتهديد، فإني أعتقد بأنّ الإسلام سيستمر في ذلك. وأعتقد أنّ الناس سيهدؤون قليلً في مرحلة ما... وأعتقد أنّ منزلة الإسلاموية ودرجة التمهي مع الإسلام السياسي سوف لن تكون على الأرجح في حالة دائمة" (ص. 64)

آراء متجددة في الإسلام

إضافةً إلى حواريته مع فوكوياما، اختار رضوان زيادة أن يضمّن كتاب الإسلام والحداثة والربيع العربي العديد من النصوص المقتطعة من محطات كتابات فوكوياما المتباعدة زمنيًا في كتاب، ليعطي صورةً عن التحولات التي طرأت على آرائه بشأن الإسلام والمجتمعات المسلمة. فقد حاول في وقتٍ مبكر من دراساته النظر في تجربة الإسلاميين في البحث عن بواعث التطرف ومقاصده، وأصوله الاجتمعية؛ وأخذ عن الآخرين كثيرًا، بمن فيهم برنارد لويس، قبل أن يستند إلى خبرته ذاتها التي جعلته يلتقي مع

أطروحات أولوفييه روا وجيل كيبل، الباحثيَن الفرنسيين، في نظرته إلى الإسلام وعلاقته بالسياسة؛ وهو ما دعاه إلى إعادة التفكير في مخاطر التهديد الإسلامي. وبالعودة إلى الجذور في تفسيره، يرى فوكوياما ملامح تأثيرٍ وهابي، إضافةً إلى تأثير حسن البنا وأبي الأعلى المودودي، ثم سيد قطب؛ كم يرى أنّه يمكن أن يضيف إلى ذلك التفكك الاجتمعي السريع الناتج من التحديث والنزول إلى مدن الصفيح، والحرمان من مصادر الهوية المحلية. فهناك في الجانب الاجتمعي توازٍ بين الإسلاموية والفاشية الأوروبية، من جهة التفكك الاجتمعي إثر التصنيع. وهذا على عكس ما حدث زمن محمد عبده وجمل الدين الأفغاني اللذَين عملا على تكييف الإسلام مع "متطلبات الحضارة الحديثة". ويقتبس فوكوياما من برنارد لويس في كتابه أين الخطأ؟ القول إنّ المسلمين اقتبسوا كثيرًا من الأشياء واحتفظوا بالجوهري من ثقافتهم. في هذه الفترة من تطوره الفكري، عام 2002، بعد 11 سبتمبر مباشرة، استنتج فوكوياما أنّ التحديث يستغرق زمنًا أطول، فمن الضروري "الرد بالقوة" على العمليات الإرهابية، و"التطبيق المؤكد للقوة العسكرية، هو بالتأكيد جزء من الجواب... لقد فقدت الفاشية الأوروبية شرعيتها بسبب هزيمتها"؛ ثم يستدرك القول "لكن الصراع الأهم يجب أن يحدث ضمن العالم الإسلامي نفسه؛ فلفترة طويلة وقف دعاة التحديث المسلمون على جانب المسرح" (ص. 94-95)، بدل أن يتقدموا الصفوف. طرأ إذًا تحسّن في الموقف من المسألة الإسلامية وفهمها؛ ففي مناسبة حوارية أخرى، رأى فوكوياما أنّ هناك خيارين؛ إذا اعتقدنا أنّ النزعة المضادة للحداثة والديمقراطية مصدرها الإسلام نفسه، فهذه حتمية مفروضة على المسلمين؛ وعندها نحكم بأنّه لن يكون هناك مستقبل ليبرالي للمسلمين. لكن فوكوياما استبعد هذه الفرضية تمامًا، واتجه متوافقًا مع لاري دايموند، بأنّ هذه النزعة المعادية للحداثة في البلاد الإسلامية تغذّت من منابع مختلفة، وليس من الإسلام. وأعطى على ذلك أمثلة ولادة الحركات الليبرالية في البلاد الإسلامية، كم أنّ البلاد العربية والإسلامية شهدت هيمنة ثلاث موجات علمنية وراديكالية وليست إسلامية: أتاتورك، والقومية العربية الناصرية، والبعثية. ويذكِّر فوكوياما محاوريه بأنّ الليبرالية انبثقت في الغرب من الحرب الطائفية، وذلك ثمنًا للخروج من جحيمها (ص. 110). ثم ما يلبث فوكوياما عام 2006، أن يشنّ هجومًا على فكرة استخدام الغرب القوة بإفراط مع المسلمين بذريعة الحرب على الإرهاب؛ فتكمن مشكلة المحافظين الجدد "في الإفراط باستخدام الوسائل العسكرية التي سعت من خلالها لتحقيق هذه الغايات. إنّ ما تحتاجه السياسة الخارجية الأميركية ليس العودة إلى

  1. Bernard Lewis, What Went Wrong? (New York: Oxford University Press, 2002). وقد تُرجم الكتاب إلى العربية عام 2003، انظر: برنارد لويس، أين الخطأ؟ التأثير الغربي واستجابة المسلمين، ترجمة محمد عناني (القاهرة: سطور،.)2003

الواقعية الضيقة والمتشائمة [يقصد عقيدة كيسنجر]، وإنما صياغة (واقعية ويلسونية) توفّق بين الوسائل والغايات" (ص. 134) من الملاحظ أنّ فوكوياما لم يتحدث، في قراءته مصير الثورة المصرية، عن نوع من حتمية حكمت النهاية المحزنة لثورة عظيمة، وحوَّلتها من ثورة شعب إلى فرصة اغتنمها العسكر لينقضّوا على الحكم. وقد نوّه من قبل أنّ الطبقة الوسطى في المنطقة الشرق أوسطية في نمو مستمر، وكذلك التعليم والتنمية الاقتصاد؛ وهذا يعمل في اتجاه متطلبات الدمقرطة. وتوصّل إلى أنّ الإسلام ليس ضدًّا للديمقراطية، وإنما بعض تفسيراته؛ وأشاد بتصرف الأحزاب الإسلامية التونسية المعتدلة التي سمحت باستمرار الانتقال إلى الديمقراطية. وحلل المسألة الانتقالية من زاوية الصراع الاجتمعي الأوسع، إذ لم يتقن الحكام (الإخوان المسلمون) حنكة الإدارة اليقظة للتحول الكبير؛ فلاحظ أنّ في مصر وتونس لم يقُد المحتجين ضد الحكومة أشخاصٌ فقراء من الشعب أو من حركات سرية إسلامية، "بل قادهم أشخاص من الطبقة الوسطى المتعلمة اعتادوا على التواصل معًا على الفيسبوك وتويتر" (ص. 256). ولكنه يشكو من غياب المؤسسات في المجتمع التي كان يمكن أن تمثّل منصة تلائم المسؤولين الاجتمعيين الجدد؛ فنتجت حالة يسميها "المجتمع بالقوة"؛ فتصبح المشاركة السياسية إضرابات وتظاهرات واحتجاجات، وعنفًا؛ "في مثل هذه الظروف، تستولي القوة العسكرية على السلطة لأنّها تكون الجهة المنظمة الوحيدة في المجتمع القادرة على إدارة البلد" (ص. 257). غير أنّه رأى أنّ الإخوان تصرفوا، عندما وصلوا إلى السلطة، كأنّهم يديرون معركةً انتخابية، ففشلوا في إدارة السلطة والبلد، وهذا ما قاد الطبقة الوسطى إلى نقل ولائها نحو التسلطية.

على سبيل الختم

حاولت الورقة بطريقة تحليلية تاريخية عرض استشراف فرانسيس فوكوياما مستقبل العالم في علاقاته الحضارية - الدولية، لا سيّم مواضيع الإسلام والحداثة والربيع العربي، وذلك بالاعتمد بالأساس على موضوعات الكتاب الحواري الإسلام والحداثة والربيع العربي، مع محاولة للمقارنة بين ما قدّمه في هذا الكتاب ومؤلفاته الأخرى الثرية، ومن خلال إطلالة أولية على ما فكّر فيه من قبل، والتحولات التي طرأت على تفكيره. كم سعت الورقة أيضًا إلى مقابلة استشرافات فوكوياما بالمحاور الفكرية التي تصدّرها هنتنغتون ومجابهتها بأطروحاته. لقد قدّم فوكوياما نظرةً متفائلة في استشرافه مستقبل العالم والحضارة والحرية، أكّد فيها إيمانه العميق بانتصار الحرية في العالم على الاستبداد والتخلف؛ وهذا تطلّع مبرر ومفيد ولا شك في أنّه خدم قضية الحرية والتقدم بإعطاء الملايين من قارئيه نفحة من الثقة بحلمهم بإزالة الاستبداد، ولكن بقيت نظرته

يشوبها كثير من التساؤلات والتشكك أبرزها: ارتباط نظريته بالمؤسسة السياسية الصاعدة للولايات المتحدة ومشروعها القيادي للعالم والتصاقه بالمحافظين الجدد سيئ الصيت، عندما صدر كتابه نهاية التاريخ، مع سقوط الاتحاد السوفياتي، وبروز الأحادية القطبية، ما ولّد انطباعًا لدى كثيرين بأنّ هذا الكتاب وُلد، لا ليكون منافسًا لفكرة "حتمية الاشتراكية السوفياتية الصنع"، بل أتى على أنقاضها؛ لكن حمل معها الطوبى ذاتها التي تدور حول الحتمية ذاتها، لكن هنا لليبرالية. وعلى الرغم من أنّ البشرية بأكثريتها الغالبة ترجّح فوز الليبرالية الديمقراطية في الرهان التاريخي، لأنّ طموح الناس الأحرار يصبو إلى ذلك، فهذه الرغبوية لا تمنح الحتمية لليبرالية أو لغيرها، وإلّ نزعنا من خيار الحرية كثيرًا من معانيه الأخلاقية، ومن الإنسان الإرادة والحرية اللتيَن لا يستغني عنهم؛ فالتاريخ حلبة واسعة لصراع الإرادات، على الرغم من الميول والنوازع التي ترجح خيارات هذا على ذاك. أمّا عن مسألة إذا ما كان النظام السياسي في مساره التاريخي، يتجه عالميًا نحو الليبرالية الديمقراطية، فبيّ البحث يقين فوكوياما بأنّ التاريخ المفهوم بمعنى تطور المجتمعات الإنسانية من خلال الأشكال المختلفة للحكومة "قد بلغ أوجه في الديمقراطية الليبرالية الحديثة والرأسملية الموجهة نحو السوق. وفي رأيي لا تزال هذه الفرضية صحيحة. فعلى الرغم من الحوادث التي وقعت منذ 11 سبتمبر، ستبقى الحداثة، كم تمثّلها الولايات المتحدة والديمقراطيات المتطورة الأخرى، القوة المهيمنة في السياسة العالمية (ص. 68). وإنّه ينوّه بأنّ هناك أسبابًا للاعتقاد "بأنّ القيم والمؤسسات الغربية تُغري كثيرًا من الناس غير الغربيين إن لم يكن معظمهم"؛ والمؤسسات الغربية هي كالمنهج العلمي، على الرغم من اكتشافه في الغرب، له قابلية تطبيق عالمية. كم أنّ التنمية الاقتصادية تميل إلى إحداث ديمقراطية ليبرالية، والنمو الاقتصادي يُنتج طبقةً متوسطة ومجتمعًا مدنيًا مركبًا، فتخلق هذه العوامل أرضية خصبة لتطلُّب الديمقراطية. وعلى الرغم من بقاء الاختلافات الثقافية المعاصرة "تميل المجتمعات إلى أن تضع هذه الاختلافات في إطار منفصل عن السياسة، وأن تحيلها إلى عالم الحياة الخصوصية" (ص. 70-72). والإسلام ليس استثناء من ذلك، إذ يمكن أن تفتخر المجتمعات الإسلامية بديمقراطية عاملة في تركيا؛ كم أنّ أوروبا عندما كانت ممزقة بالحروب الدينية، كانت المعتقدات المختلفة تعيش بسلام في ظل نظام الملل العثمني. وفي القرن التاسع عشر، انتعش الفكر الليبرالي التحرري في مصر وتركيا وإيران؛ ثم أصبحت جمهورية أتاتورك من الأنظمة العلمنية. وتبقى العثرة لديه الإسلام الراديكالي الإرهابي، أو ما يسميه "الإسلام الفاشي"؛ لكنه يرى أنّ هناك "أملً ما في أنّ خطًّا إسلاميًا أكثر تحرّرًا سيظهر بسبب المنطق التاريخي الداخلي للعلمنية السياسية... وأنّ المسلمين المهتمين بشكل أكثر ليبرالية للإسلام... أن يحركوا أنفسهم لعزل المتطرفين بينهم" (ص. 79-81) ولقد كان صدى تفكير فوكوياما وهنتنغتون على المفكرين العرب، من شتى الاتجاهات، كبيرًا؛ فقد روّج كثير لهذا الفكر لأسباب مختلفة، ربما للعالمية التي حملها، أو للثقة بمستقبل الليبرالية الديمقراطي،

والالتحاق بقاطرة التاريخ الليبرالية في الغرب؛ أو ربما استجابة للرجع الكبير الذي تركه سقوط الاتحاد السوفياتي بما يحمله من فشل للفكر الشمولي والاستبداد، وثقة المثقفين العرب بانتعاش الحرية في بلادهم على غرار الموجة الديمقراطية التي عصفت باستبداد أوروبا الشرقية. قطع هذا التفاؤل التاريخي الكبير حرب الخليج الثانية وما تلاها من تدمير العراق ثم غزوه، وتحوّل العراق من أرض الاستبداد والقوة إلى مسرح للجهاد العالمي مستكملً بطريقة أكثر عنفًا ورؤية أكثر سوداوية للعالم؛ وتحوّل العالم على يد أكثر المتطرفين الإسلاميين إلى فسطاط، ودار كفر وإيمان. عندها تغيرت المواقف والأحوال، وانقسم فيها المثقف بين اتجاهات مختلفة، بقي من بقي متعاطفًا مع توجهات فوكوياما التفاؤلية، ونظرت الأكثرية، ولا سيم الإسلاميون والقوميون، نظرة ريبة إلى خطاب فوكوياما. ودمج بعضهم هذا الخطاب بفحواه ومقاصده، في خطاب هنتنغتون. ونظروا إلى الباحثيَن بوصفهم علامة على تآمر الغرب على العرب والمسلمين، وغطاء فكريًا للحملة العسكرية الغربية وسياسة الغزو والقوة الأميركية. في هذه الحلبة الفكرية المحتدمة، تبدو الحملة الفكرية العنيفة للمثقفين الإسلاميين والقوميين على أطروحة فوكوياما مفهومة، ربما لأنّها تحمل من "الغائية" الشيء الكثير؛ ولأنّها تتضمن تسويغًا للهيمنة الغربية. لكن ما يثير الغرابة، هو هجوم الإسلاميين والقوميين على هنتنغتون، وهم ما فتئوا يرددون، منذ أكثر من نصف قرن، مقولة الخصوصية الثقافية، وضرورة دفع الهجوم الثقافي الغربي. والحال أنّ مشكلاتنا مع الغرب هي مشكلات عسكرية واقتصادية وسياسية، وعلينا معالجتها في تلك المجالات نفسها، وليست صراعات وهمية في المجالين الثقافي؛ "ففي الاقتصاد والسياسة والإستراتيجيا، تكمن مشكلات العرب مع أنفسهم ومع العالم، وليس في الثقافة؛ والثقافات لا تتحاور ولا تتصارع، وإنما يتصارع الأفراد أو يتحاورون وتتصارع الدول أو تتواصل". لقد سبق الإسلاميون وبعض من القوميين هنتنغتون في القول بصراع الحضارات والثقافات، ومع ذلك هاجموا تلك الأطروحات. فتردّدوا بين القول بحوارية الإسلام والحضارة الإسلامية، وتأكيد جهادية المسلمين. أما القوميون فقاموا بردٍّ كاسح على أطروحتَي هنتنغتون وفوكوياما؛ فقيل في أطروحة فوكوياما إنّها قائلة بالمركزية الغربية المُلغية للآخر، وقيل في أطروحة هنتنغتون إنّها مبررة حروب الحضارات والقوميات وتصارعها، ومن ثمّ فهي مسوغة للنزاعات في العالم. لكن القوى الصاحية من المثقفين العرب دعت إلى ملاقاة العالم بإيجابية دون أيّ قلق على ثقافتنا وهويتنا، وأكدت ضرورة المساهمة مع الآخرين في إغناء الشروط الإنسانية لحضارتنا المعاصرة. ولا ندري اليوم مدى تأثير توجهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصعود اليمين المتطرف، في الغرب، في أطروحات فوكوياما ونزعته التفاؤلية، وفي النظرة الاستشرافية لهنتنغتون؛ علمً أنّ ترامب وأمثاله من اليمين العصبوي في الغرب نقلوا مفاهيم صدام الحضارات من علاقة خارجية لبلادهم، و"لحضارتهم"،

  1. 9 2  رضوان السيد، سياسات الإسلام المعاصر: مراجعات ومتابعات، ط 2 (بيروت: جداول، 2015)، ص.145
  2. رضوان السيد، الصراع على الإسلام (بيروت: دار الكتاب العربي، 2004)، ص.40

إلى علاقة شقّت مجتمعاتهم إلى مجموعتين ثقافيتين متصارعتين. فالقوى التي تصارعت في انتخابات الولايات المتحدة، وفي استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي في بريطانيا بتاريخ 23 حزيران/ يونيو 2016، ليست طبقات بالمعنى الاقتصادي الكلاسيكي للكلمة، بل معسكرات ثقافية تشتمل على البعد الاقتصادي الطبقي من دون شك. ولكنّ المكوّن الذي يجعل للبعد الطبقي الاقتصادي أهميةً سياسيةً هو المركب الثقافي/ الطبقي الذي يصوغ المصالح ويثير مشاعر الغضب والنقمة والخوف وغيرها، ويعيد صوغها، بلغة سياسية؛ "إنّه صراع بين ثقافتين: تسود الأولى لدى قطاعات اجتمعية متلبرلة ثقافيًا واجتمعيًا وسياسيًا، يمكن ترسيم ملامحها بوصفها فئات وسطى من قطاعات خدمية وأكاديمية وتكنوقراطية وغيرها، وتعيش في المدن الكبرى غالبًا، وهي مستفيدة من العولمة والتجارة الحرة. إنّها ليست بريئةً تمامًا من العنصرية ومن الشعور بالتفوق تجاه الآخر... أما الثانية، فثقافة محافظة وتقليدية عابرة للطبقات، ولكنّها سائدة بخاصة في الأرياف الغنية والفقيرة المحافظة التي تنظر بريبة وشك إلى ثقافة المدن الكبرى بوصفها منحلّة". فم يحمل ترامب في صعوده هو رمز انحطاط ثقافي شعبوي، ربما يقود إلى انشقاق عميق يقود إلى مجابهة داخلية دموية. وفي هذه الحال، سيسود الارتباك منظورات فوكوياما وهنتنغتون بشأن وصف الحاضر واستشراف مستقبل العالم، عالمهم هم وعالمنا نحن. غير أنّ المرء ما زال يعوّل على رصيد الثقافة الديمقراطية في تلك المجتمعات، وعمق المؤسسات الديمقراطية وجذورها الصلبة التي أثبتت إلى الآن قدرتها على صيانة الديمقراطية والليبرالية من التأكّل.

  1. 0 3  عزمي بشارة، "صعود اليمين، واستيراد صراع الحضارة إلى الداخل: حين تنجب الديمقراطية نقائض الليبرالية"، سياسات عربية، العدد 23 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)، ص.15

المراجع

العربية

الليبرالية". سياسات عربية. العدد 23 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2016

السيد، رضوان. الصراع على الإسلام. بيروت: دار الكتاب العربي،.2004

مجاب الإمام ومعين الإمام. الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،.2016

المركز الثقافي العربي،.2015

الرياض: العبيكان،.2007

ترجمة مجاب الإمام. الرياض: العبيكان،.2007

للترجمة والنشر،.1993

صلاح قانصوه. ط 2. بيروت: سطور،.1999

الأجنبية

References

برنارد، لويس. أين الخطأ؟ التأثير الغربي واستجابة المسلمين. ترجمة محمد عناني. القاهرة: سطور،.2003 بشارة، عزمي. "صعود اليمين، واستيراد صراع الحضارة إلى الداخل: حين تنجب الديمقراطية نقائض. سياسات الإسلام المعاصر: مراجعات ومتابعات. ط 2. بيروت: جداول،.2015 فوكوياما، فرانسيس. أصول النظام السياسي: من عصور ما قبل الإنسان إلى الثورة الفرنسية. ترجمة. الإسلام والحداثة والربيع العربي. حوارات مع رضوان زيادة. الدار البيضاء/ بيروت:. أميركا على مفترق الطرق: ما بعد المحافظين الجدد. ترجمة محمد محمود التوبة.. بناء الدولة النظام العالمي ومشكلة الحكم والإدارة في القرن الحادي والعشرين.. نهاية التاريخ وخاتم البشر. ترجمة حسين أحمد أمين. القاهرة: مركز الأهرام هنتنغتون، صامويل. صدام الحضارات: إعادة صنع النظام العالمي. ترجمة طلعة الشايب، تقديم. النظام السياسي لمجتمعات متغيرة. ط 2. بيروت: دار الساقي للنشر والتوزيع،.2015

" The Two Fukuyamas (Review)." The National Interest (June 1, 2006). at:

http://bit.ly/2o3Kab4

Lewis, Bernard. What Went Wrong? New York: Oxford University Press, 2002.

Fukuyama, Francis. "The End of History?" The National Interest (Summer 1989).

. The End of History and the Last Man. New York: Free press, 1992.

. America at the Crossroads: Democracy, Power, and the

Neoconservative Legacy. New Haven: Yale University Press, 2006.

. The Origins of Political Order: From Prehuman Times to the

French Revolution. New York: Straus & Giroux, 2011.

Huntington, Samuel. "The Clash of Civilizations?" Foreign Affairs (Summer 1993).

. The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. New

York: Simon & Schuster, 1996.