طفرة الشباب: مكسب ديموغرافي، وقنبلة زمنية، ومستقبلات أخرى؛ مع إشارة خاصة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
Youth Bulge: Demographic Dividend, Time Bomb, and other Futures, with Reference to the MENA
الملخّص
ملخص: تقدم هذه الدراسة لمحةً شاملة عن مستقبل الشباب من خلال: (1) تعريف طفرة الشباب؛ (2) استعراض أربعة سيناريوهات لمستقبل الشباب (الابتكار والتطبيقات، والعاطلون عن العمل والضعفاء، واللقاء الافتراضي، والعالم المتحول)؛ (3) تحديد التأثيرات في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا في المدى القريب، والمتوسط، والبعيد. كلمت مفتاحية: الديموغرافيا، الهجرة، طفرة الشباب، مستقبل الشباب، الشرق الأوسط وشمل أفريقيا. Abstract: Taking a global view of the futures of youth, this article: (1) defines the youth bulge, (2) articulates four scenarios for the futures of youth (innovation and apps; unemployed and disempowered; virtual retreat; and transformed world), and (3) Short, medium, and long term implications for the MENA (Middle-East and North Africa) region are outlined.
Abstract
Taking a global view of the futures of youth, this article: (1) defines the youth bulge, (2) articulates four scenarios for the futures of youth (innovation and apps; unemployed and disempowered; virtual retreat; and transformed world), and (3) Short, medium, and long term implications for the MENA (Middle-East and North Africa) region are outlined.
- الديموغرافيا
- الهجرة
- طفرة الشباب
- مستقبل الشباب
- الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
- Demography
- Migration
- Youth Bulge
- Youth
- Maghreb
- MENA
مكسب ديموغرايف، وقنبلة زمنية، ومستقبلات أخرى مع إشارة خاصة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا Youth Bulge
أولً: من الديموغرافيا إلى طريقة الرؤية
تشير "طفرة الشباب" (Bulge Youth) إلى ارتفاع نسبة الأطفال والشباب بين السكان1. وهو مفهومٌ حاسم في التفكير بالمستقبل؛ لأنّ معرفة الفئات العمرية من شأنها أن تساعدنا في فهم الأنماط الناشئة2. فالفئات العمرية تعيش واقعًا مشتركًا قائمًا على أساس الظروف الاقتصادية والسياسية التي نشأت فيها؛ ومنها، على سبيل المثال، أن تنشأ في سياقٍ لندرة الوظائف أو الموارد3. ولكون الدراسات الحديثة تشير إلى أنّ طفرة الشباب يمكن أن تؤدي إلى صراعٍ أهلي، فإنّ تهيئة ظروف اجتمعية تضمن توظيفهم أو إشراكهم في برنامج وطني أو عالمي هادف لبناء السلام أو في برنامج إنمائي أمرٌ بالغ الأهمية4. بيد أنّ طفرة الشباب ليست مجرد "اتجاه ديموغرافي سائد" (Trend Demographic)، بل إنها جزءٌ من طريقة بديلة لرؤية المستقبل؛ أي تلك الطريقة البديلة لرؤية المستقبل من وجهة نظر الشباب5، واحتياجاتهم المتغيرة، واستخدامهم التكنولوجيات الرقمية الجديدة بوصفهم "أبناء العصر الرقمي" (Natives Digital، وآرائهم بشأن المستقبل. وعلاوةً على ذلك، يمكننا أن نطرح سؤال: أتكون طفرة)6الشباب قائمة بوصفها تعريفًا لمشكلة اجتمعية، أم أنّ هناك مستقبلاتٍ أو مسارات أخرى محتملة؟
ثانيًا: عائد ديموغرايف أم صراع أهلي؟
من أفضل توصيفات طفرة الشباب من منظور ديموغرافي ما كتبه جستن لين، الاقتصادي البارز السابق في البنك الدولي7. فهو يكتب: "طفرة الشباب هي ظاهرة شائعة في العديد من البلدان النامية، ولا سيم في
البلدان الأقلّ نموًا. وهي تنجم غالبًا عن مرحلة تنمية يحقّق فيها بلدٌ نجاحًا في تخفيض وفيات الرضع، بينم لا تزال معدلات الخصوبة عالية بين الأمهات"8؛ "وهو نموذج حاسم، وغير منتظم"، يضيف لين9. ويبيّ الشكلان (-1 أ) و (-1 ب) بعض الأمثلة التوضيحية. فتقسيم العالم إلى بلدان متطورة وبلدان نامية (وفقًا لتعريف الأمم المتحدة) يكشف عن اختلاف كبير في التوزيع العمري للسكان. فنصيب الفئة العمرية 15 - 29 عامًا في العالم الأقل تطورًا أعلى بنحو 7 نقاط مئوية منه في المناطق الأكثر تطورًا. وفي أفريقيا (جنوب الصحراء وشمل أفريقيا)، نرى أنّ قرابة 40 في المئة من السكان دون سنّ ال 15، وقرابة 70 في المئة دون سنّ ال 30 (الشكل -1 أ). وخلال عقدٍ من الزمان، قد تصل نسبة الفئة العمرية 15 - 29 عامًا في أفريقيا إلى 28 في المئة من سكانها. وفي بعض البلدان التي تشهد "أوضاعًا هشّة" (بحسب تعريف البنك الدولي)، هناك قرابة ثلاثة أرباع السكان دون سنّ ال 30 ة أمثلة عنها في الشكل (ثمّ -1 ب)، وستستمر هذه النسبة الكبيرة لأفراد الفئة العمرية 15 - 29 عقودًا (الشكلان -1 ج و-1 د)10. لكن الأمر الحاسم، مع ذلك، هو أنّ الديموغرافيا ليست مصيرًا محتومًا. فتاريخيًا، كانت ثمة بدائل. فالبلدان الآسيوية مثلً، كوريا الجنوبية، واليوم الصين، حوّلت طفرة الشباب إلى "عائدٍ ديموغرافي"11. وازدهرت هذه البلدان عبر إيجاد بيئات تنظيمية حيث: (أ) تستطيع الشركات الصغرى الازدهار، (ب) تضاءلت قوة النخبة من ملّك الأراضي على نحو بعيد، ما سمح بالحركية الاجتمعية، (ج) أمكن الاستثمر الأجنبي أن يؤدي في البداية إلى إيجاد الوظائف، ومن ثمّ إلى نقل التكنولوجيا وبناء شركات "وطنية" متعددة الجنسيات تدعمها الدولة، (د) كانت توجد رؤية وطنية واضحة بعيدة المدى. وعلاوةً على ذلك، فقد نجحوا في الانتقال من اقتصاد عمده الزراعة إلى الصناعة، وفي الآونة الأخيرة إلى الخدمات. وبالفعل، في اقتصاد الخدمات، بدؤوا في الابتكار، خاصة في قطاع الألعاب12.
وفي أجزاء أخرى من العالم، كمنطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، أدّت طفرة الشباب إلى اضطرابات مدنية لأنّ الشباب لم يجدوا وظائف؛ ومن ثمّ، فقد كان لهم تأثير في زعزعة الاستقرار، سواء بالانضمم إلى جمعات متطرفة أو بالتحول إلى بطالة دائمة أو جزئية. وهذا ليس بجديد؛ إذ يؤكد كثيرون أنّ النزاعات المسلحة يمكن تاريخيًا تفسيرها جزئيًا بوجود نسبة مفرطة وغير متناسبة من الشباب، سواء في أميركا اللاتينية في ثمانينيات القرن العشرين، أو في اليابان في ثلاثينياته. وإذا مضينا إلى أبعد من ذلك، فإننا نجد بول كينيدي يؤكد أنّ الثورات تحدث بوتيرة أعلى في البلدان التي يوجد فيها أعداد كبيرة من "الشباب النشيطين والمحبَطين"13.
والنتيجة، على الصعيد السياسي، حارقة: جيلٌ من الشباب أكثر تعليمً من آبائهم لكنهم أسوأ حالً"14. على أيّ حال، إنّ هذا الأمر حاسم، بيد أنّ موجات التغيير ليست متشابهة. وفي ذلك، يقول ساير وكونستانت: "تشير التقديرات إلى أنّ نسبة السكان دون سنّ ال 30 في البحرين والأردن ستواصل الزيادة سنواتٍ عدة. أما في بلدان مثل مصر وتونس وإيران، فإمّا أنّ طفرة الشباب قد بلغت الذروة وإما هي على وشك أن تصلها. وهذا يعني أنّ الطلب على التغيير في صفوف هذا الجيل قد يكون في طريقه إلى الذروة"15. ويوضح الشكل (2) المشاكل التي ستواجه منطقة الشرق الأوسط وشمل أفریقیا بالنظر إلى طفرة الشباب. كم يوضح الشكل (3) العلاقة بين الديموغرافيا والصراع الأهلي16. وهو يفيد أنّ احتمل الصراع والأمر الحاسم هو أن نرى أنه عند وجود تطلعات غير ملبّاة مع تراجع في الفرص، فإنّ التغيير يصبح أكثر احتملً. وقد كتب إدوارد ساير وسامانثا كونستانت عن منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا: "طريقة أخرى لقياس تآكل الفرص هي مقارنة معدلات البطالة بين الشباب والفئات الأكبر عمرًا. وهذا 'الحرمان النسبي' جليٌّفي مصر والأردن وسورية، حيث معدل البطالة بين الشباب أعلى أربع مرات من معدلها بين الأشخاص فوق الثلاثين ([بالمقارنة]، في الولايات المتحدة الأميركية، يبلغ معدل البطالة لمن هم دون سن 30 عامًا ضعفي معدلها بين العمل الأكبر عمرًا). وفي مصر، يشكّل الشباب 80 في المئة من إجملي العاطلين، وهناك 95 في المئة من الشباب العاطلين حاصلون على الشهادة الثانوية على الأقل. وأولئك الذين يجدون وظائف غالبًا ما يحصلون على دخل هزيل، وعدم استقرار في العمل، وظروف عمل سيئة، ونقص في الحمية الاجتمعية.
يتناقص مع تقدم المجتمع في العمر17؛ بيد أنه لا يمكن النظر إلى المجتمعات الشابة بمعزل عن غيرها. ففي اقتصادٍ معولم، تعيش هذه المجتمعات في بيئة اقتصادات أكبر عمرًا هي التي تضع في الغالب القواعد.
ثالثًا: عوامل التغيير
المتغير الحاسم في نشوء طفرة الشباب هو النجاح في الحدّ من وفيات الرضع، في سياق لا تزال فيه معدلات الخصوبة بين الأمهات مرتفعة؛ وهكذا، تتشكّل طفرة الشباب. ويتقدّم العلم والتكنولوجيا ويبنيان مجتمعًا أفضل صحةً (التطعيم، والصرف الصحي، والفحوصات المبكرة وفقًا لنموذج الوقاية). ومع ذلك، لا تتغير البنية الاجتمعية، ويظلّ عدد الأطفال في الأسر كبيرًا. ومع تقدّم هذا الأخير أيضًا، الذي يعني أنّ النساء يتوقفن عن إنجاب الكثير من الأطفال؛ لأنّ الدولة توفر الحمية الاجتمعية، ولأنّ هناك مزيدًا من المساواة بين الجنسين، تبدأ طفرة الشباب في الاختفاء. تتوقف آثار طفرة الشباب على مقاومة التغيير من جانب الجيل الأكبر سنًا في السلطة؛ ما يؤدّي إلى قنبلة ديموغرافية أو إلى حشد موارد الشباب لخلق عائد ديموغرافي. وتطرأ القنبلة الديموغرافية؛ لأنّ
الشباب يعيشون في عالم معولم، تسمح تكنولوجياته الرقمية بالاختراق الثقافي المتبادل والرغبة في تحدي الافتراضات الأساسية لأي دولة. فالواقع لا يعتبر معطى مسلّمً به، بل مخلوقًا؛ وعلى هذا النحو فهم يتحدّون التقاليد. وتؤدّي القنبلة الديموغرافية إلى التطرف والإرهاب، إذا توافرت ثلاثة محركات فرعية أخرى: أولً، وجود حالات ظلم ظاهرة بحق الآخرين، وهو شعورٌ بالاغتراب18؛ ومن ثمّ، ليس عدد الشباب هو المهم هنا فقط، بل اغترابهم عن النظام القائم؛ وثانيًا، إذا توافرت أسلحة يمكن استخدامها للتظاهر ضد حالات الظلم هذه؛ وثالثًا، وجود قادة يصمّمون السلوك المتطرف ويستخدمون نصوصًا من التقاليد المحلية لتبرير العنف. ولكي تصبح طفرة الشباب عائدًا ديموغرافيًا، تُشترط تغييرات بنيوية وتغييرات في النظرة إلى العالم. وهي تشمل تغييرات تشريعية تسمح للشباب بأن يصبحوا رواد أعمل في مجالات التكنولوجيا والمجتمع والاقتصاد (أي إجراءات بيروقراطية أو نافذة واحدة للتعلم والكسب)، واستعداد القادة السياسيين لمنح الشباب فرصة المشاركة في صنع القرار (الديمقراطية العميقة)، والقادة الراغبين في أداء دور القدوة في السلوك السلمي والمنتج، والوصول إلى التكنولوجيات الجديدة.
رابعًا: سيناريوهات عام 2050
تتوقف طريقة تمظهر هذا الاتجاه في المستقبل بالتأكيد على تركيبة السكان. فمثلً، سيتقدم الشباب في السنّ، ويصبحون جزءًا من الحركة العالمية نحو مجتمع متقدم في السن. ولكن هناك جوانب عدم يقين مهمة جدًا في هذا المسار؛ فعلى سبيل المثال، إذا طُلب من الشباب المساهمة في تحمّل المسؤولية. ومع تقدم المجتمع في العمر، سيبقى عددٌ متزايد من المناصب العليا بيدِ أشخاص تزيد أعمرهم على 65 عامًا. فإذا اعتقد الشباب أنّ آفاق المستقبل مغلقة تمامًا أمامهم، فمن المرجح أن يبحثوا عن مسارات بديلة، وأحيانًا أكثر عنفًا. وفي هذا الصّدد، تعتبر طفرة الشباب أحد الأسباب الرئيسة للربيع العربي. وكم كتب المعلق الاجتمعي فريد زكريا: "إنّ السمة المركزية التي مهدت لأزمة الشرق الأوسط هي طفرة الشباب. فقرابة 60 في المئة من سكان المنطقة دون سن الثلاثين؛ وهذه الملايين من الشباب لديها تطلعات ينبغي تلبيتها، والأنظمة القائمة حاليًا لا تُظهر سوى قدرة ضئيلة على تحقيق ذلك"19. وفي ذلك يقول خالد كامل، وهو طالب مصري: "لا يهمني من الذي يدير البلاد في النهاية، طالما لدي القدرة على تغييره إذا لم يعجبني". وبينم
تظهر على المديين القريب والمتوسط تأرجحات بين الأنظمة المحافظة والتقدمية، كم يقول المستقبلي الإيراني وحيد مطلق (Motlagh Vahid)، فإنه على المدى البعيد "انفجر السد، ولم تعد أيّ كمية من الدعائم قادرة على وقف تدفق المياه"20. وهذا لا يقتصر على الشباب فقط، بل على النوع الاجتمعي أيضًا. فقد أدّت النساء دورًا محوريًا في الربيع العربي. لكن للأسف، كم تقول كارلا باور، يُطلب من النساء اليوم "العودة إلى المنزل"21. بيد أنه في المدى البعيد، لن يسفر استمرار اللامساواة بين الجنسين إلا عن تأخير التغيير؛ ما يؤدي إلى ما تسميه الكاتبة مي يماني تهريجًا طرفيًا (Buffoonery Terminal)، وشيخوخة منحط.Decadent Gerontocracy(22) ةّ ومع ذلك، فإنّ هناك عوامل لا تقل أهمية عن المحركات المذكورة سابقًا، مثل البطالة والتغيّ المناخي، التي تؤثر في أسعار المواد الغذائية23. ومن العوامل الحاسمة خلف الربيع العربي بالقدر نفسه نجد الأزمة المالية العالمية التي أضرّت بإمكانية العمل في الخارج (ومن ثمّ في إرسال التحويلات المالية إلى الوطن)؛ وأخيرًا رأسملية المحاباة (capitalism Crony) التي تحدّ من انتشار الثروة (إلا عبر هِبات الدولة). وحين ننظر إلى المدى المتوسط، مع حلول عام 2025، نلاحظ أنه في حين أن الغرب بلغ مرحلة الشيخوخة بالفعل، وأنّ منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا تشهد حاليًا طفرة الشباب، فإن أفريقيا جنوب الصحراء24 ستشهد طفرة الشباب الموضحة في الشكل).4(ثمة أربعة سيناريوهات لمستقبل طفرة الشباب. وفي جميع التوقعات، من المتوقع حصول تغيير كبير. والجوانب الرئيسة لعدم اليقين هي القدرات الاجتمعية، ومستوى الفتوحات التكنولوجية. ونستخدم لذلك نموذج التحليل السببي متعدد المستويات (CLA Model, Analysis Layered Causal) القائم على أربعة عناصر: الرواية الرسمية، والنظام (السببية الاجتمعية)، والنظرة إلى العالم، والأسطورة/ الاستعارة25.
1. السيناريو الأول: الابتكار والتطبيقات
في هذا المسار، تصبح طفرة الشباب عائدًا ديموغرافيًا. ويتمّ إيجاد تكنولوجيات جديدة صديقة للشباب، وبنيات اجتمعية جديدة، من خلال اقتصاد المشاركة بين الأقران (ديمقراطية اقتصادية، وتعاونيات سيبرانية)، تقود إلى مساهمة الشباب في ضمن عالمٍ أكثر عدالة وسلمً وازدهارًا. وتتأقلم مؤسسات التعليم وتعلّم الناس وتدرّبهم على الوظائف الجديدة للمستقبل. وتمارس النساء وظائف مساوية لوظائف الرجال. وتضمن التكنولوجيات الرقمية عدم تضرّرهنّ بنيويًا. وتؤدي طفرة الشباب إلى الابتكار التكنولوجي، كم نرى اليوم في مناطق مثل جنوب كاليفورنيا أو "سافانا السيليكون" Silicon Savanna()26 في كينيا27، حيث يبتكر الشباب "تطبيقات" جديدة لبيانات الجينوم والروبوتات والبيانات الضخمة، ولعوالم النظير - للنظير الجديدة (Worlds Transformed Peer-to-peer). ويتولى الشباب توجيه المسنيّن، ويتولى المسنّون توجيه الشباب. وتوفّر المؤسسات التعليمية، من الجامعة حتى المدرسة الابتدائية، مسارات تحقّق هذا التوجيه. وتطبّق الابتكارات على أرض الواقع، مثل الديمقراطية المباشرة عبر استفتاءات الإنترنت (كم يحدث بالفعل في فنلندا اليوم)28 بحيث لا يسيطر المسنّون على العمل السياسي. والافتراض الرئيس وراء هذا التوقع هو أنّ الحكومة والثقافة تعملان حاليًا على خلق هذا المستقبل؛ وتعمل الاستراتيجية يدًا بيد مع التغيير الثقافي.
| الرواية الرسمية | طفرة الشباب كسب ديموغرافي |
|---|---|
| م النظام | ديمقراطية اقتصادية، نظام النظير - للنظير، الابتكار وتوليد الثروة، المساواة بين الجنسين |
| النظرة إلى العالم | تقودها التكنولوجيا |
| الأسطورة/ الاستعارة | الشباب يصنعون المستقبل |
وبالنظر إلى انخفاض تكاليف الهواتف الذكية وغيرها من التكنولوجيات الشخصية، واتساع الفرص في العالم، لا تزال إمكانات تخطّي الغرب من جانب بعض المناطق الأكثر فقرًا قائمة.
وفي الوقت نفسه، بقدر ما تصبح الشركات أكبر ("أمازون"، و"غوغل"، و"فيسبوك"، و"أبل") مع اقتراب الأرباح من الصفر، فإن الحجم والسيطرة على المشهد التكنولوجي هم اللذان يصنعان الفرق. وعلى الأرجح، فإنّ بعض الأجزاء من العالم والشباب الذين يسكنون هناك سيصبحون مطورين للمحتوى والتصاميم، في حين ستكون أجزاء أخرى من العالم مجرد مستهلِكة. ومن ثمّ، فإنّ توسيع الفارق الدقيق في فهم "الشباب" بصيغة الجمع وبين فهمهم بصيغة الفرد مطلوب. وعلاوةً على ذلك، من غير المرجّح أن يتخلى المسنّون والسائرون نحو الشيخوخة عن السلطة.
2. السيناريو الثاني: العاطلون عن العمل والضعفاء
في السيناريو الثاني، لا يكون الشباب عاطلين عن العمل فحسب، بل إنهم يشعرون أنهم لا حول لهم ولا قوة؛ وتطلّعاتهم نحو عالم أفضل لا تلبَّى. ويُعدّ تغيير الوظائف التقليدية، أو نهايتها في الحقيقة، بسبب "الأتمتة" (Automation) عاملً مهمً؛ إذ يتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي في تقريره "مستقبل الوظائف" أن تختفي خمسة ملايين وظيفة بسبب الأتمتة29. ولن تتضرّر وظائف المصانع فقط، بل أيضًا وظائف العاملين في المكاتب، وكذلك أخصائيي القانون والمحاسبة. وتؤكد شركة "مكنزي آند كومباني" أن 45 في المئة من "نشاطات العمل في عين المكان يمكن أن تؤديها الروبوتات"30. وتقول لجنة التنمية الاقتصادية في أستراليا إن 60 في المئة من جميع الوظائف في المناطق الريفية والإقليمية في أستراليا معرضة للخطر بحلول عام 2030. وتتوقع منظمة العمل الدولية أنه مع قيام شركة "أديداس" بإعادة31إنتاج الأحذية الرياضية إلى ألمانيا (كون الروبوتات باتت من حيث التكلفة أكثر تنافسية بكثير من العمل البشري)، فإنّ قرابة 90 في المئة من عمل جنوب شرق آسيا قد يواجهون البطالة بسبب الأتمتة32. وإذا واصلت المؤسسات الحالية التعليم والتدريب على وظائف لم تعد موجودة، ولم يعد في إمكانها الوجود، فمن المحتمل أن يلجأ الشباب إلى السلاح، أو على نحو أكثر جدية إلى السلاح السيبراني. وعندما يصبح المجتمع أشدّ تعقيدًا في التكنولوجيا ("إنترنت الأشياء"، و"إنترنت الأشخاص"، و"إنترنت البيانات")، تصبح الحرب السيبرانية المسار الأساسي للتمرد. فقد طفح كيل الشباب من جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية في الدول الغربية، ولم يتقاعد جيل ما بعد الاستعمر في الدول غير الغربية، واستمر في السلطة إلى
مرحلة متقدمة في التسعينيات من القرن الماضي. ويتزايد باستمرار ميل الشباب إلى الشغب والتدمير. وبدلً من شعار "احترموا المسنيّن"، يفضل الشباب مقولة "المسنّ الجيد الوحيد هو مسنٌّ ميّت". ويحدث هذا التحول لأنّ المسنين يستهلكون الموارد الصحية كي يعيشوا فترةً أطول، وهذا لا يقلّل الخيارات السياسية والاقتصادية ل "طفرة" الشباب فحسب، بل خياراتهم الصحية أيضًا.
| الرواية الرسمية | الديموغرافيا هي ق َ دَر |
|---|---|
| النظام | نقص التغيير النظامي يقود إلى التمرد والعنف |
| النظرة إلى العالم | تدفعها التطلعات غير الملبّاة |
| الأسطورة/ الاستعارة | المسن الجيد الوحيد هو مسنٌّ ميّت |
الفرضية الرئيسة وراء هذا التوقع هي أنّ التغييرات في الحكامة قليلة جدًا، ومتأخّرة جدًا؛ وتصبح الديموغرافيا حينئذٍ قدَرًا. ولتحسين هذا المستقبل، مطلوبٌ سردية عكسية جذرية. وفي الوقت الحاضر، يتمّ تأطير الإرهاب والصراعات الأخرى ضمن مصطلحات الرواية الرسمية، أي الشرور المرتبطة بأيديولوجيا معينة. لكن بدلً من ذلك، يجب أن تصبح العوامل المسبّبة الأكثر عمقًا (التغير المناخي، واللامساواة، وطفرة الشباب) هي العوامل المحدّدة. فبمجرد إعادة صياغة المشكلة واستكشاف أسباب بديلة، يمكن أن تظهر حلول جديدة.
3 ي. السيناريو الثالث: اللقاء الافتراض
في السيناريو الثالث، لا يستطيع الشباب اكتساب نصيبهم العادل المفترض من السلطة السياسية وخلق عوالم مصطنعة خاصة بهم، فينسحبون إلى هذا الواقع المحوّر. وضمن هذا العالم، ينشئون عملاتهم الخاصة (البيتكوين اليوم، على سبيل المثال)، وهوياتهم الخاصة (الشخصيات الافتراضية Avatars، على سبيل المثال). ويشبه هذا، على نحوٍ ما، واقع العديد من الدول النامية حيث يعيش بعض الشباب في مجتمع زراعي تقليدي، ويعيش آخرون في محيطٍ متنام للطبقة الوسطى الحضرية، وآخرون في جيوب متأثّرة بالغرب في مدن رأسملية وتجارية ولها صلات مباشرة بالشباب من جميع أنحاء العالم. وفي هذا المستقبل المشتّت، تصبح الروابط بين الأجيال معطوبة، مع اختفاء الأسر الممتدة في الدول النامية بحيث لا يجمعها معًا، إن اجتمعت، سوى أسباب اقتصادية. ولا يكون أبناء العصر الرقمي في صراع مع كبار السن؛ فهم يعيشون في عوالم مختلفة.
الفرضية الرئيسة وراء هذا المستقبل هو أنّ التكنولوجيات الجديدة تسمح بإنشاء عوالم بديلة. إذ يرك ز التعليم والتدريب على فضاءات رقمية منفصلة عن أجزاء الاقتصاد الأخرى. ويمكن الجمعات أن توجد في فضاءات مادية متشابهة، ولكن مع فضاءات تكنولوجية - نفسية مختلفة (مثلًالغرباء في الليل الافتراضي، وبعضهم يسعى خلف "بوكيمون غو"33، وآخرون... إلخ).
| الرواية الرسمية | انسحاب إلى الواقع الافتراضي |
|---|---|
| النظام | تكنولوجيات جديدة متناقضة مع الثقافة تخلق جيوبًا تكنولوجية - نفسية |
| النظرة إلى العالم | تقودها التكنولوجيا المزعزعة للواقع (Technology Disruptive) |
| الأسطورة/ الاستعارة | الغرباء في الليل الافتراضي |
القضية الأعمق في هذا السيناريو هي مستوى اختلاف عقول الشباب بعد عقود من الآن. فهل سيغير اللعب نطاق الانتباه، وأنماط النوم، ووجهات النظر إلى الواقع (حيث يكون الافتراضي والمادي مشوّشين على الدوام)، بحيث لا يقتصر الأمر على غرباء في ليلٍ افتراضي، بل إنّ بعضهم غرباء، وبعضهم أشباح جائعة، وكثيرين منهم مضطربون عقليًا؛ وفي العمق، هذه ليست مجرد مسألة تكنولوجيات جديدة، بل إنها قضية رفاه، وتحولٍ محتمل إلى نوع جديد من المعرفة.
4. السيناريو الرابع: عالم متحوّل
في السيناريو الرابع بعيد المدى لعام 2050، يحصل تحولٌ في طبيعة الاقتصاد العالمي يجعل قضايا الشباب والشيخوخة أقلّ أهميةً بكثير. فكم ذكرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مؤخرًا، من المرجح أن تنتهي الرأسملية بحلول عام 2060. ومن غير المؤكد إن كان ذلك سيحدث بسبب تكنولوجيات34تشاركية جديدة، أو عبر تطورات في الطباعة ثلاثية الأبعاد وثورات التصنيع الأخرى منخفضة التكلفة، أو عبر البيانات الضخمة ومجتمع المعلومات المتّسم كليًّا بالشفافية. وبوجود احتمل قوي لوجود دخل مضمون إقليميًا وعالميًا، سيجري فصل العمل عن الدخل؛ ما يسمح للشباب باتباع شغفهم، بدلً من الالتزام بقواعد المسنيّن. وليس من الواضح في الوقت الحاضر أبدًا كيف سيتطور ذلك. لكن ما هو واضح
هو أنه في هذا المستقبل، تصبح طفرة الشباب أقلّ حدّة بكثير؛ لأنّ الوظائف تصبح أقل ارتباط ا بكثيرٍ مع الثروة. وفي مجتمع ما بعد رأسملي، حيث تسمح التكنولوجيا بالبقاء للجميع، يصبح الصراع على الموارد النادرة مسألةً قليلة الأهمية، ويصبح إيجاد المعنى والانخراط في النشاط السياسي وخلق مصادر جديدة للثروة والاستكشاف أكثر أهمية. ومع الفصل بين الوظائف والهوية والوظائف والبقاء، تصبح القضية الحقيقية من هي المجتمعات التي تستطيع خلق الانسجام والهوية. والفرضية وراء هذا التوقع هي أنّ التغيير التكنولوجي والاجتمعي يزعزع بعمقٍ الاقتصاد الرأسملي العالمي ذا ال 500 عام. وسيصبح هدف التعليم والتدريب هو الناس، والكوكب، والازدهار، والمغزى.
| الرواية الرسمية | الديموغرافيا ليست مهمة |
|---|---|
| النظام | المعنى والفعل السياسي والهوية والاستكشاف هي ما سيقرّر |
| النظرة إلى العالم | نهاية الرأسمالية |
| الأسطورة/ الاستعارة | عالم ما بعد الوظائف |
وعلى أي حال، وبصرف النظر عن المسار السببي للسيناريو الذي يتطور، ستواصل طفرة الشباب ممرسة تأثيرٍ جسيم في المستقبل، محقّقةً عائدًا ديموغرافيًا إذا كانت السياسات سليمة، وقنبلةً ديموغرافية إذا كانت هذه السياسات غير سليمة. لكن، لإيجاد سياسات مناسبة كتلك المحددة سابقًا، ينبغي تغيير السردية الحالية بأنّ الشباب هم المشكلة، لتصبح الشباب هم الثروة؛ وهذا يصحّ خصوصًا في المناطق التي تشهد طفرة الشباب. وإذا لم يحدث هذا الانتقال، فإنّ العنف مرجح جدًا كم رأينا في أعقاب الربيع العربي.
خامسًا: الآثار العالمية لطفرة الشباب، مع التركيز على منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا
على الصعيد العالمي، ونظرًا إلى اختلاف اتجاهات المسارات المرتبطة بطفرة الشباب (عائدٌ ديموغرافي أم صراع أهلي)، من الضروري أن تبادر المؤسسات المالية والأمنية والتجارية والجهات المانحة العالمية إلى إيجاد فرص عمل وريادة أعمل في مناطق طفرة الشباب. ومن المهم بالقدر نفسه أن ندرك أنّ طفرة الشباب، مع أنها تحدث في بلدان معينة، فإنها ليست لها حدود وطنية. فالصراع الأهلي قد يعبر الحدود متحولً إلى نزاع عالمي. وفي المقابل، يمكن أن يؤدي العائد الديموغرافي إلى نموٍ اقتصادي عالمي، حيث
يخلق الشباب في منطقة ما ابتكارات تحفز الابتكار في مناطق أخرى. وبتعبيرٍ آخر، يمكن أن يُنظر إلى طفرة الشباب بوصفها فيروسًا إيجابيًا (فرصة) أو فيروسًا سلبيًا (نزاع). ولأنّ طفرة الشباب حقيقة ديموغرافية واقعة في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، يمكننا أن نتوقع في المدى القصير، حتى مع وجود وظائف للشباب، وبسبب استمرار العولمة والتكنولوجيا الرقمية، أن يكون للشباب تطلعات مختلفة عن آبائهم. ومن ثمّ، ليس المطلوب فقط هو زيادة الوظائف، بل أيضًا توسيع الديمقراطية والشفافية في الحكم، وزيادة الحقوق، بما فيها الوصول إلى التكنولوجيات الجديدة من الجيل الجديد للإنترنت (2.0 Web) إلى ما بعده، بما في ذك التطويرات ثلاثية الأبعاد (3D). وإضافة إلى ما سبق، سيكون للأجيال الجديدة نظرة مختلفة تمامًا عن كبار السن بخصوص البيئة؛ إذ ستظلّ مسألة التغيّ المناخي قضيةً حاسمة وصرخةً مدوّية في المدى القريب، وعلى نحوٍ خاصّ في المدى المتوسط. وسيطالب الشباب الحالي والمستقبلي أيضًا بمقعد على الطاولة، إذ إنّ التشاور مع الشباب، والاستفادة من تجاربهم، وإيجاد مواقع مسؤولية لهم، كلها عوامل حاسمة للانتقال إلى مجتمع أكبر عمرًا. وهنا يخطر في البال مثال الغرب في ستينيات القرن العشرين. فبطريقةٍ ما، تمرّ منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا بسيرورة مشابهة (انفجار في المثالية يُنضجه واقع السباق السياسي إلى السلطة). وسيكون من المفيد توجيه طاقة الشباب إلى برامج سجلت نجاحًا في الولايات المتحدة في الستينيات، مثل "فرق السلام" (Corps Peace). وضمن قدرة الشباب على التعبير عن خصائصهم القتالية من خلال حفظ السلام، وبناء السلام، وتحويل السلام، ستكون أمورًا حاسمة. كم أنّ وجود برامج تعلّم الشباب الوساطة بين الأقران والبدائل الاجتمعية للصراع خطوةٌ مهمة في التخفيف من حدّة الصراعات في المستقبل.
سادسًا: احتملات المدى القريب والمتوسط والبعيد
على أي حال، يتمظهر ما سبق على نحوٍ مختلف وبآفاق مختلفة؛ على المدى القريب، والمتوسط، والبعيد. ففي المدى القريب، يبقى التحليل السابق صحيحًا. وفي المدى المتوسط، يمكننا، في ضوء التجربة الغربية، أن نتوقع عودة التغيير المطّرد عندما يتقدم جيل "طفرة الشباب" في العمر، ويصبح شباب الجيل التالي أكثر محافظة اجتمعيًا، ويركّزون على الاحتفاظ بوظائفهم ووضعياتهم، مع نضوج منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا ديموغرافيًا واقتصاديًا. وفي المثال السابق، ستصبح مؤسسات مثل "فرق السلام" أكثر انتشارًا، وكذلك البرامج المتعلقة بإدارة الصراع. وسوف تأتي الضغوط من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى التي ستصبح في غضون 10 - 15 سنة من الآن في خضم طفرة الشباب. ومن ثمّ، يفترض المدى المتوسط عودةً إلى الماضي، مع تركيز الشباب على التوظيف (حتى في عالم رقمي متغير على نحو
متسارع تصبح "الوظيفة" فيه إشكالية)، وعلى الهيبة الوطنية، وعلى الحيازة المادية، والقيم المحافظة التقليدية. فبعد أن شاهدوا كبار السن يمرّون بتغيير جذري، فإنهم يرغبون في مزيد من الاستقرار. وفي المدى البعيد، يمكننا أن نتوقع تحولات جسيمة، مع انتقال جيل طفرة الشباب خلال ثلاثين عامًا إلى مواقع المسؤولية الاقتصادية والسياسية والاجتمعية والبيئية، وبعد أن تتحقق الآثار الكاملة للثورات التكنولوجية الرئيسة (الرقمية، والجينومية، والتصنيع، والطاقة). ماذا يعني هذا؟ أولً، قد يعني سياسةً عالمية تقدمية أقلّ تركيزًا بكثير على القومية، وأكثر تركيزًا على القيم والهويات العالمية. وسيأخذ هذا، على الأرجح، شكل قادةٍ شباب سابقين (من الربيع العربي في بداية عقد 2010)، يعملون معًا لإنشاء اتحاد عربي مصاغٍ بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي والاتحاد الناشئ في شرق آسيا بقيادة الصين. وثانيًا، بعد أن نشأنا في الثقافة الرقمية، يجب أن نتوقع أنّ الاقتصاد ستتمّ رقمنته بالكامل ("إنترنت الأشياء"، و"إنترنت الأشخاص"، و"إنترنت البيانات")، مع توافر معلومات آنية عن الطاقة والعرض/ الطلب، والصحة، والأسواق، لكل مواطن. وثالثًا، يجب أن نتوقع الانتقال إلى اقتصادات تعاونية وتشاركية تتحدى الرأسملية التقليدية؛ وهو ما أطلق عليه جيريمي ريفكين "الثورة الصناعية الثالثة"35، وما سمه الفيلسوف الهندي برابهات ساركار "عصر الإنسانية الجديدة" (Neohumanism of Age. فبالنسبة إلى ريفكين، هذا يعني مجتمعات تتحول من "كيانات غير)36مستدامة ومصممة وميكانيكيًا، إلى بيئة مستدامة بيئيًا، وموزعة اقتصاديًا، ومترابطة اجتمعيًا"37. وبالنسبة إلى ساركار، إلى جانب التحول إلى اقتصاد تعاوني، هناك تحول إلى رؤية عالمية جديدة تتحول فيها الهوية من كونها دولة - أمة وعشيرة ودينًا (أمتي، قبيلتي، ديني)، إلى إنسانية جديدة، الهوية فيها الأرض الأم (مواطنو الكوكب)38. فبالفعل، من شأن الإدماج الاجتمعي أن يزيد الإنتاجية على نحو بعيد، لأنه يعزز المشاركة والغاية39. ورابعًا، من المرجح أن يؤدّي الشباب دورًا رئيسًا في تحقيق نهاية الرأسملية. ففي حين تفترض العوامل المحددة سابقًا لنهاية الرأسملية انتقالً سلميًا، يؤكد ساركار أنه مع ضعف المؤسسات الديمقراطية، وزيادة قبضة العسكر والشرطة، أي مع إخضاع الشباب بالقوة، فإنّ
يؤدي في المدى البعيد إلى زيادة زعزعة الاستقرار. الاضطرابات العنيفة متوقعة بالقدر نفسه40. فإما أن يساعدوا في تحقيق انتقال سلمي إلى مجتمع ما بعد الرأسملية، وإما ستحدث ردود فعل عنيفة كم نرى في تحول الربيع العربي إلى شتاء عربي؛ ما
وفي حين توجد أمامنا بالتأكيد ضروب عدم يقين عديدة، يمكننا القول بثقةٍ إنّ الشباب سيؤثّرون تأثيرًا كبيرًا في مستقبل الكرة الأرضية، وبالأخصّ في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا. فكيف سيكون عليه الحال: عائدٌ ديموغرافي أم قنبلةٌ ديموغرافية؛ مشاركةٌ أم إقصاء؛ انتعاشٌ اقتصادي أم يأسٌ اقتصادي؟