مستقبل مشاركة المرأة في سوق العمل العربية: تحليل قياسي جزئي لحالة دول شمال أفريقيا
The Future of Women's Participation in the Arab Labor Market: Partial Econometric Analysis of the Case of North African Countries
الملخّص
تسعى هذه الدراسة إلى البحث في المحدّدات الفردية والعائلية لمشاركة المرأة في سوق العمل في منطقة شمال أفريقيا )مصر، وتونس، والجزائر، والمغرب(. واستُخدم فيها نموذج لوجستي يعتمد على بيانات فردية مستقاة من مسح ميداني أجراه منتدى البدائل العربي للدراسات في إطار مشروع "صحوة". وقد أظهرت النتائج أنّ الانخراط في مؤسسة الزواج، والتقدّم في السن، والتكفّل بالأسرة في غياب الأب، وارتفاع المستوى التعليمي يقلّل جميعها من احتمال مشاركة المرأة في سوق العمل العربية. ثمّ أبرزت المؤثّرات الأسرية الموجبة بصفتها حافزًا للمرأة على الاندماج المهني. وخلصت الدراسة إلى أنّ تحسين مشاركة المرأة في المستقبل في سوق العمل في بلدان شمال أفريقيا، وفي المنطقة العربية بعامّة، لا يمكن اختزاله في إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في السياسات العامّة والبرامج ذات الصلة، بل هو يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى تطوّر المؤسسات غير الرسمية.
Abstract
ملخص: تسعى هذه الدراسة إلى البحث في المحدّدات الفردية والعائلية لمشاركة المرأة في سوق العمل في منطقة شمل أفريقيا (مصر، وتونس، والجزائر، والمغرب). واستُخدم فيها نموذج لوجستي يعتمد عى بيانات فردية مستقاة من مسح ميداني أجراه منتدى البدائل العربي للدراسات في إطار مشروع "صحوة". وقد أظهرت النتائج أنّ الانخراط في مؤسسة الزواج، والتقدّم في السن، والتكفّل بالأسرة في غياب الأب، وارتفاع المستوى التعليمي يقلّل جميعها من احتمل مشاركة المرأة في سوق العمل العربية. ثمّ أبرزت المؤثّرات الأسرية الموجبة بصفتها حافزًا للمرأة عى الاندماج المهني. وخلصت الدراسة إلى أنّ تحسين مشاركة المرأة في المستقبل في سوق العمل في بلدان شمل أفريقيا، وفي المنطقة العربية بعامّة، لا يمكن اختزاله في إدماج مقاربة النوع الاجتمعي في السياسات العامّة والبرامج ذات الصلة، بل هو يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى تطوّر المؤسسات غير الرسمية. كلمت مفتاحية: سوق العمل العربية، مشاركة المرأة، تحليل قياسي جزئي، شمل أفريقيا. Abstract: This paper seeks to study the individual and family determinants of women's participation in the labor market in North Africa (Egypt, Tunisia, Algeria, and Morocco). A logistical model was used, based on individual data drawn from a field survey conducted by the Arab Forum for Alternatives within the framework of "SAHWA" project. The results showed that involvement in the institution of marriage, advancing age, taking care of the family in the absence of the father, and high educational level, all reduce the possibility of women's participation in the Arab labor market. Then, the positive family influences were highlighted as an incentive for women to integrate professionally. The study concluded that improving women's future participation in the labor market in North African countries, and in the Arab region in general, cannot be reduced to integrating the gender approach into public policies and related programs, but is closely related to the extent of the development of informal institutions.
- سوق العمل العربية
- مشاركة المرأة
- تحليل قياسي جزئي
- شمال أفريقيا
مستقبل مشاركة المرأة يف سوق العمل العربية: تحليل قيايس جزئي لحالة دول ش امل أفريقيا The Future of Women's Participation in the Arab Labor Market: Partial Econometric Analysis of the Case of North African Countries
مقدمة
يعدّ إدماج المرأة في مجالات الحياة الاقتصادية المختلفة من الأهداف الأساسية للسياسات العامة؛ ويجري ذلك بواسطة خلق آليّات تساعدها على التمكين الاقتصادي والمشاركة الفاعلة في سوق العمل وتطوير قدرتها على التطوّر والإبداع. وغالبًا ما تتأثّر هذه العملية بالسياق الاجتمعي والاقتصادي والثقافي السائد، وكذا بالإمكانات المُتاحة لتصحيح الاختلالات القائمة بين الجنسين على مستوى سوق العمل. وعلى نحوٍ عامّ، يمكن التمييز بين شكلين رئيسين من هذه الاختلالات: الإقصاء من النشاط الاقتصادي الذي يجري قياسه بمعدّل البطالة، والهشاشة المرتبطة بطبيعة النشاط المُمرس وخطر الإصابة بالصدمات، مثل الأوبئة، والكوارث الطبيعية، والنزاعات. وتشكّل اختلالات سوق العمل أحد مميّزات اقتصاديات منطقة شمل أفريقيا، وتتجسد في ضعف مشاركة النساء في القوى العاملة، ونقص الوظائف في القطاع الرسمي، وبطء وتيرة خلق فرص الشغل التي لا تواكب النمو السكّاني، إلى جانب انتشار "العملة الناقصة" المرتبط بقلّة ساعات العمل وضعف الدخل وعدم ملاءمة المؤهلّات والتكوين مع الاحتياجات الآنية والمستقبلية لسوق العمل. يضاف إلى ذلك أنّ القطاع غير الرسمي يبقى المصدر الأول لامتصاص الداخلين الجدد في سوق العمل وخاصة النساء والشباب. وأمام هذه الاختلالات وغيرها، لجأت الحكومات المعنية إلى اتخاذ تدابير ووضع آليات واستراتيجيات وطنية تعتمد من بين أمور أخرى على مبدأ التمييز الإيجابي لصالح المرأة في أفق تحقيق المساواة الجندرية في سوق العمل والحفاظ على الاستقرار الاجتمعي. ومن بين هذه التدابير والبرامج، نذكر إعداد الميزانيات من خلال منظور نوعي (الميزانية الجندرية)، والتنصيص على احترام مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء في الوثيقة الدستورية، وتشجيع المرأة على ولوج مناصب المسؤولية في الهيئات والإدارات العامّة، ووضع تشريعات تراعي المهمّت الأخرى التي تواجهها المرأة داخل الأسرة ومسؤوليات الرعاية، وإطلاق برامج خاصة بتمكين المرأة، وإقرار قوانين تكافؤ الفرص في مكان العمل، وإحداث هيئات أو مجالس عليا مُكلّفة بالمناصفة، ومكافحة جميع أشكال التمييز، وتطوير المرأة اقتصاديًّا واجتمعيًّا وسياسيًّا وثقافيًّا. وإضافة إلى ذلك، صدّقت دول منطقة شمل أفريقيا، وإن بدرجات مختلفة (أي مع وجود بعض التحفّظات)، على معظم المعايير الدولية ذات الصلة بالمساواة بين الجنسين، بما فيها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة (سيداو 1979)، والعهد الدولي الخاص بحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتمعية والثقافية (كانون الأول/ ديسمبر.)1966 وعلى الرغم من المكاسب التي تحقّقت في السنوات الأخيرة، فإنّ مستوى مشاركة المرأة في سوق العمل في دول شمل أفريقيا ما زال دون التطلّعات، فبحسب الأرقام والبيانات الصادرة عن منظمة العمل الدولية حول المساواة بين الجنسين وعدم التمييز، بلغ معدّل مشاركة المرأة في سوق العمل في شمل أفريقيا أقلّ من 24 في المئة سنة 2021، وهي النسبة الأدنى في العالم مقارنةً بالمتوسط العالمي الذي
يتجاوز قليل 50 في المئة1، مع وجود اختلافات طفيفة من دولة إلى أخرى، واختلافات متباينة بين المناطق الحضرية والريفية. وعلى صعيد آخر، سجّلت الدول العربية الواقعة شمل أفريقيا أداءً متدنّيًا في مؤشر الفجوة العالمية بين الجنسين (Report Gap Gender Global The) الذي يصدره المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي يرصد حال النساء في أكثر من 140 دولة؛ إذ احتلّت جميعها رتبًا متأخرة. فوفقًا لتقرير سنة 2220، لم تتمكن دول المنطقة سوى من سد 63.4 في المئة من الفجوة بين الجنسين؛ وهذا معناه أنها ما زالت مطالبة بسد 36.6 في المئة البقية من خلال مجهود إضافي قد يستغرق نحو 115 سنة، مع استمرار الاتّجاهات الحالية2. وقد أرجع معدّو هذا التقرير هذه النتيجة إلى أداء دول شمل أفريقيا الضعيف في مجالين أساسييّن، هم التمكين السياسي والمشاركة والفرص الاقتصادية، إضافة إلى الصحّة وفرص الحياة3. وإزاء هذا الوضع المقلق، حصل شبه إجمع في الأوساط البحثية على حقيقة مفادها أنّ ضعف مشاركة المرأة في سوق العمل يعدّ بمنزلة "كسب فائت" (Cost Opportunity)، أي نسبة مئوية ضائعة من نموّ الناتج المحلّ الإجملي. وبناءً على هذه الملاحظة، تبلورت لدينا فكرة المساهمة في إغناء النقاش الأكاديمي الدائر بشأن مشاركة المرأة في سوق العمل في دول شمل أفريقيا في أفق بناء سياسات عامة مندمجة ومتعدّدة الأبعاد تساهم، ولو نسبيًّا، في سدّ الفجوة بين الجنسين. وفي هذا الصدد، سنحاول في هذه الدراسة إبراز وتحليل محدّدات مشاركة المرأة في سوق العمل لعيّنة تضمّ أربع دول عربية تقع في الشمل الأفريقي (مصر وتونس والجزائر والمغرب). ولتحقيق هذا الغرض، ارتأينا استعمل طريقة الاقتصاد القياسي الجزئي، ونموذج الانحدار اللوجستي (Regression Logistic) تحديدًا، وتطبيقها على جزء من قاعدة بيانات "صحوة حول الشباب" (Survey Youth SAHWAنجزة سنة) المُ.20164وقد قمنا بتقسيم هذه الدراسة، إلى أربعة مباحث. يتناول المبحث الأوّل جردًا بأهمّ الأدبيات المتعلقة بمشاركة المرأة في سوق العمل، ويُقدّم المبحث الثاني لمحةً موجزة عن واقع مشاركة المرأة في سوق العمل في دول شمل أفريقيا. أمّا المبحث الثالث، فيستعرض نتائج البحث اعتمدًا على نموذج قياسي جزئي، ويناقش المبحث الأخير أبعاد النتائج المُتوصَّل إليها في أفق تدارك أوجه الخلل والثغرات التي تعتري مشاركة المرأة في سوق العمل في الدول العربية موضوع الدراسة.
العمل
والثقافي والتشريعي.
1. المحدّدات الاقتصادية
بين مشاركة المرأة في سوق العمل ومستوى التنمية الاقتصادية5.
أولً: لمحة عن الأدبيات المتعلقة بمشاركة المرأة يف سوق
أجمعت أغلب الدراسات النظرية والإمبريقية، التي تناولت مشاركة المرأة في سوق العمل، على أنّ هذه المشاركة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمجموعة من العوامل المتداخلة، ذات الطابع الاقتصادي والاجتمعي
يمكن فهم المحدّدات الاقتصادية لمشاركة المرأة في سوق العمل بناء على الفرضية التي طورها فريد بامبل وكازوكو تاناكا سنة 1986، والمتعلقة بمنحنى يأخذ شكل الحرف اللاتيني U، ويُشير إلى الارتباط الوثيق
الشكل (1) منحنىU المفرسّ لارتباط مشاركة المرأة في سوق العمل بمستوى التنمیة الاقتصادیة
ويمكن فهم طبيعة هذه العلاقة من خلال تفسيرين أساسييّن. يرتبط التفسير الأول بمسلسل التحوّل الهيكلي للاقتصاديات6، ففي المرحلة التي تسبق هذا التحوّل، تكون مشاركة المرأة في سوق العمل مرتفعة، حيث تضطلع بأدوار مهمة في نشاطات الكفاف، وخاصة نشاطات الزراعة الأسريّة وورش العمل المنزلية من أجل تلبية الحاجيات الضرورية للأسرة. وفي المرحلة التالية، تتحسّن مستويات التنمية الاقتصادية، مع ما يواكبها من تحوّل في نمط التنمية نحو النشاط الصناعي؛ إذ يجري تدريجيًّا تعبئة اليد العاملة النشطة في القطاع الزراعي وورش العمل المنزلية لتلبية الاحتياجات المتزايدة للشركات الصناعية، وهو ما لا يتناسب مع الإكراهات والتحدّيات التي تواجهها النساء. ففي كلتا الحالتين، يصعب فصل النساء عن مسؤولياتهن الأسريّة والتربوية، ثمّ تنخفض مستويات مشاركتهن في سوق العمل الجديد. وفي المرحلة الأخيرة من مسلسل التحوّل الاقتصادي، تنخفض طلبات القطاع الزراعي من العملة، وتظهر وظائف جديدة في قطاع الخدمات، تزامنًا مع استمرار تحسّن مستويات التنمية وتطوّر المجتمع؛ إذ توفّر المؤسسات الخدماتية، مثل المدارس والمستشفيات والفنادق والمطاعم والمتاجر، فرصًا تشغيلية إضافية تتمشى مع انتظارات النساء ومؤهلّاتهن، وهو ما يسهم في الرفع التدريجي لمعدّل مشاركتهن في سوق العمل7. أمّا التفسير الثاني، فيتعلّق بديناميكيات الخصوبة ودورها في التحوّل الديموغرافي، ففي ورقة بحثية رائدة، ناقش أوديد جالور ودافيد وايل مسار مكانة الرجل والمرأة في سوق العمل8، وبيّنا أنّه في الاقتصادات البسيطة التي تتميّز بسيطرة النشاطات الاقتصادية ذات الكثافة العملية العالية، يسهم النمو الاقتصادي في الرفع من الأجر النسبي للرجل؛ نظرًا إلى تمتّعه بميزة تفضيلية تتجلّ في قوّته الجسدية. ومن شأن تحسّن مستوى دخل الأسرة الناجم عن هذا الوضع أن يرفع من معدّل الخصوبة، ثمّ من تدنّ احتمل مشاركة المرأة في سوق العمل، نظرًا إلى الوقت والطاقة اللذين ينبغي تكريسهم لرعاية الأطفال حديثي الولادة. ومع التحسّن المطّرد في مستوى النموّ الاقتصادي، تحلّ التكنولوجيا تدريجيًّا مكان الأيدي العاملة ذات القوّة الجسدية، موازاةً مع ظهور نشاطات خدماتية تتناسب مع القدرات النفسية والفيزيولوجية والقيمية للمرأة، ما يؤدّي تدريجيًّا إلى سدّ الفجوة في الأجور بين الجنسين. وعند هذا المستوى، يظهر أثر الإحلال الذي يتجلّ في تنازل المرأة عن جانب كبير من مسؤولياتها الأسريّة لصالح العمل خارج البيت.
وقد جرى اختبار فرضية منحنى U في العديد من السياقات. ففي دراسة همّت 162 دولة خلال الفترة 2012-1990، تحقّق إيوا ليشمن وهارليم كاور من صحة هذه الفرضية9؛ إذ بيّنا أنّ مشاركة المرأة في سوق العمل تنخفض تدريجيًّا مع ارتفاع مستويات النمو الاقتصادي، ويستمرّ هذا الانخفاض لعدة سنوات حتى الوصول إلى مستوى معيّ من النمو الاقتصادي؛ عندئذ "يصبح الاقتصاد قائمًا أكثر على قطاع الخدمات، بما يمثّل عتبة محدّدة من الدخل ترتفع عندها مشاركة المرأة في سوق العمل مجدّدًا"10. ولم يفت ليشمن وكاور التنبيه إلى أنّ التحقّق من فرضية منحنىU في عيّنة كبيرة لا يعني بالضرورة تحقّقها على المستوى الفردي؛ أي على مستوى كلّ دولة على حدة، أو على مستوى مجموعة متجانسة من الدول. وفي دراسة أخرى همّت دول الشرق الأوسط وشمل أفريقيا بين عامي 1990 و 2012، بيّ كيلسي تشابمان أنّ معدلّات النشاط المنخفضة للنساء في المنطقة يمكن تفسيرها جزئيًّا بانتقالهنّ إلى الجزء الأوسط من المنحنى، أي قاع المنحنى11. وعلى صعيد آخر، أثار بعض الاقتصادييّن مسألة مشاركة المرأة في سوق العمل من منظور الدورات الاقتصادية. وفي هذا الإطار، توصّل ثلاثة باحثين أتراك، وهم أوزليم تاسيفين وديليك ألتاش وتورغوت أون12، إلى أنّ النساء يقمن بنوع من التحكيم بين فوائد ولوج سوق العمل والتكاليف المتمثّلة في الوقت والجهد المخصّصين لهذا النشاط على حساب النشاطات الترفيهية، بحيث لا يقبلن في الغالب بعرض عملهن إلّ عندما تتجاوز الفوائد تكاليف العملة. وقد أكّد فرانسين بلو ولورنس خان13ضرورة الاستثمر في السياسات التي تساعد على إيجاد نوع من التوازن بين عمل المرأة خارج البيت والتزاماتها الأسريّة، خاصةً أنّ تدنّ مستوى هذا النوع من الاستثمر له تكلفة اجتمعية كبيرة؛ ففي الولايات المتحدة الأميركية مثلً، أدّى ضعف الاستثمر في السياسات الموجّهة نحو قضايا النوع الاجتمعي إلى انخفاض معدّل مشاركة المرأة في سوق العمل بنحو 30 في المئة بين عامي 1990 و 2010، مقارنةً ببقية بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأخرى التي عملت على تعزيز هذه السياسات خلال الفترة ذاتها14.
2. المحدّدات الاجتمعية
قام العديد من الباحثين المنتمين إلى حقل العلوم الاجتمعية بمقاربة مشاركة المرأة في سوق العمل من منظور سوسيو – اقتصادي، فمن جهةٍ يرى أصحاب نظرية رأس المال البشري، وخاصة جاكوب مينسر وسالومون بولاشيك15، أنّ القدرات الممثّلة لرأس المال البشري هي المحدّد الرئيس لتوليد الناتج القومي وتوفير فرص العملة، ومن ثمّ ولوج المرأة إلى القوّة العاملة. وحيث إنّ هذه النظرية تركّز على عقلانية الأفراد، وبما أنّ الالتزامات الأسرية للمرأة أكبر بكثير من التزامات الرجل (من ولادة، ورضاعة، وتربية الأبناء، وأشغال منزلية... إلخ)، فمن الطبيعي أن يكون حضورها في سوق العمل ضعيفًا. وعلى هذا الأساس يكون عائد الاستثمر أكبر في حالة عمل الرجل منه في حالة عمل المرأة. وقد شدّدت بعض الدراسات الأخرى على أهمية المستوى التعليمي محدّدًا لمشاركة المرأة في سوق العمل، ولا سيّم في البلدان النامية التي تتّسم بمحدودية حركية عوامل الإنتاج، وقلّة فرص العمل الجديدة، وضعف مواءمة مخرجات التعليم مع الوظائف المعروضة. وبذلك، فإنّ زيادة فرص التحصيل التعليمي والمهاريّ قد تسهم في الرفع من احتمل الحصول عل وظائف لائقة وذات رواتب مُجزية. ففي دراسة إمبريقيّة شملت نحو 65 ألف امرأة في ستّ دول عربية، تأكّد نييلس سبيرينجس وإيرون سميث16 من أنّ المستوى التعليمي يعدّ المحدّد الرئيس لمشاركة المرأة في النشاطات الاقتصادية. وتزداد حدّة هذه العلاقة السببية كلّم انخفض مستوى انخراط المرأة في نشاطات الرعاية الأسرية، وكلّم تحسّن المستوى التعليمي للزوج. وقد جرى تأييد هذا الاستنتاج في دراسة أخرى لنادرة شاملو وآخرون17، شملت سوق العمل في ثلاث عواصم عربية (عمّن، والقاهرة، وصنعاء)، باستخدام بيانات مسح ميداني أسريّ جرى جمعها في عام 2008. وبحسب هؤلاء الباحثين، فإنّ التعليم يزيد من عرض العملة النسائية، ولكن عندما تُؤخذ مختلف أطوار التحصيل التعليمي في الاعتبار، يبرز مستوى التعليم العالي (التعليم ما بعد الثانوي أو الجامعي) بوصفه محدّدًا وحيدًا وذا دلالةٍ إحصائية قويّة لانخراط المرأة في سوق العمل. وبذلك، يمكن القول إنّ ولوج التعليم العالي يعدّ بمنزلة عتبة تنضج معها فكرة مشاركة المرأة في سوق العمل. وفي دراسة ثالثة همّت المغرب، قلّلت جلاديس لوبيز أسيفيدو وآخرون من أهمية هذه
العلاقة18. صحيحٌ أنّ ارتفاع مستوى تعليم المرأة المغربية يزيد من احتمل مشاركتها في سوق العمل، غير أنّ حدّة هذه العلاقة تتضاءل مع مرور الوقت، بحيث إنّ المستوى التعليمي لا يبدو كافيًا لتعويض تأثير العوائق الأخرى التي تسبّبها الخصائص الفردية والأسرية للمرأة، بما فيها واجبات الرعاية المنزلية والأعراف الاجتمعية19. ومن جهة ثانية، يعتقد كثير من الباحثين المتأثرين بنظريات سوسيولوجيا العائلة أنّ الخصائص الأسرية تؤدّي دورًا مهًّمًّ في تفسير وجود المرأة في سوق العمل أو عدمه. وتشمل هذه الخصائص التنشئة العائلية، ومستوى دخل الأسرة، وعدد الأطفال المُعالين، والاستقرار الأسري والمستوى التعليمي للزوج، وسيادة الأعراف التقليدية، وما إلى ذلك20. وقد جرى اختبار هذه العلاقة في سياقات مختلفة، وخاصة الدول النامية التي ما زالت تطغى فيها الهياكل الاجتمعية التقليدية؛ ففي دراسة همّت دولة تشيلي، وجد دانتي كونتريراس وجونزالو بلازا21 أنّه كلّم زاد استيعاب النساء التشيليّات للقيم الثقافية المحافظة، انخفضت نسبة مشاركتهن في سوق العمل، وهو ما من شأنه إبطال مفعول الآثار الإيجابية المُترتّبة على تراكم رأس المال البشري. وهي النتيجة ذاتها التي توصّلت إليها نادرة شاملو وآخرون في دراسة شملت مدن عمّن والقاهرة وصنعاء22؛ إذ جرى تأكيد وجود علاقة سببية ذات اتجاه واحد من تبنّي المواقف التقليدية نحو إمدادات العملة النسائية. وفي دراسة ميدانية أخرى تتعلق بمشاركة المرأة المصرية في القوى العاملة، بينت رنا هندي23 أن الزواج المرتبط بالإنجاب والالتزامات الأسرية الأخرى يفسّ إلى حدّ بعيد ضعف انخراط النساء في سوق العمل؛ إذ تفضّل المرأة التكفّل برعاية الأسرة والأطفال على العمل خارج البيت. ويعدّ الولوج إلى الوظيفة في القطاع العامّ قبل الزواج أحد أهمّ العوامل التي تُفسّ بقاء بعض النساء في فئة القوى العاملة24.
ومن جهة ثالثة، يرى روّاد النظرية النسوية الليبرالية أنّ وضع المرأة في سوق العمل مرتبط بإرادتها الشخصية، وقد يكون مجرّد انعكاس لوضعيتها في المجتمع بعامّة، فمن غير المنطقي، وفقًا لهذا المنظور، التركيز على الصفات البيولوجية للمرأة واستغلالها لتبرير ضعف مشاركتها في سوق العمل، وما يترتّب على ذلك من آثار متباينة على أساس النوع الاجتمعي، بل إنّ السبب الرئيس لضعف مشاركة النساء في سوق العمل قد يرجع إمّا إلى رغبتها في البقاء ربّةَ منزل، أو إلى وجود حواجز مصطنعة. وقد ذهبت النظرية النسوية الماركسية أبعد من ذلك، حين ربطت بين ضعف مساهمة المرأة في القوى العاملة والإجحاف الذي تتعرّض له ارتباطًا بآليّات الاستغلال الرأسملي البشع؛ ويتجلّ هذا الاجحاف في دفعها إلى تقبل فكرة النقص أمام الرجل واستغلالها بصفتها قوّة عمل رخيصة25.
3. المحدّدات المؤسسية
نقصد هنا بالمؤسسات مجموع القواعد الرسمية التي يجري تصميمها في إطار السياسات العامّة، التي تُؤطّر بصفة مباشرة أو غير مباشرة مشاركة المرأة في سوق العمل. فمن الطبيعي أن يقوم أصحاب القرار بصياغة قوانين وبناء سياسات عامّة من أجل تهيئة بيئة مواتية لمشاركة المرأة في سوق العمل، وتوجيه الإنفاق الحكومي بما يساعدها على التكيّف مع وضعها الجديد، أخذًا في الاعتبار خصوصيّاتها الفيزيولوجية والتزاماتها الأسرية. وغالبًا ما تشمل هذه التدابير المؤسسية إصلاح قوانين العمل والحمية الاجتمعية، واعتمد مقاربة النوع الاجتمعي أثناء إعداد قوانين المالية، والتصديق على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالمناصفة وحمية المرأة. فإذا أخذنا مثلً قانون العمل الذي يُحدّد واجبات والتزامات العاملين الخاضعين لأحكامه، فإنّ محتواه يعدّ من بين العوامل الرئيسة التي تحدّد مستوى مشاركة المرأة في سوق العمل، فعندما يتضمّن هذا القانون بنودًا تتعلّق بالمساواة في الأجور والترقيات، وربما بالتمييز الإيجابي لصالح المرأة، من قبيل منح إجازة أمومة مدفوعة الراتب لمدّة معقولة، وتوفير مرافق لرعاية الأطفال داخل مكان العمل، وحظر الأشغال الشاقّة، فمن البديهي أن يتحسّن مستوى انخراط النساء في القوى العاملة. وعلى النقيض من ذلك، تشكّل البنود المجحفة لقانون العمل (العمل في النشاطات المرهقة لجسد المرأة أو الضارّة بجنينها مثلً) إحدى العقبات الرئيسة التي تحدّ من مشاركة النساء في سوق العمل. وقد حاول بعض الباحثين اختبار هذه العلاقة وفقًا لمنهجية الاقتصاد القياسي، فجاءت النتائج متباينة تبعًا لتباين الدول وطبيعة هياكلها الاقتصادية؛ ففي البلدان المتقدمة، جرى تجاوز مرحلة الإصلاحات المؤسسية البسيطة، أي توفير الخدمات والتشريعات التي قد تشجّع المرأة على المشاركة في القوى العاملة؛ إذ يجري التركيز أساسًا على إصلاح آليّات السوق لجعلها أكثر مرونة. أمّا في البلدان النامية، فلا تزال برامج الإصلاح المؤسسي في مراحلها الأولى، خاصة أنّ سوق العمل مجزّأة وغير مرنة.
وتعدّ الدراسة التي أعدّتها أنجيلا سيبولون وآخرون 201326 سنة من بين الدراسات القيّمة التي أُنجزت في سياق الدول المتقدمة؛ إذ بيّنت أنّ الإصلاحات المؤسسية التي عرفتها منظومة سوق العمل في 15 دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي، من خلال تطوير آليّات المرونة ودعم السياسات الأسرية، أدّت إلى تحسن مستوى مشاركة المرأة في سوق العمل بحوالى 25 في المئة، مؤكّدين في الوقت نفسه أنّ هذه النسبة قد ترتفع أو تنخفض قليلً تبعًا لمستوى مهارات المرأة. وفي دراستين منفصلتين شملتا العاملات الأميركيات والعاملات البريطانيات، تأكّد جوناه غيلباش27، ومن بعده أرنو شوفاليي وتارجا فيتانين28، من وجود تأثير إيجابي وذي معنى إحصائي لتوافر دور رعاية الأطفال الرسمية في مشاركة النساء في القوى العاملة في البلدين. وفي دراسة ممثلة، أرجع جاي شامباو وريان نان وبيكا بورتمان29 سبب ارتفاع مستوى ولوج المرأة اليابانية سوق العمل خلال الفترة 2000 - 2016، والذي قارب 10 نقاط (76.3 في المئة بدلً من 66.5 في المئة)، إلى تنوّع السياسات العامّة ذات الصلة وجودتها. وتتمحور هذه السياسات أساسًا حول تأمين خدمات مجانية أو مدعومة لرعاية الأطفال، وتوفير الحمية اللازمة للمرأة العاملة، وتشجيع عقود العمل المؤقتة ومكافحة التمييز. وترى كاثرين إلبورغ-وايتيك وآخرون30 أنّ عرض العملة النسائية في الدول المتقدّمة يتأثّر نسبيًّا بالسياسة الضريبية؛ إذ إنّ الانتقال من نظام ضريبة الدخل الأسري إلى نظام ضريبة الدخل الفردي، والذي يخفّف العبء الضريبي عن العمّل الثانويين (ومعظمهم من النساء)، يزيد من احتمل مشاركة المرأة في سوق العمل مقارنةً بالرجل. أمّا في سياق الدول النامية، فقد توصّل جيرمان كوباس31 وتارين دينكلمن32 إلى خلاصة مفادها أنّه إلى جانب العوامل الثقافية، فإنّ تطوير آليّات حصول الأسر على الخدمات الأساسية التي تساعد على اقتصاد الوقت المُخصّص للعمل المنزلي (الكهرباء والماء والطرق والصرف الصحّي وما إلى ذلك
من خدمات أساسية) يُعدّ أحد أهمّ العوامل التي تشجّع المرأة على المشاركة في القوى العاملة. وقد سارت سونالي جين شاندرا وآخرون33 على النهج نفسه حين أكّدوا في دراسة شملت 100 دولة في الفترة 1980 - 2014 أنّ مستوى مشاركة المرأة في سوق العمل في الدول النامية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتوافر البنية التحتية الأساسية، ووجود بيئة قانونية غير تمييزية، وانخفاض معدلّات الخصوبة خاصّة لدى النساء الشابّات. وأخيرًا، بخصوص التحويلات النقديّة المشروطة المعمول بها في كثير من الدول النامية، أكّدت غالبية الدراسات أنّ لها تأثيرًا سلبيًّا في مشاركة المرأة في سوق العمل؛ فعلى سبيل المثال، بيّنت دراسة قام بها مارسيلو ميديروس وتاتيانا بريتو وفابيو فيراس سواريس34 سنة 2008 أنّ برنامج الدعم الاجتمعي "حقيبة العائلة" (Familia Bolsa) في البرازيل قلّل من احتملية مشاركة النساء في القوى العاملة، حتى إنّ بعض العاملات يلجأن إلى تقليص ساعات العمل لكي يتسنّى لهنّ استيفاء شروط الاستفادة من الدعم.
ثانيًا: واقع مشاركة المرأة في سوق العمل يف دول شمل أفريقيا
نتطرّق في المبحث الثاني من الدراسة إلى توصیف واقع مشاركة المرأة في سوق العمل في دول شمل أفريقيا، وذلك من خلال تسليط الضوء على الخصائص الرئيسة التي تُيّز هذه المشاركة، المتمثّلة أساسًا في ضعف الحضور النسائي في القطاع الرسمي، وتركّز العملة النسائية في القطاع غير الرسمي، واستمرار الفجوة بين الجنسين.
1. تدنّ مشاركة المرأة في سوق العمل الرسمية
على الرغم من بعض التحسّن الذي سجّله مختلف المؤشرات الاقتصادية، وتعميم وسائل منع الحمل أيضًا، وانتشار استعمل الأجهزة المنزلية الحديثة، والتوسّع في مجال تعليم الفتيات، لا تزال مشاركة نساء شمل أفريقيا في سوق العمل منخفضةً جدًا مقارنةً بالمتوسّط العالمي. ففي سنة 2019، بلغ متوسط نسبة هذه المشاركة 23.54 في المئة، مقابل متوسط عالمي قدره 53 في المئة35. وبناء عليه، تكون دول منطقة شمل أفريقيا قد سجلت واحدة من أدنى نسب مشاركة الإناث في القوى العاملة على الصعيد العالمي.
وعلى المستوى القُطري، وفقًا لبيانات منظّمة العمل الدولية (الشكل (2))، فقد سجّلت تونس أعلى مستويات مشاركة المرأة في قوّة العمل، بنسبة 28.09 في المئة، يليها المغرب بنسبة 23.37 في المئة، ثمّ مصر بنسبة 20 في المئة، وأخيرًا الجزائر بنسبة 18.7 في المئة36.
الشكل (2) معدل مشاركة المرأة في سوق الشغل (نسبة العملة النسائية إلى عدد السكّان فوق سن 15 عامًا)
ويتميّز توزيع مساهمة المرأة في سوق العمل بدول شمل أفريقيا بحسب القطاعات الإنتاجية بشدّة التباين. فإذا كان عمل المرأة المغربية يتركّز في القطاع الزراعي بنسبة تصل إلى 57 في المئة، فإنّ المرأة المصرية والمرأة التونسية تنشطان أساسًا في قطاع الخدمات بنسبة 56.5 في المئة و 49 في المئة تواليًا، بينم يتركّز عمل المرأة الجزائرية في القطاع الصناعي بنسبة تبلغ 55.8. ويعكس هذا التباين عدم في المئة37تجانس هياكل اقتصاديات المنطقة، وكذا اختلاف تجارب السياسات الاقتصادية المُتبعة منذ الاستقلال في علاقتها بإدماج المرأة في سوق العمل. وتبقى مصر، وبدرجةٍ أقلّ تونس، الدولتين الوحيدتين اللتين
تتناسب المشاركة القطاعية للمرأة في سوق عملهم مع المقاييس والمعايير الأكثر شيوعًا على الصعيد العالمي، والتي تُشير إلى أنّ العمل في الشركات الخدماتية هو الأنسب بالنسبة إلى غالبية النساء. تبقى قلّة فرص العمل بالنسبة إلى النساء أحد التحدّيات الكبرى التي تواجهها دول شمل أفريقيا. ففي سنة 2019، وفقًا للتقديرات المنمذجة لمنظمة العمل الدولية، بلغ معدّل البطالة في صفوف هذه الفئة 20.8 في المئة، مقابل 9.1 في المئة لدى الرجال؛ مع العلم أنّ المعدّل العالمي للبطالة النسائية لم يتجاوز 5.5 في خلال السنة نفسها38. وإضافة الى المحدّدات التي جرى عرضها في الفصل الأوّل من هذه الدراسة، تتأثّر مشاركة المرأة في سوق الشغل في دول شمل أفريقيا بالسياق العامّ الذي يؤطّر سوق العمل، وهو سياق مطبوع بارتفاع معدّل البطالة نتيجة الاختلالات التي تعانيها المنظومة الاقتصادية، بما في ذلك تفشّ الفساد، والعجز عن تدبير مرحلة الانتقال الديموغرافي، وتباطؤ الأداء الماكرو-اقتصادي. وفي هذه الظروف، من الطبيعي أن تواجه النساء اللواتي يحاولن ولوج سوق العمل صعوبات جمّة في الحصول على الفرص القليلة المتاحة أو الشاغرة.
2. تركّز العملة النسائية في القطاع غير الرسمي
أمام الضغط الذي تشكّله الالتزامات الأسرية من جهة، وعجز سوق العمل الرسمية عن استيعاب أفواج الداخلات الجديدات من جهة أخرى، يلجأ عدد كبير من النساء في منطقة شمل أفريقيا إلى خيار العمل غير الرسمي. صحيحٌ أنّ هذا الخيار لا يقدّم حلولً جذرية للخروج من البطالة التي تستشري في أوساط النساء خاصة، والمجتمع بصفة عامة، إلّ أنّه يسهم في خلق نوع من الأمن الاجتمعي، وبذلك يمكن اعتباره بمنزلة صمّم أمان للوضع السياسي القائم. وبحسب بيانات منظمة العمل الدولية، تبلغ حصّة العملة النسائية غير الرسمية من إجملي العملة النسائية 62.2 في المئة، وتنخفض هذه الحصة إلى 41.5 في المئة عند استثناء القطاع الزراعي39. وعلى الصعيد القُطريّ، يحتلّ المغرب الصدارة بنسبة 73.9 في المئة، تليه مصر بنسبة 57.3 في المئة، بينم تتذيّل تونس الترتيب بنسبة 54.7 في المئة40. وهكذا تختلف نسبة العملة غير الرسمية من إجمليّ العملة النسائية في المنطقة من بلد إلى آخر. ومن الواضح أنّ هذه الاختلافات تأتي أولً من طبيعة السياسات الحكومية المُتّبعة منذ ستينيات القرن الماضي، ولكن أيضًا من أمور أخرى ترتبط أساسًا بمدى انتشار أنظمة الحمية الاجتمعية وتسارع الهجرة من الأرياف إلى المدن. ويمكن التمييز بين أربعة أنماط من العمل غير الرسمي. يتمثّل النمط الأوّل في العمل المنزلي غير مدفوع الأجر، ويتّخذ أساسًا شكل رعاية الأطفال والأشخاص المسنيّن والطهي وتنظيف البيت وممرسة نشاطات
الكفاف الزراعية وغير الزراعية. وكم سبقت الإشارة إلى ذلك آنفًا، فإنّ اقتصار المرأة على مزاولة هذه النشاطات قد يكون اختياريًّا، أي عن قناعة خاصة إذا كان دخل الزوج كافيًا لحياة مستقرّة. غير أنّه، في كثير من الأحيان، يكون واجبًا تفرضه الأعراف والتقاليد وحتّى الأحكام الشرعية؛ إذ تضطر المرأة إلى التكفّل بأعباء البيت إجباريًّا مقابل الإنفاق عليها في بيئة محافظة يُعدّ الترابط الأسري إحدى أهمّ خصوصيّاتها. وبحسَب بيانات منظمة العمل الدولية، تتصدّر مصر قائمة دول شمل أفريقيا من حيث العمل المنزلي غير مدفوع الأجر؛ إذ تستحوذ على أكثر من ثلثي العمل النسائي غير الرسمي (68.8 في المئة)، يليها المغرب بنسبة 57.2 في المئة41. ويتمثّل النمط الثاني في التشغيل الذاتي غير المنظم (العمل للحساب الخاص)، الذي يمزج بين الإنتاج داخل البيت أو في المزارع الأسريّة وتسويق ما فاض على الحاجة أو تسويق سلع مهرّبة من خلال تجارة الرصيف. ويشكّل هذا النوع من العمل ملجأ لآلاف النساء في دول شمل أفريقيا اللواتي لم يُسعفهنّ الحظ في الحصول على عمل مناسب لدى مؤسسات إنتاجية، سواء أكانت رسمية أم غير رسمية. وتأتي تونس في مقدمة دول شمل أفريقيا التي ينتشر فيها التشغيل الذاتي النسائي؛ إذ تستأثر بحوالى 25 في المئة من مجموع العمل النسائي غير الرسمي، يليها المغرب بحوالى 16.5 في المئة. ويتمثّل النمط الثالث في عمل النساء خارج البيت أجيراتٍ لدى مؤسسات تنشط في القطاع غير الرسمي، وهو عمل يتّسم بعدم الثبات وانخفاض الأجور وارتفاع الأخطار المهنية وغياب الحمية النقابية وركاكة آليّات ضبط العلاقة بين الأجير والمُشغّل. وعلى الرغم من ارتفاع معدلّات البطالة بين النساء في البلدان المعنية بهذه الدراسة، فإنّ هذا لا يعني بالضرورة ازدياد نسبتهن في هذا الفرع من القطاع غير الرسمي؛ إذ ما زال الرجال يشكّلون غالبية العمل المعنييّن. ويمكن تفسير ذلك بارتفاع نسبة البطالة بعامّة، وتفضيل الكثير من النساء المكوث في البيت لمزاولة النوع الأوّل أو النوع الثاني من العمل غير الرسمي، أو كليهم معًا. ويعدّ الاقتصاد التونسي الأكثر استيعابًا لهذا النوع من العمل في شمل أفريقيا من مجموع العمل النسائي غير الرسمي (64.6 في المئة)، يليه الاقتصاد المغربيّ بنسبة 25.4 في المئة. وأخيرًا، يتمثّل النمط الرابع في العمل غير الرسمي داخل القطاع الرسمي؛ إذ يلجأ بعض أرباب العمل إلى الاستعانة بعمل غير رسمييّن - معظمهم نساء - سواء بطريقة مباشرة بالتواطؤ مع مفتشّي الشغل، أو على نحوٍ غير مباشر عبر تقنية "المناولة"، أي نقل جزء من الإنتاج أو تفويضه إلى معامل سرّية. ويمكن تفسير هذا السلوك "غير الأخلاقي" بالسعي وراء الريع (Seeking Rent) من خلال تخفيض تكاليف الإنتاج والحفاظ على هوامش ربح مرتفعة بطرائق غير قانونية. وفي غياب بيانات رسمية دقيقة حول هذا النوع من العمل، من المرجّح أن تكون الأرقام الفعلية جدّ مرتفعة مقارنة بالمعدل العالمي، نظرًا إلى ضعف جودة المؤسسات الرسمية.
3. استمرار الفجوة بين الجنسين
بغضّ النظر عن الإصلاحات القانونية والمؤسسية التي همّت سوق العمل في دول شمل الأفريقي في علاقتها بالنوع الاجتمعي وتعهدات الحكومات المعنية بتحسين أوضاع المرأة، فإنّ المكاسب تبدو محدودة، إذ لا تزال نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة جدّ متدنية مقارنة بنظرائهن من الذكور. وبحسب المعطيات الصادرة عن منظمة العمل الدولية، بلغت هذه النسبة 23.54 في المئة لدى النساء، مقابل 77 في المئة لدى الرجال43. نعتقد أنّه لا يمكن فهم التفاوت الكبير بين الجنسين في سوق العمل في شمل أفريقيا، إلّ في إطار شامل يأخذ في الاعتبار العوامل القَبْلية التي تؤثّر فيه. فبحسَب التقرير العالمي للفجوة بين الجنسين لسنة 2022، الذي يصدره منتدى الاقتصاد العالمي، سجّلت منطقة شمل أفريقيا ثاني أكبر فجوة بين الجنسين في العالم، وهو ما يتطلّب حوالى 115 سنة لسدّها44. وقد سجّلت الجزائر أضعف أداء؛ إذ احتلّت المرتبة 140 من أصل 146 دولة، بحصولها على 0.602 نقطة، يليها المغرب في المرتبة 136 برصيد 0.624 نقطة، ثم مصر في المرتبة 129 برصيد 0.635 نقطة، وأخيرًا تونس في المرتبة 120 برصيد 0.643 نقطة45. ومن المعلوم أنّ التقرير العالمي للفجوة بين الجنسين يتناول أربعة مجالات شاملة لعدم المساواة القائم على النوع الاجتمعي، وهي المشاركة الاقتصادية والفرص المُتاحة، والتحصيل الدراسي، والتمكين السياسي، وأخيرًا الصحّة والبقاء على قيد الحياة. ومن خلال قراءة الشكل (3)، يتبين أنّ دول منطقة شمل أفريقيا سجّلت أكبر تفاوت في مجال التمكين السياسي؛ إذ بلغت الفجوة 93 في المئة في الجزائر، مقابل 85.5 في المئة في المغرب، و 80.2 في المئة في مصر، وأخيرًا 78.4 في المئة في تونس46. ويأتي مجال المشاركة الاقتصادية والفرص المتاحة في المرتبة الثانية من حيث التفاوت بين الجنسين؛ إذ بلغت نسبة الفجوة التي ينبغي سدّها 59.7 في المئة في مصر، و 55.5 في المئة في تونس، و 55.3 في المئة في المغرب، و 53.4 في المئة في الجزائر47. أمّا في المجالين المتبقّيين، أي مجال التحصيل الدراسي ومجال الصحة والبقاء على قيد الحياة، فقد حقّقت الدول الأربع نتائج محترمة، ففي مجال التحصيل الدراسي مثلً، حقّقت دول المنطقة التكافؤ بين الجنسين بنسبة تزيد على 90 في المئة؛ إذ اقتربت مصر من سدّ الفجوة تمامًا مُسجّلةً نسبة 97.1 في المئة، مقابل نسبة 94.5 في المئة للمغرب، ونسبة 95.3 في المئة لتونس، وأخيرًا نسبة 91.5 في المئة للجزائر. وعلى
المعمورة من تحقيق الإنجاز نفسه48. مستوى الصحة والبقاء على قيد الحياة، تمكّنت دول المنطقة أيضًا من سدّ فجوة التفاوت بين الجنسين بنسبةٍ فاقت 95 في المئة، غير أنّ هذه النتيجة لا يمكن اعتبارها إنجازًا استثنائيًّا في ظلّ تمكن غالبية دول
الشكل (3) أبعاد الفجوة بين الجنسين في دول شمل أفريقيا
ولمعرفة مدى تأثير القوانين والأنظمة في مختلف مراحل حياة المرأة، يمكن استحضار تقرير المرأة والأعمل والقانون لسنة 2022 الذي يصدره البنك الدولي سنويًّا، وهو تقرير يغطي 190 بلدًا عن طريق قياس ثمانية محاور رئيسة تؤثّر في مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، وهي التنقّل (حرية التنقّل خارج المنزل، وحرية اختيار مكان العيش، وحرية التقدّم بطلب الحصول على جواز سفر، وحرية السفر إلى الخارج)، ومكان العمل (إمكانية الحصول على وظيفة مثل الرجل، والتمييز وفقًا للجنس، والتحرّش الجنسي)، والأجر (مدى توافق الأجر مع الجهد المبذول، وإمكانية عمل المرأة ليلً، والعمل في الأماكن الخطرة، والعمل في القطاعات نفسها التي يعمل فيها الرجل)، والزواج (إمكانية تولّ المرأة إدارة شؤون المنزل، وموقف القانون من العنف الأسري، ومدى القدرة على اللجوء إلى القضاء لطلب الطلاق، وإمكانية الزواج مرّة أخرى كم هو الحال بالنسبة إلى الرجل)، والوالدية (إجازة الأمومة، وإجازة الأبوة، والتعويض عن الإجازة الوالدية، وإمكانية إقالة العاملات الحوامل)، وريادة الأعمل (مدى التمييز الجنسي في القانون، وإمكانية توقيع العقود، وإمكانية تسجيل مشاريع تجارية، وإمكانية فتح حساب مصرفي)، والأصول (المساواة في الملكية والميراث)، وأخيرًا المعاش التقاعدي (المساواة في سنّ التقاعد ومميّزاته). وعند قراءة أداء المؤشّ العام لسنة 2022، يتّضح أنّ البلدان الأربعة محل هذه الدراسة ما زالت عمومًا متأخرة، إذ تتمتع نساؤها بأقلّ من ثلثي الحقوق القانونية الممنوحة للرجال، مع العلم أنّ المعدل العالمي يبلغ 76.5 نقطة على سلّم من صفر إلى مئة. وإضافة إلى ذلك، فإنّ هذا الأداء يتّسم بنوع من التباين من بلد إلى آخر وفقًا للخصوصيات وأوّليات الإصلاح المعتمدة، إذ سجّل المغرب أعلى متوسط بلغ 75.6 نقطة، متبوعًا بتونس (64.4 نقطة)، ثمّ الجزائر (57.5 نقطة)، وأخيرًا مصر (50.6 نقطة). وعلى صعيد المؤشّات الفرعية، كم يوضّح الشكل (4)؛ وباستثناء مجال حيازة الأصول الذي يوحّد البلدان الأربعة بالنظر إلى تشاركها القيم نفسها المرتبطة بالتقسيم الشرعي للميراث، فإنّ هذه البلدان لم تتّبع المسارات الإصلاحية نفسها في أفق جعل الوضع القانوني للمرأة مساويًا لوضع الرجل، فبينم استطاع المغرب تحقيق العلامة الكاملة (100 نقطة) في ثلاثة مجالات (التنقّل، ومكان العمل، وريادة الأعمل)، فإنّه فشل في تحسين مؤشّي الأجر (50 نقطة)، والأصول (40 نقطة). أمّا تونس، فقد حقّقت العلامة الكاملة في مجالين فقط هم التنقّل والمعاش التقاعدي، بينم بقي أداؤها متدنّيًا في ثلاثة مجالات مهمّة، هي الأجر (25 نقطة)، والوالدية (40 نقطة)، والأصول (40 نقطة). ولم تتمكّن الجزائر من الوصول إلى الهدف الأسمى (100 نقطة) في أيٍّ من المجالات الثمنية الفرعية، إذ اكتفت بتحقيق بعض التحسّن في التنقّل ومكان العمل وريادة الأعمل (75 نقطة)، بينم ظلّ أداؤها متدنّيًا في مجال المعاش التقاعدي 25(نقطة فقط). وأخيرًا، تمكّنت مصر من تحقيق العلامة الكاملة في مجالي ريادة الأعمل والمعاش التقاعدي، بينم ظلّ أداؤها جدّ مُتدنٍّ في الزواج (20 نقطة)، والوالدية (20 نقطة)، ومنعدمًا في مجال الأجر (صفر).
العمل يف دول شمل أفريقيا
الشكل (4) تأثير القوانين والأنظمة على مختلف مراحل حياة المرأة في دول شمل أفريقيا
ثالثًا: التحليل القياي س لمحدّدات مشاركة المرأة في سوق
يهدف هذا المبحث إلى عرض نتائج الدراسة القياسية المتعلّقة بالعوامل المؤثّرة في مشاركة المرأة في سوق العمل في الدول العربية المعنيّة ومناقشتها. ولكن قبل ذلك، سنقوم بتوصيف المنهجية المعتمدة.
1. المنهجية المعتمدة في الدراسة
في البداية، وجبت الإشارة إلى أنّ البيانات المستخدمة في هذه الدراسة مأخوذة من مسح صحوة حول الشباب (Survey Youth SAHWA) لسنة 2016، وهو مشروع بحثي أنجزه منتدى البدائل العربي للدراسات بالتنسيق مع خمسة عشر شريكًا من أوروبا والمنطقة العربية. وقد شملت عيّنة الدراسة الأصلية 10000 شاب وشابّة تراوح أعمرهم بين 15 و 29 سنة، ينتمون إلى خمس دول عربية متوسّطية، هي الجزائر ومصر ولبنان والمغرب وتونس. ونظرًا إلى أنّ دراستنا تركّز على منطقة شمل أفريقيا، فقد قمنا بحذف البيانات الخاصّة بلبنان، وبذلك ضمّت العيّنة المنتقاة 7829 فردًا فقط، منهم 3573 امرأة. وقد شملت عملية الاستقصاء عدّة محاور موضوعية تتعلق بالتعليم، والعمل والإدماج، والمشاركة السياسية والتعبئة، والثقافة والقيم، والأدوار والمنظورات الجنسانية، والهجرة الدولية والتنقل. ويعرض الجدول (1) بعض خصائص عيّنة الدراسة. ومن خلال قراءة الإحصائيات الوصفية للبيانات المجمّعة، يتضح أنّ العيّنات الخاصة بمصر وتونس والجزائر احترمت عمومًا توازن التركيبة الجنسانية للمجموعة، بينم شابَ نوعٌ من التحيّز الإحصائي (Statistical Biais) العيّنة المغربية، حيث إنّ تمثيلية النساء (34.9 في المئة) لا تتناسب مع وزنها الديموغرافي في المجتمع.
الجدول (1)
توزيع عيّنة الدراسة بحسب بعض الخصائص الاجتمعية والديموغرافية (كنسبة مئوية)
| تونس | المغرب | مصر | الجزائر | ||
|---|---|---|---|---|---|
| 50.0 | 65.1 | 49.7 | 53.3 | ذكور | الجنس |
| 50.0 | 34.9 | 50.3 | 46.7 | إناث | |
| 31.7 | 36.2 | 29.8 | 33.1 | أقلّ من 20 سنة | ن الفئة العمرية |
| 33.2 | 40.6 | 39.4 | 36.6 | بين 20 و24 سنة | |
| 35.1 | 23.1 | 30.8 | 30.4 | 25 سنة فأكثر | |
| 85.8 | 88.0 | 63.7 | 89.1 | أعزب | الحالة العائلية |
| 14.0 | 10.6 | 35.6 | 10.5 | متزوّج | |
| 00.3 | 01.4 | 00.7 | 00.4 | حالات أخرى | |
| 68.0 | 60.1 | 38.3 | 61.2 | وسط حضري | وسط الإقامة |
| 32.0 | 39.9 | 61.7 | 38.8 | وسط قروي | |
| 2000 | 1971 | 1988 | 2036 | حجم العيّنة |
وبخصوص الفئة العمرية، جرى توزيع أفراد العيّنة على ثلاث مجموعات شبه متوازنة: الأفراد البالغون أقلّ من 20 سنة، والأفراد البالغون 20 - 24 سنة، وأخيرًا الأفراد البالغون أكثر من 25 سنة؛ علمً أنّ عملية الاستقصاء شملت حصريًّا فئة الشباب التي تُكوّن المحرّك الرئيس ليس فقط لسوق العمل، بل أيضًا للأحداث ذات الطابع الاجتمعي والسياسي التي شهدتها المنطقة. وبما أنّ الدراسة همّت فئة الشباب، فمن الطبيعي أن يكون أغلبهم من العُزّاب (حوالى 90 في المئة)، باستثناء مصر حيث تنتشر ظاهرة الزواج المبكّر بكثرة. وتخصّ الملاحظة ذاتها وسط الإقامة أو مكانها، حيث يقطن حوالى ثلثي المستجيبين في حواضر المغرب وتونس والجزائر. أمّا مصر فتشكّل أيضًا استثناءً حيث تحتضن الأرياف ما يربو على 60 في المئة من الساكنة المعنيّة. ويعرض الجدول (2) توزيع أفراد العيّنة (كنسبة مئوية) بحسب المستوى التعليمي والنوع الاجتمعي. ويظهر من خلال النتائج المعروضة أنّ هناك نوعًا من التباين في تركيبة الأفراد المتعلّمين، ففي مصر وتونس، يشكّل الشباب الحاصلون على التعليم الثانوي، سواءٌ أكانوا إناثًا أم ذكورًا، الغالبية النسبية (ما بين 43 و 50 في المئة)، بينم سجّلت الجزائر والمغرب أعلى نسبة (أكثر من 40 في المئة) من الشباب الذين لم يلتحقوا بعد بالتعليم الثانوي.
الجدول (2) توزيع عيّنة الدراسة بحسب الجنس والمستوى التعليمي (كنسبة مئوية)
| تونس | المغرب | مصر | الجزائر | المستوى التعليمي | |
|---|---|---|---|---|---|
| 29.5 | 45.9 | 31.3 | 37.1 | أقلّ من ثانوي | إناث |
| 43.0 | 30.4 | 45.4 | 31.4 | ثانوي | |
| 27.6 | 23.7 | 23.3 | 31.6 | عالٍ | |
| 35.4 | 40.3 | 22.9 | 49.3 | أقلّ من ثانوي | ذكور |
| 44.1 | 34.5 | 49.7 | 32.1 | ثانوي | |
| 20.5 | 25.2 | 27.4 | 18.6 | عالٍ |
وعلى أساس البيانات الفردية المجمّعة، اعتمدنا نموذج الانحدار اللوجستي (Model Logit) لتحديد العوامل المؤثّرة في المتغيّ التابع ثنائي القيمة (i Y) الذي يشير إلى المشاركة في سوق العمل، وهو من أهمّ النمذج الإحصائية المُستعملة لنمذجة احتملية وجود حدث معيّ من عدمه (كم هو الحال في دراستنا)، حيث يعتمد على دالّة التوزيع التراكمي الطبيعي (Distribution Cumulative Normal Function). وهكذا اعتبرنا المشاركة في سوق العمل متغيًّا ثنائيّ القيمة، بحيث تشير القيمة (1) إلى المشاركة في سوق العمل، والقيمة (0) إلى العكس. واستئناسًا بمحتوى الدراسات السابقة، جرى رصد
مجموعة من المتغيّات المستقلّة، تتعلق أساسًا بالخصائص الفردية للأشخاص (العمر، ووسط الإقامة، والنوع الاجتمعي، والحالة العائلية)، والمستوى التعليمي، وبنية الأسرة (حجم الأسرة، وربّ الأسرة، وعدد الأفراد النشطين داخل الأسرة، وعدد الأفراد الحاصلين على شهادات عليا داخل الأسرة، والعيش مع الوالدين تحت سقف واحد)، والرغبة في الهجرة بحثًا عن أُفق أرحب، والرضا واحترام الذات، والانطباع إزاء ندرة العمل، ثمّ منح الأوّلية للرجل، والانفتاح الثقافي والرياضي، وأخيرًا الثقة بالمؤسسات. ويمكن صياغة النموذج اللوجستي الثنائي لتقدير احتملية مشاركة المرأة في سوق العمل في شمل أفريقيا كم يلي:
حيث: 0 α هو الثابت. 18 α............. 1 α , 2 α هي معلمت المتغيّات. i ε هو المتغيّ العشوائي. وتشير بقية الرموز إلى المتغيّات المستقلة، وهي تواليًا: النوع الاجتمعي أو الجنس (GE)، والعمر (AG) ومربّع العمر (2 AG)، ووسط الإقامة (SP)، والزواج (MA)، والمستوى التعليمي الثانوي (ED1)، والمستوى التعليمي العالي (ED2)، وحجم الأسرة (HS)، والتكفّل بالأسرة (HH)، وعدد الأفراد النشطين داخل الأسرة (OH)، وعدد الأفراد الحاصلين على شهادات عليا داخل الأسرة (DH)، والعيش مع الوالدين تحت سقف واحد (LP)، والرغبة في الهجرة (IM)، والرضا واحترام الذات (SE)، وأولوية العمل للرجل (MW)، والانفتاح الثقافي والرياضي (CO)، والثقة بالطبقة السياسية (TP)، وأخيرًا المشاركة في آخر انتخابات.)EP(وقد جرى التأكّد من مدى ملاءمة النموذج وجودة توفيقه باستخدام إحصائية نسبة الإمكان Likelihood Ratio() التي جاءت مرتفعةً مهم كان نوع العيّنة (نساء، رجال، أو كلاهم معًا)، وهو ما مكّن من الحصول على قيم احتملية صفرية، وهذا يعني أنّ المتغيّات المستقلة المُدرجة في النموذج اللوجستي هي محدّدات مهمّة لتفسير المشاركة في سوق العمل. ثمّ إنّ اختبار بديل معامل التحديد (R2 Pseudo) سجّل قيمً مقبولة تجاوزت 30 في المئة.
2. عرض ومناقشة نتائج الدراسة القياسية
تشير النتائج الواردة في الجدول (3) إلى أنّ محدّدات مشاركة المرأة في سوق العمل تحكمها ضوابط بعضها يختلف كليًّا عن تلك التي تحكم مشاركة الرجل، وبعضها الآخر يتوافق معها. فإذا كان الفرد مثلًامرأة متزوّجة وربّة أسرة، فهذا يقلّل من احتملية المشاركة في سوق العمل. وعلى النقيض من ذلك، فإنّ الزواج والتكفّل بالأسرة يزيد من احتملية مشاركة الرجل في هذه السوق. وتبدو هذه النتيجة منطقيةً في بيئة عربية إسلامية ما زال يهيمن فيها الفكر الذكوري من خلال التمثلّات السائدة وآليات التنشئة الاجتمعية، وهو ما يُصعّب على المرأة التخلّ عن مسؤولياتها الأسرية وأدوارها التربوية، ثمّ إمكانية انخراطها في القوى العاملة. صحيحٌ أنّ سلوكيّاتٍ وتوجّهاتٍ وأنماط عيش جديدة ظهرت في المجتمع وخاصّة في أوساط الشباب، إلّ أنّها لم تتمكن بعد من خلخلة نظام القيم السائدة في غياب ثورة ثقافية هادئة تسهم في تحديث المجتمع المساس بثوابته. ومن المتغيّات الأخرى التي تؤثّر إيجابيًا في احتملية مشاركة المرأة دون الرجل في سوق العمل في البلدان موضوع الدراسة، نجد متغيّ "عدد الأفراد النشطين داخل الأسرة"، ومتغيّ "عدد الأفراد الحاصلين على شهاداتٍ عليا داخل الأسرة"؛ إذ سجلّا معنوية إحصائية مقبولة عند مستوى 10 في المئة. ويمكن تفسير هذه العلاقة بالتأثيرات الموجبة (Effects Positive)، أي المنفعة أو المزايا التي يحصل عليها فرد ما نتيجة النجاحات الشخصية والمهنية التي يحقّقها بقية أفراد الأسرة، فإضافة إلى التأثير المعنوي، يسهم هذان العاملان في ولوج المرأة إلى سوق العمل من خلال الاستفادة من التجربة وشبكة العلاقات التي يمكن أن ينسجها أفراد الأسرة ذوو التجربة المهنية مع أشخاص نافذين. وعلى النقيض من ذلك، يبدو من خلال قراءة النتائج المتوصّل إليها، أنّ بعض المتغيّات تؤثّر بالدرجة نفسها تقريبًا في احتملية مشاركة المرأة والرجل في سوق العمل في البلدان الأربعة محل الدراسة، ويتعلق الأمر بالمرحلة العمرية والمستوى التعليمي. فمتغيّ "العمر" مثلً له تأثير إيجابي معنوي في احتملية مشاركة الجنسين في سوق العمل، إذ كلّم تقدم أحدهم في السنّ، ازداد احتمل مشاركته في سوق العمل، مع الإشارة إلى أنّ هذه العلاقة غير خطّية، وهو ما جرى التأكّد منه من خلال المعنوية الإحصائية العالية لمعلمة متغيّ "مربع العمر" (العمر 2). وبما أنّ قيمة هذه المعلمة سالبة وذات دلالة معنوية إحصائيًّا، فهذا معناه أنّ مشاركة المرأة أو الرجل في سوق العمل تزداد تدريجيًّا مع التقدم في العمر حتى الوصول إلى عتبة معيّنة، حينها يبدأ العمر في التأثير سلبيًّا في قرار المشاركة. وتتعارض هذه النتيجة مع ما جاء في التأصيل النظري، إلّ أنّها تتمشى مع معظم الخلاصات في سياق دراسات إمبريقية همّت البلدان النامية، فعلى سبيل المثال، توصّل موندير لاساسي ونصر الدين حمودة إلى نتيجة مفادها أنّ احتمل أن تلج المرأة الجزائرية سوق العمل يزداد تدريجيًّا في سن 50-25 سنة، ثم يبدأ في الانخفاض ابتداءً من 55 سنة49.
الجدول (3) نتائج تقدير محدّدات المشاركة في سوق العمل في شمل أفريقيا
| المجموع | إناث | ذكور | املمتغيّات المستقلة | |||
|---|---|---|---|---|---|---|
| الأخطاء المعيارية | المعلمات | الأخطاء المعيارية | المعلمات | الأخطاء المعيارية | المعلمات (((4 | |
| الخصائص الفردية | ||||||
| 0.0138 | ***0.165 | 0.0208 | ***0.151 | 0.0182 | ***0.142 | العمر |
| 0.000316 | ***-0.00256 | 0.000467 | ***-0.00244 | 0.000430 | ***-0.00194 | مربع العمر |
| 0.00993 | -0.0143 | 0.0148 | -0.0229 | 0.0120 | -0.00443 | الوسط الحضري |
| 0.00937 | ***-0.182 | - | - | المرأة | ||
| 0.0151 | ***-0.325 | 0.0175 | ***-0.351 | 0.0414 | **0.0893 | متزوّج |
| المستوى التعليمي | ||||||
| 0.0108 | ***-0.195 | 0.0171 | ***-0.121 | 0.0121 | ***-0.253 | ثانوي |
| 0.0115 | ***-0.329 | 0.0177 | ***-0.148 | 0.0134 | ***-0.488 | عالٍ |
| خصائص بنية الأسرة | ||||||
| 0.00278 | 0.00260 | 0.00414 | -0.00375 | 0.00347 | 0.00317 | حجم الأسرة |
| 0.0250 | ***0.261 | 0.0553 | *-0.108 | 0.0391 | *0.0719 | التكفّل بالأسرة |
| 0.00433 | 0.00452 | 0.00646 | *0.0116 | 0.00508 | -0.000289 | عدد النشطين داخل الأسرة |
| 0.00390 | *0.00714 | 0.00583 | *0.00962 | 0.00469 | 0.00263 | عدد الحاصلين على شهادات عليا داخل الأسرة |
| 0.00595 | -0.000772 | 0.00904 | 0.00459 | 0.00703 | -0.000124 | العيش مع الوالدين |
| الهجرة | ||||||
| 0.0108 | -0.000500 | 0.0162 | -0.0201 | 0.0130 | 0.0199 | الرغبة في الهجرة |
| الرضا واحترام الذات | ||||||
| 0.00659 | ***-0.0186 | 0.00994 | -0.0153 | 0.00811 | **-0.0188 | الرضا عن النفس |
| الانطباع إزاء ندرة العمل | ||||||
| المجموع | إناث | ذكور | املمتغيّات المستقلة | |||
|---|---|---|---|---|---|---|
| الأخطاء المعيارية | المعلمات | الأخطاء المعيارية | المعلمات | الأخطاء المعيارية | المعلمات | |
| 0.00566 | 0.00415 | 0.00840 | -0.00410 | 0.00693 | 0.00570 | أسبقية العمل للرجال |
| الانفتاح الثقافي والرياضي | ||||||
| 0.0119 | -0.0120 | 0.0178 | -0.0156 | 0.0143 | -0.00287 | الانخراط في نادٍ ثقافي |
| الثقة بالمؤسسات | ||||||
| 0.00196 | **-0.00387 | 0.00296 | -0.00423 | 0.00232 | -0.00283 | الثقة بالطبقة السياسية |
| 0.0108 | 0.00187 | 0.0166 | **-0.0341 | 0.0128 | 0.0202 | التصويت في آخر انتخابات |
| البلد | ||||||
| 0.0142 | ***-0.113 | 0.0200 | ***-0.188 | 0.0173 | **-0.0399 | الجزائر |
| 0.0148 | ***-0.101 | 0.0212 | ***-0.184 | 0.0184 | 0.00228 | مصر |
| 0.0140 | ***-0.219 | 0.0217 | ***-0.182 | 0.0160 | ***-0.184 | المغرب |
| - | - | - | تونس | |||
| 3865.6987 | -1816.2788 | -1685.0352 | لوغاريتم دالّة الإمكان Log likelihood | |||
| 3100.10 | 920.12 | 2389.19 | إحصائية نسبة الإمكان LR chi 2 (20) | |||
| 0.0000 | 0.0000 | 0.0000 | الاحتمالية Prob > chi 2 | |||
| 0.2862 | 0.2021 | 0.4148 | بديل معامل التحديد)Pseudo R2( | |||
| 7829 | 3,573 | 4256 | المشاهدات | |||
تسري الملاحظة نفسها على "المستوى التعليمي"، الذي يعدّ المحرّك الرئيس لرأس المال البشري، إذ يُوحي النموذج بوجود تأثير معنوي ذي دلالة إحصائية لهذا المتغيّ على احتملية المشاركة في سوق العمل مهم كان جنس الفرد، غير أنّ هذا التأثير لا يتوافق بالضرورة مع المنطق الاقتصادي، فبدل أن يسهم تطوّر المستوى التعليمي في تقوية حضور المرأة كم الرجل في سوق العمل، يحصل العكس، أو بعبارة أخرى، كلّم انتقلنا من مستوى تعليمي إلى مستوى أكبر منه، ضعُفَ احتمل المشاركة في سوق العمل. ويمكن تفسير
هذا الأمر بالاختلالات الهيكلية التي يعرفها سوق العمل في دول شمل أفريقيا، والتي تتجلى بالخصوص في ضُعف قدرة الاقتصاد على استيعاب الداخلين الجدد لسوق العمل من حاملي الشهادات العليا. ففي بيئة تتسم برغبة وانخراط الشباب في تحصيل درجات علمية مرموقة، يرتفع الطلب على الوظائف ذات المؤهلات العليا، وهو ما لا تسمح به اقتصاديات منطقة شمل أفريقيا بالنظر إلى ضعف قدراتها الإنتاجية وهيمنة المؤسسات الصغيرة على الإنتاج. كم أن المهارات التي يكتسبها الشباب غالبًا ما لا تتوافق مع احتياجات أرباب العمل، وهو ما أكدته دراسة صادرة عن منظمة العمل الدولية، وهمت الحالة المصرية50، مع التأكيد على أنّ النساء هن أكثر عرضةً لهذا التعارض، لأنهن يتمتعن بفرص أقل في الحصول على التعليم والتدريب، ومن ثمّ فمن الطبيعي أن ينشطن أكثر في القطاعات التي تتطلب مهارات أقل. ومن بين الاختلالات الهيكلية الأخرى، التي أدت إلى التأثير السلبي للمستوى التعليمي في مشاركة المرأة كم الرجل في سوق العمل، تراجع التوظيف في القطاع العام، وهيمنة النشاطات الاقتصادية غير الرسمية، وانخفاض إنتاجية التعليم، وضعف توجه الخريجين نحو إنشاء مشاريع خاصة بهم، وضعف تسجيل حاملي الشهادات العليا في مكاتب التشغيل. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه النتيجة تتوافق مع الخلاصات التي خرجت بها دراسات قياسية سابقة في سياق الدول النامية، كم هو الحال بالنسبة إلى دراسة لاساسي وحمودة51، ولكن هذه النتيجة تتعارض مع الخلاصة التي خرجت بها دراسة هبة عبد المنعم وسفيان قعلول، والتي همت 19 دولة عربية خلال الفترة 1990 - 201652. وفي الأخير، وجبت الإشارة إلى أن بقية المتغيرات المستقلة، أي العيش مع الوالدين تحت سقف واحد، والرغبة في الهجرة، والإقامة في وسط حضري، وحجم الأسرة، والرضا عن النفس، والانخراط في نادٍ ثقافي أو رياضي، وإعطاء الأولوية للرجال على حساب النساء في حال نُدرة العمل، والثقة بالطبقة السياسية، كانت جميعها غير معنوية إحصائيًا، ومن ثمّ لا تُؤثر إحصائيًا في احتمل انخراط المرأة في سوق العمل لدول شمل أفريقيا. ويمكن اعتبار عدم معنوية المتغير المرتبط بمقر الإقامة (وسط حضري أو ريفي) مُفاجئًا نوعًا ما خاصة في ظلّ الاختلافات التي تميّز سوق العمل في المدن من نظيرها في الأرياف، والمتجلّية أساسًا في القُدرة على منح فرص تتلاءم مع الخصوصيات الشخصية والمجتمعية للمرأة.
رابعًا: خلاصات الدراسة بالنسبة إلى مستقبل مشاركة المرأة يف سوق العمل العربية
تمثّل هدفُنا الرئيس من هذه الدراسة في إبراز محدّدات مشاركة المرأة في سوق العمل في دول منطقة شمل أفريقيا وتحليلها. ولهذا الغرض قمنا ببناء نموذج لوجستي اعتمدًا على بيانات فردية مستقاة من مسح ميداني أجراه منتدى البدائل العربي للدراسات في إطار مشروع "صحوة"، الذي شمل 3573 امرأة و 4256 رجلً منتمين إلى أربع دول عربية تقع في شمل أفريقيا، هي المغرب ومصر وتونس والجزائر. وقبل القيام بهذا التمرين الإحصائي، كان من الضروري تسليط الضوء على واقع مشاركة المرأة في سوق العمل في الدول العربية المعنية وتعميق فهم هذه الإشكالية في سياق يتّسم بتنامي الوعي السياسي بضرورة الرفع من وتيرة الإصلاحات المتعلّقة بإدماج المرأة والرفع من مستوى النقاشات الأكاديمية ذات الصلة. وهكذا تأكّدنا من وجود نوع من المقاومة المجتمعية والفكرية لتنزيل مبدأ المساواة بين المرأة والرجل في مختلف مناحي الحياة العامّة. وتتجلّ هذه المقاومة في علاقتها بموضوع سوق العمل في استمرار الوضع القائم من دون تغيير كبير، فبغض النظر عن بعض الإصلاحات المحتشمة وتحسّن مؤشّات التعليم والصحة الخاصة بالمرأة، وتعهّدات الحكومات المعنية بتحسين أوضاع المرأة بعامّة، تبدو المكاسب محدودة؛ إذ لا تزال نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة متدنّيةً مقارنةً بمشاركة الرجال، ولا تزال العملة النسائية مركّزة في القطاع غير الرسمي. وقد خرجت نتائج تقدير نموذج الانحدار اللوجستي بأربع خلاصات رئيسة، تمثّلت أولاها في عدم تجانس هذه النتائج على مستوى النوع الاجتمعي؛ إذ تأثّرت مشاركة المرأة في سوق العمل تأثيرًا معنويًّا بتسعة متغيّات من أصل سبعة عشر متغيًّا، بينم كان تأثير مشاركة الرجل معنويًّا في سبعة متغيّات فقط، مع وجود توافق نسبي على مستوى أربعة متغيّات رئيسة، هي عمر الفرد، ومستواه التعليمي، وحالته العائلية (متزوّج أم لا)، ومكانته داخل الأسرة (ربّ الأسرة أم لا). وعلى هذا الأساس، يمكن التأكيد أنّ القيود المفروضة على المشاركة في سوق العمل متشعّبة، ولها أبعاد جندرية تصبّ أكثر في مصلحة الرجل. وتتجلّ الخلاصة الثانية في الأهمية التي تحظى بها بعض المتغيّات الفردية في تفسير مشاركة المرأة في سوق العمل، ويتعلق الأمر بالمرحلة العمرية ووضع المرأة داخل الأسرة من حيث اتخاذ القرار والزواج والمستوى التعليمي. وهكذا، فإنّ الانخراط في مؤسسة الزواج، والتقدم في السنّ، والتكفّل بالأسرة في غياب الأب، وارتفاع المستوى التعليمي تقلّل جميعها من احتمل مشاركة المرأة في سوق العمل. وإذا كان تأثير المتغيّات الثلاثة الأولى منتظرًا بحكم القيود التي تفرضها عادة على نشاط المرأة خارج البيت، فإنّ تأثير المتغيّ الرابع، أي المستوى الدراسي، يبدو مخالفًا لما دافعت عنه النظرية الاقتصادية وخاصة نظرية رأس المال البشري. وتكمن الخلاصة الثالثة في الدور الرئيس الذي يُناط بالعوامل الأسرية ذات التأثيرات الموجبة في تشجيع المرأة على ولوج سوق العمل؛ إذ كلّم ارتفع عدد الأفراد النشطين داخل الأسرة، وخاصّة منهم حاملي
الشهادات العليا، ازداد احتمل مشاركة المرأة في سوق العمل. وبطبيعة الحال، فإنّ هناك عوامل تأثير أخرى غير أسرية (خارجية) من شأنها أن تدعم مشاركة المرأة في سوق العمل. يتعلق الأمر خصوصًا بتوافر حضانة للأطفال في مكان العمل، فقد أكّدت دراسات سابقة أنّ لهذا المتغيّ دورًا أساسيًّا في قرار المرأة دخول سوق العمل أو عدمه. غير أنّ هذه الدراسة لم تأخذ في الاعتبار هذا المعطى، نظرًا إلى اقتصار العيّنة على النساء في مقتبل العمر (أقلّ من 29 سنة)، وهنّ في الغالب من دون أطفال. وتتجلّ الخلاصة الرابعة في عدم معنوية معلمت بعض المتغيّات المهمّة، والتشكيك بذلك في مدى تأثيرها المباشر في مشاركة المرأة في القوى العاملة، وذلك في تناقض مع ما جاءت به أغلب الدراسات السابقة. ويتعلق الأمر بالخصوص بمكان الإقامة، والعيش مع الوالدين تحت سقف واحد، وحجم الأسرة، والرضا عن النفس. ويمكن تفسير هذا الحياد بعدد المؤثّرات المضمّنة في النموذج ونوعيتها، وكذا قوّة التداخل فيم بينها. ثمّ يمكن تفسير ذلك باحتمل أن يكون اقتصار الدراسة على شريحة عمرية معيّنة (أقلّ من 29 سنة) قد خلق نوعًا من التحيّز الإحصائي، خاصّة أنّ النساء الشابّات هنّ أكثر جرأةً في كسر بعض قيود الوضع القائم.
خاتمة
الخلاصة الرئيسة من هذه الدراسة أنّ تحسين مشاركة المرأة في سوق العمل، في بلدان شمل أفريقيا وفي المنطقة العربية كلّها، لا يمكن اختزاله في إدماج مقاربة النوع الاجتمعي في السياسات العامّة والبرامج ذات الصلة. فعلى الرغم من تعدّد هذه السياسات والبرامج الجندرية وغناها، ما زالت المرأة تراوح مكانها ومكانتها. وفي المقابل، يمكن اعتبار القيود التي تفرضها المؤسّسات غير الرسمية (الأعراف، والتقاليد، وقواعد السلوك، ومنظومة الأفكار، والتمثلّات الاجتمعية والقيم... إلخ) المؤثّر الأساسي في بناء السمت والبروفايلات الفردية والعائلية للنساء، وهي التي ساهمت إلى حدّ بعيد في إبقاء أغلبهن خارج القوة العاملة في دول شمل أفريقيا. إضافة إلى ذلك، لا يمكن إغفال دور العامل الماكرو-اقتصادي في الحدّ من طموح المرأة المهني، والمتجلّ في الفجوة الكبيرة بين عدد الداخلات الجدد، وقدرة اقتصادات منطقة شمل أفريقيا على توليد فرص عمل بأعداد كافية. ومن هنا، نفهم أنّ الاستثمر في رأس المال البشري من خلال تطوير القدرات والمهارات، والرفع من مستوى النموّ الاقتصادي الشمولي، يعدّان مدخلين أساسييّن لخلخلة الوضع القائم في أفق الرفع من وتيرة تحديث المجتمع، وإدماج مزيد من النساء في سوق العمل تلقائيًا.
وفي الحصيلة، يبدو أنّ مستقبل مشاركة المرأة في سوق العمل في منطقة شمل أفريقيا، كم في بقية الدول العربية، لن يختلف كثيرًا عن الاتجاهات السائدة عالميًّا، التي تتلخّص في مزيد من المرونة (Flexibility) والأتمتة (Automation). فمن جهة، من المنتظر أن تتكيّف سوق العمل العربية تدريجيًّا مع الصدمات الاقتصادية المتكرّرة والمؤلمة وذلك بإلغاء بعض الضوابط أو التخفيف منها، من قبيل عقود العمل لأجلٍ ثابت، والتعيين في مناصب قارّة، والإعانات المختلفة، والحفاظ على المكتسبات. ومن المرجّح أن تحافظ المرأة العربية على مكانتها المميّزة في سوق العمل غير الرسمية في ظلّ استمرار القيود التي يفرضها المجتمع العربي المحافظ على الحرّيات الفردية. ومن جهة ثانية، من المحتمل أن تشكّل الوظائف الجديدة التي ستنشأ نتيجة الأتمتة فرصةً للرفع من مشاركة المرأة العربية في سوق العمل، خاصّة أنّ تقنيات الاتّصال الجديدة تسمح بالعمل عن بُعد، وبذلك تعزّز إمكانية إيجاد نوع من التوازن مع الالتزامات الأسرية التي تتحمّل المرأة النسبة الأكبر منها. غير أنّ هذا التحوّل يستلزم مراجعة السياسات العامّة ذات الصلة، بما يسمح بإعادة تشكيل المهارات وتأهيل المرأة العاملة وصقل مواهبها.
المراجع
العربية
عبد المنعم، هبة وسفيان قعلول. "محدّدات مشاركة المرأة في القوى العاملة في الدول العربية". دراسات اقتصادية. العدد 48. صندوق النقد العربي..)2018(
الأجنبية
Assaad, Ragui & Caroline Kraf (eds.). The Egyptian Labor Market in an Era of
Revolution. Oxford: Oxford University Press, 2015.
Blau, Francine & Lawrence Kahn. "Female Labor Supply: Why is the US Falling
Behind?" Working Paper. no. 18702. National Bureau of Economic Research
Chamlou, Nadereh & Massoud Karshenas (eds.). Women, Work and Welfare
in the Middle East and North Africa. The Role of Socio-demographics,
Entrepreneurship and Public Policies. Singapore: World Scientific Publishing,
Chapman, Kelsey. "Economic Development and Female Labor Force Participation
in the Middle East and North Africa: A Test of the U-Shape Hypothesis."
Gettysburg Economic Review. vol. 8, no. 1 (2015).
Chevallier, Arnaud & Tarja Viitanen. "The Causality between Female Labour
Force Participation and the Availability of Childcare." Applied Economics
Letters. vol. 9, no. 14 (November 2002).
Cipollone, Angela et al. "Women Labor Market Participation in Europe: Novel
Evidence on Trends and Shaping Factors." Discussion Paper. no. 7710. The
Institute for the Study of Labor (IZA) (October 2013). at: https://bit.ly/3DI4fdr
Contreras, Dante & Gonzalo Plaza. "Cultural Factors in Women's Labor Force
Participation in Chile." Feminist Economics. vol. 16, no. 2 (2010).
Dinkelman, Taryn. "The Effects of Rural Electrification on Employment: New
Evidence from South Africa." American Economic Review. vol. 101, no. 7
Elborgh-Woytek, Katrin et al. "Women, Work, and the Economy: Macroeconomic
Gains from Gender Equity." IMF Staff Discussion Note. no. SDN/13/10.
International Monetary Fund (2013). at: https://bit.ly/3OXYI6O
Galor, Oded & David Weil. "The Gender Gap, Fertility, and Growth." American
Economic Review. vol. 86, no. 3 (1996).
Gelbach, Jonah. "Public Schooling for Young Children and Maternal Labor Supply."
The American Economic Review. vol. 92, no. 1 (March 2002).
Cubas, German. "Distortions, Infrastructure, and Female Labor Supply in
Developing Countries." European Economic Review. vol. 87 (2016).
ILO, Skills Mismatch and Underemployment; How to Boost Employability of
Young Women and Men Egypt, Decent Work Team for North Africa and
Employability Branch. Geneva, ILO, 2015.
Jain-Chandra, Sonali et al. "Gender Equality: Which Policies Have the Biggest
Bang for the Buck?" Working Paper. WP/18/105. International Monetary Fund
Jay, Shambaugh et al. "Lessons from the Rise of Women's Labor Force Participation
in Japan." The Hamilton Project: Advancing Opportunity, Prosperity, and
Growth. Brookings. at: https://brook.gs/3x1PSws
Lassasi, Moundir & Nacer-eddine Hamouda. "Déterminants de la participation
au marché du travail et choix occupationnel: Une analyse micro-économique
appliquée au cas de l'Algérie." MPRA Paper. Centre de recherche en économie
appliquée pour le développement (2009). at: https://bit.ly/3DasoZM
Lechman, Ewa & Harleen Kaur. "Economic Growth and Female Labor Force
Participation Verifying the U-Feminization Hypothesis. New Evidence for 162
Countries over the Period 1990-2012." Economics and Sociology. vol. 8, no. 1
Lopez-Acevedo, Gladys et al. "Trends and Determinants of Female Labor
Force Participation in Morocco: An Initial Exploratory Analysis." Policy
Research Working Paper. no. 9591. World Bank, Washington (2021). at:
https://bit.ly/3J4MAjl
________. "Trends and Determinants of Female Labor Force Participation in
Morocco: An Initial Exploratory Analysis." IZA Discussion Paper. no. 14218.
The Institute for the Study of Labor (IZA) (March 2021). at: https://bit.
ly/3VUnoPK
Lorber, Judith. Gender Inequality: Feminist Theories and Politics. Los Angeles,
CA: Roxbury, 2001.
Medeiros, Marcelo et al. "Targeted Cash Transfer Programs in Brazil: BPC and
Bolsa Familia." Working Paper. no. 46. International Policy Centre for Inclusive
Growth (2008).
Mincer, Jacob & Solomon Polachek. "Family Investments in Human Capital:
Earnings of Women Journal of Political Economy." vol. 82, no. 2 (March-April
Naqvi, Zareen F. & Shahnaz Lubna. "How do Women Decide to Work in Pakistan."
The Pakistan Development Review. vol. 41, no. 4 (2002).
Pampel, Fred & Kazuko Tanaka. "Economic Development and Female Labor Force
Participation: A Reconsideration." Social Forces. vol. 64, no. 3 (1986).
Sayre, Edward & Tarik Yousef (eds.). Young Generation Awakening– Economics,
Society, and Policy on the Eve of the Arab Spring. New York: Oxford University
Press, 2016.
Spierings, Niels, Jeroen Smits & Mieke Verloo. "Micro and Macro-Level
Determinants of Women's Employment in Six MENA Countries." Working
Paper. no. 08-104. Nijmegen Center for Economics (NiCE). Institute for
Management Research. Radboud University Nijmegen (2008).
Ta ş seven, Özlem, Dilek Alta ş & Turgut Un.. "The Determinants of Female Labor
Force Participation for OECD Countries." Uluslararası Ekonomik Ara ş tırmalar
Dergisi. vol. 2, no. 2 (2016).
Teixeira, Gondim. "A Heterogeneity Analysis of the Bolsa Familia Program Effect
on Men and Women's Work Supply." Working Paper. no. 61 (2010).
The International Labour Organization (ILO). Women and Men in the Informal
Economy: A Statistical Picture. Genève, 2018.
Thévenon, Olivier. "Drivers of Female Labour Force Participation in the OECD."
OECD Social Employment and Migration Working Papers. no. 145. OECD
Weber, Wiebke et al. SAHWA Youth Survey 2016 Dataset (2021). European Union's
Seventh Framework Programme for Research, Technological Development and
Demonstration/ Documentation Report Edition 4.0. at: https://bit.ly/3XEPsIi
World Bank. "Women Business and the Law (WBL) databases, from 1971 to 2022."
at: https://bit.ly/3BbK323
World Economic Forum. Global Gender Gap Report 2022 (July 2022). at:
https://bit.ly/3Beb451.