العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المستقبل والدراسات المستقبلية في علم الاجتماع:آفاق تجسير معرفي ومنهجي

المستقبل والدراسات المستقبلية في علم الاجتماع:آفاق تجسير معرفي ومنهجي

The Future and Future Studies in Social Science Prospects for Bridging Knowledge and Method

عمر علوط

الملخّص

راكمت الدراسات المستقبلية رصيدًا هائلً من البحوث ومحاولات التقعيد العلمي، وأصبحت تعتمد على مناهج علمية دقيقة قائمة على فلسفات شاملة عن الزمن والمستقبل والقوانين؛ غير أنّ دورها لا يزال هامشيًا في الأوساط الأكاديمية العربية لا سيما في مجال علم الاجتماع. تحاول هذه الدراسة معالجة أحد الأسباب الأساسية لهذا الفراغ المتمثّل بضعف التجسير المعرفي والمنهجي بينها، وبين التخصصات العلمية الأخرى في الحقل العلمي العربي، في زمن تغيّ براديغم التخصصات المنفردة نحو التكامل النظري والمنهجي بين التخصصات. ومن ثمّ، نعمد في هذا البحث إلى دراسة إمكانات دمج الدراسات المستقبلية في البحوث السوسيولوجية بوصفها حالة تخصصية؛ من خلال تحديد الفجوة الأبستيمية والمنهجية بين الاستشراف والسوسيولوجيا، والمقاربات الممكنة للتجسير بينهما.

Abstract

ملخص:  راكمت الدراسات المستقبلية رصيدًا هائلً من البحوث ومحاولات التقعيد العلمي، وأصبحت تعتمد على مناهج علمية دقيقة قائمة على فلسفات شاملة عن الزمن والمستقبل والقوانين؛ غير أنّ دورها لا يزال هامشيًا في الأوساط الأكاديمية العربية لا سيم في مجال علم الاجتمع. تحاول هذه الدراسة معالجة أحد الأسباب الأساسية لهذا الفراغ المتمثّل بضعف التجسير المعرفي والمنهجي بينها، وبين التخصصات العلمية الأخرى في الحقل العلمي العربي، في زمن تغيّ براديغم التخصصات المنفردة نحو التكامل النظري والمنهجي بين التخصصات. ومن ثمّ، نعمد في هذا البحث إلى دراسة إمكانات دمج الدراسات المستقبلية في البحوث السوسيولوجية بوصفها حالة تخصصية؛ من خلال تحديد الفجوة الأبستيمية والمنهجية بين الاستشراف والسوسيولوجيا، والمقاربات الممكنة للتجسير بينهم. الكلمت المفتاحية:  الدراسات المستقبلية، علم الاجتمع، المنهج، تعددية الاختصاص، التكامل المعرفي. Abstract:  Future studies has accumulated a vast amount of research and attempts to lay scientific bases, and has come to rely on precise scientific methods based on comprehensive philosophies of time, the future, and laws. However, its role is still marginal in Arab academia, particularly in the social sciences. This study tries to deal with one of the main reasons for this vacuum: the weak bridging between the cognitive and the methodological and between the academic specialisms in the Arab knowledge field at a time when the paradigm of distinct specialism has broken down in favor of theoretical and methodological integration between the disciplines. Hence, this research intends to study the possibilities of integrating future studies into sociological research as a specialism by defining the epistemological and methodological gap between forecasting and sociology, and the possible approaches to bridging the gap between them.

الكلمات المفتاحية:
  • الدراسات المستقبلية،
  • علم الاجتماع،
  • المنهج
Keywords:
  • Future Foresight
  • Social Science
  • Multi-Disciplinarity

آفاق تجسير معريف ومنهجي The Future and Future Studies in Social Science

مقدمة: مدخل إلى العلاقة بين المنهج والزمن المستقبلي

مع أهمية المنهج التجريبي ودفعه الحركة العلمية في النهضة الأوروبية خطوات إلى الأمام، تولّد خطاب تخصصي منكفئ على نفسه، يؤكّد ضرورة التحكم في إنتاج المعارف ضمن الحدود التخصصية، مبررًا ذلك بضرورة التزام البحث قائمة من المواضيع التي تدخل في إطار التخصص، وضرورة التزام منهج البحث التخصص نفسه الذي يعزل الظواهر عن بعضها من أجل دراستها بوصفها أشياء، دون المرور إلى مناهج مكملة لدراسة التأثيرات المتبادلة بين الظواهر كم هي في الواقع. وقد كان لهذا التفرّد المنهجي آثار في اختزال الظواهر الاجتمعية ضمن علم الفيزياء الاجتمعية؛ بينم تثبت الدراسات الحديثة أنّ هناك ترابطًا تركيبيًا وتأثيرًا متبادلً بين الظواهر الفيزيائية والبيولوجية والأنثروبولوجية، مثلم يبينه علم الضوضاء الحرارية وتجربة الشق المزدوج في الفيزياء، أو الأمراض البسيكوسوماتية في الطب وعلم النفس، ما يبيّ أهمية الاستفادة المتبادلة والتكامل بين العلوم والمعارف والمناهج. ويصحب هذه التبريرات عدّ هذا التخصص العلمي الأكثر تفوقًا وصاحب المنهج الأكثر قدرة على استقراء الوقائع ووضع النظريات والقوانين التخصصية، ما يدفعها لتثمّن تراثها الماضي أكثر من اهتممها بالمستقبل1. وبسبب ابتعاد هذا المنهج عن فهم الظواهر الاجتمعية المركبة كم هي في الواقع، فقد أثبت فشله في كثير من التنبؤات بمستقبل الظواهر الاجتمعية؛ إذ تقتصر البحوث العلمية في علم الاجتمع ضمنيًا على تبنّي مفهوم أحادي البعد للزمن، مثل الزمن الميكانيكي النيوتني، فتعدّ هذه السوسيولوجيا الإمبريقية مشاهدة الظواهر الاجتمعية في الحاضر بوصفه واقعًا، أي دون عدّ أثر مرور الزمن في التفاعلات الديناميكية للظواهر، ما يحجب عنها التعرف عليها بصورة صحيحة، كم تدرس السوسيولوجيا النظرية الأحداث الاجتمعية في الماضي بوصفه حافظًا لأفعال الإنسان وتجاربه؛ بينم عدّ دراسة المستقبل في كلا الاتجاهين مجالً لا علميًا مسكونًا بالغموض، ولا يمكن النظر إليه إلّ عبر تنبؤات إسقاطية محدودة للمضي والحاضر على المستقبل. وقد تمخّضت الحركة التاريخية للعلم بعد الحرب العالمية الثانية عن مسار متنامٍ لتصحيح هذه الوجهة بتأسيس متدرج لتعدّدية الاختصاصات وتكامل المناهج الذي كان بيئة ملائمة لظهور مناهج الدراسات المستقبلية التي تربط العلم بالفعل السياسي2. غير أنّ هذه السيرورة العلمية ما زالت متعثّة في جامعات العالم العربي؛ إذ لا تزال المنظورات التخصصية مسيطرة على واقع البحث العلمي، معيقة بذلك إمكانية تحقيق القدرة على استشراف المستقبل وترشيد الفعل السياسي واستبصار الإستراتيجيات الملائمة.

  1. ريتشارد سلوتر، الدراسات المستقبلية: إطار مفاهيمي، ترجمة خلود سعيد، سلسلة أوراق، العدد 21 (الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية/ وحدة الدراسات المستقبلية، 2016)، ص.16

وفي سبيل قيام دراسات سوسيو استشرافية، ومن خلال تحليل مفهوم الزمن والمستقبل وتأثيراتهم في نظريات البحث ومناهجه في علم الاجتمع كدراسة حالة، نحاول أن نستوضح إمكانات التجسير المعرفي والمنهجي بين علم الاجتمع والدراسات المستقبلية، ونؤسّس من خلالها لعملية تجسير الفجوة بين العلوم والمناهج المختلفة والدراسات المستقبلية، مبرزين دوائر التقاطع وإمكانات التساند المعرفي بين المجالين.

أولً مفهوم الزمن والمستقبل

الزمن ومحدّدات تعريفه

لا شكّ في أنّ مفهوم الزمن يكتسي إبهامًا واختلافًا في الفهم يتضح انعكاسه في مختلف الاستعملات اللغوية والعلمية والعملية، بفعل الاختلاف بين الثقافات والفلسفات؛ فلا نجد في إعراب اللغة العربية فعل المستقبل، بينم نجد في اللغة الفرنسية المستقبل القريب والبعيد والمستمر... وغير ذلك. كم يختلف استعمل الوحدات الزمنية بين العلوم المختلفة، من الفيمتو ثانية في البيو كيمياء، إلى السنة الضوئية في علم الفلك، مرورًا بالحوادث اليومية والأسبوعية في علم السياسة، إلى الحقب الحضارية في التاريخ، والتغيرات الاجتمعية في علم الاجتمع... وغيرها؛ إذ نجد الاختلاف الجذري في النظر إلى الزمن عبر وحدات قياس وتحقيب مختلف للحاضر. فالحاضر عند الفلكي ليس كالحاضر عند البيو كيميائي، ومنه يختلف منظورهم نحو المستقبل. كم أنّ مفهوم الزمن نفسه يتطور ويتفرّع ويختلف في التخصص نفسه، مثل تطور مفهوم الزمن من ميكانيكية نيوتن إلى نسبية أينشتاين، وخطّية الزمن لدى هيغل وماركس، ودوريته لدى أرلوند توينبي. ومنه يتبين محدودية النظر المتخصّص المنعزل في المجالات المختلفة في مقاربة مفهوم الزمن، ومن ثم قصور استشراف المستقبل من تخصص وحده، ما يتطلب موقعة مفهوم الزمن المنظوري لكل تخصص بالنسبة إلى مفهوم الزمن عمومًا، ومنه موقعة مفهوم الزمن والمستقبل في علم الاجتمع بوصفه حالة نقوم بدراستها. ولهذا الغرض نحاول إعادة النظر في الزمن بوصفه مفهومًا منظوريًا محدودًا في التعريف، وفقًا لعوامل محدّدة له مثل التخصص والمرحلة، مركّزين في ذلك على معالجة المنظور السوسيو أنثروبولوجي لمفهوم الزمن. ففي "لسان العرب" لابن منظور، الزمن هو اسم لقليل الوقت وكثيره؛ كم يرتبط بمرادفات مثل العصر والدهر والشهر؛ ويدلّ أيضًا على التغيّ إذ يرمز إلى الحرّ والبرد، ووحدته مرتبطة لدى العرب بعدّة عوامل مثل فصول السنة؛ إذ أشار ابن منظور إلى أنّ الزمن عند بعض العرب يمتد من شهرين إلى ستة

أشهر أو يُقرن بولاية حاكم (((، ما يعني أنّ الزمن يتولّد عن الحركة والتغيّ. وقد أبرز أندريه لالاند من جهته في الموسوعة الفلسفية عدّة مفاهيم للزمن منها أنّ الزمن "حقبة تمتدّ من حدث سابق إلى حدث لاحق"، و"تغيّ متواصل به يغدو الحاضر ماضيًا"، وهو بيئة لا محدودة ممثلة للمكان الذي يمكن أن تجري فيه الحوادث (.((" ويرجع أهم مراحل تبلور مفهوم الزمن أنثروبولوجيًا إلى اكتشاف الكتابة وبداية التأريخ؛ إذ بدأ البشر في إدراك الزمن الطويل المتقطع بين الحوادث البارزة والزمن الممتد الذي يتمثّل بالأساطير المتشكّلة عن بداية الكون بالنسبة إلى الماضي وحوادث ما بعد الموت بالنسبة إلى المستقبل؛ ثم تطور مفهوم الزمن الساعاتي أو الدقائقي الذي ترجع مقولته إلى الثورة الكوبرنيكية والغاليلية مع اكتشاف كروية الأرض ومركزية الشمس؛ إذ جرى اعتمد مفهوم الحركة الدورية والإيقاع المستقلّ عن المكان، عاكسًا روح عصره المادية المتميّزة بالفصل البنيوي بين الموجودات؛ ثم أخيرًا الزمن النسبي الذي ترجع أصوله إلى إيمانويل كانط بوصفه الزمن مقولة عقلية تجسدت مع ألبرت أينشتاين الذي جعل الزمن بُعدًا من أبعاد المكان، الأمر الذي أكّدته نظرية الانفجار العظيم والتوسع الكوني؛ ثمّ انتهاءً بمفهوم اللازمن أو الزمن المتناهي مع الفيمتو ثانية وأحمد زويل، والزمن العالمي الحقيقي مع ثورة الاتصالات، أي بعد أن اختزل الكوكب في بعده الاتصالي إلى مجموعة شاشات. أمّا عن الزمن الاجتمعي، فيشير حسين مؤنس في كتابه الحضارة إلى ارتباط الحضارة بالزمن مرادفًا للتاريخ؛ فمفهوم الحضارة كثمرة لبذل الجهد مرتبط بالتاريخ الذي هو الزمن، ذلك لأنّ جهد الإنسان بذور تحتاج إلى الزمن لتتحول حضارة (((، أي إنّ الحضارة هي نتاج تفاعل الإنسان والتراب والوقت بحسب مالك بن نبي. وقد اختلف إيميل دوركهايم في فهم علّة التتابع الزمني؛ مع تصور ديفيد هيوم عن تتابع الإحساسات على صفحة الوجدان الذي يصنّف زمانًا ذاتيًا متعلّقًا بالأنا؛ إذ عدّ دوركهايم الزمن جمعيًا، بوصفه الزمان اللانهائي المطلق أي زمان كل إنسان وحضارة. ومن ثمّ، فإنّ الزمن الذاتي انعكاس جزئي للزمن الجمعي الذي ينتظم فيه جميع الظواهر الاجتمعية (((. ويشير إحسان عباس إلى الفرق التصوري الأساسي للزمن بين المجتمعات التقليدية والحداثية؛ إذ تعدّه الأولى أمرًا ميثولوجيًا

  1. قباري محمد إسماعيل، علم الاجتماع والفلسفة، ج 2: نظرية المعرفة، ط 2 (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، د.ت)، ص.42-40

الميثولوجي والنفسي المعرفي في بلورة هذا المفهوم وتشاركه. وإجملً تتعدّد صور الأزمنة بحسب عدّة عوامل محدّدة مفهوم الزمن، منها:

زمنية وانتهاء أخرى، أي الزمن في القانون العلمي.

ينعكس على مدة الحاضر والحقبة الحاضرة.

اليمين والشمل. شعائريًا بينم تعدّه الثانية مجموعة وقائع تاريخية قابلة للقياس (((، ما يبيّ بصورة لافتة دور العامل

عوامل حدوث القطائع والتحقيب الزمني époque/epoch: أي ما يحدد بداية حقبة/ دورة

عوامل تمدّد الحقبة: فنجد أنّ هناك زمنًا ذرّيًا وآخر بيولوجيًا وفلكيًا، وزمنًا اجتمعيًا وآخر اقتصاديًا وسياسيًا... وغيرها؛ أي ما يتعلّق بطبيعة مكونات الظواهر ومستوى تركيبها الذي

طبيعة المتحرّك واتجاه الحركة: خطية و/أو دورية، حركة خطية من الماضي نحو المستقبل أي أنتروبية Entropic بمعنى التدهور الحتمي، وهو ما تبيّنه معادلة لودفيك بولتسمن3؛ أو دورية بدوران الماضي والمستقبل على الحاضر. وهو ما يمكن تفسيره فيزيائيًا بحسب الأنتروبية السلبية Negative Entropy، أي الاتجاه عكس الحتمية الأنتروبية، بمعنى آخر القدرة على المحافظة على الطاقة، كم لاحظ إيرفن شرودنغر في الكائنات الحية، أي في مركبات أكثر تعقيدًا4. البعد الفيزيائي المتخيل للزمنImaginary Time الذي استخدم مفهومًا لحلّ بعض القضايا العلمية في الفيزياء الفلكية والكوانتية، بخاصة مع ستيفن هاوكنغ الذي يعني أنّ هناك مجالً زمنيًا أشبه بالمكان، يمكنك الانتقال فيه بين الماضي والحاضر كم يمكنك الانتقال في المكان بين

أثر البيئة المكانية والتقنية: بوصف الزمن بُعدًا من أبعاد المكان، فإنّ للتغير المكاني أثره في مفهوم الزمن، وكذا استعمل وسائل النقل وتكنولوجيات الاتصال والرقمنة والأتمتة لها انعكاس على سيرورة الحوادث وتسارعها، ما ينعكس على تصورنا الحالي للمضي والحاضر والمستقبل. الأثر البيولوجي والنفسي في مفهوم الزمن: مدى إدراك الزمن مرتبط بمدى الحضور والوعي والقدرة على التذكر، كم أنّ مشاعر كالحب والكره تعمل على استطالة الزمن وتقصيره. وبحسب ريتشارد سلوتر فقد "ثبت أنّ العقل البشري موهوب بالقدرة على فهم انعكاسي للوقت، وليس فقط وعيًا مبدئيًا به؛ أي الوعي بالظاهرة الواقعية الآنية. يتميز هذا الوعي بالقدرة على التذكر

  1. إحسان عباس، اتجاهات الشعر العربي المعاصر، سلسلة عالم المعرفة (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1978)، ص.68
  2. معادلة بولتسمان هي Entropy = k log W:
  3. Cf. Schrödinger, p 26.

والتعلم، وبالتجول الواعي في حاضر غني ومركب وممتد، وفهم المسؤوليات والتبعات، وتأمل المستقبلات الآتية"5. أثر البيئة الثقافية والمعرفية: تتدخل الأديان والميثولوجيات في بناء تصور البدايات والنهايات، كم أنّ للبنى اللغوية وطبيعة التخصص العلمي ونوع المعرفة المكتسبة دورًا أساسيًا في تحديد مفهوم الزمن ومداه خلال عملية التفكير والبحث؛ فالفصل بين العلمي والعملي في العلوم الحديثة قد أدى إلى التركيز على الماضي بوصفه خزانًا للوقائع والحوادث والحاضر بوصفها تفاعلات وشواهد يمكن ملاحظتها ومتابعتها أكثر من الاهتمم بالمستقبل. أثر العوامل السابقة في بعضها: للمعرفة أثر في البيئة المكانية والتقنية. وللبيئة التقنية أثر في الثقافة. وللثقافة أثر في البنية البيو نفسية... وغيرها. وبسبب هذا التعقيد، فإنّ البحوث العلمية تقتصر في دراستها عمومًا على تبنّي إحدى الخلفيات السابقة لمفهوم الزمن. كم يطغى الخطاب المحافظ على حدوده والمتحكم في إنتاج المعرفة بوصفه خطابًا تاريخيًا، يدفعها لتثمّن الماضي أكثر بكثير من المستقبل6. وما يلاحظ في السوسيولوجيا الإمبريقية استنادها إلى ملاحظة الظواهر الاجتمعية في الواقع، على الرغم من اللاتحديد الدقيق لحقبة الحاضر وتمييزه مرحليًا عن الماضي والمستقبل. كم تستند السوسيولوجيا النظرية إلى الزمن الماضي الاجتمعي بوصفه وعاء حاملً للتجارب وحافظًا لأفعال الإنسان، بينم عدّ دراسة المستقبل فيهم مسكونًا بالغموض واللايقين، ولا يمكن إضاءته والنظر إليه إلّ عبر إسقاطات الماضي والحاضر على المستقبل. في حين هناك ثراء في التواصل المتدفق بين الماضي والحاضر والمستقبل، أي بين تاريخنا وهويتنا وإنجازنا في الماضي وإدراكنا وتركيزنا وفهمنا في الحاضر وخططنا ومشروعاتنا وأهدافنا المستقبلية، فلا تؤثّر آمال المستقبل ومخاوفه في الماضي فحسب، ولكنها يمكن أن تدفع المرء إلى إعادة النظر في خبراته الماضية7. ولغرض تجسير هذه الهوة بين مفهوم المستقبل وعلم الاجتمع كدراسة حالة، سنحاول ابتداء التعرف إلى مفهوم المستقبل، ثم تطور الاهتمم بدراسة المستقبل حديثًا.

مفهوم المستقبل

نظرًا إلى تبعية مفهوم المستقبل للزمن، فإنّه يكتسي الغموض نفسه الذي يكتسيه مفهوم الزمن، وتختلف تعريفات المستقبل بحسب المحدّد الذي حدّد به مفهوم الزمن؛ ففي الموسوعة الفلسفية لأندريه لالاند، ذُكرت كلمة futures مترجمة ب "مقبلات أي حوادث مقبلة" وتقال عمّ يجب وقوعه،

  1. سلوتر، ص.13
  2. المرجع نفسه، ص.16
  3. المرجع نفسه، ص.10

وتقال عمّ يجري التفكير فيه في صورة المستقبل. وترجم المدرسيون هاتين العبارتين بمستقبل وجوبي ومستقبل عرضي. وظلت عبارة مستقبل عرضي أكثر تداولً، كم يتفق الفلاسفة اليوم على أنّ حقيقة المقبلات الطارئة محددة، أي إنّ المقبلات العرضية هي مقبلات ربما تتحقق، وربما تحدث: لأنّ من المؤكد أيضًا أنّ المستقبل سيُقبِل مثلم ثبت أنّ الماضي قد مضى8. أمّا معجم مصطلحات الاستشراف، فقد فصل بين المستقبل بوصفه مرتبطًا أنطولوجيًا بالماضي، عن تعريف المستقبل انطلاقًا من المستقبل؛ فهناك فرق في طبيعة المستقبل والماضي من منظور الذات المفكرة في المستقبل، والماضي هو مجال الأفعال التي لا يمكن للإنسان فعل أيّ شيء حيالها، وهو أيضًا في الوقت نفسه مجال الأفعال المعلومة9؛ لكن الماضي لا يمكِّننا من أي إرادة أو حرية أو سلطة عليه، بل عكس ذلك ليس للإنسان أيّ ممرسة للمعرفة سوى تجاه المستقبل، فهو مجال الحرية والقوة، وهو أيضًا مجال اللايقين واللااكتمل10. وأمّا تعريف المستقبل انطلاقًا من المستقبل بحسب غاستون بيرجيه، فهو ليس ما هو آتٍ بعد الحاضر، لكنه ما اختلف عن الحاضر، بخاصة ما هو مفتوح. فالمستقبل ليس ببساطة استطالة الحاضر، كم يجب ألّ نراه انطلاقًا من الحاضر ولكن من المستقبل ذاته، بحيث إنّ التخيل هو الفضيلة الأكبر من خلال قدرة الفكر على الخروج من الأطر الجبرية، وجعلها كل شيء قابلً للسؤالية11. من جهته، يُبيّ وليد عبد الحي أنّ مفهوم المستقبل قد تغير عبر الزمن وتطوّر عبر ثلاث حقب تاريخية متزامنة في مجتمعات مختلفة؛ فقد كان يُرى على أنّه جزء من الغيب ذو صبغة لاهوتية، بحيث يقوم الكهّان والمنجمون بدور المتنبئين الذين يعتقد أنّ لهم مخبرين عم سيحدث في الزمن القادم من حوادث كبرى مع حضور نسبي للتفكير العقلاني في المستقبل مثل بناء السدود والمطامر، وعمومًا كان المستقبل المنظور لدى عامة الناس متعلّقًا بالمحافظة على الموارد الأساسية للحياة والأمن12. ثم انتقل الأمر إلى المستقبل المخطّط بمعنى تحديد المستقبل المرغوب فيه؛ وذلك مع الحداثة الغربية وإفرازات الثورة الصناعية وبناء الدولة القومية، فنجحت الخطط الخمسية لتطبيق مشروع تعميم الكهرباء في الاتحاد السوفياتي، وأصبح التخطيط نموذجًا يحاكَ عالميًا. أما المرحلة الثالثة، فهي المستقبل الثوري التي تبلورت فلسفيًا مع غاستون باشلار في القطيعة الأبستيمولوجية؛ وكذا توماس كون في كتاب الثورة العلمية، وعلميًا مع فراشة لورنزو، والنقلات المتتالية

  1. لالاند، ص.456
  2. François Hetman, Le Langage de la prévision (Paris: Futuribles, 1969), p. 20.
  3. Ibid., p. 21.
  4. Ibid.
  5. انظر: هوغ دو جوفنيل، "الاستشراف والسياسة"، استشراف، الكتاب الأول (2016)، ص 9 -.23 الشكل (1) تطور مفهوم المستقبل بحسب وليد عبد الحي المصدر (بتصرف): وليد عبد الحي، الدراسات المستقبلية في العلاقات الدولية (الجزائر: دار شهاب للنشر والتوزيع،.)1991

للفيزياء النسبية والكمومية، وثورات الكمبيوتر والمفاهيم المتولّدة عنها كالسيبرنيطيقا والهندسة الوراثية والتطورات التكنولوجية السريعة اللاحقة، إذ تفوقت أهمية المعلومة على الطاقة. وطبقًا لهذه المراحل، فقد قسّم وليد عبد الحي هذه المجتمعات في هذا العالم إلى ثلاثة أصناف: مجتمعات الماضي، ومجتمعات الحاضر، ومجتمعات المستقبل (انظر الشكل.)1

ومن هنا، أصبحت دراسة المستقبل واستكشافه، بحسب إدوارد كورنيش، ضرورة ملحّة في عصر التغي السريع، بعدما كانا ترفًا حين كان يُنظر إلى المستقبل بعين من الرتابة واستمرار الحاضر؛ إذ نحتاج في عملية استكشاف المستقبل إلى صقل قدراتنا الاستشرافية وتطويرها لغرض استباق تقدير احتياجات المستقبل. فلم يعد الحدس الفطري كافيًا للاستعداد للمستقبل. بل إنّ الاستفادة من المعطيات المتوافرة وتنظيمها منهجيًا مهم قلّت، لها أهمية بالغة في التنبؤ بالمستقبل. ويضيف كورنيش إلى ذلك أنّ المستقبل ينبغي توقّعه والمشاركة في اختراعه، لأنه لم يحدث بعد؛ وهو بذلك مجال واسع لفاعلية الإرادة البشرية. وينصح بالتنبؤ والتخطيط البعيد المدى بحيث يمكِّن ذلك من إتاحة الوقت الكافي للاستعداد التام للتغيرات الكبيرة التي ستأتي لا محالة13. والملاحظ في جلّ هذه التعريفات عند محاولتها تحديد معنى للمستقبل، خضوعها لأحد المحدّدات التي ذكرناها لمفهوم الزمن أو بعضها. ففي تعريف لالاند، جرى ضم مجموعة تعريفات للمستقبل، يخضع كلّ منها لمحدّد زمني مثل المحدّد النفسي للزمن؛ أو الزمن الافتراضي أي المتخيل للممكنات المستقبلية. كم أشار إلى أنّ الزمن مجال متعدّد الأبعاد مثلم أبعاد المكان الذي تجري فيه الحوادث. وفي تعريف دو جوفونال، ركّز على المقارنة بين الماضي والمستقبل والتأثيرات المتبادلة بينهم، عكس غاستون بيرجيه

  1. انظر: إدوارد كورنيش، الاستشراف مناهج استكشاف المستقبل، ترجمة حسن الشريف (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2007)، ص.37-29

الذي ركّز في تعريفه المستقبل على تثمين خصائصه المستقلة عن الحاضر. أما تقسيم وليد عبد الحي المنظورات المختلفة بين المجتمعات في تعريف المستقبل، فكان وفقًا لتأثير البيئة الثقافية والاجتمعية لهذه المجتمعات. وركّز إدوارد كورنيش في تعريفه الضمني للمستقبل على تزايد تسارع التغير وقصر الحقب الزمنية، ما جعل المستقبل أكثر حضورًا من الحاضر في هذا العصر. ما يبيّ من جهة أخرى إمكان مساهمة جميع الروافد الفلسفية والعلمية لبلورة منظور أشمل لفهم الزمن والمستقبل الذي سيفيد بدوره في تشكيل منظور أفضل لفهم للظواهر والتنبؤ بالمستقبل. ومن هذا المنطلق نحاول تبصّ كيف تعامل علمء الاجتمع مع مفهوم الزمن والمستقبل، وأهم آفاق التساند المعرفي والمنهجي بين علم الاجتمع والدراسات المستقبلية.

المنظور المستقبلي يف علم الاجتمع

بعض ملامح المنظور المستقبلي في علم الاجتمع

يعدّ أوغست كونت مؤسس علم الفيزياء الاجتمعية، من جهة أنّه وضع قانون الحالات الثلاث بوصفه مسارًا عامًا يحكم جميع المجتمعات؛ كم تنبّأ كارل ماركس بسقوط الرأسملية وتحوّل الاشتراكية إلى شيوعية؛ ورأى إيميل دوركهايم في النمو الديموغرافي زيادة حتمية في تقسيم العمل وبناء المجتمع العضوي؛ وتنبّأ أليكسس دو توكفيل بمستقبل الديمقراطية في أميركا. لكنّ هذه الأعمل العلمية تدور حول الحفر المعرفي في البنى الاجتمعية السائدة واستيعاب أسسها، من أجل وضع قوانين عامة أو نماذج لتحليل نظام الأسباب وربط المقدّمات بالنتائج في الظاهرة الاجتمعية. فحديثهم عن المستقبل إمّا بوصفه فلسفة للتاريخ وإما تنبؤ إسقاطي بمستقبل ظواهر معينة. وفيم يلي، سنوضح بشيء من التفصيل طبيعة بعض الإضافات العلمية في السوسيولوجيا الفرنسية خصوصًا، لتبيّ منهجية تعاملها مع مفهوم المستقبل. ونبدأ بأوغست كونت الذي قسّم علم الاجتمع إلى قسمين رئيسين: القسم الأول "الديناميكا" الاجتمعية، وتعنى بدراسة قوانين الحركة الاجتمعية، والقسم الثاني هو "الاستاتيكا" الاجتمعية، وتعنى بدراسة المجتمع بوصفه ثابتًا في فترة معينة من تاريخه. كم قسّم تاريخ المجتمع البشري إلى ثلاث مراحل، وهي اللاهوتية والميتافيزيقية والوضعية، مغلقًا بذلك على نفسه أيّ ديناميكية للمجتمع الحالي، كونها وصلت إلى أرقى ما يمكن أن يصل إليه المجتمع البشري وهي "المرحلة الوضعية"، وموجهًا بذلك الدراسات الاجتمعية إلى الحالة الاستاتيكية المحافظة للمجتمع؛ إذ عدّ علم الاجتمع علمً وضعيًا؛ فسمّه أولً بالفيزياء الاجتمعية ودعَا بذلك إلى تطبيق المنهج الوضعي كالملاحظة والتجربة التي تقوم على منطق

المقارنة بين الظواهر الاجتمعية والمجتمعات14. وبحسب كونت، فإنّ جميع العلوم يشترك في إطار منطقي ومنهجي عام، إذ يسعى جميعها إلى اكتشاف القوانين العامة التي تحكم الظواهر. وكان كونت يعتقد أنّه إذا استطعنا اكتشاف القوانين التي تحكم حركة المجتمع الإنساني، فسوف يجعلنا ذلك قادرين على تشكيل مستقبلنا ومصيرنا الشكل نفسه الذي تقدّمه العلوم الطبيعية للتحكم في حوادث العالم الطبيعي؛ وتعبّ عبارته الشهيرة "التنبؤ من أجل التحكم" عن هذا الرأي. ومن جهته، يرى دوركهايم أنّ إعادة النظام الاجتمعي ضرورة اجتمعية؛ فدرس ظاهرة تنظيم العمل وعاصر الثورة الصناعية والتغيرات القيمية والهيكلية الكبرى التي شهدتها أوروبا في عصره وأدّت إلى الاضطرابات الهائلة في النظم الجمعية15. ولاحظ أنّ التطور الكبير الذي عرفته الوظائف الاقتصادية في القرنين السابع عشر والثامن عشر لم تعرفه البشرية قبل ذلك وكان نتيجة للثورة الصناعية، مم جعلها تحتلّ المقام الأول في التأثير والأهمية الاجتمعية مقابل الوظائف الحربية والإدارية والدينية. وقد جلب هذا التحول الجارف في المجتمع اضطراباتٍ قويةً في النظام الجمعي، بسبب تغيّ نمط الحياة اليومية وبُعد البيئة الصناعية عن مراكز التأثير الأخلاقي. وبما أنّ طبيعة الإنسان ميّالة إلى اتباع الأوضاع المحيطة، فإنّ الطبيعة المصلحية المسيطِرة على البيئة الاقتصادية ستأتي على قيم التجرد ونكران الذات والتضحية والصبر، ممّ جعل دوركهايم يتنبّأ بتدنّ مستوى الأخلاق العامة في مستقبل المجتمع الأوروبي16. وقد تنبّأ دوركهايم بزيادة تقسيم العمل بصورة كبيرة مع زيادة النمو الديموغرافي، كم تنبّأ بأنّ الوظائف العلمية هي الوحيدة التي ستكون قادرة على مجاراة الوظائف الاقتصادية؛ لكنّها ستصبح رهنًا لها؛ أي إنّ قيمة وظائف العلم تزداد بمقدار خدمتها حاجات العمل، ممّ وسم المجتمعات الأوروبية بالصناعة قبل كل شيء17. وفي بحثه عن الانتحار، ربط معدل الانتحار بدرجة التمسك الاجتمعي، وحدّد الدين معيارًا لتقدير درجة التمسك الاجتمعي. وأنتج بذلك ثلاث فرضيات أساسية مفسرة ظاهرة الانتحار مرتبطة بدرجة التمسك الاجتمعي؛ وهي الانتحار الأناني ودافعه الفرد نفسه، ثم الانتحار الغيري يدفع إليه الغير، أما الانتحار التحللّي أو اللامعياري فتدفع إليه الفوضى الناجمة عن فقدان النظام الشرعي18. وفي الأخير حاول دوركهايم أن يضع تصورًا شاملً عن الانتحار بوصفه ظاهرة

  1. عبد الباسط عبد المعطي، اتجاهات نظرية في علم الاجتماع، سلسلة عالم المعرفة 44 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1981)، ص.62
  2. المرجع نفسه، ص.14 - 13
  3. إيميل دوركهايم، الانتحار، ترجمة حسن عودة (دمشق: منشورات الهيئة السورية للكتاب، 2011)، ص 197 -.354

مرتبطة شكلً بالتقدم الحادث في أوروبا، وجوهريًا بحالة مرضية تشاؤمية متصاعدة داخل هذا التقدم ستكون سببًا في زيادة معدلات الانتحار اللامعياري19. أمّا بيير بورديو، فقد قام بدراسة فكرة الزمن لدى الفلاح الجزائري من منطقة القبائل الذي يتميّز عنده بالمنطق القدري؛ إذ يتمثل الفلاح الجزائري الزمن من منظور قدري يدفعه للنظر إلى الزمن بوصفه "كمً غير متجانس" بحيث يرتبط بالفصول والنشاطات المتعلقة بكلٍّ منها مثل الحرث وهبوط المطر ونمو المحاصيل... وغير ذلك، كم يرتبط الزمن عنده بحوادث متواترة تتعلّق بحوادث معيّنة مثل ظهور الطاعون أو الكوليرا، ويرتبط الزمن بالسوق (سوق الأربعاء والخميس...) المحدِّدة لمدى الزمن المستقبلي المنظور المحدّد هنا بأسبوع، وهو القياس الموضوعي الوحيد لديه؛ أما الأيام فتمر بصورة استاتيكية قدرية متكرّرة ومحدّدة بحجم المكان22. وتبُرز هذه الدراسة وجهين متعالقين ومهميّن أحدهم متعلّق بتحدي مفهومنا للزمن الاجتمعي: هل هو مقولة خاضعة لتأثير التصورات المكتسبة من الواقع؟ أم هو زمن موضوعي منفصل عن وعينا يمكن اختباره وقياسه ماديًا؟ أم هم معًا؟ وبطبيعة الحال فالدراسة تبيّ أنّ الزمن الاجتمعي مرتبط بتصوراتنا الكونية التي تغلّف وعينا، والوجه الثاني متعلّق بطبيعة تأثير الزمن بوصفه مفهومًا اجتمعيًا وفكرة مسبقة تعيق موضوعية البحث العلمي في الظواهر. وأخيرًا، لخّص إدغار موران التصور السائد عن المستقبل لدى الحداثيين في أنّ الماضي معلوم علمً يقينيًا، والحاضر بطبيعة الحال معلوم، وأساس مجتمعاتنا ثابت، وسينبني المستقبل على هذه الأسس المتينة وبفضل تنمية التوجهات المهيمنة للاقتصاد والتكنولوجيا والعلم. وهكذا اعتقد الفكر التكنو بيروقراطي أنّ بإمكانه التنبّؤ، وعدّ هذا تصورًا تبسيطيًا سائدًا للزمن؛ يستند إلى مبدأ العلّية مبدأ خطيًا، وانطلاقًا من ذلك يمكن التنبؤ بالمستقبل23. واقترح موران فكرة التصور التركيبي للزمن؛ إذ إنّ الماضي لن يساهم في معرفة الحاضر فحسب، بل إنّ تجارب الحاضر تساهم في معرفة الماضي ومن ثمّ تعمل على تغييره، مثل إعادة كتابة الثورة الفرنسية وفقًا لأيديولوجيا الحاضر سواء تجربة الاشتراكية أم البلشفية أم الستالينية أم الفوضوية... وغيرها. ومن ثمّ، فإنّ الصعوبة الأولى للتفكير في المستقبل نابعة من صعوبة التفكير وإدراك الحاضر تبعًا لوهم معرفة الحاضر لأنّنا موجودون فيه25. كم بيّ أنّه يمكننا التنبّؤ بنتائج الأفكار والابتكارات الحالية بينم يصعب توقّع الأفكار والابتكارات المستقبلية الجديدة؛ فالمستقبل خليط من الأمور المتوقّعة وغير المتوقّعة32. وتوصّل إلى أنّ هناك فجواتٍ معرفية بين الماضي والحاضر والمستقبل

  1. قباري، ص.53 - 51
  2. المرجع نفسه، ص.12 - 11
  3. المرجع نفسه، ص.13 الشكل (2) من أجل تصور مركّب للزمن المصدر: موران، إلى أين يسير العالم؟، ص.14

لا يمكن تجسيرها؛ فمعرفة الماضي خاضعة للحاضر الذي تكون معرفته خاضعة للمستقبل. ولذا يقترح موران نموذجًا في تصور الزمن (انظر الشكل.)2

ويرى موران أنّ صعوبات التنبؤ بالمستقبل طبيعة هذا القرن الواحد والعشرين؛ فهو في الآن نفسه في أزمة وفي تطور وفي تقهقر وفي ثورة؛ إذ تتساوى إمكانية فناء الإنسانية مع إمكانية التقدّم الحاسم، وبين الإمكانيتين تصبح الاحتملات كلها ممكنة33.

ملاحظات بشأن المنظور المستقبلي في علم الاجتمع

من خلال تأمّل الأعمل السابقة، نلاحظ إضافات علمية تهتمّ بوضع قوانين الاجتمع الثابتة، يأتي التنبؤ بالمستقبل على أساسها عرَضًا ثانويًا ومحصّلة نهائية على نحو جهد دوركهايم، وتهتم أعمل أخرى بمفهوم المستقبل وتصوره على المستوى العلمي، مثل ريمون بودون الذي رأى في تصور المستقبل وظيفة منهجية تتمثّل بتقليص الجهل بالظاهرة الاجتمعية بحيث يؤدّي الخطأ في التنبؤ إلى اكتشاف خلل في معرفة الظاهرة، ومن ثمّ يزيد من تبصّنا بالواقع وقدرة أكبر على استشراف المستقبل. كم اهتمّ علمء آخرون بدراسة الزمن والمستقبل والحفر تحتها كتصورات ومفاهيم اجتمعية، ثم تحديد أثرها في الواقع الاجتمعي؛ فقد اكتشف بيير بورديو حدود تصور المستقبل لدى الفلاح الجزائري وأثر التفكير القدري في رؤية المستقبل. كم برز النمط التطوري في النظر إلى المستقبل لدى بعض علمء الاجتمع وفقًا للمنظور الخطي للزمن الذي ينتهي التاريخ في مرحلته الأخيرة. فقد عدَّ أوغست كونت تقدّم المعارف أساس التطور الاجتمعي، واضعًا قانون الحالات الثلاث ومنتهيًا إلى المرحلة الوضعية؛ وجعل كارل ماركس الصراع الطبقي أساس

  1. 9 2  المرجع نفسه، ص.42 - 20

التطور متنبئا بالشيوعية نهايةً للتاريخ؛ ورأى دوركهايم في النمو الديموغرافي زيادة حتمية في تقسيم العمل ليصل المجتمع إلى حالة التضامن العضوي. وهي محاولات لوضع قوانين عامة تحكم التاريخ البشري بوصفها هدفًا عامًا للبحث الاجتمعي، بحيث يستضاء في عملية التنبؤ بإسقاطاتها المستقبلية من منظور واحد، وهو المتعلّق بتخصص العالم الاجتمعي، ومنه يكون البحث في الحاضر والماضي هو السبيل لاستشراف المستقبل. وهذا النموذج في التفكير العلمي الحديث سليل للفيزياء النيوتنية والرؤية الميكانيكية للكون التي اعتقدت أنّ باستطاعتها التنبؤ الحتمي المتعلق بسقوط الأجسام إذا تركت من على سطح مرتفع عن الأرض. لم يراكم علم الاجتمع من النظريات والبحوث سوى القليل، نظرًا إلى كونه بزغ متأخرًا؛ ولذلك صبّ العلمء جلّ جهدهم في البداية على استكشاف الواقع من أجل التوصل إلى القوانين الناظمة للاجتمعي والتنبؤ النظري بمستقبل ظواهر اجتمعية محدودة قيد الدراسة، دون الاهتمم بتداخل التأثيرات المتبادلة بين الظواهر غير الاجتمعية. لذا نجد أنّ دراسة التأثيرات المتبادلة بين الظواهر الاجتمعية والبيولوجية والفيزيائية والمعرفية والنفسية التي تنعكس على مفهومنا للزمن، وحتمً على تصوّر المستقبل، لم يأخذها علمء الاجتمع في الحسبان للتنبؤ بالظواهر؛ ممّ جعل كثيرًا من تنبّؤاتهم يصطدم بالواقع. وبحسب موران، فإنّ هذا يحمل مكامن قصور كبيرة ناتجة من المقارنة الفجّة بين تعقيد الاجتمعي وتعقيد البيولوجي وتعقيد الفيزيائي، حيث الفجوات واسعة بين مستويات تعقيدها. ويرى موران أنّ المعرفة الحديثة قامت باختزال الأنثروبولوجي إلى البيولوجي، والبيولوجي إلى الفيزيائي. وهو اختزال تبسيطي ساذج لا يفيد في تكوين معرفة علمية متكاملة وقادرة على التنبؤ، لأنّ الحديث عن التنبؤ مرتبط بالواقع كم هو في تعقيده، وتراكب القوانين الموجهة له41. فمثلً، لا يمكن لقانون الجاذبية الذي ابتدعه نيوتن الإحاطة بالظاهرة الطبيعية إلّ على مستوى تجريدي محدد بعيد عن الظاهرة في واقعها الملموس؛ إذ تتدخل عوامل عديدة مثل الضغط الجوي والبعد عن مركز الأرض وكتلة الأرض، ولها قوانينها الخاصة بها، إذ تتحكم في المسار المستقبلي لظاهرة سقوط المواد تظافر فعل القوانين المتعلّقة بها حتى يمكن التنبؤ بالظاهرة قيد الدراسة، بحيث لا مجال للتنبؤ الصحيح من خلال نظرية تختزل التعقيد الواقعي للظواهر. إنّ إدراك مجال الاتفاق والاختلاف بين مميزات الظاهرة الإنسانية والاجتمعية والظاهرة الطبيعية جدير بالاهتمم؛ فيتفق المجالان عند الدراسة الاستاتيكية للظاهرة بتميّزهم بالطبيعة الحتمية والثبات الحتمي، بينم في حال الدراسة الدينامية تبقى الظاهرة الفيزيائية أكثر ثباتًا من البيولوجيا، وتتسم

الظاهرة الإنسانية بالإرادة والتحرّر. وقد أشار ماكس فيبر في كتابه العلم والسياسة بوصفها حرفة42إلى الدور البارز للخيال والإلهام والقدرة على التصور الذهني في كل مجالات الحياة الاجتمعية وليس للعالِم فحسب، كم قارن ماركس بين أذكى نحلة وأغبى مهندس؛ إذ تعيد النحلة تصميمها السداسي منذ آلاف السنين بينم يصمم المهندس عشرات النمذج المختلفة على الورق. وما يؤكد هذا المبدأ ما يراه باشلار في فلسفته المتولّدة عن التحولّات العميقة في العلم الحديث؛ فهو يؤكّد طبيعة الحركة الجدلية الخلاقة للعلم، وطبيعتها الثورية التي انعكست على نوعية التغير الثوري الذي يشهده واقعنا؛ "فهي تنتقل من قطيعة إلى قطيعة، ولذا فهدف العلم هو التصحيح المستمر للأخطاء، وحركته انفصالية وليست اتصالية بسبب الطفرات التي تصيبه"43؛ ما يجعل من الصعب التنبّؤ بمستقبل ظاهرة اجتمعية بناءً على نظريات خطية أو استاتيكية تبرهن على ديمومة نتائجها بينم تتيبّس وهي في طور الولادة. إنّها فحوى الأزمة التي تحدّث عنها ألفن غولدنر، وما دعا رايت ميلز إلى التفكير بجدية في الخيال السوسيولوجي بوصفه ظاهرة اجتمعية ومقاربة منهجية تهدف إلى توسيع القاعدة النظرية ومراجعة المسلّمت المؤسِّسة التي يستند إليها الباحث الاجتمعي. وقد بدأ هذا الاتجاه المتأزم البارز في علم الاجتمع كم في باقي العلوم، ينفتح على مقاربات الاعتمد المتبادل بين التخصصات والمناهج، وتضمين الذاتي في الموضوعي، أي تحوّل الإطار الموضوعي للبحوث من النظم المعقلنة إلى النظم المعقولة بحسب موران، خصوصًا مع بروز عدّة تحولّات جذرية في أفق واقع المجتمعات الغربية، ومن أهمّها: قصور فاعلية العلوم لإيقاف الحروب (الحربان العالميتان الأولى والثانية)، وعدم قدرتها على مواجهة تعقّد الظواهر، ما دفعها إلى مراجعة مكامن القصور العلمي. التحوّل الجذري في مفهوم الزمن: تحت تأثير نسبية أينشتاين، وتخلّف المنظور الميكانيكي النيوتني. التوصّل إلى نظريات قلبت الأبستيمية المتفائلة للتنبؤ العلمي الاتجاهي؛ على نحو ما أث رت نظرية لورنزو "أثر الفراشة"، و"نظرية الفوضى"، ومعادلة الأنتروبية لِلودفيك بولتسمن44... وغيرها.

  1. أحمد ملاح، المختصر في تاريخ الأبستمولوجيا، مختبر الفلسفة وتاريخها (الجزائر: دار القدس العربي، 2010)، ص.88
  2. Cf. Erwin Schrodinger, What is life? The physical aspect of the living cell [1944], Based on lectures delivered under the auspices of the Dublin Institute for Advanced Studies at Trinity College, Dublin, accessed on 15/3/2017, at: http:// bit.ly/2ozEbvK; انظر الشريط الوثائقي: "وهم الزمن" Time of Illusion The، قناة اليوتيوب، شوهد في 2017/3/15، في: http://bit.ly/2oFBXYP

تحوّل كثير من العلمء إلى مجال ما بين التخصصات أو إلى مفكرين عابري التخصصات، مثل إدغار موران، وألفين توفلر، وأولاف هلمر، وهيرمان كاهن، وغيرهم، في سبيل تعدّد المنظورات لرؤية أكثر شمولً للواقع. أدّى التنافس والتفاعل بين العلوم في تفسير الظواهر إلى نضوج كثير من العلوم نتيجة التراكم الكبير للبحوث والنظريات العلمية، والتحوّل من الاستقلالية إلى الاستفادة المتبادلة بينها؛ كم برزت تجمّعات علمية متعدّدة الاختصاص للتنبّؤ العلمي بالمستقبل وفقًا لمناهج متقدّمة. وخلال هذه الأوضاع المعاصرة، ومن أجل فاعلية أكبر للتحكم في الظواهر بوصفه غاية للعلوم، تبلورت الدراسات المستقبلية للاستفادة من مخرجات البحوث العلمية من نظريات وقوانين متعددة الاختصاص للتنبؤ بالمستقبل وفقًا لمناهج وتقنيات كيفية وكمية، مم يحقّق الغاية الأساسية للعلوم ويربطها بالجانب العملي الواقعي. وتجدر الإشارة إلى أنّ الطبيعة التركيبية والشاملة للظاهرة الاجتمعية قد دفعت العديد من علمء الاجتمع ليكونوا من أوائل المفكرين في دراسة المستقبل وتأسيس الدراسات المستقبلية؛ فكانت بداية تبلور مصطلح الدراسات المستقبلية مع عالم الاجتمع الأميركي جيلفيلان الذي نحت مصطلح ميلونتولوجي Mellontology سنة 1907 الذي يعني باللاتينية أحداث المستقبل52؛ ثم ألّف عالم الاجتمع الألماني أوسيب فلتخايم كتاب التاريخ وعلم المستقبلسنة 1965 وعدّ علم المستقبل فرعًا من علم الاجتمع يقوم بدراسة "منطق المستقبل" مثلم يقوم علم الاجتمع التاريخي بدراسة "منطق الماضي" وتحليله53. وقد لاقى كتاب عالم الاجتمع والمستقبليات ألفين توفلر صدمة المستقبل الذي نشر سنة 1970 رواجًا كبيرًا نبّه من خلاله لأهمية التفكير في المستقبل. ومم لا شكّ فيه أنّ علم الاجتمع له حاجة أساسية هو الآخر لتكون له البصمة العملية لبحوثه من خلال المشاركة بنظرياته وقوانينه في التنبؤ بالمستقبل والتحكم في الواقع. وهو ما يدعونا كي نبلور في العنصر التالي مقاربة منهجية بين علم الاجتمع والدراسات المستقبلية.

مقارنة بين مناهج الدراسات المستقبلية وعلم الاجتمع

تتفرّع مناهج علم الاجتمع إلى اتجاهات مختلفة، وذلك بناءً على نماذج فكرية مختلفة. فبحسب توماس كون، ينبغي أن ينطلق أيّ عمل علمي من تغطية الفجوات المعرفية للباحث بأسس ومسلمت يستند إليها للوصول إلى معارف جديدة؛ إذ ترتفع درجة الارتياب كلم كانت مسلمت الانطلاق تغطي

  1. محمد إبراهيم منصور، "الدراسات المستقبلية: ماهيتها وأهمية توطينها عربيا"، المستقبل العربي، العدد 416 (تشرين الأول/ أكتوبر

مساحات لا معرفية كبيرة، مهم كانت درجة العلمية والصرامة المنهجية المتوخاة بعد ذلك. ولذلك فعملية المقارنة بين مناهج علم الاجتمع والدراسات المستقبلية تتطلب تصنيفًا أوليًا لكليهم. لكن الصعوبة في اعتمد تصنيف موحّد يشمل جميع المناهج الكبرى، تدفعنا إلى الإشارة إلى أهم التصنيفات النموذجية التي تمّت في الحقل المعرفي لعلم الاجتمع وفي الدراسات المستقبلية فحسب. لقد صنّف أنتوني غيدنز مناهج علم الاجتمع إلى ثلاثة أصناف أساسية، وهي: الوظيفية والماركسية والتفاعلية الرمزية؛ ووضع هذا التصنيف بحسب الأعمل الأولى لرواد علم الاجتمع على التوالي: كونت ودوركهايم، وكارل ماركس، وماكس فيبر وجورج هاربت ميد54. وصنّفها موريس أنجرس إلى أصناف أخرى هي: المنهج التجريبي، والمنهج التاريخي72. كم صنّفت هذه المناهج وفقًا لثنائيات؛ مثل: المنهج الكمي والكيفي، والمنهج الوصفي والتأويلي، والمنهج الوضعي والمعياري. ومن هنا، يمكننا ملاحظة أنّ الدراسات المستقبلية تتكوّن من المشارب المنهجية الكبرى التي طوّرت عبر تراكم جميع العلوم وكذا علم الاجتمع؛ غير أنّ هذا يفترض أيضًا تقاربات وتباعدات شتّى بين المناهج المختلفة لعلم الاجتمع والدراسات المستقبلية. فمن الفروق المنهجية بين علم الاجتمع الوضعي والدراسات المستقبلية أنّ الأول يعمل على تشخيص مواضيع محدّدة كالانتحار والفقر والجريمة والزواج والطلاق، ثم يتوصّل إلى استنتاج بشأن واقع الظاهرة والقوانين التي تحكمها. أما مستقبلها، فيستنبط استنباطًا إسقاطيًا اعتمدًا على تعميم نظري استقرائي. وأما الدراسات المستقبلية، فلا تستهدف وضع القوانين التي تحكم الظواهر، بل تدرس التأثيرات المتبادلة بين هذه الظواهر وتأثيرها في مسار المشكل المدروس أو الموضوع قيد الدراسة، إضافةً إلى دراسة مستقبلاتها بوصفها ظواهر معزولة، وكذا تبحث الدراسات المستقبلية في مستقبلات شاملة مجالً أو قطاعًا أو منظمة أو تقنية. وبينم تبحث المناهج الوضعية في علم الاجتمع الوضعي في العلاقات الخطية بين المتغيرات لفهم طبيعة العلاقة الآنية بينهم في فترة زمنية محدّدة ضمن حقبة "الحاضر"، تبحث الدراسات المستقبلية بطرق مختلفة في المستقبل؛ إمّا بهدف استكشاف المستقبل عن طريق دراسة نتائج التفاعل بين المتغيرات بعد مرور فترة من الزمن، وإما سيناريو معياري انطلاقًا من المستقبل ووصولً إلى الحاضر. لكن بطبيعة الدينامية للمنهج، فإنّ هذه المقارنة ليست استاتيكية، بل تتطور لترافق تحولات الواقع. فقد برزت مقاربة التكامل المنهجي والتعدد التخصصي بشكل مؤسّس، بعدما كان الأمر مستقرّا في

  1. موريس أنجرس، منهجية البحث العلمي في العلوم الإنسانية، ترجمة بوزيد صحراوي وآخرون، ط 2 (الجزائر: دار القصبة للنشر، 2006)، ص.106-100

الانغلاق التخصصي تحت تأثير التايلورية، في نهاية القرن التاسع عشر إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، وبفعل ضعف الفاعلية العلمية في معالجة الواقع بسبب الأخطاء في إسقاط النظريات التخصصية على الواقع وتغييره بناءً عليها (القنبلة النووية مثالً). وقد أدّى عدم التساند بين العلوم إلى إضعاف قدرة كل علم مستقلٍّ على التنبؤ على المدى المتوسط والبعيد؛ فعلى الرغم من أنّ خطوات المنهج العلمي الوضعي تبتدئ بالوصف ثمّ التفسير ثم التنبّؤ ثم التحكّم، يتوقّف أغلب البحوث في السوسيولوجيا الوضعية في المرحلتين الأوليين بسبب الضرورات المعرفية والمنهجية التي يقتضيها التنبؤ؛ من تساند المناهج والمعارف المعمقة والمركبة بشتى القوانين والظواهر التي تؤثر في الظاهرة. وقد تبين الفشل الذي تخبطت فيه تنبؤات علمء الاجتمع التي بيّناها سابقًا، ممّ يُظهر الحاجة إلى مناهج خاصة باستشراف المستقبل واستباق الفعل. وبفعل هذه الحاجة العملية في النصف الثاني من القرن العشرين، عادت ظاهرة الانتقال الفردي من التخصص الأصلي إلى تخصصات قريبة بحثًا عن مخارج للأزمات والمشاكل الجديدة آنذاك؛ ثم تحوّل إلى عمل مؤسسي بإنشاء فرق بحث ومؤسسات جامعية متعدّدة الاختصاص؛ الأمر الذي كان في مصلحة تبلور أهمية الدراسات المستقبلية، خصوصًا مع أعمل هرمان كاهن حول مستقبل تبادل الأسلحة النووية. وقد شاعت موجة التخطيط الإستراتيجي في مؤسسات الستينيات، خصوصًا مع نجاح نموذج التخطيط السوفياتي، لكنّها أثبتت بحسب ماري كونواي قصورها في مجاراة التعقيد والتغير السريع للبيئة الخارجية، بسبب افتقاد عنصر أساسي في نماذج التخطيط الموجودة، وهو المنظور التشاركي المستقبلي، أي الاستشراف73. فتح هذا التحوّل الباب واسعًا أمام الاستفادة المتبادلة بين العلوم نظريًا ومنهجيًا، وقاد إلى نظر فسيح وعميق وبعيد في القضايا العلمية، أي إلى الاستبصار، إذ تتناسب القدرة على الاستبصار طرديًا مع حجم المعرفة المكتسبة من العلوم كافة، وحجم النظر وعمقه وبعده وشموليته، وعكسيًا مع درجة التغير والاضطراب. وقد تطورت مناهج الدراسات المستقبلية ليتفرّع منها مناهج كمية ووصفية تعتمد على جمع المعلومات من الواقع بالاستمرات والمقابلات، لملء مصفوفة التأثير المتبادل أو الاستشفاف أو طريقة ديلفي في استشارة الخبراء، أو مناهج كيفية مثل تقنية بناء النمذج؛ إذ صمّم دوركهايم نموذجه عن العلاقة

  1. انظر: سينثيا واغنر، الاستشراف والابتكار والإستراتيجية، ترجمة صباح صديق الدملوجي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص 463-462. ويقول جيمز أوجيلفي في هذا الصدد: "كان يعتقد في التخصصات المختلفة تمثيلا لمختلف فروع المعرفة كشجرة طبيعية، لكن في السنوات الأخيرة أصبحت هذه الخطوط الفاصلة بين التخصصات تبدو تعسفية على نحو متزايد، وهذا هو الظاهر في الحياة العملية للباحثين التي تدلّ على ظاهرة عامة ومميزة بما فيه الكفاية لتدلّ على تغير براديغماتي جذري لأسس الخريطة الثقافية والفكرية"، انظر: James Ogilvy, Futures studies and the human sciences: the case for normative Scenarios , New Thinking for a New Millennium (New York: Routledge, 1996), p. 40.

بين التمسك الاجتمعي وظاهرة الانتحار أو نموذج لوك فان كمبينهود لتفسير العلاقة بين الهامشية والجُناح74. وبهذا يحقق علم الاجتمع شرط النظر العميق الذي يُعدّ أحد أسس الدراسات المستقبلية بحسب غاستون بيرجي. وتتفق المناهج التفاعلية والنقدية والماركسية والفينومينولوجية في علم الاجتمع مع الدراسات المستقبلية في شموليتها واستعانتها بمخرجات تخصصات مختلفة لدراسة الظاهرة نفسها بهدف استخراج معنى تفسيري للواقع. فعلم الاجتمع بحسب ماكس فيبر هو "علم الواقع" الذي يستند إلى الملاحظة الدقيقة للظواهر، بحيث يشمل بحثه عن الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسملية دراسة المعتقدات الدينية والاجتمعية والاقتصادية. كم يعدّه فليب كابان علمً للشمولية. وتتجاوز أعمل ماركس في رأس المالالبعد الاجتمعي لتمر به إلى النفسي والاقتصادي والاقتصاد السياسي82. وفي الاتجاه نفسه يمكن ذكر رواد مدرسة فرانكفورت، بخاصة يورغن هابرماس، وألفرد شوتز، وهربرت ماركوز، وألفين غولدنر، وأنتوني غيدنز، وإدغار موران، وكوروليانيوس كاستورياديس، وميشال مافيزولي... وغيرهم. ويتجاوز علم الاجتمع بذلك هدف اكتشاف القوانين والتحكم في الظواهر بوصفها فيزياء، إلى مقاربة الواقع المركب والصدفوي واللايقيني كم هو. ويرى كليفورد غيرتز، في حديثه عن السيميائية في الأنثروبولوجيا، أنّ هناك فرقًا هائلً بين هدف البحث عن القانون في العلم التجريبي، والتفسير في المناهج التأويلية أي البحث عن معنى؛ ولهذا الفرق آثار تمتد إلى جميع العلوم الإنسانية كعلم النفس وعلم الاجتمع والتاريخ83. وهذا امتداد طبيعي للاتجاه الرومانسي الذي يؤكّد الفارق الجوهري بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية. ومن خلال محاكاة الظواهر الاجتمعية مع الظواهر الفيزيائية، تبيّ بحسب المذهب الوضعي أنّ الفكر الإنساني مثل الضوضاء الحرارية؛ أي إنّها اضطرابات عشوائية عارضة على المستوى الجزئي؛ مم يبقي سلوك المجتمع قابلً للتنبؤ بغضّ النظر عن نوايا الإنسان84. لكن بحسب ألفن غولدنر، فإنّ حساسية "الانعكاسية الاجتمعية" أربكت كل المحاولات لوصف المجتمع كآلة طاعة بسيطة، تسير وفقًا لقوانين خطية، فإنّ العلم نفسه يؤثّر في المجتمع ويغيّ فيه مم يجعل الحركة المستقيمة للاجتمعي مستحيلة. كم يبيّ ريتشارد هارفي براون في مقالة بعنوان

  1. 9 3  انظر النموذجين في: ريمون كيفي وآخرون، دليل الباحث في العلوم الاجتماعية، ترجمة يوسف الجباعي (لبنان: المكتبة العصرية، 1997)، ص.144-139
  2. Ogilvy, pp. 37 - 38.
  3. Ibid., pp. 53 - 54.
  4. Ibid., p. 58. التقابلات الاصطلاحية بين المذهب الوضعي والرومانسي في علم الاجتماع المصدر: Ibid., p. 54.

"الواقعية الرمزية وعلم اجتمع الفكر" مقابلة اصطلاحية بين المذهب الوضعي والرومانسي في علم الاجتمع بحسب الجدول.

المذهب الوضعيالمذهب الرومانسي
الحقيقةالجمال
الواقعالرموز
الأشياء والحوادثالشعور/ المعاني
الخارجالداخل
الموضوعالذات
الوصفالتأويل والتفسير
الدليل والتجربةالتبصّ والنظر
التحديد والفصلالحرية

وبناءً عليه، فإنّ الموضوعية التامة تقتضي الاعتراف بالاتجاه الرومانسي والمعياري الذي يقترب من منهجية الاستشراف المعياري في الدراسات المستقبلية من خلال خضوعها لمنظومة الأخلاق والمعايير التي تقترحها الذاتية الاجتمعية. من جهة أخرى، يؤكّد موران لا قابلية الظواهر الاجتمعية للاختزال والتفكيك، مبرزًا أنّ هناك كلًّ متكاملً بين المستوى الفيزيائي والبيولوجي والأنثروبولوجي؛ أي هناك تكامل حتى بين المناهج الوضعية والرومنسية. فاعتمد مبدأ تعددية الاختصاصات والمناهج يفترض ابتداءًالاستفادة من مخرجات علم الاجتمع الوضعي. ويفتح هذا الاتجاه المجال حتى لا نعدّ المستقبل قدرًا محتومًا، وإنما هو مستقبلات عديدة ممكنة ومحتملة ومجال للإبداع والحرية والفعل الإنشائي. وبحسب ميشال غودي هو مساحة لاستباق الفعل Préaction واستحداثه Proaction. ولذا نجد أنّ الدراسات المستقبلية تولي أهمية كبيرة للسيناريوهات المرغوبة المستندة إلى نظم معيارية مستنبطة من النمذج الفكرية المثالية أو الناقدة للواقع المعيش، إذ تخفّ وطأة الحتمية الوضعية وتنتعش النظريات الفاعلانية والاختيار. وكم يقول توم لوماردو فإنّ المستقبل ساحة فسيحة للإمكانيات؛ وهو الحلبة الوحيدة للوجود التي لدينا فرصة التأثير العملي فيها.

  1. سينثيا، ص.458 بناء النمذج

تقنيات الاستشراف وإمكانات استخدامها في الدراسات الاجتمعية

تعتمد مناهج الدراسات المستقبلية على هيكلة التفكير نحو المستقبل بالاستفادة من تعدّدية اختصاصات روادها؛ فنجدها تعتمد على مقاربات تخصصية مختلفة، مثل الاعتمد على الاحتملات والنمذج الرياضية والمحاكاة الواقعية والافتراضية. كم تستخدم الاستبيانات والمقابلات المشروطة، إضافةً إلى المناهج التاريخية والخيال الموجّه لبلورة السيناريوهات المعيارية والاستكشافية، إضافةً إلى مناهج بين تخصصية. كم تولي المنظور النقدي اهتممًا كبيرًا؛ فليس هناك دراسة استشرافية ثابتة وإنما تتجدّد باستمرار وفقًا لتغير الواقع. وسنكتفي هنا بتحليل تقنية بناء النمذج ومنهجية الاستشراف الإستراتيجي وإمكانات تجسيرها مع مناهج الدراسات الاجتمعية.

يعني بناء النمذج Modélisation بناء نظام نظري يماثل النظام المراد دراسته؛ إذ يشمل كل خصائصه البنيوية من خلال عملية المحاكاة، ثمّ تحديد العلاقات التفاعلية بين مكوّنات النموذج المختلفة، ممّ يؤلّف مجموعة افتراضات على أساس تغيّ جزئي أو كلّ في النظام، ثمّ ترجيح أحد المتغيرات وفقًا للمعطيات المتوافرة. كم تنقسم النمذج إلى نوعين: نماذج النظم الفرعية التي تحاكي عمل قطاعات ونظم محدّدة (إقليم، قطاع البترول، وغيرها)، وكذا نماذج النظم الكلّية التي تحاكي عمل نظام رئيس مثل النظام الدولي. ويمكن تقسيم المتغيّات التي يبنى بها النموذج إلى متغيّات مستقلّة بها متغيرات خارجية لا تنتمي إلى بنية النظام المراد دراسته، ومتغيرات داخلية مرتبطة بالبنية الذاتية للنظام، والمتغيرات التابعة تعتمد على النموذج الذي نضعه. أمّا استخدام النمذج في علم الاجتمع، فكان محل نقاش بين علمء الاجتمع الأوائل، ثم استقرّ الأمر لمصلحة استخدامها. ويعرّف ريمون بودون النموذج أنّه مجموعة من الاقتراحات التي يمكن أن نستنتج منها بطريقة آلية مجموعة النتائج المرتبطة مباشرة بالظاهرة المدروسة التي تصنّف وفقًا لغايتها إلى نماذج معيارية ووصفية وتفسيرية؛ والنقد الموجّه للنمذج هو تبسيطها المفرط للظاهرة الاجتمعية. لكنّ هذا التبسيط له أهميته من حيث الوضوح والفاعلية. وفي حين يركّز النموذج في علم الاجتمع على التحليل الداخلي لمكونات الظاهرة محل الدراسة، تشمل الدراسات المستقبلية تحليل نماذج النظم الفرعية مثل علم الاجتمع، وكذا النظر الفسيح في النظم الكلّية التي تهتمّ بالمتغيرات داخل النظام المدروس، والخارجية المؤثرة فيه. ففي الحالة الأولى تتقارب النمذج السوسيولوجية ونماذج دراسات المستقبل في مكونات النظام المبني؛ بينم تختلف في طريقة

  1. عبد الحي، ص.30-24

تحليله، ومنه تضفي الدراسة المستقبلية للنمذج ثراء تحليليًا في فهم ديناميكية النظام ومستقبله، بينم تتميّز الحالة الثانية بتمثيل أكثر قربًا للواقع للنموذج الشامل باهتممها بالمتغيرات المستقلة المؤثرة من خارج النظام، وعدّه نسقًا مفتوحًا لا يهمل تأثيرات المتغيرات الضعيفة بحيث تعدّ إشارات ربما تتطور لتتحكم في النظام في المستقبل. وبناءً عليه، فإنّ دمج بناء النمذج الكلية في علم الاجتمع سيفيد في فهم أعمق وأكثر شمولً وواقعية للظاهرة الاجتمعية؛ كم سبق وأشرنا فإنّه لا يمكن التنبؤ بمستقبل الظاهرة الاجتمعية بوصفه كلًّ مركبًا إلّ عبر منظور متكامل للزمن.

في إطار أعمل مركز البحث "ليبسور" Lipsor المتخصص في الاستشراف الإستراتيجي للمؤسسات والأقاليم التابع للمحافظة الوطنية للفنون والحرف Cnam، قرن ميشال غودي الإستراتيجيا بالاستشراف والاستشراف بالفعل والتملّك. وأضاف إلى خصائص الاستشراف التي قعّدها غاستون بيرجي "أن ننظر بعيدًا وفسيحًا وعميقًا"، ثلاثة مبادئ أساسية أخرى؛ وهي أن ننظر بطريقة مختلفة (أي الحذر من الأفكار المسبقة)، وننظر معًا (أي التملّك)، ونستعمل مناهج تشاركية صارمة، للتقليص من اللاتماسكات الجمعية التي لا مفر منها في عملية الاستشراف (انظر الشكل).3 تتضمّن هذه المبادئ العملية في النظر إلى المستقبل في المدرسة الفرنسية، ممثّلَة في ميشال غودي، عدّة خصائص يحملها مفهوم المستقبل عند الممرسة العملية. وقد تأكّدنا تاريخيًا من أهمية النظر العميق وجمع المعلومات الدقيقة التي يقدّمها التخصص، والنظر الفسيح الذي تتيحه تعدّدية الاختصاصات، وأهمية النظر البعيد الذي يتيحه استشراف المستقبل. أما الإضافات النوعية، فهي الاهتمم بالنظر الموضوعي إلى المستقبل ورهنه بإدراك المستشرف لتأثير الأفكار المسبقة؛ ويمكن عدّ هذا المبدأ محور اللقاء بين الاستشراف والسوسيولوجيا، نظرًا إلى ارتباط الدراسات المستقبلية بالإنسان بوصفه كائنًا اجتمعيًا وسياسيًا؛ فالخطر الأكبر الذي يهدد انحراف البحث عن مجراه هو تجاذبات الأطر الاجتمعية للمعرفة. وبحسب بيتريم سوروكين، فإنّ الحركة لا تنتهي بين مرحلة المنظومات الفكرية الإلهية والحدسية، ومرحلة المنظومات المثالية العقلانية، ومرحلة المنظومات العينية والحسية. وأما تملّك الفاعلين الأساسيين، فيتضمن إضافة نوعية جديدة متعلّقة بتحفيز داخلي لاستخراج التصورات الفعلية التي تجمع بين الخبرة والرغبة، وتصل المعرفة بعمق الواقع. ويدخل هذا المبدأ ضمن

  1. ميشال غودي وآخرون، الاستشراف الاستراتيجي المشاكل والمناهج، الكراس رقم 20، مخبر ليبسور، ترجمة سليم قلالة، شوهد في، في:2017/3/15 http://bit.ly/2n8nN57
  2. جورج غورفيتش، الأطر الاجتماعية للمعرفة، ترجمة خليل أحمد خليل، ط 3 (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع مجد، 2008)، ص.68 الشكل (3) مبادئ أساسية في الاستشراف الإستراتيجي المصدر: من تصميم الباحث.

ما يسمّيه سلوتر بالمستقبليات المتكاملة بوصفها مرحلة متقدّمة في الدراسات المستقبلية؛ إذ كانت هذه الدراسات تميل في البداية إلى تلبية هيئات محدّدة مثل الشركات التجارية وأقسام التخطيط والمكاتب الاستشارية والوكالات الحكومية... وغيرها، وكانت تتطلب معرفة تقنية بأدوات الاستشراف كتقنية ديلفي والسيناريو، وهم يركّزون بذلك على المجال الجمعي الخارجي كالتكنولوجيا والبنى التحتية... وغير ذلك. غير أنّ سلوتر يقترح تضمين المجال الداخلي في الدراسات المستقبلية، معتمدًا على ما قام به كن ويلبر من استنباط طريقة لدمج الأفكار من تخصصات مختلفة بحسب الشكل (4). وبيّ سلوتر من خلال الدراسات المستقبلية النقدية أهمية الفهم المعمّق للعوامل الاجتمعية والنفسية للقيام بتنبّؤ فائق القوة، ممّ يدعم التساند بين مناهج علم الاجتمع والدراسات المستقبلية من جانبين على الأقل؛ يتعلق الأول بأهمية الانطلاق من الواقع الاجتمعي لتفسير الظواهر وفهمها عبر تقنية الملاحظة والاستبيان والمقابلة مثلً، ويتعلق الثاني بإدماج الذاتي في الموضوعي في الظاهرة قيد الدراسة.

  1. 9 4  سينثيا، ص.494-487

بالاستشراف دون المرور إلى المفاضلة بين السيناريوهات والإستراتيجيات.

لتقنية مصفوفة التأثير المتبادل المدعومة حاسوبيًا ببرمجيات مطورة ومتاحة، وهي:

الداخلية والخارجية، والأثر الرجعي، والاتجاهات، والفاعلين المعنيين.

وميزان القوى، والتقاربات، والاختلافات.

وضغوط الاستبعاد والتفضيل، ومعايير الانتقاء. وفي الوقت نفسه يقوم مبدأ التملّك بتمكين الفاعلين من تحويل نتائج الاستشراف الإستراتيجي إلى عمل ناجع. لكنّ هذا البعد العملي يعدّ خطوة متجاوزة الإطار العلمي في الدراسات السوسيولوجية، ولا يمكن الباحث في إطاره العلمي أن يمارس الاتصال بالواقع إلا من أجل تحقيق الهدف الأول، وهو وصل المعرفة بعمق الواقع. وهنا تظهر محدودية دور الباحث السوسيولوجي في الإطار العلمي في القيام

وأخيرًا، فإنّ عملية استخدام مناهج تشاركية صارمة في هيكلة التفكير، تمرّ عبر المراحل التالية، وفقًا

التحليل الهيكلي: بالاستعانة ببرنامج Micmac، وفيه يجري البحث عن المتغيرات المفتاحية

تحليل إستراتيجيات الفاعلين: بالاستعانة ببرنامج Mactor، وفيه يجري تحديد مواقع الفاعلين،

التحليل المورفولوجي: بالاستعانة ببرنامج Morphol، وفيه يجري مسح حقل الممكنات،

  1. 1 5  غودي، ص.21 الشكل (4) الربْعيات الأربع بحسب كن ويلبر المصدر: سينثيا، ص.490

مناهج الخبراء: بالاستعانة ببرامج Smic وProb-Expert، وفيه يجري تحديد الأسئلة المفتاحية للمستقبل، مع مجموعة افتراضات مرجّحة. صياغة السيناريوهات: وهي آخر مرحلة يجري فيها بلورة الاتجاهات، والصور، والتنبؤات بناء على المراحل السابقة، وتخضع بحسب ميشال غودي لخمسة شروط أساسية؛ وهي الوجاهة والتمسك والاحتمل والأهمية والشفافية؛ وتنقسم إلى نوعين: السيناريوهات الاستكشافية: وهي تمرّ من الاتجاهات السابقة والحاضرة وما تفضي إليه من مستقبلات محتملة، وسيناريوهات الاستباق أو المعيارية التي تبنى من خلال صورة بديلة للمستقبل فتكون محبّذة أو مخيفة، وتتصوّر بطريقة استردادية إسقاطية. تعدّ هذه الخطوات التقنية جوهر الإضافة العلمية لمخبر "ليبسور"، إذ تجمع بين عدّة مزايا منهجية. فإضافةً إلى الحد من اللاتماسكات الجمعية في عملية الاستشراف، بوصفها ضابطًا لعملية تملّك الفاعلين المحاطين بكمٍ كبير من الأفكار المسبقة والتجاذبات الفكرية والمصلحية، من مزايا هذا المنهج الجمع بين عدّة مناهج للدراسات المستقبلية، وإقامة تسلسل منطقي بينها، دون أن تهيمن تقنيًا على الهدف العام من الدراسة الاستشرافية. فالمخبر يقترح عدّة مسارات لتبني هذه التقنيات، ربما تصل إلى التخلي عن بعضها عند الاقتضاء. وتولي هذه التقنيات التأثيرات غير المباشرة بين المتغيرات، ولو من الدرجة السابعة، اهتممًا بالغًا، بفضل استخدام البرامج الرقمية، لضمن قدرة كبيرة على التعامل مع عدد لا نهائي من التأثيرات المتبادلة بين المتغيرات التي ربما تتجاوز التأثيرات المتبادلة بينها 70 (أي برفع الأس إلى 70) تأثيرًا مباشرًا وغير مباشر في تقنية ميكمك كمثال، مع إمكانية تعديلها بسهولة، ممّ يبيّ اهتمم هذه التقنية بالإشارات الضعيفة التي ربما تؤثّر في مسارات الحوادث المستقبلية وتكون مكوّنًا أساسيًا في السيناريو الرئيس. وبالنسبة إلى التحليل الهيكلي وتحليل الفاعلين، فيمكن عدّها مناهج سوسيولوجية جديدة قد تتبوأ مكانتها العلمية ضمن المناهج الكمية في البحوث السوسيولوجية، وتنتج بحوثًا سوسيولوجية أو سوسيو استشرافية، بعد أن أثبتت هذه التقنيات - المناهج جدارتها في تحليل النظم الكلية والفرعية دون فصلها عن الماضي والمستقبل. أما بالنسبة إلى التحليل المورفولوجي ومناهج الخبراء وبناء السيناريوهات، فتعدّ تقنيات وسيطة بين علم الاجتمع والاستشراف؛ إذ تستفيد من مخرجات الدراسة السوسيو استشرافية (تحليل هيكلي، وتحليل الفاعلين) لصياغة السيناريوهات، ومنه يمكن أن تستخدم هذه التقنيات لتأليف دراسات سوسيو استشرافية مكتملة.

  1. المرجع نفسه، ص.56

خاتمة

بناءً على ما استخلصناه بشأن الزمن ذي الطبيعة المتعدّدة الأبعاد الذي يمثّل نقطة تأثير وتأثّر بين الذاتي والموضوعي، وبين المثالي والواقعي، وبين الفيزيائي والفيزيولوجي والأنثروبولوجي، وبين الوضعي والمعياري، يتحوّل فيها الزمن من خط إسقاطي ذي بعد واحد إلى فضاء يمكّننا من تحديد المواقع والاتجاهات الزمنية للأفعال والحوادث، ووفقًا لمبدأ القصور الذاتي وقصور النظر التخصصي، فإنّ الممرسة المفهومية للزمن في واقع البحث السوسيولوجي خضعت لمؤثرات مختلفة؛ أهمها التأثير الثقافي والمعرفي في مفهوم الزمن بوصفه منطلقًا لفهم الظاهرة الاجتمعية، والذي كانت تسيطر عليه النظرة الميكانيكية للظواهر والخطية للزمن، مكّنت من قيام علم الفيزياء الاجتمعية، وولّدت بالتبع اختزالية تخصصية مجحفة أضعف قدرتها على التنبؤ بمستقبل ظواهر أشدّ تركيبًا. وهو ما يبيّ أثر مفهوم الزمن والمستقبل في تصور الواقعة الاجتمعية، والقدرة على التنبؤ، وهو ما سُمّي بلاشفافية الظاهرة الاجتمعية. لكنّ هذه "اللاشفافية" التي انعكست على النظر إلى المستقبل نابعة من لاشفافية الواقع المنظور إليه بعين واحدة، أي بمحدودية مفهومية للزمن. وقد تبيّ صحة هذه الفرضية بعد اختبارنا لها على مستوى بعض علمء الاجتمع؛ ومن ثم حاولنا النظر في إمكانات التجسير النظري والمنهجي بين علم الاجتمع والبعد المستقبلي مؤطّرًا منهجيًا في الدراسات المستقبلية، إذ تبيّ أنّ مناهج الاستشراف هي امتداد طبيعي لمناهج علم الاجتمع، وهي امتداد أيضًا لمناهج باقي العلوم مع تميز الدراسات المستقبلية بقدرتها على دمج المناهج، والاستفادة النظرية من النتائج البحثية من قوانين ونظريات جميع العلوم وفقًا لمبدأ الكلانية، ومنه ما ينتجه علم الاجتمع من نظريات وقوانين، وهي غاية مشتركة مع السوسيولوجيا كعلم شمولي بحسب تعبير ماكس فيبر. ومن خلال تفعيل الأبعاد الاستشرافية لعلم الاجتمع تتحقّق غايتان مهمتان؛ الأولى هي إثراء هذه الدراسات بتلاقح النظري ومنهجي بين التخصصي، والثانية هي جعل هذه الدراسات أقرب إلى الاستفادة العملية في تنوير قرارات الفاعلين ووضع الإستراتيجيات ولا تبقى حبيسة رفوف المكتبات. يندرج هذا التجسير ضمن خطاب علمي ومنهجي مؤسّس للدراسات المستقبلية؛ ويبشّ بانتشارها في جامعات البحث ومراكزه في العالم العربي واستفادة الفاعلين منها بوصفها مجالً حيويًا؛ مع تبنّي إستراتيجيات متعدّدة المستوى؛ أولً في المستوى الثقافي الإدراكي للعقل العربي من خلال بحث مفهوم الزمن والمستقبل في التصورات الفكرية والعقائدية للمجتمعات العربية، لإدراك العوائق أمام فهم موضوعي للدراسات المستقبلية، ومعالجتها وتحويلها خطابًا وثقافة شعبية مبسطة من خلال الأعمل الفنية المختلفة، كالمسرح والرواية والأفلام السينمئية... وغيرها.

وأخيرًا، على مستوى الجامعات ومراكز البحث العلمي عن طريق تأسيس كليات ومعاهد متعددة الاختصاصات والمناهج وتكاملها، وذلك بالاستعانة بترجمت البحوث الجارية في الدول المتقدمة في هذا المجال، ونقل تجارب الجامعات ومراكز البحث في الدراسات المستقبلية والعابرة للتخصّصات؛ وفي الوقت نفسه تجسير الفجوات المعرفية والمنهجية بين الدراسات المستقبلية وباقي التخصصات العلمية، ببحوث ودراسات تؤسس معرفيًا ومنهجيًا لعلاقة كل تخصص بالمستقبل وبالدراسات المستقبلية، وبحوث أكاديمية استشرافية نموذجية تجمع بين عمق التخصص ومزايا الاستشراف.

المراجع

العربية

الجامعية، د.ت.

الجزائر: دار القصبة للنشر،.2006

المطبوعات الجامعية،.1986

دو جوفنيل، هوغ. "الاستشراف والسياسة". استشراف، الكتاب الأول).2016(

الشرقية،.1982

الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية/ وحدة الدراسات المستقبلية،.2016

للثقافة والفنون والآداب،.1978

المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1981

ترجمة سليم قلالة.

الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع مجد،.2008

References

إسمعيل، قباري محمد. علم الاجتمع والفلسفة. ج 2: نظرية المعرفة. ط 2. الإسكندرية: دار المعرفة أنجرس، موريس. منهجية البحث العلمي في العلوم الإنسانية. ترجمة بوزيد صحراوي وآخرون. ط. 2 بودون، ريمون وآخرون. المعجم النقدي لعلم الاجتمع. ترجمة سليم حداد. الجزائر: ديوان دوركهايم، إيميل. الانتحار. ترجمة حسن عودة. دمشق: منشورات الهيئة السورية للكتاب،.2011. في تقسيم العمل الاجتمعي. ترجمة حافظ الجملي. ط 2. بيروت: المكتبة سلوتر، ريتشارد. الدراسات المستقبلية: إطار مفاهيمي. ترجمة خلود سعيد. أوراق. العدد. 21 عباس، إحسان. اتجاهات الشعر العربي المعاصر. سلسلة عالم المعرفة. الكويت: المجلس الوطني عبد الحي، وليد. الدراسات المستقبلية في العلاقات الدولية. الجزائر: دار شهاب للنشر والتوزيع،.1991 عبد المعطي، عبد الباسط. اتجاهات نظرية في علم الاجتمع. سلسلة عالم المعرفة 44. الكويت: غودي، ميشال وآخرون. الاستشراف الاستراتيجي المشاكل والمناهج. الكراس رقم 20. مخبر ليبسور. غورفيتش، جورج. الأطر الاجتمعية للمعرفة. ترجمة خليل أحمد خليل. ط 3. بيروت: المؤسسة غيدنز، أنتوني. علم الاجتمع. ترجمة فايز الصياغ. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2005

فيبر، ماكس. العلم والسياسة بوصفهم حرفة. ترجمة جورج كتورة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2011 كابان، فيليب وآخرون. علم الاجتمع: من النظريات الكبرى إلى الشؤون اليومية أعلام وتواريخ وتيارات. ترجمة إياس حسن. دمشق: دار الفرقد،.2010

كورنيش، إدوارد. الاستشراف مناهج استكشاف المستقبل. ترجمة حسن الشريف. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2007

كيفي، ريمون وآخرون. دليل الباحث في العلوم الاجتمعية. ترجمة يوسف الجباعي. لبنان: المكتبة العصرية،.1997

لالاند، أندريه. موسوعة لالاند الفلسفية. ترجمة خليل أحمد خليل. ط 2. مج 1 و 2 و 3. لبنان: منشورات عويدات،.2001

ملاح، أحمد. المختصر في تاريخ الأبستمولوجيا. مختبر الفلسفة وتاريخها. الجزائر: دار القدس العربي،.2010 منصور، محمد إبراهيم. "الدراسات المستقبلية: ماهيتها وأهمية توطينها عربيا". المستقبل العربي. العدد 416 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2013

موران، إدغار. الفكر والمستقبل مدخل إلى الفكر المركب. ترجمة أحمد القصواري وآخرون. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2004

. إلى أين يسير العالم؟. ترجمة أحمد العلمي. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2009 مؤنس، حسين. الحضارة: دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها. سلسلة عالم المعرفة 1. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1978

واغنر، سينثيا. الاستشراف والابتكار والإستراتيجية. ترجمة صباح صديق الدملوجي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2009

الأجنبية

Hetman, François. Le Langage de la prévision. Paris: Futuribles, 1969.

Gibbons Michael et al. The New Production of Knowledge: The Dynamics of

Science and Research in Contemporary Societies. London: Sage, 1994.

Ogilvy, James. Futures studies and the human sciences: the case for normative

Scenarios , New Thinking for a New Millennium. New York: Routledge, 1996.

Schrodinger, Erwin. What is life? The physical aspect of the living cell [1944],

Based on lectures delivered under the auspices of the Dublin Institute for

Advanced Studies at Trinity College, Dublin.