العودة إلى تفاصيل المؤلَّف استشراف مستقبل الانتقال الطاقي في العالم العربي: دراسة حالة النموذج المغربي

استشراف مستقبل الانتقال الطاقي في العالم العربي: دراسة حالة النموذج المغربي

Predicting the Future of the Energy Transition in the Arab World Case Study of the Moroccan Model

رشيد البزيم

الملخّص

يتطلب الانتقال الطاقي تعديلَ مزيج الطاقة من خلال دمج مصادر الطاقات المتجددة. ويتماشى ذلك مع انتقال قانوني من أجل تعزيز فرص نجاح هذا التحول. وهناك أيضًا حاجة إلى إعادة تكييف سلوك كل فرد من هذا المنطلق، لا سيما من وجهة نظر الحوكمة والتخطيط وتدابير الدعم والإجراءات الإدارية التي تنظم عملية الانتقال. ويتعين أيضًا على هذا التحول التوفيق بين حتميات تنمية الطاقات من مصادر متجددة وموارد التنمية المعقولة. والحقيقة أنه لا يوجد نموذج مثالي للانتقال الطاقي؛ فعلى الرغم من أن بعض البلدان، مثل المغرب، قد بدأت في اعتماد نظام للطاقة يأخذ في الاعتبار أهداف التنمية المستدامة، فإن بعض العقبات يمكن أن تعرقل تطور الانتقال الطاقي. كما يجب أن يراعي التنفيذ الفعال للانتقال الطاقي تجارب الدول الأخرى التي تهدف إلى إيجاد حلول عميقة لتكييف النظم القانونية والاقتصادية والمالية.

Abstract

ملخص:  يتطلب الانتقال الطاقي تعديلَ مزيج الطاقة من خلال دمج مصادر الطاقات المتجددة. ويتمشى ذلك مع انتقال قانوني من أجل تعزيز فرص نجاح هذا التحول. وهناك أيضًا حاجة إلى إعادة تكييف سلوك كل فرد من هذا المنطلق، لا سيم من وجهة نظر الحوكمة والتخطيط وتدابير الدعم والإجراءات الإدارية التي تنظم عملية الانتقال. ويتعين أيضًا على هذا التحول التوفيق بين حتميات تنمية الطاقات من مصادر متجددة وموارد التنمية المعقولة. والحقيقة أنه لا يوجد نموذج مثالي للانتقال الطاقي؛ فعلى الرغم من أن بعض البلدان، مثل المغرب، قد بدأت في اعتمد نظام للطاقة يأخذ في الاعتبار أهداف التنمية المستدامة، فإن بعض العقبات يمكن أن تعرقل تطور الانتقال الطاقي. كم يجب أن يراعي التنفيذ الفعال للانتقال الطاقي تجارب الدول الأخرى التي تهدف إلى إيجاد حلول عميقة لتكييف النظم القانونية والاقتصادية والمالية. كلمت مفتاحية:  الانتقال الطاقي، الطاقات المتجددة، المغرب. Abstract:  An energy transition involves modifying the energy mix by incorporating renewable energy resources. Their emergence implies a legal transition. A re-adaptation of the behavior of each individual is thus needed, particularly from the point of view of governance, planning, support measures and administrative procedures governing the transition. Such transition will also have to reconcile the imperatives of developing energies from renewable sources with those of sustainable development. In fact, there is no ideal model for energy transition. Although it is true that some countries, like Morocco, have started to adopt an energy system that takes into account sustainable development objectives, obstacles might hinder the development of the energy transition. An effective implementation of the energy transition must take into account examples of other countries, which will necessarily lead to an attempt to find deep solutions that will adapt to legal, economic and fiscal systems.

الكلمات المفتاحية:
  • الانتقال الطاقي
  • الطاقات المتجددة
  • المغرب
Keywords:
  • Energy transition
  • Renewable energy
  • Morocco.

دراسة حالة النموذج المغربي Predicting the Future of the Energy Transition in the Arab World

مقدمة

إن المستقبل الطاقي سيكون بيئيًّا أو لن يكون. انطلاقًا من هذه المقولة، يبدو الانتقال الطاقي مرتكَزًا قائمًا بذاته للانتقال البيئي، فضلً عن كونه أساسًا للاستدامة الاقتصادية والاجتمعية1. ولذا فهو مركز اهتمم صانعي السياسات العمومية لوضع نموذج طاقي أكثر تنوعًا، وتوازنًا، وتشاركية. وأصبح مفهوم الانتقال الطاقي خلال السنوات القليلة الماضية يأخذ تدريجيًّا الحيز الذي كان يشغله موضوع الاحتباس الحراري. ولذا يجري تصويره في كثير من الأحيان بوصفه حلًّ شاملً للقلق الإيكولوجي والاقتصادي، أكثر من كونه مصطلحًا محددًا بدقة ووضوح، وهذا ما يتمخَّض عن غموض لا يزال يكتنفه، وصعوبة في تحديد معالمه بوضوح2. فلئن حَظِي مفهوم الانتقال الطاقي بالدراسة في أعمل بعض المؤرخين، فقد فرض نفسه في كثير من التخصصات والمقاربات3. ومن المهم أن نؤكِّد أن هذا المفهوم يشير إلى حركة شاملة تأخذ في الاعتبار الانخفاض في مستوى الطاقات الأحفورية، وآثار الاستهلاك الطاقي في البيئة عمومًا، وفي المناخ خصوصًا، وهو الأمر الذي دفع كثيرًا من الباحثين إلى القول إن الانتقال الطاقي يمكن تعريفه على أنه "العبور من بنية الإنتاج القائمة على الجمع بين مصادر الطاقة إلى أخرى"4، على أن يكون مصحوبًا بتدابير الاقتصاد والفعالية الطاقية؛ فمن المتوقع أن يصل عدد سكان العالم بحلول عام 2040 إلى 9.2 مليارات نسمة، مقارنة 7.4 ب مليارات نسمة اليوم5. وخلال الفترة نفسها، من المرجح أن يتضاعف الناتج المحلي الإجملي العالمي، وأن تنضم مليارات من الناس إلى الطبقة الوسطى العالمية. ومع تضاعف اقتصاد العالم تقريبًا بحلول عام 2040، فإن المكاسب في كفاءة الطاقة والتحول في مزيج الطاقة سيسهمن في انخفاض بنسبة 45 في المئة تقريبًا في كثافة الكربون في الناتج المحلي الإجملي العالمي6. سعت الاختيارات الحكومية إلى مواكبة التوجه الحديث في تدبير الشأن البيئي، وذلك بجعل الانتقال الطاقي مجالً خصبًا للتجاذبات الفكرية والسياسية، مستفيدةً من سياق دولي دينامي. وفي هذا الإطار، عمل المجتمع المدني والدولة والهيئات المنبثقة منها، والشركاء الخواص على بلورة مبادرات عديدة

  1. أثار مفهوم "الانتقال الطاقي" للمرة الأولى عام 1980 المعهد الألماني أوكو فرايبورغ المعترف به بوصفه هيئة علمية ذات منفعة عامة، انظر في ذلك، مثلً: Alice Darson, "Transition énergétique et transition juridique: le développement des énergies," Thèse de doctorat en Droit public, Université de Bordeaux (2017), p. 25.
  2. Henri Safa, Quelle transition énergétique? (Paris: EDP Sciences, 2013), p. 57.
  3. Myriam Maestroni et al., Comprendre le nouveau monde de l'énergie (Paris: Maxima, 2013), p. 77.
  4. Worldometers, "Current World Population," (March 2018), accessed on 30/3/2018, at: https://goo.gl/2Pfti9
  5. ExxonMobil, 2018 Energy & Carbon Summary: Positioning for a Lower-Carbon Energy Future (Irving, Texas: Exxon Mobil Corporation, 2018), p. 3. الشكل (1) مزيج الطاقة بصدد التحول إلى وقود ذي كربون أقل المصدر: ExxonMobil, 2018 Energy & Carbon Summary: Positioning for a Lower-Carbon Energy Future (Irving, Texas: Exxon Mobil Corporation, 2018), p. 3.

جعلت فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، يقدِّر أن الاستثمر في مجال الطاقة المتجددة سيبلغ ثلاثة أضعافه في الفترة 2008 - 2035، مدفوعًا بالأساس بالطلب على توليد الطاقة7. إن أي حديث عن الانتقال الطاقي بمفهومه الواسع يشمل حتمً تعديل أنماط الاستهلاك الطاقي. والواقع أنه لم يعد ممكنًا إنكار ضرورة إعادة تعريف أساليبنا في استهلاك الطاقة، وهذا ما يجعل من المهم تركيز التمويل الحالي أو المستقبلي على أولويات بيئية نظيفة وعملية. والحال أن تنظيم استهلاك الطاقة يستند في المقام الأول إلى قدرة الأفراد على تكييف استخداماتهم الطاقية مع التغيرات في أوضاعهم الأسرية، ومدى تمكنهم من الولوج إلى التكنولوجيات الصديقة للبيئة. وبهذا المعنى، يظهر تطور استهلاك الطاقة المنزلية بوصفه ترجمة لقدراتهم القوية نوعًا ما للتغلب على العادات المختلفة خلال دورة الحياة. تندرج البلاد العربية ضمن هذه المنظومة الكونية الساعية للخروج من الاعتمد شبه الحصري على الطاقات الأحفورية والطاقات غير المتجدِّدة، وتحقيق انتقال طاقي ناجع ومستدام. وسنخصُّ بالدرس

  1. International Energy Agency, World Energy Outlook (Paris: IEA Publications, 2010), p. 51.

والتحليل من بينها في هذه الورقة البحثية الحالة المغربية، من منطلق أنّ المغرب دولة غير منتجة للطاقة، فخياراته تبقى رهينة باستغلال مكامنه، وتطوير مصادر إنتاج الطاقة على أرضه، قَصْد التخفيف من عبء الفاتورة الطاقية. ومثل سائر البلدان العربية التي "أدركت كغيرها من البلدان الأخرى أهمية إيجاد بدائل للنفط والغاز، وأدمجت في خططها التنموية تطوير مصادر جديدة للطاقة"8، وتجسيدًا لانخراطه الفعلي في مسار الانتقال الطاقي، تم الرهان على أن يستهدف المغرب تأمين 52 في المئة من إجملي الطاقة الكهربائية، عبر مصادر الطاقة المتجددة، بحلول عام 2030، مقارنة ب 42 في المئة عام.20209وبالفعل، طوَّر المغرب عددًا من مشاريع الطاقات الشمسية، والريحية، والكهرمائية، وهو ما من شأنه أن يجعله يقلِّل من التبعية للخارج في مجال الطاقة، وذلك على اعتبار أن الطاقات المتجددة بدائل مهمة في هذا المجال. وبفضل ذلك استطاع المغرب اليوم تخفيض نسبة واردات الطاقة من الخارج إلى 93 في المئة، بعدما كانت تبلغ 98 في المئة في عام 200810. ومن الناحية الجيوسياسية، يعتزم البلد إنجاز سوق مشتركة بقطاع الكهرباء مع كل من إسبانيا والبرتغال وموريتانيا، حتى يتسنى له ولهذه الدول اقتناء الكهرباء بأسعار مناسبة11. كم صدّق مجلس الحكومة، مطلع شهر حزيران/ يونيو 2017، على مشروع الإستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، بهدف تحقيق الانتقال التدريجي نحو الاقتصاد الأخضر الشامل، وجعله في خدمة القضاء على الفقر. وفي إطار البرامج والإجراءات التنفيذية للانتقال الطاقي، يتجه المغرب إلى إنشاء محطة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال، بالجرف الأصفر على ساحل المحيط الأطلسي12، وذلك باستثمرٍ إجملي يناهز 4.6 مليارات دولار13. وفي مجال إنتاج الطاقة الكهرمائية، أنشأ المغرب أول محطة لتحويل الطاقة عن طريق الضخ، تصل قدرتها إلى 400 ميغاواط. وقد أنجز المكتب الوطني للكهرباء الدراسات لبناء محطة ثانية قرب مدينة أكادير، وثالثة في منطقة الشمل. وترمي هذه المشاريع للوصول إلى قدرة إجملية تناهز 2280 ميغاواط، أي بمعدل يقارب 14  في المئة من الطاقات المتجددة18.

  1. محمد إيهاب صلاح الدين، الطاقة وتحديات المستقبل (القاهرة: المكتبة الأكاديمية، 1994)، ص.16
  2. La Fédération de l'Énergie, "Transition Energétique et Plan GNL: Objectifs, stratégie et feuille de route," Energie & Stratégie , no. 46 (2017), p. 56.
  3. Ministère de l'Energie, des Mines et du Développement Durable (Maroc), Allocution de Mr. Aziz Rabbah, Sous le thème 'Energie propre et interconnexions énergétiques' (Lisbonne: 14/9/2017), p. 2.
  4. المركز المغربي متعدد التخصصات للدراسات الاستراتيجية والدولية، الدليل المغربي للإستراتيجية والعلاقات الدولية (فاس: المركز المغربي متعدد التخصصات للدراسات الاستراتيجية والدولية، 2012)، ص.‬598
  5. لا يتعلق الأمر بإنتاج الغاز في المغرب، وإنما بتطويره واستخراج الطاقة الكهربائية منه.
  6. المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الاقتصاد الأخضر: فرص لخلق الثروة ومناصب الشغل (الرباط: المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، 2012)، ص.47

والحقيقة أن الأمر لا يتعلق بتعارض الطاقات، ولكن ببناء توازن جديد على أساس التكامل بين مصادر التوريد. وفي هذا الإطار، خصَّ المجلس الاقتصادي والاجتمعي والبيئي، بوصفه مؤسسة دستورية، في تقريره السنوي لعام 2016 المجال الطاقي بأهمية متميزة؛ نظرًا إلى الطابع المندمج الذي يكتسيه الانتقال الطاقي. وعلى الرغم من ذلك، فإن الرغبة في الانتقال الطاقي، ومن ثم السياسات المتبعة لوضع هذا التصور على أرض الواقع، تصطدم بسلسلة من الصعوبات التي من المرجح أن تكرّس نوعًا من الجمود. ذلك أنه على الرغم من "الأهمية الاقتصادية والبيئية لمصادر الطاقة المتجددة" على اعتبار أنها "خيار مستقبلي للتنمية"، فإن "التحول من مصادر الطاقة الناضبة إلى المصادر غير الناضبة ليس بالأمر السهل اقتصاديًّا وماليًّا وتكنولوجيًّا، وحتى سياسيًّا بالنسبة إلى بعض الدول"20. كم يعرف تنفيذ الإستراتيجيات الطاقية على المستوى المركزي والجهوي مشكلات عدة من حيث الاندماج والتناسق والتخطيط والتمويل؛ فغالبية القطاعات لا تمتلك آليات التتبع، وهذا ما يصعِّب عملية التقييم الدقيق للنتائج، ويعقِّد تسريع الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر الشامل. إن المكاسب الناشئة عن إدخال المزيد من الطاقات المتجددة في مزيج الطاقة تبدو واضحة؛ فالأمر يتعلق بطاقة نظيفة، وأقل خطورة، وبمزيد من الاستقلال الطاقي. ولكن هذه الحجج بعيدة كل البعد عن إقناع الجميع. فأحيانًا تُتهَم توربينات الرياح بأنها صاخبة جدًا، وليست مندمجة جيدًا في المناظر الطبيعية. إضافة إلى أن الرياح والشمس توفران طاقة متقطعة فقط، وأنها مكلفة، وليس من السهل دمجها في الشبكة الحالية، فضلً عن أن هذه الطاقات المتجددة، المدعومة من الحكومة، قد تؤدي إلى فواتير كهرباء مبالغ فيها. نسعى في هذه الدراسة إلى بلورة مقارَبة عابرة للتخصصات، تأخذ بمناهج الاستشراف، والعلوم القانونية، والسياسات العامة، من أجل تناول الانتقال الطاقي من منظور انتقالي، مع تحليل الاحتياجات البحثية الاستشرافية المتعلقة بالسياسات الإيكولوجية وعملية نقل الطاقة، إضافة إلى بعض التحديد لمكان الاستشراف المستقبلي في مجال البحوث، دعمً لسياسات الانتقال الطاقي. وسيكون من الطبيعي أن نذهب إلى المحتوى الملموس لهذه التحولات التي ستكون أطول مم يقتضيه المقام هنا، لذا نسلط الضوء على بعض الانعكاسات العامة القائمة على فكرة الانتقال، مع التركيز في المقام الأول على بُعد الإنتاج الطاقي.

أولً: رهانات الانتقال الطاقي

محطة الرياح بدلً من محطة الفحم؛ يبدو أن هذه الفكرة واضحة اليوم بالنسبة إلى الغالبية العظمى من الناس، لأنها تختزل مفهوم الانتقال الطاقي على نحوٍ سهل وممتنع. القصد، إذًا، هو الحد من الغازات

  1. بوعلام عمار شبيرة‬ ونبيل أبو طير، "الطاقة المتجددة وتحديات استغلالها في بلدان المغرب العربي"، مجلة المستقبل العربي، العدد (2017) 458، ص.‬90

المسبِّبة للاحتباس الحراري، من خلال تنفيذ حلول مختلفة، من تخزين انبعاثات الكربون إلى استخدام الطاقات المتجددة، ومكافحة النفايات، وعزل البنايات. وهكذا تؤشِّ ولادة الانتقال الطاقي إلى بداية مرحلة أساسية في تطور الأنظمة الطاقية من خلال تحريرها وضبط آليات اشتغالها.

جهود تحويل إنتاج الطاقة

يهدف الانتقال الطاقي إلى تحويل إنتاج الطاقة من الموارد التقليدية (الطاقة الأحفورية والنووية)، وإلى توليد يقوم بالأساس على موارد متجددة. وفي هذا السياق، يجب القيام بمجموعة من التكييفات والاستثمرات فيم يتعلق بمزيج الطاقة الأصلي، لتشجيع الفاعلين الخواص على تنفيذ هذه الاستثمرات اللازمة لاستخراج الطاقة وإنتاجها من المصادر الحيوية والمتجددة21. لكن الملحوظ أن السياسات المعتمدة تواجه إجهادًا فكريًّا كبيرًا، يتضمن إحداث توازن بين المصالح المتعارضة أحيانًا لمختلف المتدخلين في المعادلة الطاقية (المنتجين، والموردين، ومشغلي الشبكات، والمقننين، والمستهلكين). وهذا من أبرز ما أفادت به دراسة لمعهد فراونهوفر الألماني عام 2013، فقد بيَّنت أن تكلفة توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية والرياح أصبحت أكثر اقتصادًا من تكلفة توليدها من الفحم والغاز والنفط، إضافة إلى أن التحول نحو الطاقة المتجددة يُعد أمرًا إيجابيًّا بسبب أن ربع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون تسببه محطات توليد الكهرباء من الوقود الأحفوري، وأن الكهرباء المولَّدة من مصادر الطاقة المتجددة تشبه تكلفتها اليوم تلك المولَّدة باستخدام التكنولوجيا التقليدية22. ويرتبط تحقيق الانتقال الطاقي برسم معالم سياسة طاقية فعالة، يمكن تحديد رهاناتها الرئيسة في أربعة أبعاد؛ أولها ضرورة توفير إمدادات كافية على مدار العام؛ وذلك لأن النظام الكهربائي يعمل بتدفق ضيق، وهذا ما يعني ضرورة الحرص على تناسب عرض إمدادات الكهرباء مع الطلب في جميع الأوقات، على الرغم من ذروة الاستهلاك (التي تسجل عمومًا في المساء وفي الصباح، وفي فصل الشتاء، حين تكون احتياجات التدفئة أعلى). وهناك رهان ثانٍ يتعلق بالسياسة الطاقية، ويخص تقليص التبعية الطاقية وتحقيق الاستقلال. وجدير بالذكر أن كل بلد يختلف في خصائصه عن الآخر، ويعتمد ذلك على الموارد الخاصة بكل بلد، والبنية التحتية التي سخرها لضمن إمداداته، إضافة إلى موقعه الجغرافي وقدرته على التصدير والاستيراد من جيرانه المباشرين. ومع ذلك، فإن استيراد الكهرباء له تكلفة، لأن هذا التوجه يقوم على المفاوضات مع البلدان المصدِّرة، تبعًا لقدرة البلد التقنية على الاستيراد، ومدى توافر احتياطيات

  1. عبد الرحيم الحافظي، "فرص الاستثمار في الطاقات المتجددة بالمغرب: منطقتان تزخران بالطاقات"، في مجموعة مؤلفين، أوراق المنتدى الفرنسي المغربي حول الطاقات (الرباط: وكالة الجهة الشرقية، 2011)، ص.19
  2. معهد فراونهوفر لنظم الطاقة الشمسية، كلفة إنتاج الكهرباء للطاقة المتجدِّدة (فرايبورغ: معهد فراونهوفر، 2013)، ص 10، موقع معهد فراونهوفر لنظم الطاقة الشمسية، شوهد في:2018/3/30، في https://goo.gl/84GZpH

التوليد في البلدان المجاورة. ويتمثل الرهان الثالث في الجانب الإيكولوجي أو المناخي على الأقل، مع أهداف فرضها على الصعيد العالمي مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن المناخ في باريس في نهاية عام 2015، وما مثّل ذلك من التزام دولي بتعزيز دور المصادر المتجددة في مزيج الطاقة، ودعم برامج وإجراءات للتقليل من الآثار السلبية للتغير المناخي. يجسد التطور الذي تشهده هذه المتغيرات رهانًا رابعًا مهمًّ يتجلى في الحفاظ على تكلفة الكهرباء على مستوى معقول بالنسبة إلى الفرد، ومربح اقتصاديًّا بالنسبة إلى المستثمرين الصناعيين، مع السمح ببقاء الطابع العملي للنظام المعقد لإنتاج الكهرباء ونقلها والإمداد بها. ويجب أن تأخذ السياسة الطاقية التي تتبعها الدولة في الاعتبار مجموعة من المعوقات التي تختلف وفقًا لمصادر الطاقة المستخدمة، خصوصًا تلك التي يمكن أن تنتج الكهرباء. فإذا كان الوقود الأحفوري (النفط، والغاز، والفحم) قد مكَّن من قيام التنمية الصناعية على نطاق واسع في مناطق معينة من العالم، فذلك لا يلغي عدم قابليته للتجديد، وتوافره بكميات محدودة. وعلاوة على ذلك، يسبب حرق الوقود الأحفوري انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وهو ما يتسبب بدوره في التغيرات المناخية اليوم. وعلى سبيل المقارنة، فإن محطات الفحم هي أكثر جنيًا للأرباح من المحطات التي تعمل بالغاز؛ ولكنها أيضًا أكثر تلويثًا؛ ووفقًا لأرقام وكالة الطاقة الدولية، كانت هذه المحطات في عام 2014 تمثل 41 في المئة من إنتاج الطاقة العالمي (الكهرباء، والتدفئة، والنقل)23. وفي أوروبا، يبدو أن الرسالة السائدة اليوم هي الحد التدريجي من استخدام هذا النوع من الطاقة29؛ فعلى سبيل المثال، عرضت ألمانيا تعويضات مالية لشركات الطاقة في نهاية عام 2015 مقابل إغلاق بعض محطات توليد الطاقة القديمة التي تعمل بالفحم31. لقد مثّلت هذه الرهانات الدور الذي أصبحت تؤديه اليوم الطاقات المتجددة التي أخذت تتطور في جميع أنحاء العالم باطراد منذ بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين؛ ففي إطار الاتحاد الأوروبي، وُضعت أهداف لكل دولة عضو لتيسير إدخال الطاقات المتجددة إلى المنظومة الطاقية. وأتاحت المصادر المتجددة التي يُنظر إليها بوصفها مصدرًا للطاقة الخضراء، على الرغم من رفض بعض المهتمين بالفروق الدقيقة هذه الفكرة، توفير استقلالية معينة لإمدادات الكهرباء، وفرصًا للتنمية الاقتصادية

  1. René Iffly, "Transition énergétique: Indispensable et difficile," Le Débat , no. 182 (2014), p. 184.
  2. Aurélien Gay & Marc Glita, Le système électrique européen: enjeux et défis (Paris: Presses des Mines, 2012), p. 36.
  3. في عام 2014، وافق قادة الاتحاد الأوروبي على خفض انبعاثات غازات التسخين الحراري بنسبة 40 في المئة على الأقل بحلول عام 2030، انطلاقًا من مستويات عام 1990، في جميع قطاعات الاقتصاد. وعلى هذا الأساس، أعدَّت المفوضية الأوروبية خلال النصف الثاني من شباط/ فبراير 2015 إستراتيجية جديدة تهدف إلى إقامة اتحاد أوروبي للطاقة يعمل في "مواجهة التبعية وضمان أمن الإمدادات والاستدامة وتوفير القدرة التنافسية للمؤسسات الأوروبية". وقدمت المفوضية عام 2016 مجموعة من التدابير للتعجيل بتحويل أوروبا إلى اقتصاد منخفض الكربون في جميع القطاعات، انظر: European Commission, "2030 Climate & Energy Framework," The European Commission website, accessed on 31/3/2018, at: https://goo.gl/GoAowH

على المستوى المحلي، إلا أن وصولها الواسع النطاق إلى شبكات الكهرباء ساهم أيضًا في خلق بعض الاختلالات. وينطبق ذلك خصوصًا على قطاع الكهرباء الذي يشهد أكبر التطورات حتى الآن؛ إذ يمكن أن يكون لازدهار الطاقة الكهربائية في حد ذاته مضاعفات على القطاعات الأخرى المستهلكة للطاقة، مثل النقل. وهذا ما يدفع إلى التساؤل: هل كان لهذه السياسات تأثير حقيقي في إستراتيجية المورِّدين؟ أم أنها امتثلت للمعايير المفروضة فحسب؟ إن الطاقات المتجددة المتقطعة، مثل الطاقة الشمسية أو الطاقة الريحية، ليست لها عائدات ثابتة يمكن توقعها، لأنها تعتمد على شدة الشمس أو الريح التي تتقلب خلال السنة. وهذا النقص في المرونة يقابَل بإنتاج الكهرباء من المحطات التي تعمل بالغاز، والتي من المرجح أن تكون أفضل استخدامًا في هذه الحالات من محطات الطاقة النووية التي لا يمكن تشغيلها أو إيقافها في وقت وجيز. ومع ذلك، تواجه محطات توليد الطاقة التي تعمل بالغاز اليوم مشكلات في تحقيق مردودية جيدة. وينتج من تطوير الطاقات المتجددة أيضًا تنظيم جديد للشبكة، على نحوٍ يعزِّز اللامركزية أكثر مم سبق، وهو ما يؤدي إلى تكاليف إضافية، فضلً عن التعديلات التي ستباشرها خدمات التوزيع. وتختلف الأهداف والمصالح أحيانًا بين المنتجين والمورِّدين ومشغلي أنظمة النقل ومشغلي أنظمة التوزيع والمنظمين والمسيّين والمستهلكين الصناعيين والأفراد، وغيرهم. ولا يمكن إغفال الفجوة التي تفصل المدافعين عن الطاقة الرمادية (الأحفورية، والنووية) والمدافعين عن الطاقة الخضراء (المتجددة)؛ إذ إن "الطاقة المتجددة بأنواعها المختلفة، وإن ارتفعت تكلفتها الآن، ستكون السوق المستقبلي للطاقة، بدليل التحولات الكبرى في سياسات الطاقة بالدول المتقدمة بأوروبا وأميركا"32. إن الطاقة، بوصفها منتَجًا إستراتيجيًّا يشمله تدخل السلطات العمومية في مستويات مختلفة لوضع سياسة طاقية، تزداد طبيعتها الإستراتيجية حدة مع استيراد هذه المنتجات. واليوم، يتعلق أمن التوريدات بالنفط والغاز الطبيعي، وبالكهرباء أيضًا التي أصبحت سلعة أساسية. وللسياسة الطاقية خصائص بيئة مؤسسية عديدة. وتتعلق البيئة المؤسسية ببنية صناعة الطاقة وأدائها في بلد معين. وقد رأى بعض البلدان في الماضي (أو لا يزال يرى) أن قطاع الطاقة يجب أن يكون تحت سيطرة مباشرة للدولة من خلال شركات مملوكة لها، أما الاتجاه السائد حاليًّا فيتمثل في خصخصة الشركات في هذا القطاع، مع الحفاظ على إطار مؤسسي لمعالجة مشكلات مثل المخزونات ومعايير السلامة، والخدمة العامة، وتنظيم الاحتكارات الطبيعية، والضرائب. ومن المهم أن نستحضر في هذا الصدد الجهود الناجحة لتجربة دولة نامية هي الهند التي تستخدم الطاقة المتجددة بدرجة عالية لتوليد الكهرباء، إلى درجة أنها تُعَد الدولة الوحيدة على مستوى العالم التي لديها وزارة متخصصة للطاقة المتجددة.

  1. محمد مصطفى الخياط، الطاقة لعبة الكبار.. ما بعد الحضارة الكربونية (القاهرة: سطور الجديدة، 2012)، ص.301

تحرير الطاقات المتجددة في المغرب وضبطها

يعود اهتمم المغرب بالطاقات المتجددة إلى افتقاره إلى النفط والغاز الطبيعي؛ أي إن تطوير الطاقات المتجددة هو قرار إستراتيجي في المقام الأول. وعلى غرار عدد من الدول العربية التي رسمت أهدافًا إجملية للطاقة المتجددة بحلول عام 2020، يطمح المغرب إلى تحقيق نسبة 42 في المئة من الطاقة المتجددة المتنوعة: الهوائية، والشمسية، والمائية، متبوعًا بمصر (20 في المئة)، والأردن (10 في المئة)؛ وذلك وفق معطيات نشرتها إدارة الطاقة بأمانة المجلس الوزاري العربي للكهرباء في جامعة الدول العربية33. وهكذا، أخذ دعم الطاقة المتجددة في الاعتبار المكامن الخاصة بالبلد34؛ إذ انضم إلى دائرة البلدان القليلة المنتجة للطاقة الكهربائية بكميات كبيرة من الأشعة الشمسية، ولا سيم من خلال مشروع "نور" في منطقة ورزازات بعد الانتهاء منه في أفق 2020؛ وهو المشروع الذي سيكون أكبر محطة لإنتاج الكهرباء من الأشعة الشمسية في العالم. وتمتد محطة "نور 1" على 750 هكتارًا، وتتضمن 500 ألف مرآة بعلوّ يصل إلى 12 مترًا، متراصَّة على.800 خط لكن السؤال الذي يظل مطروحًا يتعلق بإمكانية نجاح المغرب في الوفاء بتعهداته فيم يخص إنتاج الكهرباء البديلة بحلول عام 2020؛ إذ نلحظ أن بناء قدرات إنتاج الطاقة الخضراء أو إعادة توجيهها35في قطاع الطاقة المتجددة هو بالطبع مكلف ويستغرق وقتًا طويلً. وبوجه عام، تراوح إستراتيجية شركات الكهرباء، ولا سيم الجهات الفاعلة التاريخية المستفيدة من الاحتكار، بين حمية مكتسباتها، على سبيل المثال في محطات الطاقة التقليدية، والأخذ في الاعتبار الطفرة التي أحدثتها الطاقات المتجددة39. وقد سجَّل الطلب على الكهرباء نموًّا مطردًا بلغت نسبته 5.1 في المئة على مدى العقد الماضي، من 22608 غيغاواط/ ساعة في عام 2007 إلى 37219 غيغاواط/ ساعة في عام 2017، كم بلغ متوسط الزيادة السنوية في استهلاك الكهرباء للفرد الواحد 4.4 في المئة، على مدى السنوات العشرين الماضية40.

  1. جامعة الدول العربية/ إدارة الطاقة، دليل الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة (القاهرة: جامعة الدول العربية، 2015)، ص.5
  2. الملحوظ أن المشرِّع المغربي لم يعطها تعريفًا محددًا من خلال القانون رقم 13.09 المتعلق بالطاقات المتجددة، إذ اكتفى بتعداد مصادر هذه الطاقات. وبدورها، لم تُجمِع المنظمات الدولية المهتمة على تعريف شامل.
  3. أحمد مجيب، "تطور المرفق العام للكهرباء في ظل التحولات القانونية والمؤسساتية المعاصرة"، ‬المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 131 (2016)، ص.103
  4. Office National de l'électricité et de l'eau potable/ Branche Electricité, "Développement de l'énergie solaire au Maroc," Conférence sur l'énergie solaire photovoltaïque Technologies pour la consommation propre dans l'industrie - Approvisionnement en eau, Casablanca, 28/11/2017.

وقد تم إنشاء ترسانة قانونية تتضمن مجموعة من النصوص التشريعية والتنظيمية، وإنشاء مؤسسات من أجل المشاركة في إرساء سياسة حديثة للطاقة41. وفي هذا الإطار، يمثّل القانون رقم 13.09 المتعلق بالطاقات المتجددة عاملً مهمًّ في تحرير هذا القطاع وفتحه للمنافسة؛ إذ يحث الخواص على الاستثمر في إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقات المتجددة، مع رسم غاية تصدير الكهرباء "الخضراء"42. ولا يمكن تحقيق المنافسة في هذا القطاع بين مختلف الجهات الفاعلة من دون المرور بنوظمتها وتقنينها، وذلك بتحقيق التوازن المطلوب بين مبدأ المنافسة ومبدأ آخر منافٍ لها، كم هي الحال مع شبكة نقل الطاقة التي يجب أن تبقى دائمًا ضمن احتكار اقتصادي طبيعي من الفاعل العام الوطني، وهو المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب (فرع الكهرباء) في النموذج المغربي. والتقنين، عمومًا، هو عمل سلطة إدارية مستقلة، أيًّا كان اسمها (سلطة، مجلس، مفوضية...)، تتميز تحديدًا باستقلاليتها تمامًا عن الإدارة "الكلاسيكية"، أو عن خدمة عمومية أو مؤسسة عامة، تخضع لقانون السلطة الهرمية. وإن وجود مجموعة من الجهات الفاعلة العامة والمشغلين الخواص في سوق الطاقة يعمل حتى الآن من دون وجود هيئة تنظيمية مستقلة، كم هي الحال في فرنسا مع "مفوضية تقنين الطاقة" بوصفها هيئة إدارية مستقلة وُلدت بموجب قانون 10 شباط/ فبراير 2000 بشأن تحديث خدمة الكهرباء العامة وتطويرها، وهي المسؤولة عن تنظيم قطاع الكهرباء والغاز؛ وهي إشارة لمن يَعُد الكهرباء منتجًا مهمً جدًّا إلى درجة ألّ يعهد بتنظيمه بمفرده إلى سلطة إدارية مستقلة عن السلطة السياسية. ومع ذلك، ما زالت الحكومة الفرنسية تسيطر على سلطة تحديد تعريفات الكهرباء والغاز، ولا يمكن الهيئة التنظيمية إصدار توصيات في هذا المجال43. ما زال قطاع الطاقة في المغرب يخضع لإدارة عديد من المتدخلين: رئاسة الحكومة، ووزارة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، ووزارة الداخلية، ووزارة الشؤون العامة والحكامة. وهذه التعددية من الجهات الفاعلة العمومية هي ما يدعو للتفكير في مشروع إنشاء سلطة وطنية لتنظيم الطاقة؛ لضمن الامتثال للقواعد السارية، والحفاظ على المنافسة بين المشغلين في أسواق الكهرباء والغاز، وتحديد التعريفات والشروط للولوج إلى شبكة النقل والربط البيني.

  1. Olivier Beatrix, "L'indépendance de la Commission de régulation de l'énergie," Revue française d'administration publique , no. 143 (2012), p. 769.
  2. استُحدثت مؤسسات عدة لتنفيذ الإستراتيجية الوطنية في مجال الطاقة، كالوكالة الوطنية لتنمية الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية، والوكالة المغربية للطاقة الشمسية، وشركة الاستثمارات في مجال الطاقة، ومعهد البحث في الطاقة الشمسية والطاقات المتجددة. ووُضِع إطار تشريعي وتنظيمي جديد يتمثل في القوانين المتعلقة بالنجاعة الطاقية، ودمج المكتب الوطني للكهرباء والمكتب الوطني للماء الصالح للشرب، والقانون رقم 13.09 المتعلق بالطاقات المتجددة، والقانون رقم 48.15 المتعلق بضبط قطاع الكهرباء وإحداث الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء، والقانون رقم 37.16 الذي يقضي بتغيير وتتميم القانون رقم 57.09 المحدثة بموجبه الشركة المسماة "الوكالة المغربية للطاقة الشمسية"، والقانون رقم 39.16 الذي يقضي بتغيير القانون رقم 16.09 المتعلق بالوكالة الوطنية لتنمية الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية.
  3. Rachid El bazzim, "L'ouverture à la concurrence et la loi n° 13 - 09 relative aux énergies renouvelables," Al Manara pour les études juridiques et administratives , no. 12 (2016), p. 70.

والواقع أن تنفيذ القانون رقم 13.09 المتعلق بالطاقات المتجددة استقطب انتباه المستثمرين الخواص من خلال الاستثمر في مشاريع محطات الرياح التي تقوم الشركات المغربية والأجنبية بتطويرها. ومن المؤكد أن المستثمرين الذين يختارون بناء محطات طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية بموجب القانون 13.09 سوف ينوِّعون العرض، ويلبون الطلب المحتمل في هذه السوق، حتى يتسنى لكبار مستهلكي الكهرباء "الخضراء" استخدامها لأسباب بيئية واقتصادية من أجل خفض تكاليف الإنتاج، مثل مصانع الإسمنت، والمطارات، ومكتب السكك الحديدية، وما إلى ذلك. وفي هذا الإطار يأتي إنشاء هيئة وطنية لضبط الكهرباء، خصوصًا، استجابة للطلب التصاعدي على الطاقة الأولية والطاقة الكهربائية، وخصوصًا عبر تطوير قدرات جديدة من الطاقات المتجددة تصل إلى 10100 ميغاواط في أفق عام 2030، وتقليص التبعية الطاقية من خلال تطوير متصاعد للطاقات المتجددة التي أصبحت أكثر تنافسية بفضل وفرة المكامن المغربية وخصوصياتها51. غير أنه يتجلى أن إرساء قواعد الشفافية التي ينبغي أن تحكم سير المرافق الطاقية والشراكات بين القطاعين العام والخاص لضمن تنميتها قد جعل المغرب طرفًا في حركة عالمية لتنفيذ عقود الشراكة المتطلبة لتمويل خاص للخدمات والبنيات التحتية؛ وهو أمر تحفزه وتدعو إليه المؤسسات المالية الدولية مانحة القروض التي تسعى إلى تعزيز أدوات الحكامة للبلدان الناشئة. وفي هذا الصدد، وفقًا لبشير معزوز، ينبغي دمج أربعة مستويات من التحليل لشرح تطور الشراكات بين القطاعين العام والخاص بوصفها أشكالً من الارتباط بين القطاعين العام والخاص: "استمرار هشاشة المالية العامة، والإحباط المتزايد للرأي العام بشأن نوعية الخدمات العامة، وظهور خطاب ليبرالي جديد يؤكد استخدام آليات السوق لتوفير الخدمات العامة، وميل الحكومات إلى تقليدها، من خلال تكييفها، للتجارب الأجنبية التي تعتبر إيجابية (تقليدانية مؤسساتية)"52.

ثانيًا: المقتضيات القانونية الانتقالية للانتقال الطاقي

بنظرة إجملية إلى المقتضيات القانونية المتعلقة بالانتقال، يمكن رصد سياسة إرادوية معلنة من جانب السلطات الحكومية لتشجيع الانتقال في مجال الطاقة؛ ومع ذلك فإن الأمر يعتريه كثير من الصعوبات، ويتطلب استشراف آفاق هذه الإستراتيجية الطاقية العرضانية.

القواعد الانتقالية لترسيخ الانتقال الطاقي

يتطلب الانتقال الطاقي اتفاقًا على المواعيد النهائية والهدف المستهدف. ومع ذلك، فإن السيناريوهات الطاقية المختلفة على المدى الطويل تقدم لنا آفاقًا متباينة جدًّا؛ إذ نلحظ أن خمول القطاع الطاقي

  1. 0 3  مجلس النواب (المغرب)، تقرير لجنة القطاعات الإنتاجية حول مشروع قانون رقم 48.15 يتعلق بضبط قطاع الكهرباء وإحداث الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء (الرباط: مجلس النواب، 2016)، ص.7
  2. Bachir Mazouz, "Les aspects pratiques des partenariats public-privé," Revue française d'administration publique , no. 130 (2009), p. 216.

والعراقيل الاقتصادية والمالية يفرضان نهجًا تشريعيًّا متعقلً لمقاربة مزيج الطاقة والجهود البحثية والابتكارية المهمة للانتقال من اقتصاد جشع بالطاقات الأحفورية إلى اقتصاد خال من الكربون. ويعد تحسين نجاعة الطاقة مسألة ذات أولوية؛ سواء أكان بفضل التقدم التكنولوجي، أم بفرض تغييرات على أنماط حياتنا. كم يجب أن يعالج النقاش المتعلق بالانتقال الطاقي هذا الموضوع بوصفه محورًا رئيسًا بدلً من التركيز على تركيبة مزيج الطاقة فقط. وقد تبين بالفعل كيف أن الاهتمم بتوفير الطاقة أو استخدام الطاقة المنتَجة من مصادر الطاقة المتجددة يؤثر اليوم في مجموع قواعد القانون العام. ونحن نخص بالذكر القوانين المتعلقة بالتخطيط العمراني والبناء، والمخططات على جميع المستويات، والممرسة العملية للبلديات والجمعات الترابية، والعقود العامة؛ وتؤكد المستجدات القانونية هذا الاتجاه في جميع المجالات المذكورة. ومن الواضح أيضًا أن هناك حاجة إلى زيادة دور الطاقات المتجددة في مزيج الطاقة. ولكن النظر إلى أن الطاقات المتجددة يمكنها أن تحل، على المدى القصير، محلَّ الوقود الأحفوري على نطاق واسع هو فرضية محفوفة بالمخاطر. فكثير من المناطق ليست جاهزة بعد من الناحيتين الفنية والاقتصادية، فضلً عن قبولها الاجتمعي الذي لم يتحقق. ولذلك فمن الضروري التفكير في الانتقال الطاقي ببراغمتية، وجَعْل التقدم المحرز حتى الآن في الطاقات والتكنولوجيات الحالية (خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتوفير الطاقة) محفزًا لغدٍ أفضل. ولم يزل تحدي ترشيد استهلاك الطاقة يلاحق المشرع، وفي هذا الصدد نصّت المادة 7 من القانون الإطار رقم 99.12 الذي يُعَد بمنزلة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة على "تشجيع استعمل الطاقات المتجددة وتكنولوجيات النجاعة الطاقية لمكافحة كل أشكال تبذير الطاقات"61. من جانب آخر، وعلى الصعيد الترابي، نصت المادة 82 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات على أن الاختصاصات الذاتية للجهة في مجال التنمية الجهوية تشمل البيئة "من خلال تهيئة وتدبير المنتزهات الجهوية؛ ووضع إستراتيجية جهوية لاقتصاد الطاقة والماء؛ وإنعاش المبادرات المرتبطة بالطاقة المتجددة". وجاء في المادة 87 من الباب الثالث للقانون التنظيمي المتعلق بالجمعات أن من بين الاختصاصات المشتركة مع الدولة المحافظة على البيئة. ونصَّت المادة 278 من القانون نفسه أنه يمكن لنصوص تشريعية خاصة أن تسن، عند الاقتضاء، تدابير استثنائية بخصوص صلاحيات رؤساء الجمعات في ميدان التعمير، وذلك فيم يتعلق "بوضع تدابير استعجالية أو ضرورية لحمية البيئة والمحافظة عليها، في بعض المناطق". لكن الملحوظ هو غياب أي إشارة إلى مبدأ الانتقال الطاقي في الحزمة الجديدة من القوانين المتعلقة بالتراب المغربي، عكس ما هو معمول به في فرنسا؛ إذ أخذ الإصلاح الترابي في الاعتبار أيضًا الأهداف

  1. يحيا عبد الكبير، " قراءة في قانون إطار 99 / 12، بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة"، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 125 (2015)، ص.78

المتصلة بانتقال الطاقة. ويعطي القانون 58 لسنة 2014 المؤرخ في 27 كانون الثاني/ يناير 2014 المتعلق بتحديث النشاط العمومي الترابي دور القائد للجهات، خصوصًا في التخطيط والتنمية المستدامة والمناخ وجودة الهواء والطاقة. أما التحدي المهم على الصعيد المالي، فيتجلى في الطلبيات العمومية التي تشمل الحديث عن الأموال العمومية وطريقة إنفاقها والحفاظ على المال العام، ومدى ارتباط ذلك بالاستثمر وتحقيق النمو الاقتصادي والاجتمعي. وهذا ما جعل حمية البيئة والتنمية المستدامة مبدأ من مبادئ إبرام الصفقات العمومية وأحد معايير حسن تدبير الطلبيات العمومية. نجد كذلك من بين أبرز التحديات التي تناولها القانون قطاع البناء والعمران؛ إذ يتمثل الأساس المنطقي لإنشاء ضابط البناء العام المحدد لقواعد الأداء الطاقي للمباني في الحد من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والتحكم في الطلب على الطاقة في قطاع البناء، وهو قطاع يبلغ نصيبه أكثر من 25 في المئة من حصيلة استهلاك الطاقة في المغرب. وتتجلى القيمة العملية التي يتضمنها المرسوم رقم 2.13.874 الصادر في تشرين الأول/ أكتوبر 2014، المتعلق بالموافقة على ضابط البناء العام المحدد لقواعد الأداء الطاقي للمباني، وبإحداث اللجنة الوطنية للنجاعة الطاقية في المباني، في إعمل المعايير المنصوص عليها في هذا التنظيم ضمن رخص البناء، من خلال الضوابط الجديدة المؤطِّرة لقواعد البناء بالمغرب، وهي التي دخلت حيز التنفيذ منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2015. إن الأمر يتعلق بمقاربة جديدة في مجال التعمير، تعتمد المعايير البيئية والطاقية في تجهيز المؤسسات العمومية والترخيص بإقامة المباني والتجهيزات السكنية. غير أن التنزيل السليم لهذه المقتضيات يفرض إلزامية خضوع أطر إدارة التعمير والمنتخبين المشرفين على تسيير الجمعات للتكوين المستمر في موضوع التعمير ومسايرة التطورات المتلاحقة في مجال الانتقال الطاقي. ونلحظ أنه يمكن تدبير الانتقال الطاقي من الزاوية المؤسسية أيضًا؛ إذ سعى القانون التنظيمي المتعلق بالجمعات إلى مواكبة التوجه الحديث في تدبير الشأن الترابي، وذلك بالدفع بها إلى التدبير المؤسساتي لمشاريعها عن طريق شركات التنمية المحلية، باعتبار ذلك منهجًا أصيلً في التدبير بواسطة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وجعل هذه الشركات آليات مؤسسية متميزة؛ إذ إنها تجمع بين الأشخاص المعنوية الخاضعة للقانون العام والشركاء من القطاع الخاص، على نحو يمنحها الطابع المتعلق بالقانون العام والمصلحة العامة، وفي الوقت نفسه شكل شركة مساهمة خاضعة للقانون الخاص62.

  1. نستحضر هنا تجربة شركة التنمية المحلية سلا نوور لتدبير خدمات الإنارة العمومية باعتماد تقنيات وطرق حديثة في التدبير، كثمرة شراكة بين القطاعين العام والخاص، تجمع بين الجماعة الحضرية لمدينة سلا، بوصفها سلطة متعاقدة، وشركة أوكسا المغرب، وشركة الاستثمارات الطاقية. ويهدف هذا المشروع إلى الانخراط في السياسة الوطنية في مجال النجاعة الطاقية والطاقات المتجددة.

والواقع أن النصوص القانونية تطرح تساؤلات بشأن آثار التشريعات الرامية إلى تنفيذ تدابير الانتقال الطاقي؛ إذا لم يتم إرفاقها بخطط التقييم والأجرأة، من خلال صياغة أهداف ملزمة، مع تحقيق مزيد من التنسيق مع الشركاء الدوليين والوطنيين والمحليين على جميع المستويات. ذلك أن التأطير القانوني لمبادئ انتقال الطاقة هو بطبيعته متعدد الأبعاد، ويصعب تقديره بدقة. وتُعزِّز نقاط الضعف الكامنة هذه عملية إدماج "مقتضيات الانتقال الطاقي" في سياق قانوني أكثر شمولية. وتتجلى مواطن ضعف الإطار القانوني المنظم للانتقال الطاقي في المغرب في عدم صياغة نص قانوني صريح وواضح يتعلق بالانتقال الطاقي كم هي الحال في فرنسا من خلال قانون 17 آب/ أغسطس 2015 المتعلق بالانتقال الطاقي من أجل النمو الأخضر. وثمة من يرى في اللجوء إلى الوسائل المالية سبيلً من سبل الانتقال؛ والحقيقة أن المزاوجة بين القضايا المتعلقة بالانتقال الطاقي والتمويل تدفع إلى التفكير في المرونة والابتكار بوصفهم أمرين ضروريين لمواجهة تلك التحديات، مع تنويع الأساليب والممرسات، وكذا الإجراءات المالية التي تحقق التغيير63. وللقيام بذلك، يلزم إجراء تعديلات، لا سيم على الصعيدين القانوني والهيكلي، قصد استهداف مجالات عدة. وبهذا المعنى، يتم بصفة خاصة إبراز أهمية موثوقية الأدوات المتاحة، من أجل التحكم في المعلومات الدقيقة والحقيقية عن الأهداف الضريبية، ووضع أطر قانونية ومالية مستقرة للعمليات المعنية بالانتقال الطاقي، والحصول على وثائق تعاقدية صارمة وواضحة، وكذلك الحد من نشاط القطاع غير المهيكل، وتأمين المعاملات.

الآفاق المستقبلية للانتقال الطاقي في المغرب

تناولنا بالدرس والتحليل المعايير القانونية التي تؤطر واقع الانتقال الطاقي في المغرب، وبيَّنَّا عددًا من أوجه قصورها وعدم اتساقها؛ بيد أن إنجاح هذا الانتقال في المستقبل لا يمكن أن يقتصر على هذه الأبعاد القانونية. فإذا نظرنا إلى القانون البيئي، يمكننا القول إن الانتقال الطاقي لم يعد مسألة معايير في المقام الأول؛ لأن الأهداف والالتزامات، في معظم المجالات، واضحة. ولكن القاعدة توجه المنظور من دون أن تبني الواقع؛ فالقانون يسمح بالتغيير، لكن لا يمكنه أن يفعل ذلك منفردًا. وفي مواجهة الأزمة، يجب التفكير في العجز في الميزان التجاري المغربي، وفاتورة الطاقة التي تؤثر في الملايين من الأسر. لذلك يجب أن يتم الانتقال الطاقي بتدرج، وألا تتوقف حصة الطاقات المتجددة عن النمو في مزيج الطاقة لدينا. ويمكن هذا من خلال رفع العديد من التحديات للوصول إلى نضج التكنولوجيات، لضمن طاقتها وربحيتها الاقتصادية، وتخزينها، وقبولها، وأخيرًا، لإنشاء القنوات المرتبطة بها. وحتى لو افترضنا أن حصة المحروقات في مزيج الطاقة آخذة في الانخفاض، فإنها ستؤدي دورًا رئيسًا في الانتقال الطاقي من خلال تلبية الطلب الحالي على الطاقة، وإعطاء الطاقات المتجددة الوقت لتأخذ

  1. في فرنسا مثلً، يمكن المرء الاستفادة من الائتمان الضريبي إذا كان ينفق على الجودة البيئية لمسكنه الرئيس. ونذكر أيضًا القروض البيئية بلا فوائد التي تُخصص للأفراد الذين يرغبون في تحسين اشتغال الطاقة في منازلهم، لزيادة أدائها الحراري وللحدِّ من استهلاكهم الطاقي.

مكانها. ولا ينبغي أن ننسى أن المحروقات لا تستخدم لإنتاج الوقود أو الكهرباء فقط، ولكنها شائعة أيضًا في المنتجات والاحتياجات الأساسية في حياتنا اليومية؛ الملابس، والأدوية، ومستحضرات التجميل، والبلاستيك... إلخ. ولذلك، فإن التحدي هو إنتاجها وتحويلها واستخدامها بطريقة أنظف وأكثر اقتصادًا، والاستعاضة عنها تدريجيًّا. ويعتمد الشعور بالقلق البيئي على واجب التضامن باحترام الأجيال المقبلة التي ستعاني العواقب الكاملة للإشكالات الطاقية. لذلك، من الضروري أن نخفض استهلاكنا للوقود الأحفوري من خلال اعتمد أنماط حياة أكثر بساطة، ومكافحة جميع أشكال التبذير؛ لأن استخدام الطاقة استخدامًا صحيحًا ليس مرادفًا للتقشف. ويتأتى ذلك بواسطة المباني المعزولة حراريًّا، مع العلم أنها تستهلك كمية مهمة من الطاقة، ويبرز تحدي الحد من درجة حرارة تدفئة البيوت والمكاتب، وتطوير برمجة المنزل الآلي، والحد من تشتت التخطيط الحضري، ونقل البضائع مسافات طويلة71، ومكافحة الممرسة المنهجية للمنتجات غير قابلة للإصلاح، واستعادة النفايات، والحد من استخدام الأسمدة النيتروجينية في الزراعة، والتقليل من إزالة الغابات، وحمية التنوع البيولوجي، والحد من استهلاكنا لحوم البقر (إذ تسهم الماشية بقدر النقل فيم يتعلق بانبعاثات غازات الاحتباس الحراري)، وفرض ضرائب رادعة على الملوثين، وما إلى ذلك72. وينبغي أيضًا تحقيق النجاعة في جميع أنظمة إنتاج الطاقة المستخدمة في المركبات، والتدفئة، والإضاءة. ويمكن تقدير أن التدابير السابقة لاقتصاد الطاقة وتحسين كفاءة استخدامها، إذا طبقت على نحو سليم، ستخفض استهلاكنا للطاقة بحلول النصف الأول من عام 2020. فاستهداف تدفئة المباني وعزلها الجيد، سيساعدان على تخفيض الاستهلاك بمقدار أربع مرات73. وأخيرًا، من الضروري الدفع بتنمية الطاقات "الخضراء" بجميع أشكالها. وبما أن إنتاج هذه الطاقات (الشمسية والريحية على وجه الخصوص) متقطع في جوهره من حيث الزمن ومنتشر جغرافيًّا، فإن الاستهلاك غير منتظم أيضًا، ولذا من المهم البحث في الوقت نفسه عن نظم كافية لتخزين إنتاج الكهرباء وإعادة النظر في شبكات التوزيع التابعة لها؛ وهي مهمة شاقة، تستغرق وقتًا طويلً، وتؤدي إلى زيادة التعقيد في إدارة هذا المجمع82. يعدّ التطلع إلى المسارات التي يتم استخدامها لتطوير أنظمة جديدة لإنتاج الطاقة المتجددة أمرًا جيدًا. غير أن تقدمها لا يمكن أن يكون إلا تدريجيًّا، خصوصًا أن الموارد المالية اللازمة للإسراع بخطى تنميتها غير

  1. Jean-Pierre Orfeuil, "Vers des transports amoureux du climat ?" Revue Projet , no. 344 (2015), p. 27.
  2. عبد الحميد محمد عبد الرؤوف، ‫ السياسة الخضراء لموازنة أهداف الطاقة والبيئة: حالة دولة الإمارات العربية المتحدة ‬ (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2014)، ص.‬27
  3. المرجع نفسه.
  4. المرجع نفسه.

متاحة83. ونذكر هنا أن التحولات في الطاقة كانت تتطلب في الماضي ما يقرب من خمسين عامًا، سواء في القرن التاسع عشر، مع إدخال الفحم، أو في القرن العشرين مع النفط91. ومن وجهة النظر هذه، فإن موقف علمء البيئة الذين يطالبون بأن تستبدل الطاقات الخضراء بسرعة أكبر بالوقود الأحفوري غير واقعي. وعلى أي حال، يجب أن ندرك أن الانتقال الطاقي سيستغرق بضعة عقود، لأنه سيكون من الصعب الإسراع في زيادة مساهمة الطاقة المتجددة، التقليدية منها والجديدة على السواء. وفيم يتعلق بالأولى، نلحظ أن أكبر الشركات تستغل بالفعل كل سنة 40 في المئة من مجموع الإنتاج النباتي في العالم في شكل المحاصيل والمراعي والغابات (في المناطق المكتظة بالسكان يصل المعدل إلى 70 في المئة). وفي ظل هذه الظروف، فإن أي زيادة هائلة في إنتاج الأخشاب أو الوقود الحيوي ستؤدي في نهاية المطاف إلى فقدان التنوع البيولوجي، وتأكُّل التربة، وعدم تجديد الكتلة الحيوية؛ وبالمثل، فإن بناء السدود الكهرمائية الكبيرة الأخرى من شأنه أن يثير قضايا تتعلق بالبيئة ونزوح السكان. أما بالنسبة إلى الثانية، فتطوير التكنولوجيا الخضراء الجديدة (ذات القدرة المحدودة) يتطلب كثيرًا من الوقت والمال. وهنا نلمس حدود التنمية المستدامة التي لن تكون قادرة على الاستغناء عن الطاقات الأحفورية خلال المدة الطويلة للانتقال الطاقي. ما في متناولنا، إذًا، هو تطوير ثقافة الرصانة والاتزان في عادات استهلاك الوقود الأحفوري؛ وتلك قنوات معروفة جيدًا وسبق التطرق إليها. وهنا أيضًا، تكمن المشكلة في اعتمد هذه المواقف من جانب الساكنة، وهو أمر لا يمكن القيام به إلا تدريجيًّا. ومن الممكن أيضًا الاعتمد على البحوث لتحسين نجاعة جميع مصادر الطاقة والمَرْكبات من جميع الأنواع، وجميع منشآت التدفئة القديمة ذات الاستخدام الكثيف للطاقة. وينبغي أيضًا أن تتمكن البلدان الناشئة من تخفيض استهلاكها من دون كبح تنميتها. وبما أن هذه التغييرات تتطلب تغييرات تقنية وهيكلية عميقة، فإنها يمكن أن تساعد، وإن كانت مكلفة، على تعزيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل. وأخيرًا، يجب أن يكون البحث والابتكار في قلب الدينامية التي تخدم القدرة التنافسية للشركات. لكن العائق يكمن في هيئات البحث والمراكز المغربية العاجزة عن مواجهة هذه التحديات، وضعيفة التمويل، إضافة إلى عائق آخر يتمثل في أننا في حاجة إلى مجتمع مدني قوي يساير السياسات الوطنية الطموحة والواقعية؛ إذ ينبغي أن تجمع هذه السياسات جميع الجهات الفاعلة العامة والخاصة، في جهد متوازن بين القصير والمتوسط والطويل، وتحقق الهدف المزدوج المتمثل في تحقيق الانتقال الطاقي مع إيجاد الثروة وفرص العمل.

  1. Jean-Marie Chevalier et al., Les vrais choix (Paris: Editions Odile Jacob, 2013), p. 47.
  2. Vaclav Smil, Energy Transitions: History, Requirements, Prospects (Santa Barbara: Praeger Publishers, 2010), p. 105.
  3. Jean-Pierre Hauet, Comprendre l'énergie: Pour une transition énergétique responsable (Paris: L'Harmattan, 2014), p. 42.

خاتمة

يدفع التغير المناخي الذي يهدد الكوكب إلى العمل من دون تأخير لتحقيق الانتقال الطاقي. والواقع أن المسار الذي كان يُتَّبع عقودًا عدة سيؤدي إلى ارتفاع في درجة الحرارة في عام 2100، ما بين 4 و 6 درجات مئوية، وارتفاع في مستوى المحيطات يمكن أن يبلغ مترًا، والعواقب المترتبة على ذلك بالنسبة إلى المناطق الساحلية ستكون كارثية. وسينتج من جميع الظواهر البيئية (موجات الحرارة، والجفاف، والتصحر في المناطق القاحلة، والأعاصير والفيضانات في الأراضي الرطبة)، تكاليف مالية واجتمعية باهظة. ولذلك، فإن انتقال الطاقة هو ضرورة مطلقة، ومهم كانت الغاية التي سيحققها، فإنه لا يمكن أن يكون إلا عملً طويل الأجل. وعلى الرغم من إرادة المغرب القوية في جعل الانتقال الطاقي واقعًا ملموسًا، فإن البلاد ما زالت تواجه عددًا من التحديات الخاصة بتعديلات الإطار القانوني التي من شأنها تعزيز تدابير الانتقال، وكيفية توفير المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب موارد كافية لتطوير شبكاته، وخصوصًا في الجهد المنخفض، وهو شرط أساسي لتحسين قابلية الرصد والأدوات اللازمة لإجراءات نجاعة الطاقة على نطاق واسع. وبالنظر إلى الميزانيات المرصودة بالفعل لمشاريع الطاقات المتجددة، فإن الإستراتيجية التي ينبغي اعتمدها لتحديد الوظائف "الذكية" الفعالة من حيث التكلفة ينبغي أن تتكيف مع إستراتيجية الطاقة في بلد مثل المغرب. وأخيرًا، يُطرح سؤال عن نماذج التعاون والحوكمة التي سيتم وضعها بين الجهات الفاعلة العمومية والخاصة في ميدان العمران مستقبلً. تنعكس دينامية المغرب القوية في مجال تطوير الطاقات المتجددة والانتقال الطاقي على استقراره السياسي وتنميته الاقتصادية والاجتمعية والبيئية؛ إذ من شأن ذلك أن يعزز موقف المغرب باعتباره "مركزًا للطاقة" بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط؛ وهي إستراتيجية تتمشى مع إعادة إدماج المغرب مؤخرًا في الاتحاد الأفريقي، وعضويته المنتسبة في الوكالة الدولية للطاقة.

  1. كما يتجلى ذلك مثلً من ترتيبه في المركز الثالث عشر في قائمة الدول الأكثر جاذبية للطاقة المتجددة في العالم، وفقًا لمؤشر جاذبية البلد للطاقة المتجددة الذي وضعته منظمة إيرنسن يونغ، وهي واحدة من كبرى وكالات المراجعة المالية، في تشرين الأول/ أكتوبر:2016، انظر Ernst & Young, Renewable Energy Country Attractiveness Index (October 2017), accessed on 31/3/2018, at: https:// goo.gl/HaBXdU
  2. David Ciplet et al., Power in a Warming World: The New Global Politics of Climate Change and the Remaking of Environmental Inequality (Cambridge, Mass.: MIT Press, 2015), p. 125.

المراجع

References

العربية

جامعة الدول العربية/ إدارة الطاقة. دليل الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة. القاهرة: جامعة الدول العربية،.2015

الخياط، محمد مصطفى. الطاقة لعبة الكبار.. ما بعد الحضارة الكربونية. القاهرة: سطور الجديدة، شبيرة، بوعلام عمر‬ ونبيل أبو طير. "الطاقة المتجددة وتحديات استغلالها في بلدان المغرب العربي." مجلة المستقبل العربي. العدد.458)2017(

صلاح الدين، محمد إيهاب. الطاقة وتحديات المستقبل. القاهرة: المكتبة الأكاديمية،.1994

عبد الرؤوف، عبد الحميد محمد. ‫ السياسة الخضراء لموازنة أهداف الطاقة والبيئة: حالة دولة الإمارات العربية المتحدة. ‬ أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.‬2014

عبد الكبير، يحيا. "قراءة في قانون إطار 12 / 99، بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة". المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية. العدد).2015(125

المجلس الاقتصادي والاجتمعي والبيئي. الاقتصاد الأخضر: فرص لخلق الثروة ومناصب الشغل. الرباط: المجلس الاقتصادي والاجتمعي والبيئي،.2012

مجلس النواب (المغرب). تقرير لجنة القطاعات الإنتاجية حول مشروع قانون رقم 8.154 يتعلق بضبط قطاع الكهرباء وإحداث الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء. الرباط: مجلس النواب،.2016

مجموعة مؤلفين. أوراق المنتدى الفرنسي المغربي حول الطاقات. الرباط: وكالة الجهة الشرقية،.2011 مجيب، أحمد. "تطور المرفق العام للكهرباء في ظل التحولات القانونية والمؤسساتية المعاصرة". ‬المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية. العدد).2016(131

المركز المغربي متعدد التخصصات للدراسات الاستراتيجية والدولية. الدليل المغربي للاستراتيجية والعلاقات الدولية. فاس: المركز المغربي متعدد التخصصات للدراسات الاستراتيجية والدولية،.2012 معهد فراونهوفر لنظم الطاقة الشمسية. كلفة إنتاج الكهرباء للطاقة المتجدِّدة. فرايبورغ: معهد فراونهوفر، 2013. موقع معهد فراونهوفر لنظم الطاقة الشمسية. في: https://goo.gl/84GZpH

الأجنبية

Beatrix, Olivier. "L'indépendance de la Commission de régulation de l'énergie."

Revue française d'administration publique. no. 143 (2012).

Ciplet, David et al. Power in a Warming World: The New Global Politics of Climate

Change and the Remaking of Environmental Inequality. Cambridge, Mass.: MIT

Press, 2015.

Chevalier, Jean-Marie et al. Les vrais choix. Paris: Editions Odile Jacob, 2013.

Darson, Alice. Transition énergétique et transition juridique: le développement

des énergies. Thèse de doctorat en Droit public. Université de Bordeaux. 2017.

El bazzim, Rachid. "L'ouverture à la concurrence et la loi n° 13 - 09 relative aux

énergies renouvelables." Al Manara pour les études juridiques et administratives.

no. 12 (2016).

Ernst & Young. Renewable Energy Country Attractiveness Index. (October 2017).

at: https://goo.gl/HaBXdU

European Commission. "2030 Climate & Energy Framework." The European

Commission website. at: https://goo.gl/GoAowH

Evrard, Aurélien. Contre vents et marées - Politiques des énergies renouvelables en

Europe. Paris: Sciences Po, 2013.

ExxonMobil. 2018 Energy & Carbon Summary: Positioning for a Lower-Carbon

Energy Future. Irving, Texas: Exxon Mobil Corporation, 2018.

Gay, Aurélien & Marc Glita. Le système électrique européen: enjeux et défis. Paris:

Presses des Mines, 2012.

Guillet, Jean-Jacques & François de Rugy. Rapport d'information sur la mise en

œuvre des conclusions du rapport d'information du 15 mai 2014 sur le paquet

'énergie-climat'. Comité d'évaluation et de contrôle des politiques publiques.

Paris: Assemblée Nationale, 2016.

Hauet, Jean-Pierre. Comprendre l'énergie: Pour une transition énergétique

responsable. Paris: L'Harmattan, 2014.

Iffly, René. "Transition énergétique: Indispensable et difficile." Le Débat. no. 182

International Energy Agency. World Energy Outlook. Paris: IEA Publications,

La Fédération de l'Énergie. "Transition Energétique et Plan GNL: Objectifs,

stratégie et feuille de route." Energie & Stratégie. no. 46 (2017).

Maestroni, Myriam et al. Comprendre le nouveau monde de l'énergie. Paris:

Maxima, 2013.

Mazouz, Bachir. "Les aspects pratiques des partenariats public-privé." Revue

française d'administration publique. no. 130 (2009).

Ministère de l'Energie, des Mines et du Développement Durable (Maroc).

Allocution de Mr. Aziz Rabbah, Sous le thème ' Energie propre et interconnexions

énergétiques '. Lisbonne: 14/9/2017.

Office National de l'électricité et de l'eau potable/ Branche Electricité.

"Développement de l'énergie solaire au Maroc." Conférence sur l'énergie solaire

photovoltaïque Technologies pour la consommation propre dans l'industrie -

Approvisionnement en eau. Casablanca, 28/11/2017.

Orfeuil, ‬Jean-Pierre. "Vers des transports amoureux du climat?" Revue Projet.

no. 344 (2015).

Safa, Henri. Quelle transition énergétique? Paris: EDP Sciences, 2013.

Smil, Vaclav. Energy Transitions: History, Requirements, Prospects. Santa Barbara:

Praeger Publishers, 2010.