مخاطر تكنولوجيا
The Risks of Nanotechnology for the Future A Reading of Faut-il avoir peur des nanos?
الملخّص
المؤلف: فرانسولين مارانو Francelyne Marano الكتاب: هل ينبغي لنا أن نخاف من "النانو"؟ Faut-il avoir peur des nanos? العنوان الأصلي: الناشر: Buchet Chastel سنة النشر: 2016 عدد الصفحات: 128 صفحة
- النانو
- مخاطر التكنولوجيا
- المستقبل
- The Risks of Nanotechnology
- the Future
- des nanos
The Risks of Nanotechnology for the Future
منذ بداية الألفية الثالثة، بدأت أهمية "العلوم النانوية" (Nanosciences) و"التكنولوجيا النانوية" (Nanotechnologies) تبرز كثيرًا؛ بوصفها إحدى المخرجات الرئيسة لنُظم الابتكار الوطنية والشركات المبتكرة في اقتصاد جديد قائم على المعرفة، وعلى الأصول غير الملموسة، حتى أنّها أضحت أحد مقاييس المقارنة بين البلدان من حيث اندماجها في هذا النمط الاقتصادي الناشئ. لذا، يجري صرف استثمرات مهمة فيها. وفي المقابل، نادرًا ما يجري تعريفها تعريفًا دقيقًا، والخوض في رهاناتها الحقيقية ومخاطرها الحالية والمستقبلية. ومن ثمّ، تأتي أهمية هذا الكتاب الذي يتناول المخاطر المحيطة ب "النانو" التي أصبح لها وجود ملموس في حياتنا اليومية، والتي من الأكيد أنّ استخداماتها ورهاناتها ومخاطرها ستزداد في المستقبل ازديادًا كبيرًا. إنّ هذه الجوانب الخفية ل "تكنولوجيا النانو" هي تحديدًا ما تتناوله فرانسولين مارانو في هذا الكتاب، بصفتها خبيرةً في مجال الصحة العامة ومخاطر الآثار البيئية والصحية "النانوية" على الصحة والبيئة1. وقبل الخوض في صميم هذه المخاطر والرهانات المرتبطة ب "النانو" من منظور الكاتبة، من المهمّ أن نبدأ بتعريف هذه التكنولوجيا على نحوٍ مركّز نسبيًّا. "الصغر المتناهي" هي العبارة المفتاحية لفهم تكنولوجيا النانو. و"المواد النانوية" (Nanomatériaux) مصنوعة من جزيئات متناهية في الصغر. فجُزَيء النانو المتناهي في الصغر هو عنصرٌ يراوح حجمه بين نانومتر واحدٍ و 100 نانومتر. والنانومتر هو جزءٌ من مليار المتر (أي إنه أصغر مليار مرّة من المتر، و 50 مرةً أقلّ من سمك شعرة الإنسان). وتسمى التقنيات المستخدمة لمعالجة هذه العناصر المتناهية في الصغر "تكنولوجيا النانو" (Nanotechnologies)، وتنتج منها "المواد النانوية". وتنقسم "الجسيمت النانوية" (Nanoparticules) إلى قسمين: الجسيمت النانوية "الطبيعية"، من قبيل الجسيمت التي تصدر عن الانفجارات البركانية، أو التي تنشأ تلقائيًا في الغلاف الجوي، والجسيمت النانوية "المصنّعة" التي يجري إنتاجها صناعيًا؛ من أجل تطبيقات مختلفة. وقد كان ينبغي انتظار عام 1981، مع اختراع "مجهر المسح النفقي"2 الذي ينقل "ذروة "ً (Tip) على سطح المادة، ويخلق تيارًا كهربائيًا بين الذروة والذرة؛ لكي يمكن تمثيل هذا السطح وتنظيمه3.
وتجدر الإشارة إلى أنّ الذرات تمتلك، في المقياس النانوي، خصائص مميزةً؛ ذلك أنّها تتحرك، وتجذب بعضها، وتصدّ بعضها أيضًا، وهي تنتظم في خطوط ومكعبات وصحائف ومجالات؛ تبعًا لدرجة الحرارة والمحيط الذي توجد فيه. وفي الحصيلة، مثلم ساعد تلسكوب غاليليو على فهمٍ أفضل للنظام الشمسي، أتاح مجهر المسح النفقي اكتشاف عالم النانو وخصائصه. إنّ من شأن العمل على المتناهي في الصغر إلى حدود دائمًا متناهية أن يزيد خصائص المادة أو يحوّلها. ومن ثمّ، تبرز أولى الفوائد التي يمكن أن تجلبها المواد النانوية، ولا سيم على مستوى البحوث الطبية. وفي الآن نفسه، لم تفتَأ هذه المواد النانوية تجذب إليها الاستثمرات الصناعية المتشوّفة إلى مصادر جديدة من أجل تحقيق الربح. لذا، أضحت المواد النانوية، من دون علمنا، جزءًا من حياتنا في العديد من مجالاتها على نحوٍ متزايد في أغلب الأحيان؛ بما في ذلك ما هو موجود منها في النفايات التي تعود عبرها إلى الطبيعة، من جهة أنّ المواد النانوية تنتهي في نهاية المطاف إلى مقالب القممة، أو المحارق، أو محطات معالجة مياه الصرف الصحي، وهو أمرٌ يحدث من دون أن تكون مخاطرها – إلى حدود اليوم – معروفةً على نحوٍ كاملٍ أو حتى نسبيٍّ. فوفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تضاعف عدد المنتوجات التي تحتوي جزيئات نانويةً خمسةَ أضعافٍ خلال الفترة 2011-2006. وتقدّر السوق العالمية للمواد4النانوية، في عام 2012، بنحو 11 مليون طن، بقيمة تبلغ نحو 20 مليار يورو5. ومنذ عام 2005، يقوم "مشروع التكنولوجيا النانوية الناشئة" (Nanotechnologies Emerging on Project) بجرد المنتوجات المسوّقة التي تحوي مواد نانويةً، والتي تعرف تزايدًا مستمرًا. فمن 54 منتوجًا شملتها الدراسة في عام 2005، جرى الانتقال إلى 1814 منتوجًا في عام 2013، تنتجها 622 شركةً في 32 دولةً6. وتأتي في مقدمة الفئات التي تشملها هذه المنتوجات، منتوجات الصحة؛ بما فيها مواد التجميل والكريمات، وهي منتوجات في اتصال مباشر مع المستهلك. ثمّ تأتي بعد ذلك منتوجات مخصصة للبيت وللحديقة (أتاحت المواد النانوية أن تجعل بعض أنواع الزجاج ذاتيةَ التنظيف، على سبيل المثال)، ثمّ المنتوجات الموجهة إلى صناعة السيارات (أتاحت المواد النانوية أن تجعل المواد المستخدمة في السيارات أكثر خفّةً ومقاومة)، تليها المنتوجات النانوية الموجودة في المواد الغذائية والمشروبات (بخاصة بعض المضافات الغذائية)، ثمّ المنتوجات الإلكترونية ومنتوجات الكمبيوتر (يكتسي التصغير Miniaturisation دومًا، في هذين المجالين، أهميةً قصوى)7.
يمثّل هذا الانتشار الواسع للمواد النانوية اليوم تهديدًا خطِرًا، ولا سيم أنّ الحجم المتناهي في الصغر لهذه الجزيئات يمنح المواد المشتملة عليها خصائصَ مميزةً (القوة، والمرونة، والالتصاق، والتوصيل... إلخ)، إضافةً إلى أنه يجعلها شديدة التفاعل مع بيئتها. وفضلً عن ذلك، تجعل هذه الخاصية المميّزة الموادَّ النانوية تتسلّل إلى الكائنات الحية. وفي حالة البشر، فإنّها تتسلّل تحت الجلد، وتتسلّل إلى الرئتين أو إلى الدم. بيد أنّ هذه المخاطر تظلّ غير معروفة جيدًا. فوفقًا لتقرير منظمة التعاون الاقتصادي المذكور آنفًا، فإنّه "ينبغي إجراء بحوث على نحوٍ عاجل جدًّا؛ من أجل تقييم المخاطر المحتملة على صحة الإنسان والنُظم الإيكولوجية المرتبطة بوجود كميات متزايدة من المواد النانوية المصنّعة في النفايات المنزلية، وهي التي ينتهي بها المطاف مرميةً في البيئة"8. ترى مارانو أنّ الأثر الصحي المعروف لبعض الجسيمت النانوية منذ أمدٍ بعيد (جزيئات الكربون في المناجم، وجسيمت الديزل، والجزيئات المعدنية في أوراش اللحام، وجزيئات الأميانت) يظلّ محدودًا، مقارنةً بالطفرة التي يعرفها هذا الحقل التكنولوجي؛ ولذلك فإنّ أسئلةً عديدةً تُطرح اليوم بشأن التأثيرات المحتملة للجزيئات النانوية في الحاضر وفي المستقبل. ومن هنا، تأتي أهمية هذا الكتاب الذي يخصّ، في جزء مهمّ منه، ما أصبح يُعرف ب "علم السموم النانوي". ومن ثمّ، تطرح مارانو عدّة أسئلةٍ بشأن هذه المنتوجات التي تحوي مواد نانويةً حين ينتهي عمرها وتُلقى في النفايات. فم هو مصيرها؟ هل ستحلّل في بيئتنا الخارجية؟ وهل هي قابلة للتحلل في البيئة (Biodégradable)؟ أم هل لها آثار سامّة في البيئة (Nanotoxique)؟ لا أحد يملك، حقًّا، جوابًا عن هذه الأسئلة حتى الوقت الراهن. كم أنّه لا أحد يملك الجواب عن هذه الأسئلة المتعلقة باستخدام المنتوجات التي تحوي مواد نانويةً في حياتنا اليومية (مستحضرات التجميل، والمواد الغذائية... إلخ). فهل هي قادرة على اختراق الجلد البشري، أو حواجز الرئة، أو الأمعاء، أو المشيمة، أو حتى الدماغ؟ تخصّص المؤلفة في هذا الشأن فصلً كاملً للحديث عن المعارف الحالية المتعلقة بكلٍّ حاجز من هذه الحواجز البيولوجية. وتستخلص الخبيرة الطبية أنّ المنتوجات النانوية لئن كانت فوائدُها أكيدةً من الناحية النظرية، فإنّ الموازنة بين مخاطر استخدامها ومنافعه في العديد من مجالات الحياة أبعد ما تكون عن منْح تقييم كافٍ ووافٍ، وأنّ أصحاب المصالح الصناعية في هذا الشأن ليسوا حريصين، البتّة، على تشجيع البحوث التي تخص "علم السموم النانوي" (Nanotoxicologie). والأمر نفسُه ينطبق على التطبيقات الطبية للمنتوجات النانوية؛ إذ نجدها حاضرةً، على نحوٍ خاصٍّ، في علاج السرطان، من جهة قدرتها على "تضمين" جزيئات العلاج الكيميائي لتصل بها مباشرةً إلى الورم. وفي مثل هذه الحالات، يمكن ملاحظة فائدة حقيقية؛ لأنّ الجسيمت النانوية تسمح للعلاج الكيميائي - وهو عدواني جدًّا - بمهاجمة
الخلايا السرطانية، والحدّ من الآثار الجانبية فحسب (الغثيان، والتعب، وفقدان الشعر... إلخ). بيد أن مارانو تؤكد أنّنا ما زلنا، في هذه الحالة، في مراحل جنينية في ما يتعلّق بمعرفة تأثيرات المواد النانوية في الجسم في الأمد البعيد؛ أي إنّه ثمّة افتراض مفاده أنّها قامت بمهمتها، لكنّها بقيت في الجسم. ويزداد الكتاب أهميةً؛ بالنظر إلى أنّ البحوث في هذا المجال لا تزال تجريبيةً؛ فهي تخصّ حيوانات المختبر، ومزارع الخلايا، ولا سيم الخلايا البشرية من الأعضاء الحيوية التي تُعدّ أهدافًا محتملةً. وما نعرفه اليوم بشأن الآثار البيولوجية للجزيئات النانوية مازال مجزّأ؛ وذلك لأنّ المشكلة الأساسية تكمن في أنّ أثر سموم الجزيئات النانوية لا يظهر، على المستوى المجهري في أغلب الأحيان، بل على المستوى النانوي فحسب. ومن ثمّ، فإنّه يترتب على ذلك أن تؤكّد الصناعات التي تستخدم المنتوجات النانوية سلامتَها، ولكنّ هذه السلامة تخصّ المستوى المجهري فحسب (مقياس الميكرومتر)، ولا تخصّ المستوى النانوي (مقياس النانومتر). إضافةً إلى أنّ المعارف الحالية لا تزال غير كافية إلى حدّ كبير لاستخلاص النتائج، تؤكد مارانو صعوبةً أخرى تكمن في أنّ البحوث بشأن العلاقة بين الجسيمت النانوية والصحة ينبغي أن تكون متعدّدة التخصصات، وأن تشرك علمء المقاييس والكيميائيين وعلمء السموم؛ من أجل بلورة منظور معرفي شامل في ما يتعلّق بالخصائص البيولوجية النانوية، وتحديد الإستراتيجيات التنظيمية الناجعة لحمية البشر والبيئة. وفي انتظار خلاصات علمية أكيدة، سيظلّ الجدل مستمرًّا بشأن تكنولوجيات النانو والمنتوجات المصنّعة التي تحوي مواد نانويةً، ولا سيم أنّ بعضهم يَعُدّ هذه المنتوجات قريبةً من "الكائنات المعدلة وراثيًا" (GMO)، من حيث قدرتها على التداخل مع الأحياء واختراقها. ومن ثمّ، تسلّط مارانو الضوء، أيضًا، على بعض الجوانب الأخلاقية المرتبطة بالحريات الفردية، من قبيل "رقائق النانو" (Nanopuces) القادرة على تخزين البيانات؛ من خلال قياس وظائف بيولوجية أساسية للإنسان. فهل من شأن مراقبة صحتنا أن تسمح بمراقبتنا من دون علمنا؟ إنّ القبول بالنانو اجتمعيًّا، سواء كان من خلال خلفية تقنية أو صحية أو غيرها، ينبغي ألّ ينتج من تقدير منفعي (جلب المصالح مقابل درء المفاسد)؛ وذلك لأنه يحمل في طياته أسئلةَ خياراتٍ مجتمعية جوهرية تخصّ قدرة التطورات التكنولوجية على تغيير الإنسان في جوهره. فهل ينبغي أن يكون موقفنا من النانو في المستقبل هو الحذر إلى حدّ الرفض جملةً وتفصيلً؟ أو هل نسمح بتكثيرها في منتوجات مصنّعة، من دون معرفة علمية دقيقة بشأن مخاطرها التسميمية المحتملة، فضلً عن إطار أخلاقي وقانوني ينظّم استعملاتها؟ من المؤكَّد أنّ مارانو تساعدنا، في هذا الكتاب، على فهم هذه الأسئلة وسواها بشأن التطبيقات العملية المثيرة للاهتمم المتعلّقة بالنانو، آخذةً في الحسبان وضع المعارف العلمية الحالية الخاصة بتأثير الجسيمت النانوية في صحتنا.
ومن خلال إعادة إبرازها نسبية هذه المعارف، تحبّذ مارانو توخي مبدأ الحيطة والحذر في مقاربة هذه الاستعملات المتزايدة، مع إيلاء الأولية للمنتوجات المصنّعة التي تحوي مواد نانويةً أساسيةً؛ أي تلك المنتوجات التي من شأنها أن تساهم في علاج المرض العضال على سبيل المثال، أو في تصنيع ألواح خلايا شمسية أكثر نجاعةً، وليس تلك المنتوجات التي يمكن الاستغناء عنها بسهولة من قبيل مستحضرات التجميل المحتوية على نانو السيليكا (Nano-silica). وتصل مارانو إلى خلاصة مُجملها أنّ الحوار المجتمعي ضروريّ بشأن هذه الإشكالات؛ بمعنى أن يكون المجتمع كلّه قادرًا على الإجابة عن هذه الأسئلة التي تستدعي معيار القانون، ومعيار الأخلاق أيضًا، وليس المعيار العلمي المحض فحسب.