اكتشافات الغاز الطبيعي شرق المتوسط: استشراف الفرص والتحديات الجيوسياسية
The Eastern Mediterranean Natural Gas Discoveries Forecasting Geopolitical Opportunities and Challenges
الملخّص
مع تبوّء الغاز مكانة مرموقة بين مصادر الطاقة، وزيادة الاعتماد عليه لاعتبارات مرتبطة بالبيئة والتكلفة الاقتصادية، ازدادت أهمية منطقة شرق المتوسط بعد الاكتشافات الغازية المهمة التي شهدتها خلال السنوات القليلة الماضية، والموزّعة أساسًا بين مصر، وقبرص، وإسرائيل، وتركيا، ولبنان، وفلسطين، وسورية. يستكشف مروان قبلان في هذه الورقة الرهانات الجيوسياسية لهذه الاكتشافات الغازية، والتي تزداد حدّتها نتيجة حالة عدم الاستقرار وضعف إمكانات التعاون بين بلدانها، في ضوء وجود عدد من الصراعات المزمنة أو الحديثة النشأة. ويخلص إلى أنه كي يصبح الغاز نعمةً على المنطقة، ينبغي لدولها التفكير على أساس إقليمي؛ وهو ما لا يمكن أن تقوم له قائمة، ما دام الكيان الصهيوني مستمرًا في سياساته الاستعمارية؛ لتظلّ منطقة شرق المتوسط من هذا المنظور "منطقة الفرص الضائعة".
Abstract
ملخص: مع تبوّء الغاز مكانة مرموقة بين مصادر الطاقة، وزيادة الاعتمد عليه لاعتبارات مرتبطة بالبيئة والتكلفة الاقتصادية، ازدادت أهمية منطقة شرق المتوسط بعد الاكتشافات الغازية المهمة التي شهدتها خلال السنوات القليلة الماضية، والموزّعة أساسًا بين مصر، وقبرص، وإسرائيل، وتركيا، ولبنان، وفلسطين، وسورية. يستكشف مروان قبلان في هذه الورقة الرهانات الجيوسياسية لهذه الاكتشافات الغازية، والتي تزداد حدّتها نتيجة حالة عدم الاستقرار وضعف إمكانات التعاون بين بلدانها، في ضوء وجود عدد من الصراعات المزمنة أو الحديثة النشأة. ويخلص إلى أنه كي يصبح الغاز نعمةً على المنطقة، ينبغي لدولها التفكير على أساس إقليمي؛ وهو ما لا يمكن أن تقوم له قائمة، ما دام الكيان الصهيوني مستمرًا في سياساته الاستعمرية؛ لتظلّ منطقة شرق المتوسط من هذا المنظور "منطقة الفرص الضائعة". كلمت مفتاحية: شرق المتوسط، حوض الشام، الغاز الطبيعي، خطوط أنابيب الغاز، المناطق الاقتصادية الحصرية. Abstract: With gas assuming a prominent place among energy sources and with the increasing reliance upon it for environmental and economic cost considerations, the importance of the Eastern Mediterranean region has grown following major gas discoveries in the last few years, which are mainly distributed between Egypt, Cyprus, Israel, Turkey, Lebanon, Palestine, and Syria. In this paper, Marwan Kabalan explores the geopolitical challenges of these gas discoveries, which are exacerbated by instability and weak cooperation between the countries concerned, given the existence of a number of chronic or emerging conflicts. Kabalan concludes that in order for gas to become a blessing for the region, its countries should think on a regional basis. This is impossible as long as the Zionist entity continues its colonial policies, making the Eastern Mediterranean region continue, from this perspective, as the "region of missed opportunities."
- شرق المتوسط
- حوض الشام
- الغاز الطبيعي
- خطوط أنابيب الغاز
- المناطق الاقتصادية الحصرية
- Eastern Mediterranean
- Levent basin
- Natural Gas
- Gas Pipelines
- Exclusive Economic Zones
- EEZ.
استشراف الفرص والتحديات الجيوسياسية The Eastern Mediterranean Natural Gas Discoveries
مقدمة
تبحث هذه الورقة في الوضع الطاقوي لمنطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، في ضوء الاكتشافات الغازية المهمة التي شهدتها خلال السنوات القليلة الماضية، سواءٌ منها تلك المؤكّدة أو المحتملة، والموزّعة أساسًا بين مصر وقبرص وإسرائيل وتركيا ولبنان وفلسطين وسورية، وتسعى لمحاولة استشراف تأثيراتها السياسية المستقبلية في ضوء احتدام التنافس الإقليمي، وعودة أجواء الصراع القائم على أسسٍ جيوسياسية بين القوى الكبرى والإقليمية، بعد أكثر من عقدين على انحسارها نتيجة انتهاء الحرب الباردة. ومع تبوّء الغاز مكانة مرموقة بين مصادر الطاقة، وزيادة الاعتمد عليه لاعتبارات مرتبطة بالبيئة والتكلفة الاقتصادية، ازدادت أهمية منطقة شرق المتوسط بعد الاكتشافات الغازية الكبرى فيها. ويتوقع لذلك أن يحتدم التنافس عليها ليس بين دول المنطقة المعنية فحسب، بل نتيجة دخول قوى كبرى من خارج المنطقة ذات مصلحة فيها، إمّا لأسباب استثمرية وتجارية مثل شركات النفط الكبرى، وإما لأسباب جيو اقتصادية (مرتبطة بتنامي احتياجات دول الاستهلاك التي باتت تعتمد على الغاز بوصفه مصدرًا رئيسًا من مصادر الطاقة، وتسعى لتنويع مصادرها، وتشمل هذه الفئة معظم دول الاتحاد الأوروبي المرتهنة في أكثرها للغاز الروسي)، أو لأسباب جيوسياسية، مرتبطة بسعي بعض القوى العالمية لاستمرار الهيمنة على منابع الطاقة وطرق إمدادها، بوصفها أدوات سيطرة سياسية، إضافةً إلى أهميتها الاقتصادية والتجارية (وتشمل هذه الفئة روسيا خاصة، وكذلك الولايات المتحدة الأميركية). وتزداد أهمية الاكتشافات الغازية الأخيرة في حوض المتوسط نتيجة حالة عدم الاستقرار وضعف إمكانات التعاون بين بلدانها، في ضوء وجود عدد من الصراعات المزمنة أو الحديثة النشأة، مثل الصراع العربي - الإسرائيلي، والصراع التركي - القبرصي - اليوناني، والصراع في سورية. وقد غدت المنطقة في العقود الأخيرة تمثل واحدةً من بؤر الصراعات الكبرى في العالم؛ كم أنّ العديد من دولها يصنف اليوم في عداد الدول الفاشلة أو الضعيفة أو المنهارة. يضع كلّ ذلك تحديات كبرى أمام إمكانية الاستغلال الأمثل للاكتشافات الغازية في منطقة شرق المتوسط، ويضعها من جهة أخرى في قلب الصراعات الإقليمية والدولية الجارية فيها. وإذا أخذنا بعين الاعتبار تنامي الأزمات التي تتهدّد الإمدادات الطاقية عبر العالم، وتركزّ إنتاج الغاز واحتياطاته على المستوى العالمي في عددٍ محدود من البلدان، لا سيّم أنّ ما يقرب من 60 في المئة من إجملي احتياطيات الغاز التقليدية المُثْبتة في العالم يتركز في أربع بلدان (روسيا، وإيران، وقطر، وتركمنستان)، أدركنا حجم الضغوط والمخاوف التي تحيط بعمليات استخراج الغاز الطبيعي ومشاريعه وتصنيعه حول العالم. ففي أعقاب ثورات الربيع العربي في عام 2011، واحتجاجات "الميدان الأوروبي" Euromaidan في كييف في عام 2013، واحتدام التنافس الإقليمي في شرق المتوسط، ظهر "قوس جديد من عدم الاستقرار" يمتدّ من شبه الجزيرة
العربية وساحل الشام إلى روسيا والجمهوريات السوفياتية السابقة؛ أي المناطق التي تقع فيها أكبر احتياطات الغاز في العالم1. تناول عدد من الدراسات الحديثة بعض هذه الجوانب المهمة من العلاقة بين اقتصاد الغاز واعتبارات السياسة الدولية والإقليمية2، والمخاوف الجيوسياسية التي تتولّد منها، بالنظر إلى الموقع الجغرافي للاحتياطيات، والبنية التحتية اللازمة لاستغلالها وتصديرها، وتحديات التكاليف المتعلقة بضرورة التعاون بين البلدان المجاورة، والعلاقة السياسية بين المستوردين الرئيسين للغاز والمنتجين؛ ومن الواضح أنّ العديد من هذه العوامل يجعل هذا الموضوع معقّدًا ويكتسي أهميةً كبرى، ويحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة. بناءً عليه، تسعى هذه الورقة البحثية لتسليط الضوء على أهم الاكتشافات الغازية في منطقة شرق المتوسط خلال السنوات القليلة الماضية، وعلى التوترات المحيطة بها، والتي من شأن هذه الاكتشافات أن تؤدي إلى تفاقمها، أو العكس. فبالنظر إلى القيود الاقتصادية والتقنية للاستغلال والتصدير، قد يتحول الغاز إلى عامل يغير قواعد اللعبة changer Game، بمعنى أنّ من شأنه أن يضع على عاتق البلدان الشرق أوسطية المتوسطية المتجاورة التزامًا بترابطها وبضرورة تكاملها، ومن ثمّ التحرك صوب تسوية العلاقات المعقّدة تقليديًا بينها، في اتجاه تعاونٍ أكبر على المستوى الاقتصادي على الأقل. لكن الأمور قد تذهب، كم أشرنا سابقًا، في اتجاه معاكس أيضًا، بحيث يؤدي اكتشافات هذه الثروات الطارئة على بيئة المنطقة السياسية والاقتصادية إلى تفاقم حدّة الصراعات والخلافات بين أطرافٍ لديها نزاعات عديدة مزمنة أصلً، مع الأخذ بعين الاعتبار مواقف الدول والأطراف من خارج الإقليم، والتي لديها مصالح واهتممات بالمنطقة. وللقيام بذلك، تبدأ هذه الورقة بتقييم الاكتشافات الغازية المهمة في شرق المتوسط بداية من عام 2009. ثم تطرح عددًا من الرهانات والإشكالات المتعلقة بتحديد "المناطق الاقتصادية الحصرية"، والاستغلال، والتصدير.
قبل أن تعمد إلى محاولة استشراف الرهانات الجيوسياسية المتعلقة بهذا الوضع الطاقوي الجديد، سواء بالنسبة إلى بلدان المنطقة، أو بالنسبة إلى الجهات الدولية المهتمة بها.
أولً: اكتشافات الغاز يف شرق المتوسط وتحولّات خريطة الطاقة يف الشرق الأوسط
يكتسي الغاز الطبيعي أهمية كبرى في العالم اليوم. إذ أصبح يعدّ في عام 2015 ثالث مصدر للطاقة الحرارية الأكثر استخدامًا في العالم بنسبة 21.6 في المئة من الطاقة الأولية، مباشرةً بعد النفط (31.7 في المئة)، والفحم (28.1 في المئة). وتنمو حصة الغاز في مزيج الطاقة mix Energy بسرعة (إذ لم يكن يتجاوز نسبة 16 في المئة فقط في عام 1973)، فضلً عن زيادة كبرى حصلت في إنتاجه في جميع أنحاء العالم، إذ زاد إنتاجه بنسبة تزيد على 195 في المئة خلال الفترة 1973 - 2016، وعلى 23.5 في المئة خلال الفترة 2006 - 2016. وقد تعزز ذلك أكثر عبر استغلال الغاز غير التقليدي، مثل الغاز الصخري وغيره. وبعد أن شهد انخفاضًا خلال الفترة 2010 - 2014، ارتفع استهلاك الغاز الطبيعي العالمي مجدّدًا منذ عام 2015، مدفوعًا بتزايد الطلب في الصين وأوروبا واليابان التي أخذت تستغني عن محطات توليد الطاقة بالفحم أو الطاقة النووية وتتجه نحو استخدام الغاز الطبيعي، لأسباب مرتبطة بالبيئة والاتفاقيات الناظمة لها مثل اتفاقية باريس للمناخ لعام 2015، أو لأسباب متصلة بالأمن والسلامة، والتي ازداد الإحساس بالحاجة إليها بعد الكارثة التي تعرضت لها منشأة فوكوشيم النووية لإنتاج الطاقة الكهربائية في اليابان عام 2011. ويتوقع خلال العقدين المقبلين أن يتزايد الميل إلى إحلال الغاز الطبيعي محل المصادر3الأخرى في إنتاج الطاقة الكهربائية (انظر الشكل.)1 وفي عام 2016، ارتفعت الاحتياطيات العالمية المؤكدة من الغاز الطبيعي، وفقًا لشركة بريتيش بتروليوم، بنسبة 18 في المئة عم كان عام 2006، و 51 في المئة عم كان عام 1996. أمّا جغرافيًا، فتقع 42.5 في المئة من الاحتياطيات العالمية من الغاز في منطقة الشرق الأوسط. وتمتلك إيران وروسيا وقطر وحدها 48.3 في المئة من الاحتياطيات العالمية4. وخلال العقد الأخير، بدأت منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، التي يطلق عليها "حوض الشام" Levantine Sea، تكتسب أهميةً متزايدة في مجال الغاز بعد الاكتشافات الكبرى التي حصلت فيها؛ إذ تحتوي، وفق تقديرات "هيئة المسح الجيولوجي الأميركية" USGS Survey, Geological US، على
3400 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. وإذا كان وجود الغاز الطبيعي معروفًا منذ أمدٍ بعيد في شرق المتوسط، فإنّ هذه التوقعات لم تتأكد إلّ مع بداية الألفية الجديدة. فحتى عام 2009، كان احتياطي المياه العميقة المحاذية لمنطقة الدلتا يقدّر بنحو 1400 مليار متر مكعب فحسب من أصل 1840 مليارًا تمّ تحديدها على الإجمل، وكانت احتملات اكتشافات جديدة تبدو منخفضة5. ولكن في عام 2010، كشفت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية عن أهمية الاحتياطيات البحرية القابلة للاستغلال في "حوض الشام" من خلال حفر المياه العميقة التي تتجاوز 1500 متر6، وهي احتياطيات غاز مهمة يتشارك فيها لبنان ومصر وسورية والمناطق الفلسطينية المحتلة في عام 1967 وإسرائيل وقبرص (انظر الخريطة.)1
وقد بيّنت الدراسات الاستقصائية نتائج ملموسة؛ إذ تبيّ في عام 2009 أنّ حقل "تامار" Tamar يحتوي على 283 مليار متر مكعب من الغاز، ويحتوي حقل "ليفياثان" Leviathan في عام 2010 على (623 مليار
متر مكعب)، ويحتوي حقل "أفرودايت" Aphrodite في عام 2011 على (129 مليار متر مكعب)، من دون احتساب آفاق أخرى، بما فيها 252 مليار متر مكعب في المنطقة البحرية لحقل "دانيال" Daniel.7وفي آب/ أغسطس 2015، اكتشفت الشركة الإيطالية "إيني" ENI Idrocarburi, Nazionale Ente قبالة ساحل مصر أكبر حقل لإنتاج الغاز شرق المتوسط، وهو حقل "ظهر" Zohr الذي يحتوي على 850 مليار متر مكعب من الغاز (انظر الجدول.)1 شجعت هذه الاكتشافات الجديدة على تعزيز جهود التنقيب في المنطقة؛ ما أعطى دفعًا قويًا في المنطقة القبرصية المجاورة التي تَبيّ احتواؤها على كميات ضخمة من الغاز الطبيعي (انظر الخريطتين 2 و.)3 ورغم أنّ الإمكانيات التقديرية الكلية لهذه الاكتشافات تبقى متواضعةً نسبيًا على الصعيد العالمي (قارن مثلً حقل غاز الشمل/ بارس الجنوبي المشترك بين قطر وإيران والذي يحتوي على نحو 50 ترليون متر مكعب من الغاز والذي يعدّ الأكبر في العالم)، فإنها تبقى مع ذلك مهمة على نحو ملحوظ فيم يتعلق بإمكانية تحويل المشهد الإقليمي للطاقة، عبر توفير آمن لإمدادات الطاقة، والحدّ من الاعتمد على واردات الطاقة بالنسبة إلى دول المنطقة، إضافةً إلى تأثير ذلك في العلاقات البينية بين بلدان المنطقة. ومن بين هذه البلدان، تتميز مصر بأنها كانت منتجًا ومصدّرًا مهمً للغاز منذ أواخر القرن العشرين، قبل أن تتحول إلى مستورد صافٍ له في السنوات الأخيرة. وتقدر احتياطيات مصر المثبتة من الغاز الطبيعي أكثر من 2100 مليار متر مكعب. وقد وضع تقييم أميركي في أيار/ مايو 2010 المتوسط التقديري للغاز الطبيعي القابل للاسترداد من الناحية التقنية في حوض دلتا النيل في مصر عند مستوى 6310 مليارات متر مكعب، معظمها في البحر، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف الاحتياطيات المؤكدة الحالية للبلاد. وأحدث ما توصلت إليه مصر، في آب/ أغسطس 2015، هو حقل "ظهر" الذي يعدّ أكبر حقلٍ جرى اكتشافه في حوض البحر الأبيض المتوسط الذي يقدّر بحوالى 850 مليار متر مكعب، وعلى بعد 6 كم فقط من الحدود البحرية بين مصر وقبرص8. بالنسبة إلى إسرائيل، تردّدت الشركات العالمية الكبرى في مجال الطاقة بدايةً في التعامل معها؛ إذ كانت تعدّ النتائج المحتملة افتراضية جدًا، كم أنها كانت تخشى أن يؤدي التعامل معها إلى الإضرار بعلاقاتها بالدول العربية الكبرى في إنتاج النفط والغاز، والتي كانت تجمعها بها مصالح اقتصادية كبرى تفوق بكثير ما قد
| تاريخ الاكتشاف | إجمالي الموارد المتوسطة Bcm | حقل الغاز |
|---|---|---|
| 2009 | 280 | "تامار" |
| 2010 | 620 | "ليفياثان" |
| 2011 | 140 | "أفرودايت" |
| 2015 | 850 | ظهر"" |
تجنيه من تعاونها مع دولة الاحتلال؛ ولذلك تعاملت إسرائيل مع شركة أميركية تدعى "نوبل إنيرجي"9، وهي التي اكتشفت تباعًا حقلي "تامار" و"ليفياثان". جرى اكتشاف حقل "تامار" على بعد 90 كم غربي حيفا، في كانون الثاني/ يناير 2009، من جانب تحالف شركات يضمّ الشركة الأميركية نوبل إنيرجي Energy Noble، والشركات الإسرائيلية "إيسرامكو" Isramco، و"ديليك" Delek، و"أفنر" Avner، و"دور" Dor. وفي أواخر عام 2010، اكتشفت شراكة ممثلة تضمّ
الذي قدّر في البداية بين 509 و 538 مليار متر مكعب، إلى 620 مليار متر مكعب10. شركتي "نوبل" و"ديليك" حقل "ليفياثان"، على بعد 50 كم غرب "تامار". وقد ازداد احتياطي "ليفياثان"
وبدايةً من عام 2013، عوّض حقل "تامار" عن استيراد الغاز المصري، ومن المتوقع أن يضمن، مع الاكتشافات السابقة، الاكتفاء الذاتي من الغاز لإسرائيل، وما لا يقلّ عن نصف إنتاجها من الكهرباء. وقد أنتجت إسرائيل
7.6 مليارات متر مكعب من الغاز في عام 2014، و 9.7 مليارات في عام 2015، ويمكن أن يتجاوز إنتاجها 20 مليار متر مكعب سنويًا بداية من عام 2018. كم بدأ استغلال حقل "ليفياثان" الذي يتوقع أن ينتج في الربع الأول من عام 2019 حوالى 16 مليار متر مكعب في السنة، سيتمّ تصدير جزءٍ كبير منها11.
وفي عام 2011، كانت شركة "نوبل إنيرجي" الأميركية أوّل من اكتشف الغاز قبالة السواحل القبرصية في حقل "أفرودايت"، الذي تقدر احتياطاته ب 127.4 مليار متر مكعب من الغاز. ولأنّ حقل "أفرودايت" يضمن لقبرص اكتفاءها الذاتي من الغاز الطبيعي (حوالى مليار متر مكعب سنويًا)، ويقدّر الإنتاج القابل للتصدير من 70 إلى 110 مليارات متر مكعب، فقد كان الهدف الأولي هو تسييل الغاز في ميناء فاسيليكوس Vassilikos وبيعه للبلدان الآسيوية. بيد أنّ الحفر لم يسمح بإيجاد ما يكفي من الغاز لتغطية تكاليف مصنع لتسييل الغاز بقيمة 15 مليار دولار أميركي، فضلً عن الوضع غير المستقر في المنطقة بسبب النزاعات ذات الطابع السياسي بين دول المنطقة، أو الاختلاف على الحصص ومناطق الاستثمر للحوض الغازي في شرق المتوسط، الأمر الذي سنعود إليه لاحقًا.
وفي شباط/ فبراير 2018، تمّ اكتشاف حقل "كاليبسو" Calipso خلال أعمل حفر نفذها تجمّع شركات يضم "إيني" الإيطالية و"توتال" الفرنسية، في منطقة بحرية شمل غرب الجزيرة. وقالت شركة "إيني" إنّ هذا الاكتشاف واعد ويؤكد امتداد مساحة ممثلة لحقل "ظُهر" المصري داخل "المنطقة الاقتصادية الخالصة"
لقبرص14. ومع انهيار أسعار النفط التي أثرت أيضًا في أسعار الغاز، ومن ثمّ في مناخ الاستثمر في النفط والغاز، كان هناك تحول نحو فكرة الجدوى الأكبر من التصدير إلى الأسواق الإقليمية، مثل مصر15. وهناك مشكلة أخرى تعترض استغلال حقل "أفرودايت" وهي استمرار عدم وجود اتفاق لتوحيد الاستغلال بين قبرص وإسرائيل16. بالنسبة إلى لبنان، لم يمتد "الخط الأزرق" الذي تمّ تحديده في عام 2000 مع إسرائيل إلى البحر؛ ما تسبّب في نزاع على 860 كم 2 من المياه. ويبلغ مجمل مساحة المياه الإقليمية اللبنانية حوالى 22 ألف كم 2، تشكل المساحة المتنازع عليها مع إسرائيل حوالى 4 في المئة من مساحة المياه الإقليمية اللبنانية. وقد تمّ تقسيم المساحة المتنازع عليها إلى عشر مناطق أو بلوكات يمثل البلوك 9 أحد تلك المناطق (انظر الخريطة.)6 وتقدر حصة لبنان من الغاز الطبيعي الذي يتضمنه هذا الجزء من المتوسط بحوالى 96 ترليون قدم مكعبة؛ وهي ثروة يمكن أن تساعد لبنان في حلّ جزء من دينه العام. وقد تم تقسيم الثروة النفطية في المياه إلى 10 بلوكات، لكن الاستثمر بها ظلّ متوقفًا منذ أعوام، وذلك بسبب الأوضاع السياسية الداخلية في لبنان19. وفي كانون الثاني/ يناير 2017، وبعد اتفاق القوى السياسية اللبنانية على تقاسم المنافع، أعلنت الحكومة اللبنانية فتح 5 مناطق بحرية أمام المستثمرين لتقديم عروضهم، وهي البلوكات (1 - 4 - 8 - 9 - 10). وفي كانون الأول/ ديسمبر 2017، تمّ منح تراخيص للتنقيب عن النفط والإنتاج في البلوكين 4 و 9 لشركات "توتال الفرنسية" (بنسبة 40 في المئة)، و"إيني الإيطالية" (بنسبة 40 في المئة)، و"نوفاتك" الروسية (بنسبة 20 في المئة)، على أساس حفر أول بئر في البلوك 4 في عام 2019. وهو20ما أثار غضب إسرائيل بسبب حساسية موقع هذا البلوك الذي يحاذي حدود مياهها الإقليمية21. وحذّرت إسرائيل حينها لبنان من التنقيب عن النفط في البلوك التاسع، ليردّ لبنان بأنّ البلوك التاسع يقع في مياهه الإقليمية، وأنّ ترسيم الحدود الذي جرى بين قبرص وإسرائيل غير قانوني22. وفي كانون الأول/ ديسمبر 2017، بدأ الجيشان اللبناني والإسرائيلي مفاوضات غير معلنة برعاية الأمم المتحدة لترسيم الحدود البحرية. بيد أنّ القرار الإسرائيلي ببناء جدار على طول الحدود البرية أخرج هذه المفاوضات عن مسارها؛ ليبرز حزب الله في صدارة المشهد، قائلً إن ما جرى يقدم مبرّرًا إضافيًا لعدم تخلّيه عن سلاحه.
أما بالنسبة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، فقد حصلت شركة "بريتش غاز" BG في غزة في عام 1999 على رخصة من السلطة الفلسطينية لاستكشاف إسفين الأراضي الفلسطينية الواقعة في منطقة وسط بين المياه الإسرائيلية والمصرية. وتوفّر الرخصة الممتدّة مدّة 25 عامًا لشركة "بريتش غاز" الحق في استكشاف المنطقة وتطوير حقول الغاز وبناء البنية التحتية اللازمة. وفي العام التالي، قامت الشركة البريطانية بحفر بئرين ناجحتين على مسافة نحو 30 كم قبالة قطاع غزة، وهي أولى الاكتشافات الغازية في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط بعد مصر24. وتمتلك شركة "بريتش غاز" نسبة 90 في المئة من هذا الحقل؛ وسوف تنخفض حصتها إلى 60 في المئة إذا قرّر "صندوق الاستثمر الفلسطيني" و"شركة المقاولون المتحدون" ممرسة خياراتهم، ليحتفظ لاحقًا الأول بنسبة 30 في المئة والثانية بنسبة 10 في المئة على التوالي25 (انظر الخريطة).7 بيد أنّ جميع أعمل استغلال الغاز الفلسطيني البحري توقفت منذ تولّ حمس السلطة في عام 2007. وبدأت السلطة الوطنية الفلسطينية، برعايةٍ ودعمٍ أميركيين، مفاوضات مع إسرائيل في أيلول/ سبتمبر 2013 حول إمكانية قيامها بتطوير محتمل للحقل. ويمكن أن يحقّق هذا الاستغلال 1.6 مليار متر مكعب من الغاز فيم لو تمّ تصديق اتفاق تشرين الأول/ أكتوبر 2013 بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. ومن ثمّ فإنّ الغاز المستخرج يمكن أن يحلّ محلّ النفط الذي تمنحه دولة قطر لإنتاج الكهرباء في القطاع30. وفي الوقت الذي يظلّ فيه قطاع غزة يعيش حالةً من الانهيار الكارثي في الأوضاع المعيشية والاقتصادية بفعل العدوان الإسرائيلي المستمر عليه والأزمات التي تعصف بأكثر من مليوني فلسطيني يعيشون فيه، وفي ظلّ حالة الانقسام الفلسطيني، تظلّ إمكانية بدء استثمر حقلي غاز "غزة مارين" معلقة31. أما سورية، فقد أدى اندلاع الثورة فيها عام 2011، ثمّ تحوّلها إلى صراع مسلح بالوكالة عن قوى إقليمية ودولية مختلفة، إلى تأخر العمل على مشروعات الاستكشاف والتنقيب في مياهها الإقليمية؛ إذ فرضت الدول الغربية عقوبات على الحكومة السورية، بسبب استخدام القوة المفرطة في قمع المتظاهرين، بعضها في قطاع الطاقة. كم انسحبت شركات غربية عديدة من قطاع التنقيب وإنتاج الطاقة السوري بعد تحول الثورة إلى نزاع مسلح واسع النطاق ابتداءً من منتصف عام 2012. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2013، وقَّعت سورية مع روسيا اتفاقًا، عن طريق شركة سويوزنفتغاز Soyuzneftegaz، لاستكشاف 2190 كم 2 في البلوك رقم 2 من "المنطقة الاقتصادية الخالصة" السورية، بين بانياس
مليار متر مكعب، موزعةً على خمسة بلوكات32. وطرطوس؛ وقد بلغت مدة العقد 25 عامًا، بتكلفة أولية مقدارها 100 مليون دولار، تقدمها الشركة الروسية33. إلّ أن الشركة جمّدت المشروع بسبب تزايد حدة القتال في سورية، قبل أن تعود الحكومة السورية إلى تأكيد أنّ الشركة الروسية ستباشر عمليات الاستكشاف في المياه السورية مطلع عام 2019، للبدء في استثمر احتياطيات سورية من الغاز في شرق المتوسط التي تقدرها الحكومة السورية ب 1250
ثانيًا: رهانات تحديد "المناطق الاقتصادية الخالصة" واستغلال حقول الغاز وتصديره
تظلّ الصراعات السياسية الطويلة الأمد إحدى السمت المميزة لمنطقة شرق البحر المتوسط، والشرق الأوسط عمومًا، وتعد النزاعات الحدودية البحرية المعقدة جزءًا منها، ويقع بعضها خارج الآليات المعتادة لتسوية المنازعات البحرية الدولية، بسبب سيطرة سياسات القوة على تفكير نخبها وسلوكها، ويبرز هذا على نحو خاص في النزاع الحدودي البحري اللبناني مع إسرائيل، والذي بدأ منذ عام 2007 في إشراك قبرص فيه أيضًا. كم تبرز مشكلة أخرى في قبرص حيث يتواجه القبارصة اليونانيون والأتراك بسبب تقسيم الجزيرة منذ التدخل العسكري التركي عام 1974. ويبقى الصراع العربي34 - الإسرائيلي العامل الرئيس لعدم الاستقرار في المنطقة نتيجة إنكار إسرائيل حقوق الفلسطينيين ليس في إنشاء دولة فحسب، بل حرمانهم أيضًا من فرص استثمر ثرواتهم الطبيعية، بما فيها النفط والغاز، من خلال الحصار الذي تفرضه على قطاع غزة، واعتداءاتها على ما قد يمثل في حال نشوء دولة فلسطينية في المستقبل "مناطق اقتصادية حصرية" خاصة بالفلسطينيين فيه. وتتضاعف حدَّة هذه الإشكالات على اعتبار أنها لا تتعلّق بتحديد "المناطق الاقتصادية الحصرية" فحسب، بل تتعدّاها إلى إلزامية التعاون بين هذه البلدان، شرطًا ضروريًا لتحقيق أفضل استغلال ممكن لحقول الغاز المستكشفة. إذ يتطلّب بدء عمليات استغلال الغاز استثمرات كبرى، تبدأ مع أشغال التنقيب الضخمة، والحفر في المياه العميقة، ثمّ بناء خطوط أنابيب الغاز، وعند الاقتضاء، محطات تسييل الغاز35. وعلى الرغم من أنّ شركات النفط معتادة العمل في بلدانٍ غير مستقرة، أو تلك التي لا تتوافر فيها بيئة قانونية مشجعة، أو في حال توافرها، يكون إنفاذ القانون أمرًا نسبيًا وتقريبيًا فيها، فإنّ حدًّا أدنى من الاستقرار والأمن وسيادة القانون يظلّ ضروريًا، لا سيم في تعريف "المناطق الاقتصادية الخالصة"36، ثمّ في منح تراخيص الاستغلال. وتظلّ إحدى الخصائص المميزة للبحر الأبيض المتوسط أنه مسطّحٌ مائي ضيقٌ جدًا بالنسبة إلى البلدان المتشاطئة كي تتمكّن من استيفاء حدود منطقتها الاقتصادية الخالصة حتى 200 ميل بحري، كم هو منصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار37، والتي وضعت أيضًا منهجية لتعيين الحدود
وحلّ النزاعات. ولذلك يظلّ من الأفضل إبرام اتفاقيات بين بلدين أو ثلاث بلدان متجاورة لتحقيق أقصى عائد ممكن من استغلال الحوض الغازي، وهو أمرٌ غير ممكن أو صعبٌ على الأقل؛ بالنظر إلى طبيعة علاقات الجوار القائمة في المنطقة، واحتدام حجة التنافس الخارجي عليها. وعلى اعتبار أنّ عدة بلدان في حوض شرق البحر الأبيض المتوسط قد أصدرت إعلانات من جانب واحد بشأن استغلال ثرواتها الغازية، فإنّ الخريطة الطاقوية في المنطقة لا تزال غير مكتملة الملامح. فقد وقّعت قبرص اتفاقيات مع مصر عام 2003، ومع إسرائيل عام 2010، ومع لبنان عام 2007، رغم أنّ بيروت لم تصدّق عليها. كم أنّ القاعدتين البريطانيتين "أكروتيري" و"ديكيليا"38 الموجودتين في قبرص لديهم منطقة بحرية خاصة بهم، فإنهم لا تمتلكان "منطقة اقتصادية خالصة"، وتقتصر نشاطاتهم حصريًا على المجال العسكري. ومع اكتشافات الغاز الكبرى في "حوض الشام"، برز النزاع المحتدم بين لبنان وإسرائيل على منطقة بحرية ثلاثية مساحتها 860 كم 2؛ ذلك أنّ الاحتياطيات التي تدّعيها إسرائيل تمتدّ إلى المياه اللبنانية40. وقد اندلع النزاع الحدودي البحري بين الطرفين خصوصًا بعد اتفاق ترسيم الحدود الاقتصادية بين إسرائيل وقبرص في كانون الأول/ ديسمبر 2010، عندما احتج لبنان على أنّ المناطق التي تمّ ترسيمها في الاتفاق المذكور "تقضم" جزءًا من "المنطقة الاقتصادية الخالصة" الخاصة به41. إضافة إلى ذلك، رفضت إسرائيل، في تشرين الأول/ أكتوبر 2013، اقتراحًا أميركيًا للتسوية، لأنّ الاقتراح يعطي لبنان ثلثي المنطقة المتنازع عليها، في حين أعطى إسرائيل الثلث الثالث. ولا يوجد في الوقت الحالي اتفاق لتعيين الحدود البحرية بين إسرائيل ومصر، رغم أنّ الطرفين يشتركان في استكشاف مناطقهم الساحلية. ومع ذلك، يمكن أن تنشأ هذه المشكلة في مرحلة معينة من الاستكشافات. وعلى الرغم من عدم قيام الحكومات المصرية بأيّ تحرك رسمي، فإنه قد تم تقديم مطالبات تحتج على قيام إسرائيل باستخراج غاز موجود في عمق مياه المنطقة الاقتصادية الخالصة المصرية42. ومن شأن ترسيم الحدود البحرية بين مصر وإسرائيل أن يكون معقدًا إلى حدٍّ ما، لا سيّم بالنظر إلى أفق قيام دولة فلسطينية في المستقبل من شأنها أن تكون لها حدود بحرية مع مصر وقبرص
وإسرائيل. وفي مثل هذه الحالة، من المرجح أن يتطلب تحديد "المنطقة الاقتصادية الخالصة" الخاصة بفلسطين مراجعة الاتفاقيات الحدودية الحالية بين مصر وقبرص وإسرائيل، لا سيم أنه مع نشوء دولة فلسطينية تضمّ غزة لن تعود هناك حدود بحرية في البحر الأبيض المتوسط بين مصر وإسرائيل؛ ومن ثمّ، فأيّ اتفاقية في هذا الصدد بين البلدين بخصوص "المنطقة الاقتصادية الخالصة" ستصبح لاغية؛ وهو ما يعني بروز نزاعات جديدة في المستقبل تطرح تحديات مفتوحة على جميع الاحتملات43. من جهةٍ أخرى، تأزّمت العلاقات بين تركيا وإسرائيل منذ أزمة سفينة "مافي مرمرة" عام 2010، حين اعترضت إسرائيل السفينة التي كانت متجهةً لكسر الحصار على غزة، وقتلت عددًا من الناشطين الأتراك على متنها، وما تلاها من تجميد للحوار السياسي رفيع المستوى بين البلدين، وتعليق التعاون العسكري، وتخفيض التمثيل الدبلوماسي المتبادل إلى مستوى السكرتير الثاني. ومع ذلك، فقد استمرت العلاقات التجارية بين البلدين في التوسع، الأمر الذي دفع إلى التساؤل عمّ إذا كانت خطط إبرام اتفاقية لإنشاء خطوط أنابيب لنقل الغاز الإسرائيلي إلى تركيا، ومن هناك إلى أوروبا، ما زالت قائمة44. وقد بدا لوهلة أنّ التقارب بين إسرائيل وتركيا، مقترنًا بصادرات الغاز الإسرائيلية إلى تركيا، كان احتملً ممكنًا46، إلى غاية الانتخابات الرئاسية التي جرت في تركيا في آب/ أغسطس 2014، والتي تزامنت مع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في العام نفسه؛ إذ جمدت تركيا المفاوضات حول إمكانية إنشاء مثل هذا الخط، مع تزايد التوترات وتنامي الشكوك بين الطرفين47. وتتعلّق المشكلة التركية الأخرى بقبرص، التي تأسّست عام 1960 بوصفها دولةً مشتركة بين طائفتين، القبارصة اليونانيين والقبارصة الأتراك. لكن صيغة العيش المشترك بين الجانبين انهارت عام 1963، وأخذ القبارصة اليونانيون بزمام الحكم في قبرص على نحوٍ منفرد. وقد دفع هذا الأمر تركيا إلى غزو الجزيرة عسكريًا في عام 1974 لحمية القبارصة الأتراك، ما أدّى إلى تقسيم الجزيرة منذ ذلك الحين؛ إذ نشأت حكومة في القسم الشملي من الجزيرة لم تعترف بها إلّ تركيا، في حين ظلّت الإدارة القبرصية اليونانية تسيطر على الجنوب، وهي معترف بها دوليًا بوصفها حكومة قبرص الشرعية. وقد تمّت الجولة الأخيرة من المفاوضات لحلّ الأزمة القبرصية وإعادة توحيد الجزيرة برعاية الأمم المتحدة في عام 2008؛ بيد أنها
لم تفارق الجمود طوال السنوات الماضية، وما فتئت تتعثّ على صخرة ما يسمى "قضية السيادة"51. وبناء عليه، فقد اعترضت تركيا على موجبات اتفاقية "مونتيغو باي" Bay Montego بسبب نزاعها مع اليونان في بحر إيجه، كم طعنت في الاتفاقيات التي توصلت إليها الحكومة القبرصية، والتي لا تعترف بها تركيا، في حين وقعت اتفاق ترسيم الحدود مع حكومة قبرص الشملية في 2011 (وهي اتفاقية غير معترف بها في القانون الدولي لعدم وجود اعتراف قانوني بحكومة شمل قبرص). وتطالب أنقرة بحصة من "غنيمة الغاز" التي تقع ضمن المنطقة الاقتصادية للقبارصة الأتراك على نحو مفارق؛ إذ إنها تطالب في الآن ذاته بتقسيم نهائي للجزيرة من شأنه أن يمنح حقل "أفرودايت" وغيره من الاحتياطيات الغازية حصريًا للقبارصة اليونانيين. وفي الجنوب الغربي، تدافع تركيا عن ترسيم جديد للحدود، من شأنه أن يجعل منطقتها الاقتصادية الخالصة على اتصال مباشر بمصر. وقد عرفت بداية عام 2018 تصعيدًا من جانب تركيا، حين اعترضت البحرية التركية السفينة "سايبم "12000 12000 Saipem التابعة لشركة "إيني" الإيطالية وهي في طريقها للتنقيب عن الغاز قبالة قبرص52. وقبل هذه الحادثة، كانت وزارة الخارجية التركية قد عادت لتؤكد في 11 شباط/ فبراير 2018 أنّ مواصلة نيقوسيا ممرسة نشاطات التنقيب من جانبٍ واحد تعدّ خطًّا أحمر53. وعن طريق منح تراخيص لشركة عمومية تركية تدعى "شركة البترول التركية المساهمة" TPAO، بما في ذلك في جنوب جزيرة قبرص، أوشكت الأمور أن تتطور إلى أزمة دولية كبرى؛ علمً أنّ هذه الشركة التركية لا تملك الوسائل التقنية والمالية لإجراء مسوحات في المياه العميقة. وقد تجنّبت تركيا اعتراض ورشات تنقيب شركة "نوبل"، رغم اعتراضها على نشاطاتها لأنّ ذلك سيدخلها في صراعٍ ليس مع قبرص فحسب، ولكن أيضًا مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ولذا لم تعبأ حكومة قبرص كثيرًا بالاحتجاجات التركية، وأقدمت على تقسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بها إلى 13 منطقة، ومنح تراخيص التشغيل للعديد من شركات النفط الأوروبية والأميركية. كل هذا يعطي دلائل على أنّ الصراع قد يحتدم أكثر على مستقبل شرق المتوسط بوصفه منطقة اكتشافات غازية ذات أهمية جيوسياسية كبرى. وهذا سيكون بدوره له آثار مهمة فيم يتعلق بآفاق الطاقة واتجاهات التنمية في بلدان المنطقة، مثل زيادة أمن الإمدادات، وتقليل الاعتمد على واردات الطاقة، والفرص الاقتصادية المتنوعة. وقد ظلّ التقدم المحرز حتى الآن في هذا الاتجاه بطيئًا ومحبطًا،
بالنظر إلى تقلب أسعار الطاقة، والظروف الاقتصادية والمالية المضطربة على الصعيد العالمي، وعدم اليقين في سياسات الطاقة في البلدان المتشاطئة، والسياسات التنظيمية والمالية، وبالنظر أيضًا إلى التحديات الجيوسياسية في المنطقة54.
ثالثًا: التحديات الجيوسياسية لاكتشافات الغاز الطبيعي يف "حوض الشام"
بالنظر إلى حجم الاكتشافات والاحتياطيات الغازية التي عرضنا لها أعلاه، تمثّل الموارد المكتشفة حديثًا فرصًا كبرى للمنطقة إذا ما جرى تطويرها بحكمة وعلى النحو الأمثل؛ إذ في إمكانها أن تساعد على تحوّل الخريطة الطاقوية في شرق المتوسط من منطقة مستوردة للطاقة لتلبية الطلب المتزايد بسرعة عليها في بلدان المنطقة، إلى منتجٍ ومصدرٍ لها. ومن ثمّ إعادة تحديد العلاقات السياسية الإقليمية وتغيير شكلها الراهن. كم يبدو أنها تؤكد إمكانات موارد الحوض كم قيمتها "هيئة المسح الجيولوجي الأميركية". ووفقًا لتقرير للمؤسسة نفسها صادر في آذار/ مارس 2010، فإنّ احتياطي حوض الشام يقدّر بمتوسط قدره 3453 مليار متر مكعب من الغاز القابل للاسترداد. وبعبارة أخرى، هناك إمكانية لمزيد من الاكتشافات تحت مياه شرق البحر الأبيض المتوسط في أحجام ممثلة للاحتياطيات الحالية المؤكدة من الغاز في العراق، أو ما يعادل ثلاثة أرباع الاحتياطيات الغازية المؤكدة في الجزائر، البلد الذي يحتوي أكبر الاحتياطيات المؤكدة في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، وثاني أكبر مُورِّد خارجي للغاز الطبيعي إلى أوروبا بعد روسيا55. لقد أصبح التدفق الكبير للغاز الطبيعي في بلدان شرق المتوسط التي لم تحظ في الماضي باكتشافات نفطية أو غازية مهمّة يثير أسئلةً كبرى، بعضها ذو طبيعة اقتصادية، بشأن تحقيق الاكتفاء الذاتي الطاقوي وتحويل العمل في محطات توليد الطاقة نحو الغاز، واحتمل الحصول على عائدات ضريبية كبرى، و/ أو الانتقال من وضع مستوردٍ إلى وضع مصدّر... إلخ. كم يطرح أسئلةً أخرى ذات طبيعة جيوسياسية تتعلّق بمستقبل المنطقة وآفاق التعاون بين دولها وإمكانية تجاوز الصراعات والنزاعات القائمة فيها، بمعنى اختبار قدرة الغاز على التحول إلى عامل يساعد في تغيير قواعد اللعبة من لعبة صفرية قائمة على الصراع وفق مبدأ "كل شيء أو لا شيء" sum - zero، إلى لعبة تقوم على تحقيق مصالح جميع الأطراف win - win، والانتقال من ثمّ من مقاربة جيوسياسية محورها الرئيس المعضلة
الأمنية إلى مقاربة جيو اقتصادية محورها الاستقرار والتنمية، علمً أن وجود إسرائيل وسياسات الهيمنة التي تتبعها تبقى التحدي الأكبر أمام إمكانية حصول مثل هذا التحول. من جهة ثانية، لا يزال قطاع الغاز في شرق المتوسط يفتقر إلى المرونة اللازمة والبيئة الملائمة لإنجاح هذا "الانتقال الطاقوي"، على الأقل فيم يتعلق بالشروط الاقتصادية والسياسية لإقامة خطوط أنابيب الغاز ذات التكلفة المرتفعة. وهذا ينبع جزئيًا من الخصائص الفيزيائية للغاز نفسه. فبوصفه مصدرًا للطاقة ذا كثافة منخفضة مقارنةً بالنفط، فإنّ نقل الغاز مكلف نسبيًا. ولذا فغالبًا ما تتميز علاقات تجارة الغاز بخصائص مميزة مثل ضرورة التعاقد على مديات زمنية طويلة، وإجراء "التسليم من نقطة إلى نقطة"، والافتقار النسبي إلى المنافسة، وعلى وجه الخصوص، الحاجة إلى تجميع الطلب على طول طريق خطوط أنابيب الغاز، بالنظر إلى حجم الاستثمرات الهائلة التي يتطلّبها بناؤها؛ وهو ما يزيد من أهمية التوصل إلى توافقات سياسية قبلية من أجل إبرام اتفاقيات تجارية مرتبطة باستغلال الغاز وإنتاجه ونقله57. لهذا السبب تحديدًا، ينطوي استغلال الغاز الطبيعي على قيود تتطلّب مراعاة المدى الطويل أكثر بكثير من النفط، خاصة في مجال بناء خطوط الأنابيب المكلفة، في مساراتها تحت الماء خصوصًا. ولذا تعتمد ربحية الاستثمرات على بيئة سياسية مستقرة، لا يبدو أنّ حوض شرق البحر الأبيض المتوسط مؤهّل لتقديمها، حتى الآن على الأقل. وإضافة إلى ذلك، يتحتّم أن تجد الصادرات منافذ في سوقٍ أصبحت درجة التنافسية فيها مرتفعة جدًا، بفعل زيادة عدد المنتجين، وفي سياق هابط للأسعار. وفي الآن ذاته، يظلّ تطوير مبادلات الغاز المسال، الذي من شأنه أن يزيد من هامش المناورة بالنسبة إلى المصدرين من خلال السمح لهم بالبيع عندما تكون الأسعار أكثر ربحية، ضعيفًا بسبب انخفاض الأسعار لوفرة المعروض. ونتيجةً لذلك، يبدو إنشاء محطات لتسييل الغاز في "حوض الشام"، سواء على الأرض الصلبة أو على محطات عائمة في البحر، خيارًا محفوفًا بالمخاطر على الصعيدين الاقتصادي والجيوسياسي. وستظلّ إمكانات تصدير بلدان شرق المتوسط الغاز في المستقبل مرهونة بالتوازنات الجيوسياسية، والصراعات التي تتجه نحو التفاقم بدلً من الحل. وعلى سبيل المثال، كان في إمكان تركيا شراء كميات كبرى من الغاز الإسرائيلي بعد الاكتشافات الأخيرة؛ غير أنّ العلاقات بين الطرفين تدهورت إلى درجة لا تسمح بذلك. فقد رفض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أيلول/ سبتمبر 2014 نقل الغاز من إسرائيل إلى أوروبا، عبر تركيا، طالما لم ترفع إسرائيل الحصار عن قطاع غزة. ورغم أنّ تركيا وافقت على
استئناف المفاوضات لإنشاء الخط، فإنه لم يطرأ أي تطور كبير على الموضوع58. وإضافة إلى ذلك، يجب أن يعبر خط أنابيب الغاز المحتمل بين إسرائيل وتركيا المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية والسورية (وهم دولتان لا تعترفان بإسرائيل، وهم رسميًا في حالة حرب معها منذ عام 1948)، أو قبرص (التي لن تمنح موافقتها ما دامت تركيا لم تقبل بإعادة توحيد الجزيرة). ذلك أنّ المادة (79) من "اتفاقية مونتيغو باي" تنصّ في بندها الأول على أنه: "يحقّ لجميع الدول وضع الكابلات وخطوط الأنابيب المغمورة على الجرف القاري"، لكن، وكم يوضح البند الثالث من المادة نفسها، "يخضع تعيين المسار لوضع خطوط الأنابيب هذه على الجرف القاري لموافقة الدولة الساحلية"62. ومن جهةٍ أخرى، أصبحت لدى إسرائيل طموحات كبرى في أعقاب الاكتشافات الغازية الأخيرة، سواء من جهة عائدها الاقتصادي المباشر، أو من جهة تحقيق أمنها الطاقوي، بعد أن تحولت من دولة مستوردة إلى دولة منتجة ومصدرة، أو من حيث تعظيم الأثر الجيوسياسي لصادراتها. فقد أصبحت لدى إسرائيل الآن القدرة على تزويد الأراضي الفلسطينية المحتلة والأردن بالغاز. وعلى المدى الطويل، يمكن أن يفتح الاتفاق الثلاثي مع قبرص واليونان السوق الأوروبية أمام صادراتها. وفضلً عن ذلك، وبدلً من الاعتمد حصريًا على تفوقها العسكري، تسعى إسرائيل إلى تعزيز هيمنتها الإقليمية من خلال مضاعفة الترابط والشراكات مع البلدان المجاورة عبر إنشاء شبكة متكاملة من خطوط أنابيب الغاز؛ ما يعطيها القدرة على استخدام الطاقة أداةَ ضغط سياسي في المستقبل، ووسيلةً للتأثير في سياسات الدول المستوردة، وهو أمر ستكون له تداعيات جيوستراتيجية كبرى. ونظرًا إلى الاعتمد الكبير للاتحاد الأوروبي على الغاز الطبيعي الوارد من روسيا، والذي يبلغ نحو 37 في المئة من احتياجات دوله من الغاز65، يسعى الأوروبيون إلى تنويع مصادر طاقتهم من خلال تطوير خطوط إمداد جديدة تقلّص هذا الاعتمد المفرط، وتحدّ من قدرة روسيا ومحاولاتها الهيمنة على القرار الأوروبي. وبناءً عليه، يقوم الاتحاد الأوروبي حاليًا بتمويل دراسة في إطار مشروعاته ذات الاهتمم المشترك EU's PCIs Interest, Common of Projects لتقدير إمكانية تصدير الغاز القبرصي والإسرائيلي إلى أوروبا عبر خطّ أنابيب غاز تبلغ قدرته الاستيعابية 10 مليارات متر مكعب سنويًا. إلّ أن هذا الخط الذي يبلغ طوله (1530 كم) سيكون بناؤه صعبًا جدًا من الناحية الفنية، لأنّه يوجد بين قبرص واليونان أعمق مناطق البحر الأبيض المتوسط، التي يمكن أن يصل عمقها إلى 5150 مترًا في جنوب اليونان، في حين أنّ متوسط عمق البحر
الأبيض المتوسط هو 1500 متر فقط، فضلً عن التكلفة التقديرية الكبرى لهذا الخط التي تبلغ 15 مليار دولار أميركي. لهذه الأسباب تبحث الدراسة خيارًا آخرَ يتمثل في تحويل الغاز إلى كهرباء وتصديره إلى اليونان عن طريق كابل بحري يتم فيه استخدام وصلة الربط بين أوروبا وآسيا Interconnecter Asia -.Euro وفي قمة ثلاثية عقدت بين إسرائيل وقبرص واليونان في كانون الثاني/ يناير 2016، أكدت الأطراف الثلاثة التزامها دعم مشروع بناء خط أنابيب للغاز في شرق المتوسط لتصديره إلى أوروبا، وهو أحد مشاريع الاتحاد الأوروبي ذات الاهتمم المشترك كم أشرنا إلى ذلك. وتمّت مناقشة إمكانية تصدير الغاز الإسرائيلي والقبرصي إلى أوروبا عبر جزيرة كريت والبرّ الرئيس لليونان (انظر الخريطة 9). لكنّ شكوكًا قوية ما زالت تحيط بجدوى إنشاء مثل هذا الخط66. لذلك تظلّ المبادرات الثلاثية لكلٍّ من اليونان وقبرص وإسرائيل
محدودة الآفاق، ما دام الموقف التركي على حاله، فضلً عن أنّ هذا الخيار قد يتطلّب شراكات مع مصر ولبنان أيضًا، وهو أمر لا يبدو ممكنًا في المرحلة الراهنة نتيجة استمرار إسرائيل في رفضها الاعتراف بحق لبنان في المنطقة البحرية المتنازع عليها، وممرستها سياسات القوة والهيمنة في المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بلبنان. كم أنّ عملية استغلال الغاز ونقله لن تكون مجديةً من دون حصول اكتشافات إضافية كبرى جديدة تجعل الاستثمر في خطوط أنابيب بحرية مكلفة أمرًا مجديًا من الناحية التجارية. وتظلّ تركيا البلد المتوسطي الذي من شأنه أن يقدّم الحلّ الأكثر جاذبية لمعضلة نقل غاز شرق المتوسط. فقد أصبحت نتيجة نموها الاقتصادي الكبير والمستمر منذ عام 2003، وتحولها إلى الاقتصاد رقم 18 في العالم، مستهلكًا مهمً للغاز (تستهلك 50 مليار متر مكعب سنويًا، وهو ما يضمن 50 في المئة من إنتاج الكهرباء، بمعدل نمو سنوي 8 في المئة، أي ضعف معدل نمو الناتج المحلي الإجملي، بينم يستهلك القطاع السكني والصناعي التركي ما يقارب 20 في المئة من هذه الكميات بنمو سنوي يقارب 3 في المئة). فوق ذلك، لا تنتج تركيا الغاز، وتعتمد في أمنها الطاقوي على نحو كبير على الخارج وعلى عوامله المتقلّبة. إذ تستورد 60 في المئة من احتياجاتها من الغاز من روسيا، و 20 في المئة من إيران، وهم البلدان المنخرطان بقوة في الصراع السوري الذي تعدّ أنقرة أيضًا طرفًا رئيسًا فيه67. ويضاف إلى التوتر الذي يطلّ برأسه بين الفينة والأخرى مع روسيا التهديدات التي يتعرض لها عبور الغاز عبر مناطق تركيا الجنوبية الشرقية، حيث يدور صراع منذ عام 1983 مع حزب العمل الكردستاني الذي تتهمه تركيا بالسعي للانفصال، ويهدد باستهداف خطوط أنابيب الغاز المزمع جلبه لما بين 10 إلى 20 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا من كردستان العراق إلى الأناضول. وبالفعل فقد تعرضت خطوط نقل الغاز إلى تركيا للتخريب أكثر من مرة؛ وقد بلغت هذه الهجمت ذروتها صيف عام 2015 عندما استهدف حزب العمل الكردستاني خط أنابيب شاه دنيز الذي ينقل الغاز من أذربيجان إلى تركيا، وخط نقل الغاز الإيراني إلى تركيا، وخط ضخ النفط العراقي إلى ميناء جيهان التركي68. ورغم أنّ روسيا لم تستخدم الغاز أداة ضغط سياسي على تركيا بعد تدهور العلاقات بين البلدين إثر قيام أنقرة بإسقاط طائرة مقاتلة روسية اقتربت من حدودها الجنوبية مع سورية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، فإنّ إيران فعلت ذلك عندما خفّضت وارداتها من الغاز إلى تركيا في كانون الأول/ ديسمبر 2015 بمقدار النصف، وذلك للضغط عليها بسبب سياساتها المعارضة للنظام السوري الحليف لإيران71. كم أنّ
مبالغة إيران في تسعير غازها طالما تسبّبت في مشكلات لتركيا التي اضطرت بسبب ذلك إلى العزوف عن شراء الغاز الإيراني بكميات كبرى نظرًا إلى ارتفاع أسعاره مقارنة بغيره؛ بل ذهبت تركيا إلى حدّ مقاضاة إيران أيضًا أمام محاكم دولية بسبب مغالاتها في تسعير غازها72. أمّا بالنسبة إلى العلاقات بأذربيجان
والعراق، وهم مصدّران أساسيان للطاقة إلى تركيا، فهي تظلّ أيضًا مرهونة بتقلّبات سياسية تجعل تدفق الإمدادات على نحو آمن ومستدام غير مؤكد. ويمكن الصادرات المشتركة من الغاز الإسرائيلي والقبرصي أن تؤمّن لتركيا 25 مليار متر مكعب سنويًا، أي نصف استهلاكها الحالي، من خلال بناء خط أنابيب طوله 470 كم، يعدّ الأقل تكلفة بين كلّ مشاريع نقل الطاقة المطروحة في شرق المتوسط. كم أنه، وبوصفه خطَّ غاز بحريًا، فسيكون من الصعب جدًا استهدافه بالتخريب. بيد أنّ تركيا وضعت شرطًا للموافقة على المشروع عام 2014، وهو قيام إسرائيل برفع الحصار الذي حوّلت بموجبه قطاع غزة إلى أكبر سجن في العالم، يضمّ مليوني مواطن فلسطيني. كم أنّ الموقف التركي الرافض اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقرارها القاضي بنقل السفارة الأميركية إلى القدس عشية الذكرى السبعين لنكبة فلسطين، واحتضان إسطنبول قمةً إسلامية مخصّصة للقدس في شهر كانون الأول/ ديسمبر 2017، ردًّا على ذلك، أدّى إلى مزيد من التدهور في العلاقات بين تركيا وإسرائيل، وألقى ظلالً من الشكّ حول إمكانية تنفيذ خط الأنابيب المقترح81. من جهة أخرى، يبدي المستثمرون، وكذلك السلطات الإسرائيلية والقبرصية، حذرًا ممثلً إزاء المشروع؛ لأنه ببناء خطّ الأنابيب، سيكون من الصعب جدًا إيجاد بدائل له في حال توتّرت العلاقة أكثر مع تركيا، وتوقف ضخ الغاز لسبب ما. ولذلك، ونتيجة استمرار الخلافات التركية - الإسرائيلية، وعدم وجود أفق واضح أمام إمكانية إقامة خط أنابيب لتصدير الغاز الإسرائيلي عبر تركيا، تتجه إسرائيل إلى تصدير غازها عبر الأردن ومصر، البلدين اللذين يتمتعان بعلاقات أكثر دفئًا مع إسرائيل82. من جانب آخر، يعدّ التوصل إلى تسوية شاملة للقضية القبرصية شرطًا ضروريًا لاجتذاب التمويل اللازم لإنشاء خط الأنابيب المذكور؛ إذ إنه من غير المحتمل أن يقوم بنك كبير أو صندوق استثمري خاص بالاستثمر في هذا المشروع في ظلّ الظروف السياسية الحالية المضطربة. ومع ذلك، من شأن حقل "أفرودايت" أن يوفّر لتركيا حافزًا قويًا لقبول تسوية سياسية بشأن القضية القبرصية، وتعويض التنازلات التي يتعين أن تقدمها على الجزيرة، بتحقيق أمنها الطاقوي، والذي يتّسم حاليًا بالهشاشة، نتيجة اعتمدها المفرط على روسيا وإيران. وفي مصر، جاء اكتشاف حقل "ظهر" في وقت حرج بالنسبة إلى نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي؛ إذ مثّل رافعةً مهمة لتخفيف الضغط الاقتصادي القائم بفعل الركود وانخفاض عائدات الدولة من القطاعات الاقتصادية المختلفة وعلى رأسها السياحة التي تضرّرت بشدة نتيجة الأوضاع الأمنية
والسياسية غير المستقرة، من جهة، وتزايد الاستهلاك الطاقوي من جهة ثانية، وما يستتبعه ذلك من حاجة إلى زيادة الاستيراد واستنزاف احتياط العملة الصعبة، والاضطرار إلى اتباع سياسات لتحرير الأسعار لتخفيف العبء عن الميزانية العامة للدولة من جهة ثالثة. ولما كانت مصر أقدم منتج للطاقة في المنطقة، تتوافر لها، خلاف المنتجين الجدد، البنية التحتية الخاصة بالنقل والتسييل؛ لذلك، تنفرد بقدرتها على أن تعود لتصبح مصدّرًا للغاز من جديد وخلال فترة قياسية ما إن يبدأ الإنتاج في حقل "ظهر". لكن يتوقع أن يمتص نمو الاستهلاك المحلي المتسارع كلّ إنتاجها مرّةً أخرى خلال أعوام قليلة. ما يعني أنّ مصر سوف تبقى محتاجة إلى تحقيق اكتشافات كبرى إضافية في مجال الغاز لمواجهة مشكلة الاستهلاك المتزايد (انظر الشكل.)2 لكن الأمور تتجه هنا أيضًا إلى الاصطدام بواقع جيوسياسي معقّد؛ إذ دخلت مصر هي الأخرى في خلاف كبير مع تركيا بعد أن أعلنت الأخيرة نيتها البدء في عمليات استكشاف عن الغاز في الجزء الشملي من جزيرة قبرص الواقع تحت الإدارة التركية، رافضةً الاعتراف باتفاقية الاستكشاف وتحديد المناطق الاقتصادية والحدود البحرية التي توصلت إليها مصر مع حكومة الشطر اليوناني من قبرص عام 2013. والمعروف أنّ تركيا لا تعترف بحكومة قبرص اليونانية من الناحية القانونية، ولا تعدّها84حكومة شرعية للجزيرة؛ وبناء عليه فهي ترفض أيّ تبعات قانونية لأيّ اتفاق يتمّ التوصل إليه معها قبل حلّ مشكلة تقسيم الجزيرة. أضف إلى ذلك أن الحكومة التركية منعت شركة إيطالية من مباشرة عمليات الحفر على الساحل الشرقي لقبرص، عشية فشل محادثات الوحدة بين شطري الجزيرة، في شباط/ فبراير.201892ورغم أنّ التوتر متصل خصوصًا بقضية قبرص واتفاقيات مصر الثنائية معها بشأن التنقيب عن الغاز، فإن التوتر المصري التركي له أبعاد أخرى أيضًا؛ إذ كانت تركيا قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع مصر إثر الانقلاب العسكري الذي أطاح الرئيس المنتخب محمد مرسي في شهر تموز/ يوليو 2013، ودخل البَلدان على إثره في نزاع حاد مع تشكل محورين، دعم الأول الذي يضم السعودية والإمارات نظام الانقلاب العسكري في مصر، في حين وقفت تركيا وقطر ضده. وقد أدى التوتر المتنامي في شرق المتوسط بسبب الخلاف على قبرص ورفض تركيا الاعتراف بالاتفاقيات الموقعة بين قبرص ومصر من جانب، وقبرص وإسرائيل من جانب آخر، إلى نشوء تعاون مصري - إسرائيلي - قبرصي - يوناني في مواجهة تركيا.
وفي خضمّ هذه التفاعلات التي زادها تعقيدًا التنافس الجيوسياسي، ورغبة كل دولة من دول حوض الشام في الظفر بأكبر حصة ممكنة من الاكتشافات الجديدة لتعزيز فرصها الاقتصادية وحمية مصالحها القومية، تتابع القوى الدولية، لا سيّم الولايات المتحدة وروسيا، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، عن كثب تطور مفاوضات الغاز والتسويات السياسية التي يمكن أن يتمخّض عنها تلاقي المصالح الاقتصادية لمختلف الأطراف الإقليمية ذات الصلة أو تعارضها. فواشنطن التي تحتفظ بوجود عسكري كبير في المنطقة، من خلال الأسطول السادس الذي ينتشر في منطقة شرق المتوسط، ووجود مقر قيادته في نابولي بإيطاليا، تأمل تحقيق الاستقرار في المنطقة تحت مظلتها، وبما يساهم في تحقيق مصالحها الاقتصادية والسياسية، ومواجهة التهديدات، ومنع أيّ منافسة فعلية لهيمنتها في المنطقة. وقد دفعها التدخل العسكري الروسي في سورية عام 2015، وصعود تنظيم الدولة في العام الذي سبقه، إلى العودة إلى المنطقة، ومحاولة تأكيد حضورها فيها، بعد أن كانت قد انكفأت نسبيًا عنها بعد الانسحاب من العراق عام 2011. في حين ترغب موسكو التي غدا لها هي الأخرى وجود عسكري كبير شرق المتوسط بعد تدخلها في سورية وإنشاء قاعدتين، واحدة جوية في حميميم، وأخرى بحرية في طرطوس على الساحل السوري، في أن تصبح جزءًا مهمً من خريطة الطاقة الجديدة في منطقة شرق المتوسط. ولهذه الغاية، سعت روسيا لتأكيد حضورها وتمتين علاقاتها بمختلف دول حوض الشام، فوقعت عقود استغلال حصرية مع سورية للتنقيب عن الغاز في منطقتها الاقتصادية الخالصة، كم وقعت عقودًا مع لبنان، إذ تسعى من خلال علاقاتها بإيران وحزب الله، شريكيها في الحرب السورية، للظفر بحصة كبرى من احتياطيات
لبنان الغازية المؤكدة. ومن خلال تقاربها مع نظام السيسي في مصر، وعلاقاتها التاريخية بقبرص واليونان، وعلاقاتها المتنامية بإسرائيل، تسعى روسيا لضمن الحصول على حصة كبرى من إجملي غاز حوض الشام. من جهة أخرى، تدرك روسيا أهمية سورية الجغرافية، بوصفها موقعًا محتملً لمدّ شبكة متداخلة من خطوط أنابيب النفط والغاز من الخليج وإيران ومصر إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا؛ ما يهدد هيمنتها في مجال تصدير الغاز إلى القارة الأوروبية. ولذلك فهي تسعى للسيطرة على أيّ بديل محتمل لإمدادات غازها إلى أوروبا، وأن تكون طرفًا مقرّرًا في أيّ موضوع متصل باستغلال الغاز المتوسطي وإنتاجه ونقله، أو من أي مصدر آخر في المنطقة، إلى أوروبا. وبدعمها نظام الأسد، تقف روسيا حجر عثرة أمام تنفيذ هذه المشروعات بعيدًا عن شروطها93؛ ويبدو أنّ لدى الرئيس بوتين إستراتيجيا متكاملة للطاقة يسعى لتنفيذها من خلال سيطرته على سورية. وتتمحور هذه الإستراتيجيا حول تحويل روسيا إلى لاعب رئيس في إدارة سوق الطاقة العالمية، عبر استغلال الصراع في سورية للتدخل في المنطقة العربية الحيوية لأمن الطاقة العالمي94. ويذهب بعض الدراسات إلى أنّ التوقعات الروسية بوجود كميات معتبرة من الغاز في المياه الإقليمية السورية، فضلً عن الاكتشافات المهمة في دول الجوار، كانت من الأسباب التي دفعت روسيا إلى القيام بتدخلها العسكري المباشر في سورية عام 2015. في حين تذهب تقديرات أخرى إلى أنّ أهمية سورية95بالنسبة إلى روسيا تأتي من كونها ممرًّا محتملً مهمً لالتقاء شبكات الطاقة الإقليمية المختلفة ومشاريعها من مصر وإيران والخليج في اتجاه تركيا وأوروبا Hub Transport، أكثر من كونها مصدرًا للطاقة، بالنظر إلى احتياطياتها المتواضعة مقارنةً بالمنتجين الكبار الآخرين في قطاعي النفط والغاز. وانطلاقًا من إدراكه محور الاهتمم الروسي وإستراتيجيا الرئيس بوتين في مجال الطاقة، حاول النظام السوري إقناع موسكو بدعمه عسكريًا لمواجهة المعارضة وحلفائها الإقليميين والدوليين عبر إغرائها بعقود
سخية، سواء في حقول الغاز والنفط السورية، أو فيم يتعلق بإعادة تأهيل البنية التحتية لقطاع النفط والغاز السوري. ففي شباط/ فبراير 2016، سافر وفد حكومي سوري إلى موسكو واجتمع بوزير الطاقة الروسي، ورؤساء شركات النفط والغاز الكبرى، وطلب المساعدة في تأهيل قطاع الغاز والنفط السوري الذي تضرّر بشدة بسبب الحرب ضد تنظيم الدولة في مناطق الشمل والشرق. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2017، وضمن إطار الدورة العاشرة للجنة الحكومية المشتركة للتعاون الاقتصادي الذي انعقد في منتجع سوتشي الروسي على ساحل البحر الأسود، برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية والمغتربين السوري وليد المعلم، ونائب رئيس الحكومة الروسي ديميتري روغوزين، وعدَ المعلم بتقديم كلّ الحوافز الممكنة للجانب الروسي للمساهمة في إعادة الإعمر في سورية. وبناء عليه قامت الحكومة السورية في تموز/ يوليو 2017 بمنح 25 في المئة من عائدات استثمر حقول الغاز والنفط التي تجري استعادتها من تنظيم الدولة الإسلامية لشركة تعاقدات أمنية روسية مقربة من الكرملين. وفي مطلع عام 2018، قرّر النظام السوري مكافأة روسيا على تدخلها لحسم المعركة لصالحه بمنحها حقًا حصريًا في التنقيب والاستكشاف والإنتاج في مجالي النفط والغاز في كامل الأراضي السورية ومياهها الإقليمية. وبهيمنتها على قطاع الطاقة السوري، صار بمقدور روسيا أن تؤدّي دورًا مقرّرًا بشأن أيّ مشروع لعبور الطاقة عبر سورية؛ بل سمح هذا الأمر لروسيا بأن تكون لها حصة وازنة في أي مشاريع مستقبلية لنقل الطاقة عبر الأراضي السورية أو مياهها الإقليمية في اتجاه تركيا وأوروبا؛ ما يجعلها شريكًا فعليًا في أيٍّ من هذه المشاريع، كم يضعها في قلب عمليات استغلال غاز حوض شرق المتوسط ومشاريع نقله إلى أوروبا، سواء عبر تركيا أو عبر اليونان. وبسيطرتها على مشاريع نقل الغاز المحتملة عبر الأراضي السورية، صار بمقدور روسيا أن تتحكّم جزئيًا على الأقل في نقل ما يزيد على 50 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا، أي ما يعادل خمسة أضعاف احتياطيات سورية المقدرة من الغاز الطبيعي، من مشاريع نقل الغاز المحتملة إلى أوروبا. ومن المتوقع أن تساعد الهيمنة الروسية على قطاع الطاقة السوري في تأمين مصالح روسيا في نفط العراق وغازه أيضًا، إذ وقعت شركة سويوزنفتغاز Soyuzneftegaz عقدًا مع الحكومة العراقية لإعادة بناء أنبوب نفط كركوك - بانياس الذي سينقل نفط شركة (لوك أويل) الروسية قرب البصرة وحقول غاز شركة
(غاز بروم) الروسية قرب كركوك إلى ميناء بانياس السوري. وقد توقف العمل بهذا المشروع عام 2011 نتيجة اندلاع الحرب في سورية، لكن يتوقع أن تعود الشركات الروسية إلى العمل به مع انتهاء الحرب على تنظيم الدولة، ما يعطي روسيا سيطرةً مطلقة في المنطقة فيم يتعلق بإنتاج النفط والغاز ونقلهم. وسوف يساعد تعافي أسعار النفط ابتداءً من مطلع عام 2018 شركات النفط والغاز الروسية في ضخّ مزيد من الأموال لتنفيذ هذه المشاريع التي غدت أكثر قابليةً للتنفيذ في ظلّ توفير الحمية العسكرية الروسية لها في المنطقة. وبسيطرتها على الممر السوري، إضافةً إلى خط السيل الشملي - 2، 2 - Stream Nord الذي يمرّ عبر البلطيق في اتجاه ألمانيا وخطّ السيل التركيStream Turkish الذي يعبر تركيا إلى أوروبا، تكون روسيا قد أحكمت سيطرتها على السوق الأوروبية من كلّ الجهات، باستثناء الغرب (إذ يمكن أن تلجأ الولايات المتحدة إلى مدّ القارة الأوروبية بالغاز في حال الضرورة، بعد أن تحولت إلى أكبر منتج للغاز الصخري في العالم). وبهذا لا تكون روسيا قد تجنبت دول شرق أوروبا، إذ عليها أن تدفع رسوم عبور غاز مرتفعة، بل الأهم أنه لم يعد بمقدور أوروبا أن تشتري غازًا أو تنقله من أيّ منتج في الشرق الأوسط من دون التعامل على نحو مباشر أو غير مباشر مع روسيا. وبهذا يتضح أنّ الهدف الرئيس من سعي روسيا للحصول على موطئ قدم لها في شرق المتوسط يبقى متصلً بمحاولاتها تعزيز قبضتها على سوق الطاقة الأوروبية، ومنع أيّ منافسة من أيّ مصدر آخر، بما فيه حوض الشام. أما الأوروبيون، فيسعون من جهتهم إلى التحرّر من قبضة موسكو عبر البحث عن مصادر بديلة للطاقة، وإنشاء مشاريع جديدة لنقلها إلى أسواقهم التي تتزايد احتياجاتها إلى الغاز الطبيعي على نحو مطَّرد لأسباب اقتصادية وسياسية وبيئية متنوعة. أمّا إيران التي تسعى لتقديم نفسها بديلً للغاز الروسي للقارة الأوروبية، فلها أيضًا حساباتها المتصلة بنقل الغاز عبر سورية ولبنان، وبما يشمل الاستفادة من احتياطي البلدين المستجد اكتشافه من الغاز في حوض الشام. ويعتقد أنّ لخريطة نقل الطاقة دورها أيضًا في دفع إيران لدعم نظام الرئيس بشار الأسد، والسعي للهيمنة على القرار السياسي في سورية، وبذلك تصبح إيران طرفًا آخر في الصراع الجيوسياسي المتصل باكتشافات الغاز شرقي المتوسط. ولم تنتظر إيران إتمام الولايات المتحدة انسحابها من العراق في كانون الأول/ ديسمبر 2011 لتوقّع اتفاقية لإنشاء خط أنابيب لنقل الغاز مع العراق وسورية. ويهدف المشروع إلى نقل الغاز الإيراني من حقل بارس الجنوبي/ الشمل المشترك بين إيران وقطر في مياه الخليج العربي عبر إيران والعراق إلى سورية ولبنان ومنها إلى أوروبا عبر البحر المتوسط. ويبلغ طول الخط الذي أطلق عليه اسم "خط الصداقة" 5600 كم، وتبلغ تكلفة إنشائه بحسب تقديرات عام 2013، أكثر من 10 مليارات دولار. وقد جاء
المشروع الإيراني عبر العراق وسورية ليمثّل بديلً من مشروع "الخط الفارسي" الذي كانت إيران تعتزم بناءه عبر تركيا في اتجاه أوروبا، وذلك بعد أن تخلّت الشركة السويسرية المتعاقدة عن المشروع بسبب العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على قطاع الطاقة في إيران، فضلً عن العقوبات التي نصّ عليها قرار مجلس الأمن رقم 1929 لعام.2010 ويشمل المشروع الإيراني - العراقي – السوري، في حال تنفيذه، إنشاء مصفاة ومنشآت نفطية أخرى في سورية. لكن المشروع لم ينطلق بسبب اندلاع الصراع في سورية، وكانت إيران تطمح إلى أن يشكّل هذا الخط بديلً لخطّ نابوكو الذي ينقل الغاز من أذربيجان إلى أوروبا عبر تركيا، وكذلك لخطّ غاز قطري - تركي محتمل لنقل الغاز القطري إلى أوروبا عبر السعودية والأردن وسورية إلى تركيا، ثم أوروبا. ولا تخفي إيران اهتممها بقطاع النفط والغاز في سورية؛ إذ تسعى لتعويض الخسائر التي تكبّدتها في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وتحصيل ديونها على سورية، المقدّرة بنحو 35 مليار دولار. وقد أعلنت إيران، بالتزامن مع اتفاق الحكومة السورية على منح روسيا حقّ إعادة تأهيل قطاع الطاقة السوري في تشرين الأول/ أكتوبر 2017، عزمها إنشاء مصفاة نفط كبرى قرب مدينة حمص في وسط سورية تصل طاقتها التكريرية، بحسب مصادر الحكومة الإيرانية، إلى 140 ألف برميل يوميًا من النفط السوري الخفيف والثقيل، وسيتمّ تشييدها بمشاركة كونسورتيوم بين إيران وفنزويلا، إضافةً إلى سورية. ويأتي هذا الاستثمر في إطار اتفاق بين سورية وإيران يشمل إعادة بناء مصفاتي حمص وبانياس وتجهيزهم. وقد حصلت إيران أيضًا على ترخيص باستثمر نحو خمسة آلاف هكتار لإنشاء مرافئ وخزانات للنفط في الساحل السوري، إضافةً إلى تعاون في استثمر مشاريع الكهرباء بإنشاء محطات توليد ومجموعات غازية على الساحل السوري. في الحصيلة، من شأن الاكتشافات الغازية المهمة أن تؤثّر بشدة في موازين القوى في المنطقة، وفي طبيعة الصراعات والشراكات، وأن تكون "عاملً مغيًّا لقواعد اللعبة"، كم أشرنا إلى ذلك آنفًا. كم من شأنها أن تقود إلى مزيد من تعقيد الأوضاع، وتأجيج الصراعات الناتجة من محدودية الموارد وتنامي الاحتياجات. وبغضّ النظر عن الاكتشافات "المؤكّدة" خلال العقد الماضي، لا يزال من السابق لأوانه تكوين فكرة واضحة عن حجم سوق الطاقة في المنطقة، وعن تداعياتها السياسية والجيوسياسية. فإنه يبدو محتملً جدًا أن تعيد الاكتشافات الجديدة رسم خريطة التوازنات القائمة بشكلٍ كامل في المستقبل؛ إذا ما تلاقت الجغرافيا السياسية وقوانين السوق.
الخاتمة
تتّسم منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط بعلاقات وصراعات متعدّدة بين العديد من الجهات الإقليمية الفاعلة؛ بعضها مرتبط بسرديات تاريخية، وقضايا سيادية معقّدة، ونزوع نحو الهيمنة وسياسات القوة، كم هي الحال في سياقات الصراع العربي - الإسرائيلي، أو المشكلة القبرصية. وعلاوةً على ذلك، ثمّة عدد من النزاعات بشأن الحدود البحرية بين دول المنطقة، لا سيّم بين تركيا وقبرص، وبين إسرائيل ولبنان. كلّ هذه القضايا السياسية، التي غالبًا ما تقترن بسياقات محلية وحسابات سياسية يجري توظيفها، تعقّد استغلال إمكانات الغاز المكتشفة في حوض شرق المتوسط. وبعد تخلّيها عن فكرة بناء مرافق الغاز الطبيعي المسال الخاصة بها، وجّهت إسرائيل وقبرص نظرهم إلى مبيعات الغاز إلى الأسواق الإقليمية، بصفتها وسيلةً لتمكين تنمية حقول الغاز الخاصة بها. غير أنّ أفضل سوق إقليمية ممكنة، وهي تركيا، والتي يمكن أن تكون أيضًا بوابةً للصادرات إلى أوروبا، تظلّ مغلقةً في وجه صادرات الغاز الإسرائيلية إلى أوروبا بسبب استمرار المشكلة القبرصية، وتوتر العلاقات بين إسرائيل وتركيا الناتجة أساسًا من موقف تركيا المساند لحقوق الشعب الفلسطيني، والرافض لسياسات إسرائيل تجاهه، خاصة فيم يتعلق بحصار غزة. ومنذ الاكتشافات المهمة لشركة "إيني" الإيطالية في آب/ أغسطس 2015 لحقل "ظُهر" الضخم في موقعٍ غير بعيد عن تشكيلة الحقول "أفرودايت" - "ليفياثان" - "تامار" في حوض الشام، برزت مصر بوصفها البلد الذي قد يكون المفتاح للاستفادة من إمكانات الغاز في شرق المتوسط. وتعكف إيطاليا وشركة "إيني" على الترويج لفكرة إنشاء "محور مركزي للغاز" Hub في منطقة البحر الأبيض المتوسط، يكون بنية تحتية إقليمية لتصدير الغاز من شأنها أن تجمع الغاز من الحقول البحرية في قبرص وإسرائيل ومصر، لتصديره إلى أوروبا باستخدام مرافق الغاز الطبيعي المسال القائمة في مصر. ومن السابق لأوانه معرفة فرص إنجاز مثل هذا المشروع المشترك في ظل استمرار الصراع العربي - الإسرائيلي، والصراع في قبرص، ونشوء صراعات جديدة أخرى في هذه المنطقة الهشّة والمعقّدة سياسيًا. وفي حين يحتدم الصراع الإقليمي والدولي على سورية، وتتضاءل فرص حلّ الأزمة مع عودة أجواء الحرب الباردة بين روسيا والولايات المتحدة، واحتدام الصراع بين إسرائيل وإيران في سورية، تبقى فرص استغلال الغاز السوري شرق المتوسط محدودة، رغم أنّ روسيا باتت تملك حقوقًا حصرية لإنتاج الغاز السوري في
البحر؛ لتضيف بذلك بُعدًا جديدًا لنفوذها المتنامي في الشرق الأوسط، بعد أن نجحت في ترسيخ نفسها في سوق النفط في كردستان العراق، ودخلت على خطّ الغاز اللبناني في البحر. والخلاصة، لكي يصبح الغاز نعمةً على المنطقة، يلزم دول المنطقة التفكير على أساس إقليمي؛ وهو ما لا يمكن أن تقوم له قائمة ما دام الكيان الصهيوني مستمرًا في سياساته الاستعمرية. وهو ما يجعل دول المنطقة تستمر في النظر إلى الطاقة بوصفها مصدرًا للمصلحة الوطنية؛ ما يجعل الصراعات والحروب في شرق البحر المتوسط أمرًا لا مفر منه في المستقبل. ويمكن حينئذ النظر إلى منطقة شرق المتوسط من منظور هذا السيناريو بوصفها "منطقة الفرص الضائعة".
المراجع
References
العربية
الأمم المتحدة. "اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار". في: https://goo.gl/tKKghw
الأجنبية
Arbell, Dan. "Turkey-Israel relations: A political low point and an economic
high point." Brookings. February 19, 2015. at: https://goo.gl/M1stvo
Aslim, Ilksoy. "Energy Sources in the Eastern Mediterranean: Contributor to
Solve the Problems in Cyprus, Turkey, and Israel Triangle?". Athens Journal of
Mediterranean Studies (January 2018).
Aziz, Jean. "Will Offshore Gas Spark New Lebanon-Israel Conflict?". Al-Monitor.
July 10, 2013). at: http://almon.co/ax7
Baconi, Tareq. "Pipelines and Pipedreams: How the EU can support a regional
gas hub in the Eastern Mediterranean." European Council On Foreign Relations
April 21 st , 2017. at: https://goo.gl/e6fUd9
BP. BP Statistical Review of World Energy (June 2017).
BP. BP Energy Outlook: 2017 edition. at: https://goo.gl/RaJWcs
Bryza, Matthew J. "Eastern Mediterranean Natural Gas: Potential for Historic
Breakthroughs among Israel, Turkey, and Cyprus." Turkish Policy Quarterly. vol.
12. no. 3 (Fall 2013).
Butter, David. "Russia's Syria Intervention is Not All About Gas." Carnegie
Endowment for International Peace.Nov. 19, 2015. at: https://goo.gl/n4e2rg
Colombo, Silvia, Mohamed El Harrak & Nicolò Sartori (eds.). The Future of
Natural Gas Markets and Geopolitics. Lenthe/ The Netherlands: European
Energy Review, 2016.
Correljé, Aad. & van der Linde, Coby. "Energy Supply Security and Geopolitics:
A European Perspective." Energy Policy. vol. 34. no. 5 (March 2006).
European Commission. Eastern Mediterranean Natural Gas Pipeline. Pre-FEED
Studies (January 2016). https://goo.gl/eS2Vpo
European Parliament/ Directorate - General for External Policies. "Energy: a
shaping factor for regional stability in the Eastern Mediterranean?". Brussels:
The European Parliament (2017). at: https://goo.gl/AvuEFM
Eurostat/ EU. "EU imports of energy products - recent developments, 2016 and
2017 (Highlights)." (April 2018). at: https://goo.gl/kdAst1
Giamouridis, Anastasios. "Natural Gas in Cyprus: Choosing the Right Option."
The German Marshall Fund of the United States. Mediterranean Paper Series
(September 2013). at: https://bit.ly/2ITLBRn
Huwaidi, Fahmi. "Israel's plunder of Egyptian gas must be investigated." Middle
East Monitor (13 December 2013). at: https://shar. es/1jmNQk
Jaffe, Amy Myers. & O'Sullivan, Meghan L. (eds.). The Geopolitics of Natural
Gas: Report of Scenarios Workshop of Harvard University's Belfer Center and
Rice University's Baker Institute Energy Forum. Belfer Center & Energy Forum
(July 2012). at: https://goo.gl/PWgsGK
Katona, Viktor. "Russia is Taking Over Syria's Oil and Gas." Oilprice.com.
February 14, 2018. at: https://goo.gl/L4fQrC
Mammadov, Rauf. "Russia in the Middle East: Energy Forever?." The JamesTown
Foundation. March 8, 2018. at: https://goo.gl/Vj7uZY
Mansour, Adnan. Letter from the Minister for Foreign Affairs and Emigrants of Lebanon addressed to the Secretary-General of the United Nations (UN Doc. 2082. 11D).