تمكين المرأة والتنمية الاقتصادية
Women’s Empowerment and Economic Development
الملخّص
ثمة علاقة وثيقة بين تمكين المرأة والتنمية الاقتصادية: فمن جهة، يمكن للتنمية أن تؤدي دورًا أساسًا في الحد من عدم المساواة بين الرجل والمرأة، ومن جهة أخرى، ينطوي تمكين المرأة بحد ذاته على فائدة للتنمية. فهل يعني ذلك أن الاكتفاء بأحد هذين الجانبين يضعنا في حلقة مغلقة من التأثير المتبادل (virtuous cycle)؟ تستعرض هذه الدراسة الأعمال التي تناولت حدّي العلاقة (تمكين-تنمية)، وتؤكد أن العلاقات المتبادلة بينهما أضعف من أن تكون ذاتية الاستمرار، وأن استمرار التزام السياسات بالمساواة كغاية بحد ذاتها ضروري لتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة.
Abstract
Women's empowerment and economic development are closely related, with development able to play a major role in decreasing inequality between men and women, on the one hand, and the ability of women's empowerment to benefit development, on the other. Does this imply, though, that pulling just one of these two levers would set a virtuous circle in motion? This paper reviews the literature on both sides of the empowerment–development nexus, and argues that the interrelationships between equality and economics are probably too weak to yield self-sustaining results; additionally, a commitment to continuous policy in favor of equality for its own sake may be needed to bring about equality between men and women.
- تمكين المرأة
- مساواة بين الجنسين
- معدلات الخصوبة
- تنمية اقتصادية
- Economic Development
- Women Empowerment
- Gender Equality
- Fertility Rates
ثمة علاقة وثيقة بين تمكين المرأة والتنمية الاقتصادية: فمن جهة، يمكن للتنمية أن تؤدي دورًا
أساسًا في الحد من عدم المساواة بين الرجل والمرأة، ومن جهة أخرى، ينطوي تمكين المرأة
بحد ذاته على فائدة للتنمية. فهل يعني ذلك أن الاكتفاء بأحد هذين الجانبين يضعنا في حلقة
مغلقة من التأثير المتبادل (virtuous cycle)؟ تستعرض هذه الدراسة الأعمال التي تناولت
حدّي العلاقة (تمكين-تنمية)، وتؤكد أن العلاقات المتبادلة بينهما أضعف من أن تكون ذاتية
الاستمرار، وأن استمرار التزام السياسات بالمساواة كغاية بحد ذاتها ضروري لتحقيق المساواة
بين الرجل والمرأة.
مقدّمة
يتجلى استمرار عدم المساواة بين الجنسين بأوضح صوره في ظاهرة «النساء المفقودات»، وهو مصطلح
ابتكره أمارتيا سِن في مقالة أصبحت كلاسيكية الآن في نيويورك ريفيو أوف بوكس (سِن، 1990)،
ويعني أن نسبة النساء الفعلية أدنى ممّا هو متوقّع لو أن البنات والنساء في العالم النامي يولدن ويمتن بالمعدل نفسه
الموجود لدى الصبيان والرجال، كما يحصل في أفريقيا جنوب الصحراء. واليوم، يقدَّر عدد الإناث اللواتي يُفقدن
كل عام قرابة 6 ملايين أنثى (البنك الدولي 2011)، منهن 23 في المئة لا يولدن أبدًا، و 10 في المئة يمتن في سنوات
الطفولة الأولى، و 21 في المئة في سنوات الإنجاب، و 28 في المئة فوق سن الستين. ومن المفاجئ أيضًا أن هذا المعدل
العالي في الوفيات لا يعكس حقيقة أن الإناث، طوال حياتهن وحتى قبل ولادتهن، يتلقين في الدول النامية معاملة
Esther Duflo, “Women Empowerment and Economic Development, Journal of Economic Literature 2012, 50(4), 1051- 1079. http://dx.doi.org/10.1257/jel.50.4.1051
والكاتبة إستر دوفلو تعمل في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT). وقد أ عيد نشر المقال مترجمًا إلى اللغة العربية بعد أخذ موافقة
كلٍّ من الكاتبة والمجلة المعنية. وتجدر الإشارة إلى اضطرار إدارة تحرير المجلة إلى حذف بعض الفقرات من المقال لطول حجمه، وجرى
الاحتفاظ بأسلوب توثيق المراجع كما في المقال الأصلي.
مختلفة عن الذكور، ويتخلّفن عنهم في كثير من الميادين؛ فمقابل كل امرأة مفقودة، ثمة عدد أكبر من النساء لا
يحصلن على التعليم أو فرص العمل أو المسؤولية السياسية التي كنّ سيحصلن عليها لو أنهن رجال.
يلخّص الجدول رقم (1) بعض مؤشرات الوضع النسبي للمرأة والرجل في الدول الفقيرة في سنة 1990
وسنة 2009. كما يُظهر الحرمان النسبي للمرأة ودرجة التحسن المتحققة في غضون السنوات العشرين الأخيرة
في بعض الحقول. ففي مجال التعليم سنة 2010، بلغ معدل التحاق البنات بالمدارس الثانوية في الدول ذات
الدخل المنخفض والمتوسط 34 في المئة في مقابل 41 في المئة للصبيان، في حين كان هذا المعدل قبل عشرين عامًا
22 في المئة و 30 في المئة على التوالي. وأصبح الالتحاق بالتعليم الأساس في الوقت ذاته شامالً تقريبًا للصبيان
والبنات. وبالنسبة إلى فرص سوق العمل، فإن احتمال عمل المرأة أقل، وتتقاضى المرأة أجرًا أقل من أجر الرجل
في مقابل العمل نفسه، واحتمال وقوعها في الفقر أكبر حتى لو عملت. وتمضي المرأة ضعف الوقت الذي يمضيه
الرجل تقريبًا في العمل المنزلي، وخمسة أضعافه في العناية بالأطفال، ونصف الوقت الذي يمضيه الرجل تقريبًا
في العمل في السوق (بيرنيه وسانشيز-بارامو 2011). وفي التمثيل السياسي: شكّلت المرأة 19.4 في المئة فقط
من أعضاء البرلمانات بمجلسيها (النواب والشيوخ) في تموز/ يوليو 2011 (الاتحاد البرلماني 2011). أمّا في
الحقوق القانونية، فلا تزال المرأة في كثير من الدول تفتقر إلى حقوق مستقلة بامتلاك الأرض وإدارة الملْكية
وإقامة منشآت الأعمال، أو حتى السفر من دون موافقة الزوج. ولا تتمتع المرأة بحقوق توريث متساوية مع
الرجل في 21 دولة من مجموع 63 دولة مشمولة بدراسة هتان وويلدون (2011). الجدول رقم (1)
بعض مؤشرات الرفاهية للرجال والنساء 2009 أو 2010
| 2009 أو 2010 | 1990 | المؤشر | ||
|---|---|---|---|---|
| بنات/ نساء | صبيان/ رجال | بنات/ نساء | صبيان/رجال | |
| 100 | 107 | )1991(67 | )1991(81 | معدل الالتحاق بالتعليم الأساس (إجمالي) (1)يم [الدول ذات الدخل المنخفض] |
| 34 | 41 | )1991(22 | )1991(30 | معدل الالتحاق بالتعليم الثانوي (إجمالي) (2)يم [الدول ذات الدخل المنخفض] |
| %52 | %78 | )1980(%50 | )1980(%82 | اناينجلمشاركة في قوة العمل (3) |
| 1 | 1.18 | 1 | 1.11 | نهاينجسبة الجنسين في الولادات، الصين (4) |
| 1 | 1.09 | 1 | 1.06 | نسبة الجنسين في الولادات، الهند (5) |
| 580 | x | 850 | x | معدل وفيات الأمهات (لكل 100 ألف ولادة م حية) (6) [الدول ذات الدخل المنخفض] |
| 59 | 56 | 54 | 51 | متوسط العمر المتوقع (7) [الدول ذات الدخل المنخفض] |
| 83 | 77 | 79 | 72 | [الدول ذات الدخل المرتفع] |
[الدول ذات الدخل المرتفع] 72
المصادر: (1) البنك الدولي.)2011((2) البنك الدولي.)2011((3) البنك الدولي.)2011((4) مكتب الإحصاء السكاني في جمهورية
الصين الشعبية (1990). (5) مفوضية السجل العام والإحصاء في الهند.)1990((6) البنك الدولي.)2011((7) البنك الدولي.)2011(
ثمة علاقة متبادلة بين التنمية الاقتصادية وتمكين المرأة الذي يُعرَّف بأنه تحسين قدرة المرأة على الوصول إلى
عناصر التنمية – ولاسيما الصحة، والتعليم، وفرص كسب الرزق، والحقوق، والمشاركة السياسية. فمن جهة،
يمكن للتنمية وحدها أن تؤدي دورًا أساسًا في تقليل عدم المساواة بين الجنسين، ومن جهة أخرى، يمكن
لاستمرار التمييز ضد المرأة، كما يؤكد سانشيز بقوة، أن يعوّق التنمية. وبمعنى آخر، التمكين يزيد سرعة التنمية. لطالما ركّز صنّاع السياسات وعلماء الاجتماع على جانب من دون آخر من تلك العلاقة؛ فالذين يركزون على
الجانب الأول يؤكدون أن المساواة بين الجنسين تزداد عندما يتراجع الفقر، ويتعين على صنّاع السياسات بالتالي
التركيز على توفير شروط ملائمة للنمو الاقتصادي والرخاء، مع السعي طبعًا إلى المحافظة على إتاحة فرص
متساوية للجنسين، لكن من دون اعتماد استراتيجيات خاصة تهدف إلى تحسين وضع المرأة. وفي المقابل، يركز
كثيرون على الجانب الثاني للعلاقة: التمكين كشرط للتنمية؛ فقد أكد الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان،
على سبيل المثال، أن تحقيق المساواة بين الجنسين «شرط مسبق» لتحقيق الأهداف الإنمائية الأخرى للألفية،
بما في ذلك الحد من الفقر، وتقليل وفيات الأطفال، وتحقيق شمولية التعليم، والقضاء على الفجوة في التعليم
بين الجنسين بحلول سنة 2015 (الأمم المتحدة 2005). ودعا البنك الدولي في تقرير له بعنوان «إدماج النوع
الاجتماعي في التنمية» في سنة 2001 إلى سياسات تعالج الاختلال بين الجنسين في «الحقوق والموارد والتعبير عن
الرأي»، وأوصى بمراجعة الهيكليات المؤسسية بغية تعزيز المساواة واعتماد إجراءات خاصة من قبيل تخصيص
منح دراسية للبنات وحصص محددة لتمثيل المرأة في البرلمان. ووفقًا للتقرير، ثمة ما يبرر هذه الإجراءات نظرًا
إلى ضرورتها من أجل تسريع التنمية. واللافت للنظر هو أن تقرير التنمية العالمية لسنة 2012 (البنك الدولي
2011) يتبنّى رسالة مخفَّفة أكثر؛ فبينما يشدّد على «مسوغات» تمكين المرأة، فإنه أساسًا يعتبر أن من المسلَّم به أن
المساواة بين الرجل والمرأة هدف مرغوب فيه بحد ذاته، ويتعنيّ على السياسات أن تسعى إلى تحقيقه. تعرض هذه الدراسة الأدلة والقرائن على أهمية كلا الجانبين من علاقة التمكين- التنمية، وتبنيّ أن الفقر وغياب
الفرص يزيدان في عدم المساواة بين الرجل والمرأة، لأن التنمية الاقتصادية حينما تخفف حدة الفقر تحسّن شروط
المرأة مرتين: أولا، لأن تخفيف الفقر يحسّن شروط جميع الناس، ومن بينهم المرأة. وثانيًا، لأن عدم المساواة بين
الجنسين يتراجع بتراجع مستوى الفقر، وبالتالي يتحسّن شرط المرأة في التنمية أكثر من الرجل. بيد أن التنمية
الاقتصادية وحدها لا تكفي لتحقيق المساواة الكاملة بين الجنسين. فالإجراءات الخاصة بالسياسات تبقى
ضروريةً لتحقيق هذه المساواة، وهي تجد تبريرها الواضح إذا ساهم تمكين النساء في تحفيز التنمية أيضًا، كمنطلق
لحلقة التأثير الإيجابي المتبادل. وترى هذه الدراسة أن تمكين المرأة في الواقع يغريّ خيارات المجتمع بطرق مهمة،
على الرغم من أن تصوير المرأة على أنها تتخذ دومًا أفضل القرارات بالنسبة إلى التنمية بعيدة المدى هو تصوير
مبالغ فيه إلى حد ما. وتخلص الدراسة إلى تصوّر أكثر توازنًا لاحتمال التأثير الإيجابي المتبادل بين تمكين المرأة
والتنمية الاقتصادية، وربما أكثر تشاؤمًا بعض الشيء من التصورات الأكثر تشددًا على جانبي النقاش.
أولا: هل تقود التنمية الاقتصادية إلى تمكين المرأة؟
غالبًا ما تكون درجة عدم المساواة بين الجنسين أعلى عند الفقراء، أكان ضمن كل دولة أم بين دولة وأخرى. على
سبيل المثال: ضاقت الفجوة بين الجنسين في معدل الالتحاق الكلي بالتعليم الأساس والثانوي بسرعة بين سنتي
1991 و 2009 في سائر دول العالم، بيد أنها لا تزال في الدول الفقيرة (7 في المئة في التعليم الأساس، و 13 في المئة
في التعليم الثانوي) أوسع من الدول ذات الدخل المتوسط (3 في المئة في التعليم الأساس، و 2 في المئة في التعليم
الثانوي) ومن الدول الغنية (0 في المئة في التعليم الأساس، و 1 في المئة في التعليم الثانوي). ولا تزال الفجوة
بين الصبيان والبنات، ضمن الدول نفسها، موجودة في التجمعات السكانية الأفقر والأكثر عزلةً (البنك الدولي
2011). وزادت مشاركة المرأة في سوق العمل بمعدل 15 في المئة في شرق آسيا وأميركا اللاتينية بين سنتي
1971 و 1995، أي بمعدل أسرع من معدل مشاركة الرجل، وتضاءلت الفجوة بين الجنسين في الأجور أيضًا.
كما زاد متوسط العمر المتوقَّع للنساء بنحو 20 - 25 سنة في الدول النامية خلال السنوات الخمسين المنصرمة
(البنك الدولي 2011)، بينما لم يتحسّن كثيرًا لدى الرجال. هل يعني ذلك أن تطور البلدان ينعكس تلقائيًا على تمكين المرأة، وبالتالي ليس ثمة ما يدعو إلى اعتماد سياسات خاصة
بتحسين وضع المرأة؟ وهل تكفي محاربة الفقر وخلق الشروط الملائمة للنمو الاقتصادي في الدول الفقيرة؟ تبنيّ
الأبحاث الحديثة أن للنمو الاقتصادي، بتخفيض الفقر وزيادة الفرص، أثرًا إيجابيًا مه في المساواة بين الجنسين. -1 تخفيف حدة الفقر من خلال التنمية الاقتصادية إن السبيل الأول الذي يمكن للتنمية الاقتصادية من خلاله تقليل عدم المساواة هو تخفيف المعوقات التي تواجه
الأُسر الفقيرة، وبالتالي تقليل عدد الحالات التي تجد هذه الأُسر نفسها فيها أمام خيارات تتعلق بالحياة أو الموت.
ولما كانت هذه الخيارات المأساوية تجد حلها غالبًا على حساب رفاه المرأة، فإن زيادة الموارد المتاحة للأُسرة، وهذا
ما تفعله التنمية الاقتصادية، يخفف من شدة المخاطر التي تواجهها المرأة. إن الأدلة على أن البنات يحظين بعناية أقل من الصبيان بصورة منهجية في الظروف الطبيعية أدلة غير واضحة تمامًا
كما نتخيل للوهلة الأولى، حتى في أكثر الدول محاباة للصبيان؛ فمن الصعب مثالًالتأكد ممّا إذا كانت البنت تحصل
على كمية من الطعام أقل من الصبي، لأن الأُسر التي توضع تحت المراقبة ستغريّ سلوكها على الأغلب. وقد اقترح
دايتون (1989، 1997) طريقة ذكية لاستخدام بيانات استهلاك الأُسرة للحكم بصورة غير مباشرة إن كانت
البنات يتلقين طعامًا أقل من الصبيان. ولاحظ أن الأُسرة عندما تنجب طفالً تصبح أكثر فقرًا، بسبب إضافة فرد
آخر بحاجة إلى تغذية وسيظل غير منتج فترة طويلة من الزمن، وهو ما يضطر أفراد الأُسرة البالغين إلى تخفيض
استهلاكهم لتوفير النفقات الجديدة. وبملاحظة مقدار انخفاض استهلاك الأُسرة من «مستلزمات البالغين»،
كالسجائر والكحول والملابس عند ولادة طفل جديد، يتوافر لدينا تقدير غير مباشر ل «تكلفة» المولود الجديد. فإذا
كانت الأُسر تنفق قدرًا أقل من الموارد على البنات، كأن تحصل البنت مثالً على مقدار من الطعام أقل من الصبي،
فإن مقدار تخفيض البالغين لاستهلاكهم الخاص إذا كان المولود بنتًا سيكون أقل ممّا لو كان صبيًا. إالّ أن البراهين
المستمدة من كوت ديفوار، حيث بدأ دايتون إجراء أبحاثه، ومن باكستان، حيث كرر دراسته، لا تفيد أبدًا بأن
الأُسر تخفض استهلاكها من مستلزمات البالغين بدرجة أقل عندما يكون المولود بنتًا. وغياب الدليل على التمييز
الواضح في الحياة اليومية يتضح أيضًا من معدلات التلقيح على سبيل المثال؛ فالفارق في توفير اللقاحات للصبيان
والبنات في الهند ضئيل أو معدوم (وفقًا لمسوح الصحة الأُسرية الوطنية، تحصل البنات على.55 4 جرعة والصبيان
على 4.79 جرعة). وتُعَدّ نسبة البنات إلى الصبيان في ولاية راجستان بين أدنى النسب في الهند، وفيها أدنى نسبة
تلقيح بين ولايات الهند. ومع ذلك، وجد بانيرجي وآخرون (2010) أنه ليس هناك فارق في معدلات التلقيح بين
الصبيان والبنات، حيث يحصل الصبيان وسطيًا على 1.19 من اللقاحات والبنات على.1.18 ولا يعني ذلك أن البنات لا يعامَلن بطريقة مختلفة عن الصبيان، فالمعاملة التمييزية تظهر عندما يواجه الأطفال
أو الأهل أوضاعًا استثنائية. وتسجل الهند أكبر تفاوت في معدلات الوفيات بين الجنسين لأسباب مختلفة، منها
أن البنات يتلقين معاملة مختلفة في أثناء المرض؛ فقد وجدت إحدى الدراسات مثالً أن بنات الأحياء الفقيرة في
نيودلهي أكثر عرضة بمرتين من الصبيان للموت بمرض الإسهال (خانا وآخرون، 2003). [...] فإذا كانت
الأُسر الفقيرة تنفق على مرض الفتاة غالبًا أقل ممّا تنفقه على مرض الصبي، فإن تحسين الوصول إلى الخدمات
الصحية، أكان عبر التأمين الصحي لكل الأ سرة أم عبر الرعاية الطبية المجانية للفقراء، سيعود بفائدة أكبر على
البنات حتى لو لم يغريّ الأهل سلوكهم تجاههن.
وتغدو المعاملة التمييزية بين الصبيان والبنات حادة عندما تواجه الأُسرة نفسها أزمة ما؛ ففي الهند، ترتفع معدلات
وفيات البنات، المرتفعة أصالً قياسًا بالصبيان، ارتفاعًا حادًا في مواسم الجفاف، إذ تضحّي الأُسر برفاهية البنات
أوالً عندما لا يعود في وسعها توفير الغذاء للجميع (روز 1999). ويُظهر بحث أجري في أرياف تنزانيا بوضوح
كيف يزداد تعرض المرأة للخطر عندما تواجه الأُسرة أزمة ما. فعندما تكون الغلال سيئة، بسبب الجفاف أو
السيول، والغذاء شحيحًا، تزداد معدلات قتل «السحرة» (وجميعهم تقريبًا نساء مسنّات) بمعدل الضعف عن
السنوات العادية (ميغيل، 2005). وعندما تدفع الأزمات الأُسر الفقيرة إلى ظروف يرجح أن تتعامل فيها بتحيّز
ضد النساء الضعيفات، فإن زيادة قدرة هذه الأُسر على مواجهة الأزمات يصب في مصلحة النساء أكثر بكثير. ويببّن المثالان السابقان أن مجرد تخفيف حدّة الفقر عن كاهل تلك الأُسر أو مساعدتها على مواجهة الأزمات قد
يحسّن ظروف النساء من الأعمار كافة. [...] وعندما تصبح الأُسر أكثر غنىً، يضعف احتمال بقائها على حافة
الكفاف. وبالفعل، تظهر دراسة أجرتها روز (1999) أن الأُسر التي في وسعها تحمّل شظف العيش في السنوات
السيئة (كتلك التي لديها ممتلكات تبيعها) لا تبدي زيادة كبيرة في وفيات البنات في مواسم الجفاف. ويبنيّ ذلك
في المقام الأول أن تأمين الأُسر ضد المخاطر يقلل في آن معًا من وفيات الأطفال والفجوة في الوفيات بين الصبيان
والبنات، ويبنيّ في المقام الثاني تراجع احتمال أن تقع الأُسر الأفضل حاالً في اليأس نتيجة قلة الأمطار. ويبدو أن
تخفيف حدّة الفقر، حتى من دون تركيز خاص على النساء، يساعد النساء بدرجة أكبر. -2 التنمية الاقتصادية، ومعدلات الخصوبة ووفيات الأمهات إضافة إلى الوفاة قبل الولادة أو في مرحلة الطفولة المبكرة، يُعتبر احتمال فقدان النساء الحوامل أعلى كثيرًا من
فقدان الرجال. وهذا ليس نتيجةً للتمييز ضد المرأة طبعًا، وإنما لأن الحمل والإنجاب يعرضان حياتها للخطر.
[...] ففي أفريقيا جنوب الصحراء، يبلغ احتمال وفاة المرأة بسبب مضاعفات الحمل أو الولادة 1 من 31، بينما
يبلغ في الدول المتقدمة 1 من 4300 (البنك الدولي، 2011). وعلى الرغم من أن معدل وفيات الأمهات يتوقف
على عدد من العوامل، فإن احتمال وقوع الوفاة يكون أقل إذا كانت الأم أكثر غنىً (وبإمكانها الولادة في مرفق
صحي عالي الجودة) أو إذا كانت النظم الصحية أفضل حاالً. وانتشار الاختراعات التكنولوجية عامل مهم
أيضًا: فقد وجد جاياتشاندران وليراز- موني وسميث (2010) أن استخدام عقاقير السلفا في الولايات المتحدة
أدى إلى تخفيض وفيات الأمهات بنسبة 36-24 في المئة في ثلاثينيات القرن الماضي. يتناقص معدل الخصوبة عمومًا مع ارتفاع الدخل ومستوى التعليم وسن الولادة الأولى. فسن الولادة الأولى
أحد عوامل الخطر في وفيات الأمهات، لأن الأمهات الصغيرات السن أكثر عرضة للوفاة في أثناء الولادة أو
لحدوث مضاعفات ناتجة منها. وقد شهد معدل الخصوبة انخفاضًا كبيرًا في الدول المتقدمة في العقدين الماضيين،
ولا يوجد إالّ عدد قليل من الدول الآن يبلغ معدل الخصوبة فيها 6 أو أكثر، وهذا بحد ذاته يخفّض تلقائيًا عدد
النساء المفقودات بإنقاصه احتمال وفاة المرأة في أثناء الحمل والإنجاب. -3 منح الأمل للمرأة عبر زيادة الفرص إن قلّة الفرص المتاحة أمام المرأة في سوق العمل يساهم في معاملتها معاملة غير متساوية في الأسرة. فالآمال التي
يعقدها الآباء على بناتهم أدنى من تلك التي يعقدونها على أبنائهم، كما أن طموح البنات اليافعات أقل. فمثالً،
وجد بيامان وآخرون (2011) في غرب البنغال أن 86 في المئة من الآباء والأمهات في الأماكن التي لم يسبق أن
تسلمت المرأة فيها أي مناصب قيادية، يرغبون في أن يروا بناتهم ربات منازل أو أي شيء يقرره أزواجهن (بينما
تبلغ هذه النسبة للصبيان أقل من 1 في المئة). وثمة تصوّر بأن المرأة، ما دامت لا تعمل خارج المنزل، فلا ضرورة لأن تكون قوية أو بصحة جيدة، وأنها بذلك
ليست بحاجة إلى تعليم رسمي؛ قد أظهرت مقابلات أُجريت مع آباء في خمس ولايات شمال الهند في إطار إعداد
«التقرير العام بشأن التعليم الأساس في الهند»، أن 10 في المئة من الأهل يعتقدون بعدم أهمية تعلّم البنات، بينما
يعتقد 1 في المئة الأمر نفسه بالنسبة إلى الصبيان. وعرب 75 في المئة من الأهل عن رغبتهم بأن يكمل أبناؤهم «أعلى
مستوى ممكن» من التحصيل العلمي، بينما قال 28 في المئة فقط أنهم يرغبون هذا لبناتهم. ويعتقد كثير من الأهل
أن تعليم الفتاة غير ضروري، لأن الزواج ورعاية الأسرة هما فقط ما ينتظر الفتاة. وفي دراسة بيمان وآخرين
(2011)، عرب 32 في المئة من الأهل عن رغبتهم بأن يتخرج أبناؤهم من المدرسة الثانوية أو الجامعة، ولم تتوافر
هذه الرغبة حيال البنات سوى عند 18 في المئة من الأهل. وإذا كان أحد دوافع تعليم الأطفال هو تحسين فرصهم في العمل، فإن تحسين الفرص المتاحة للمرأة في سوق
العمل سيوفر دافعًا قويًا لتغيير التعامل معها نحو الأفضل. وتفضي التنمية الاقتصادية إلى تغريّ في طبيعة العمل
ليصبح أكثر ملاءمة لعمل المرأة. وقد حدث ذلك في الولايات المتحدة الأميركية في الفترة 1950-1930، حين
أتاحت زيادة الطلب على العمل المكتبي فرص عمل إضافية مكّنت حتى المرأة المحترمة من الاحتفاظ بها بعد
الزواج (غولدن، 2006). وحدث ذلك أيضًا في الآونة الأخيرة ليس فقط في الصين والمكسيك، مع نمو العمل
الملائم للمرأة في المصانع، بل أيضًا في الهند مع زيادة عدد الوظائف الخدمية بسبب التعاقد الخارجي. أظهرت ثلاث دراسات حديثة، أُجريت إحداها في الصين والأخريان في الهند، أن زيادة فرص النساء في
سوق العمل عاد بنتائج أفضل على النساء فعليًا. وسمح اعتماد نظام المسؤولية عن الإنتاج الأسري كجزء من
الإصلاحات بعد الحقبة الماوية في الصين للأُسر الفلاحية بزراعة محاصيل تجارية بدالً من الحبوب، الأمر الذي
أدى إلى زيادة كبيرة في إنتاج الشاي في الأراضي المناسبة لزراعته. ونظرًا إلى صغر قامة المرأة الصينية، وصغر
يديها، فقد كان لها ميزة على الرجل في العمل في إنتاج الشاي. وفي المناطق غير الصالحة لزراعة الشاي، ازداد
بعد الإصلاح إنتاج المحاصيل التجارية التي كان الرجال يزرعونها أكثر من النساء. وبنيّ كيان (2008) أن عدد
النساء المفقودات، وهو كبير جدًا في الصين، تناقص في مناطق زراعة الشاي مقارنةً بالمناطق الأخرى. ومقابل
الزيادة نفسها في الدخل الإجمالي للأُسرة، زاد دخل المرأة بمقدار 7 دولارات في الشهر (10 في المئة) وتحولت
هذه الزيادة إلى ارتفاع 1 في المئة في معدل البقاء على قيد الحياة لدى البنات. [...] يقدّم دخول الهند الاقتصاد العالمي مثاالً آخر على أن التنمية الاقتصادية تؤدي إلى تحسين المساواة بين الجنسين، بل
وعكس حظوظ الصبيان والبنات، حيث انقلب الفصل التقليدي في خيارات الدراسة ضد الصبيان؛ فقد درس
مونشي وروزنزفيغ (2006) خيار تعليم اللغة في مومباي طوال عقود عدة، ووجد أن التعليم في الجامعات
يتم باللغة الإنكليزية لكن في وسع الأهل أن يختاروا في مدارس التعليم الأساس والثانوي إمّا الإنكليزية وإمّا
المهاراتية (اللغة المحلية). وعندما حررت الهند اقتصادها في تسعينيات القرن الماضي، ونمت الصناعات البرمجية
والخدمية فيها، حقق المردود الاقتصادي للدراسة باللغة الإنكليزية قفزة كبيرة. كما وفّرت القطاعات الجديدة،
كعقود التسويق الهاتفي، فرصًا في سوق العمل للنساء اللواتي كن تقليديًا مستبعدات من سوق العمل، الأمر
الذي أدّى إلى زيادة سريعة في التعليم باللغة الإنكليزية لكلا الجنسين. وفي الطبقات الدنيا، كانت الزيادة بين
البنات أسرع كثيرًا منها بين الصبيان: فنسبة فتيات الطبقات الدنيا اللواتي تعلمن بالإنكليزية ضاهت تلك
الموجودة لدى فتيات الطبقات العليا، بينما لم تكن الزيادة بين الصبيان أسرع إطلاقًا مقارنة بالطبقات الأخرى.
[...] ولا تزال هذه الروح مستمرة بدرجة معيّنة، حيث ينحصر الصبيان في التعليم باللغة المهاراتية، وبالتالي
لا تتاح لهم فرص عمل مجزية. ولا ينطبق هذا على البنات اللواتي لم يكن يشاركن عادة في سوق العمل، أي
بمعنى آخر لا يعوّلن عادة على شبكة الطبقة القديمة للصبيان وهنّ متحررات من التطلعات الجماعية التي تلزم
الصبيان. ويمكن للبنات أن يتعلمن بالإنكليزية وبالتالي يصبحن في وضع أفضل للاستفادة من فرص السوق
عندما تظهر. إن ما يحدث هو ثورة هادئة، وإن لم تدرك الأُسر تمامًا نتائج اختياراتها الفردية. وتقدّم تجربة أجراها جنسن (-2010 أ) دلالة واضحة على أن الزيادة في الفرص المتاحة تفيد البنات أكثر ممّا
تفيد الصبيان؛ فقد تعاون جنسن مع مراكز «التعاقد الخارجي على عمليات الأعمال» لتنظيم دورات توظيف
في عدة قرى اختيرت عشوائيًا في مناطق ريفية لا تذهب إليها عادةً وكالات التوظيف في ثلاث ولايات شمال
الهند. فتم في بعض القرى توظيف نساء فقط، في حين حصل رجال ونساء على الوظائف في القرى الأخرى. ولم
يكن مفاجئًا وجود زيادة في تشغيل الشابات في مراكز التعاقد المذكورة في هذه القرى مقارنةً بغيرها من القرى
المختارة عشوائيًا التي لم تشهد من قبل أي محاولات للتوظيف. ومن الملاحظ أكثر أنه بعد بدء التوظيف بثلاث
سنوات، ازداد احتمال التحاق البنات بعمر 11-5 سنة بالمدارس بمقدار خمس نقاط مئوية في القرى التي حصل
فيها التوظيف. كما ازداد وزنهن، وهو ما يعني أن الأهل أخذوا يعتنون بهن بصورة أفضل. أمّا الآثار في الصبيان
فكانت أضعف كثيرًا، حتى في القرى التي حصلوا فيها بوضوح على وظائف. ويُظهر جنسن وميلر (2010)
أن هذا الأثر المتدينّ هو حصيلة الأثر السلبي المتعلق بالصبيان الذين يرغب أهلهم في إبقائهم للعمل في الزراعة،
والأثر الإيجابي المتعلق بالصبيان الذين يرغب ذووهم في أن يختطوا طريقهم الخاص. ولما كان من غير المنتظر من
البنات أن يكن هن من يحافظ على تقاليد الأسرة، فقد تحول هذا الأمر مرة أخرى لمصلحتهن. -4 تحرير وقت المرأة إن المصدر الأساس لعدم المساواة بين الرجل والمرأة هو طريقة تمضية كلٍّ منهما لوقته. وقد أجرى بيرنييل وسانشيز-
بارامو (2011) دراسة لمصلحة تقرير التنمية الدولي لسنة 2012 بشأن كيفية تمضية الوقت، بالاستفادة من بيانات
عن 23 بلدًا من دراسة دولية عن استخدام الوقت، ومن 12 بلدًا آخر أضيفت إليها لجعل مجموعة البيانات أكثر
تمثيالً للدول الفقيرة. وظهر بنتيجة هذه الدراسة نمط واضح غير مفاجئ: تقوم المرأة من مستويات الدخل كافة
بأغلبية الأعمال والرعاية المنزلية، وتمضي في المقابل وقتًا أقل في العمل خارج المنزل. وقد تراوح فارق الوقت الذي
تمضيه المرأة في الأعمال المنزلية زيادة عن الرجل بين 30 في المئة في كمبوديا إلى ستة أضعاف في غويانا، وفارق الوقت
الذي تقضيه المرأة في رعاية الأطفال زيادة عن الرجل بين 70 في المئة في السويد و 10 أضعاف في العراق. ولهذه
الفوارق أثر في استقرار مشاركة المرأة في سوق العمل وتفرغها الكامل لمهنتها... إلخ. وهذا أحد الأسباب التي
تزيد احتمال عمل المرأة في الدول النامية في القطاع غير المنظم (كأن تدير مشروعًا صغيرًا)، وهو ليس أفضل السبل
لاستخدام وقتها في أعمال منتجة. فمثالً، قد تدير المرأة متجرًا ضمن منزلها لتتمكن من الاعتناء بالأطفال في الوقت
نفسه، بدالً من إيجاد عمل إنتاجي، الأمر الذي يقلل من فرصها في الحصول على دخل مستقل، وهو ما يؤثر بشكل
واضح - – كما سنرى لاحقًا في قدرتها على المساومة ضمن الأُسرة. وبهذا المعنى، يمكن للتنمية الاقتصادية أن تقود إلى تمكين المرأة عبر تحرير وقتها (الذي يمكن أن يستخدم عندها
لممارسة أعمال في السوق أو لأشياء أخرى). ويرى غرينوود وسيشادري ويوروكوغلي (2005) أن انتشار
التجهيزات المنزلية في الولايات المتحدة في الفترة -1930 1950 كان دافعًا رئيسًا لزيادة مشاركة المرأة في سوق
العمل في أثناء تلك الفترة وبعدها. واستفادت دينكلمان (2010) من دراسة الجدوى اللوجستية لنشر الكهرباء
في جنوب أفريقيا لدراسة تأثير هذه العملية في عرض قوة العمل من الجنسين، حيث وجدت أن نشر الكهرباء
أدّى إلى زيادة تشغيل النساء بنسبة.59 في المئة (من دون أي تغيير في تشغيل الرجال)، وأكدت أن هذه الزيادة
تعود إلى الوقت المتوافر للنساء في الإنتاج المنزلي. ولم يلمس ديفوتو وآخرون (2011) أي أثر لتوصيل المياه إلى
المنازل عبر شبكة المياه العامة في المغرب في زيادة الزمن المخصص للعمل في السوق، بينما لمس زيادة ملحوظة في
وقت الفراغ وانخفاضًا في مستويات التوتر والمشاحنات الأسرية. وثمة مصدر آخر لكسب الوقت نتيجة التنمية الاقتصادية يتمثّل في انخفاض معدل الخصوبة، كما ذكرنا أعلاه،
إضافةً إلى التغريّ في توقيت الإنجاب؛ فالمرأة المتزوجة، أو التي لديها أطفال، عادة ما تتسرب من المدرسة أو
الجامعة، ويكون احتمال حصولها على عمل أقل (ميلد وأمبروس 2008، ميلر 2010، دوفلو ودوباس وكريمر
2011)، وهي تميل إلى الزواج من رجل يكبرها سنًا. ويؤدّي ذلك كله إلى الحد من استقلاليتها وقدراتها. فقد
أظهر غولدن وكاتز (2002) أن توافر حبوب منع الحمل في الولايات المتحدة للشابات العازبات في ستينيات
القرن الماضي رفع سن الزواج وأطال فترة الدراسة لديهن. -5 التنمية الاقتصادية وحقوق المرأة ثمة رابط قوي عمليًا بين التنمية الاقتصادية والحقوق القانونية للمرأة في شتى الميادين، كحقوق الملْكية
والحصول على الأرض والقروض المصرفية والعنف ضد المرأة وسياسات الإجهاض... إلخ. وقد بيّنت دوبكه
وترتيلت (2009) وجود علاقة عكسية قوية قدرها 0.4 أو أكثر في جميع الدول بين غياب الحقوق ونصيب
الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. وتاريخيًا، جاء توسيع الحقوق الاقتصادية لتشمل المرأة في الولايات المتحدة قبل
حصولها على الحقوق السياسية (دوبك وتارتيلت 2009، فرنانديز 2009). ورغم تعذر استنتاج علاقة سببية
من البيانات بطبيعة الحال، ثمة وجهتا نظر تبيّنان السبب الذي يجعل النمو الاقتصادي يفضي إلى تنازل الرجال
طوعًا عن حقوق اقتصادية لزوجاتهم؛ إذ يرى دوبكه وترتيلت (2009) أن الرجال بدأوا يميلون إلى التنازل عن
بعض الحقوق، عندما تزايدت أهمية رأس المال البشري في الاقتصاد، لضمان حصول الأطفال على تعليم أفضل
(يفترض هذا الرأي أن النساء يولين اهتمامًا أكبر برأس المال البشري للأطفال، وأن القدرة على المساومة عنصر
مهم في اتخاذ قرارات الأُسرة، كما سنبين لاحقًا). والمفاضلة هي بين مصلحتهن اليوم ومصلحة ذريتهن (أبناء،
أحفاد، أجيال مستقبلية). أمّا وجهة نظر فرنانديز (2009)، فتختلف قليالً عن الرأي السابق رغم الترابط
بينهما؛ فهو يرى أن مع انخفاض معدل الخصوبة تبدأ مصلحة الآباء باعتبارهم أزواجًا (يرغبون في الحصول
على الحقوق جميعها) في التعارض مع مصلحتهم بوصفهم آباء (يرغبون في حماية بناتهم من أزواجهن). ومع
النمو الاقتصادي وانخفاض معدل الخصوبة، تبدأ كفة الميزان بالميل إلى جهة المصلحة الأخيرة، فتتوسع الحقوق
الاقتصادية للمرأة. [...] ولا يزال هناك ضرورة لبذل الكثير من الجهود على صعيد البحث التجريبي، وهذا
مجال مثير جدًا للبحث. بيد أن هاتين الدراستين تقدمان حججًا نظرية مقنعة: إذ يخلص دوبكه وترتيلت صراحةً
إلى أن الأجدى بمؤسسات تُعنى بحقوق المرأة، كالبنك الدولي، التركيز على برامج تشجع التنمية الاقتصادية
(كسياسات التعليم)، بدالً من الدفع باتجاه تحقيق تغييرات تشريعية لمصلحة هذه الحقوق. [...] -6 هل تكفي التنمية الاقتصادية بمفردها؟ ثمة ما يدل على أن النمو وحده غير كافٍ للقضاء على التمييز في المنزل وفي عدة ميادين أخرى؛ إذ لا تزال النسبة
بين الجنسين تميل إلى مصلحة الصبيان: ففي الصين، وعلى الرغم من النمو الاقتصادي (والإصلاحات المذكورة
آنفًا)، لا تزال هذه النسبة تتدهور باطراد منذ سنة 1970، حتى أنها شهدت تفاقامً متسارعًا في تسعينيات القرن
الماضي من 35 في المئة إلى 75 في المئة لمصلحة الصبيان من جميع الولادات المسجلة. وفي آسيا، لا تزال هذه النسبة
في كوريا الجنوبية وتايوان – وكلاهما بلد غني - مشابهة للصين والهند. ويُذكر أن الفجوة بين البنات والصبيان
تضيق في التعليم الأساس والثانوي، لكنها لم تسجل عمومًا أي تحسن في التعليم الجامعي، رغم ارتفاع مشاركة
الصبيان والبنات معًا. وفي سوق العمل، لا تزال المرأة المؤهلة تأهيالً مماثالً للرجل حتى في الدول المتقدمة
تتقاضى أجرًا أقل منه، أيًا تكن هذه المؤهلات. كما لا تزال الحقوق القانونية للمرأة، وخاصة حقوق الملْكية،
مختلفة عن حقوق الرجل في كثير من الدول حتى مع نمو الاقتصاد. ومقارنةً بالحقوق الاقتصادية والتعليم
والحقوق القانونية، فإن الفجوة بين الجنسين ضاقت أقل بالنسبة إلى المشاركة السياسية في الفترة بين سنتي
1995 و 2005. وحتى سنة 2011، لم يكن قد حقق الهدف الذي حدده المجلس الاقتصادي والاجتماعي
للأمم المتحدة سنة 1990، والقاضي بشغل النساء 30 في المئة أو أكثر من مقاعد البرلمانات الوطنية، سوى 26
بلدًا. وقد بلغت نسبة المقاعد البرلمانية التي شغلتها نساء على مستوى العالم 19.4 في المئة فقط، في حين كانت
15.9 في المئة سنة.52005 و 13 في المئة سنة 2000 و 9 في المئة سنة 1987 (الاتحاد البرلماني الدولي.)2011 يبنيّ الفارق المستمر في نسبة الجنسين عند الولادة أن التنمية الاقتصادية وتوافر التقانات الحديثة يؤثران سلبًا في
المساواة بين الجنسين إذا خفضت تكاليف التمييز ضد البنات؛ إذ إن التفاوت الكبير في النسب بين الجنسين عند
الولادات المسجلة ترجع إلى الولادات غير المبلغ عنها – قتل الأطفال الحديثي الولادة - وإلى زيادة معدلات
الإجهاض تبعًا لنوع جنس الجنين. ويُظهر الإجهاض تبعًا لنوع جنس الجنين كيف ساهم انتشار التقانات
الحديثة وزيادة رفاهية الأُسر نتيجة التنمية الاقتصادية في زيادة التمييز بأسوأ أشكاله. ولا يقتصر هذا الأمر على
الصين؛ فقد كشف الإحصاء السكاني لسنة 2001 في الهند عن انعكاس الميل في النسب بين الجنسين، ولا سيما
في الولايات الأكثر غنىً في شمال الهند. وفي إحصاء سنة 2011، انخفضت هذه النسب إلى أدنى مستوياتها منذ
الاستقلال. وفي هذا الشأن، ثمة عامل آخر ذو دور مهم هو الحسابات الاقتصادية؛ فقد أصبح مألوفًا رؤية
إعلانات عن عيادات اختيار جنس المواليد في مومباي، تقول: «إدفع 005 روبيه الآن خير من أن تدفع 05 ألفًا
في ما بعد» (ديزيه 1994)، في إشارة إلى المهر الذي يتعين على الأهل دفعه عند تزويج البنت وقدره 05 ألف
روبيه. [...] ويؤكد لين وكيان وليو (2008) في تايوان أن نسبة الصبيان إلى مجموع الولادات الحية ازدادت من
0.515 في سنة 1980 إلى 0.54 في سنة 1990. وسبب الزيادة كلها هو الزيادات في النسبة بين الجنسين من
أجل تكافؤ أعلى. ويرى الباحثون أن شرعنة الإجهاض في تايوان في سنة 1986/1985 (حينما أصبح تحديد
جنس المولود متاحًا) هو المسؤول عن ذلك. [...] وحتى في الولايات المتحدة، لم تختف ممارسة اختيار جنس
المولود. وعندما أصبح فحص الدم الذي يحدد جنس الجنين بعد سبعة أسابيع من الحمل متاحًا تجاريًا، ظهرت
تقارير تتحدث عن المخاوف من استخدامه لأغراض الإجهاض (بيلوك 2011). وهذه المخاوف مبررة بلا
شك: فحتى من دون هذا الفحص، ثمة دلائل تشير إلى وجود حالات إجهاض تبعًا لجنس الجنين لدى بعض
الجماعات العرقية في الولايات المتحدة وكندا اليوم. وبشكل خاص ومنذ سنة 1980، لوحظ ارتفاع غير طبيعي
في معدل الصبيان إلى البنات في شريحة التكافؤ الأعلى في الأُسر الصينية والكورية والأميركية من أصل آسيوي
وهندي (أبريفايا 2009، ألموند وإدلوند 2008، ألموند وإدلوند وميليغان 2009). [...] أخيرًا، ربما تقدّم
الضغوط على أسواق الزواج بسبب النسب المرتفعة بين الجنسين في المجتمعات التي تفضل الذكور حافزًا إضافيًا
لتعديل هذه النسب (يزيد عدد الصبيان في الصين على عدد البنات بنحو 20 مليون صبي تقريبًا، و 25 مليون
في الهند (إدلوند ولي 2009)). ويقدم إدلوند ولي (2009) دليالً على أن النسب بين الجنسين في كوريا أصبحت
طبيعية بعد أن شهدت ارتفاعًا كبيرًا عقب إدخال الفحص بالموجات فوق الصوتية.
ويبنيّ التفاوت في دخل العاملين في جميع مستويات التأهيل، حتى في الدول الغنية، استمرار وجود التحيّز ضد
المرأة. ولا يتسع المجال في هذه المقالة لعرض التمييز بين الجنسين عرضًا مفصاّلً في الدول المتقدمة. ويقدم
غولدن (2006) ملخصًا مميّزًا للتطور الطويل لمكانة المرأة في المجتمع. وقد ضاقت الفجوات بين الجنسين في
الأجور والمهن والتعليم والمشاركة في قوة العمل إلى حد كبير في الولايات المتحدة منذ سنة 1930 حتى سنة
1990، وذلك جزئيًا بسبب بعض الظواهر التي ناقشناها من قبل (زيادة الطلب على العمل المكتبي، وما تطلبه
ذلك من زيادة الاستثمار في التعليم، التجهيزات المنزلية، انتشار حبوب منع الحمل)، إال أن هذا التقارب توقف
على ما يبدو بعد سنة 1990؛ إذ لا تزال الفوارق موجودة في المشاركة وفي الأجور، خاصة في الشرائح العليا،
بسبب التحيّز ضد المرأة جزئيًا، فضالً عن تباين المواقف الثقافية حيال دور المرأة. ويُظهر كثير من الأبحاث التي أجراها علماء نفس وجود تحيّز «غير معلن» واسع الانتشار في الدول المتقدمة
يشارك به النساء والرجال على السواء، ويربط الرجل بالعمل والعلم والمرأة بالأُسرة والعلوم الإنسانية. فمثالً
في اختبارات التداعي غير المباشر Implicit association tests() (غرينوالد وآخرون 2002، انظر أيضًا
www.implicit.org)، طُلب من المشاركين تصنيف مجموعتين من الأسماء إلى يسار الشاشة ويمينها. [...]
فقام الرجال والنساء على حد سواء بربط المرأة بالأُسرة والرجل بالعمل غالبًا. كما اتجه الطرفان في أغلب
الأحيان إلى ربط المرأة بالدراسات الإنسانية والرجل بالعلوم. ولا يزال التحيّز قائامً على الرغم من مشاركة المرأة بصورة واسعة في هذه الحقول الأكاديمية وفي سوق العمل
في تلك الدول. ومن شأن هذا التحيّز أن يؤثر في ما تحققه المرأة نتيجة مشاركتها في سوق العمل أو تحصيلها
مستوى تعليميًا أعلى بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بإقناع البنات أنهن لم خيُلقن لبعض الأعمال، أو أنهن لسن
ملائمات لها كما الرجال. [...]. وما دام التحيّز موجودًا، سيبقى هناك معوقات أمام المساواة بين الجنسين حتى
لو وفرت الشروط التكنولوجية فرصًا متكافئةً للطرفين. كما أن المرأة تبدي اندفاعًا هجوميًا أقل بكثير من الرجل
عند التفاوض على الوظيفة وفي أثناء مرحلة الترقية، ورغبة أقل في المنافسة (بابكوك ولاشيفر 2003، غنيزي
ونيدرل وروستيشيني.)2003 ولعل العائق الأكبر أمام مشاركة المرأة في صنع السياسات، على الرغم من وجود عوامل عدة لا تزال تعيق
التمثيل البرلماني للمرأة (شكل النظام الانتخابي القائم في البلد المعني؛ دور الأحزاب السياسية وأنظمتها؛ ضعف
التجربة السياسية السابقة للمرأة)، هو التصوّر السائد بأن المرأة لا تملك كفاءات القيادة. كما لا يزال هذا الأمر
قائامً أيضًا في الدول المتقدمة: فقد أظهرت مجموعة من التجارب أن تقويم القادة الإناث أكثر سلبية من تقويم
القادة الذكور، إذا افترضنا التساوي في الأداء. وتلجأ هذه الدراسات عادة إمّا إلى تقديم توصيف مكتوب
لأوضاع القيادة، مع تغيير جنس القائد، وإمّا إلى الاستعانة بممثّلين مدرّبين للقيادة بما يسمح للقائمين على
التجربة بالتحكم في درجة النجاح الذي يحققه القائد (سويم وآخرون، 1989). وقد وجدت الدراسات أن
التحيّز يكون بأوضح أشكاله عندما يجري اعتبار الدور القيادي منوطًا بالرجال بداهة.
وتبين أدلّة أخرى من الهند أن المواطنين يميلون إلى إعطاء أداء القادة النساء علامات أقل من الرجال، بافتراض
المعطيات نفسها عنهم، ويربطون القيادة بالمرأة أقل ممّا يفعلون مع الرجل، ولا ينظرون نظرة إيجابية إلى المرأة التي
تعمل في السياسة. وقد درس بيمان وآخرون (2009) المواقف في ريف غرب البنغال بطرق عديدة، حيث طلبوا في
إحدى التجارب من المشاركين فيها الإصغاء إلى خطبة سياسية قصيرة يلقيها رجل أو امرأة. ومن بين الأشخاص
الذين لم يكن لديهم خبرة مع قائدة، أعطى معظم المشاركين المختارين عشوائيًا واستمعوا إلى الخطبة بصوت رجل
علامات أعلى من أولئك الذين استمعوا إليها بصوت امرأة. وفي جزء آخر من الدراسة، أجرى الدارسون «اختبارات
التداعي الحر غير المباشر» التي أظهرت ربط ا قويًا بين المرأة والعمل المنزلي. وأخيرًا، بدا المشاركون في التجربة (ولا
سيما الرجال) مرتاحين جدًا لاعترافهم بأنهم يفضّلون، وبقوة، الرجل أكثر من المرأة في الموقع القيادي (وهذا في بلد
تتولى فيه امرأة رئاسة حزب الأغلبية وتحتل منصب الرئاسة فيه امرأة أيضًا – وفي ما بعد، انتخبت ولاية غرب البنغال
امرأة لرئاسة الولاية). وهناك على ما يبدو عائق ثقافي أمام الاعتراف بكفاءة المرأة في صنع السياسات. تدعم مثل هذه الأدلة فكرة «المقاعد المحجوزة» أو حصة المرأة في مواقع صنع السياسات. ولما كانت المواقف
متحيّزة، في غياب الفعل الإيجابي بمختلف أشكاله، فمن الصعب على المرأة أن تقتحم عالم السياسة. وبالفعل
اعتمدت الدول السبع عشرة التي حققت هدف 30 في المئة من المقاعد البرلمانية للنساء نوعًا من الإجراءات
الإيجابية في هذا المنحى. ومن الواضح أنه إذا أريد تحقيق التوازن في التمثيل بين الجنسين بسرعة، فلا بد من
القيام بفعل إيجابي. وبصورة عامة، لا تكفي التنمية الاقتصادية وحدها لتحقيق المساواة بين الجنسين في المستقبل المنظور، وستبقى
هنالك حاجة إلى سياسات خاصة لتسريع هذه العملية. مع ذلك، فإن المكاسب من السياسات التي تستهدف المرأة تتحقق على حساب الرجل بدرجة معيّنة. وهذا
واضح بجلاء في السياسة؛ فأي موقع تحتله المرأة بموجب المحاصصة يخسره الرجل. وهذه المفاضلة لا تكون
صريحة على الدوام، إالّ أنها قد تكون في بعض الأحيان صارخة بشدة. مثالً: إن اتّباع إجراءات خاصة لتحسين
وصول البنات إلى المدرسة – كالمنح الدراسية المخصصة للبنات أو دورات المياه المخصصة للبنات في المدارس -
هي طريقة مكلفة لالتحاق عدد أكبر من البنات بالمدارس، أخذًا في الاعتبار أن نسبة هذا الالتحاق هي أصلا
عالية. وهذا يعني أن في ظل موازنات محدودة جدًا في أكثر الدول النامية، تأتي الاعتمادات المخصصة للبنات على
حساب الصبيان بصورة مباشرة. فالأموال المصروفة على المنح الدراسية تخسرها جوانب أخرى قد تفيد البنات
والصبيان على حد سواء، كتوظيف مدرّسين جدد، أو إعطاء أدوية مضادة للطفيليات لجميع الطلاب. إن هذه
المفاضلات واقع فعلي، إذ تبين أبحاث فعالية التكلفة المقارنة (المقارنة بين تجارب مختلفة وفي أوضاع مختلفة) أن
تكلفة التحاق طفل إضافي عبر منح دراسية إضافية قد تكون أعلى كثيرًا من مكافحة الطفيليات أو إعلام الأهل
بفوائد التعليم (داليوال وآخرون،.)2011 بناء على ما سبق، لا بد من وجود موجبات للسياسات التي تعطي أولوية للمرأة، ليس فقط لمجرد أنها ضرورة
لتحقيق المساواة بين الجنسين، بل لكون هذه المساواة منشودة بحد ذاتها أيضًا وتستحق التكاليف التي تفرضها.
يبحث القسم التالي من هذه الدراسة في المسوغ العام للقول بأن المفاضلة بين مصالح أناس مختلفين مأخوذة في
المدى القريب هي مفاضلة عابرة؛ ففي المدى البعيد لن يكون هناك مفاضلة بين زيادة مساعدة المرأة ومساعدة
أي إنسان آخر، لأن زيادة الموارد المخصصة للمرأة ستزيد حجم الموارد بدرجة تجعل الجميع في حال أفضل.
ثانيًا: هل يقود تمكين المرأة إلى التنمية الاقتصادية؟
ثمة مسوّغان لتأييد تبنّي سياسات فعالة لتعزيز مكانة المرأة. الأولهو أن المساواة قيمة نفيسة بذاتها ولذاتها،
لأن المرأة حاليًا في وضع أسوأ من وضع الرجل، وعدم المساواة بين الجنسين أمر بغيض بحد ذاته. والثانيهو
أن الحجة الأساس في خطاب صنّاع السياسات هي أن المرأة تؤدّي دورًا أساسًا في التنمية. لذا، يتعين تضييق
الفجوة بين الجنسين في التعليم والمشاركة السياسية وفرص العمل، ليس فقط لأن الإنصاف والعدل يقتضي
ذلك، بل أيضًا لما لهذا الأمر من نتائج تعود بالفائدة على المجتمع ككل. أي بكلام آخر، يجب القيام بها لزيادة
كفاءة الاستخدام. [...]
إن الموقف من تمكين المرأة، باعتباره هدفًا منشودًا من أجل الكفاءة، يحدد في الوقت نفسه شكل الحوار بشأن
السياسات وما ينتج منه من سياسات اقتصادية في شتى أنحاء العالم؛ فبرامج القروض الصغيرة مثالً تتوجه
على نحو حصري تقريبًا للمرأة لأنها تستثمر الأموال في سلع وخدمات مفيدة لتحسين أوضاع الأُسرة، أي أنها
مفيدة للتنمية. وعلى المنوال ذاته، يتوجّه معظم برامج المساعدات المالية المشروطة في الدول النامية (مثل برنامج
PROGRESA/ Opportunidades” “ في المكسيك) إلى النساء من دون الرجال. فالمساعدات المشروطة
بالالتحاق بالمدارس تستهدف البنات بالدرجة الأولى، أو حتى تقتصر عليهن. وقد تم اعتماد إجراءات لتعزيز
وصول المرأة إلى المناصب السياسية عبر المحاصصة في 87 بلدًا، من ضمنها الهند، حيث اشترطت التعديلات
الدستورية لسنة 1993 تخصيص ثلث رئاسة المجالس البلدية في القرى وثلث مقاعدها للنساء. يقول رئيس البنك الدولي السابق جيمس ولفنسون مخاطبًا المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة: «لتعليم البنات مفعول تحفيزي في جميع مناحي التنمية: انخفاض معدلات الوفيات بين الأطفال والأمهات؛
زيادة معدلات إكمال التعليم للصبيان والبنات؛ رفع مستوى الإنتاجية؛ تحسين الإدارة البيئية. ومن شأن هذه
العوامل مجتمعةً تسريع النمو الاقتصادي، وبالدرجة نفسها من الأهمية توزيع ثمار النمو على نطاق أوسع... كما
أن زيادة تعليم البنات يساعد النساء أكثر فأكثر على الوصول إلى مواقع قيادية في جميع المستويات الاجتماعية: بدءًا
من المراكز الصحية في القرى إلى البرلمانات في العواصم. وهذا يغريّ بدوره الطريقة التي تتعامل فيها المجتمعات
مع المشكلات، ويزيد المساواة في صنع القرار على المستوى العالمي». وقد طرح ولفنسون أربع قضايا: الأولى هي أن تعليم البنات يغريّ النتائج بالنسبة إلى أطفالهن ولنا جميعًا. وفي
وسعنا أن نصف ذلك بحجة «النموذج المختصر»؛ «التمكين» الواسع للمرأة يغريّ النتائج؛ فالتعليم يؤثر مثالً في
تحسين فهمها لكيفية تربية الأطفال واستخدام موانع الحمل وإدارة شؤون المنزل. وتقول القضية الثانية إن تمكين
المرأة بمعناه الضيق (القدرة على التأثير في صنع القرار) يغريّ النتائج. وتفترض الثالثة أن هذه التغييرات إيجابية.
أمّا القضية الرابعة، فتفترض أن زيادة دور المرأة في صنع القرار تؤدّي فعالً إلى نتائج مختلفة (وأفضل)، بمعنى
الأدوات المتاحة لصنّاع السياسات لتحقيق هذه التغيرات. فهل عليهم الانتظار ريثما يتم تحسين رأس المال
البشري للمرأة (يوحي الاقتباس بأن التغيير هو نتيجة لتحسن تعليم المرأة)، أم يمكن للتدخل عبر سياسات
معيّنة، كإدخال تغييرات في القوانين أو الأنظمة الانتخابية أو القواعد الناظمة للبرامج، أو غيرها من التدخلات
الفوقية المشابهة، أن يغير السلطة الفعلية؟ يبحث القسم المتبقي من الدراسة في هذه القضايا الأربع. والإجابة عن هذه الأسئلة مترابط بعضها ببعض،
كما سيتضح لاحقًا: غالبًا ما يسمح تغيير القواعد الناظمة للسياسة المحلية، أو بعض البرامج الخاصة على سبيل
المثال، بتحديد التحولّات في السلطة ونتائجها. علاوة على ذلك، ليس هناك قياس بسيط «للسلطة» (بخلاف
التعليم مثالً)، لذلك يظهر التغيير في السلطة بشكل غير مباشر من خلال التغيير في النتائج. ومع ذلك، تمثّل هذه
القضايا الأربع إطارًا منظِّامً مفيدًا للكتابة في هذا الشأن. -1 تمكين المرأة وأثره في نتاج الأُسرة تناولت أعمال كثيرة هذه القضية ووجدت أدلة واضحة تربط بين تعلم الأمهات ودخلهن وبين رفاهية الطفل،
وخاصة صحته. علاوة على ذلك، وجِد أن الترابط بين تعليم الأمهات ودخلهن أقوى دومًا من الترابط بين
تعليم الآباء ودخلهم. بيد أن هذه العلاقات مضلِّلة على الأغلب؛ ففي حالتنا، هنالك مشكلتان أساسيتان في
تفسير النتائج. أولا: يرتبط تعليم المرأة ودخلها ومشاركتها السياسية بأبعاد غير مرئية متعلقة بقدراتها أو أسرتها
أو ربما بخلفيتها الاجتماعية. وبقدر ما تحدد هذه العوامل غير المرئية بصورة مباشرة صحة الطفل، ليس ثمة ما
يشير إلى تأثير مباشر لها في زيادة تعليم المرأة ودخلها ومشاركتها السياسية. ولا بد من الإقرار بأن عدم حصول
المرأة على التعليم وكسب الدخل والمشاركة في القرارات السياسية هو ما يجعل التحيّز ضدها أشد من التحيّز
ضد الرجل. كما أن حال الأطفال تكون أفضل في الدول والمناطق حيث تكون مشاركة المرأة في السياسة أوسع،
لأنها تشكل بيئة أكثر ملاءمة. ثانيًا: قد تكون المقارنة بين معاملات تعليم ودخل الأزواج والزوجات غير دقيقة
نتيجة العلاقة بين تعليم الزوجات أو دخلهن وبين السمات غير الظاهرة للأزواج، وذلك لسببين: الأولهو أن
المرأة الأكثر تعليامً وغنىً تستطيع الزواج من رجل يهتم أكثر بأطفاله، والثانيهو أن الملاحظة القائلة إن وضع
الدخل في تصرف المرأة، بعد ضبط جميع الموارد، يعطي نتائج أفضل من وضعه بتصرف الرجل تعكس خاصيات
غير مرئية للرجل تؤثر تأثيرًا مباشرًا في حصيلة تربية الطفل. مثال: إذا كان الرجل تقدميًا بدرجة تسمح لزوجته
بالعمل، فإن هذا الموقف التقدمي بحد ذاته يجعل تعامله مع الأطفال أفضل. [...] إن البعد الأول للتمكين (كما ذكر ولفينسون) هو التعليم. [...] وبالتالي يعتقد العديد أن هناك حاجة إلى جهد
خاص لتعليم الفتيات، وأن لتعليمهن تأثيرات جانبية هائلة. وللأسف، فإن الدليل على ذلك ليس بالقوة التي
يعتقدها البعض. وعلى الرغم من إثبات الرابط بين تعليم الأمهات ومستوى تربية أطفالهن المرة تلو الأخرى،
فإن الأدلة تنطوي في معظم الحالات على تحيّز واضح: فالبنات المتعلمات ينتمين إلى أُسر غنية ويتزوجن رجاالً
أغنى وأكثر تعليامً وتقدمية. وبذلك يصعب عمومًا حساب جميع هذه العوامل، ولم تتطرق إلى ذلك سوى دراسات
قليلة. فقد استعان بريروفا ودوفلو (2004) بالتوسيع الهائل في تشييد المدارس في إندونيسيا في سبعينيات القرن
الماضي لإظهار التغريّات في الفوارق بين الأزواج والزوجات في التعليم بناءً على مكان وتاريخ الولادة فقط لحل
هذه المشكلة. وعندما صوّبا واقع أن المرأة الأكثر تعليامً تختلف عن الأقل تعليامً، وجدا أيضًا أن الأُسر تُنجب، تبعًا
لمتوسط المستوى التعليمي للأُسرة، عددًا أقل من الأطفال عندما تكون الزوجة أكثر تعليامً، لكنهما لم يلاحظا تراجعًا
في معدل وفيات الأطفال. ورغم أن للتعليم أثرًا إيجابيًا أكيدًا في معدل وفيات الأطفال، فمن غير الواضح إن كان
تعليم البنات أكثر أهمية من تعليم الصبيان. وقد لجأ شو وآخرون (2010) إلى الاستراتيجيا التجريبية ذاتها لدراسة
أثر تعليم الآباء والأمهات في صحة الأطفال في تايوان (حيث التعليم إلزامي حتى المرحلة الثانوية منذ سنة 1989،
وجرى تطبيق هذا القرار بالتدريج في مناطق مختلفة). ووجد الدارسون أن لتعليم الآباء والأمهات آثارًا إيجابية قوية
في حياة الأطفال، ولا يختلف أي أثر منها عن الآخر كثيرًا. وعلى الرغم من ضرورة معرفة المزيد عن هذه المسألة،
فإن الافتراض المباشر بأن تعليم الإناث أهم من تعليم الذكور بالنسبة إلى معدل وفيات الأطفال وبالنسبة إلى النتائج
الأخرى المتعلقة بأدائهم يحتاج إلى مزيد من التدقيق، فمن الواضح أن لكلٍّ منهما أهميته. 2 - المرأة كصانعة القرار أ- ضمن الأُسرة إن برامج القروض الصغيرة ووكالات الإعانة الاجتماعية التي تقصر قروضها وإعاناتها المالية على النساء
لاعتبارها أن الأموال بهذه الطريقة ستذهب لخدمة التنمية، تقر ضمنًا أن المرأة ليست عاجزة تمامًا. فلو كانت
كذلك، فسيستولي الزوج مباشرة على هذه الأموال، ولا جدوى بالتالي من إعطائها الأموال بدالً من الرجل.
وبالعكس، لو كانت الأُسر وحدات متناغمة، لكل شخص فيها الأفضليات والرغبات نفسها، لكانت الملْكية
الاسمية للأموال ضمن الأُسرة أمرًا غير ذي بال. وستجمع الأموال جميعها وتصرف بالشكل الأمثل لمصلحة
الأُسرة في نهاية المطاف.
هنالك أسباب وجيهة عمليًا للاعتقاد بأن الأُسر تقع فعليًا بين هذين الحدّين القصويين، فلا هي محكومة بدكتاتور
ولا هي متناغمة بلا أي خلاف، وإنما لكل فرد فيها أفضلياته المختلفة وأفكاره المتباينة حول شتى المسائل، بدءًا
من عدد الأطفال إلى الشكل الأمثل لإنفاق الدخل. ولكل فكرة وزنها المختلف عن غيرها في القرار النهائي تبعًا
لمعلومات كل فرد وقدرته على المساومة. وتفيد الدراسات السكانية والصحية، على سبيل المثال، أن النساء يفضلن
أكثر من الرجال عادة إنجاب عدد أقل من الأطفال (بيكر 1999). ومن شأن هذا الاختلاف أن يجعل معدل
الخصوبة في النهاية أقل إذا أخفت المرأة عن زوجها لجوءها إلى موانع الحمل. وقد قدّم أشرف وفيلد ولي (2010)
دليالً واضحًا على ذلك في زامبيا. [...] ومن المهم ملاحظة أن ذلك لا يعني أن السماح للنساء بإخفاء موانع الحمل
سياسة مرغوب فيها؛ إذ من الممكن أن يصبح الأزواج أكثر تشكيكًا بزوجاتهم حين يعلمون أن خيارًا كهذا قائم.
[...] وعرض أشرف دليالً تجريبيًا مخبريًا يثبت أيضًا أهمية المعلومات: فالرجل الذي يقرر كيف يوزع الأموال،
يفعل ذلك بطريقة مختلفة عندما يتعنيّ عليه إطلاع زوجته على قراره أو التفاوض معها قبل اتخاذه. [...] في هذا السياق، يؤثر حجم مساهمة الفرد في موازنة الأُسرة كثيرًا في الوزن الذي يحظى به في تقرير النفقات
التي يفضّلها (أو تفضّلها)؛ فعندما تكون المرأة صانعة قرار في الأُسرة، يكون لمساهمتها في الدخل تأثير كبير في
الخيارات النهائية. وقد قامت دراسات تجريبية كثيرة باختبار أثر وجود دخل الأسرة بيد المرأة في توزيعه ضمن
الأُسرة بطرق تختلف عامّ لو كان في يد الرجل. وتفيد الأدلة بأن وجود الدخل أو الممتلكات بيد المرأة يفضي إلى
تحسّن أكبر في صحة الطفل (مثالً: توماس 1990)، وإنفاق نسب أكبر على الغذاء والصحة والسكن (توماس
1993). لكن هذه الدراسات على العموم تعتريها مشكلة تتمثّل في أن الأُسر التي تكسب فيها المرأة جزءًا
كبيرًا من الدخل تختلف عن غيرها من الأُسر. وقد استخدم توماس (1990، 1993) الدخل غير الناتج من
العمل للتحايل على مشكلة أن الدخل الناتج من العمل داخلي المنشأ (ويتوافق مع قرارات عرض العمل للرجل
والمرأة). إالّ أن هذه الطريقة هي معالجة جزئية للمشكلة، لأن الدخل غير الناتج من العمل هو غالبًا عبارة عن
ممتلكات (لذا، فاللواتي يمتلكن دخالً من دون عمل أكبر قد يقدمن على الزواج بثروة أكبر، وبالتالي وضعهن
يختلف). علاوة على ذلك، فإن قرارات الزواج تزيد في تعقيد تفسير هذه النتائج، لأن الرجل الذي يتزوج امرأة
أغنى منه يتحلى بذوق مشابه لذوقها على الأغلب. وقد خطت دوفلو (2003) باستراتيجية استخدام الدخل غير الناتج من العمل خطوة أبعد عندما استعانت
بالتوسع السريع لبرنامج تقاعد الشيخوخة في جنوب أفريقيا لمعالجة قضايا الهوية الأخرى؛ فقد التزمت الحكومة
عند انتهاء نظام الفصل العنصري بتحقيق المساواة في شروط الإعانات والاستحقاق بين السود والبيض. وتحقق
ذلك تقريبًا بزيادة ما يتلقاه السود من إعانات بسرعة كبيرة بين سنتي 1990 و 1993. وفي سنة 1993، كان 80
في المئة من النساء السود بس 60 سنة و 77ِن تتعدى في المئة من الرجال السود بسِن تتعدى 65 سنة يتقاضون راتبًا
تقاعديًا. وكان الحد الأعلى للإعانة 370 راندًا في الشهر (قرابة 3 دولارات في اليوم) يعادل نصف الحد الأدنى
للأجور، وضعف متوسط الدخل الفردي تقريبًا في المناطق الريفية. ونظرًا إلى ترتيبات المعيشة التقليدية، يعيش
قرابة ثلث الأطفال السود تحت سن الخامسة حاليًا على أموال التقاعد. وينتمي هؤلاء إلى بيئات محرومة نسبيًا،
لهذا السبب فهم على الأرجح أصغر حجامً من أقرانهم. ولتقدير أثر تقاضي معاش تقاعدي على الحالة الجسدية
للأطفال، استفادت دوفلو من الطول باعتباره يعربّ عن الاستثمار المتراكم في تغذية الطفل. فكلما كانت فترة
التغذية الجيدة أطول، كان الطفل أطول بالنسبة إلى سنّه [...]. وقد وجدت دوفلو فعالً أن البنات اللواتي يعشن
مع جداتٍ يتقاضين معاشًا تقاعديًا أكثر وزنًا من اللواتي يعشن مع جدات لم يبلغن سن التقاعد. كما أن دوفلو،
عندما درست مسألة الطول لدى بنات أكبر سنًّا ولدن قبل تطبيق برنامج التقاعد، وجدت أن اللواتي يعشن مع
صاحب معاش تقاعدي (ذكورًا وإناثًا) كنَّ أقصر من اللواتي لا يعشن مع صاحب معاش تقاعدي. أمّا بالنسبة
إلى البنات اللواتي ولدن بعد تطبيق برنامج التقاعد، فقد وجدت أن اللواتي يعشن مع جدات يتقاضين معاشًا
تقاعديًا أطول من اللواتي يعشن مع جدات بلا معاش تقاعدي. وهذا يعني أن المعاشات التقاعدية التي تتلقاها
نساء تؤدّي إلى تغذية أفضل للبنات [...]. ونقدّر أنه بالنسبة إلى البنات، يكفي أن يعشن مع جدات يتقاضين
معاشًا تقاعديًا لردم نصف الفجوة في حجم الطفل بين الولايات المتحدة الأميركية وجنوب أفريقيا، بينما لم
يُعثر على الأثر ذاته عندما يكون صاحب المعاش التقاعدي رجالً. كما لم يكن هنالك آثار مشابهة لدى الصبيان
(نلاحظ أن الصبيان كانوا يعانون كالبنات من التأخر في طول القامة قبل الحصول على المعاش التقاعدي، لذلك
فإن هذا الفارق لا يعود إلى كون البنات هن فقط من يحتاج إلى تغذية أفضل). ب- في المزرعة: المرأة وحقوق الملكية نلاحظ في كثير من الحالات أن المرأة تحتفظ بحق امتلاك جزء من الممتلكات التي تجلبها معها إلى الأُسرة (وقد
رأينا مثالاَ على ذلك من إندونيسيا). والشائع في أفريقيا أن يحتفظ كلٌّ من الرجل والمرأة بحقوق ملكيته المستقلة
على وسائل الإنتاج، وخاصة الأرض. مثالً: تحتفظ النساء في بوركينا فاسو بملكية أراضيها بعد الزواج، ويعمل
أفراد الأُسرة في قطعة الأرض الخاصة بالأفراد الآخرين، وقد يتم شراء المواد الأولية كالأسمدة بصورة جماعية.
ويتم أيضًا جمع الإنتاج سوية من أجل استهلاك الأُسرة بأكملها. وقد يختلف أفراد الأُسرة بالرأي طبعًا، كما رأينا
من قبل بخصوص كيفية استخدام الموارد المجمّعة. ويتحدد الخيار النهائي للاستهلاك بناء على عوامل شتى، بما
فيها مساحة الأرض التي تملكها الأُسرة. إالّ أن السلوك السليم هو أن تحاول الأُسرة أوالً زيادة حجم «الكعكة»
قبل التفكير في تقسيمها. ويتعنيّ توزيع المستلزمات الأساسية جميعها، كاليد العاملة والبذار والأسمدة، على
قطع الأرض كافة بغية زيادة الإنتاجية الكلية للأرض. لكن أودري (1996) أظهر أن هذه الحالة ليست أبدًا
هي السائدة عمليًا؛ إذ يتم استخدام الكثير من المستلزمات الإضافية في أرض الزوج، وبعد التحكم فيها على
مدار السنة، تصبح مواصفات أرضه ونوعية محاصيلها أفضل كثيرًا من أرض الزوجة، نظرًا إلى كمية الأسمدة
المستخدمة فيها. ولما كانت فعالية استخدام الأسمدة تتراجع تراجعًا حادًا مع زيادة الكمية المستخدمة، فالأكثر
جدوى هو توزيع استخدامها على أراضي الزوج والزوجة على السواء، وهذا ما لا تقوم به الأُسر، على ما يبدو،
في أكثر الحالات. وفي المحصلة، يمكن زيادة إنتاج الأُسرة بنسبة 6 في المئة بمجرد إعادة توزيع الكمية المستخدمة
نفسها من الأسمدة واليد العاملة، وهي نسبة لا يستهان بها في بيئة من الفقر الشديد. لماذا لا تقوم الأُسر بذلك إذن؟ قد يكون الجواب أن الأُسر تقرر كيفية توزيع الموارد تبعًا لكمية الغذاء التي
ينتجها كل فرد في اليوم، من دون مراعاة أنه يتلقى المساعدة من باقي أفراد الأُسرة لإنتاجها. ويود كل فرد من
الأُسرة أن يحظى بنصيب أكبر من «كعكة» صغيرة، وبالنتيجة يعمل كلٌّ في أرضه معظم الوقت من دون اعتبار
لزيادة الإنتاجية العامة للأسرة، ولا يساعد الآخرين بصورة كافية في الوقت والمستلزمات. ولما كان الرجل
أغنى، وبالتالي لا تعترضه عوائق كثيرة من أجل الاقتراض، فبإمكانه تحمّل تكلفة الأسمدة التي يستخدمها في
أرضه لا في أرض زوجته. ونظرًا إلى هذا الخلل في التفاوض ضمن الأُسرة، يغدو الحل الأمثل لزيادة إنتاجية
الأُسرة أن تقوم الزوجة ب «تأجير» أرضها لزوجها الذي يتخذ عندها الخيار الأفضل في الإنتاج. لكن السبب
في عدم حدوث هذا الأمر هو ضعف حقوق الملْكية. فإذا عمل الزوج في أرض الزوجة فترة طويلة، فستؤول
ملْكيتها إليه في النهاية، وسيتوقف عن دفع الإيجار لها. ولكي لا يحدث ذلك، ترفض الزوجة التنازل لزوجها
عن سيطرتها على أرضها حتى في مقابل تعويض، ويواصل كلٌّ منهما الإنتاج في أرضه. وهذا مثال على أن المرأة
لا تحظى بحقوق ملْكية آمنة، وهو ما يقود إلى هدر كامل، ويجعل الأُسرة أفقر بالمعنى الحرفي للكلمة.
كما يؤدي ضعف حقوق ملْكية المرأة إلى مستوى استثمار متدن غير فعال في غانا؛ إذ يترك المزارعون أراضيهم
ترتاح سنوات عدة حتى تستعيد عناصرها الغذائية، وهذا شكل من الاستثمار يتوقف فيه المزارعون عن الإنتاج
مواسم متعددة للحصول على إنتاج أعلى بعد فترة الراحة. وتكمن المخاطرة هنا طبعًا في أن يرى شخص ما
الأرض المستريحة فيقرر استغلالها. وعندما تكون حقوق الملْكية مؤمّنة لا يمكن لذلك أن يحدث. لكن ملْكية
الأرض الزراعية في غانا أبعد ما تكون عن الأمان؛ إذ يملك المزارع في أفضل الأحوال حق الانتفاع فقط، بينما
تعود ملْكية الأرض إلى القرية والعائلة، لذلك حتى لو آلت قطعة من الأرض بالوراثة إلى شخص ما، فثمة
احتمال دائامً أن تعيد القرية تخصيصها لشخص آخر. وكلما كان الشخص أقوى في القرية أو العائلة، كان أقدر
على الصمود في وجه المطالبات بأرضه، وفي وسعه بالتالي اللجوء إلى إراحة الأرض من دون خوف من الاستيلاء
عليها. وقد بنيّ غولدشتاين ودراي (2005) بالفعل أن أي شخص في موقع سلطة في القرية أو العائلة يحظى
بفرصة أكبر لإراحة أرضه ولمدة أطول، وهو ما يحسّن إنتاجيتها. أمّا النساء، فمن غير المرجح أن يشغلن موقع
سلطة، وبالتالي لا يتاح لهن كثيرًا إراحة أراضيهن، لذلك تصبح إنتاجيتها أدنى. ومرة أخرى يكون تدينّ مكانة
المرأة سببًا مباشرًا في ضعف استثمارها [...]. ج-... وفي المجتمع: المرأة وصنع القرار لقد رأينا أن للمرأة والرجل أفضليات متباينة، وأن الأُسرة لا تتفاوض بشكل فعّال لاختيار إجراءات تزيد
منافعها، الأمر الذي يعني أن للمرأة والرجل أفضليات مختلفة في السياسات. أولا: تفضل المرأة سياسات تعربّ
بصورة أفضل عن أولوياتها. ولما كانت معنية على نحو خاص بصحة الأطفال وتغذيتهم، فإنها تفضّل سياسات
تساعدها في تحقيق هذه الأهداف. ثانيًا: يفترض أن تفضل المرأة سياسات تزيد قدرتها على المساومة ضمن
الأُسرة، أي سياسات تحسّن وضعها في حالات الطلاق، أو تزيد إنتاجية عملها، أو تحسّن فرصها لدخول سوق
العمل. وهكذا نرى بالفعل أن للمرأة والرجل أفضليات متباينة في السياسات. وقد جمع تشاتوبادياي ودوفلو
(2004) بيانات عن أنماط الشكاوى التي قدّمها الرجال والنساء إلى مجالس القرى المحلية في منطقتين في ولايتي
غرب البنغال وراجستان في الهند، وتبنيّ أن الشكاوى الرسمية تختلف في طبيعتها تبعًا لجنس مقدِّمها. فبالنسبة
إلى الأشغال العامة، تشتكي المرأة أكثر بشأن مياه الشرب والطرق، وأقل بشأن التعليم والري، بينما يشتكي
الرجل أكثر بشأن الطرق والري وأقل بشأن مياه الشرب. وفي راجستان، كانت مياه الشرب موضوع أكثر من
نصف الشكاوى التي قدمتها النساء، بينما اشتكى قليل منهن بشأن التعليم. كما كانت مياه الشرب شاغالً كبيرًا
للرجال في راجستان، ولكنها لم تكن بالأهمية ذاتها لدى النساء. وفي المقابل، كانت شكاوى الرجال متعلقة
بالطرق والتعليم أكثر كثيرًا من النساء. ويرتبط نوع الشكاوى ارتباطًا وثيقًا بمسؤوليات كلٍّ من الرجل والمرأة
ضمن الأُسرة وبفرص عملهما [...] ويعني ذلك أن إعطاء المرأة حق التصويت حيُْدث فارقًا. وقد بنيّ ميلر
(2008) بالفعل أن منح المرأة حق التصويت في الولايات المتحدة ترافق مع تراجع معدل الوفيات بين الأطفال.
لكن الرجال والنساء في معظم الدول الآن يتمتعون بحق التصويت، على الرغم من أنهم لا يُنتخبون. لذلك، فإن
الخطوة التالية لزيادة السلطة السياسية للمرأة هي التأثير المباشر في تمثيلها عبر سياسات المحاصصة. لفهم أثر وصول المرأة إلى موقع صنع السياسات، درس تشاتوبادياي ودوفلو (2004) سياسة تخصيص نسبة
من المقاعد للمرأة في الهند كما ذُكر آنفًا. فقد طالب تعديل دستوري الولايات بتفويض صلاحيات الإنفاق
على السلع العامة المحلية لمجالس القرى المحلية، ومنح المرأة ثلث مقاعد المجالس وثلث رئاستها. وكانت
النتيجة زيادة تمثيل المرأة ومشاركتها في الحياة السياسية. وتظهر مقارنة بين أنواع السلع العامة المقدَّمة في مجالس
قرى فيها مقاعد للنساء وأخرى ليس لهن فيها مقاعد أن جنس رئيس المجلس يؤثر في الاستثمارات؛ فالنساء
يستثمرن أكثر في البنى التحتية المرتبطة مباشرةً بأولويات المرأة التنموية. ففي ولاية غرب البنغال، وفي المناطق
التي قدمت النساء فيها شكاوى أكثر من الرجل بشأن المياه والطرق، استثمرت المجالس التي تضم نساء أكثر في
المياه وأقل في الطرق. [...] ووجدت الدراسة أيضًا أن النساء اللواتي شغلن مقاعد محجوزة لهن كن أقل خبرة،
وطموحاتهن وآفاقهن السياسية أقل، وفي منزلة اجتماعية اقتصادية أدنى. لكن ليس هناك أي دليل على أن هذه
الفوارق تؤدّي إلى نتائج محددة، إذ يبدو أن جنس القائد المحلي فقط هو ما يفسر اختلاف قرارات الاستثمار في
القرى المخصصة للنساء. وبكلمة أخرى، يبدو العالم الذي تقوده النساء مختلفًا بلا ريب؛ فالقادة من النساء
يمثّلن حاجات المرأة بصورة أفضل، ويصح ذلك حتى في البيئات التي لا تتمتع فيها النساء بسلطات تذكر
تقليديًا (أرياف راجستان)، ومعدل الأمية بين الإناث فيها مرتفع جدًا، وحيث يؤمن كثيرون بأن القادة من
النساء ينفذن فقط رغبات أزاوجهن، بينما تعمل تلك النسوة في الحقيقة على تغيير الوقائع على الأرض. -3 تمكين المرأة: ما هي أدوات السياسات اللازمة؟ [...] تبنيّ دراسة تشاتوبادياي ودوفلو (2004) في الهند أن من الممكن فعال تحويل السلطة في المجتمع عن
طريق تغيير الأنظمة الانتخابية. إن وجود أفضليات متباينة بين المرأة والرجل لا يكفي بحد ذاته لضمان ترصّف
المرأة في موقع صنع السياسات بطريقة مختلفة عن الرجل، خاصة إذا ما اختيرت وفق سياسة الحصص. والحقيقة
أن هذا الأمر صحيح حتى في أفضل الأنظمة الديمقراطية، لأن الرجال والنساء على السواء سيحاولون العمل
وفق ما يتوقع منهم ناخبوهم لكي يضمنوا انتخابهم مرة أخرى. علاوة على ذلك، حتى لو رأينا أن القادة من
النساء يقمن بعمل جيد في تفهم حاجات النساء، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن السياسات المعدّة لضمان تمثيل
أوسع للمرأة ستكون طريقةً فعالةً لتحقيق هذا التمثيل. فمثالً، إذا كانت النساء ضعيفات سياسيًا، فسيجدن
صعوبة في التأثير في القرارات الفعلية. ففي الهند، كانت سياسة تخصيص المقاعد للنساء (ولا تزال إلى حد بعيد)
تواجَه بقدر كبير من التشكيك: فالنساء لن يصبحن من القادة الأقوياء، بل سيقعن تحت سيطرة الأزواج، أو
أسوأ من ذلك، ستغتنم النخب المحلية هذه السياسة لإعادة تأكيد سلطتها ضد البانشايات (المجالس المحلية).
ومع ذلك، حققت سياسة الحصص تغييرًا حقيقيًا في النتائج الفعلية. علاوة على ذلك، يبدو هذا الفارق مستدامًا، بمجرد حصوله، من خلال التأثير في المواقف. وقد استفادت
دراسة بيمان وآخرين المذكورة آنفًا من سياسة الحصص في الهند، وهي السياسة التي تنص على اختيار ثلث القرى
بصورة عشوائية في كل انتخابات لتُنتخب فيها امرأة على رأس المجلس المحلي. وقارنت الدراسة نتائج «اختبار
التداعي غير المباشر» الذي يربط بين النساء والسياسة والأجوبة على الخطب. ووجدت أنه في رد الرجال على
الخطب أزيل جميع أشكال التحيّز ضد المرأة (بل صارت في الحقيقة تتحيّز لمصلحة المرأة)، كما تراجع التحيّز
ضد الدور القيادي للمرأة. ومع أن الأجوبة على السؤال الصريح لم تتأثر، وهذا أمر لافت، فقد صوّت عدد
أكبر للنساء بعد إزالة حالة تخصيص المقاعد. ودرس بيمان وآخرون (2011) شكالً آخر من المواقف: تطلّعات
الأهل تجاه أبنائهم، وطموحات اليافعين تجاه أنفسهم. لقد نوّهنا من قبل إلى الفجوة بين الصبيان والبنات، وقلنا
إنها تراجعت بانحراف معياري قدره 0.15 في القرى التي خصصت بعض المناصب للنساء لمدة عشر سنوات.
علاوة على ذلك، حتى في ظل عدم وجود استثمارات إضافية في البنية التحتية للتعليم، تحققت زيادة في التحصيل
العلمي للبنات المراهقات وضاقت الفجوة بينهن وبين الصبيان. إذًا، إن منح المرأة سلطة أكبر من التي تكتسبها
بشكل طبيعي وأكبر من قدراتها على التأثير المباشر في النتائج، له تأثير حقيقي في مستقبل المساواة بين الجنسين. إلى أي درجة يمكن لسياسات موجَّهة من الأعلى أن تؤثر في قواعد التفاوض ضمن الأُسرة؟ إن البيئة القانونية هي
أحد السبل لتحقيق ذلك. كما أن خيارات المرأة خارج الزواج مهمةٌ أيضًا للمساومة داخل مؤسسة الزواج. فإذا
لم يكن للنساء خيارات خارج الزواج، وهي وزوجها يعلمان أن الطلاق غير ممكن أو أنه في حال الطلاق ستكون
المرأة من دون وسائل دعم، يمكن للزوج أن يفرض قراراته على الأُسرة – ويمكنه تهديد زوجته أنها ستتُرك في
وضع أسوأ ما لم تخضع. ويدلل ذلك على أن البيئة المؤسسية، كشكل قوانين الطلاق الموجودة، وسهولة الزواج من
جديد أو إيجاد سبل أخرى لإعالة المرأة نفسها بنفسها في حال الطلاق، تؤثر في صنع القرار داخل الأُسرة، حتى
لو لم ينتهِالأمر إلى الطلاق. ففي إندونيسيا، يحتفظ كل شريك بملْكية الموارد التي جلبها معه إلى مؤسسة الزواج.
ويبين توماس وكونتريراس وفرانكنبرغ (2002) أن الموارد التي يجلبها كل شريك، حتى في حال التحكم في موارد
الأُسرة في الوقت الراهن، تظل تؤثر في عملية صنع القرار في الأسرة. وعلى وجه التحديد، تكون صحة الأطفال
أفضل كلما جلبت الأم معها موارد أكثر إلى الزواج. وقد وجد فيلد (2007) في الأحياء المهمَّشة في البيرو أنه عندما
مُنح أشخاص صكوك ملْكية لأراض كانوا قد وضعوا يدهم عليها، تراجع معدل الخصوبة، لكن فقط في المناطق
التي طُبّق فيها الأمر القاضي بوضع اسم الرجل والمرأة على صك الملْكية فعليًا. وفي العديد من الدول النامية حماية ضعيفة جدًا في حال الطلاق بالنسبة إلى النساء اللواتي يخسرن موجودات
ويفقدن حضانة أطفالهن. وحتى في حال وجدت قوانين طلاق أفضل، تصبح المرأة مستهجنة في المجتمع،
ويصعب عليها الزواج مرة أخرى. هذا يعني أنه يمكن للسياسات الساعية الى زيادة رفاهية النساء في حال الطلاق أو زيادة وصول النساء إلى
سوق العمل أن تؤثر في النتائج ضمن الأسرة، خاصة بالنسبة إلى العناية بالطفل. لكن هل هناك مؤثرات شبيهة
لبرامج التحويل المؤقتة التي لا تغريّ جوهريًا طبيعة الوضع النسبي للرجال والنساء؟ على سبيل المثال، هل تؤدي
التحويلات المالية المشروطة إلى نتائج إيجابية أكثر بحال توافرت للأم لا للأب مدة بضع سنوات؟ الجواب ليس
واضحًا بداهة. فمن المتوقع أن تدرك الأسرة أن هذه التحويلات مؤقتة، وفي هذه الحال، لن يكون للتحويل
أثر فعلي في قوة المتلقّي التفاوضية في صنع القرار، وستدرك المرأة أنها ستعاقَب في حال حاولت انتزاع الكثير ما
دامت سلطتها مستمرة. بكلام آخر، على أعضاء الأُسرة، بدل السعي إلى انتزاع أكثر ما يمكن في مرحلة ما من
الزمن، أن يعملوا على ضمان بعضهما البعض، ولا يكون للتحويلات المؤقتة أهمية. لكننا عمليًا نلاحظ أنه ليس في وسع أفراد الأُسرة على ما يبدو تقديم ضمان فعال بعضهم لبعض؛ إذ إنهم
يواجهون المعوقات نفسها التي يواجهها الضمان غير الرسمي بين الأُسر (الخطر الأخلاقي، المعلومات المخفية،
الالتزام المحدود... إلخ). ففي كوت ديفوار، تزرع النساء محاصيل تختلف عامّ يزرعه الرجال، وبالتالي يتأثر
الطرفان بالمعدل نفسه من الأمطار بطريقة مختلفة، فيأتي بعض مواسم الأمطار جيدًا للرجال، وبعضها الآخر
جيدًا للنساء. ويتوقع المرء أالّ يتأثر الاستهلاك في الأُسرة بالتقلبات المؤقتة التي يسبّبها اختلاف معدلات
الأمطار في حصة الدخل التي يساهم بها كل شريك. لكن دوفلو ودراي (2004) وجدا أن الأُسرة في السنوات
التي تكون فيها غلة محصول المرأة أكبر، تنفق جزءًا أكبر من موازنتها على الطعام وتأمين المستلزمات الخاصة
بالنساء كذلك، أمّا في السنوات التي تكون فيها غلة محصول الرجل أكبر، تنفق الأُسرة جزءًا أكبر من موازنتها
على الكحول والتبغ والمستلزمات الخاصة بالرجال [...] بالفعل، حتُ دث برامج الإعانات النقدية المشروطة الموجهة للمرأة أكثر من للرجل فارقًا واضحًا حتى حينما تكون
مؤقتة وصغيرة. وقد ظهر ذلك جليًا أول مرة في دراسة مميّزة قدمها لوندبرغ وبولاك وواليس (1997) واستفادت
من تغيير طريقة صرف تعويض الأطفال في المملكة المتحدة من الإعفاء الضريبي إلى الدفع المباشر إلى الأم. فقد
ترافق هذا التحول «من المحفظة إلى الجزدان» مع زيادة في استهلاك المرأة والأطفال من الملابس في الأسر التي لديها
أطفال. ومن المدهش أنه على الرغم من أن معظم برامج الإعانات النقدية المشروطة الأخيرة موجّهة للنساء فقط،
فإنه ليس هناك أدلة تُذكر على أن ذلك يشكل عامالً مهامً في فعاليتها: فلامّ كان معظم هذه البرامج موجهًا إلى النساء
فقط، فمن المتعذر أساسًا تمييز أثر جنس المتلقي من أثر زيادة الدخل أو شروطه. والاستثناء في هذا المجال دراسة
حديثة لبنحسين وآخرين (2011) التي تستغل التوزيع العشوائي للمتلقّي بين الجنسين لتحويل مالي مشروط في
المغرب. ووجدوا أنه بالرغم من المبلغ الصغير جدًا للتحويل (ما يقارب 3 إلى 4 في المئة من الاستهلاك الإجمالي
للمتلقّي)، أفادت الأُسر بأنها قامت بصرفه بطريقة مختلفة عندما كانت المرأة هي الطرف المتلقّي، وكان لذلك تأثير
أكبر نوعًا ما في تعليم صغار الأطفال والبنات عندما حصلت عليه النساء. لكن من غير المحتمل أن يكون البرنامج
قد أثر مباشرة في قوتهن التفاوضية، ولا تحمل الدراسة أي دلالات بأن أبعادًا أخرى من تمكين المرأة قد تأثرت. وفي
المقابل، زاد احتمال أخذهن للمسؤولية في صرف المال، وكنّ أكثر ميالً إلى إنفاقه على التعليم. يمكن استخلاص درسين مهمين من هذه النتائج. الدرس الأول: تترك السياسات الموجّهة إلى النساء نتائج
مباشرة، حتى لو لم تنتج منها تغييرات جذرية في منزلة المرأة أو في طريقة نظر المجتمع إليها. وحتى التغييرات
الطفيفة التي تمنحها السيطرة على مصدر صغير من الموارد تؤثر على الأقل في طريقة صرف هذه الأموال. كما أن
تزايد سيطرة المرأة على الموارد، ولو لفترة قصيرة، يحسّن موقفها في الأُسرة، وبالتالي لا يزيد رفاهيتها فحسب، بل
ويحسن تغذية الطفل وصحته أيضًا، كما أظهرت الدراسات مرارًا. والدرس الثاني هو أن الأُسر غير القادرة على
توفير الحاجات الضرورية لكل فرد فيها لا تستطيع تأدية وظيفتها بشكل جيد، وهذا يعني أنه لا يمكن التعويل
على الأُسرة لتصحيح اختلالات المجتمع المتعلقة بحقوق ملْكية المرأة مثالً. -4 تمكين المرأة: هل هو وجبة مجانية لسياسة التنمية؟ إن للنساء والرجال أفضليات متباينة، ولذلك فهم يستخدمون حقوقهم في الإعانة المالية الدائمة للتعبير عن
أفضلياتهم. لكن اختلاف أفضليات المرأة لا يعني أن هذه الأفضليات خريّة على الدوام، وأنها تفضّل دومًا
«الأشياء الجيدة» الملائمة للتنمية. فمنح الأموال للنساء في حالة جنوب أفريقيا ساعد البنات لا الصبيان. وقد
استعان إدموندز (2006) بالإصلاح ذاته في جنوب أفريقيا لدراسة أثر برنامج التقاعد في التعليم، فقارن معدل
التحاق المراهقين (17-13 سنة) بالمدرسة في أُسر تضم فردًا مسنًا مؤهالً للحصول على المعاش التقاعدي، وفي
أُسر تضم فردًا مسنًا غير مؤهل لذلك. ووجد إدموندز أن احتمال تسجيل الأطفال في المدرسة عندما يكون
صاحب المعاش ذكرًا أعلى ممّا لو كان أنثى، مقارنةً بالأُسر التي لا تضم مستحقًا للمعاش. هنا أيضًا نجد دليالً
على أن هوية صاحب الدخل أمر مهم. لكن في حالتنا هذه، يتخذ الرجل القرار الملائم للرفاهية والتنمية عندما
يتقاضى معاشًا تقاعديًا. وفي حال امتلاك المرأة للسلطة، تقوم في الدورة الأولى بتوزيع السلع العامة بطريقة إيجابية لا لبس فيها: وبينما
تستثمر النساء أكثر في مياه الشرب، فإنها تستثمر أقل في المدارس في ولاية غرب البنغال وأقل أيضًا في الطرق
في راجستان، وهذا ليس مفاجئًا لأنها تعمل ضمن موازنة محدودة، وأي موارد تستخدمها في مجال معنيّ لا
بد أن تكون على حساب مجال آخر (لكن في الدورة الثانية في ولاية غرب البنغال، تقوم النساء القائدات
بأمور أكثر كثيرًا في جميع المجالات، على الرغم من استمرار مجال المياه في الطليعة بلا منازع). وبينما كان
هذا الإصلاح ملائامً بكل وضوح للنساء (اللواتي باتت خياراتهن تؤخذ بعين الاعتبار الآن)، فإنه من غير
الواضح تمامًا إن كان قد ساهم في تحسين الرفاهية العامة أم لا. ولتحديد الإجابة عن هذا السؤال، على المرء
1 على الرغم من أن بعض الدراسات حاولت القيام بذلك من طريق استخدام نموذج وظيفي لأثر الدخل في أنماط الاستهلاك.
أن يقرر: هل كانت المياه أكثر أهمية من المدارس أو الطرق؟ وليس هناك طريقة واضحة للقيام بهذا الحساب:
فقد فحصنا مياه جميع الآبار في ولاية غرب البنغال ووجدنا أن معظمها نظيف تمامًا. وبالتالي، فإن الاستثمار
الإضافي في البنية التحتية لمياه الشرب مسألة تهم النساء بصورة أساسية. وقد جمع بيمان وآخرون (2009)
بيانات تفصيلية عن النتائج الصحية للأُسر في تلك القرى. ولم يعثروا على أثر لقيادة المرأة في صحة الطفل،
لكنها تقلل الزمن الذي تمضيه البنات اليافعات في جمع المياه. [...]. لكن هذا يذكّرنا بأنه ما من حل سحري،
وأنه لا مناص من إجراء المفاضلات. لقد شهدنا في هذه الدراسة عدة أمثلة تؤكد أن منح المرأة سلطات أوسع من شأنه تحسين الكفاءة: وجدنا ذلك
في دراسة أودري في بوركينا فاسو، حيث أدّى ضعف الاستثمار في حقول النساء إلى إضعاف الأُسر؛ وفي دراسة
غولدشتاين وأودري في غانا حيث لا تقدم المرأة على الاستثمار بسبب ضعف حقوق الملْكية. أمّا في دراسة
غرب البنغال، وعلى الرغم من أن المكاسب الثابتة ربما تعتمد على الوظيفة الموضوعية لصانع السياسة، فيبدو
أن هناك مكاسب ديناميكية أكثر وضوحًا، من خلال التغريّ في المواقف تجاه النساء كصنّاع سياسات (ما يسمح
للمقترعين بأن يختاروا من مجموعة كبيرة من المرشحين) والبنات اليافعات (وهو ما أحدث تغييرًا في رغبة
الأُسرة في الاستثمار فيهن من دون تخفيض الاستثمار في الصبيان). لكن صنّاع السياسات سرعان ما يخلصون
إلى أن تخصيص الموارد للمرأة بدالً من الرجل يؤدي دومًا إلى تحسين الكفاءة. ويعَدّ مثال التمويل للمنشآت
الصغيرة حكاية تحذيرية مفيدة. من الحجج القوية لمؤسسات القروض الصغيرة (التي تقدم قروضًا إلى النساء أكثر كثيرًا من الرجال) أنه لما كانت
النساء غالبًا محرومات أكثر من الرجال من مصادر الإقراض الرسمية وغير الرسمية، فإن عائد الاستثمار في
مشاريعهن يجب أن يكون أكبر من عائد الاستثمار في النساء. والمشكلة هنا أنه إذا واجهت المرأة أشكاالً أخرى من
عدم المساواة في الوصول إلى السوق مع الرجل (بدءًا من حقوق الملْكية غير المضمونة، إلى القيود على الحركة أو
الوقت بسبب التزامها بتربية الأطفال)، فإن الوصول إلى المواد الأولية أو السيولة النقدية وحده قد يكون فعليًا أكثر
إنتاجية بالنسبة إلى النساء منه بالنسبة إلى الرجال. ولم يعثر كارلان وزينمان (2011) على أي دليل على أن القروض
الصغيرة المقدّمة للنساء أكثر تأثيرًا من تلك الممنوحة للرجال. والمقلق أكثر هو النتائج التي توصل إليها دوميل
وماكينزي ووودروف (2009) وهي تختبر مباشرةً الافتراض القائل بأن عائد الاستثمار في مشاريع تملكها نساء
أكبر من عائد الاستثمار في مشاريع يملكها رجال؛ فقد تم تقديم منح نقدية وعينية لمجموعة عشوائية من المشاريع
في سيري لانكا، وقورن أداؤها بأداء مجموعة مقارنة. ووجد الدارسون أثرًا كبيرًا جدًا للمنح المقدمة إلى الرجال
(عائد على رأس المال بحدود 5 في المئة شهريًا)، فيما كان أثر المنح في الأرباح معدومًا تقريبًا في مشاريع النساء. وكرر
فافتشامبس وآخرون (2011) التجربة نفسها في غانا، وحصلوا على نتائج مشابهة: كان للمنح العينية بعض الأثر
في أرباح مشاريع تملكها نساء، ولكن فقط تلك التي كان ربحها مضمونا تمامًا منذ البداية. ثمة تفسيرات عدة ممكنة لهذه النتائج: أولها أن المرأة تعمل في قطاعات مختلفة، قد تكون أكثر تنافسية، وأمامها
نطاق أضيق للتوسع وزيادة الأرباح. والمرأة ثانيًا أقل التزامًا بمشروعها (أو أن زوجها أقل التزامًا بتركها تنفّذه...)
إذا كان ينظر إليه أساسًا على أنه طريقة لزيادة دخل الأُسرة زيادة طفيفة بينما يبقي المرأة منشغلة به. وأخيرًا، ربما
لا تعرف المرأة الكثير عن كيفية إدارة المشاريع. وقد دفع الافتراض الأخير إلى بذل جهد في شتى أنحاء العالم
لردف خدمات التمويل الصغير بالتدريب على إدارة المنشآت. ويذكر على نحو خاص في هذا المجال منظمة
«التحرر من الجوع» Freedom from Hunger(). لكن النظرية تفترض أن معالجة عائق واحد (التمويل)
غير كافٍ، فالفجوة في التعليم تحتاج إلى معالجة أيضًا. وتبنيّ عمليات التقويم العشوائي للأثر أن أثر خدمات
التدريب في الأعمال محدود جدًا (كارلان وفالديفيا 2011، دريكسلر وفيشر وشوار 2010). وقد سلط فيلد
وجاياتشاندران وباند (2010) مزيدًا من الضوء على السبب الكامن وراء ذلك، وخاصة الطريقة التي تتفاعل
فيها فرص ريادة الأعمال (التي قد تكون من حيث المبدأ تدريبًا أو تمويالً) مع القيم والأعراف الاجتماعية القائمة
والمتحركة ببطء. وقام الدارسون، بالتعاون مع منظمة SEWA للتمويل الصغير ودعم المرأة العاملة في الأعمال
الحرة، بإجراء تقويم عشوائي لبرنامج قياسي نسبيًا للتدريب على الأعمال في أحمد أباد في غواجارات، ووجدوا
أن للتدريب أثرًا إيجابيًا في دخل مشاريع نساء الطبقة العليا لا نساء الطبقة الدنيا (الفئة الأقل تقييدًا في العيّنة
المدروسة) أو النساء المسلمات (الفئة الأكثر تقييدًا). وفسر الدارسون هذه الفوارق باعتبارها ناتجة من تأثير
متشعب للأعراف الاجتماعية في قدرة المرأة على اكتساب المعرفة وتطبيقها في المنشأة الاقتصادية؛ فقد تحتاج نساء
الطبقة العليا إلى تعلم أشياء أكثر كثيرًا من نساء الطبقة الدنيا لأن ليس لدى أغلبهن مشاركة فعالة في السوق قبل
التدريب. أمّا المرأة المسلمة التي تعاني قيودًا أشد على حركتها، فلم تستطع تطبيق ما تعلمته عمليًا. وتقدم هذه
الدراسة مثاالً لافتًا للمفاضلات التي تواجهها السياسة: تواجه المرأة معوقات كثيرة، وهو ما يجعل التخلص من
أحدها غير مفيد ربما في تحسين النتائج. ولعل بعض السياسات الموجَّهة إلى النساء على نحو خاص (كالتدريب
أو توفير الموارد المالية) تصبح بلا فعالية أو غير مجدية التكلفة في مثل هذه الحالات.
خلاصة
ثمة ترابط وثيق بين التنمية الاقتصادية وتمكين المرأة؛ فالتنمية بحد ذاتها تحقق التمكين للمرأة، بينما يؤدي تمكين
المرأة إلى تغييرات في عملية صنع القرار من شأنها أن تؤثر في التنمية تأثيرًا مباشرًا. لكن، خلافًا لما يدّعيه بعض
أكثر صنّاع السياسات تفاؤالً، ليس من المؤكد أن تتسب دفعة واحدة في مجال حقوق المرأة في إطلاق النمو في
حلقة تأثير إيجابي متبادل، يعزز فيها تمكين المرأة والتنمية أحدهما للآخر، وتصبح المرأة في نهاية المطاف شريكًا
ندًّا في مجتمعات أكثر غنى. إن التنمية الاقتصادية وحدها غير كافية لضمان إحراز تقدم كبير في جوانب مهمة من عملية تمكين المرأة،
وخاصة إحراز تقدم كبير في قدرات صنع القرار لديها في مواجهة التصورات النمطية السائدة عن قدرات المرأة.
وفي المقابل، يؤدّي تمكين المرأة إلى تحسين بعض جوانب رفاهية الطفل (ولاسيما الصحة والتغذية) لكن على
حساب بعض الجوانب الأخرى (التعليم). إن ما تقدم يشير إلى أن أيًا من الجانبين – التنمية الاقتصادية وتمكين المرأة - لا يمكن له أن يكون الحل السحري
كما يصوّر البعض أحيانًا. ولتحقيق المساواة بين الجنسين، وهو في رأيي هدف منشود جدًا بحد ذاته، لا بد من
مواصلة تبنّي سياسات تفضّل المرأة على حساب الرجل، وقد يكون ذلك ضروريًا لفترة طويلة من الزمن.
ولكن على الرغم من أن ذلك قد يترافق مع بعض الفوائد الجانبية، فإن هذه الفوائد قد لا تكون كافية لتعويض
تكلفة التشوهات التي تسببها عملية إعادة التوزيع هذه. ويحتاج هذا القدر من الواقعية إلى تليين مواقف صنّاع
السياسات على طرفي الجدل القائم بشأن التنمية والتمكين.
المراجع:
Abrevaya, Jason. 2009. “Are There Missing Girls in the United States? Evidence from Birth Data.” American Economic Journal: Applied Economics 1 (2): 1–34. Ali, Rabia, Jishnu Das, Damien de Walque, Kenneth L. Leonard, Mattias Lundberg, and David Peters. 2011. “Patterns of Health Care Interactions in Seven Low and Middle-Income Countries.” Background Almond, Douglas, and Lena Edlund. 2008. “Son-Biased Sex Ratios in the 2000 United States Census.” Proceedings of the National Academy of Sciences 105 (15): 5681–82. Almond, Douglas, Lena Edlund, and Kevin Milligan. 2009. “O Sister, Where Art Thou? The Role of Son Preference and Sex Choice: Evidence from Immigrants to Canada.” National Bureau of Economic Research Working Paper 15391. Anderson, Siwan, and Jean-Marie Baland. 2002. “The Economics of Roscas and Intrahousehold Resource Allocation.” Quarterly Journal of Economics 117 (3): 963–95. Angrist, Josh. 2002. “How Do Sex Ratios Affect Marriage and Labor Markets? Evidence from America’s Second Generation.” Quarterly Journal of Economics 117 (3): 997–1038. Ashraf, Nava. 2009. “Spousal Control and Intra-household Decision Making: An Experimental Study in the Philippines.” American Economic Review 99 (4): 1245–77. Ashraf, Nava, Erica Field, and Jean Lee. 2010. “Household Bargaining and Excess Fertility: An Experimental Study in Zambia.” Unpublished. Attanasio, Orazio, and Katja Kaufmann. 2009. “Educational Choices, Subjective Expectations, and Credit Constraints.” National Bureau of Economic Research Working Paper 15087. Babcock, Linda, and Sara Laschever. 2003. Women Don’t Ask: Negotiation and the Gender Divide. Princeton and Oxford: Princeton University Press. Banerjee, Abhijit Vinayak, Esther Duflo, Rachel Glennerster, and Dhruva Kothari. 2010. “Improving Immunisation Coverage in Rural India: Clustered Randomised Controlled Evaluation of Immunisation Campaigns With and Without Incentives.” British Medical Journal 340: C2220. Basu, Karna. 2011. “Hyperbolic Discounting and the Sustainability of Rotational Savings Arrangements.” American Economic Journal: Microeconomics 3 (4): 143–71. Beaman, Lori, Raghabendra Chattopadhyay, Esther Duflo, Rohini Pande, and Petia Topalova. 2009. “Powerful Women: Does Exposure Reduce Bias?” Quarterly Journal of Economics
Beaman, Lori, Raghabendra Chattopadhyay, Esther Duflo, Rohini Pande, and Petia Topalova. 2011. “Female Leadership Raises Aspirations and Educational Attainment for Girls: A Policy Experiment in India.” Unpublished. Becker, Stan. 1999. “Measuring Unmet Need: Wives, Husbands or Couples.” International Family Planning Perspectives 24 (4): 172–80. Belluck, Pam. 2011. “If You Really, Really Wanted a Girl... ” New York Times , August 20. Benhassine, N., Florencia Devoto, Esther Duflo, and Pascaline Dupas. 2011. “Income, Price, Bargaining Power? Experimental Evidence from Morocco on How Conditional Cash Transfers Impact Educational Investments.” Unpublished. Berniell, Maria Inés, and Carolina Sanchez-Paramo. 2011. “Overview of Time Use Data Used for the Analysis of Gender Differences in Time Use Patterns.” Background Paper for the World Development Report 2012.
Besley, Timothy, Stephen Coate, and Glenn Loury. 1994. “Rotating Savings and Credit Associations, Credit Markets and Efficiency.” Review of Economic Studies 61 (4): 701–19. Breierova, Lucia, and Esther Duflo. 2004. “The Impact of Education on Fertility and Child Mortality: Do Fathers Really Matter Less than Mothers?” National Bureau of Economic Research Working Paper 10513. Chattopadhyay, Raghabendra, and Esther Duflo. 2004. “Women as Policy Makers: Evidence from a Randomized Policy Experiment in India.” Econometrica 72 (5): 1409–43. Chiappori, Pierre-Andre, Bernard Fortin, and Guy Lacroix. 2002. “Marriage Market, Divorce Legislation and Household Labor Supply.” Journal of Political Economy 110 (1): 37–72. Chou, Shin-Yi, Jin-Tan Liu, Michael Grossman, and Ted Joyce. 2010. “Parental Education and Child Health: Evidence from a Natural Experiment in Taiwan.” American Economic Journal: Applied Economics 2 (1): 33–61. Deaton, Angus. 1989. “Looking for Boy–Girl Discrimination in Household Expenditure Data.” World Bank Economic Review 3 (1): 1–15. Deaton, Angus. 1997. The Analysis of Household Surveys: A Microeconometric Approach to Development Policy. Baltimore and London: Johns Hopkins University Press. De Mel, Suresh, David McKenzie, and Christopher Woodruff. 2009. “Are Women More Credit Constrained? Experimental Evidence on Gender and Microenterprise Returns.” American Economic Journal: Applied Economics 1 (3): 1–32. Desai, Sonalde. 1994. Gender Inequalities and Demographic Behavior: India. New York: Population Council. Devoto, Florencia, Esther Duflo, Pascaline Dupas, William Pariente, and Vincent Pons. 2011. “Happiness on Tap: Piped Water Adoption in Urban Morocco.” National Bureau of Economic Research Working Paper 16933. Dhaliwal, Iqbal, Esther Duflo, Rachel Glennerster, and Caitlin Tulloch. 2011. “Comparative Cost- Effectiveness Analysis to Inform Policy in Developing Countries: A General Framework with Applications for Education.” Unpublished. Dinkelman, Taryn. 2010. “The Effects of Rural Electrification on Employment: New Evidence from South Africa.” Princeton University Woodrow Wilson School of Public and International Affairs Research Program in Development Studies Working Paper 272. Doepke, Matthias, and Michele Tertilt. 2009. “Women’s Liberation: What’s in It for Men?” Quarterly Journal of Economics 124 (4): 1541–91. Drevenstedt, Greg L., Eileen M. Crimmins, Sarinnapha Vasunilashorn, and Caleb E. Finch. 2008. “The Rise and Fall of Excess Male Infant Mortality.” Proceedings of the National Academy of Sciences 105 (13): 5016–21. Drexler, Alejandro, Greg Fischer, and Antoinette S. Schoar. 2010. “Keeping it Simple: Financial Literacy and Rules of Thumb.” Center for Economic and Policy Research Discussion Paper 7994. Duflo, Esther. 2003. “Grandmothers and Granddaughters: Old-Age Pensions and Intrahousehold Allocation in South Africa.” World Bank Economic Review 17 (1): 1–25. Duflo, Esther, Pascaline Dupas, and Michael Kremer. 2011. “Education, HIV and Early Fertility: Experimental Evidence from Kenya.” Unpublished. Duflo, Esther, and Petia Topalova. 2004. “Unappreciated Service: Performance, Perceptions, and Women Leaders in India.” Unpublished.
Duflo, Esther, and Christopher Udry. 2004. “Intrahousehold Resource Allocation in C ô te d’Ivoire: Social Norms, Separate Accounts and Consumption Choices.” National Bureau of Economic Research Working Paper 10498. Edlund, Lena, and Chulhee Lee. 2009. “Son Preference, Sex Selection and Economic Development: Theory and Evidence from South Korea.” Columbia University Department of Economics Discussion Paper 0910-04. Edmonds, Eric V. 2006. “Child Labor and Schooling Responses to Anticipated Income in South Africa.” Journal of Development Economics 81 (2): 386–414. Fafchamps, Marcel, David McKenzie, Simon R. Quinn, and Christopher Woodruff. 2011. “When Is Capital Enough to Get Female Microenterprises Growing? Evidence from a Randomized Experiment in Ghana.” National Bureau of Economic Research Working Paper 17207. Fernandez, Raquel. 2009. “Women’s Rights and Development.” National Bureau of Economic Research Working Paper 15355. Field, Erica. 2007. “Entitled to Work: Urban Property Rights and Labor Supply in Peru.” Quarterly Journal of Economics 122 (4): 1561–1602. Field, Erica, and Attila Ambrus. 2008. “Early Marriage, Age of Menarche, and Female Schooling Attainment in Bangladesh.” Journal of Political Economy 116 (5): 881–930. Field, Erica, Seema Jayachandran, and Rohini Pande. 2010. “Do Traditional Institutions Constrain Female Entrepreneurship? A Field Experiment on Business Training in India.” American Economic Review 100 (2): 125–29. Gneezy, Uri, Muriel Niederle, and Aldo Rustichini. 2003. “Performance in Competitive Environments: Gender Differences.” Quarterly Journal of Economics 118 (3): 1049–74. Goldin, Claudia. 2006. “The Quiet Revolution That Transformed Women’s Employment, Education, and Family.” American Economic Review 96 (2): 1–21. Goldin, Claudia, and Lawrence F. Katz. 2002. “The Power of the Pill: Oral Contraceptives and Women’s Career and Marriage Decisions.” Journal of Political Economy 110 (4): 730–70. Goldstein, Markus, and Christopher Udry. 2005. “The Profits of Power: Land Rights and Agricultural Investment in Ghana.” Yale University Economic Growth Center Discussion Paper 929. Greenwald, Anthony G., Mahzarin R. Banaji, Laurie A. Rudman, Shelly D. Farnham, Brian A. Nosek, and Deborah S. Mellott. 2002. “A Unified Theory of Implicit Attitudes, Stereotypes, Self-Esteeem, and Self-Concept.” Psychological Review 109 (1): 3–25. Greenwood, Jeremy, Ananth Seshadri, and Mehmet Yorukoglu. 2005. “Engines of Liberation.” Review of Economic Studies 72 (1): 109–33. Gugerty, Mary Kay. 2007. “You Can’t Save Alone: Commitment in Rotating Savings and Credit Associations in Kenya.” Economic Development and Cultural Change 55 (2): 251–82. Htun, Mala, and Laurel Weldon. 2011. “Sex Equality in Family Law: Historical Legacies, Feminist Activism, and Religious Power in 70 Countries.” Background Paper for the World Development Report 2012. Indian Registrar General and Census Commissioner. 1990. Census of India 1991. 2010: Census of India 2011. New Delhi: Government of India Ministry of Home Affairs. International Institute for Population Sciences. 1995. National Family Health Survey (MCH and Family Planning): India: 1992–93. Bombay: International Institute for Population Sciences.
International Institute for Population Sciences, and Macro International. 2009. National Family Health Survey (NFHS-3): Nutrition in India: 2005–06. Mumbai: International Institute for Population Sciences. International Institute for Population Sciences, and ORC Macro. 2000. National Family Health Survey (NFHS-2): India: 1998–99. Mumbai: International Institute for Population Sciences. Inter-parliamentary Union. 2011. “Women in National Parliaments.” http://www.ipu.org/wmn-e/ arc/classif310711. htm. Jayachandran, Seema, and Adriana Lleras-Muney. 2009. “Life Expectancy and Human Capital Investments: Evidence from Maternal Mortality Declines.” Quarterly Journal of Economics 124 (1): 349–97. Jayachandran, Seema, Adriana Lleras-Muney, and Kimberly V. Smith. 2010. “Modern Medicine and the Twentieth Century Decline in Mortality: Evidence on the Impact of Sulfa Drugs.” American Economic Journal: Applied Economics 2 (2): 118–46. Jensen, Robert T. 2010a. “Economic Opportunities and Gender Differences in Human Capital: Experimental Evidence from India.” National Bureau of Economic Research Working Paper 16021. Jensen, Robert T. 2010b. “The (Perceived) Returns to Education and the Demand for Schooling.” Quarterly Journal of Economics 125 (2): 515–48. Jensen, Robert T. and Nolan Miller. 2010. “Keepin’ ‘em Down on the Farm: Old Age Security and Strategic Underinvestment in Children.” Unpublished. Karlan, Dean, and Martin Valdivia. 2011. “Teaching Entrepreneurship: Impact of Business Training on Microfinance Clients and Institutions.” Review of Economics and Statistics
Karlan, Dean, and Jonathan Zinman. 2011. “Microcredit in Theory and Practice: Using Randomized Credit Scoring for Impact Evaluation.” Science 332 (6035): 1278–84. Khanna, R., A. Kumar, J. F. Vaghela, and J. M. Puliyel. 2003. “Community Based Retrospective Study of Sex in Infant Mortality in India.” British Medical Journal 327: 126–29. Lin, Ming-Jen, Nancy Qian, and Jin-Tan Liu. 2008. “More Women Missing, Fewer Girls Dying: The Impact of Abortion on Sex Ratios at Birth and Excess Female Mortality in Taiwan.” National Bureau of Economic Research Working Paper 14541. Lundberg, Shelly J., Robert A. Pollak, and Terence J. Wales. 1997. “Do Husbands and Wives Pool Their Resources? Evidence from the United Kingdom Child Benefit.” Journal of Human Resources 32 (3): 463–80. Miguel, Edward. 2005. “Poverty and Witch Killing.” Review of Economic Studies 72 (4): 1153–
Miller, Grant. 2008. “Women’s Suffrage, Political Responsiveness, and Child Survival in American History.” Quarterly Journal of Economics 123 (3): 1287–1327. Miller, Grant. 2010. “Contraception as Development? New Evidence from Family Planning in Colombia.” Economic Journal 120 (545): 709–36. Munshi, Kaivan, and Mark Rosenzweig. 2006. “Traditional Institutions Meet the Modern World: Caste, Gender, and Schooling Choice in a Globalizing Economy.” American Economic Review 96 (4): 1225–52.
Nguyen, Trang V. 2008. “Education and Health Care in Developing Countries.” Unpublished. People’s Republic of China Population Census Office. 1990. Sample Data of the 1990 Population Census, 2010: China’s Main Demographic Indicators from the 6th Population Census. Beijing: People’s Republic of China Population Census Office. The PROBE Team. 1999. Public Report on Basic Education in India. Oxford and New York: Oxford University Press. Qian, Nancy. 2008. “Missing Women and the Price of Tea in China: The Effect of Sex-Specific Earnings on Sex Imbalance.” Quarterly Journal of Economics 123 (3): 1251–85. Robinson, Jonathan. 2011. “Limited Insurance within the Household: Evidence from a Field Experiment in Kenya.” Munich Personal RePEc Archive Paper 30842. Rose, Elaina. 1999. “Consumption Smoothing and Excess Female Mortality in Rural India.” Review of Economics and Statistics 81 (1): 41–49. Schaner, Simone G. 2011. “The Cost of Convenience? Transaction Costs, Bargaining Power, and Savings Account Use in Kenya.” Unpublished. Sen, Amartya. 1990. “More than 100 Million Women Are Missing.” New York Review of Books
Singer, Rena. 2000. “New South African Law Targets Old Fears of Occult.” Christian Science Monitor , December 6. Spencer, Steven J., Claude M. Steele, and Diane M. Quinn. 1999. “Stereotype Threat and Women’s Math Performance.” Journal of Experimental Social Psychology 35 (1): 4–28. Swim, Janet, Eugene Borgida, Geoffrey Maruyama, and David G. Myers. 1989. “Joan McKay versus John McKay: Do Gender Stereotypes Bias Evaluations?” Psychological Bulletin
Thomas, Duncan. 1990. “Intra-household Resource Allocation: An Inferential Approach.” Journal of Human Resources 25 (4): 635–64. Thomas, Duncan. 1993. “The Distribution of Income and Expenditure within the Household.” Annales d’Economie et de Statistique 29: 109–35. Thomas, Duncan, Dante Contreras, and Elizabeth Frankenberg. 2002. “Distribution of Power within the Household and Child Health.” Unpublished. Udry, Christopher. 1996. “Gender, Agricultural Production, and the Theory of the Household.” Journal of Political Economy 104 (5): 1010–46. United Nations. 2005. Progress towards the Millennium Development Goals, 1990–2005. Secretary-General’s Millennium Development Goals Report. New York and Geneva: United Nations Publications. World Bank. 2001. Engendering Development: Through Gender Equality in Rights, Resources, and Voice. New York and Oxford: Oxford University Press; Washington, D.C.: World Bank. World Bank. 2011. World Development Report 2012: Gender Equality and Development. Washington, D.C.: World Bank.