العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الحالة الطائفية في الثورة السوريّة: المسارات والأنماط

الحالة الطائفية في الثورة السوريّة: المسارات والأنماط

Sectarianism in the Syrian Revolution: Process and Patterns

نيروز ساتيك*

الملخّص

يحاول هذا البحث أن يتعرف على الظاهرة الطائفية في مجريات الثورة السورية، لا بوصف الطائفية ملازمة لهذه الثورة بل بوصفها عرضًا من أعراضها، وتُفهم في ضوء العوامل الاجتماعية- الاقتصادية- السياسية لا في ضوء العوامل الدينية في حد ذاتها، وإن استخدمت بعض القوى الطائفية العامل الديني لتعطي الصراع بُعدًا طائفيًا في صيغة "نحن وهم". بُنيت الدراسة على ثلاث فرضيات بحثية استُخلصت من التاريخ السوري، وهي: دور العوامل الاقتصادية في توليد الحالة الطائفية؛ العلاقة بين السياسات الخارجية الاستعمارية وتسيس الهويات الفرعية ودور النخب المحلية في إسقاطها؛ تجليات أزمة الهوية مع عدم ترسخ مفهوم الدولة الوطنية في المشرق العربي. استعرضت الدراسة معظم الحالات الطائفية التي حدثت خلال مسار الثورة السورية وتجلت بنمطين، هما الوعي الطائفي البدائي والعنف الطائفي (جرائم الكراهية والانتقام الجماعي والهجرة والخطف). تُعزى حالة الاحتقان الطائفي الذي دفع إلى العنف الطائفي في حمص خاصة، وبعض المناطق السورية، من جانب الثورة السورية، إلى الانقلاب على نمط الحياة التقليدية للمجتمعات المدينية مع الهجرة من الريف إلى المدينة، وانتشار العشوائيات على أطراف المدن باتّباع الحكومات السورية سياسات اقتصادية ليبرالية من دون أن يكون هناك نمط جديد ذو مضمون حضاري وثقافي يحفظ كرامة المواطنين وحقوقهم، وذلك في ظل غياب شروط العدالة الاجتماعية والتنمية السياسية والاقتصادية والثقافية، وهو ما أدى إلى تغير في النسقين الثقافي والاجتماعي في المجتمع السوري. إن التفاوت في مستوى المعيشة هو بين أهم العوامل التي تؤدي إلى استمرار قوة الجماعات الوسيطة والولاءات التقليدية من عرقية وطائفية وقبلية. ولذلك، فإن التعامل مع القضية الطائفية يقتضي بالضرورة معالجتها على أسس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والأمن الوطني السوري.

Abstract

This paper investigates the sectarian aspect of the Syrian revolution by perceiving sectarianism not as a constituent part of the revolution, but as one of its symptoms. It does so by examining the majority of sectarian manifestations during the Syrian revolution, whether primitive sectarian consciousness or sectarian violence (hate crimes, collective revenge, displacement, and kidnapping). The paper argues that sectarianism should be understood in light of existing socio-economic and political, not religious, circumstances, even if sectarian forces appeal to the religious factor in order to project a sectarian dimension on the struggle, painting it as a confrontation between “us and them”. This study is based on three research hypotheses emerging from a study of Syrian history: the role of economic factors in engendering a sectarian situation; the relationship between foreign colonial policies and the politicization of segmented identities and the role of local elites in confronting these policies; and the manifestations of the identity crisis in the Arab Mashreq amid the failure to establish the national state. Inequality in living standards is among the main factors that have led to the persistence of the power of mediating groups and traditional ethnic, sectarian, and tribal loyalties. Thus, understanding the sectarian question requires an in-depth look at questions of democracy, social justice, and Syrian national security.

الكلمات المفتاحية:
  • أحداث 1860
  • الوعي الطائفي
  • جرائم الكراهية
  • الانتقام الجماعي
  • الخطف
  • مدينة حمص
  • مدينة اللاذقية
Keywords:
  • 1860 events
  • Sectarianism
  • Syrian revolution
  • Primitive Sectarian
  • Awareness

يحاول هذا البحث أن يتعرف على الظاهرة الطائفية في مجريات الثورة السورية، لا بوصف

الطائفية ملازمة لهذه الثورة بل بوصفها عرضًا من أعراضها، وتُفهم في ضوء العوامل

الاجتماعية- الاقتصادية- السياسية لا في ضوء العوامل الدينية في حد ذاتها، وإن استخدمت

بعض القوى الطائفية العامل الديني لتعطي الصراع بُعدًا طائفيًا في صيغة «نحن وهم».

بُنيت الدراسة على ثلاث فرضيات بحثية استُخلصت من التاريخ السوري، وهي: دور العوامل

الاقتصادية في توليد الحالة الطائفية؛ العلاقة بين السياسات الخارجية الاستعمارية وتسيس

الهويات الفرعية ودور النخب المحلية في إسقاطها؛ تجليات أزمة الهوية مع عدم ترسخ مفهوم

الدولة الوطنية في المشرق العربي.

استعرضت الدراسة معظم الحالات الطائفية التي حدثت خلال مسار الثورة السورية وتجلت

بنمطين، هما الوعي الطائفي البدائي والعنف الطائفي (جرائم الكراهية والانتقام الجماعي

والهجرة والخطف).

تُعزى حالة الاحتقان الطائفي الذي دفع إلى العنف الطائفي في حمص خاصة، وبعض المناطق

السورية، من جانب الثورة السورية، إلى الانقلاب على نمط الحياة التقليدية للمجتمعات المدينية

مع الهجرة من الريف إلى المدينة، وانتشار العشوائيات على أطراف المدن باتّباع الحكومات السورية

سياسات اقتصادية ليبرالية من دون أن يكون هناك نمط جديد ذو مضمون حضاري وثقافي يحفظ

كرامة المواطنين وحقوقهم، وذلك في ظل غياب شروط العدالة الاجتماعية والتنمية السياسية

والاقتصادية والثقافية، وهو ما أدى إلى تغير في النسقين الثقافي والاجتماعي في المجتمع السوري.

إن التفاوت في مستوى المعيشة هو بين أهم العوامل التي تؤدي إلى استمرار قوة الجماعات الوسيطة

والولاءات التقليدية من عرقية وطائفية وقبلية. ولذلك، فإن التعامل مع القضية الطائفية يقتضي

بالضرورة معالجتها على أسس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والأمن الوطني السوري.

مقدّمة

تختلف الطائفة، بما هي تكوين اجتماعي ثقافي أنثروبولوجي تَشكَّل تاريخيًا في الاجتماع السياسي،

عن الطائفية بوصفها نوعًا من سياسات الهوية تنتج طوائف مسيّسة، وتطبيقها لغايات سياسية أو

اقتصادية أو سلطوية. وينطبق ذلك على المشرق العربي بشكل عام، أمّا في الحالة السوريّة، فقد ورثت دولة

الاستقلال نحو عقدين ونيف من سياسات الهوية الطائفية المنهجية والمنظَّمة التي اتّبعتها سلطات الانتداب

الفرنسي، وخُيِّل بعد زوال الانتداب أن المجتمع السوري تجاوز هذه المسألة إلى حد ما، إلى أن فرضت المسألة

الطائفية نفسها خلال الانتفاضة السوريّة بأشكال ووتائر مختلفة، مستترة أحيانًا وظاهرة وملموسة أحيانًا

أخرى، يمكن قياسها كمؤشرات. وتَثّل مضمون المسألة الطائفية في صوغها بأنّا شكل من التناقض بين النظام

السوري والانتفاضة على أسس مذهبية، وهذا شكل «فظ» من أشكال الوعي الزائف والمقلوب؛ إذ لا يمكن

وسم الثورة السوريّة بأنّا انتفاضة مذهبية، بل هي مشروع تحرري يناهض الاستبداد، ويطمح إلى تحقيق الحرية

والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ويعكس كل ما في التراث السوري من توجهات أو أيدولوجيات مدنية أو

عصبيات غير مدنية. كما لا يمكن وصف الصراع السياسي الدائر في سورية بأنّه صراع طائفي؛ ولكن تكمن

المشكلة في التمييز ضد قطاع من المجتمع على أساس أي انتماء مذهبي والتعامل معه على أنّه جماعة واحدة تسلك

سلوكًا واحدًا، أكان هذا القطاع من عامة الشعب أم من فئات معيّنة منه. لذلك، لا بد من فحص هذه القضية،

ورصد مسارها وأسبابها خلال الانتفاضة السوريّة. يحاول هذا البحث التعرّف على الظاهرة الطائفية في مجريات الثورة السوريّة (15 آذار/ مارس -2011 صيف

2012) لا بوصف الطائفية ملازمة لهذه الثورة، بل هي عرَض من أعراضها؛ تُفهم في ضوء العوامل الاجتماعية

والاقتصادية والسياسية، وليس الثقافية والدينية بحد ذاتهما، حتى لو استخدمت بعض القوى الطائفية هذين

العاملين لإعطاء الصراع بعدًا طائفيًا في صيغة «نحن وهم». ولهذا سيعمل البحث على تحليل الخلفية العميقة للظاهرة

الطائفية وفق مقاربات التاريخ؛ بهدف فهم علاقات التحول بين الطائفة والطائفية في سيرورة الثورة السوريّة.

أولا: الطائفية كهوية فرعية في التاريخ السوري

-1 الطائفية في العهد العثماني وأحداث سنة 1860 سخّرت الدولة المملوكية في بلاد الشام ما يشبه الإقطاع العصبوي كأداة من أدوات حكمها على المناطق التي

وجدت فيها تشكيلات اجتماعية قائمة على عصبيات قبلية أو إثنية أو مذهبية. وعندما دخل العثمانيون بلاد

الشام سنة 1516، بعد هزيمة المماليك في معركة مرج دابق، اعتمدت السلطنة العثمانية نظام الملل في تعاملها

مع المجموعات الدينية والمذهبية كافة، والمعترف بها من جانب تلك السلطنة، وهو النظام الذي تمارس من

خلاله الطائفة الدينية حق رعاية أفرادها في إطار الدولة. ومن ثم، جرى التعامل مع العرب المسيحيين

1 وجيه كوثراني، الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في جبل لبنان والمشرق العربي من المتصرفية العثمانية إلى دولة لبنان الكبير (بيروت:

منشورات بحسون الثقافية، 1986)، ص 13. نقل كوثراني في هذا الكتاب عن المؤرخين استخدام مصطلح الإقطاع الطائفي، كما

أورد - عن المؤرخ عبد العزيز محمد عوض نقلً - تسمية عصبيات عنصرية لكل من الأكراد والتركمان والعرب، بينما سمّى الإسماعيلية

والعلوية والدروز والموارنة بالعصبيات المذهبية.

2 المصدر نفسه، ص -36 37.

على أنّم ملّة، وهم الذين يتعهدهم السلطان بالحماية، والمحافظة على حياتهم وحرياتهم الدينية وغير الدينية

وعلى أموالهم، وإعفائهم من الخدمة العسكرية في مقابل دفع الجزية، بينما استمرت السلطنة في تعاملها مع

العرب المسلمين الذين لا ينتمون إلى مذهب أهل السنّة والجماعة (العلويون والدروز والإسماعيليون) بالسياسة

المملوكية ذاتها القائمة على توازن دقيق ومتعدد الأشكال، وعلى علاقات الولاء أو الاستتباع للسلطات الأهلية

والمحلية المتمثّلة في زعمائها أو شيوخها. ويعني هذا استمرار حاكمية الإقطاع العصبوي كموجّه مستبد لنمط

الحياة الاقتصادية والسياسية، وحتى الاجتماعية، لتلك القطاعات الأهلية. ولذلك عانت القرى العلوية الضيق

والفقر، الأمر الذي كان يدفع بالأهالي إمّا نحو الامتناع عن دفع الضرائب الواجبة للسلطنة العثمانية وإمّا

نحو غزو السهول المجاورة. ويمتلئ التاريخ العثماني بأخبار الحملات التأديبية العثمانية للقرى العلوية، وهي

الحملات التي غالبًا ما كانت تتخللها إجراءات إعدام وأعمال حرق قرى. كما عاش الدروز في عزلة في جبل

العرب، مع استمرار محاولات السلطنة العثمانية قيادة حملات لإخضاعهم وتأديبهم. وفي إطار ذلك، حافظت

تلك العصبيات على أفكارها الاجتماعية، واختزنت في ذاكرتها التاريخية صورًا نمطية لتاريخها. كما كان تثبيت

السلطات العثمانية سلطتها في منطقة معيّنة يتطلّب تحريض السلطات المحلية بعضها على بعض في إطار إعطاء

السلطة للأقوى. ومن هنا، تأتي الحروب التي خاضتها الجماعات الأهلية في ما بينها في وسط سورية وساحلها

خلال العهد العثماني، وخاصة بين إسماعيليين وعلويين أصدرت السلطنة العثمانية قوانين كثيرة عُرفت باسم

«التنظيمات» (خط شريف كلخانة 1839، خط همايون 1856)، ومنحت فيها الطوائف غير الإسلامية المزيد

من الحقوق، مساوية لهم فيها بالمسلمين من أجل الحد من التدخلّات الأوروبية في شؤون العثمانيين. بالنسبة إلى الجماعات الأهلية المسلمة التي لا تنتمي إلى مذهب أهل السنّة في سورية في مرحلة التنظيمات وما

بعدها، لم تختلف الأوضاع عما كانت عليه، إذ ظلت تحمل مضامين ممارسة الالتزام الضريبي وصبغة الرفض

للمعتقد المذهبي الخاص، كونها غير مشمولة بقوانين التنظيمات. أمّا الطوائف المسيحية، فقد تمتعت بمزايا

جديدة شملت مسائل تتعلق بالأحوال الشخصية، والإعفاء من الضرائب والملاحقات القانونية، وتفاعلت مع

المزايا الاقتصادية تبعًا لنظام الامتيازات الأجنبية. بدأت حوادث العنف الطائفي تظهر في المشرق العربي، منذ خروج جيوش محمد علي وعودة السلطنة العثمانية

لفرض سيطرتها في بلاد الشام، بأشكال متقطعة في جبل لبنان سنة 1840 بين الدروز والموارنة بشكل خاص،

حتى بلغت ذروتها في سنة 1860. وشهدت مدينتا حلب في سنة 1850 ودمشق في سنة 1860 حوادث طائفية

ضد الطوائف المسيحية بشكل خاص. ويقدَّر عدد القتلى في مجمل بلاد الشام في تلك الفترة بنحو 20 ألف إنسان

من المسيحيين، وجرى تدمير 380 قرية مسيحية، و 605 كنيسة، و 400 دير، إضافة إلى ما تكبّده المسلمون من

خسائر بشرية ومادية.

3 فدوى أحمد محمود نصيرات، المسيحيون العرب وفكرة القومية العربية في بلاد الشام ومصر، 1918-1840، سلسلة أطروحات

الدكتوراه؛ 77 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص.11

4 وجيه كوثراني، هويات فائضة... مواطنة منقوصة: في تهافت خطاب حوار الحضارات وصدامها عربيًا (بيروت: دار الطليعة، 2004)،

ص.109

5 وجيه كوثراني، السلطة والمجتمع والعمل السياسي: من تاريخ الولاية العثمانية في بلاد الشام، سلسلة أطروحات الدكتوراه؛ 13

(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988)، ص 107.

6 كوثراني، هويات فائضة، ص. 109

7 كوثراني، السلطة والمجتمع والعمل السياسي، ص.109

8 سيار الجميل، تكوين العرب الحديث (عمان، الاردن: دار الشروق، 1997)، ص.503

9 المصدر نفسه، ص.433

وفي إطار سعي السلطنة العثمانية للبقاء قوة عظمى تماثل منافسيها من الأوروبيين في النهضة الصناعية، عملت

على منح تراخيص للمستثمرين الصناعيين في المناطق القريبة من الموانئ، وهو ما أدّى إلى تشجيع الصناعة في

دمشق وحلب لقربهما من الميناء الرئيس على المتوسط في بلاد الشام أي ميناء بيروت. وقد ترافق ذلك مع عودة

التجارة الغربية إلى البحر الأبيض المتوسط ابتداءً من أواخر القرن السادس عشر ومطلع القرن السابع عشر،

مع توسع الامتيازات الأجنبية في السلطنة العثمانية. وبعد سنة 1750، بدت مدينة حلب مثلً من أكثر مدن

السلطنة إنتاجًا للمواد الخام المعدّة للتصدير إلى أوروبا. توجهت الطوائف المسيحية في بلاد الشام نحو التجارة والخدمات المالية، وذلك بسبب إبعادها عن مواقع الهيئة

الحاكمة في مرحلة نظام المِلل. كما ازداد مع نهاية القرن الثامن عشر في سورية عدد الوكلاء والتراجم والمقاولين

من الطائفة المسيحية لدى التجار والقناصل الأجانب في ظل التطور التجاري السابق، تبعًا لاعتبارات متعددة،

منها إتقان اللغات الأجنبية. ولكن هؤلاء تحوّلوا أيضًا إلى تجار متمتعين بالامتيازات العثمانية للأجانب. كما

حصلوا على شهادات (براءة) تسبغ عليهم الفوائد الضريبية والمزايا التي يتمتع بها التاجر الأوروبي. وزادت

بشكل كبير أعداد الشهادات الممنوحة لأشخاص يؤدون نظريًا خدماتهم كمترجمين للبعثات الأجنبية. وقد

وصل عدد تراجمة القناصل في حلب نحو ألف وخمسمئة شخص، وكانوا كلهم معفيين من الضرائب، ويعملون

في التجارة، ولكن في الحقيقة لم يكن سوى ستة منهم يعملون بالترجمة، والباقي يعمل في التجارة. وأكثر

من ذلك، يورد بعض مؤرخي التاريخ العثماني المهمِيّن، من أمثال خليل إينالجيك، أن التجار غير المسلمين في

القرن التاسع عشر استطاعوا إبعاد التجار الأوروبيين، والسيطرة على التجارة في بلاد الشام؛ إذ بقيت خمس

شركات تجارية بريطانية في دمشق وأربع في حلب في أواخر أربعينيات القرن التاسع عشر، بينما كان هناك في

حلب 110 مؤسسات تجارية للمسلمين وغير المسلمين. انحدرت الصناعة العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر، وانخفضت صادراتها بشكل كبير جدًا، ولكن خيوط

الحرير وشرانقه ظلت السلعة الرئيسة التي تضمّنتها الصادرات العثمانية. وفي الوقت ذاته، ازدادت حاجة

فرنسا إلى هذه السلعة، وهو ما أدّى إلى ازدهار تجارتها، ومن ثم حافظ تجار الحرير على مستواهم التجاري

في ظل حالة من الترابط بين الاقتصاد في بلاد الشام، وتحديدًا سورية ولبنان، والاقتصاد الفرنسي. ويكفي

أن نقارن بين القيمة السنوية لتصدير الحرير من ميناء بيروت سنة 1.192.000(1847 فرنك فرنسي) وسنة

10 عملت الدولة العثمانية بعد عام 1880 على منح التراخيص الصناعية للمستثمرين المحليين المسلمين لصناعات مثل المطاحن أو

المعاصر. انظر: إلبر أورطايلي، الخلافة العثمانية: التحديث والحداثة في القرن التاسع عشر، ترجمة عبد القادر عبد الليي (بيروت؛ عمان: دار

قدمس؛ الدار الأهلية للنشر والتوزيع، 2007)، ص.204

11 كوثراني، السلطة والمجتمع والعمل السياسي، ص. 69

12 خليل إينالجيك ودونالد كواترت، التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للدولة العثمانية، ترجمة عبد اللطيف الحارس وقاسم عبده قاسم،

2 ج (بيروت: دار المدى الإسلامي، 2007)، ج:2 1600-1914، ص.492

13 كوثراني، السلطة والمجتمع والعمل السياسي، ص.69

14 كوثراني، الاتجاهات الاجتماعية والسياسية، ص.44

15 إينالجيك وكواترت، ص.598

16 كوثراني، الاتجاهات الاجتماعية والسياسية، ص.44

17 إينالجيك وكواترت، ص.598

18 المصدر نفسه، ص.600-599

19 كوثراني، الاتجاهات الاجتماعية والسياسية، ص 46، وأورطايلي، ص.202

20 كوثراني، الاتجاهات الاجتماعية والسياسية، ص.46

21 أورطايلي، ص.205

9.791.157(1857 فرنكًا فرنسيًا)، لكي نفهم مدى زيادة النفوذ الاقتصادي للتجار المسيحيين،

وارتفاع وتيرة اندماجهم في السوق العالمية تبعًا لنظام الامتيازات. لا يعني كل ما سبق أن نفوذ التجار المسلمين كان متدنيًا، بل ظلوا مسيطرين في التجارة بين موانئ المدن

والأراضي التي تشكّل خلفيتها (على الأقل في المناطق التي شكل المسلمون أغلبية سكانها) والمراكز المدينية في

الداخل؛ إذ يورد خليل إينالجيك: «شكّل المسلمون أهم مجموعة مفردة من التجار في دمشق سنة 1840، على

حين أنّه في حلب، كان عدد المؤسسات التي يملكها مسلمون يفوق تلك التي يملكها المسيحيون واليهود بنسبة

تصل تقريبًا إلى اثنين لواحد (70 مقابل »)40. نستطيع أن نستخلص من كل ما سبق أنّ ما حدث قبل سنة 1860، هو أنّ مجتمعات المدن التجارية شهدت

تغيّات وتقلّبات اقتصادية لفئة التجار والحرفيين، وخاصة مع تحريم خط «شريف كلخانة» احتكار العائلات

تجارة ما أو صناعة سلعة ما، وهو ما دفع هذه الفئة إلى الاحتجاج في أكثر من مرة، كان أبرزها في سنة 1831

عندما فرض والي دمشق ضريبة «الصليان» على المخازن والمحلات، فدفع الأهالي إلى مهاجمة السرايا ومحاصرة

قلعة دمشق وقتل الوالي. دفعت التغيّات الاقتصادية في المجتمع الدمشقي نحو نمو الهوية الطائفية على حساب تاريخ من العيش المشترك،

تبعًا لزيادة نفوذ التجار المسيحيين وتمتعهم بمزايا لم يحصل التجار المسلمون عليها في ظل ظروف اقتصادية متقلّبة.

ولإثبات ذلك، يكفي المقارنة بين مدينتين مختلطتين طائفيًا بنسب متقاربة من المسلمين السنّة والمسيحيين هما دمشق

واللاذقية. قُدّر عدد سكان مدينة اللاذقية في نهاية القرن التاسع عشر بنحو 30 ألفًا (ثلاثة أرباع من المسلمين وربع

من المسيحيين) - بما يماثل دمشق تقريبًا من ناحية النسبة - ولم يكن نشاطها الاقتصادي قائمً على التجارة فقط

(المحدود بالأصل، والمتركز أساسًا في تجارة التبغ)، ولم يحدث فيها تغيرات اقتصادية تذكر قبل سنة 1860.

يتضح من خلال هذه المقاربة بين مدينتين مختلطتين طائفيًا تخضعان للسلطة السياسية نفسها (إحداهما حدث فيها

تغيرات اقتصادية، بينما حافظت الأخرى على طابعها الاقتصادي المتواضع) أنّ العامل الاقتصادي أدّى دورًا

مركزيًا في إحداث تغيّات ثقافية أسفرت عن ظهور أعمال العنف الطائفي. كما يثبت ذلك هجرة العائلات المسيحية

التجارية من دمشق بعد سنة 1860؛ إذ كان عدد العائلات الأرمنية المسيحية التجارية في سنة 1860 يبلغ حوالى

30 عائلة، لكن في سنة 1900 بقيت خمس عائلات منها فقط، ولا تعمل في التجارة. يقودنا ذلك إلى استنتاج أن التغيّ الاقتصادي هو الذي يفرض أنماطًا مختلفة من التغيّ الثقافي، الأمر الذي قد

يؤدي إلى أعمال عنف طائفي في المجتمعات غير المتجانسة على مستوى الهوية. وينطبق ذلك على مختلف مناطق

22 قدرت تجارة الحرير من ميناء بيروت في سنة 1836 بما يقارب 3.076.300 فرنك فرنسي، ولكنها انخفضت إلى 1.192.000

فرنك فرنسي في سنة 1847 نتيجة قلة الطلب الفرنسي. وتبعًا لتقارب أسعار السوق في بيروت وفرنسا، ظهر اتجاه بتصديره إلى أوروبا،

وهو ما ضاعف الإنتاج حوالى ثمانية أضعاف حتى سنة 1857. انظر: دومينيك شوفاليه، مجتمع جبل لبنان في عصر الثورة الصناعية في

أوروبا، ترجمة منى عبد الله عاقوري، ط 2 (بيروت: دار النهار، 2001)، ص.403

23 إينالجيك وكواترت، ص.601

24 المصدر نفسه، ص.581

25 فارس أشتي، «الجذور التاريخية للحركات الاحتجاجية في الوطن العربي، » في: ربيع وهبة [وآخرون]، الحركات الاحتجاجية في

الوطن العربي، تحرير عمرو الشويكي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2011)، ص.81

26 المقصود بمدينة اللاذقية مركز المدينة دون الريف. انظر: يوسف الحكيم، سورية والعهد العثماني، ذكريات؛ 1، ط 4 (بيروت: دار

النهار، 1991)، ص.66

27 المصدر نفسه، ص.96-94

28 إينالجيك وكواترت، ص.602

بلاد الشام في تلك الفترة. ولكن، لماذا لم يستمر التنافس أو الصراع الطائفي في دمشق كما حدث في لبنان، على

الأقل على المستوى السياسي؟ يكمن الجواب في التدخّل الخارجي المباشر، وإنزال الدول الأوروبية قواتها في ميناء بيروت في آب/ أغسطس

1860، وخاصة الفرنسية منها، ومن ثم مأسسة الطائفية في جبل لبنان من خلال كتابة القوانين والأنظمة على

أساس طائفي (تمثَّل ذلك في جبل لبنان من خلال تقسيم العثمانيين والقناصل الأوروبيين للمناطق والمناصب

الإدارية في جبل لبنان على أساس طائفي). وبذلك كرّست الدول الأوروبية والسلطنة العثمانية نظامًا سياسيًا

طائفيًا يتعامل فيه الفرد مع الدولة في مسارات طائفية، أرغب في ذلك أم لم يرغب. -2 تسييس الاستعمار للهويات الفرعية: قومنة الطائفة لم تكن الجماعات الدينية والإثنية (الأرمنية أو المسيحية أو الكردية أو الشركسية أو التركمانية) متجانسة من

الناحية الجغرافية، بينما كان العلويون والدروز متمركزين بشكل كبير في مناطقهم بسبب عزلتهم الجغرافية

والثقافية عن المجتمعات المدينية. قدمت سلطات الانتداب الفرنسي نفسها للجماعات الأهلية على أنّا المخلّص

من عصور الاضطهاد التي عاشوها في عهود الأيوبيين والمماليك والعثمانيين، ولكنّها لم تعمل على تطوير البنية

التحتية في مناطقهم أو على تحسين مستواهم المعيشي؛ إذ لم تصل إلى نمط الحياة الحديثة إلّ العائلات الموالية لها.

أمّا الأهالي بشكل عام، فقد ظلوا يعيشون في المستوى السابق نفسه في عهد السلطنة العثمانية. عملت السلطات الفرنسية على تشجيع النزعات الانفصالية أو تنميتها واستغلالها في مختلف المناطق السوريّة من

خلال تقسيمها سورية على أسس مذهبية طائفية بحت، وليس على أسس جغرافية، إذ ألحقت منطقة مصياف

مثلً والمجاورة للساحل السوري بدولة «العلويين» لأنّ جزءًا كبيرًا من سكانها ينتمون إلى الطائفة العلوية أو

الطائفة الإسماعيلية، على الرغم من وقوعها في المنطقة الوسطى من سورية. وطوال مدة الاحتلال، جرى

تقسيم سورية في أكثر من مرحلة زمنية معينة إلى دويلات ومناطق حكم ذاتي بحسب الظروف السياسية المحلية

والدولية، لا مجال لاستعراضها في هذه الورقة. يتضح ممّا سبق أنّ فرنسا اتّبعت سياسة طائفية بامتياز تعزز من دور الجماعات الدينية والإثنية، ولم يكن ذلك من

منطلق وطني أو حضاري تقدمي، بل حاولت خلق سياسات انفصالية لتعزيز استعمارها وديمومته في سورية

بأقل التكاليف الممكنة. ولم تأخذ في الاعتبار مصالح الفئات المدينية التي تمتعت بالمزايا الاقتصادية والسياسية في

عهد السلطنة العثمانية، والتي استمرت مع الاحتلال الفرنسي باحتلالها المناصب السياسية، ولكن من موقع

تحولّها إلى قوى المعارضة والنضال المدني الوطني ضد الاحتلال ضمن سياسة توازن قوى فرضها الأمر الواقع

بين الوطنيين والفرنسيين. ردّت النخب السورية بشكل عام على سياسات فرنسا الطائفية بتعابير أيديولوجية علمانية قومية تمزج بين القومية

29 أسد رستم، لبنان في عهد المتصرفية، مجموعة الدكتور أسد رستم؛ 9، ط 2 منقحة (بيروت: مكتبة البوليسية، 1987)، ص 28 و.30

30 لاع على تلك التفاصيل في التقسيمات المناطقية والإدارية على أساس طائفي، انظر: المصدر نفسه، ص للاطّ.45-40

31 كمال ديب، تاريخ سورية المعاصر: من الانتداب الفرنسي إلى صيف 2011 (بيروت: دار النهار، 2011)، ص.55-44

32 يوسف الحكيم، سورية والانتداب الفرنسي، ذكريات؛ 17 (بيروت: دار النهار، 1983)، ص.68-41

33 تضررت مصالح الفئات المدينية من سياسات فرنسا الاستعمارية بسبب عدة عوامل، منها ربط العملة الورقية السوريّة الجديدة

بالفرنك الفرنسي المتدهور في تلك الفترة، وهو ما أهدر قسمً كبيرًا من الثروة الوطنية. انظر: فيليب خوري، سوريا والانتداب الفرنسي:

سياسة القومية العربية، 1945-1920، ترجمة مؤسسة الأبحاث العربية (بيروت: مؤسسة الابحاث العربية، 1997)، ص.123

34 المصدر نفسه، ص.28-25

العربية والوطنية السوريّة. وجسّدت الثورة السوريّة الكبرى (1927-1925) هذه التعابير فصاغت مبدأ

«الدِّين لله والوطن للجميع»، وتبلورت في سياسات الكتلة الوطنية، وذلك على الرغم من وجود نخبة مدينية

متعاملة مع الاستعمار ومتنافرة مع النخبة الوطنية، بما سمح لفرنسا ببثّ الخلافات في ما بينها، والانحياز

إلى مصلحة الفئة المتعاونة. ولكن الخطاب الوطني والقومي للنخب الوطنية جعلها المهيمنة أيديولوجيًا

وسياسيًا، والأكثر شعبية في الشارع، تبعًا لمواقفها الوطنية. استمر نضال الكتلة الوطنية من أجل العمل على استقلال الأراضي السوريّة ووحدتها، ودخلت في مفاوضات

مع الحكومة الفرنسية من أجل توقيع معاهدة تضمن وحدة سورية واستقلالها. انقسمت النخب المحلية في

كل من جبل الدروز والعلويين والجزيرة السوريّة بمختلف أطيافها الاجتماعية حول الوحدة ما بين مؤيد لها

وانفصالي. وقد أسفرت المفاوضات بين الحكومة الفرنسية والحكومة السوريّة عن توقيع معاهدة سنة 1936

نصت على وحدة سورية وإلحاق المناطق السوريّة كافة في العاصمة دمشق. ولكن فرنسا، وتبعًا لاعتبارات

داخلية واستعمارية، عملت على الانقلاب على المعاهدة سنة 1939 وأعادت فصل الساحل السوري وجبل

الدروز عن دمشق بشكل كامل، وأصدرت أنظمة خاصة لكل منهما، ورفعت «أعلامًا» علوية أو درزية في

الدوائر الحكومية في كل منطقة منهما. يتضح من الإصرار الفرنسي على تقسيم سورية إلى كيانات أو دويلات تقوم على أساس مذهبي أو إثني طوال

فترة الاحتلال، أنّ فرنسا كانت تعمل على إبراز الفوارق الاجتماعية والثقافية بين السوريين وتفسّها على أنها

نتاج صراع طائفي له جذوره التاريخية، مع العمل على توفير المقومات الاجتماعية والسياسية لتشكيل كيانات

متخيّلة من خلال أمرين جوهريين: الأول، تشكيل قوات عسكرية منذ السنوات الأولى للانتداب تحت مسمّى

جيش الشرق وبإشراف وثيق من جانب الضباط الفرنسيين، وكانت اعتمدت على الجماعات الدينية والإثنية

والريفيين من العرب السنّة، لأنّا اعتبرت أنّم أقل تعرضًا لتأثيرات القومية العربية. فقد شكلت كتائب خاصة

مؤلفة من أرمن وعلويين وأكراد وإسماعيليين وشركس. والثاني، الأحوال الشخصية؛ إذ عملت فرنسا في حالة

العلويين والدروز على منحهم حق عرض قضاياهم التي تدخل في باب الأحوال الشخصية أمام محاكمهم الدينية،

وذلك في الفترة 1939-1926. وعلى الرغم من أنّه لا يوجد في الحالة العلوية نظام أحوال شخصية يختلف

بأي شكل من الأشكال عن نظام المسلمين السنّة، عمل الحاكم الفرنسي لمنطقة «العلويين» نييجر في سنة 1920،

35 المصدر نفسه، ص.29

36 المصدر نفسه، ص.96

37 أرسل زعيم المجلس التمثيلي في مدينة اللاذقية إبراهيم الكنج مذكرة قبل معاهدة 1936 يرفض فيها الانضمام إلى الوحدة السوريّة

وانضمام اللاذقية إليها، مع توقيع حوالى 80 شخصًا من الزعماء العلويين وإرغام البعض منهم على التوقيع. وفي المقابل، قام بعض الزعماء

العلويين بإرسال مذكرة إلى الحكومة الفرنسية رفضوا فيها مذكرة إبراهيم الكنج وطالبوا بوحدة الأراضي السوريّة، انظر: ديب، ص -64

65. بينما تركز الصراع السياسي في جبل الدروز بين النخبة الدرزية المحصور في عائلة الأطرش قبل توقيع معاهدة 1936 وبعدها متمثِّلً

بين الوحدويين والانفصاليين أو دعاة الحكم الذاتي الموسع، انظر: ستيفن همسلي لونغريغ، سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، ترجمة

بيار عقل (بيروت: دار الحقيقة، 1978)، ص 265. وفي الجزيرة السوريّة، كانت مطالب الانفصال موجودة عند مختلف التشكيلات

الاجتماعية. وكانت بعض النخبة العربية والكردية والمسيحية وافقت على الانفصال أو نوع من الحكم الذاتي. وكان الموظفون الفرنسيون

يهاجمون النخبة الوطنية التي تدعو إلى الوحدة مع دمشق، وتقف إلى جانب الانفصاليين، انظر: المصدر المذكور، ص  312. لمزيد من

التفاصيل حيال ذلك انظر بالنسبة إلى الدروز، العلويين، والجزيرة السوريّة: خوري، ص  275، 79-57891-5825 و 5 على التوالي.

38 مزيد من التفاصيل حول منطقة العلويين، وحول جبل الدروز، انظر: لونغريغ، ص 315 و 308 على التوالي.

39 المصدر نفسه، ص.50

40 ابتدأ عملها في سنة 1921، ووصل عددها إلى 7000 من كل الرتب في سنة 1924، انظر: لونغريغ، ص.167

41 ديب، ص.54

42 لونغريغ، ص.333

على استحصال وثيقة من القاضي الشرعي الإسلامي لمدينة اللاذقية الشيخ محمد العجان تؤيد فصل العلويين عن

الإسلام كمذهب، وعمل على إقامة محاكم مذهبية خاصة بهم. ولكن وجهاء ومشايخ علويين رفضوا في سنة

1933 بأن يكون للجماعات المذهبية الإسلامية بشكل عام والعلويين خاصة قانون أحوال شخصية مستقل يميزهم

من الدين الإسلامي. كما أكد علماء أهل السنّة في مؤتمرهم في شباط/ فبراير 1939 وحدة المسلمين، بينما

رفضت فرنسا هذه القرارات وأصرت على التعامل بقانون الأحوال الشخصية الفرنسي. تندرج تلك السياسات الاستعمارية ضمن أيديولوجيات أوروبية التمركز في رؤية التاريخ، وتروي فيها برمّتها

منظورات استشراقية للآخر. ويندرج في هذا الإطار مقاربة الظاهرة القومية بصفتها ظاهرة تحمل في طياتها

النموذج التاريخي الأوروبي، وتجعل من المحليين تابعين ثقافيًا وسياسيًا إلى المستعمر من دون الأخذ في الاعتبار آراء

الجماعات التابعة أو سكان المنطقة. وقد كان من الممكن أن تنجح السياسات الفرنسية في تطبيق هذا النموذج

وتحويل الطائفة إلى جماعة متخيّلة لأنّا استطاعت إخراجها من حدودها الجغرافية المحددة بالبلدة أو القرية والتعبير

عن الانتماء لها عن طريق وكلائها المستوردين لثقافتها. غير أن مَن أفشل هذه المحاولات الفرنسية هو النخب

المحلية السوريّة بمختلف أطيافها، على الرغم من وجود نخب متعاونة من جميع التشكيلات الاجتماعية من خلال

نضالها المدني السلمي بشكل أساس، إضافة إلى الدور الرمزي والمعنوي للثورات الكفاحية ضد الاحتلال.

ثالثًا: هوية وطنية ناشئة في دولة حديثة

لا تتشكّل الهويات الحديثة من أواصر الدم والقرابة أو اللغة أو الثقافة بالضرورة، وإنمّا قد تتولد من حوادث

جديدة كالحروب أو المجاعات أو الأزمات. تستحدث فيها الهويات السياسية الحديثة الناشئة من اختلاط

السكان بعضهم مع بعض في إطار جغرافي معيّ وزمن جديد يؤرخ لمرحلة جديدة. وهذا ما ينسحب على

الوطنية السوريّة؛ فقد مثّلت مرحلة ما بعد الاستقلال بداية انفتاح المجتمعات الأهلية بعضها على بعض. كما

مثّلت الدولة السوريّة بحدودها الجغرافية المرسومة وفق خرائط سايكس - بيكو الكيان الجغرافي المتخيّل

للسوريين. ومثّل جلاء الاستعمار الفرنسي عن سورية في 17 نيسان/ أبريل 1946 بداية لمرحلة زمنية جديدة

تؤرخ للدولة السوريّة المستقلة حديثًا.

43 يوسف الحكيم، سورية والانتداب الفرنسي، ص.68-41

44 الزعماء الذين وقّعوا مذكرة سنة 1933 هم: جابر أفندي العباس، يوسف أفندي الحامد، والمشايخ سليمان الأحمد، أحمد ديب

الخير، عيد الخير، خضر الأحمد، علي نصر حكيم، حامد المحمود، عبد الله عابدين، ياسين عبد اللطيف، إبراهيم يوسف عيد بالأصالة

عن نفسه، بالوكالة عن الزعيم الشيخ صالح العلي، داود حسن اريزة، علي لناصر ممثّلً سلمان المرشد، وعن قضاة المذهب الرسميين: أحمد

حبيب مفتي بانياس، عبد اللطيف سعود قاضي القضاة، عيسى سعود، علي حمدان عمران. وقد وافق على هذه المقررات ووقّعها كلٌّ من

الزعماء: إبراهيم الكنج، محمد جنيد، نديم عزيز، أحمد أصلان، علي الأسد، إبراهيم مخلوف. انظر: النذير (22 آذار/ مارس 1939)،

وعبد اللطيف اليونس، ثورة الشيخ صالح العلي، ط 2 (دمشق: دار اليقظة العربية، [د. ت.])، ص 88. تم الاستناد في هذه المعلومات إلى

أبحاث جارية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات يعدها الباحث المقيم في المركز د. محمد جمال باروت عن التاريخ الاجتماعي

والسياسي السوري الحديث من أواخر العهد العثماني وحتى سنة 2010، وقد سمح مشكورًا باستخدامها.

45 لونغريغ، ص.295

46 المصدر نفسه، ص.295

47 تيموثي ميتشل، «مدرسة دراسات التابع ومسألة الحداثة،» ترجمة بشير السباعي، ألف: مجلة البلاغة المقارنة، العدد 18 (1998)،

. Alif: Journal of Comparative Politics, no. 18 (1998): باللغة الإنكليزية في. منشورة أصلص 121-100

48 بندكت أندرسن، الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة ثائر ديب؛ تقديم عزمي بشارة (بيروت؛ دمشق: دار

قدمس، 2009)، ص.29

49 للتوسع في هذا الموضوع وفي أصول القوميات، انظر: المصدر نفسه.

تنتج الحداثة في غياب النموذج الغربي ما هو جديد وأصيل وحاضر ومرجعي في المجتمعات، وإن تلاقت في

جزء منها مع الحداثة الغربية، ولكنّها ليست هي. كما يتطلب أن تتحوّل جماعة معيّنة واعية بذاتها إلى جماعة

متخيّلة، مواجهات أو حوادث تصاغ فيها الذات عبر الآخرين، وهي الذات التي كانت غائبة بشكل عام

في الحالة السوريّة. ولذلك أنتج مشروع التحرر الوطني السياسي خلال فترة ما بعد الاستقلال في سورية

صراعًا سياسيًا بين أحزاب متعددة مختلفة الأيديولوجيات وذات خلفيات اجتماعية متنوعة، أو صراعًا بين

المدنيين والعسكريين. بيد أنه بالتأكيد لم يكن طائفيًا، بل على العكس من ذلك، مثّلت المرحلة نجاحًا ديمقراطيًا

ذا طابع مدني من أنجح التجارب في دول العالم الناشئة حديثًا؛ إذ لم تتبوأ الطائفية السياسية فيه أي مكان،

وإن بقيت المتخيلات الطائفية الاجتماعية موجودة في المجتمع السوري. وللدلالة على أهمية إنجاز ما أنتجه

المشروع التحرري الوطني السوري في هذه المرحلة، يكفي المقارنة بين المشروع الاستعماري الذي أنتج دويلات

طائفية تحت ادعاءات التمدن والحداثة وبين مشروع الاستقلال الذي أنتج صراعًا سياسيًا وحراكًا ديمقراطيًا. سبق أن أشرنا إلى أنّ النخبة السوريّة ردّت على سياسات فرنسا الطائفية بأيديولوجيا علمانية ذات مضمون

قومي ووطني سوري. ولذلك جاء في المبادئ التأسيسية للكتلة الوطنية التي تمثّل النخب المدينية بشكل خاص

في محافظات دمشق وحلب وحماه وحمص بيانات وسطية تدعو إلى الوحدة السوريّة بشكل كامل، ولكن مع حق

لبنان في تقرير مصيره. كما تسعى إلى الاتحاد مع الأقطار العربية الأخرى، شرط ألّ يتعارض ذلك مع أهداف

كل قطر عربي. وفي هذا السياق، كان الضباط الكبار المنحدرون من تلك الفئات مسيطرين على الجيش خلال

الأعوام التالية للاستقلال. وقد ألغت أول حكومة سوريّة بعد الاستقلال الرسوم الإدارية المرتفعة من أجل

دخول الكلية الحربية في حمص، التي كانت متاحة لأبناء العائلات المدينية مسلمين ومسيحيين نظرًا إلى تقدّم

أوضاعهم الاقتصادية، وهو ما مكّن أبناء الريف السوري (علويين ودروز ومسيحيين وسنّة ريفيين) من دخول

الكلية الحربية، في مرحلة صعود حركات الشباب القومية العلمانية السوريّة الجديدة وفي مقدمتها حزب

البعث، ثم حزب البعث العربي الاشتراكي الذي جذب جماهير فلاحية غفيرة إليه بسبب قيادة حزب العربي

الاشتراكي للحركة الفلاحية، وكذلك الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي جذب إليه الكثير من الشباب

العلمانيين في الأرياف، إضافة إلى الحركات الشيوعية إلى حد ما. وقد سمح ذلك بوصول هذه النخبة العسكرية

العلمانية إلى السلطة مع مطلع الستينيات، وكانت بحاجة إلى أيديولوجيا تعكس أهدافها وتطلّعاتها وتحررها من

الواقع الاجتماعي السائد في الأرياف السوريّة، وقد وجدتها في فكر حزب البعث العربي الاشتراكي الذي أتاح

لها تحقيق مصالحها في اتّباع سياسات اقتصادية تكفل المساواة بين المدينة والريف، أهمها الإصلاح الزراعي. يمكن إجمال المرحلة منذ بداية حكم البعث وحتى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي بعناوين الصراع السياسي

05 ميتشل، «مدرسة دراسات التابع.»

1 5 تيموثي ميتشل، حكم الخبراء (مصر، التكنو - سياسة، الحداثة)، ترجمة بشير السباعي وشريف يونس (القاهرة: المركز القومي

للترجمة، 2010)، ص.294

25 لعل الاستثناء الوحيد هو إرهاصات فتنة طائفية خلال حكم العقيد أديب الشيشكلي، ولكنّها ظلت استثناء ولم تكن الأساس. إن

وصف جماعة معيّنة واعية بذاتها لا ينطبق على الأقليات فحسب، بل على أي جماعة تستند إلى أساس ديني أو مذهبي أو إثني أو أي شيء

آخر أيضًا، وقد يحدث أن يلتقي في جماعة أكثر من أساس.

35 يتمثل ذلك في روايات أو تفسيرات طائفية، أكانت صحيحة أم لا، ولكنّها تبقى هامشية مقارنة بما تم إنجازه من وحدة سوريّة

وتجربة ديمقراطية.

45 خوري، ص.311

55 باتريك سيل، الأسد - الصراع على الشرق الأوسط، ط 10 (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2007)، ص.68-67

65 خوري، ص.694

بين التيارات البعثية نفسها والبعثيين والناصريين والسلطة الحاكمة والإخوان المسلمين، على الرغم من اتخاذها

منحى طائفيًا في أكثر من مرة، ولكن الجذر الأساس لتلك الصراعات كان سياسيًا، ويتضح ذلك من خلال

عدم تكرار تلك الحوادث في ظل ظروف الاستقرار. ارتفعت خلال هذه الصراعات حدة الخطاب الطائفي

مرتبطًا بالمتغيرات الإقليمية والحسابات الدولية في تلك الفترة. أمّا على الصعيد الاقتصادي، فقد عملت

الحكومات المتتالية منذ استلام حافظ الأسد السلطة سنة 1970 على الابتعاد عن نموذج صلاح جديد المنحاز

بشكل حاد إلى الريف السوري واعتماد نموذج يقوم على المواءمة بين مصالح الطبقات البرجوازية والسياسات

البعثية الاشتراكية. عمل حزب البعث طوال مدة حكمه على تعزيز الهوية العربية في المجتمع السوري من خلال تركيزه على العروبة

في مناهج التعليم، وفي جميع مراحله، ولكن من دون وجود مشروع حضاري يغْني العروبة ويقوم على تحرير

الفرد ويضمن حقوق الإنسان، إلى أن أضحت مادة التربية القومية الاشتراكية مادة جافة مرفوضة لدى الطلاب

السوريين. فحاولت السلطة الحاكمة التركيز على الهوية الوطنية في السنوات العشر الأخيرة، فعملت على إدخال

دروس خاصة حول ما أسمته الحضارة السورية في مادة التربية القومية الاشتراكية، وخففت من النبرة العروبية

في مناهج تدريسها، مع استمرار قمع الحريات وتغييب أي نوع من الحراك في الحياة السياسية. ولذلك حدث

التضارب بين الهوية الوطنية والهوية العربية في المجتمع العربي السوري، وهو ما سمح ببقاء الهويات ما قبل

الوطنية في المجتمع السوري الموروثة من الحقبة الاستعمارية بعد تقاعس السلطة عن بناء المجتمع وعدم

قدرة المجتمع على بناء الدولة. إن عدم وضوح الأيديولوجيا وتعدد الثقافات واختلافها الممزوجة بالظروف

الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أعلاه، كل ذلك دفع بأفراد المجتمع العربي بشكل عام إلى الوقوع في حالة من

الاغتراب والتشتت في ما يتعلق بترتيب أولويات الانتماء وتحديد الهوية. يعترف حليم بركات في كتابه المجتمع

العربي المعاصر بوجود حالة من عدم الاندماج الاجتماعي في المجتمعات العربية من خلال استمرار الولاءات

التقليدية في البنى الاجتماعية الداخلية في الدولة الوطنية. ويرى أنّه جرى في العقدين الأخيرين «تعزيز الولاء

للجماعة على حساب الولاء للدولة والوطن». ولا يبتعد عزمي بشارة عن هذه الفكرة في كتابيه في المسألة

العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي، والمجتمع المدني: دراسة نقدية، من خلال تأكيده أنّ الاستبداد السياسي

دفع إلى نمو الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية، وهي انتماءات يتبنّاها إنسان الحداثة الخاسر. وفي ظل هذه البينة الاجتماعية السابقة، شهدت السنوات العشر الأخيرة في تاريخ سورية وحتى بداية الثورات

الشعبية العربية في بداية سنة 2011 جمودًا سياسيًا شبه كامل، مع حالة من الاستقرار الأمني على الصعيد

الداخلي. في هذه الفترة، جرى احتكار السلطة السياسية وتهميش قضايا الحريات السياسيةلمصلحة سياسات

اقتصادية ليبرالية قائمة على الخصخصة تتلاقى فيها مصالح رجال الأعمال مع مصالح الاستبداد السياسي، ولم

7 5 لمزيد من التفاصيل الدقيقة حول هذه الخطب، انظر: نيقولاس فان دام، الصراع على السلطة في سوريا: الطائفية والإقليمية والعشائرية

في السياسة، 1995-1961، ط 2 (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1995)، ص.172-132

85 لا يوجد في مناهج التعليم السوريّة أي مضامين طائفية، حتى إنّ حوادث 1860 والتقسيمات الطائفية خلال الاحتلال الفرنسي لا

تدّرس في كتب التاريخ المدرسية.

9 5 حليم بركات، المجتمع العربي المعاصر: بحث في تغير الأحوال والعلاقات، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)،

ص.94-87

60 انظر على سبيل المثال: عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية، ط 6 (الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

السياسات، 2012)، ص.280

تنعكس نتائجها على الفئات الاجتماعية المهمشة إلّ بمزيد من الفقر وتدنّ مستوى المعيشة. وفي ظل غياب

المؤسسات أو الأحزاب القادرة على إيصال مطالب المواطنين، لم يبق إلّ الشارع كوسيلة للاحتجاج على الواقع

الاقتصادي والسياسي.

رابعًا: الطائفية في الثورة السوريّة

انطلقت الثورة السوريّة في 15 آذار/ مارس 2011 في سياق اندلاع حركة الاحتجاجات والثورات العربية

على شكل تظاهرة من سوق الحميدية التاريخي في إثر نقاشات مطوَّلة على صفحات «الفيس بوك» لشباب

مدنيين يمثّلون مختلف الفئات الاجتماعية السوريّة. وعلى الرغم من تَدُّث مصوّر التظاهرة بلهجة ساحلية

عن أهداف المحتجين بالحرية والديمقراطية، فإنّه ختم كلامه بالإشارة إلى أنّ المحتجين هم من الطائفتين

الإسلاميتين «السنّة والعلوية»، وأنّم سوف يسقطون معًا النظام السوري. ولا يعبّ ذلك إلّ عن إدراكهم أنّ

هناك هاجسًا طائفيًا في المجتمع يتربص بهم حاولوا أن ينفوه من اليوم الأول. والهاجس ذاته كان موجودًا

لدى أغلب رجال السلطة التي تخشى مشاركة الجماعات الأهلية في احتجاجات تفقدها شرعيتها وزعمها أنّا

«حامية الأقليات». -1 المرحلة الأولى: الوعي الطائفي البدائي (15 آذار/ مارس – 16 تموز/ يوليو 2011) استورد النظام السياسي في سورية الرجال المأجورين وجنّدهم لقمع التظاهرات مستفيدًا من التجربة

المصرية في السنوات العشر الأخيرة والتي تقوم على تجنيد أشخاص يفتعلون المشكلات مع المحتجين

لإجبارهم على استخدام العنف حتى تستطيع القوى الأمنية قمعهم بطرق وحشية. كان هذا هو الدور

الأساس لهؤلاء الرجال المأجورين في بداية الانتفاضة السوريّة، ومن ثم تطوّر دورهم مع تطور الحوادث

في سورية إلى القتال مع القوى الأمنية. ولكن تجنيد الرجال المأجورين («الشبيحة») لم يكن مقتصرًا في

قمع التظاهرات في جميع المناطق السورية على الطائفة العلوية، بل كان مرتكزًا على درجة الولاء للنظام في

المناطق القريبة من الاحتجاجات. تضمّن هذا التنظيم رجالً مأجورين، ومجرمين جنائيين، وحزبيين من

مختلف الطوائف والأديان؛ فعلى سبيل المثال تولّ رجال العشائر الموالية للسلطة قمع التظاهرات في مدينة

حلب وريفها وفي دير الزور والرقة، ومقاتلون من حزب العمال الكردستاني في المناطق الكردية، وحزبيون

61 لمزيد من الشرح حول التفاصيل الدقيقة لحالة المجتمع السوري في السنوات العشر الأخيرة، انظر: محمد جمال باروت، العقد الأخير

في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح (الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ومنير الحمش،

الاقتصاد السوري في أربعين عامًا: دراسة تحليلية للتطورات الاقتصادية والاجتماعية في سورية، ١٧٩١-٠١٠٢ (بيروت: منتدى

المعارف،.)2011

62 من شهادة مروة الغيمان في مقابلة أجراها معها نيروز غانم ساتيك في مقر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة

بتاريخ.2011/9/5

< http://www.youtube.com/watch?v=75Ng0J6DdH0&feature=related>. 63 انظر مقطع فيديو للتظاهرة على الموقع الإلكتروني:

64 يتبين ذلك في حادثة ذات دلالة في أحد فروع الأمن بعد اعتقال القوى الأمنية بعض الشباب المشاركين في اعتصام وزارة الداخلية

في 2011/3/16، وذلك عندما سأل المحقق أحد الشباب: ما اسمك؟ قال الشاب: ريان سليمان، ثم عاد رجل الأمن وسأله: من

أين أنت؟ فذكر الشاب اسم قرية من قرى طرطوس، فقال رجل الأمن له: حتى أنت! وقام بصفعه على وجهه، بعد أن تأكد أنه

ينتمي إلى الطائفة العلوية. من شهادة الناشط السياسي ضياء دغمش، أحد المشاركين في اعتصام وزارة الداخلية، في 2011/9/7 في

مقابلة في فندق الريتس في الدوحة. وعند البحث عن اسم هذا الشخص، تبين فعلً أنّه من المشاركين في الاعتصام، وهو طالب طب

بشري أُفرج عنه لاحقًا، انظر: الموقع الإلكتروني لحقوق الإنسان في سورية: <http://syrianrights.org/index.php?option=com_

content&view=article&id=104:2011-03-26-23-22-12&catid=36:mo3taklen>.

65 مقابلة عبر وسطاء محليين مع أحد هؤلاء الرجال المأجورين في دمشق، بتاريخ.2011/11/10

تابعون لحزب البعث العربي الاشتراكي في دمشق ودرعا، وفلسطينيون ينتسبون إلى الجبهة الشعبية لتحرير

فلسطين-القيادة العامة. رأى المحتجون في استحضار الرجال المأجورين («الشبيحة») سلوكًا طائفيًا في مناطق التماس على خلفيّة انتمائهم

إلى الطائفة العلويّة في المناطق المتجاورة في حمص واللاذقية وبانياس وجبلة، وإلى دفع التفاعلات السياسية إلى

الانحراف باتجاه الهويات الفرعية. كما قام خطاب السلطة في قراءة حوادث الانتفاضة ضمن منهج المجموعات

المسلحة «التكفيرية» بدور أساس في تكريس الحالة الطائفية لدى الجماعات الأهلية، بل عمدت السلطة إلى

تحويل الوعي الطائفي البدائي إلى أفعال طائفية تؤدي إلى ردة فعل طائفي في المقابل، فقد عملت في بانياس في

نيسان/ أبريل 2011 على نقل المحتجين المعتقلين إلى قرى علوية مجاورة، وقدمتهم بوصفهم سلفيين تكفيريين،

وأهانتهم علنًا في الشوارع، أو العمل على تسريب مقاطع فيديو تُظهر حالات تعذيب القوى الأمنية لمعتقلين

وفيها يتحدث المعذب بلهجة ساحلية مثل «بدكن حرية، هي مشان الحرية» أو إجبار المعتقل على قول «لا إله

إلّ بشار». وفي المقابل استعمل المعارضون المحليون في مرحلة لاحقة في بعض الأحيان خطابًا تظهر فيه ملامح

طائفية من خلال الإشارة إلى أنّ النظام يسعى إلى تشكيل دولة علوية، أو أنّ أهل الساحل هاجروا إلى الشام من

أجل قتل أهلها، أو تضخيم قضية مشاركة مقاتلين من حزب الله أو التيار الصدري في العمليات القمعية، على

الأقل في السنة الأولى من الثورة السوريّة. تعبّ أزمة الهوية عن مخاطر في ظلّ عدم الاستقرار السياسي الداخلي، نتيجة الشعور بعدم الأمان وعدم الاستقرار،

وهو ما يسمح لبعض الزعامات التقليدية بالتأثير في الشعب بشكل سلبي على نحو يعبّ عن هواجسها الطائفية

أو العشائرية، خصوصًا في ظل غياب المؤسسات المدنية القادرة على التأطير السياسي والاجتماعي للمواطنين.

ولذلك، تجلت الحالة الطائفية البدائية في مسار الانتفاضة السوريّة بأحد أشكالها من خلال تخلّف الجزء الأكبر

من الجماعات الأهلية عن المشاركة في الاحتجاجات، نظرًا إلى زيادة الشعور التضامني الداخلي في أوقات

الأزمات الاجتماعية، ويتحول في الوقت ذاته الصراع على السلطة إلى صراع من أجل البقاء. ولم تنفع مشاركة

عشرات المواطنين السوريين من الطائفة العلوية في الاحتجاجات في تغيير هذه الصورة؛ إذ طلب المحتجون في

اللاذقية منهم المغادرة كي لا تقتلهم قوى الأمن وتتهم المحتجين بقتلهم، وهو ما يؤدي إلى فتنة طائفية.

66 مروان حويجة، «الداخلية: تمرد سلفي مسلح سنلاحق تنظيماته أينما وجدت،» البعث (سورية)، 2011/4/19، على الموقع

<http://www.albaath.news.sy/user/?id=1116&a=99081>. الإلكتروني:

67 «من دون حل سياسي فإننا نسير نحو حرب أهلية: رئيس «المرصد السوري لحقوق الإنسان» ل«السفير»: الرهان على

انشقاقات ألوية عن الجيش ليس واقعيًا،» السفير، 2012/1/30، على الموقع الإلكتروني: <http://www.assafir.com/Article.asp

. x?EditionID=2063&ChannelID=49059&ArticleID=2750>

وانظر مقطع فيديو يوضح إهانة المعتقلين في قرية البيضا في بانياس على الموقع الإلكتروني: <http://www.youtube.com/

watch?v=wGLMX-DicHY&feature=related>.

68 متابعات الباحث لوسائل الإعلام ومقاطع الفيديو، ومن الأمثلة على ذلك الشعارات التي رُفعت ضد حزب الله وإيران في بداية

الثورة السوريّة والتي اختفت تمامًا في وقت لاحق، ثم عادت بعد أن انحازت إيران وحزب الله إلى النظام في سورية حتى وصل الأمر

إلى استعمال خطاب بصيغة: نحن وهم، فقد ردد محتجون في حلفايا في ريف حماه في 2011/6/27 حاملين أعلام تركيا «نحن دستورنا

القرآن، ينهي حزب الله وإيران، ردد للإيمان، نحن قائدنا العدنان، قائدهم في السرداب»، والمبالغة في السنة الأولى على الأقل من عمر

الثورة السوريّة بدور حزب الله أو الأحزاب الشيعية في العراق في القتال في سورية.

69 برهان غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، ط 3 (الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)،

ص 34. لقد شهدت بعض المناطق العلوية والدرزية تظاهرات محدودة العدد، ولكن المشاركة الأكبر كانت من ق بل الإسماعيليين في مدينة

السلمية، وخاصة مع بداية الثورة، ولكنّها لم تستمر في وقت لاحق.

70 مقابلة عبر تطبيق «سكايب» مع علي رحمون، ناشط ومعتقل سياسي وأحد المشاركين في الاحتجاجات والاعتصامات، بتاريخ

أمّا في حمص، فقد تعرضوا لقمع شديد ضمن منهج قمع الاحتجاجات. من هنا، نستطيع أن نفهم لماذا

كانت القوى الأمنية تتعامل مع الاعتصامات في الساحات بشكل أساس بغاية العنف، وذلك منعًا لنشوء حالة

مدنية مماثلة لمشهد ميدان التحرير في الثورة المصرية، وبقاء الاحتجاجات في حيز الحي السنّي ضمن إطار تقسيم

المجتمع السوري إلى فئات لا كشعب واحد. أدّى اتّباع الحكومة السوريّة سياسات اقتصادية ليبرالية، وما أفرزته من نتائج، إلى تضرر الزراعة، وترافق

ذلك مع موجة من الجفاف أسفرت عن حالة من الفرز الطبقي بشكل واضح بين الريف السوري والمناطق

المهمَّشة على أطراف المدينة من جهة، والمدن والمناطق الغنية من جهة أخرى. وأفضى ذلك إلى كسر القاعدة

الاجتماعية التي بنى عليها حزب البعث سياساته الاقتصادية والاجتماعية منذ استلام حافظ الأسد السلطة

سنة 1970 كما ذكرنا. ولذلك كانت الشريحة الأولى هي العماد الأساس والأول للحركة الاحتجاجية، ولكن

تخلّف الأرياف ذات الأغلبيات العلوية والمسيحية والدرزية عن اللحاق بها لأسباب وهواجس أمنية والخوف

من التغيير، دفع نحو خلق حالة من الطائفية تجلّت في وعي طائفي بدائي لدى المواطنين السوريين بمختلف

شرائحهم الاجتماعية. ترك تخلّف الجماعات الدينية والمذهبية الأهلية غير السنية - التي بات سلوك «الأقليات» في مراحل الأزمات

يتحكم باتجاهات سلوكها العام واضطراب مواقفها - عن اللحاق بالحركة الاحتجاجية شعورًا سيئًا لدى

الشارع المحتج تجاه الجماعات الأخرى، واعتبارها كأنّا راضية عن عنف النظام تجاه الشارع المنتفض. وأدّى

ذلك إلى حصول بعض الانحرافات في الشعارات الطائفية، وإن كانت محدودة بشكل عام، في بعض المناطق

المعارضة، مثل «بدنا نحكي على المكشوف علوية ما بدنا نشوف»، و«العلوية على التابوت والمسيحية على

بيروت». وظهرت شعارات في المناطق المؤيدة مثل «قاقي يا عيني قاقي بشار الأسد باقي». ولّدت هذه

الهتافات خيالات طائفية لدى أجزاء من المجتمع السوري من خلال التركيز على الشعارات السابقة المحدودة

جدًا وعدم سماع شعار «واحد واحد الشعب السوري واحد» الذي انتشر بشكل كبير جدًا في الشارع المحتج. كما

كانت تتولد الخيالات الطائفية للأهالي المعارضين في مناطق التماس بعد كل قمع تنزله بهم القوى الأمنية، كتناقل

أهالي حمص شائعة أنّ نساء علويات في أحياء الزهراء والنزهة يزغردن فرحًا بفض اعتصام حمص في 18 نيسان/

أبريل 2011 في الساحة العامة، على الرغم من أنّ الجريمة حصلت قبل صلاة الفجر، كما أنّ المسافة الفاصلة بين

تلك الأحياء والساحة العامة في حمص لا تسمح بسماع أصوات الزغاريد. إنّ تخلف جزء كبير من الطبقة الوسطى والطبقة المثقفة في مدينتي دمشق وحلب - اللتين تشكلان أكثر من 37

في المئة من سكان المدن السوريّة، وهما الخزان الأكبر للفئات الوسطى القوية اجتماعيًا - عن الالتحاق بالحركة

الاحتجاجية لأسباب اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية متعددة، وتركّز التظاهرات بشكل أساس في المناطق

الريفية والمدن- البلدات الصغيرة المهمَّشة اقتصاديًا واجتماعيًا - إضافة إلى استمرار النظام في تعاطيه الأمني مع

الاحتجاجات، أدّى كل ذلك إلى تأثر فئات واسعة من الشارع المحتج بأفكار الشيخ السلفي عدنان العرعور

الذي تبنّى خطابًا شعبويًا ذا ملامح ومضامين طائفية في كثير من الأحيان، وهو ما سمح بزيادة الاستقطاب

الطائفي في بعض المدن السوريّة من خلال صيحات التكبير في الليالي أو حصر الثورة في أتباع السلفية الشعبية.

71 من شهادة ناجي طيارة مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أجراها نيروز غانم ساتيك في الدوحة، فندق الريتس بتاريخ 72 كان هذا الشعار يُردد بين الناس بلهجة أهل الساحل في المناطق المؤيدة للأسد، وتنطوي العبارة على مضمون طائفي واضح.

-2 المرحلة الثانية: أنماط من العنف الطائفي بدأ العنف الطائفي في حادثة ذات دلالة تختصر مجمل التطورات السياسية والاجتماعية للثورة السوريّة بعد مرور

حوالى أربعة أشهر. بدأت المسألة في بدايات تموز/ يوليو 2011 مع نشر بعض زعامات الرجال المأجورين

المتعاونين مع قوى الأمن مقاطع فيديو لفتيات يبدلن ملابسهن في غرف قياس محلات تجارية. ادّعى هؤلاء أنّ

بعض أصحاب المحلات التجارية التي يملكها تجار من الطائفة السنّية يصورون بنات من الطائفة العلوية. وفي يوم

16 تموز/ يوليو، قتل مسلحون معارضون ثلاثة شبان علويين مدنيين مخطوفين، بعد أن اقتلعوا عيونهم. ولكن

قوى الأمن فبركت الصور، وادّعت أنّ الجثث قُط عت ومُثّل بها بشكل مبالغ فيه. وعندما وصل الخبر إلى الأحياء

ذات الأغلبية العلوية، جرى استنفار الأهالي. واستطاع الرجال المأجورون المرتبطون بالأمن تجميع بعض الشباب،

وهاجموا المحلات التجارية المتهمة بتصوير البنات، وهي المحلات المعارضة نفسها التي تشارك في الإضرابات، بينما

لم تحطَّم المحلات المجاورة التي يملكها تجار موالون للسلطة ينتمون إلى الطائفة السنّية. وقد جرى ذلك بوجود

حوالى 100 عنصر أمن. ورفضت السلطات المحلية في حمص التدخل لوقف التخريب أو منع حدوث اشتباكات

بين الطرفين. استطاعت النخبة المثقفة من الطائفة العلوية الحد من تطورات الأوضاع ووقفها عند هذا الحد من

خلال تهدئة نفوس كلا الطرفين. كما كانت تنتشر خلال مسار الثورة مقاطع فيديو لفتيات عاريات أو مشاهد

اغتصاب كانت تنتشر في كل منطقة، وهي المقاطع ذاتها، ولكن كل طرف يتّهم الآخر بأنّه هو من يقوم بها. أمّا عن جريمة القتل، فقد حصلت نتيجة سياسات النظام باستخدامه العنف بحيث دفع الشباب المهمَّشين إلى

حمل السلاح في وجه واقعهم الاجتماعي، وخاصة أنّ جزءًا مهمً منهم سبق له العمل في دول الخليج العربي وتعرف

إلى الأفكار السلفية في السنوات العشرة الأخيرة مع السياسات الاقتصادية الليبرالية للحكومة السوريّة، إضافة

إلى الاعتقالات المتكررة للجيل الأول من الناشطين السياسيين الذين يمتلكون تجارب سياسية سابقة أو ثقافة

سياسية متراكمة، وهو ما سمح بظهور جيل جديد من الناشطين لا يمتلك خبرة سياسية وغير قادر على السيطرة

على الشارع، علاوة على إطلاق سراح المجرمين الجنائيين في مراسيم العفو التي صدرت مع بداية الثورة السوريّة. يُستخلص من هذه الجزئيات أنّ الطائفية في مسار الثورة السوريّة أصبحت قابلة للتحرك في مسارات متعددة،

حيث حملت في مضامينها أبعاد تطور القضية الطائفية السياسية: على خلفية مؤيد ومعارض، والاقتصادية:

استهداف المحلات التجارية، والاجتماعية: من خلال تحويل قضية عاطفية عابرة للطوائف إلى قضية طائفية

ذات طابع سياسي تؤدي إلى العنف. أ- أعمال الخطف والهجرة والاغتيالات بدأت أنماط عديدة من العنف الطائفي تظهر متدرجة ومتقطعة ومترافقة مع استمرار أهالي حمص بالخروج في

تظاهرات يومية، ومع الحملات الأمنية لقمعها ومنع أي محاولة للاعتصام، ومن ثم الدخول في مواجهات مسلحة

73 طلاب جامعيون، مواليد سنة 1982، من مجموعة بصمة سوريّة.

74 محمد صالح العلي، ناشط سياسي من حزب العمل الشيوعي ومعتقل سياسي في الفترة 2000-1998، من سكان حمص، وأحد

أقارب الشيخ صالح العلي، وكان حاضرًا خلال هذه ا الحوادث، وهو أحد الأشخاص الذين عملوا على تهدئة النفوس، مقابلة عبر

سكايب أجراها معه نيروز غانم ساتيك، بتاريخ.2012/3/4

75 كان محمد صالح العلي والدكتور حسن عيد من أهم الشخصيات التي عملت على تهدئة النفوس. وقد تلقّى عيد ضربة موجعة على

صدره نتيجة محاولته ردع المهاجمين، ثم قُتل في وقت لاحق.

76 يرى عزمي بشارة أن الحوادث السابقة سلوك ينم عن ثقافة طائفية، يُستنتج من خلالها أن الطائفية في الوعي الاجتماعي اليومي ليس

أمرًا مصطنعًا، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بقضايا الدم والشرف. انظر في: عزمي بشارة، هل من مسألة قبطية في مصر؟ (الدوحة؛ بيروت:

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2011)، ص.16

مع الأهالي الذين حملوا السلاح للدفاع عن أنفسهم. ولكن عندما تحتج الشعوب بطابع مدني أو تحمل السلاح

للدفاع عن نفسها، تخرج ببنيتها الاجتماعية التقليدية، بما يحمله ذلك من مخاطر في مجتمع مركّب الهوية. وهنا

يكون النظام السياسي الحاكم أمام مسؤولية تاريخية ووطنية لقيادة عملية التحوّل الديمقراطي حتى لو انتهت

العملية بإسقاطه من أجل ضمان عدم حدوث شرخ اجتماعي والحفاظ على كيان الدولة. وسواء كان النظام في

سورية جادًا أو غير جاد في عملية الإصلاح التي أعلنها، فإنّه حكم عليها منذ اليوم الأول بالفشل نتيجة سياساته

القمعية والنهج الأمني في التعامل مع الاحتجاجات، وهو ما فتح المجال أمام العنف المضاد بما يحمله من مخاطر. أخذت ملامح أعمال العنف الطائفي في الظهور مع تكرار حالات الخطف والاتهامات المتبادلة في المسؤولية

عنها، والخطف المضاد. كانت آليات الضبط الاجتماعي تنجح تارة في تحرير المخطوفين وتفشل تارة أخرى

بل قد تنتهي بإعدام المخطوفين أو مقتلهم خلال المواجهات أو طلب فدية في مقابل الإفراج عنهم. ولكن

الأبشع في أعمال الخطف هو تعذيب المخطوفين وإهانتهم وإذلالهم بطرق متعددة، وهو ما كان يترك كرهًا عميقًا

ورغبة في الانتقام بعد الإفراج عنهم. تركز الخطف في مدينة حمص بين الأحياء ذات الأغلبية العلوية والأحياء

ذات الأغلبية السنّية والأحياء المختلطة. ولكن تلك الحوادث تطورت أكثر من مرة ليحدث تبادل خطف بين

مسيحيين ومسلمين في القصير في ريف حمص، وبين أهالي السويداء وأهالي درعا، وقد نجحت في كل مرة آليات

الضبط الاجتماعي في الحد منها مع استثناءات قليلة. ولا نستطيع أن نقدّر أعداد المخطوفين بسبب كثرتها،

وخاصة في حمص؛ إذ تنوعت أسباب الخطف على خلفيات سياسية وطائفية وجرائمية. تبع جرائم الخطف استهداف شخصيات متعددة واغتيالها، وقد بدأت بشكل واضح في 24 آب/ أغسطس

2011 مع اغتيال رئيس قسم جراحة الصدر في المشفى الوطني في حمص الطبيب حسن عيد، وهو من الطائفة

العلوية. واتهم المسلحون المعارضون عيد بقتل الجرحى المعارضين في المشفى. وفي 26 أيلول/ سبتمبر 2011

قُتل العميد الركن نائل الدخيل نائب مدير كلية الكيمياء في حمص وهو من الطائفة المسيحية من دون ذكر أسباب

لاغتياله. وفي اليوم ذاته، اغتيل الدكتور محمد علي عقيل، نائب عميد كلية هندسة العمارة ووكيلها العلمي في

حمص، وذلك بإطلاق الرصاص عليه وضربه بآلة حادة، إضافة إلى التنكيل بجثمانه، وهو من الطائفة الشيعية.

وقد اتُّم بأنّه ممثّل حزب الله في حمص، ويجند «شبيحة شيعة» لقمع التظاهرات في سورية. يلاحَظ أنّ الشخصيات

السابقة هم من الذين شاركوا في الحوار الوطني الذي نظمته السلطة في المحافظات، ولكن هؤلاء الأشخاص

تحدثوا بطريقة عقلانية ترفض الحل الأمني، وطالبوا بإجراءات ديمقراطية حقيقية، ومن غير الواضح سبب

اغتيالهم، كما حاول قاتلو حسن عيد تبرئته من التّهم التي وجِّهت إليه. تركت حوادث 16 تموز/ يوليو حالة من الهاجس الأمني للعائلات التي تسكن في أحياء مختلطة في حمص،

وأصبح من الواضح في نفوس الأهالي أنّ حالة الوعي الطائفي البدائي تطورت وأصبحت مفتوحة على جميع

الاحتمالات، وهو ما أدى إلى هجرة الكثير من العائلات بمختلف طوائفها إلى أحياء أو قرى تسكنها طائفة

واحدة أو إلى مدن آمنة، ولكن ذلك بقي ضمن الإطار الطوعي للأهالي. ومع اشتداد العنف السياسي في

حمص مع مطلع سنة 2012 وارتفاع حدة الاحتقان الطائفي، ما عاد يُسمح للعائلات الفقيرة التي لا تستطيع

مغادرة منازلها العيش في أماكن مختلطة. ولذلك أصبحت تلك العائلات هدفًا للمسلحين الموالين والمعارضين

77 عزمي بشارة، الافتتاحية، في: «الثورة العربية والديمقراطية: جذور النزعات الطائفية وسبل مكافحتها،» (ندوة نظمها المركز العربي

للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 28 كانون الثاني/ يناير.)2012

78 مقابلة مع محمد صالح العلي عبر سكايب أجراها معه نيروز غانم ساتيك، بتاريخ.2012/3/4

79 باروت، العقد الأخير في تاريخ سورية.

كلما رغبوا في الانتقام لحادث ما. في هذه الفترة، هاجرت أغلب العائلات من بيوتها وهربت إلى أحيائها أو

قراها الأصلية. أمّا من لم يتمكن من الهجرة، فقُتل في جرائم كراهية بشعة يندى لها الجبين، ستكون مقدمة لمزيد

من العنف الطائفي. ولعل هذه الظاهرة هي الأخطر على مستقبل الدولة المدنية الديمقراطية في سورية، لما فيها

من عودة إلى التاريخ الانعزالي، وتفتح المجال لأن تسلك الجماعة سلوكًا واحدًا بصفتها طائفة بعد أن تتشابك

العلاقات بين أفراد الجماعة ضمن حالة انفعالية عاطفية في ظروف معيّنة. ب- جرائم الكراهية والانتقام الجماعي تُعد جرائم الكراهية والانتقام الجماعي أخطر أنماط العنف الطائفي بسبب عدم إمكان التنبؤ بها، فهي قابلة

للحركة فور وقوع أي فعل مهما بلغت درجة ضآلته. ودائمً تكون الأعمال العدائية في الانتقام الطائفي عنيفة

للغاية، وترتفع سرعة انتشارها بين المناطق المجاورة ذات التركيبات الطائفية المتنوعة. ويسودها جو من

وباء الكراهية «يتطهر» فيها القتلة بالانتقام من قتلاهم، وهي تعكس دينامية ذاتية مرَضية عدوانية يتقمص فيها

المقموع شخصية القامع، وتشتغل هذه الدينامية بطريقة التشفّي التي تميز جرائم الكراهية من تمثيل بالجثث وقلع

الأعين وصم الآذان وقتل الأطفال بالآلات الحادة. بدأت جرائم الانتقام الجماعي تظهر بشكل واضح مع مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2011؛ إذ هاجم مسلحون

معارضون في حمص في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 حافلة ركاب تعمل على خط حمص - جب عباس،

كانت تنقل مواطنين من المدينة إلى القرية، وقتلوا كل من فيها؛ من تسعة إلى أحد عشر راكبًا. وفي اليوم التالي،

ردّ مسلحون موالون للسلطة من قرى علوية على استهداف الحافلة بمهاجمة معملٍ في بلدة كفرلاها في الحولة

وقتلوا أحد عشر عامل. ومن ثم، تدرجت جرائم الكراهية والانتقام الجماعي في حمص من قتل متبادل بين

العائلات في مناطق التماس، وذبح الأطفال، وتشويه الجثث إلى جرائم كبرى يذهب ضحيتها العشرات من

الأشخاص، كما في الحولة والتريمسة. تُفهم جرائم الكراهية في سياقها الاجتماعي والنفسي من مبدأ الفعل وردّة الفعل المقابل والذي يدفع إلى مزيد

من العنف الطائفي. وتروي سرديات الانتفاضة السورية الكثير من القصص المتناقضة والمؤلمة بإيجابياتها

وسلبياتها تعبّ بضرورة رفض التعامل مع أي جهة كممثّل لطائفة معيّنة، وضرورة التعامل مع الفرد ضمن

الجماعة الأهلية بصفته مواطنًا له توجهاته وأيديولوجيته الخاصة، لا كعضو في جماعة معيّنة.

80 «العنف الطائفي في عامين: ماذا حدث؟ ومن أين نبدأ: دراسة تحليلية للفترة من يناير 2008 حتى يناير 2010،» (دراسة، برنامح

حرية الدين والمعتقد، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، القاهرة، نيسان/ أبريل 2010)، ص 8، على الموقع الإلكتروني: <http://eipr.

org/sites/default/files/reports/pdf/Sectarian_Violence_inTwoYears_Ar.pdf>

81 باروت، ص.270-269

82 «سوريا توافق على الخطة العربية والانسحاب من المدن،» (رويترز، 2011/11/2)، على الموقع الإلكتروني: <http://ara.reuters.

com/article/topNews/idARACAE7A10OH20111102?sp=true >.

83 مقابلة مع محمد صالح العلي عبر سكايب أجراها معه نيروز غانم ساتيك، بتاريخ.2012/3/4

84 مقطع فيديو يوضح سلخ جلد أحد الأشخاص، وقد قام موقع يوتيوب بحذفه لاحقًا: <http://www.youtube.com/watch?v=t

Qbu7PW1Ffc&bpctr=1349958935>.

85 يكفي، لكي نفهم جرائم الكراهية في سياقها الاجتماعي والنفسي أن نسرد قصة أم خالد في حمص التي جرى تناقل روايات تقطيعها

وسلخها جثث المخطوفين على خلفيات طائفية وسياسية. ولكن هذه المرأة فقدت أولادها الأربعة خلال الصراع السياسي أو العنف

الطائفي في حمص. سُجنت أم خالد وتشاجرت لفظيًا خلال اعتقالها في فرع فلسطين في دمشق مع ناشطة سياسية معارضة من الطائفة

العلوية في الزنزانة ذاتها. مقابلة مع ميس مبارك، ناشطة سياسية معارضة سوريّة، عبر سكايب بتاريخ 2012/10/25. وهي الناشطة

التي اعتُقلت في الزنزانة ذاتها مع أم خالد. وتروي ميس أنّ قوى الأمن نبهت ميس من أم خالد بسبب أعمالها. وعندما دخلت السجن

وعرفت أم خالد أنّ ميس من الطائفة العلوية هاجمتها، فقامت السجينات الأخريات بتخليصها وتهدئتها. وتقول ميس إنّ أم خالد كانت

قد وصلت إلى حالة تقترب فيها من الجنون. بينما عملت ميس على محاولة التقرب منها وتوضيح أنّا ضحية النظام مثلها، بدليل وجودهما

في السجن معًا. ونقلت السجينات الأخريات عن أم خالد أنّ أولادها قتلوا أمام أعينها من قبل رجال يرددون «لبيك يا علي».

خامسًا: أسباب العنف الطائفي ومخاطره في مسار الثورة السوريّة

يُعد النظام السياسي في سورية، كأي نظام استبدادي في الوطن العربي، نظام مجموعة من المصالح الاقتصادية

والأمنية والسياسية المتضافرة في ما بينها، ويرتكز عليها في آليات الضبط الاجتماعي  –  الاقتصادي  - السياسي

وبناء شبكات الزبائنية وتوزيع الثروة والسلطة، ولو تقاطعت هذه المصالح مع توظيف عصبيات طائفية أو

عشائرية في بناء تلك الشبكات، وبالتالي لا يمكن اعتباره – مطلقًا - لطائفة معيّنة. ممثلً أدّت السياسات الاقتصادية ذات الاقتصاد المخطط لحكم البعث في سورية حتى سنة 2005 إلى تحوّل الدولة

إلى مصدر دخل أساس (الوظائف الحكومية) للمواطنين في المحافظات التي لا تشكل الصناعة والتجارة

فيها نسبًا عالية من الإنتاج. ومع اتّباع الدولة نهج «اقتصاد السوق الاجتماعي»، الذي ارتكز على سياسات

اقتصادية ليبرالية بشكل أساس، اتجهت الحكومة السوريّة خلال العقد الماضي إلى عدم التوسع في التوظيف

العام؛ إذ بقيت نسبة المشتغلين في القطاع العام ثابتة بين سنتي 2001 و 2010 بنحو 27 في المئة، بينما ارتفعت

نسبة المشتغلين في القطاع الخاص المنظم من 34 في المئة إلى 43 في المئة في الفترة ذاتها، من دون أن يعني

ذلك تحسنًا في ظروف العمل من ناحية الأجور أو الحصول على التأمينات الاجتماعية أو ضمان الاستقرار

الوظيفي. وقد جعل ذلك من مسألة التنافس على الوظائف الحكومية قضية جديدة للتوتر الاجتماعي،

وحالة الهجرة من الريف إلى المدينة، ومعدل نمو سكاني من أعلى المعدلات في العالم، تأخذ أشكالً طائفية في

مناطق التماس المتنوعة اجتماعيًا. وتبعًا لزيادة نسبة العلويين في الوظائف الحكومية في المدينة بفعل الهجرة من

الريف إلى المدينة، ووجود موظفين علويين كبار في موقع المسؤولية – الذين لم يوظفوا العلويين في الحقيقة

بسبب سياسة طائفية بل بسبب معاملتهم لذويهم وأبناء قراهم وعشائرهم وفق منطق التضامن التقليدي

والقرابة – فقد عزّز ذلك التضافر بين التمييز الاقتصادي والتمييز الطائفي في الوعي الاجتماعي اليومي.

ولذلك سوف نشهد الكثير من حالات استهداف العمال المتكررة من قبل المسلحين المعارضين، أأخذ ذلك

أبعادًا طائفية أم لا، مثل عمال مصفاة حمص، وعمال معمل البطانيات في حمص، وغيرهم. وقد عكس ذلك

البُعد النفسي للمسلحين المعارضين الذين كانوا عاطلين من العمل في مرحلة ما قبل الثورة في ظل ظروف

اقتصادية أصبحت فيها الوظائف الحكومية نادرة جدًا. يرى مهدي عامل أنّ الطائفة «علاقة سياسية من التبعية الطبقية التي تربط بين الطبقات الكادحة أو

قسمً منها مع البورجوازية. أمّا الطائفية فهي النظام السياسي لسيطرة هذه البورجوازية المسيطرة».

إنّ الفكرة الأساس لديه هي أنّ الطائفية كنظام سياسي تحتاج إلى أنساق (اقتصادية واجتماعية وسياسية

وثقافية). لذلك، لا بد من توافر المقومات السابقة لإنتاج الطائفية كنظام يؤدي إلى جرائم ذات طابع

86 ربيع نصر وزكي محشي، «دور العوامل الاقتصادية في الحراك السياسي،» ورقة قدمت إلى: المنتدى الإقليمي حول اقتصاديات بلدان

الربيع العربي (نظمه المعهد العربي للتخطيط بالكويت بالتعاون مع الأمانة الفنية لمجلس وزراء الشؤون الاجتماعية العرب، الأردن،

18-17 كانون الأول/ ديسمبر 2012)، ص.16

87 مهدي عامل، في الدولة الطائفية، ط 3 (بيروت: دار الفارابي، 2006)، ص.260-259

88 تستند هذه النتيجة إلى فهم سلوكي لطبيعة النظام السياسي. لمزيد من التفاصيل عن المدرسة السلوكية وشرحها لآلية عمل النظم

السياسية، انظر: جابرييل أي ألموند وجي بنجهام باويل، السياسات المقارنة في وقتنا الحاضر: نظرة عالمية، ترجمة هشام عبد الله؛ مراجعة

سمير نصار (عمان: الدار الأهلية للنشر والتوزيع،.)1997

متكرر تظهر فيه جرائم الكراهية والانتقام الجماعي. يتضح من خلال مسارات الطائفية وأنماطها في

الثورة السوريّة أنّ مدينة حمص هي المدينة الوحيدة التي تواترت فيها الجرائم الطائفية، بينما استطاع

بعض المجتمعات السوريّة الأخرى تجاوز هذه المسألة تلقائيًا، ونجحت في بعضها الآخر آليات الضبط

الاجتماعي في الحدِّ منها. تتشابه مدينتا اللاذقية وحمص في النسقين السياسي والاجتماعي، ولكن هل

تتشاركان في تماثل النسق الاقتصادي؟ تُعَدّ المدينتان من المدن المتوسطة الحجم والمتشابهة ديموغرافيًا واجتماعيًا. ولكن السياسات الليبرالية

الاقتصادية للحكومة السوريّة لم يكن لها الدرجة نفسها من التأثير في كلتيهما. تتجه الاستثمارات ونتائج

النمو الاقتصادي المتولدة عن هذه السياسات الليبرالية في ظل أنظمة تسلطية نحو قطاعات السياحة

والخدمات على حساب القطاعات الاستراتيجية (الصناعة والزراعة) وتتقدم نسبتها في الدخل القومي.

وفي الحالة السوريّة، يشير الباحث محمد جمال باروت إلى أنّ الاستثمارات اتجهت في العقد الأخير نحو

المدن التي يرتفع فيها النمو الاقتصادي، وهي دمشق وحلب، مقارنة بالمناطق الأخرى، ومن ثم البيئة

الشاطئية في اللاذقية وطرطوس. يعتمد النشاط الاقتصادي في اللاذقية بشكل أساس على أهالي حي

الصليبة، الذين كانوا المحرك الرئيس لأي نشاط سياسي في المدينة تاريخيًا. ولكن من يُسمّون «الشريقية»،

أي المهاجرين من إدلب وجسر الشغور، كانوا الفاعلين الاجتماعيين الأساسيين في احتجاجات اللاذقية،

ويتضح ذلك من خلال عدد القتلى في المدينة؛ إذ قُتل 320 «شريقيًا» من مجموع 450 قتيلً في المدينة في

مختلف مراحل الانتفاضة السوريّة. حافظت الصليبة والأحياء السنّية التاريخية على نمطها الاقتصادي التقليدي السائد المرتكز على التجارة

والمهن الحرة والعمل في مرفأ اللاذقية. وعلى الرغم من دخول عمال علويين في اللاذقية مجال العمل في

المرفأ، فإنّ نسبتهم ظلت عادية قياسًا بعمال المدينة، وخاصة مع خصخصة الحاويات في المرفأ التي كان

رجال الأعمال من الطائفة السنّية، كآل الجود وآل حورية، أكبر المساهمين فيها، وقد ظلوا يوظفون العمال

من أهالي المدينة للعمل في المرفأ. كما بقيت الأسواق التجارية التقليدية في المدينة هي المركز الرئيس

للتسوق لجميع أهالي المحافظة. أمّا في مدينة حمص، فقد برزت فئة رجال الأعمال الجدد بشكل واضح في السنوات العشر الأخيرة، في مقابل

تراجع المستوى الاقتصادي للطبقات الوسطى، وانحدرت نحو الطبقات الفقيرة مع ندرة توافر فرص

العمل في الحكومة والقطاع الخاص. جاء ذلك بعد أن تغيّت تركيبة حمص السكانية نتيجة الهجرة من

القرى المجاورة العلوية وعشائر البادية إلى المدينة وسكنهم فيها، وقيامهم بأعمال تجارية، ومنافستهم لأهالي

89 عزمي بشارة، الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها (الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

السياسات، 2012)، ومحمود عبد الفضيل، معد، رأسمالية المحاسيب: دراسة في الاقتصاد الاجتماعي (القاهرة: دار العين،.)2011

90 باروت، ص.114-113

91 مقابلة عبر تطبيق «سكايب» مع محمد السيد رصاص، كاتب وباحث سياسي ومعارض سياسي من أهالي مدينة اللاذقية، بتاريخ 92 تستند هذه المعلومات إلى مقابلة عبر تطبيق «سكايب» أجراها الباحث مع عاملين وإداريين في مرفأ اللاذقية من أجيال مختلفة.

93 ظهرت فئة من رجال الأعمال، أمثال نصوح البارودي وطريف الأخرس وعصام إمبوبة وعماد الكسيبي ومهذب رجوب، وتحالفت

هذه الفئة مع العشائر البدوية ورامي مخلوف في السيطرة على مفاصل الحياة الاقتصادية في حمص، ورعى تلك التحالفات المحافظ إياد

غزال. من شهادة ناجي طيارة مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أجراها نيروز غانم ساتيك في الدوحة، فندق الريتس

بتاريخ 2011/9/8.

المدينة في الحصول على فرص العمل في مصفاة حمص ومعمل حمص للسماد ومعمل الأسمنت. كما انتشرت

العشوائيات التي يسكنها أهالي القرى المهاجرون بشكل أكبر من مدينة اللاذقية تبعًا لحجم الهجرة؛ إذ تسجل

مدينة حمص تطورًا أكبر في حجم سكان المدينة (المعتمد على تحوّل القرى إلى بلدات والهجرة من الريف إلى

المدينة) بمعدل وسطي يقارب 10 في المئة خلال كل عشر سنوات منذ سنة 1950 وحتى سنة 2008 عن

مدينة اللاذقية. وخلال الفترة -1960 1970 جاء مركز مدينة حمص في المرتبة الثالثة من حيث الهجرة من الريف إلى

المدينة، بينما احتلت اللاذقية المرتبة الخامسة. كما كان ريف حمص ثاني ريف طارد للسكان إلى مركز المدينة

أو مدن أخرى، بينما ريف اللاذقية في المرتبة الثالثة. كما سمح صغر مساحة محافظة اللاذقية 2297(

كلم 2) مقارنة بمحافظة حمص (40910 كلم 2) لأهالي الريف العاملين في المدينة بالعودة إلى قراهم في

اليوم ذاته من دون أن يضطروا جميعًا إلى السكن في المدينة، بينما شكلت الهجرة الريفية من القرى العلوية

في حمص 25 في المئة من حجم المدينة. كما شكلت الهجرات البدوية ونصف البدوية حتى سنة 2006

نصف سكان حمص. يعود التوتر بين المهاجرين المنحدرين من أصول رعوية - بدوية والمهاجرين من أصول جبلية علوية إلى زمن

أبعد من حوادث الانتفاضة السورية. ويكمن أحد عوامله في مفاعيل الهجرة الداخلية في شروط اجتماعية-

اقتصادية - سياسية محددة ضاغطة تحوّل الاختلاف المذهبي والطائفي إلى استقطاب وتقوم عادات وتقاليد

الثأر في هذا السياق بدور كبير في تسعير هذا الاستقطاب حين يكون الطرف الذي يقوم بالثأر والطرف الآخر

موضوع الثأر من تينك الجماعتين، كما حدث في أواخر سنة 2007 في حي النزهة، حين كادت جريمة ثأر

أن تتحول إلى صدام طائفي، ولكن رجال الدِّين من كلا الطرفين استطاعوا تهدئة النفوس. وفي يوم وفاة

الرئيس السوري حافظ الأسد، قام علويون بممارسات استفزازية ذات مضمون طائفي ضد المجتمع الحمصي

التقليدي. وفي سنة 2006، قام ثلاثة رجال بذبح عنصر من الأمن السياسي من الطائفة العلوية داخل جامع

في باب الدريب، وهربوا إلى المملكة العربية السعودية. كما كان شباب علويون يتعرضون للضرب أحيانًا في

الأحياء ذات الأغلبية السنّية المحافظة. تُعزى حالة الاحتقان الطائفي الذي دفع إلى العنف الطائفي في حمص إلى الانقلاب على نمط الحياة التقليدية

للمجتمع الحمصي، من دون أن يكون هناك نمط جديد ذو مضمون حضاري وثقافي يحفظ كرامة المواطنين

وحقوقهم، وذلك في ظل غياب شروط العدالة الاجتماعية والتنمية السياسية والاقتصادية والثقافية. وقد أدّى

ذلك إلى تغير في النسقين الثقافي والاجتماعي في المجتمع الحمصي.

94 محمد جمال باروت [وآخرون]، حالة سكان سورية: التقرير الوطني الأول، 2008 (دمشق: الهيئة السورية لشؤون الأسرة وصندوق

الأمم المتحدة للسكان، 2008)، ص.48

95 خضر زكريا، الهجرة الداخلية في سورية: نشوؤها وتطورها، سلسلة دراسات حول السكان والتنمية في الوطن العربي؛ 10 (القاهرة:

وحدة البحوث والدراسات السكانية، الإدارة العامة للشؤون الاجتماعية والثقافية في جامعة الدول العربية، [د. ت.])، ص.56

96 باروت، ص.301

97 مقابلات شخصية في الدوحة مع العديد من أهالي حمص، لا يرغب أصحابها في الكشف عن أسمائهم.

98 من شهادة ناجي طيارة مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أجراها نيروز غانم ساتيك في الدوحة، فندق الريتس بتاريخ 99 مقابلات شخصية في الدوحة مع العديد من أهالي حمص.

الشكل رقم (1)

مخطط مدينة اللاذقية

مساحة المخطط التنظيمي م 200٫55٫785٫28
مساحة السكن العشوائي م 200٫7357845٫٫
مساحة السكن العشوائي داخل التنظيم م 200٫006525٫٫1
مساحة السكن العشوائي خارج التنظيم م 200٫073٫132٫4
مساحة الوضع الراهن للسكن م 200٫325٫181٫35

ملاحظة: المناطق الملونة توضح السكن العشوائي.

100 الجمهورية العربية السورية، رئاسة مجلس الوزراء، هيئة التخطيط الإقليمي، تقرير الإطار الوطني للتخطيط الإقليمي، 2011،

ص.164

مساحة المخطط التنظيمي م 282٫895٫603٫31
مساحة السكن العشوائي م 219٫646345٫٫17
مساحة السكن العشوائي داخل التنظيم م 219٫646345٫٫17
مساحة السكن العشوائي خارج التنظيم م 2-
مساحة الوضع الراهن للسكن م 205٫674٫55436٫

ملاحظة: المناطق الملونة توضح السكن العشوائي.

101 المصدر نفسه، ص.165

الشكل رقم (2)

مخطط مدينة حمص

نستطيع أن ندعم هذا التحليل الاقتصادي والاجتماعي بعدم حدوث أي جريمة طائفية في اللاذقية حتى

نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2012. بل إن المجتمع اللاذقاني تمكن من تجاوز اختبارات صعبة في ظل حالة

من عدم الاستقرار والقلق النفسي التي كانت سورية تعيشها تبعًا لحوادث حمص؛ ففي نهاية الشهر الأول

من سنة 2012، تتالت حوادث استهداف العائلات وقتل الأطفال حرقًا أو ذبحًا في حمص كما أشرنا سابقًا.

وفي الشهر ذاته، قُتل أربعة أطفال خلال احتراق بيت أحد الناشطين السياسيين في شارع القوتلي في اللاذقية.

واتَّم الأهالي القوى الأمنية بتدبير الحريق، وغضبوا لعدم إطلاق سراح الأب وعدم السماح له بالمشاركة في

الجنازة. وفي إثر هذه الحادثة، خرجت تظاهرات ضخمة في مدينة اللاذقية خلال تشييع الأطفال جابت

مختلف أحياء اللاذقية. وعلى الرغم من فجاعة ما جرى في حمص، لم يتأثر أهالي اللاذقية بهذه الحادثة، ولم

يحدث أي عمل طائفي. قد يرى بعض الباحثين أنّ السبب الرئيس لاتخاذ حمص هذا المنحى من العنف الطائفي هو درجة القمع الذي

تعرضت له. وبالمقارنة بمدينة اللاذقية أيضًا، تعرّض المحتجون في آذار/ مارس ونيسان/ أبريل 2011 لدرجة

قمع تفوق ما تعرّض له المحتجون في حمص في الفترة ذاتها، ولكن وسائل الإعلام لم تكن تنقل هذه الجرائم. وقد

يذهب بعض الباحثين إلى أنّ هناك توازن قوى اجتماعيًا في اللاذقية يفرض على الجماعات الأهلية هذا النمط من

السلوك، ولكن يجب الانتباه إلى أنّ توازن القوى يفرض هجرة العائلات من الأحياء المختلطة أو فرزًا اجتماعيًا

في الحركة الشعبية في أحياء المدينة كما حدث في حمص، ولكن هذا لم يحدث في اللاذقية، ولم تتغير حركة الأهالي في

المدينة خلال فترة الدراسة إلّ لاعتبارات أمنية تقوم على الخوف من حدوث اشتباكات أو انفجارات في الليل.

أمّا في مدينتي جبلة وبانياس المتاخمتين لمدينة اللاذقية، فمن المرجح أيضًا حدوث أعمال عنف طائفي، وذلك

بسبب تغير التركيبة الاقتصادية للمدينتين؛ إذ انقسمت أسواق كلتا المدينتين إلى سوقين بصبغة طائفية. ولكن

بما أنّ مدينة اللاذقية هي المركز الأساس للساحل السوري، وأنّ جبلة وبانياس طرفيتان، فمن المرجح أن تتبعا

المنحى الذي ستسلكه اللاذقية. لم تشهد منطقة ريف حماه خلال عقود عديدة سوابق توتر أو احتقان اجتماعي على خلفية طائفية، بل إنّ مدينة

مثل السقيلبية كانت «مسيحية» الطابع، فأصبحت متعددة الأديان والمذاهب بشكل لافت، ولم يكن ذلك مصدر

توتر أو احتقان جدي. وهناك العديد من القرى المختلطة أو المتجاورة التي لم تشهد في السابق توترات طائفية.

ولم يشكّل العلويون أو المسيحيون مصدر تهديد للموارد المادية والمعنوية، وليس بينهم من أشخاص نافذين في

النظام بكيفية تؤدي إلى شعور بالغبن أو الاحتقان. ولذلك أخذ العنف الطائفي في المنطقة طابع الغزو المستند إلى

بنى وذهنيات الغزو والغنيمة والعصبية، وبالتالي سنجد كثيرًا من حالات العنف الطائفي في ريف حماه جاءت

بعد أعمال الخطف بقصد طلب الفدية. لم يستطع العنف الطائفي على الرغم من توتره وتواتره تفكيك نظام التواصل الاجتماعي، وإن كان قد هزّه بقوة،

وقطع الكثير من الصلات والتفاعلات العابرة للأديان والمذاهب، ولكن بقي هناك حد أدنى من العلاقات

الاجتماعية ممّا يمكن أن نسمّيه «الأعيان» و«النخب» المحلية، إلى جانب الاتصال أو التواصل غير العلني بين

الأشخاص والعائلات والقرى على الرغم من فشله في المحافظة على تقاليد العيش المشترك التي طورها أهل

منطقة الغاب خارج النظام السياسي.

102 مقابلات عبر تطبيق «سكايب» مع العديد من أهالي اللاذقية في تموز/ يوليو وآب/ أغسطس.2012

103 مقابلة عبر سكايب مع عقيل محفوض، باحث سوري من منطقة الغاب في ريف حماه يحمل الدكتوراه في العلوم السياسية، بتاريخ

خاتمة

لا يعني حدوث أعمال عنف طائفي في اللاذقية أو ريف حماه أو أي منطقة أخرى في المستقبل أنّ النظام الاجتماعي

العام هو حالة من العنف الطائفي المستديم، وإنمّا ستكون كحوادث تنتهي بانتهاء الصراع السياسي الدائر في

سورية إذا لم تتغير التركيبة الاقتصادية تبعًا للتطورات السياسية الجارية فيها، ولم تحدث تدخلات استخباراتية

ودولية، وخاصة في مرحلة غياب السلطة السياسية أو العسكرية. وسيكون للنخبة المحلية والأهلية الدور

الأبرز في بلورة خطاب وطني جامع يقطع الطريق على الانتهازيين أو ذوي المصالح الخاصة في الدفع باتجاه أمور

لا يريدها الشعب السوري، تغيب فيها أصوات عامة الشعب ويظهر ممثلون من النخب السياسية أو تنظيمات

غير مدنية تمثّل جماعات معيّنة، تحظى بدعم دولي بما يعزز مكانتها على الصعيد المحلي، وهو ما يدفع سورية إلى

خيارات غير عقلانية، هي محصلة تقاطع مصالح القوى الدولية والفاعلين المحليين غير المدنيين، بدلً من أن

تعكس ما يتضمنه التراث السوري، وبينما تتفرد مدينة حمص بتوافر العوامل التي تجعل من الطائفية النظام

الديناميكي القابل للحركة في اتجاهات متعددة. إن التفاوت في مستوى المعيشة هو من بين أهم العوامل التي تؤدي إلى استمرار قوة الجماعات الوسيطة والولاءات

التقليدية من عرقية وطائفية وقبلية. ولذلك، فإنّ التعامل مع القضية الطائفية يقتضي بالضرورة معالجتها على

أسس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والأمن الوطني. ولا بد أن تكون العروبة أحد الحوامل الأيديولوجية

التي يُبنى عليها النظام السياسي الديمقراطي. وسيقع على عاتق المعارضة السياسية الوقوف في وجه الطائفية

السياسية. كما أنّ تحقيق التنمية الاقتصادية في المستقبل هو الشرط الأساس لضمان عدم تكرار القضايا الطائفية،

لأنّ الصراعات السياسية والتنوعات الطائفية لا يمكن أن تنتهي. وتبقى مسألة العلاقة بين الريف والمدينة في

سورية موضوعًا رئيسًا يحتاج إلى الكثير من الدراسة والتدقيق في معظم مفاصل التاريخ السوري.

104 بركات، ص.129

المراجع

-1 العربية ألموند، جابرييل أي وجي بنجهام باويل. السياسات المقارنة في وقتنا الحاضر: نظرة عالمية. ترجمة هشام عبد الله؛ مراجعة سمير نصار. عمان: الدار الأهلية للنشر والتوزيع،.1997 أندرسن، بندكت. الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها. ترجمة ثائر ديب؛ تقديم عزمي بشارة. بيروت؛ دمشق: دار قدمس،.2009 أورطايلي، إلبر. الخلافة العثمانية: التحديث والحداثة في القرن التاسع عشر. ترجمة عبد القادر عبد الليي. بيروت؛ عمان: دار قدمس؛ الدار الأهلية للنشر والتوزيع،.2007 إينالجيك، خليل ودونالد كواترت. التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للدولة العثمانية. ترجمة عبد اللطيف الحارس وقاسم عبده قاسم. 2 ج. بيروت: دار المدى الإسلامي، 2007. ج:2 1600-1914. باروت، محمد جمال. العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح. الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 [وآخرون]. حالة سكان سورية: التقرير الوطني الأول، 2008. دمشق: الهيئة السورية لشؤون الأسرة وصندوق الأمم المتحدة للسكان،.2008 بركات، حليم. المجتمع العربي المعاصر: بحث في تغير الأحوال والعلاقات. ط 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2009 بشارة، عزمي. الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها. الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012. المجتمع المدني: دراسة نقدية. ط 6. الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012. هل من مسألة قبطية في مصر؟. الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2011 الجمهورية العربية السورية، رئاسة مجلس الوزراء، هيئة التخطيط الإقليمي. تقرير الإطار الوطني للتخطيط

الإقليمي،.2011 الجميل، سيار. تكوين العرب الحديث. عمان، الاردن: دار الشروق،.1997 الحكيم، يوسف. سورية والانتداب الفرنسي. بيروت: دار النهار، 1983. (ذكريات؛ 17). سورية والعهد العثماني. ط 4. بيروت: دار النهار، 1991. (ذكريات؛ 1) الحمش، منير. الاقتصاد السوري في أربعين عامًا: دراسة تحليلية للتطورات الاقتصادية والاجتماعية في سورية،

١٧٩١-٠١٠٢. بيروت: منتدى المعارف،.2011

خوري، فيليب. سوريا والانتداب الفرنسي: سياسة القومية العربية، 1945-1920. ترجمة مؤسسة الأبحاث

العربية. بيروت: مؤسسة الابحاث العربية،.1997 دام، نيقولاس فان. الصراع على السلطة في سوريا: الطائفية والإقليمية والعشائرية في السياسة، 1995-1961.

ط 2. القاهرة: مكتبة مدبولي،.1995 ديب، كمال. تاريخ سورية المعاصر: من الانتداب الفرنسي إلى صيف 2011. بيروت: دار النهار،.2011 رستم، أسد. لبنان في عهد المتصرفية. ط 2 منقحة. بيروت: مكتبة البوليسية، 1987. (مجموعة الدكتور أسد

رستم؛ 9) زكريا، خضر. الهجرة الداخلية في سورية: نشوؤها وتطورها. القاهرة: وحدة البحوث والدراسات السكانية،

الإدارة العامة للشؤون الاجتماعية والثقافية في جامعة الدول العربية، [د. ت.]. (سلسلة دراسات حول

السكان والتنمية في الوطن العربي؛ 10) سيل، باتريك. الأسد - الصراع على الشرق الأوسط. ط 10. بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، شوفاليه، دومينيك. مجتمع جبل لبنان في عصر الثورة الصناعية في أوروبا. ترجمة منى عبد الله عاقوري. ط.2

بيروت: دار النهار،.2001 عامل، مهدي. في الدولة الطائفية. ط 3. بيروت: دار الفارابي،.2006 عبد الفضيل، محمود (معد). رأسمالية المحاسيب: دراسة في الاقتصاد الاجتماعي. القاهرة: دار العين،.2011 غليون، برهان. المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات. ط 3. الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

السياسات،.2012 كوثراني، وجيه. الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في جبل لبنان والمشرق العربي من المتصرفية العثمانية إلى دولة

لبنان الكبير. بيروت: منشورات بحسون الثقافية،.1986. السلطة والمجتمع والعمل السياسي: من تاريخ الولاية العثمانية في بلاد الشام.

بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988 سلسلة أطروحات الدكتوراه؛. ().13. هويات فائضة... مواطنة منقوصة: في تهافت خطاب حوار الحضارات وصدامها

عربيًا. بيروت: دار الطليعة،.2004

لونغريغ، ستيفن همسلي. سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي. ترجمة بيار عقل. بيروت: دار الحقيقة،.1978 ميتشل، تيموثي. حكم الخبراء (مصر، التكنو - سياسة، الحداثة). ترجمة بشير السباعي وشريف يونس. القاهرة:

المركز القومي للترجمة،.2010 نصيرات، فدوى أحمد محمود. المسيحيون العرب وفكرة القومية العربية في بلاد الشام ومصر، 1918-1840.

بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009. (سلسلة أطروحات الدكتوراه؛.)77 وهبة، ربيع [وآخرون]. الحركات الاحتجاجية في الوطن العربي. تحرير عمرو الشويكي. بيروت: مركز دراسات

الوحدة العربية،.2011 اليونس، عبد اللطيف. ثورة الشيخ صالح العلي. ط 2. دمشق: دار اليقظة العربية، [د. ت.].

دورية ميتشل، تيموثي. «مدرسة دراسات التابع ومسألة الحداثة.» ترجمة بشير السباعي. ألف: مجلة البلاغة المقارنة:

العدد 18،.1998 مؤتمرات «الثورة العربية والديمقراطية: جذور النزعات الطائفية وسبل مكافحتها.» (ندوة نظمها المركز العربيّ للأبحاث

ودراسة السياسات، الدوحة، 28 كانون الثاني/ يناير.)2012 المنتدى الإقليمي حول اقتصاديات بلدان الربيع العربي (نظمه المعهد العربي للتخطيط بالكويت بالتعاون مع

الأمانة الفنية لمجلس وزراء الشؤون الاجتماعية العرب، الأردن، 18-17 كانون الأول/ ديسمبر

وثيقة «العنف الطائفي في عامين: ماذا حدث؟ ومن أين نبدأ: دراسة تحليلية للفترة من يناير 2008 حتى يناير

2010.» (دراسة، برنامح حرية الدين والمعتقد، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، القاهرة، نيسان/

أبريل 2010)، ص 8، على الموقع الإلكتروني: < http://eipr.org/sites/default/files/reports/pdf/ >Sectarian_Violence_inTwoYears_Ar.pdf